أرشيف الوسم: التربية

بين اللغة والفكر والتربية، جون ديوي يتأمل

جون ديوي (1859-1952) هو مربٍ وفيلسوف وعالم نفس أمريكي وزعيم من زعماء الفلسفة البراغماتية.

في أحد أبرز كتبه والمعنون بـ(كيف نفكر؟)، والذي نقله إلى العربية د. (محمد علي حرفوش)، تحدث عن علاقة اللغة بالفكر، فابتدأ حديثه قائلًا:

لقد تم الحفاظ على ثلاث وجهات نظر نمطية فيما يتعلق بعلاقة الفكر واللغة:

  • أولًا؛ هما متطابقان

  • ثانيًا؛ الكلمات تقوم مقام زي الفكر أو لباسه، الضروريين ليس من أجل الفكر بل من أجل إيصاله فحسب

  • وثالثًا، وهي وجهة النظر التي سوف ندافع عنها هنا؛ القائلة في حين أن اللغة ليست فكرًا فهي ضرورية من أجل التفكير ومن أجل إيصاله في آن واحد.

يتابع بعد ذلك، موضحًا ما تحتويه مفردة “اللغة” من معانٍ، فيقول: 

وعند القول، من جانب آخر، إن الفكر مستحيل دون لغة، فعلينا أن نتذكر أن اللغة تتضمن أكثر من الكلام الشفهي والمكتوب بكثير. فالإيماءات، والصور، والنُصب، والصور المتخيلة، وحركات الأصابع، وأي شيء يتم استخدامه بطريقة واعية على أنه إشارة، منطقيًا، هو لغة.

والقول بأن اللغة ضرورية للتفكير يكافئ القول بأن الإشارات ضرورية. لا يتعامل الفكر مع الأشياء الصرفة، لكن مع معانيها، واقتراحاتها؛ ولكي يتم استيعاب المعاني، يجب تجسيدها في وجودات محسوسة وخاصة. ودون معنى، الأشياء ليست سوى محفزات عمياء أو مصادر للفرص المتعلقة بالسرور والألم؛ وطالما أن المعاني ليست بذاتها أشياء ملموسة، يجب تثبيتها بواسطة الربط بوجود مادي ما. فالموجودات الموضوعة جانبًا ولا سيّما لتثبيت المعاني وإبلاغها هي إشارات ورموز.

ثم ينتقل إلى فصل آخر بعنوان “انتهاك المناهج اللغوية في التعليم”، قائلًا:

في حال التسليم حرفيًا بالأمر، فإن الحكمة القائلة، “درّس الأشياء، لا الكلمات“، أو “درّس الأشياء قبل الكلمات” ستكون رفضًا للتعليم؛ وهي تقلّص الحياة الذهنية إلى تعديلات مادية وحسية. والتعليم، بالمعنى الصرف، ليس تعلّم الأشياء، بل معاني الأشياء، وتنطوي هذه العملية على استخدام الإشارات، أو اللغة بمعناها التصنيفي.

[…] الرموز هي ذاتها، كما تم توضيحه، وجودات خاصة، ومادية، وحسية، مثل غيرها من الأشياء. وهي رموز فحسب بمقتضى ما تقترحه وتجسده، أي المعني. وهي تقوم مقام هذه المعاني فحسب بالنسبة إلى أي فرد حينما خضع لتجربة متعلقة بوضعية علاقة المعاني بها. من الممكن أن تنفصل الكلمات وتحفظ معنىً ما عندما يكون المعنى أولًا متضمنًا في اتصالنا المباشر مع الأشياء. إن محاولة منح معنى من خلال كلمة فقط دونما أية تعاملات مع شيء هو حرمان الكلمة من المغزى المفهوم؛ ولقد قام المصلحون بالاحتجاج ضد هذه المحاولة، وهي نزعة سائدة إلى حدٍ كبير في التربية.

