أرشيف الوسم: الترجمة

سركون بولص ناصحًا كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وعن دور الترجمة في الشعر

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر وفنّان عراقيّ، ولد في الحبّانية في العراق وهاجر إلى بيروت
وعمل كصحفيّ ومُترجم، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في سان فرانسسكو حيث درس الأدب المقارن وفنّ النّحت، عاش حياة حافلة بالأدب (الشعر تحديدًا) والفن، قدّم عدة دواوين شعريّة وقصص قصيرة للمراهقين، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء مثل (تيد هيوز، غيري سنايدر، جاك كيروك، ويليام ميروين) وآخرون.

في أحد اللقاءات الصحفية مع (بولص)، والتي أدارها الأستاذ (صلاح عواد)، ونُشرت في مجلة (نزوى) العمانية عام 1996م، تحدث (بولص) عن دور الترجمة في كتاباته الأدبية الخاصة. الجدير بالذكر، أن هذا اللقاء الصحفي، وغيره من اللقاءات، قد جُمعت ونُشرت في كتاب حمل عنوان (سافرت ملاحقًا خيالاتي).

في هذا اللقاء الصحفي، سأل (عواد): “أنت تقول إنك تكاد تمارس الترجمة يوميًا، وترجمت العديد من النصوص، فما هو أثر الترجمة على نصّك الشعري؟”. فكان جواب (بولص):

التأثير كان كبيرًا جدًا. والترجمة فن قائم بذاته، وأنا عندما أترجم -خصوصًا الشعر- أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية، محاولًا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المتَرجم. وهذا امتحان قاس جدًا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الإنجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانًا عند كبار الشعراء. فمثلًا؛ أحيانًا أقوم بترجمة أبيات من جحيم (دانتي) لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة، لأمتحن اللغة العربية، وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبّر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الإنجليزية، لأحد أعظم شعراء اللغة الإيطالية؟ ويقود هذا التمرين أحيانًا إلى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية، وكل هذا طبعًا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب.

سأل بعد ذلك (عواد)، فقال: “الشاعر الأمريكي (ميروين) مهووس بالترجمة، وقد تلقى نصيحة من الشاعر (عزرا باوند) في بداياته الشعرية الذي حثه على الترجمة، واكتشف الشاعر (ميروين) أن لغته قبل القيام بالترجمة كانت فقيرة وخالية من الدلالات، فهل توفر لديك نفس الإحساس بعد ممارسة الترجمة؟”. فأجاب (بولص) على ذلك:

عندما ترجم (عزرا باوند) للشعر الصيني أحدث أكبر ثورة في اللغة الإنجليزية على الإطلاق، وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن. وفي كتابه (Cathay)، الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معزوفة، عن الحرب، وظهر في عام 1915م، حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية. وأثّر في الشعر الإنجليزي بعمق، لأنه قدّم التراكيب أو “Ideographs” الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها (باوند) البديل باللغة الإنجليزية أحدث ثورة، ومن هذه الثورة خرج شعراء مثل (غيري سايندر)، الذي لولا تأثره بالشعر الصيني والياباني لما كتب كما يكتب الآن، وغيره من الشعراء، من بينهم (ميروين) الذي هو مترجم عظيم، وعاش طوال حياته على الترجمة. وقدّم العديد من شعراء الاسبانية والفرنسية والبروفانسية إلى قراء اللغة الإنجليزية. فالترجمة هي نوع من التلقيح، وهي نوع من الجسور التي تمتد عبر اللغات، وتجعل من جميع اللغات والكتابات، في النهاية، تتشارك وتتداخل وتتلاحم، لتخلق شيئًا جديدًا.

اختتم (عواد) اللقاء الصحفي بعد ذلك، بأن سأل: “هل تنصح الشعراء الشباب بالترجمة؟”، وكان الجواب على ذلك:

أنا أنصح كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وأن يحاول الترجمة، حتى لو كان ذلك من أجل لذته الخاصة، كتمرين.

ماذا تعني الترجمة برأي جمانة حداد؟

في كتابها (سيجيء الموت وستكون له عيناك)، ُردت (جمانة حداد) الكاتبة والمترجمة والصحافية الناشطة جزءًا من المقدمة للحديث عن الترجمة، والترجمة الشعرية على وجه التحديد. فتتساءل مبتدئة “ماذا تعني الترجمة؟”، ثم تتابع:

الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي: “أن نقول الشيء نفسه بلغة أخرى”. لكن، هل يمكن أن نحصر الترجمة، وخصوصًا الأدبية والشعرية منها، في هذا المعنى الضيّق؟ ألا توازي الترجمة على الأرجح إعادة الخلق أو الاختراع؟ أليست عملية استنباط خلاقة للغة جديدة داخل اللغة وتشييدًا للجسر رابط بين اللغات المختلفة؟ بلى. فالنص المترجم شبيه بجنين يولد مرتين، ولكل ولادة بروقها وصعقاتها. إنهما هويتان للوطن ذاته، بل أكاد أقول: شقيقان توأمان من أم واحدة، مخيلة الكاتب وتجربته وأفكاره، ولكن من رحمين – لغتين مختلفتين، وكانتا لتكونا منفصلتين تمامًا لولا حبل السرّة – نار المعنى الرابطة بينهما.

ثم تكمل بعد ذلك قائلة:

لهذه الأسباب وغيرها تشكّل الترجمة، الشعرية تحديدًا، والتي هي شغفي وميدان تخصصي الأكاديمي، رحلة استكشاف فنية. مغامرة غالبًا ما يساور الكشاف فيها شعور بعدم الرضى عند نهايتها، نظرًا إلى صعوبة القبض على جميع خفاياها.


