أرشيف الوسم: التاريخ

عن نيوتن، والطاعون، وكيف حرض الحَجر الصحي على القفزة الأعظم في تاريخ العلم

“وما الحقيقة إلا ثمرة للصمت والتأمل”

في خمسينات القرن السابع عشر للميلاد، بدأت غمامة الطاعون باجتياح العديد من بلدان أوروبا. حيث ضرب الوباء إيطاليا، أولاً، تلتها إسبانيا و ألمانيا، ثم هولندا. في ذلك الحين، كانت إنكلترا -التي يبدو أن إرادة الله شاءت أن تحميها من ذاك الوباء- تراقب الدول المجاورة لها من خلف جدار القنال الإنكليزي بوَجلٍ شديد، ثم بهدوء يسوده الحذر لمدة وصلت إلى ما يقارب عقدًا من الزمن.

بيد أن العالم بأسره، آنذاك، كان يضع التجارة في مقام رفيع، كما أن قوى العولمة كانت آخذة بالانتشار. وبما أن اقتصاد إنكلترا كان يعتمد اعتمادًا كبيرًا على التبادل التجاري، فإن موانئها كانت تعج بالسفن المحمّلة بالحرير والشاي والسكر القادم من كافة الحدود المكتشفة في العالم. لكن هذه السفن كانت محملة، أيضا، بالجرذان التي تحمل على أجسادها براغيثا، وهذه البراغيث هي التي تحمل البكتيريا المسببة للمرض؛ والتي كانت عبارة عن مملكة من الكائنات الحية الدقيقة أحادية الخلية، علماً أن الخلية لم تكن مكتشفة بعد، في ذلك الحين؛ إذ تنتقل العدوى من تلك البراغيث إلى جسد الإنسان عند رسوّ السفن.

وهكذا, تم الإعلان عن أول حالة وفاة بالطاعون في لندن في يوم الميلاد عام 1664. تلتها حالة أخرى في شهر شباط \ فبراير, ثم تتالت الحالات بعد ذلك. وهذا ما دفع كاتب اليوميات الإنكليزي (صموئيل بيبس) ليكتب في شهر نيسان\ أبريل من العام ذاته قائلاً:

“في هذه المدينة، ثمة مخاوف كبيرة من المرض. ليحفظنا الرب جميعا.”

صموئيل بيبس

بيد أن الرب لم يكن نظيرًا لانعدام المعرفة العلمية الأساسية بعلمي الأحياء والأوبئة. كانت الوفيات سريعة ومروعة، وسرعان ما أصبحت كثيرة إلى الحد الذي لم يتمكن أحد فيه من حمل الجثث. لتزداد أعداد الضحايا عشرة أضعاف بحلول فصل الصيف. إذ قفز عدد الوفيات من المئات إلى الآلاف في الأسبوع الواحد. لذلك فُرض على المرضى البقاء في منازلهم. كما تم وضع العديد منهم في سفن وتركوا ليلقوا حتفهم بمعزل عن المدينة. أما بيوتهم، فقد رسم عليها من الخارج صليب كبير للدلالة على وجود مصابين في الداخل. وفيما يخص المسرحيات، والرياضات الدموية العنيفة، وما إلى ذلك من تجمعات لحشود الناس، فقد مُنعت منعًا باتًا. كما منع الباعة المتجولون من بيع السلع، وموزعي الصحف اليومية من الهتاف في الشوارع، فانزوى الجميع إلى الداخل. ليخيم على مدينة الصخب والضجيج صمتًا موحشًا وغريبًا. وتغلق الجامعات، هي الأخرى، أبوابها.

عندما أرسلت جامعة “كامبريدج” طلابها إلى منازلهم، كان هنالك شاب شغوف بعلم الرياضيات و الحركة والضوء. هذا الشاب الذي توفي والده الأمي قبل ولادته بثلاثة أشهر. والذي كان يعبد “إله النظام لا الفوضى” وبدأ دراسته الجامعية عن طريق خدمته لبعض الطلاب الأثرياء من أجل تحصيل مصاريف دراسته. حيث أخذ كتبه التي جمعها، وعاد بها إلى مزرعة أمه.

هنا، حيث العزلة والوحدة، إذ يواصل الوباء امتداده بشراسة، كان (إسحق نيوتن) يحلم بنقطة الارتكاز التي تنتشل البشرية من عصور الظلام. في هذا المكان، سواء كانت الحادثة حقيقة أم مشكوك بصحتها؛ سقطت التفاحة. وفي ظل تلك التفاحة بزغت الفكرة الثورية لقانون الجاذبية التي يراها (نيوتن) قوة “يمتد تأثيرها حتى مدار القمر” على طول المسافة الفاصلة  بينه وبين الأرض دون انقطاع أو حدود. في ذات المكان شرع (نيوتن) بحساب تلك القوة التي يعتبرها “عنصرًا ضروريًا لإبقاء القمر في مداره، بفعل قوة الجاذبية على سطح الأرض” في غضون حسابه لهذه القوة، قوة الجاذبية، وكضرورة للقيام بذلك، ابتكر (نيوتن) نظرية التفاضل و التكامل.

في كتابه المميز (إسحاق نيوتن) الذي يعد مقياساً ذهبياً للسيرة الذاتية والسرد القصصي، والذي يجسر الهوة بين العلم و الشعر، كما يعرفنا على القصص الكامنة خلف المشاهير “الوقوف على أكتاف العظماء“* يحدثنا الكاتب الأمريكي (جيمس جليك) عن (نيوتن) الشاب  الهارب من الطاعون إلى منزل طفولته، إذ يقول:

“لقد أنشأ (نيوتن) رفوف مكتبته بنفسه، وشيّد مكتبة صغيرة. فتح (نيوتن) دفتر ملاحظاته الذي يحتوي على ما يقارب الألف صفحة، والذي كان قد ورثه من زوج أمه وأسماه “كتاب مهمل” وبدأ بملئه بملاحظاته التي سرعان ما تحولت إلى بحوث حقيقية. لقد جلب لنفسه المشاكل؛ فقد تفكر بهذه الملاحظات بهوس شديد، محصياً الإجابات الواردة فيها، وطارحًا المزيد من الأسئلة. لقد تجاوز (نيوتن) حدود المعرفة، على الرغم من عدم علمه بذلك. فكانت سنة الطاعون هي سنة التغيير الجذري بالنسبة له.  فقد جعلت منه تلك الوحدة والعزلة عن العالم الخارجي عالم الرياضيات الأهم في العالم.”

[جيمس جليك] – إسحاق نيوتن

 ومن حسن حظ (نيوتن) أنه عاش حياةً طويلة، فقد بلغ عمره عند وفاته أربعة وثمانين عاما، أي أنه عاش أكثر من ضعف متوسط العمر المتوقع للإنسان في تلك الفترة. حيث حُمل نعشه من قبل اللوردات و النبلاء آنذاك. كان (نيوتن) سيعيد النظر إلى أكثر مراحل حياته الفكرية ثراء  خصوبة وهو يدرك بأن “الحقيقة ليست سوى ثمرة للصمت و التأمل”


*يقصد بها عبارة نيوتن الشهيرة التي أجاب بها عندما سئل عن قدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون، والوصول إلى قوانين لم يستطع غيره الوصول إليها  ” إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأنني أقف على أكتاف العمالقة من العلماء الذين سبقوني” 

[المصدر]

ما الذي يميّز الإنسان المتمدن عن غيره؟ (برتراند راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، أولها هو (الفلسفة القديمة) من ترجمة الأستاذ (زكي نجيب محمود)، والذي تحدّث (راسل) عن الفروقات الأساسية التي صنعتها المدنية الأولى في سيكلوجية الإنسان، فيقول:

إن الإنسان المتمدن يتميز من الهمجي بسداد الرأي قبل كل شيء، أو إذا شئت لفظة أشمل قليلًا من تلك، فقل إنه يتميز ببعد النظر، الذي يتنبأ بما سيقع قبل وقوعه، فتراه لا يأبى احتمال الألم الراهن من أجل لذة مستقبله، حتى وإن كانت تلك اللذة المقبلة بعيدة الوقوع.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن هذا التغيّر المهم في تكوين الإنسان، فيقول:

وقد أخذت تظهر أهمية هذه العادة حين بدأت الزراعة، فليس هناك حيوان ولا إنسان من الهمج يعمل في الربيع لكي يدّخر طعامً للشتاء، اللهم إلا قليلًا من الحالات الغريزية الخالصة، كالنحل يصنع العسل، والسنجاب يدفن البندق تحت الثرى؛ وليس ثمة بُعد نظر في هذه الحالات، بل هناك دافع مباشر يدفع الحيوان إلى فعلٍ لا يعلم عن نفعه في المستقبل إلا الإنسان المتفرج؛ إن بُعد النظر الحقيقي هو الذي يقع حين يفعل الإنسان فعلًا لا يدفعه إلى فعله دافع طبيعي، بل يفعله لأن عقله يهديه إلى أنه سينتفع بهذا الفعل في تاريخ مقبل؛ ولا يحتاج الصيد إلى بُعد نظر لأنه لذيذ، أما حرث الأرض فعمل شاق ويستحيل فعله بدافع فطري باطني.