علاوة على ذلك، هنالك نزعة لافتراض أنه حينما توجد كلمة أو صيغة محددة من الكلام توجد فكرة محددة؛ بينما، في حقيقة الأمر، الراشدون والأطفال على قدم المساواة قادرون على استخدام صيغ صوتية دقيقة ذات معنى أكثر غموضًا وأكثر تشويشًا عما تعنيه.

الجهل الحقيقي أكثر ربحًا لأنه من المرجح أن يكون مترافقًا مع التواضع، والفضول، والانفتاح الذهني؛ بينما القدرة على تكرار عبارة لازمة، ومصطلحات اللغة الخاصة بالحرفة، وحروف الجر المألوفة، تقدّم وهمًا متعلقًا بالتعليم وتغلّف العقل بغلاف عازل حيال الأفكار الجديدة.

يختصر (ديوي) كلماته السابقة، بعد ذلك، في الجملة التالية:

تغدو الكلمات التي تقوم أصلًا مقام الأفكار، باستخدام متكرر، دلالات بحتة؛ وتصبح أشياء مادية يتم التلاعب بها بموجب قواعد محددة، أو يتم اتخاذ ردة فعل تجاهها بواسطة عمليات محددة دون وعي لمعناها.

وأخيرًا، ينتقل (ديوي) إلى فصل أخر بعنوان “استخدام اللغة في التوجهات التربوية”، فيقول مقدّمًا مقترحاته لاستخدام اللغة في خدمة الفكر والتربية:

تبلغ مقولة إن “اللغة تعبير عن الفكر” نصف الحقيقة فقط، ونصف الحقيقة التي من المرجّح أن يترتب عليها خطأ حقيقي. تعبّر اللغة حقًا عن الفكر، لكن ليس في المقام الأول، وليس، في البداية، حتى على نحو واعٍ. والدافع الأولي للغة هو التأثير؛ من خلال تعبير متعلّق بالرغبة والشعور والفكر، على نشاط الآخرين؛ واستخدامها الثانوي هو الدخول في علاقات اجتماعية أكثر حميمية معهم؛ وتوظيفها بصفتها وسيلة توصيل واعية للفكر والمعرفة هي تشكيل ثلاثي، ومتأخر نسبيًا.

[…] وتكمن الصعوبة في تحويل العادات المتعلقة “بالأمور والتسهيلات العادية” إلى عادات مهتمة بـ”الأفكار الدقيقة”. يتطلب الإنجاز الناجح للتحوّل:

  1. توسيع مفردات التلميذ؛ بواسطة احتكاك فكري أوسع مع الأشياء والأشخاص، وأيضًا على نحو بديل، بواسطة تجميع معاني الكلمات من السياق الذي تُسمع أو تُقرأ فيه
  2. جعل مصطلحاته أكثر تحديدًا ودقة؛ باكتشاف ظلال المعاني وتسميتها، وهذا يعني بواسطة جعل المفردات أدق
  3. تشكيل عادات الخطاب المتعاقب؛ فمثلما يوضع كل معنى في سياق موضع معين، وإلى هذا الحد تنتمي كل كلمة في الاستخدام المادي إلى جملة ما، والجملة بدورها تنتمي إلى قصة أكبر، ووصف، أو عملية استنتاج منطقي.

عن الأطفال؛ والنصائح العميقة لجبران خليل في تربيتهم

إن أطفالكم ما هم بأطفالكم”
فلقد وَلَدهم شوقُ الحياة إلى ذاتها
بِكُمْ يَخرجون إلى الحياة، ولكن ليس مِنكُم
وإنْ عاشوا في كنَفِكُم فما هُم مِلْكَكُم
قد تمنَحونَهُم حُبَّكُم ولكن دونَ أفكارِكم
فلَهُمْ أفكارُهم
ولقد تؤون أجسادَهم لا أرواحهم ،
فأرواحُهُم تَسْكُنُ في دار الغد…”