ثم تتساءل، عن حقيقة العلاقة بين الترجمة وفعل الخيانة، وعن الترجمة الحرفية، فتقول:

لقد قيل الكثير عن العلاقة التي تربط بين الترجمة وفعل الخيانة، ولكن إلى أي مدى يشكّل عامل “الأمانة” البحتة معيارًا لتقويم عملية ترجمة الشعر؟ أليس صحيحًا أن ترجمة الشعر لا يمكن أن تحيى إذا كانت حرفية؟ طبعًا، فهي تفقد الكثير من وهجها إذا كان معيارها التبجّح بالإخلاص والموضوعية الخالصة اللذين يفرغان النص من روحه فلا يبقى منه سوى جثته، وإن لم يقترنا بالموهبة والحساسية الموضوعتين في خدمتهما. هذا لأقول إن معرفة العالم السري للنص الشعري ليس شأنًا علميًا وأكاديميًا بحتًا، بل هي خصوصًا معيارٌ حدوسي ورؤيوي نفاذ. ومثل هذه المعرفة هي الترجمة الشعرية: حيث أن الحدس يخترق أسرار القصيدة ويضع نفسه في خدمة التقنيات والمعايير الأكاديمية.


تحرير: أحمد بادغيش

أليكس سانتوش بين الحضور والتلاشي

img_0790

يعد د. (أليكس سانتوش) مواليد 1971، من شعراء الهند البارزين في العصر الحالي فهو يكتب ويترجم الشعر من وإلى الهندية، الملايم، والإنجليزية، وله أكثر من 20 مؤلف وترالأدب. ئده إلى أكثر من 20 لغة منها التركية والصربية والألمانية وقام هو بالترجمة لأكثر من 90 شاعرا وما زال يواصل عمله في الكتابة والترجمة منذ 23سنة. هو مؤسس مجلة ريتشو الإلكترونية المتخصصة في الشعر فقط. وهو محرر لعدة مواقع وصحف أدبية أخرى. حصل على عدة جوائز في الشعر والترجمة آخرها عام 2015. له تاريخ حافل ومستمر من العمل الجاد والمثمر فمنذ حصوله على الماجستير في الأدب الهندي بدأ الترجمة التي دعمها بالدراسة الأكاديمية مضيفا شهادة الدبلوم في الترجمة إلى الماجستير في الأدب .

في البدء  كانت القصة:

يتذكر (أليكس) أول ترجمة قام بها مطبقا قواعد الترجمة التي اكتسبها. كانت قصة قصيرة من الأدب الهندي ورغم أنه يعلم أن بروفسوره في الترجمة كثير الانشغال عادة، إلا أنه أزعجه – كما يقول – بها وبعد بضعة أيام تلَّقى اتصالا هاتفيا منه ليزوره في منزله. ذهب (أليكس) بحماسة شديدة أصبحت أكثر شدة عندما استلم منه ورق الترجمة ولم ير أي ملاحظة تصحيح مدونة فيها. كان مذهولا بذلك إلا أن تلك الحماسة والفرح تلاشت كلها حين أخبره البروفسور بضرورة إعادة ترجمة القصة كلها من جديد. ومنذ ذلك الوقت بدأ  البروفسور بتعليمه وتوجيهه، وبعد أيام عدة قام بترجمة قصة أخرى لكاتبة هندية معاصرة (كالامادا)، من الهندية إلى الملايم، وقد أعجب بها ذلك البرفسور، وأخبره بأن يمضي قدما في الترجمة. وعندما أهداها إلى المؤلفة طلبتْ منه أن تستمع للترجمة بصوته وأخبرته بجودتها وكان ذلك هو الانطباع الجيد الأول الذي حصل عليه. ولذلك واصل ترجمة القصص ثم الروايات قبل أن ينتهي ويستمر في ترجمة الشعر.

لغة الفن والصداقة لغة الترجمة:

لغته الأم هي الملايم، ولكنه أتقن التقالوق بسبب ظروف عمله كونها لغة زملائه هناك ولأنه من عشاق أفلام التاميل ولديه الكثير من الأصدقاء والأقارب الناطقين بها، سعى لإتقانها هي الأخرى. ولأنه درس في الجامعة الهندية والسنسكريتية “لغة هندية قديمة” والإنجليزية، وجد نفسه يتحدث 6 لغات، ولذلك حاول المساهمة في إثراء الأدب الهندي بالكتابة الإبداعية وترجمة الكتابات الإبداعية. وصدرت أول ترجماته عام 2004، وآخرها هذا العام 2016.

التلاشي في الترجمة:

“على المترجم أن يتلاشى في الترجمة ليظهر المؤلف في النص المتَرجم”. هذه نظرية من النظريات التي يؤمن بها سانتوش ولكي يحقق تلك النظرية عليه في نظري أن يقوم بدراسة الكاتب بشكل جيد ثم التعرف على أسلوبه الكتابي وتقنياته المستخدمة ثم يجعل من تلك التقنيات والأساليب أدواته لتفكيك النص الأصل والتعرف على مكملاته المعرفية ثم إعادة تكوينها مترجمة بمقابلة أو معادلة المعنى والتقنيات والأساليب .وهذه المهارة تتطلب فترة طويلة من التدريب والممارسة والمراجعة, خصوصا مع اختلاف سياقات اللغة الأم والهدف.

 عزلة القرية، لا بشرية المدينة:

في نصوصه نلحظ ذلك الأثر حيث يطغى الجو المعزول والمهمل من التسهيلات الحديثة، ذلك المتوحد مع الطبيعة والسكينة في القرية الدافئة بجمال العلاقات الاجتماعية بين ساكنيها وبراءة الطفولة الملهمة فيها. بعكس المدينة المحتوية على كل التسهيلات الاجتماعية الحديثة للحياة، ولكنها ملوثة حد فقد العمال بها جزء من أخلاقهم البشرية مع النمو المتسارع والانجراف وراء الاهتمام المادي والاقتصادي بشكل مفرط.