هذا التغير الأساسي في سيكلوجية الإنسان، نتج عنه عدد من الأطر والحدود التي تواطأ عليها الإنسان المتمدن. فيقول (راسل):

والمدنية من شأنها أن تلجم الدافع الفطري؛ وليس وسليتها في ذلك بُعد النظر فحسب، الذي هو من فرض الإنسان على نفسه، بل إن من وسائلها أيضًا في كبح الدوافع الفطرية، القانون والعادات والدين؛ وهي تَرِث هذا الكباح من عصر الهمجية، لكنها تخفف الجانب الغريزي فيه وتجعله أكثر اتساقًا في أجزائه بحيث لا ينقض بعضها بعضًا؛ فترى بعض الأفعال قد وُصفت بأنها إجرام وخُصص لها العقاب، وبعضها لا يعاقب عليه القانون، لكنه يوصف مع ذلك بالشر، والذين يفعلون مثل هذه الأفعال يتعرضون لسخط الناس.

ثم يختتم (راسل) هذا الجزء من كتابه، فيقول:

أما في نطاق الفكر، فالمدنية الرصينة هي والعلم اسمان على مسمى واحد على وجه التقريب؛ لكن العلم الخالص وحده لا يُقنع، فالناس بحاجة إلى العاطفة والفن والدين؛ ولئن جاز للعلم أن يصنع الحدود للمعرفة، فلا يجوز أن يضع أمثال هذه الحدود للخيال.

عوامل نشأة الحضارات عند وَيْل ديورانت

ويل ديورانت

ويليام جيمس ديورانت (1885 – 1981) فيلسوف، مؤرخ وكاتب أمريكي من أشهر مؤلفاته كتاب (قصة الحضارة) والذي شاركته زوجته (أريل ديورانت) في تأليفه.

تحدث (ديورانت) عن العوامل الجغرافية والاقتصادية في نشأة الحضارات، فقال:

فحرارة الأقطار الاستوائية وما يجتاح تلك الأقطار من طفيليات لا تقع تحت الحصر، لا تهيئ للمدنية أسبابها، فما يسود تلك الأقطار من خمول وأمراض، وما تُعرف به من نضوج مبكّر وانحلال مبكر، من شأنه أن يصرف الجهود عن كماليات الحياة التي هي قوام المدنية، ويستنفدها جميعاً في إشباع الجوع وعملية التناسل، بحيث لا تَذَرُ للإنسان شيئاً من الجهد ينفقه في ميدان الفنون وجمال التفكير؛ إذن فالعوامل الجغرافية على الرغم من أنها يستحيل أن تخلق المدنية خلقاً، إلا أنها تستطيع أن تبتسم في وجهها، وتهيئ سبيل ازدهارها.
والعوامل الاقتصادية أهم من ذلك، فقد يكون للشعب مؤسسات اجتماعية منظمة، وتشريع خلقي رفيع، بل قد تزدهر فيه صغريات الفنون، كما هو الحال مع الهنود الأمريكيين، ومع ذلك فإنه إن ظلَّ في مرحلة الصيد البدائية، واعتمد في وجوده على ما عسى أن يصادفه من قنائص، فإنه يستحيل أن يتحول من الهمجية إلى المدنية تحولاً تاماً، قد تكون قبيلة البدو- كبدو بلاد العرب- على درجة نادرة من الفتوة والذكاء، وقد تبدي من ألوان الخُلق أسماها كالشجاعة والكرم والشيم، لكن ذكاءها بغير الحد الأدنى من الثقافة التي لا بد منها، وبغير اطراد موارد القوت، ستنفقه في مخاطر الصيد ومقتضيات التجارة، بحيث لا يبقى لها منه شيء لوَشْى المدنية وهُدابها ولطائفها وملحقاتها وفنونها وترفها.

كما تحدث أيضًا عن ارتباط الثقافة بالزراعة، فقال:

وأول صورة تبدت فيها الثقافة هي الزراعـة، إذ الإنسان لا يجد لتمدنه فراغاً ومبرراً إلا إذا استقر في مكان يفلح تربته ويخزن فيه الزاد ليوم قد لا يجد فيه مورداً لطعامه؛ في هذه الدائرة الضيقة من الطمأنينة- وأعني بها مورداً محققاً من ماء وطعام- ترى الإنسان يبني لنفسه الدُّور والمعابد والمدارس، ويخترع الآلات التي تعينه على الإنتاج ويستأنس الكلب والحمار والخنزير، ثم يسيطر على نفسه
آخر الأمر، فيتعلم كيف يعمل في نظام واطراد، ويحتفظ بحياته أمداً أطول ويزداد قدرة على نقل تراث الإنسانية من علم وأخلاق نقلاً أميناً.
إن الثقافة لترتبط بالزراعة كما ترتبط المدنية بالمدينة، إن المدنية في وجه من وجوهها هي رقة المعاملة ، ورقة المعاملة هي ذلك الضرب من السلوك المهذب الذي هو في رأي أهل المدن- وهم الذين صاغوا حكمة المدنية- من خصائص المدينة وحدها، ذلك لأنه تتجمع في المدينة- حقاً أو باطلاً- ما
ينتجه الريف من ثراء ومن نوابـغ العقول؛ وكذلك يعمل الاختراع وتعمل الصناعة على مضاعفة وسائل الراحة والترف والفراغ؛ وفي المدينة يتلاقى التجار حيث يتبادلون السلع والأفكار؛ وهاهنا حيث تتلاقى طرق التجارة فتتلاقح العقول، يُرهف الذكاء وتُستثار فيه قوته على الخَلق والإبداع، وكذلك في المدينة يُستغنى عن فئة من الناس فلا يُطلب إليهم صناعة الأشياء المادية، فتراهم يتوفرون على إنتاج العلم والفلسفة والأدب والفن؛ نعم إن المدنية تبدأ في كوخ الفلاح، لكنها لا تزدهر إلا في المدن.

وفي موضع آخر يقول بأن المدنية لا جنسية لها:

وليست تتوقف المدنية على جنس دون جنس، فقد تظهر في هذه القارة أو تلك، وقد تنشأ عن هذا اللون من البشرة أو ذاك، قد تنهض مدنيّة في بكين أو دلهي، في ممفيس أو بابل، في رافنا أو لندن، في بيرو أو يوقطان. فليس هو الجنس العظيم الذي يصنع المدنية بل المدنية العظيمة هي التي تخلق الشعب، لأن الظروف الجغرافية والاقتصادية تخلق ثقافته، والثقافة تخلق النمط الذي يصاغ عليه. ليست المدنية البريطانية وليدة الرجل الإنجليزي ولكنه هو صنيعتها، فإذا ما رأيته يحملها معه أينما ذهب ويرتدي حُلة العشاء وهو في “تمبكتو”؛ فليس معنى ذلك أنه يخلق مدنيته هناك خلقاً جديداً، بل معناه أنه يبين حتى في الأصقاع النائية مدى سلطانها على نفسه. فلو تهيأت لجنس بشري آخر نفس الظروف المادية، ألفيت النتائج نفسها تتولد عنها، وهاهي ذي اليابان في القرن العشرين تعيد تاريخ إنجلترا في القرن التاسع عشر، وإذن فالمدنية لا ترتبط بالجنس إلا بمعنى واحد، وهو أنها تجيء عادة بعد مرحلة يتم فيها التزاوج البطيء بين شتى العناصر، ذلك التزاوج الذي ينتهي تدريجياً إلى تكوين شعب متجانس نسبياً. وأخيراً لابد من تربية- وأعني بها وسيلة تُتخذ- مهما تكن بدائية- لكي تنتقل الثقافة على مر الأجيال، فلابد أن نورث الناشئة تراث القبيلة وروحها، فنورثهم نفعها ومعارفها وأخلاقها وتقاليدها وعلومها وفنونها، سواء كان ذلك التوريث عن طريق التقليد أو التعليم أو التلقين، وسواء في
ذلك أن يكون المربي هو الأب أو الأم أو المعلم أو القسيس، لأن هذا التراث إن هو إلا الأداة الأساسية التي تحول هؤلاء النشء من مرحلة الحيوان إلى طور الإنسان.