شهدت الحياة الحافلة بالأحداث للملحن الإسباني والمدافع عن حقوق الإنسان (بابلو كاسالس)، الذي ولد في 29 ديسمبر 1876 وتوفي في 22 أكتوبر 1973. صُنف (بابلو كاسالس) بعازف التيشللو الأبرز في النصف الأول من القرن العشرين و الذي اعتبرت معزوفاته [*هنا أشهر معزوفاته المؤداة في البيت الأبيض] بمثابة حلقة وصل بين العصر الحديث والتاريخ القديم في العزف على التشيللو ؛ أحداث واغتيالات كبرى الحروب العالمية الدامية. إذ أكد (بابلو) بقوله: “إن واجبنا هو جعل هذا العالم لائقًا بأبنائنا”. نواجه اليوم كبرى التحديات إذ نجابه اليوم عالمًا لا يليق بأبنائه، و يدفعنا ذلك لإعادة حساباتنا في أعمق مسائلنا الوجودية؛ إعادة حساباتنا في قرار إنجاب أطفالنا إلى هذا العالم المضطرب، إذ يدفعنا هذا أن نعيد التفكير في قيمة أبنائنا و عن مدى التزامنا بمسؤولياتنا تجاههم؛ أن نتحلى بالشجاعة والالتزام بكامل المسؤولية لحظة اتخاذ قرار انجابهم، وما تعنيه تربية الطفل على المجد والرفعة، كونه معجزة لا تتكرر فقد صُنعت خلاياه الأولى من غبار النجوم؛و ذرات الغبار تلك التي قد كونت خلايا طفلٍ لا مثيل له

عمل للفنان ديريك دومينيك دي أوزا من كتاب “سونغ أوف تو ورلدز” للفيزيائي والكاتب آلان لايتمان.

كتاب جبران خليل جبران “النبي”

 

تطرق قبل قرن من الزمان لتلك المسائل الجوهرية الشاعر و الأديب والرسام اللبناني (جبران خليل جبران) أبرز شعراء المهجر، ولد (جبران) في 6 يناير 1883 وتوفي في 15 أبريل 1931، هاجر صبيًا مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأميركية. أشهر و أهم أعماله المكتوبة باللغة الإنجليزية كتاب (النبي) الذي ترجم فيما بعد إلى أكثر من خمسين لغة. كتب (جبران) هذا العمل بمساعدة صديقته (ماري هاسكل) و نُشر في عام 1923 و قد صنفه النقاد وقتذاك من روائع الأدب العالمي. وضع (جبران) في هذا الكتاب الركائز الأساسية للصداقة الحقيقية والشجاعة في التغلب على جوانب الغموض التي تكتنف الحب و التوازن بين الانسجام والاستقلال لبناء علاقة قويمة.

لوحة فنية من كتاب اليساندرو سانا “كريسندو”.

مقتبس قصير من (النبي) من ترجمة (ثروت عكاشة):

وقالت امرأة تضُم رضيعها إلى صدرها: “ألا حدِّثنا عن الأطفال”، فقال المصطفى:

“إن أطفالكم ما هم بأطفالكم

فلقد وَلَدهم شوقُ الحياة إلى ذاتها

بِكُمْ يَخرجون إلى الحياة، ولكن ليس مِنكُم

وإنْ عاشوا في كنَفِكُم فما هُم مِلْكَكُم

قد تمنَحونَهُم حُبَّكُم ولكن دونَ أفكارِكم

فلَهُمْ أفكارُهم

ولقد تؤون أجسادَهم لا أرواحهم،

فأرواحُهُم تَسْكُنُ في دار الغد، وهيهات أن تلموا به، ولو في خَطَرات أحلامكم

وفي وسْعِكُم السَّعي لتكونوا مِثلهم، ولكن لا تُحاولوا أن تَجْعَلوهُم مِثْلكم

فالحياة لا تعود القهقرى، ولا تَتَمَهَّل عِنْد الأمس

أنتم الأقواس، منها ينطلق أبناؤكم سِهاماً حَيَّة

والرامي يرى الهدف قائمًا على طريق اللانهاية ، ويشدّكم بقدرته حتى تنطلق سهامُه سريعة إلى أبعد مدی . ولیکن انحناؤكم في يد الرامي عن رضا وطيب نفسٍ؛
لأنه كما يُحب السهم الطائر، كذلك يُحب القوسَ الثابتة”