الصيف

الصيف رحلةimg_0789

بالنسبة لي

عائدا من نشاز صخب المدينة

إلى صفاء قرية صغيرة

***

مُوثقٌ برباط مجهول

أتجول في المناطق المهجورة

خلال حقول الأرز ومساحات اللعب القاحلة

أمرح في البركة و

أتأرجح على أشجار الجوافة والتمر الهندي

تتصرم الأيام

***

وحين أدرك قيمة تلك الروابط

تستدعيني المدينة

كي أعود

المعجم

حين أضع القلم قرب الورقة

تغادر الكلمات وتختبئ في مكان ما

وأنا أتركهن كما يشئن

***

رأيت واحدة في جريدة أخبار الصباح

رأيت بعضهن في القنوات الفضائية

وبعضهن في مجلة عصرية

***

لقد هربن بسرعة

عندما حاولت الإمساك بهن

***

في المساء

وبينما كنت أجلس لأعلم الأطفال

اختلستْ الكلمات النظر من المعجم

مرتديات معان جديدة وسلوكا جديدا

فُلك

عائد على أجنحة رياح الجنوب

مررت بغدير صغير

ينساب بين حقول الأرز، الأراضي القاحلة الشاسعة،

الممرات المعزولة

والأكمات التي لا يُعرف لها اسم

***

يمضي الوقت

أصطاد اليعاسيب

أجمع حبوب الأبروس,

ثمار المانجو، حبيبات القلقل*

ورفرفة أشجار الكاكايا

***

وكذلك تمضي إجازة أخرى

***

عندما فتحت عيني

وجدتني على فلك نوح

 

تحديات الترجمة برأي عبد العزيز حمودة

عبدالعزيز حمودة

د. عبد العزيز حمودة، ناقد مصري عريق، وأحد أساتذة الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة سابقا. أحدث زلزالا ثقافيا مدويا بتدشينه ملامح نظرية نقدية عربية حديثة في ثلاثيته: (المرايا المحدبة)، و(المرايا المقعرة)، و(الخروج من التيه).

في سياق المقارنة بين النصوص الأصلية، والنصوص المترجمة، يوضح حمودة في كتابه (المرايا المقعرة)، الشروط التي يجب توفرها لدى المترجم، لكي يؤدي عملية الترجمة باقتدار، فيقول :

إن ترجمة نص ما من لغته الأصلية إلى لغة أخرى يمثل بالدرجة الأولى مسؤولية المترجم أمام قرائه في اللغة الجديدة، فالإنسان لا يترجم للقارئ القادر على قراءة النص بلغته الأولى، فالقارئ المستهدف أولا وأخيرا هو القارئ غير القادر على التعامل مع النص الأصلي. ومن هنا يعتبر المترجم مسؤولا علميا وأخلاقيا أمام قارئه، والمسؤولية هنا لا تقبل التجزئة.

[…] أما المبدأ الثاني، وهو مبدأ عام أيضا، فهو أن عملية الترجمة تتطلب في المقام الأول، ليس مجرد معرفة باللغتين المعنيتين، بل تمكنا كاملا غير منقوص لناصيتيهما.
عدم التمكن من لغة النص الأصلية، يعني بالضرورة عدم فهمه، ومن ثم توصيل رسالة غير صحيحة إلى القارئ، إنه في حقيقة الأمر يقوم، من الناحية القانونية، بتزييف النص المترجم،  ولا يكفيه في هذه الحالة تمكنه من اللغة التي يترجم إليها، لأن الرسالة التي يتم توصيلها في تلك اللغة تكون زائفة، أو منقوصة، والشيء نفسه بالنسبة للغة المترجم، فعدم التمكن من ناصية اللغة، يعني الفشل في توصيل المعنى الأصلي، بصرف النظر عن تحقق فهم النص، في لغته الأولى.

[…] والمبدأ الثالث هو أن إجادة اللغتين وحده، لا يكفي لإنتاج ترجمة جيدة أو سليمة، على الأقل. إذ لا بد أن يتمتع المترجم بقدر كبير من المعرفة والعلم في المجال الذي يمارس فيه فعل الترجمة.

بعد أن يفرغ الكاتب، من ذكر الشروط العلمية التي يعتمد عليها نجاح الممارسة ، يشرع في ذكر مجالات الترجمة، من جهة ارتباطها بدرجة الصعوبة أو السهولة، وأي أنواعها تمثل تحديا حقيقيا لقدرات المترجم، فيقول:

ومن ثم يتفق المترجمون وعلماء اللغة، على أن الترجمة العلمية_ أي في مجال العلوم الطبيعية والتطبيقية_ أقل أنشطة الترجمة تحديا لقدرات المترجم والمتلقي، فالعلاقات بين الدوال والمدلولات محددة، تليها الترجمة في العلوم الاجتماعية، التي تتمتع فيه اللغة بدرجة من تحديد الدلالة، أما في العلوم الإنسانية فإن التحدي يصل إلى ذروته، خاصة أن أبرز تعريف للغة الإبداع هو أنها لغة رمزية، لا تقوم على المواضعة اللغوية، حيث يدل اللفظ على ما وضع من أجله، بل تقوم على القدرة الدائمة والمتجددة على الإيحاء بدلالات غير متواضع عليها.