ويجيب عما لو انعدمت هذه العوامل :

ولو انعدمت هذه العوامل- بل ربما لو انعدم واحد منها- لجاز للمدنية أن يتقوض أساسها. فانقلاب جيولوجي خطير، أو تغيُّر مناخي شديد أو وباء يفلت من الناس زمامه كالوباء الذي قضى على نصف سكان الإمبراطورية الرومانية في عهد “الأناطنة” (جمع أنطون)، و “الموت الأسود” الذي جاء عاملاً على زوال العهد الإقطاعي … فإذا ما حدث اضطراب خطير في عواملها الاقتصادية أو في طرائق انتقالها من جيل إلى جيل فقد يكون عاملاً على فنائها.

المرجعية والمنهج، لدى احمد مرزاق

المرجعية والمنهج (دراسة نظرية تطبيقية) 

IMG_٢٠١٧١١٢٧_١٧١٤٠٣_٨٩٣

د.أحمد مرزاق، من مواليد مدينة وجدة المغربية عام 1974، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث عام 2010، يعمل معلما في التعليم الثانوي

يثيركتابه (المرجعية والمنهج) أسئلة معرفية مهمة، حول المرجعية والمناهج، ومنها تصل الأسئلة لمدى اعمق، حول الهوية الثقافية، والتمايز الحضاري بين الأمم، ولا يدعي تقديم اجوبة كاملة بقدر ما يحاول فتح الطريق للوصول إلى الوعي بها، والبحث عنها.

فيقول في مقدمة  الكتاب:

يتطلب الحديث عن المنهج فتح ملفات تطول تراثا بأكمله، تراثا يبدأ مما يسمى النهضة العربية إلى حدود الوقت الراهن، لكي نسأل ونلح في السؤال عن المناهج القارئة والمفككة للتراث والواقع، فنحن قد نكون دخلنا في طريق مسدود منذ اللحظة التي أقصي فيها سؤال المنهج وعلاقته، الوصل أو الفصل، بالمرجعية، إذ كان الأولى أن ننقب في مجموعة قضايا أولها وأهمها قضية المفهوم، وهي من اخطر القضايا واعوصها.

يذهب الباحث التونسي عمر الشارني إلى أن المصطلح (يرتبط ارتباطا متينا بأرضه وموضعه الذى نشأ فيه -المقصود بالموضع هنا حقل معرفي معين -لا يغادره إلا وتعرض حتما للتشويه، وعلينا أن نعلم أن المفاهيم العلمية ضاربة في الخصوصية، غير قابلة لأن يتحول بعضها إلى بعض). مما يعني أن المصطلح متجذر في تشكيل حضاري، له لغته المعجمية والحضارية.

لهذا استعارة المفاهيم من حقل معرفي إلى حقل آخر قد يحمل مخاطر ومزالق، أما نقلها من نظام معرفي، أو مجال حضاري معين، واستنباتها داخل نظام آخر مغاير لا يؤدي إلى النسف، بل إلى خلخلة وشل الحركة داخل المنظومة المستورِدة، خصوصا إذا تم هذا الإستيراد في لحظة الوهن الحضاري.

وثاني هذه القضايا قضية تداخل الحقول المعرفية، فهذا التداخل يفرض على كل قارئ، الإلمام بالسياسات المختلفة للعلوم ليلاحظ الوشائج والعلاقات التي تقيمها هذه العلوم فيما بينها.

وقد حاولت في هذا البحث أن أشير إلى العلاقات التي تربط الحقول المعرفية، الفلسفية والإنسانية، والطبيعية والأدبية فيما بينها، وهذه الإشارة دافعها الأساس هو الكلام الكثير الذى نسمعه، في مجال المعرفة العربية عامة، والدراسات الأدبية خاصة، عن الأستعارة، الإستلهام، الإستيحاء، الإقتراض، النحت، التركيب، التكييف، التطبيق، التوظيف. وغيرها من المصطلحات التي تخفف من عملية النقل من خزان المعرفة الغربية، ثم الحديث المتواصل عن الفصل بين الدين المسيحي واليهودي والمعرفة الفلسفية أو الأدبية.

هذا الدافع يلح على اعادة الإعتبار للسؤال والشك في كل شيء، ومن هذا المنطلق جاء البحث عبارة عن سؤال كبير هو: ما علاقة المنهج بالمرجعية؟ بكل مكوناتها: الدين، الأسطورة، العلم، الثقافة؟

ثم يقول في سؤال المنهج والمرجعية:

يخلص الباحث السعودي سعد البازعي، في دراسته التي قدمت إلى ندوة (إشكالية التحيز)، إلى نتيجة مفادها أن ( القول بإمكانية فصل المنهج عن سياقه دون إحداث أية تغييرات، أو بعد ادخال تعديلات طفيفة، هو نوع من الوهم الذى سرعان ما يتكشف تحت محك التحليل التاريخي للخلفية الثقافية الفلسفية التي تحملها تلك المناهج)

تأتي تلك النتيجة بعد إقراره أن الناقد العربي مخير بين أمرين: إما أن يعمل على تطبيق المنهج المستورد كما هو، والنتيجة هنا هي إساءة فهم المادة الأدبية، وإما يعمل على تغييره تغييرا جذريا، فيصبح أمام منهج جديد لا صلة له بالمنهج الأول.

وأظن أن القضية نفسها وما يتعلق بالإختيار الثاني خاصة، قد عالجها أبو القاسم حاج حمد، حينما تعرض المحاولات التي رامت تطعيم الماركسية بالنزعة الإنسانية، يقول: ” حين يتفاءل احمد حيدر بالنزعة الإنسانية، عليه أن يتذكر أن هذه النزعة الإنسانية هي نزعة خارجية (ذاتية)، وبالتالي فإن كل محاولات التجديد في الفكر الماركسي لا تعني سوى نهاية الماركسية نفسها.

لماذا نهاية الماركسية؟  لأن ” تجريد الماركسية من الجبرية، ليتخذ الديالكتيك مكانة بحرية في حياة الإنسان، منطلقا من الحوار بين الذات والموضوع، هو أمر غير ماركسي”، يعني هذا أنه حين يختار الباحث منهجا معينا، للتعامل مع حقل من حقول المعرفة الإنسانية، فهو ملزم بمجموعة من الثوابت والسمات التي تؤسس المنهج، وتحدد خصوصيته بالمقارنة مع منهج آخر، وعليه فلا يمكن مثلا أن يكون الباحث بنيويا وتفكيكيا في الوقت نفسه.

هذا القول بالتلازم بين الخلفية الحضارية وبين المنهج ليس جديدا في الثقافة العربية الإسلامية، ولا نشاطر البازعي رأيه في قوله إن الآراء في هذا التلازم ( لا تكاد تتجاوز القناعة البداية)، لأننا نملك نماذج معينة حاولت التصدي لهذا الإشكال، والمساهمة بالفعل في اضاءته عبر مجموعة من مؤلفاتها، أولها شيخ الإسلام ابن تيمية، من خلال مصنفة( الرد على المنطقيين)، فهو يعتقد أن ( المدخل الفعال لإصلاح عقائد اهل عصره،  يتم عبر اصلاح طرق تفكيرهم، ولما كان المنطق الأرسطي هو “الأرغانون” أو القانون الناظم لذلك العقل، فقد كان لابد من التوجه لدحض أسسه الفلسفية).