المصدر

عن د. علي الطنطاوي، وأسلوبه في تربية النشء

علي الطنطاوي (1909-1999)، فقیه وأدیب وقاض سوري ویعتبر من كبار أعلام الدعوة الإسلامیة والأدب العربي في القرن العشرین. ترك (علي الطنطاوي) عددًا كبیرًا من الكتب، وكتب في كثير من الصحف العربية لسنوات طويلة أهمها ما كان يكتبه في مجلة الرسالة المصرية. وقد نشرت حفیدته (عابدة المؤید العظم) كتابین عنه، من بینها كتاب (هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي) والذي یضم عدة مقالات تسرد فیه حفیدته بعض من الوقائع والحوادث والأسالیب التربویة المتفردة في حیاته، فتقول في مقدمته:

أما أنا فعرفته من أكثر من ثلاثين سنة لمّا وعيت وأدركت، فكان لي الجد العطوف والمربّي العاقل والموجّه المبدع. ورأيت كيف كان يتعامل مع بناته الكبار ومعنا -نحن أحفاده وحفيداته- الصغار، فوجدته متميزاً في توجيهه متفرّداً في أسلوب تربيته، ووجدت من الأثر الطيب لهذا التوجيه والنتائج العظيمة لهذه التربية ما زادني قناعة ويقيناً بأن هذه التجربة حَرِيّة أن لا تبقى حبيسة معرفة بعض الناس بل أن تُنشَر فيطلع عليها سائر الناس؛ فتكون لهم عوناً في تنشئة أبنائهم وتلاميذهم، ويستفيدون منها منهجاً صالحاً في التربية هم أكثر ما يكونون له حاجة، ويدعون لجدي بالمثوبة والأجر في الآخرة، وهو أحوج ما يكون إلى هذا الدعاء.

وفي مقالة (تنمیة المهارات) تتطرق حفیدته (عابدة العظم) عن اهتمام جدها بالمهارات وتشجيع المواهب وعن كیفیة استغلال هذه المواهب في كل مناسبة وكل فرصة، بالإضافة إلى العمل على تطویرها، فتقول:

كان جدي كثيراً ما يستغلّ جلساتنا العائلية العادية فيحوّ لها إلى جلسات علمية هادفة، وكان يستشهد فيها أحياناً بالأشعار ليخدم معنى أو يرسخ حكمة، فيلقي علينا من ذاكرته بيتاً أو بيتين من الشعر. وكان الغالب أن ينصرف بعد ذلك إلى موضوع آخر أو ينسجم في قصة أخرى فننسى ذلك البيت من الشعر أو تلك الأبيات، لكنه، وفي بعض الأحيان، كان يلتفت فجأة نحو واحد من أحفاده فيطلب منه أن يلقي البيت مرة أخرى ليختبر مقدار انتباهنا لما يقوله، وسرعة حفظنا لما نسمعه.

وأذكر أننا فكرنا مرة بكتابة الشعر (وكان شيئاً مضحكاً، فقد كنا في المرحلة الابتدائية لا نعرف شيئاً عن علم العروض، ولا نفقه شيئاً في الأوزان الشعرية)، فكتبنا بعض “الأبيات” في وصف الطبيعة وجمال الحديقة (بلا وزن ولا قافية!)، ثم عرضناها على جدي بكل فخر! والعجيب أنه لم يسخر منا بل شجعنا وخاطبنا على قدر عقولنا، ومنحنا جزءاً من وقته الثمين شرح لنا فيه بطريقة لطيفة أن الشعر يقوم على الوزن والقافية، وأعطانا فكرة مبسطة جداً عن علم العروض.