وبحكم اشتغال الكاتب بالدرس النقدي الحداثي، يتساءل في الكتاب، بلهجة ملؤها الخوف والحذر، عن مدى إمكانية نقل النظريات الحداثية إلى اللسان العربي، فيقول:

وقد أكد النصف الثاني من القرن العشرين، أن ترجمة النظريات النقدية، خاصة الحداثية وما بعد الحداثية، تمثل أعلى درجات التحدي لقدرات المترجم ذهنيا ولغويا، فالمترجم هنا يجد نفسه يتعامل مع مصطلحات لغوية، مفردة أو مركبة، لم يحدث الاتفاق على دلالتها بعد بين أبناء الثقافة الواحدة، وأحيانا بين أبناء الثقافة التي أفرزتها، أو بين أبناء الثقافات المختلفة، هذا من ناحية. من ناحية أخرى فإن ارتباط المدارس النقدية الحداثية وما بعد الحداثية بالفلسفة الأوروبية الحديثة، خاصة الظاهراتية والهرمنيوطيقية، ونحت المصطلحات والمفاهيم من داخل البيت الفلسفي يجعل إدراك المعنى، حتى على القارئ من داخل الثقافة نفسها، تحديا آخر أكثر إجهادا للقارئ، فما بالنا بالمترجم؟ وفوق هذا وذاك، هناك العنصر الحداثي وما بعد الحداثي، القائم على تعمد الغموض والإبهام لتأكيد إبداعية النص النقدي وأهميته، هذه العوامل مجتمعة في نص نقدي حداثي غربي تضع المترجم، أمام مهمة شبه مستحيلة.

ثم ينتهي بعد هذا التساؤل المضني إلى هذه النتيجة المؤسفة :

ومتابعة سيل الترجمات الحداثية إلى العربية في العشرين عاما الأخيرة، تؤكد أن المترجم العربي عامة لم يكن على مستوى تلك المسؤولية.

ما هو منشأ الترجمة الحرفية؟ بورخيس يجيب

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، وكان له دور بارز في الشعر والنقد والترجمة. في خريف 1967، ألقى (بورخيس) في جامعة (هارفارد) سلسلة مكونة من ست محاضرات عن الشعر، وخلال أكثر من ثلاثين عامًا، ظلّت هذه المحاضرات محفوظة على أشرطة ممغنطة في قبو صامت لإحدى المكتبات، منسيّة دون أن تجد طريقها إلى النشر، إلى أن رأت النور ضمن مطبوعات جامعة هارفارد عام 1970 مثبتة قيمتها الأدبية العالية، أن التأخر في النشر لا يعني دائمًا عدم الأهمية. فمحاضرات (بورخيس) ما زالت -في الأوساط الثقافية- تملك الأهمية ذاتها التي كانت لها حين ألقاها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

جُمعت هذه المحاضرات في كتاب، ومن ثم ترجمت إلى عدة لغات، منها العربية. وحملت عنوان (صنعة الشعر)، حسب ترجمة الأستاذ (صالح علماني). في محاضرته الرابعة، والتي خصصها عن الترجمة، تساءل (بورخيس) عن مصدر الترجمات الحرفية، والتي تحافظ على الألفاظ، وتنقل النص كلمة بكلمة من لغته الأصل إلى لغة أخرى. فيجيب بعد ذلك:

ما هو منشأ الترجمات الحرفية إذًا؟ لا أظن أنها ظهرت نتيجة التقدم في العلم، ولا أظن أنها ظهرت نتيجة هاجس الدقة. أعتقد أنه كان لها منشأ لاهوتي. فعلى الرغم من أن كل الناس كانوا يرون أن (هوميروس) هو أعظم الشعراء، إلا أنهم لا ينسون أن (هوميروس) كان بشرًا، ويمكن بالتالي لكلماته أن تتبدل. ولكن عندما صار لا بد من ترجمة الكتاب المقدس، طُرحت مسألة شديدة الاختلاف، إذ كان يفترض أن الكتاب المقدس هو من وضع الروح القدس. وعندما نفكر في الروح القدس، عندما نفكر في ذكاء الرب غير المتناهي مرتبطًا بمهمة أدبية، فإننا لا نستطيع أن نتصور وجود عناصر طائرة -عناصر مصادفة- في عمله. لا. فإذا ما كتب الرب كتابًا، إذا ما تفضل الرب على الأدب، فإن كل كلمة، كل حرف، مثلما يقول القباليون، يجب أن يكون قد جاء نتيجة تأمل عميق. ويمكن للتلاعب بالنص الذي صاغه الذكاء غير المحدود والسرمدي أن يكون تجديفًا.

ويضيف (بورخيس)، واصفًا رأيه بمحض افتراض مجرّد:                      

وهكذا، أظن أن فكرة الترجمة الحرفية برزت مع ترجمات الكتاب المقدس. إنه مجرد افتراض مني، يُخيّل إليّ أن ثمة مختصين كثيرين حاضرين هنا، ويمكن لهم أن يصححوا لي إذا ما كنت مخطئًا، ولكنه افتراض أعتبره محتملًا  إلى حد بعيد. وعندما تم التوصل إلى ترجمات حرفية باهرة للكتاب المقدس، بدأ البشر يكتشفون .. بدؤوا يفكرون في أن ثمة جمالًا في أساليب التعبير الأجنبية.

وفي مديح الترجمة الحرفية ومدى قبولها بين الناس يستطرد قائلًا:

وصار الجميع اليوم مؤيدين للترجمات الحرفية، لأن الترجمة الحرفية تستثير فينا على الدوام هزة الدهشة الخفيفة التي ننتظرها. وعمليًا، يمكن القول إنه لا حاجة إلى الأصل. وربما يأتي الوقت الذي سيُنظر فيه إلى الترجمة على أنها شيء قائم بذاته.

بين الانتحال والمحاكاة، بيسوا يتحدّث عن فن الترجمة.

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا  (1888–1935) هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما أنه كتب وترجم من اللغة الإنجليزية والفرنسية.