فيصبح بذلك منطق أرسطو منطقا للغة اليونانية، وليس لكل اللغات، لكن الثورة الفلسفية التي دعا لها -ابن تيمية – أهملت، كما أهملت قبلها ثورة الغزالي، الذى رأى ومن خلال نقده للفلسفة اليونانية، أن ( العقل الإنساني قادر على العلم الوضعي، وأنه يبقى جدليا في الإشكالات الماورائية)، فهذا العمل الجبار الذى قام به لدحض الفلسفة كان أهم إسهام ايجابي له في تاريخ الفكر الإنساني.

والتأسيس للعقل العلمي أو للعلم الوضعي الذى قام به الغزالي ستظهر نتائجه في لحظتين مختلفتين: لحظة النهضة الأوروبية، ولحظة ابن خلدون، فهو ايضا وقف موقفا حازما من الفلسفات الحلولية الغنوصية، وكذلك من المنطق.

النموذج الثاني الذى يقف مستوعبا لخصوصية المعرفة،  أو لإشكالية التحيز في الإبداع البشري، هو حازم القرطاجني، حيث يقول:
” فإن الحكيم أرسطوطاليس، وإن كان اعتنى بالشعر بحسب مذاهب اليونانية فيه، ونبه على عظيم منفعته وتكلم في قوانين عنه، فإن اغراض اليونانية إنما كانت اغراضا محدودة في أوزان مخصوصة، ومدار جل اشعارهم على خرافات كانوا يضعونها/ يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود، ويجعلون احاديثها أمثالا وأمثلة لما وقع في الوجود، وكانت لهم ايضا امثال في اشياء موجودة نحوا من امثال كليلة ودمنة،  وكانت لهم طريقة ايضا، في اشعارهم،  يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه، فأما غير هذه الطرق فلم يكن لهم فيها كبير تصرف، كتشبيه الأشياء بالأشياء، فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه، وإنما وقع في كلامهم التشبيه في الافعال لا في ذوات الأفعال”

المهم من كل هذا هو أن هناك محاولات كانت في جوابها على سؤال العلاقة بين المرجعية والمنهج مستوعبة للإشكال، وهذا يظهر جليا في مثال ابن تيمية، الذى يرى أنه لا يتم دحض المناهج- هنا المنطق – إلا عبر دحض أسسها الفلسفية، ومستوعبة ايضا لقيمة التمايز، ولو بشكل متفاوت بين مجالين حضاريين، وإلم تصدر عنه في كل انشطتها المعرفية كما رأينا مع الغزالي.

هذا التمايز وهذا الوعي سيلغى مع عميد الأدب العربي، وذلك لكي نُشعِر الأوروبي بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوم الأشياء كما يقومها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها.

ألأن المغلوب مولع بتقليد الغالب، أم لأن الذات التي كانت تستحضر ككيان مستقل فب مواجهة الآخر لم تعد عذراء، بل مغتصبة بعدما أعيد ترتيب داخلها، بشكل يخدم الإتجاه النازع نحو توحيد العالم وتنميطه.

فنحن حسب طه حسين، لو اخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها فستعود وتؤول لتتطابق مع ” المركز” وهو “المرآة”، فكل شيء عند “الأنا” ينحل ليعود إلى الأصل اليوناني أو الروماني أو التوراتي المسيحي، وهو عينه ما فعله الإستشراق، وإن كانت للإستشراق دوافعه.

فطه حسين وهو يستعين بالفرنسي بول فاليري، الذى شخص العقل الأوروبي فأرجعه إلى اليونان ( فلسفة، أدب، فن)،  وإلى الرومان ( سياسة، فقه)،  وإلى المسيحية ( دعوة إلى الخير والإحسان). نسي وهو في هذه الزحمة منهجة الديكارتي الذى كان قد تبناه، ونسي القاعدة الأولى والأساسية بتعبيره لهذا المنهج وهي: (أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وطه حسين باعتباره (المرجع لنهضتنا العلمية في الدراسات الأدبية)، كما يزعم شوقي ضيف،  كان أول من دشن الإشكالية المنهجية التي ستتعاظم مع مرور الزمن، أعني إخضاع الذات الثقافية بجوانبها المتعددة، لمعيار غربي، والنظر إليها بمنظور الآخر.

نعم، فطه حسين لم يهتم بالمعري إلا لأن ” الإفرنج قد عنوا بالرجل عناية تامة” – القول لطه حسين- وترجموا له، واكثروا من القول في نبوغه وفلسفته، ولا ينظر إليه إلا عبر منظار الآخر الذى هو ” المنهج التاريخي”

فالغرب صار (مركزا) يحدد موضوع البحث، ثم المنهج وما يتصل به من مفاهيم واجراءات ومصطلحات، وبهذا يكون ” الإنسان العربي الحديث والمعاصر قد فقد القدرة على تسمية الأشياء”

واشارة بسيطة وعابرة إلى المشاريع العربية، توضح أن السؤال حول المنهج والمرجعية دخل في عداد المسكوت عنه أو (اللا مفكر فيه)، مما حدا ببعض المفكرين العرب إلى القول: ” يكاد يذهب بنا القول إلى التأكيد، انه لم تعرف الثقافة العربية الحديثة، منهجا نقديا، اكتسب شرعيته المنهجية إلا وقد كان تأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالموجهات والإجراءات التي اتصفت بها المركزية الغربية في حقل البحث الأدبي ونقده، بل في جل الحقول المعرفية.

وبعد أن يعرض المؤلف لآراءه، حول إستلهامات كل من حسن حنفي ومحمد برادة ومحمد مندور والجابري كأمثلة، يكتب:

وهل يكفي أن نقول إن معظم النقاد العرب الذين يعمدون إلى اختيار مناهجهم وأدواتهم التحليلية من مستودع المناهج الأجنبية، لم يتمثلوا هذه المناهج تمثلا نقديا، ولم يراعوا خصوصية المعطيات التي يدرسونها..فالإستلهام و (التمثل)، و(الإستعانة)، والإستيحاء) وغيرها، كلمات تعمل عمل السحر، لتبرر النقل السهل،  والعجز عن الأبداع.

بعد كل هذا التماهي في ثقافة (الآخر)، والتطابق معها، سواء على مستوى الرؤية أم المنهج، بل حتى في الموقف من الذات، لا نستغرب الآراء الطالعة علينا كل حين ومرة بوعائية المنهج واجرائية المفهوم، بل حتى كونيته، فالبنيوية ليست (فلسفة، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود ” كمال ابوديب – جدلية الخفاء والتجلي).

وكأننا نحقق نبوءة الرسول الكريم ص:” لتتبعن سنن من كان قبلكم…” هذا لا يعني أن الرسول ص يؤسس للجيتو، إنما المسألة لا تخرج عن التحرر من (إمبريالية المقولات)، ومن حالة السيولة التي كان يتعامل أو يدرك بها الفكر العربي الحضارة الغربية، فالذين يصرون على استيراد الميزان (الكليات أو المطلقات أو الغائيات)، يصرون في واقع الأمر على استيراد اختيارات الآخرين ورؤيتهم.

يقول في المرجعية بعد ذلك:

يثير الكلام حول المرجعية كثيرا من الأسئلة الشائكة، التي تحتاج لعقل جبار، ليتسنى له تجريد المرجعية الكامنة خلف كل الإبداعات الحضارية، أو تجريد ( النموذج المعرفي) الكامن، على حد تعبير عبدالوهاب المسيري، والحفر يجب أن يأخذ بعين الإعتبار بدايات التشكل، فلا يمكن مثلا فهم النهضة الغربية بمعزل عن التراث الإغريقي والروماني، فكل ما حدث أن إنسانيي النهضة ( ازاحوا جانبا آباء الكنيسة وأرسطو ورجال اللاهوت في العصور الوسطى، واحلوا محلهم مجموعة من الكتابات التي حفظها لهم التاربخ عن الإغريق والرومان ” كرين برينتون- تشكيل العقل الحديث” )

وعن مركزية التاريخ في تشكيل المرجعية:

المرجعية تتشكل داخل التاريخ، وهي اشبه ما تكون بكرة ثلج تحمل نواتها داخلها، وتتدحرج من قمة الجبل، فتضاف إليها عبر مسيرتها عناصر تساهم من جهتها في إثرائها واغنائها، وتحاول هي – المرجعية أو النواه- من جهتها تذويب وهضم هذه العناصر.