كما تتطرق في مقالتها إلى حرص جدها واهتمامه بالأدب والقراءة والكتابة وعلم التجوید، فتقول:

وعندما لاحظ لدى أحد أحفاده نبوغًا مبكرًا ومیلًا أدبیًا وأسلوبًا راقیًا، أرشده إلى الكتب القیمة المفیدة وشجعه على الكتابة والتألیف، وصار یصحح له كل ما یكتبه ویرشده إلى الطریقة السلیمة في الكتابة.

وعندما لمس مني اهتمامًا بالتجوید صار ینادیني -من حین لآخر- إلى غرفته فأقرأ ویصحح لي، مما شجع بعض الأحفاد على الانضمام إلینا، عندها لاحظ جدي أن بعضنا لایستطیع إعطاء المدود حقها بسبب انقطاع سریع في النفس، فصار یدربنا على الاحتفاظ الطویل بالنفس، وصار یجري في ذلك مسابقات فیضبط ساعته، ثم یُحصي لكل واحد منا مقدار الثواني التي استطاع فیها ذلك، ویشجع الحفید الذي تحسن أداؤه عن الیوم السابق، ویقارن بین الأحفاد لیحثنا على التحسن.

وتختتم الحفيدة حدیثها عن جدها على الطنطاوي واهتمامه بتنمیة المهارات قائلة:

كان دأب جدي أن ینمي كل مهارة وأن یتلمس -بقدرته الفذة على الاستشعار- مواطن الإبداع الكامن لدى كل منا لصقله وتطویره. (ومن ذا من الناس يخلو من أي قدر من الإبداع؟) وكان يشجع أي عمل إيجابي -مهما كان بسيطاً – فيحاور صاحبه موضحاً له قيمة عمله، وحاثاً إياه على تقديم الأفضل دائماً، ويشجعه على الاستمرار
فيه مغدقاً عليه كل الثناء والتقدير.

المازني عن التربية

وليس هذا مقالًا في الكرم أو الشجاعة أو غيرها من الصفات المستحسنة المحمودة، وإنما أردت أن أقول إن كل ما في الإنسان من عيب ونقص يستطاع علاجه وتقويمه، وتهذيبه وتثقيفه — إلى حد ما على الأقل — إلا ما خرج خلقة وفطرة عن حد الصحة كل الخروج، فلا علاج له ولاسبيل إلى إصلاح فيه، فإنك لا تستطيع — مثلًا — أن تذهب حدبة الأحدب، أو أن توسع الرأس إذا جاء ضيِّقًا بالخلقة، ليتسنى لحشوه أن يبلغ الغاية من النماء، ولكنك فيما عدا هذا الذي تقل فيه حيلة الإنسان، لا يعجزك أن تصلح وتهـذب على قدر ما رُزِقت من فطنة وقدرة وحسن تدبُّر.