ما تزال عملية الترجمة باعتبارها فنًا، من الممارسات التي شكلت هاجسًا لدى كثير من الأدباء والفلاسفة والباحثين، فبالنظر من ناحية استحواذ روح الكاتب على النص الأصلي، وتفلّت النص تدريجيًا من هيمنة هذه الروح أثناء انتقاله إلى لغة مختلفة تمامًا – وإن كانت اللغات في عمومها تتلاقى وتتشابه -، إلا أن اللغة محمّلة بالثقافة التي تتصل بها اتصالًا عميق الأثر لا بد أن تظهر تبعاته، فهل تُعدّ الترجمة عملا مستقلا استقلالًا حقيقيًا، أي أننا نتحدث عن إنتاج عمل أدبيّ جديد، أم أنها انتحالات مجرّدة لا يملك المترجم فيها إلا تقمّص دور الكاتب ونقل الصورة التي يريد؟

في كتاب (الأعمال النثرية المختارة) والذي ترجمه للإنجليزية (ريتشارد زينيث)، ومن ثم للعربية بواسطة (أمير زكي) في مدونته،  يناقش (بيسوا) الترجمة كفن محاط بالتحديات، ويعيد تعريفها من خلال علاقة المترجم بالكاتب والنص في حديث مثير للاهتمام، يقول:

أنا لا أعرف إن كان أحد قد كتب تاريخا للترجمة؛ سيكون كتابا طويلا ولكنه مثير جدا للاهتمام. مثله مثل تاريخ الانتحالات – كتاب مهم ممكن آخر ينتظر كاتبه الحقيقي – سيكون محاطا بالدروس الأدبية، هناك سبب لأن يستحضر شيء ما شيئا آخر: الترجمة ليست سوى انتحالا باسم الكاتب، تاريخ المحاكاة الساخرة سيكمل السلسلة، لأن الترجمة هي محاكاة جادة للغة أخرى.
العمليات العقلية المتضمنة في المحاكاة الساخرة هي نفسها المتضمنة في الترجمة بشكل تام، في الحالتين هناك إعادة استخدام لروح الكاتب لغرض غير موجود عنده. في الحالة الأولى يكون الغرض هو السخرية، في حين يكون الكاتب جادا؛ في الحالة الأخرى يكون الغرض لغة محددة، في حين كتب المؤلف بأخرى. هل سيحاكي أحد في يوم ما قصيدة ساخرة بقصيدة جادة؟ هذا غير مؤكد. ولكن بلا شك يمكن للكثير من القصائد – حتى القصائد العظيمة – أن يضاف لها بأن تُتَرجَم للغة نفسها التي كتبت بها.

أيهما أولى بالعناية؛ الكاتب أم النص؟ يطرح بيسوا رأيه في هذه الإشكالية ومدى اتصالها وأثرها على فعل الترجمة يقول:

هذا يستحضر إشكالية إن كان الفن أم الفنان هو الأكثر أهمية، الفرد أم المُنتَج، إن كان المُنتَج هو الأهم، وهو الذي يجلب البهجة، إذن سيكون من المُبَرَر أن تأخذ قصيدة لشاعر مشهور – لا تكون من القصائد المتسمة بالكمال – وفي ضوء نقد عصر آخر، تجعلها تتصف بالكمال بالحذف والاستبدال والإضافة. قصيدة وردزوورث “نشيد الخلود” قصيدة عظيمة ولكنها بعيدة جدا عن أن تتسم بالكمال. يمكن إعادة تركيبها لتكون أفضل.

 للترجمة مستويات، وهناك مستويات محددة في نظر بيسوا تجعل من فعل الترجمة مثيرًا وذا جدوى، يختم بيسوا حديثه عنها قائلًا:

المثير في الترجمة يتحقق عندما تكون صعبة، أي أن تكون من لغة ما إلى لغة أخرى مختلفة تماما، أو تكون لقصيدة معقدة جدا حتى لو كانت الترجمة إلى لغة مشابهة جدا. لا توجد متعة في الترجمة – قل – بين الإسبانية والبرتغالية؛ أي شخص يستطيع قراءة إحدى اللغتين يمكنه بشكل آلي أن يقرأ الأخرى، بالتالي يبدو حينها أنه لا جدوى من الترجمة، ولكن ترجمة (شكسبير) إلى واحدة من اللغات اللاتينية سيكون عملا مبهجا؛ أنا أشك إن كانت ترجمته تصلح إلى الفرنسية، سيكون من الصعب الترجمة إلى الإيطالية أو الإسبانية؛ أما البرتغالية، كونها أكثر مرونة وتعقيدا، فمن الممكن أن تقبل الترجمة.

عن الترجمة، والكتابة بوصفها ترجمة أيضًا، برأي ساراماغو

جوزيه ساراماغو 1922 – 2010 روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. من مؤلفات ساراماغو العمى، ورواية الكهف. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

نشر ساراماغو في كتابه المفكرة مقالة قصيرة، يتحدث فيها عن الكتابة وعلاقتها بالترجمة، يقول فيها:

الكتابة هي دومًا ترجمة، حتى عندما نستعمل لغتنا الخاصة. فنحن ننقل ما نراه ونشعره (بافتراض أن الرؤية والشعور، كما نفهمها عادة، هما شيء أكثر من مجرد الكلمات التي كان من الممكن نسبيًا لنا أن نعبر بها عن تجربة الإبصار والشعور) بواسطة شيفرة تقليدية متعارف عليها من الإشارات، الكتابة، ونأمل في أن يسمح لها الظرف وتقلبات الاتصال بالوصول إلى عقل القارئ، إذا لم يكن سليمًا، بوصفها التجربة الكاملة التي قصدنا أن ننقلها – حتمًا تنقل كلماتنا مجرد نتف من الواقع الذي تغذت عليه تجربتنا – عندئذ مع ظل على الأقل لما نعرف في أعماق روحنا أنه غير قابل للترجمة: العاطفة النقية للقاء، دهشة الاكتشاف، تلك اللحظة الهائمة من الصمت قبل تُنتج الكلمة ستبقى في الذاكرة مثل أضغاث حلم لم يمحوه الزمن بشكل كامل.
يتابع بعد ذلك، فيقول:
هكذا، يترجم شخص ما، ليس أن ينقل إلى لغة أخرى (لغته) عادة، شيئًا كان قبلئذ في العمل وفي اللغة الأصلية ترجمة، أي، إدراكًا مفترضًا لواقع اجتماعي وتاريخي وأيدلوجي وثقافي، وليس واقع المترجم، وإدراكًا يجسده سياق لغوي ودلالي، وهو أيضًا ليس سياقه. فالنص الأصلي هو مجرد واحد من الترجمات الممكنة لتجربة المؤلف مع الواقع، وعلى المترجم أن يحول نص الترجمة هذا إلى ترجمة نص، وهذا يخلق حتمًا بعض الالتباس نظرًا إلى أن المترجم -وقد بدأ يقبض على تجربة الواقع الذي هو موضوع اهتمامه- يتعين عليه عندئذ أن يقوم بالمهمة الأكبر، مهمة إدخالها دون مس إلى سياقها اللغوي والدلالي للواقع (الآخر) الذي يفترض به أن يترجمه إليه، كاشفًا عن الاحترام المستحق في الوقت ذاته لكل من المكان الذي جاء منه والمكان الذي يذهب إليه. بالنسبة إلى المترجم، لحظة الصمت التي تسبق الكلمة هي لذلك مثل عتبة خيميائي يجب فيها تحويل “الشيء الذي يكونه” إلى شيء آخر لكي يبقى “الشيء الذي كانه”.
وأخيرًا، يختتم بأن يعرّج على أحد أساليب المترجمين في فهم النص، ألا وهو الحوار مع المؤلف. يقول:
إن الحوار بين المؤلف والمترجم، في العلاقة بين النص الذي يكون والنص الذي يفترض أن يكون، ليس فقط بين شخصيتين فرديتين ينبغي أن تكمل أحدهما الأخرى، إنه قبل كل شيء لقاء ثقافتين جمعيتين يجب أن تعترف كل واحدة منهما بالأخرى.

الحفاظ على التعبيرات اللغوية الاصطلاحية و التوريات في الترجمة لدى مويان

يُعد (مويان) واحدًا من آكثر كتاب الصين شهرة، و أوسعهم انتشاراً و ترجمة إلى لغات العالم، ومن اشهر كتاباته رواية الذرة الرفيعة الحمراء الحائزة على جائزة نوبل للاداب 2012 .وفي حواره مع رئيس تحرير غرنتا، جون فريمان، خلال معرض لندن للكتاب (نيسان – 2012) تحدث عن إمكانية الحفاظ على التعبيرات اللغوية الاصطلاحية و التوريات في الترجمة، ومشكلات الرقابة و ترجمه فخري صالح، نقلاً عن موقع غرانتا البريطانية، 11 أكتوبر، 2012 و مما جاء فيه:
جون فريمان: تكتب في العادة باللغة الصينية المحلية ( اللاوبيرينغ)، خصوصاً بلهجة مقاطعة شاندونغ التي تلوّن نثرك. هل يسبب لك الإحباط أن بعض التعبيرات الاصطلاحية و التوريات يصعب ترجمتها إلى الإنجليزية، أم إنك قادر على التحايل على ذلك مع مترجمك هوارد غولدبلات؟
مويان: حسناً، لقد استخدمت في الحقيقة كثيراً من التعبيرات الاصطلاحية و التوريات المستعملة في اللهجة المحلية في أعمالي الأولى. لم أتخيل في الحقيقة أن عملي سوف يترجم إلى لغات أخرى. فيما بعد أدركت أن هذا النوع من اللغة يخلق كثيراً من المشكلات و يضع العديد من العقبات في سبيل المترجمين. لكن من الضروري استعمال اللهجة المحلية، و التعبيرات الاصطلاحية و التوريات المعروفة فيها، لأن ذلك يُضفي حيوية على اللغة، و يجعلها قادرة على نحو أفضل. و هو مايُمثل أيضًا العنصر الجوهري الخاص بالبصمة الخاصة بكل كاتب في اللغة التي يكتب بها. من جهة، يُمكنني أن أعدل قليلاً في استخدامي للتوريات و التعبيرات الاصطلاحية. لكنني من جهة أخرى آمل أن يستطيع مترجمونا العثور على مقابل للتوريات، التي أستخدمها، في اللغات التي يتم نقل عملي إليها. هذا هو الوضع المثالي.
جون فريمان: هل يُمثل التحايل على الرقابة شيئاًيتعلّق بالتميز و جماليات الأسلوب، و مالذي تتيحه الآفاق التي فتحتها الواقعية السحرية، وكذلك التقنيات التقليدية في بناء الشخصية، للكاتب كي يعبر عن انشغالاته العميقة دون اللجوء إلى أسلوب الجدل و المناظرة؟
مويان: بلى، إن الكثر من المقاربات الخاصة بالأدب تنطوي على مواقف سياسية في الحقيقة، ففي حياتنا الواقعية قد يكون هناك بعض المسائل الحساسة أو الحادة التي لا يريدون منا الحديث عنها. في هذه الحالة على الكاتب أن يستخدم الخيال لكي يفصل تلك المسائل عن العالم الواقعي، أو قد يكون في إمكانه المبالغة في الموقف و العمل على تضخيمه، على أن يحسسنا بجرأته ووضوحه، و كونه يحمل توقيع العالم الواقعي الذي نعيشه. إنني في الحقيقة، أؤمن أن هذه الحدود و المعوقات و مسائل الرقابة عظيمة بالنسبة لعملية الخلق الأدبي.