 وهنا مسألة مهمة تحتاج توضيح، فالقول أن المرجعية تشكيل تاريخي أمر نسبي يرتبط بالحضارات التي لم تعرف الرسالات السماوية، أو التي عرفتها لكن وقع التحريف فيها كاليهودية مثلا، فهذا الحكم لا ينطبق انطباقا تاما على الحضارة الإسلامية، لأن نواة مرجعيتها هو القرآن الكريم الذى تكفل الله سبحانه بحفظه، فهذا القرآن هو المهيمن على كل الثقافات قديمها وحديثها، وعبره تتم مراجعة ابداعات كل البشرية، وقد قام فعلا القرآن بمراجعة وتقويم تراث الأنبياء الذى حرفه اتباعهم، هذا التوضيح ضروري، خصوصا في وقت صار فيه المتبني لبعض آليات القراءة الغربية، بدعوى عالميتها، لا يميز بين النص التاريخي و “النص” القرآني.

والمثال الذى يمكن تقديمه هنا هو عنصر العلم، فرغم ما يقوله الغرب من أن ( الفلسفة والعلم كما نعرفهما اختراعان يونانيان)، وأن (حضارة الغرب التي انبثقت من مصادر يونانية، مبنية على تراث فلسفي وعلمي بدأ في ملطية Miletus  منذ 2500 عام)، فإن عبدالحميد يويو يقدم ورقة يطرح فيها سؤالا هو:  (إلى أي حد يمكن اعتبار اليونان مهد العلم ومسقط الروح العلمية في البحث والدراسة للعالم الخارجي  الكون والمادة).

فمما لا شك فيه أن الغرب إلتقط هذا المفهوم من الحضارة الإسلامية، وجرده من حوافه ليدخله إلى نسقه حتى يتلائم وروحه التدميرية.

بناء على ما سبق نفهم بعض المحاولات التي تروم رصد إرهاصات مجموعة من الأفكار الحديثة داخل أثينا، كمفهوم العلمانية ومفهوم الصراع، أو كما يسميه المسيري بالإبادة، هذا المفهوم الذى كانت من بين اصوله مجموعة من الأساطير المؤسسة لنزعة الغلبة والسيطرة كأسطورة برومثيوس، وبعض التأملات الفلسفية لكبار الفلاسفة كهرقليطس الذى يقول: ” لقد كان هوميروس على خطأ حين قال: ليت الصراع يختفي بين الآلهة والناس! إذ أنه لم يدرك انه كان يدعو بذلك لدمار العالم، فلو استجيب لدعائه هذا، لفنيت الأشياء جميعا”.

ونفهم كذلك عودة بعض الفلاسفة، بل جل الفلاسفة الغربيين إلى (المركز) أثينا، حين محاولة تحطيم أو تفكيك بعض الثوابت، كثابت العقل (اللوغوس)، والمنطق، والحضور مع دريدا، وتمجيد القوة والحياة عند نيتشه، لأن اليونانيين ( لم يكونوا عقلانيين بل كانوا مشحونين بإرادة الحياة ” رونالد سترومبرج”)، وان نيتشه وذويه (جزء من هذا الكون، وهو اعمى والصراع فيه مستمر ودائم).

هذه الإستمرارية التي تحاول بعض الدراسات تفاديها بإسم ( القطيعة المعرفية)، أو التركيز على لحظة معينة خصوصا القرون الثلاثة الأخيرة، هي القادرة على فك شفرات مجموعة من الأفكار.

فإذا سلمنا بأن الصراع بين الكنيسة وكل ما يدخل في نطاقها كالدين والفكر اللاهوتي والرموز، وبين الفكر” الحر” العلماني قد حسم لصالح الفكر العلماني، فلا يمكن فهم مجموعة من القضايا، واهمها هنا قضية ( نهاية التاريخ) كمثال فقط، فنهاية التاريخ أو إشكالية ( موت التاريخ)، هي إشكالية كامنة في الحضارة المادية الغربية كما يؤكد المسيري.

يستمر الحديث إلى مكونات المرجعية الغربية:

يرى مجموعة من الدارسين  أن المرجعية التاريخية للفكر الفلسفي والديني الغربي هي نتاج ثلاث مكونات هي:

  1. الفلسفة اليونانية
  2. التراث الروماني
  3. المسيحية

وهذه المكونات التي يقدمها عرفان عبدالحميد لا تخرج عما قدمه الإستشراق أو (المركز)، فالعقل الأوروبي كما شخصه بول فيري، الذى استعان به طه حسين في بحثه عن اصول (العقل) الإسلامي، يرد هذا العقل إلى عناصر ثلاثة (حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن، وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه، والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحث على الإحسان).

ولكن هناك أصول اغفلها الغرب في تحقيبه للعقل الإنساني، وذلك عن قصد، وهنا لا نقصد الأصول البعيدة كمصر وبابل، ولكن الأصل الإسلامي من جهة، والتراث اليهودي من جهة أخرى، وإن كان الأصل الاول  لم يستطع الغرب إستيعابه، وإنما (إلتقط)، وهي كلمة مقصودة، بعض مساهماته كالمنهج العلمي، وبعض مفاهيمه كمفهوم العمل، يبقى هناك مكون أو مصدر آخر يذكره الباحث المصري حسن حنفي وهو : البيئة الأوروبية نفسها، وهي تتضمن الديانات الوثنية التي عاشت فيها أوروبا قبل إنتشار المسيحية، والأساطير والأعراف وامزجة الشعوب وبيئتها الجغرافية، فديانات القبائل كما يؤكد حسن حنفي كانت أقرب إلى ” أساطير الغزو والحرب، بعيدا عن المبدئ الأخلاقية”

والأمر المراد هنا هو حضور هذه الأساطير والديانات الشعبية في الوعي الأوروبي حتى بعد إنتشار المسيحية، فلقد تم تأسيس مجموعة من العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر، وقبل ذلك على أساطير معينة، وتم بناء المشروع الحداثي الغربي على أسطورة برومثيوس وفاوست، أما ازمجة الشعوب وبيئتها الجغرافية، فهي ضرورية ايضا لفهم مجموعة من الأفكار، إذ لا يمكن الفصل بين الفلسفة الألمانية والطبيعة الالمانية ومزاج الشعب الألماني: حب الطبيعة، النظام، الإحساس بالواجب، العمل. كما لا يمكن الفصل بين الفكر الأنجلوساكسوني وطبيعة الشعب في الجزر البريطانية: الحس، التجربة، العادات والتقاليد كبديل عن القوانين.

ثم يتطرق إلى ثوابت المرجعية الغربية الحديثة:

يقول عرفان عبدالحميد فتاح، إن أول ما يلاحظ على الفكر الغربي انه ( فكر اقام بنيانه واسسه على قانون مطرد في تاريخه، لا خلف فيه، هو قانون الصراع بين الأقطاب المتضادة)، فعبر هذا القانون يغدو وجود قطب معين يقتضي نفي مقابله نفي إلغاء، فإما الإنسان وإما الله، وإما الطبيعة وإما الإنسان، في الأول يحل الله في الإنسان، أو يصل الإنسان إلى الله فينفيه، فيتمركز العالم حوله، حول الذات الديكارتيه العارفة، أو الذات البرومثيوسية المنتصرة، فيعلن الإنسان أنه “سيد الكون ومركزه وانه موضع الحلول، ولهذا فهو مرجعية ذاته”، فيسعى للحصول على كل شيء بدون إله او نظرية نرفانا ( الفناء في المطلق). وفي الثاني يحل الإنسان في الطبيعة، بعد ان كان كل منهما مغيبا في الرؤية المسيحية، أو يتم تطبيع الإنسان، فيخضع للقانون الطبيعي، ويبدا الجوهر الإنساني – الثابت في الإنسان- في الغياب تدريجيا، ويحل الطبيعي محل الإنسان. فالشكل الأول من الحلول اسسته مجموعة من الأساطير في التراث اليوناني والتراث الشرقي القديم، الذى احتضنته اوروبا مع اليهودية المحرفة ونموذجه اسطورة بابل، ولكنه أخذ ملامحه الحقيقية مع ظهور مؤسسة (كهنوتية) هي مؤسسة العلم في العصور الحديثة، وكانت اهم تجليات الصراع ومظاهره هي ظاهرة الثنائية على المستوى الفلسفي: تجريبي/ عقلي، مثالي/ واقعي، وعلى المستوى الأدبي: رومانسي/ واقعي، تفكيكي/ بنيوي، وعلى المستوى المنهجي: موضوعي/ذاتي.