وأردت أن أقول شيئًا آخر أرجو أن يشفع لي فيه عند القراء الإخلاصُ، وحسن الطوية، وإرادة الخير، وذلك أننا معشر المصريين أسوأ الأمم تربية وتنشئة، وأنا مثال حي لهذه التنشئة السيئة، فما رباني أبي؛ لأنه فارق الدنيا وأنا طفل في التاسعة، وأكبر ظني أنه لو كان عاش لما أحسن تأديبي، فقد كان مشغولًا بنسائه وبما أقبلت عليه الدنيا من نعمة زائلة، وما أكثر من حُرِموا مثلي مزية تأديب الوالد، لموته في صباهم، أو لقلة غنائه وجهله بأساليب التأديب، وإنما ربتني أمي، وكانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها على هذا ذكية حاذقة، وقد ربتني على الصدق والأمانة والوفاء واحترام الذات، وأنا شاكر لها وداعٍ، وأعتقد مخلصًا أنها ما رأت مني قط عقوقًا، ولكنها — رحمها الله — لم تكن تستطيع أن تعالج النقص الذي أشعر به، والذي يثقل على نفسي ويحدث أثره فيها وأنا لا أدري، فكثرت عندي — على الأيام — العقد النفسية، أو مركبات النقص كما تسمى، فأنا فقير والفقر يشعرني ذلة، وقصير قميء، والقصر يوهمني أني هيِّن تتخطاه العين، وضعيف خرع، والضعف يورثني خوفًا وجبنًا، وقد كسرت ساقي بغير ذنب جنيته — فما كسرها إلا الذي حاول أن يجبرها — على حد قول المثل «جاء يكحلها فأعماها» — فقوي شعوري بالنقص من كل وجه، وزدت جبنًا وتحفظًا وانطواءً على نفسي، ولبثت زمنًا طويلًا أحرم نفسي ما يفوز به البر والفاجر، وكنت أتمرد أحيانًا على نفسي، فأسطو وأتقحم وأتطاول، وأخرج عن كل طور معقول أو رشيد، وهذا من الاختلال لا الصحة، وإني لأعرف ناسًا كثيرين يصفونني — جزاهم الله خيرًا — بالتواضع والحياء، ولكني أعرف من نفسي أن هذا من الضعف والجبن، ولو وجدت من يهذبني ويصلح من حالي لتهذبت وصلحت، ولعدت أكفأ للحياة، وأقدر على معاناتها والجهاد فيها، وإني لأعالج نفسي بعد أن كبرت وعلمت وجربت، ولكن العلاج على الكبر شاقٌّ مضنٍ، وإن كان لا يخلو من توفيق. وما زلت إلى اليوم كافرًا بما يسمى «الحب»؛ لأني لما أشعر به من نقص لا أقدر أن أتصور أن امرأة — ولو كانت دميمة مشوهة — يمكن أن ترى فيَّ ما يغريها بمبادلتي هذه العاطفة، وشديد النفور من المجالس الحافلة، والانقباض عنها؛ لأني أحس أن نقصي مجسم مجسد لكل ذي عينين، فأنا أوثر أن أتقي أو ألقى ما أكره، وإذا كانت فيَّ عفة أو نزاهة فهي عن جبن، وحسبك من جبني أني أمرُّ بمراكز البوليس أو الشرطة في الطريق فأقرأ في سري الآية الكريمة () وما ارتكبت جرمًا ولا خطر لي ارتكابه! وإني لأغالب نفسي، فأنجح حينًا وأخفق أحيانًا؛ لأنه استقر في أعماقها من أيام الصبى ما يعز اقتلاعه، ولأني لم أجد من يهديني ويرشدني ويوجهني وجهة صالحة — لا في المدرسة، ولا في البيت، ولا من الإخوان، وما أقل ما يفيدني فهمي وعلمي بعد أن ارتفعت بي السن، وصرت كما يقول بعض الكتاب الإنجليز «حزمة من العادات». وإني لأروضن نفسي على الشجاعة والإقدام، وإني لأتشجع أحيانًا ولا أتهيب، فأحمد العاقبة ولا أندم، ويسرني حمل نفسي على ما كانت تفرق من مثله وتجانبه، ولكن هيهات أن أبلغ من ذلك ما أريد، أو ما أقدر عليه من الرياضة، وإن كنت لا يائسًا ولا مقصِّرًا في الاجتهاد.

وأمثالي كثيرون، عدد الحصى والرمال، فما أنا ببدع ولا شذوذ، والأكثر فيمن ترى تنقصه الشجاعة، وذلك هو العيب الأكبر الذي يورثنا إياه نحن المصريين المساكين سوءُ التربية. وليست الشجاعة أن تكون وقحًا سليط اللسان متقحمًا على الناس، ولا أن تجتزئ حين تكون آمنًا مطمئنًا، ولكن الشجاعة أن تُقدِم وأنت عارف بالصعاب، ومدرك لنقصك، وأن تكون حسن التقدير دقيق الوزن للقيم الحقيقية للأمور والأحوال، وغير مغالٍ بما تتوقع أن تلقاه، وموطِّنًا نفسك على أمر ولو كان فيه مما تخاف أو ترجو أن لا يكون.