بيكاسو، وحديثه عن الأفكار والنجاح

h9_JnnIo

حين التقى (بيراشاي) المصور الهنغاري والملقب “بعين باريس” بـ(بيكاسو)، دارت بينهما الكثير من الاحاديث عن الفن، وقد جمعها (بيراشاي) ودونها وقد صدرت في كتاب يحمل عنوان (حوارات مع بيكاسو). وقد استقطبنا هنا حديثهما عن (الأفكار والنجاح).

قال (بيكاسو) محدثا (بيراشاي) عن الأفكار :

ليس لدي أي دليل أو اثبات، الا أني أظن بأن الأفكار ببساطة هي عبارة عن نقاط. و نادرا ما أدونها كما تأتي إلى ذهني. في الوقت الذي أبدأ فيها بالعمل بتلك الافكار فإن غيرها من الأفكار يأتي لقلمي وفرشاتي دون استدعاء مقصود.
في اللحظة التي أشعر فيها بأني أواجه صفحة بيضاء خاوية هذا يعني أني أطلت التفكير فيما أريد رسمه وقد يغلبني ذلك البياض دون رسم أي شيء. والمهم هو أن أجمل وأعمق ما أرسم هو ما أرسمه دون تفكير مسبق.

ويقول: “أن كل ماعليك فعله لتعرف ماذا تريد أن ترسم، هو أن ترسم“.

ثم يدافع براشاي عن فكرة أن بعض الفنانين موهوبين لدرجة أن نجاحهم محقق بلا شك باقتباسه عبارة لـ(ماتيسي) قالها يوما ما له “يجب أن تكون أقوى من موهبتك لتحميها“. ثم يعقب بما قال (بيكاسو) عن النجاح:

اذن، النجاح أمر مهم!
غالبا مايقال أن على الفنان أن يعمل لأجل نفسه أو لأجل حبه للفن و دون الاكتراث للنجاح، وهذا الأمر غير صحيح! لأن الفنان يحتاج النجاح وليس بالعيش خارج أسواره. خاصة وأنه يعمل بكامل قواه البدنية والذهنية والحسية. ولايستثنى الفنان ذو الغنى المادي من ذلك حيث أنه هو أيضا يحتاج للنجاح! فقليل من الناس فقط هم من يستشعرون ويفهمون الفن، والأقل من أؤلئك هم الحساسون تجاه اللوحات والأعمال الفنية. فالأغلبية يحكمون على اللوحات فقط لسمعتها وشهرتها و لنجاحها.
لكن لماذا ترك و ألصق معنى النجاح للوحات الأكثر مبيعا؟ على الرغم من أن لكل جيل ذائقته الخاصة! هناك من أبتدع فكرة أن النجاح يجب أن يذهب لأولئك الذين يلبون رغبة الجماهير والذوق العام، وهذا هو السبب!
بالنسبة لي، كنت دائما أريد أن أثبت لنفسي أنه يمكنني أن أبلغ النجاح بطريقتي الخاصة رغما عن الجميع و دون أي تنازلات!
أتعرف؟ هذا في رأيي هو النجاح الذي حققته منذ أن كنت يافعا حتى أن الفترة الزرقاء وفترة الزهور كانتا دائما الجدار الذي يحميني.

ثم قال بيكاسو أخيرا:

لا تعرض لوحاتك بمبلغ باهظ الثمن، لأنه من المهم جدا أن تبتاع منها أكبر عدد ممكن. فرسوماتك يجب أن تخرج إلى ضوء العالم لا أن تظل حبيسة داخل عالمك أنت.

المصدر الأول، المصدر الثاني.

من أحجار داوود إلى دبابات جليات، يكتب ساراماغو

خوزيه ساراماغو (1922-2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب (عام 1995) وأيضًا كاتب أدبي ومسرحي وصحفي. يمكن اعتبار بعض مؤلفاته أمثولات، تستعرض عادة أحداثًا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. من أبرز رواياته وأشهرها رواية (العمى) التي نُشرت في عام 1995.

في مجلة الكرمل، العدد ٧٢/٧٣ عام ٢٠٠٢، ترجمت الأستاذة (سهير عصفور) مقالة للروائي البرتغالي، بعنوان “من أحجار داوود إلى دبابات جليات”، تحدث فيها عن القضية الفلسطينية، يقول فيها:

تؤكد بعض السلطات الدينية المعنية بالشؤون الإنجيلية أن سفر صموئيل الأول كتب في عهد سليمان أو بعده مباشرة، أي قبل السبي البابلي الشهير، بينما يؤكد فريق آخر من الباريسيين الذين ليسوا أقل كفاية أن سفر صموئيل الأول والثاني أيضاً كتبا بعد النفي إلى بابل، وإن البناء التاريخي والسياسي والديني للنصين يخضع لطريقة تقسيم الأحداث نفسها في سفر التثنية، من حيث التتابع والتسلسل: تحالف الله مع شعبه، خيانة هذا الشعب، عقاب الله، توسلاتهم ثم أخيراً عفو الله عنهم.