ناتي إلى الثابت الثاني وهو (مؤسسة العلم)، يؤكد الباحث (إدوارد جرانت)، أن “العلوم الرياضية وعلم الفلك والبصريات والطب، كانت حتى عام 1500 م تقريبا، أكثر تطورا في العالم الإسلامي مما كانت عليه في الغرب”، لكنه يستدرك ليقول أن العلم لم يمأسس في العالم الإسلامي، أي لم يصبح العلم مؤسسة ذات قواعد راسخة فيه”.

وجواب جرانت حول لماذا لم يتحقق العلم، كما نعرفه اليوم إلا في المجتمع الغربي، هو وقوع بعض الأحداث الأساسية في أوروبا الغربية بين عامي 1175م  و 1500م، هذه الحداث يجمعها في ثلاث شروط يراها أساسية وحاسمة، وهي:

  1. ترجمة علوم الإغريق إلى اللغة الاتينية، ومن دون هذا الشرط ربما لم يكن بالإمكان تحقق الشرطين الآخرين.
  2. تكوين جامعات القرون الوسطى، بعد اكتمال معظم الترجمات، بداية من عام 1200م، في كل من باريس واكسفورد وبولونيا، وكانت تختلف عن أي شي سبق أن عرفه العالم من قبل.
  3. ظهور طبقة فلاسفة اللاهوت، وتتمثل مساهمتهم في موافقتهم على إدخال فلسفة الطبيعة، واستخدامها في مناهج الجامعات الجديدة.

هذه الشروط مع أسباب اخرى، سمحت بتاسيس ( مؤسسة العلم)، التي ستدخل في صراع مرير مع مؤسسة الكنيسة، وسيحسم الصراع غالبا لصالح العلم، الذى سيتحول إلى (دوغما) في مشارف القرن التاسع عشر، مع الفلسفة الوضعية.

هذين الثابتين، ثابت الصراع وثابت (مؤسسة العلم) من المهم الوقوف عليهما، لانهما المؤطران لكثير من القضايا والإشكالات، فمؤسسة العلم تحدد العلمي والموضوعي وما دون ذلك، وتحدد كذلك المفَكَر والممكن التفكير فيه، والصراع يمنع التأليف بين الثنائيات: عقل/ حس، خالق/مخلوق، طبيعة/انسان، بالإنتصار لحدهما وإقصاء الطرف الآخر.

يختتم حديثه حول المرجعية الغربية الحديثة، فيقول:

الكلام حول المرجعية يحيل مباشرة إلى صيغة المفرد، لأننا نزعم أن كل الثقافات الإنسانية ( تشتمل على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركها أبناؤها حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية )، يقول محمد أمزيان: “هو مجموع الخلفيات والتصورات والمفاهيم الفلسفية، التي يصدر عنها الباحث في حقل ما، ومجموع الآليات المعرفية التي تشكل سلطته المرجعية، وتحدد جهازه المفاهيمي”، ثم يضيف: ” فالمنهج حسب السياق يعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر سيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة) يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

هذا تقريبا قريب مما يقوله المسيري عن ” النموذج المعرفي الغربي المادي”، حيث يتحدث عن اهم تحيزات هذا النموذج، والفارق ان امزيان يقصرها على مجال تخصصه (علم الإجتماع)، في حين أن الثاني يرى أن التحيز لهذه الأسس وغيرها، يحيز عام يكمن خلف كل العلوم ومناهجها، ف ” المنهج” أو  ” العقل” الذى تكون عبر سيرورة تاريخية، أو النموذج المعرفي، هي تسميات لمفهوم واحد، وهي تشير إلى ذلك المركب أو الكل الذى يشتمل على:

  1. تحديد مصادر معينة للمعرفة
  2. يقيم العلاقة بينها
  3. يحدد تدرجها وهرميتها
  4. يبين طرائق ومناهج الوصل إليها، ويضع ضوابط التعامل معها، وفهمها وتحليلها وطرق نقدها ومعايير هذا النقد.
  5. يحدد أسس مشروعيتها، ومبررات الإعتماد عليها، والإعتقاد فيها أنها معرفة حقيقية، والرضا بنتائجها واستخدامها وتوظيفها.

فالمصادر تضعنا امام ثنائية العقل والحس ومن الكفيل بالمعرفة، والوحي الذى أقصي من مجال المعرفة، ومحاولة الدمج بينه وبين الكون عبر ما يسمى ب(القراءتين) من جهة اخرى؟. والعلاقات بين هذه المصادر، تفتحنا على تاريخ صراعي بين العقل ومقولاته القبلية أو معارفه الفطرية أو صفحته البيضاء، وبين الحس والتدحرج بينهما في الفكر الغربي خاصة. أما طرائق ومناهج الوصول إلى المعرفة (الحقيقية) فكانت تحسم غالبا لصالح المنهج التجريبي، على حساب طرائق اخرى، عمل السياق التاريخي والمسير الحضاري على إقصائها.

يبقى سؤال من يحدد مشروعية المعرفة، وإمكانيتها اهو العقل الذى يشهد لها؟ ام الله هو الذى منحها وهيا اسبابها ليقوم الإنسان بتسخيرها بعد تحصيلها، فتغدو هبه ربانية، وليس بروموثيوس هو الذى سرقها من الآلهة ليعطيها الإنسان، ليتمرد بها على خالقه و (يسيطر) بها على الآخر و (يغزو) بها الكون؟ ثم من الضامن انها معرفة (حقيقية) اهو الله أم الذات الديكارتية؟

ينتقل بعد ذلك إلى المنهج بين اللغة والمفهوم

مفردة المنهج حين تطلق في التداول الحديث يراد بها معان كثيرة:

  1. فهي قد تعني ( فلسفة) معينة كامنة، تضبط الافكار وتنظمها، فالمنهج بهذا المعنى هو القانون الفلسفي او المبادئ الفلسفية الناظمة، بتحديد واضح للأفكار ومصادرها ومناهجها.

  2. وقد تعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر صيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة)، يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

  3. كما قد تعني مجرد (الطريقة) أو (الخطة)، التي غالبا ما يغيب فيها الحديث عن البعد المعرفي رغم حضوره.

  4. وقد تطلق مفرده المنهج أو المنهاج ويقصد بها (الباب) الذى يتألف منه مؤلف ما.

ويقول عن المنهج في الدراسات الحديثة:

يميز العروي تمييزا واضحا بين ثلاثة مفاهيم، هي المنهج والمنهجية والأبستيمولوجيا، ويعرف المنهج بقوله: ” الطريقة التي تتبع لعرض موضوع من المواضيع”، وتحديد العروي مقصود لما سيُؤسس عليه من حكم، فهو يقول إنه يمكن ” ان تُرفض التاريخانية أو البنيوية كفلسفة، وتوظف كمنهج للتحليل في حدود معينة”، واعتبار المنهج مجرد خطة يثير كثيرا من الإضطراب، فكلمة عرض المنتقاة بحرص من قبل العروي، لو رجعنا إلى المعجم الفرنسي لوجدنا الأمر يختلف، فحين يعرف ((Methode يستعمل (يكشف) و ( يبرهن)، وكذلك بدل (موضوع معين) يستعمل (الحقيقة) في مجال العلوم، هذه الحقيقة اكتشفها وبرهن عليها ( العقل) أو ( الذهن)، الذى لا نجد له حضورا في تحديد العروي.