وتربيتنا سيئة — بل غاية في السوء — لأنها تفقدنا الشجاعة وتسلبنا الثقة بالنفس، وتزيد شعورنا بالنقص قوة وعمقًا، وتقضي على احترامنا لأنفسنا، وتنسينا الواجبات إذ تعرفنا بالحقوق، وتعودنا التحقير والإذلال، وتروضنا على السكون وانحطاط الشأن وهوان الحال، وتضعف — بل تمحو — إيماننا بأنَّ لنا — جماعة وأفرادًا — قيمة في الحياة، وأملًا في إدراك الآمال وتحقيق المقاصد. اجلس إلى من شئتَ، واستدرجه إلى الإعراب عن دخيلة نفسه، واسمع ما يقول في بني قومه، وفي آمال بلاده وفي مساعي أبنائها، وما يُتوقع لها، تسمع عجبًا! وهل تسمع إلا طعنًا وتنقصًا واستبعادًا لنجاح المسعى؟ ولماذا؟ لا لأن الأمل بعيد، بل لأن الثقة بالنفس ضعيفة، ولأننا تعلمنا — علَّمونا في المدارس وفي البيوت — أن نحتقر أنفسنا ونستصغر شأننا، ونبالغ في احترام الأجنبي وإكباره، أَلَا ترى كيف أننا ما زلنا نسمي الأجنبي — حتى الجرسون الذي يخدمنا في المقهى — «الخواجة»؟

كان لنا — وأنا طالب في المدرسة الخديوية — مدرِّس مصري يخرج عن موضوع الدرس، ويستطرد إلى الكلام في «مصطفى كامل» الزعيم الوطني في تلك الأيام، وكنا جميعًا شبانًا متحمسين، فيغلق النوافذ أولًا، ثم يسرع في وصف مظالم الحكم المصري، وعدل الإنجليز بعد أن احتلوا البلاد، وكيف قضوا على هذا الظلم، فكنت أستغرب أن يغلق النوافذ، ولو سمعه الإنجليز الرؤساء لرضوا عنه ورقَّوه وأغدقوا عليه نِعَمهم! وقد أفضيت له ذات مرة بعجبي هذا، فكان جزائي أن خاطب الناظر الإنجليزي في أمري، فعاقبني بالحبس بقية أيام السنة كلها!

في هذا الجو في الذل واحتقار النفس وتفضيل الأجنبي، والإقرار العملي واللفظي بالعبودية له — ولو كان من هلافيت أوربا وصياعها — نشأنا، وقد خلصت لنا أمور التعليم، ولكن تربيتنا لا تزال تجري على الأساليب القديمة التي لا يمكن أن تخرج للأمة إلا ضعافًا مهازيل، والتلاميذ والطلبة يتمردون ويتركون الدرس ويقومون بالمظاهرات، فهل يدري القارئ لماذا يفعلون ذلك؟ لو كانوا يثقون بأنفسهم وبمواطنيهم ثقة حقيقية غير زائفة أو فاترة، لاطمأنوا، ولما أحسوا بحاجة إلى الخروج والمظاهرات، ولكنهم لا يثقون؛ لأنهم لم يتعودوا الثقة لا بالنفس ولا بالغير، فهم قلقون غير مطمئنين، وليس العلاج أن يضربوا ويمنعوا بالقوة، فإن جدوى هذا لا تتعدى المحافظة على الأمن والنظام — وهي واجبة ولا شك — ولكن العلاج أن تُهذَّب أساليب التربية والتعليم بحيث توجد الثقة بالنفس وبالغير، فيوجد معها الاطمئنان والسكينة، وتنتفي بواعث القلق والجزع التي تغري بغير السداد.

سيقول القارئ ما هذا المقال الذي يبدأ بشيء فيخرج إلى خلافه، وهو على حق، ولكني ما قلت إلا ما أعتقد أنه صحيح، فلعل ذلك يشفع لي.