ونخلص إلى أن المنهج ((Methode يعني: مجموعة من (الخطوات) التي يتبعها (العقل) او الذهن، ليكتشف (الحقيقة) ويبرهن عليها.

ويكون المنهج إما صريحا او ضمنيا، في حقل الفلسفة خاصة، فالاول حين يُستخدم إستخداما عمليا، أما الثاني حين يتم تقنينه وتبريره كما فعل ديكارت في (خطاب المنهج)، ويكون المنهج واحدا بشكل عام في حقل العلوم الدقيقة، فهو المنهج الإستنباطي في العلوم الرياضية، وهو الإستقراء في العلوم الطبيعية، اما المنهج في العلوم الإنسانية والإجتماعية، فيطرح كثيرا من الأسئلة.

يميز (بياجي) حسب ما يقدم لنا محمد وقيدي بصدد العلوم جميعا بين أربعة مجالات هي:

  1. المجال المادي لكل علم: مجموع الموضوعات التي يتعلق بها هذا العلم
  2. المجال المفهومي: مجموع النظريات والمعارف التي تم تأسيسها وتنسيقها من طرف كل علم
  3. الأبستمولوجيا الخاصة بكل علم
  4. الأبستمولوجيا العامة

كثيرا ما يقع الخلط بين علم او حقل معرفي معين ومنهج ما، فيحشر العلم مع مناهج يمكن ان يكون احدها منهج هذا العلم، فنحن نعلم أن (الإتجاه النفساني) و (الإتجاه اللغوي أو السيميولوجي) و (الإتجاه السيميوطيقي)، كلها إتجاهات ترتبط (برؤية تتخطى ظاهر النص، لتبرز فيه بينه صورية)، بمعى أن البنيوية المعتمدة في هذه (الإتجاهات)، تحاول كما يؤكد عبدالرزاق الدواي، ان تثبت أنه “يوجد خلف كلامنا الذى نعتقد أنه حر وتلقائي، وخلف خطاب الأساطير، وخلف الأعراف والعادات والمؤسسات وأشكال الثقافة، نوع من (النظام الخفي) يعمل في المستوى العميق كبنية يتحتم الكشف عنها، من اجل فهم وتعقل تلك الظواهر.

ثم هناك أمر آخر يتعلق بالبنيوية التكوينية، واعتبارها شيئا آخر غير الماركسية، ويجب التاكيد على (الناظم المعرفي) الذى يعطي كل فكر تماسكه، حتى لا يتحول إلى مجرد خطرات تأملية.

هناك فكرة مسلمة، في الفكر الفلسفي خاصة، تقول: لا تعتبر أي فلسفة متماسكة أو فلسفة حقة، إذا لم يتوفر لها شرط القدرة على تفسير كل الظواهر دون الوقوع في التناقض، فهي ينبغي لها أن تشكل نسقا قادرا على إعطاء الأسس المعرفية لكل (علم) مؤسس أو في طور التأسيس، والماركسية لا تشذ عن هذا الإعتبار، فماركس وإنجلز مثلا (يمدان العلوم الإنسانية بأسس معرفية قوية، رغم انهما لم يشيرا إلى إنشائهما لهذه العلوم)

بناء على ما سبق فالبنيوية التكوينية التي تدرس الأدب وبناء الرواية الحديثة، التي نشات في القرن التاسع عشر، وتوافقها او تماثلها وبناء المجتمع الليبرالي، تستند إلى المبادئ او الاسس الأساسية في الماركسية، والجديد فيها هو حقل الإشتغال الذى هو الأدب

ينتقل بعد ذلك متسائلًا عن المرجعية والمنهج أيه علاقة؟

تشتمل كل الثقافات الإنسانية على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركه أبناؤها، حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية، وهذا يعني ان كل ثقافة بمعناها الشامل، الذى يحتوي كل ما ينتجه الإنسان أو كل ما يخرجه من دائرة الطبيعة البكر، ليدخله إلى نسقه الثقافي، يكمن خلفها نموذج:

  1. يحدد مصادر معينة للمعرفة: فيثبت مصادر ويغيب او يقصي أخرى، فيؤسس ثابته الذى يؤول إليه في تحريره للمعرفة وتحصيلها، هذا الثابت يتراوح في الفكر الغربي بين الحس والعقل بقبلياته الكانطية أو أفكاره الفطرية، وعبر هذا الثابت تتم قراءة كل ظاهرة إنسانية وترد إليه ولا يمكن تفسيرها خارجه.
  2. يقيم علاقات معينة بين هذه العناصر، فتكون الغلبة لمصدر دون الآخر، فيسود وتحال إليه كل المعرفة
  3. يحدد طرائق نقد هذه المصادر والمعرفة المتولدة عنها (المجال الأبستمولوجي)
  4. يضع المناهج التي توصل إلى هذه المعرفة ويحددها، فيقصي كل المحاولات التي تروم اعتبار ذاتها (منهجا) للمعرفة، فتظل هذه المحاولات تتقرب من الثابت علها تحصل على رضاه.

هذا النموذج الكامن هو ما نجده حاضرا بشكل او آخر في مجموعة من الدراسات، فالمسيري عمل جاهدا ليجرد هذا النموذج، فيقرأ مختلف المنتجات الحضارية الغربية، من مسرح، رواية، موسيقى، عمران، لباس، فلسفة، علوم إنسانية، منتجات تكنولوجيا، سلوكات معينة، مصطلحات وغيرها، ليضع يده على الناظم المعرفي، والباحث السوداني أبو القاسم حاج حمد يشتبك مع الحضارة العربية ازيد من عشرين سنة، ليكتشف هذا النموذج في (لاهوت الأرض)

ونمثل هنا بمثال، في حقل العلوم الطبيعية، والسؤال هنا لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان، وظل أمدا طويلا ينتظر الحضارة الإسلامية؟.   

يعرض أحمد فؤاد باشا التصور النظري العام، الذى يكون نموذجه العلمي الذى يقاس عليه تقييم العلم عموما، ويقدم فيه مثالا عمليا وهو (نظرية الضوء) ليطبق عليها تصوره النظري، بحسبه، إن النظريات التي يقدمها كل من أفلاطون وأرسطو وأبيقور حول الضوء، سواء في طبيعته أم تفسير هؤلاء لعملية الإبصار، تتعدد بشكل لا يمكن نفي إحداها وإثبات الأخرى، لن المنهج المعتمد كان (عقليا تأمليا فقط أو قياسا صوريا بحتا)، وقد ظل كل فريق يعتقد أن ما يقوله عقله ويتصوره ذهنه هو الأصوب، وظلت هذه النظريات تنتظر مرحلة الحضارة الإسلامية التي ستعرف ميلاد المنهج الإستقرائي، لأن القياس الصوري يوصف بانه منهج عقيم واجدب، لأنه لا يسمح بتقديم العلم خطوة واحدة، مهما تراكمت وتكدست المعارف المستنتجه على أساسه، لكن مع الحسن بن الهيثم تم وضع حد للخلافات القديمة حول تعريف الضوء وتفسير عملية الإبصار.

ويبقى السؤال ملحا، لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان؟

ألا يرجع هذا إلى (المرجعية) التي حالت دون حصول المعرفة العلمية التجريبية، فعزفت عن العمل اليدوي، والتجربة في المختبر الان ليست أكثر من عمل يدوي، واعتبرته مهنة العبيد والنساء، وقدست التامل واعتبرت (العلم النظري) الذى غايته المعرفة فحسب تشبها بالآلهة، هو العلم الحق، ولم تربط بين العلم والعمل كما فعلت الحضارة الإسلامية؟

قول أحمد فؤاد باشا إن الحسن بن الهيثم : “انطلق من مبدا عام هو القول بوجود العالم الخارجي وجودا مستقلا في ذاته، خارج الذهن وخارج النفس، وان العقل والحواس ادوات إدراكه”، ألا يحيل إلى مبدا التوحيد وثنائية الخالق والمخلوق في التصور الإسلامي، عوض وحدة الوجود الروحية أو المادية، التي لا تعين حدودا للثلاثي: الله، والإنسان، والطبيعة؟

ألا يفتح هذا القول كذلك على تاريخية المعرفة ونسبيتها، المعرفة التي يحصلها الإنسان بجهدد وحسب وحسب استعداداته الفطرية، والمعرفة المطلقة المجردة التي يسرقها برومثيوس من الآلهة ليمنحها الإنسان فيتجبر ويتكبر في الأرض بغير حق؟

نطرح هذه الأسئلة لأننا في امس الحاجة إلى السؤال بعد أن لم تعد الذات التي كانت تستحضر بإعتبارها كيانا مستقلا في مواجهة الآخر عذراء، فكيف نترك سؤال العلاقة من أزيد من قرن، وقبل ذلك كيف يسوغ الباحث العربي لنفسه النقل السهل أو الرد السهل، وسلم بإجرائية المفهوم، ووعائية أو اداتية (المنهج)، وهو لم يحدده أصلا- بعض الدراسات العربية لا يستغرق منها الكلام حول المنهج المتبنى إلا صفحات معدودة، وفي احيان أخرى لا تضبط دلالة المنهج ويتم القفز للحديث عن الإجراء- وكيف رفض هذه الوعائية أو الأداتية؟

يتم الحديث في الغرب عن (المفهوم الرحالة)، الذى ينتقل من حقل معرفي لآخر، داخل النسق المعرفي الغربي الواحد، ولكن بكل حذر وحيطة، لأن الباحث هناك واعي بأن المفهوم له تاريخ، وبأنه يتعدد، تبعا لتعدد حقول المعرفة، وتبعا للأثر التاريخي الذى يتطور في ضوءه ذلك الحقل، وياتي الباحث العربي ليقول ب(المفهوم الرحالة) وب(الإستعارة) و(التبييئ)، و(كونية المفهوم)، و(اجرائيته)، دون أن يبذل جهدا في تفكيك هذا الأمر.

أكان القرآن يرفض من المؤمنين، و(يحرم) عليهم (راعنا)، لأن اليهود كانوا يقولونها فقط على وجه الإستهزاء والمسبة، أم ان (راعنا) لها تاريخ وايحاءات وظلال، وعبرها يتم التواصل مع تراث معين.

في الواقع، لا منهج مجرد من مقولاته ونماذجه، ولأن المنهج يتشكل في أحشاء النماذج التي يعالجها، و(يكتسي) باللحم من خلال الموضوعات التي (يولدها)، والباحث يدخل موضوعه وهو يحمل ايضا مجموعة كبيرة من القضايا والأفكار، حول الدين والتاريخ والمجتمع والآخر واللغة.

لهذا يحذر منير شفيق من الدخول في نقاش حول مبادئ المنهج وتقنياته من جهة، بمعزل عما قدم هذا المنهج من نماذج وأفرز من موضوعات من جهة أخرى، حتى لا يخرج من يدعي انه يعمل بهذه التقنيات في هذا المجال وبتقنيات أخرى في مجال آخر، ويوحد ويدمج التقنيات في مجال ثالث مشكلا منهجا متكاملا، وللأمر ذات يذَكِر أبو القاسم حاج محمد الباحث احمد حيدر بأن النزعة الإنسانية التي يحاول تطعيم الماركسية بها هي: ” نزعة خارجية ذاتية”، لأن “تجريد الماركسية من جبريتها…هو أمر غير ماركسي”، لأن لكل فكر (منهجه الضابط  والمنظم)، فإذا كان المنهج ماديا فهو ينتج افكارا لا تكون إلا مادية.

 

ميلان كونديرا، وتعدد معاني كلمة “التاريخ”

1milan_kundera1

ميلان كونديرا – روائي وفيلسوف تشيكي. لديه العديد من الروايات العالمية الشهيرة، أبرزها (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه النقدي (الستارة) عن تعدد معاني كلمة “التاريخ“، فيقول مستفتحًا:

في هاتين العبارتين: “تاريخ ألمانيا”، “تاريخ فرنسا”، يختلف المُضاف إليه بينما يحتفظ مفهوم التاريخ بالمعنى ذاته. وفي عبارات “تاريخ الإنسانية”، “تاريخ التقنية”، “تاريخ العلم”، “تاريخ هذا الفن أو ذاك” ليس المُضاف إليه هو المختلف فقط، بل حتى كلمة “تاريخ” تعني كل مرة شيئًا مختلفًا.

ثم يضرب مثلًا ، لأجل توضيح الفارق في كلمة “تاريخ“:

يكتشف الطبيب (أ) طريقة عبقرية لعلاج أحد الأمراض، لكن الطبيب (ب) يضع بعد عشر سنوات طريقة أخرى أكثر فعالية بحيث تُهمَل الطريقة السابقة، رغم أنها عبقرية، وتُنسى. تاريخ العلم له طابع التقدم.

أما إذا طبّقنا مفهوم التاريخ على الفن، لن تعود له صلة بالتقدم؛ فهو لا يتضمن إتقانًا وتحسينًا وارتقاءً؛ يشبه الإقدام على رحلة لاكتشاف أراضٍ مجهولة وتدوينها على خريطة. ليس طموح الروائي أن يكتب أفضل من سابقيه وحسب، بل وأن يرى ما لم يروه، أن يقول ما لم يقولوه. لم تقلل شعرية (فلوبير) من شأن شعرية (بلزاك) كما أن اكتشاف القطب الشمالي لم يُلغِ اكتشاف أمريكا.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

لا يتعلق تاريخ التقنية بالإنسان وحريته؛ ولا يمكنه أن يختلف عمّا كانه ولا عمّا سيكونه، بخضوعه لمنطقه الخاص؛ وبهذا المعنى هو غير إنساني؛ لو أن (أديسون) لم يخترع المصباح، لكان آخرَ اخترعه، لكن لو لم تخطر ببال (لورانس ستيرن) الفكرة المجنونة لكتابة رواية دون أية “قصة”، لما حلّ أحد مكانه ولما صار تاريخ الرواية على النحو الذي نعرفه.

“تاريخ الأدب، على العكس من التاريخ فقط، يجب ألا يتضمن إلا أسماء الانتصارات، ما دامت الهزائم فيه ليست انتصارًا لأحد”. تلخّص هذه الجملة الألمعية لـ(جوليان غراك) كل النتائج حيث إن تاريخ الأدب، “على العكس من التاريخ فقط”، ليس تاريخ أحداث، وإنما تاريخ قيم. فلولا (واترلو) لكان تاريخ فرنسا غير مفهوم، لكن كُتّاب (واترلو) الصغار وحتى الكبار لا مكان لهم إلا في النسيان.

التاريخ “فقط”، تاريخ الإنسانية، هو تاريخ أحداث لم تعُد موجودة ولا تُسهم بشكل مباشر في حياتنا. أما تاريخ الفن، لأنه تاريخ القيم، أي تاريخ الوقائع الضرورية لنا، فهو حاضر دائمًا، معنا دومًا؛ ويصغي إلى (مونتيفيردي)، و(سترافينسكي)، في الحفلة الموسيقية ذاتها.

ويختتم مقالته بعد ذلك:

وما دامت قيم الأعمال الفنية معنا دومًا، فإنها تثير الشك باستمرار، تُمنع، تُحاكم، وتعاد محاكمتها، لكن كيف تُحاكم؟ ليس هناك في مجال الفن معايير دقيقة لأجل ذلك. كل حكم جمالي هو رهانٌ شخصي؛ لكن رهانًا لا ينغلق على ذاتيته التي تواجه أحكامًا أخرى، يميل إلى أن يُعرف، ويصبو إلى الموضوعية. في الوعي الجمعي، تاريخ الرواية بكل زمانه الممتد من (رابليه) حتى أيامنا هذه، يوجد هكذا في تحوُّل مستمر يشارك فيه الذكاء والغباء، الكفاءة وعدم الكفاءة، وفوق ذلك النسيان الذي لا يفتأ يوسع مقبرته الفسيحة التي ترقد فيها، إلى جانب اللاقيم، قيم منتَقَصٌ من قدرا، مستخفٌ بها أو منسية. وهذا الظلم المحتوم يجعل تاريخ الفن إنسانيًا بعمق.