اسمح لأطفالك بارتكاب الأخطاء _ إيكارت تول

Eckhhart_Tolle_frontإيكارت تول (مواليد 1948)، كاتب ألماني، ومعلم روحي شهير، أطلقت عليه جريدة (نبويورك تايمز) لقب: “المعلم الروحي الأشهر في عصره”، ألهمت كتبه الكثيرين ونال كتابه (قوة الآن) شهرة عظيمة.

يدعو (إيكارت تول) لأرض جديدة تشاد على قيم السلام والحضور والسكون والوعي واليقظة، ويفرق في فلسفته الروحانية بين الجوهر “الكينونة” والمظهر “الهوية والأنا“، وبين الذكاء intellegent  والبراعة clever، وبين الدين والروحانية، وفي تعاليمه لا يسعى لإقناع أحد بأفكار جديدة أو إضافة معارف ومعلومات، ولكن الوعي واليقظة هو ما يركز عليه ويصبو إليه ويرى أن الوجود أعمق بكثير من الوجود الفيزيائي والفسيولوجي. وعلى صعيد التربية يرى أن مساحة الحرية  لازمة للأطفال في طريقهم للنضج، قائلًا  في كتابه (أرض جديدة):
كتاب أرض جديدة

 إذا كان لديك أولاد يافعون، فقدم لهم العون والإرشاد والحماية قدر ما تستطيع، لكن أهم من ذلك كله إمنحهم المساحة، المساحة لكي يحققوا أنفسهم، لقد جاؤوا إلى العالم من خلالك، لكنهم ليسوا “ملكك“، وقد تكون فكرة “أنا أدرى بصالحك” صحيحة في طفولة الأولاد، لكن كلما كبروا، قلت صحة هذا الإفتراض.

وعن أهمية هذه المساحة رغم الأخطاء والأخطار التي قد تحملها وبسببها، ينبه الآباء أن لا يتقمصوا دور (الواعظ/ الحامي من التجارب) وأن يتركوا لأطفالهم فرصة للنضوج،يقول :

قد يرتكب الأطفال الأخطاء من منظورك أنت فحسب، فما قد تعتبره خطأ هو بالضبط ما يحتاج أولادك إلى فعله أو إختباره، قدم لهم قدر ما تستطيع من العون والإرشاد، لكن فلتدرك أنك قد تضطر أحيانًا إلى السماح لهم بارتكاب الأخطاء، لاسيما حين يبدأون ببلوغ سن النضوج، أحيانًا قد تضطر أيضًا إلى أن تدعهم يعانون، قد يعانون الألم بلا أي سبب محدد وقد يكون هذا الألم نتيجة أخطائهم هم.

ويتساءل البعض : “ألن يكون رائعًا أن توفر على أولادك كافة أشكال الألم؟”  فيجيب (إيكارت): لا، هذا ليس برائع، ففي هذه الحال لن يتطوروا كبشر وسيبقون سطحيين، متماهين مع الشكل الخارجي للأشياء، أما الألم فيأخذك أعمق.

يركز (إيكارت) في تعاليمه على “الحضور” فالحياة رقصة ولا بد أن ندعها تمر عبرنا وأن نعيشها بأصالة ووعي حاضر،  والأمر لا يختلف بالنسبة لتربية الأطفال، وعن ذلك يقول:

كثير من الأطفال يكتمون غضبًا وامتعاضًا خفيين تجاه ذويهم وغالبًا ما يكون السبب هو عدم صدق العلاقة ولا أصالتها، فالطفل لديه شوق عميق لكي يكون والده موجودًا وحاضرًا ككائن بشري لا كدور، بصرف النظر عن النية التي ترافق لعب هذا الدور، فقد تفعل كل ما هو مناسب وصحيح لطفلك، لكن حتى فعل الأفضل ليس بكاف، في الحقيقة فإن الفعل ليس بكاف على الإطلاق إذا ما أهملت الكينونة.