إذا كان النص المبجل ينتمي إلى عهد سليمان فيمكننا القول إنه مر عليه قرابة ثلاثة آلاف عام. وإذا كان من قاموا بتحرير هذا النص فرغوا منه بعد عودة اليهود من المنفى، فعلينا أن ننقص خمسمائة عام تقريباً من الثلاثة آلاف عام. إن هذا الاهتمام الشديد بتحري الدقة في تحديد التاريخ والزمن هدفه الأوحد هو لفت نظر القارئ إلي أن الحكاية الدينية الشهيرة التي تحكى عن المعركة بين الراعي داوود والعملاق الفلسطيني جليات-والتي انتهت قبل أن تبدأ- تروى للأطفال في شكل خاطئ من خمس وعشرين أو ثلاثين قرناً على الأقل. فعلى مر العصور أخذت الأجزاء المهمة في القصة، تتطور بما يتوافق مع الرؤية غير التحليلية لأكثر من مئة جيل من المؤمنين / المستعمرين من اليهود والمسيحين، وياللتزييف المضلل عن التباين القاسي بين حجم العملاق جليات الذي يصل طوله إلى أربعة أمتار والتركيبة الجسدية الهزيلة لداوود الأشقر الضعيف. لكن هذا التباين المفزع يتم تعويضه، بل الإفادة منه لمصلحة داوود الإسرائيلي، وذلك لأنه فتى ذكي، بينما جليات مجرد كتلة غبية من اللحم.

كان الفتى ذكياً فعلاً حين أخذ معه، قبل ذهابه لمواجهة الفلسطيني، خمس قطع من الحجارة الملساء، وجدها على ضفة نهر صغير قريب، فوضعها في الخرج الذي يحمله، أما الآخر فكان شديد الغباء إلى درجة أنه لم يدرك أن داوود أتى مسلحاً بمسدس. بالطبع سيستاء عشاق الحقائق العظيمة، ويجيبون مستنكرين بأنه لم يكن مسدساً، وإنما مقلاعاً بسيطاً متواضعاً كالمقاليع التي كان يستخدمها خدام ابراهام لرعي القطيع في الزمان المنصرم.

إذا كان الإسرائيلي تمكن من قتل الفلسطيني وصنع النصر لجيش “الله الحي” وجيش صموئيل فإن هذا لم يتم لأنه أكثر فطنة وذكاء وإنما لأنه كان يحمل معه سلاحاً بعيد المدى، وكان يعلم كيف يستخدمه.

إن الحقيقة التاريخية البسيطة البعيدة من الخيال تخبرنا أن جليات لم يكن لديه الفرصة حتى ليضع يديه على داوود، أما الحقيقة الأسطورية الشهيرة، صانعة الأوهام، فتخدعنا منذ ثلاثين قرناً بهذه الرواية المبهرة التي تحكي انتصار الراعي الصغير على وحشية المحارب العملاق الذي لم يحمه في النهاية البرونز الثقيل المصنوعة منه درعه وخوذته. وأياً كانت العبرة التي نستطيع أن نخلص إليها من هذه القصة المسلسلة، فإن داوود في معاركه الكثيرة التالية التي جعلت منه ملكاً على يهود أورشليم، بل جعلت قوته تمتد إلى الضفة اليمنى من الفرات، لم يعد أبداً لاستخدام الخرج أو الحجارة. ففي السنوات الخمسين الأخرى نمت قوات داوود إلى درجة أنه أصبح من الصعب التمييز بينه وبين العملاق الشامخ جليات، بل نستطيع أن نجزم، من دون أن نسيء للوضوح المدهش للأحداث أن داوود تحول إلى جليات جديد ولكن جليات لا يسير محملاً بأسلحة مصنوعة من البروتز الثقيل ولا نفع لها.

إن داوود الزمان القديم ذلك يحلق الآن في طائرات الهليكوبتر فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويطلق الصواريخ على الأبرياء العزل، وداوود العصر المنصرم ذاك يقود أحدث دبابات العالم وأقواها، ويسحق ويفجر كل ما يعترض طريقه. داوود الملحمي ذاك، أعيد تجسيده الآن، في صورة مجرم حرب يدعى آرييل شارون يطلق في وجوهنا بكل تبجح رسالة «شعرية» دقيقة، مفادها أنه يجب القضاء على الفلسطينين أولاً، ثم التفاوض مع من يبقى منهم ثانياً!

إن هذه الفكرة تلخص تماماً الاسترتيجية السياسية لإسرائيل من ١٩٤٨ مع بعض التغييرات التكتيكية فقط في بعض الأحيان.

لقد تسممت عقولهم بتلك الفكرة التبشيرية عن إسرائيل العظمى، فتحول حلم التوسع في نشر الصهيونية المتطرفة إلى حقيقة. وهم ملوثون بهذا «اليقين» المفزع المتأصل فيهم، والذي يجعلهم يرون أنه في هذا العالم المفجع العبثي يوجد شعب مختار من الله، ولذا بالتالي فإن كل أفعال هذا الشعب مبررة ومسموح بها أوتوماتيكياً باسم أهوال الماضي ومخاوف اليوم، تلك الأفعال يحكمها في المقام الأول هاجس العنصرية والتعصب. فقد تربّى هذا الشعب وتشكّل على فكرة أن أي معاناة سببها أبناؤه أو يسببونها للآخرين، وتحديدًا الفلسطينين فإنها ستكون دائماً أقل كثيراً مما عانوه هم أنفسهم في الهولوكوست.

واليهود لايكفون عن نبش جرحهم بأنفسهم كي لايتوقف عن النزيف، وكي يجعلوه غير قابل للشفاء أبدًا، ويظلون يطلعون العالم عليه كما لو كان علمًا لدولتهم.

نصب الإسرائيليون أنفسهم ملاكًا لكلمات الرب القاسية في سفر التثنية: “لي النتقام والعقاب”. إسرائيل تريد أن تشعر جميعًا بالذنب تجاه الأهوال التي رآها اليهود في الهولوكوست. إسرائيل تريدنا أن نرفض الاحتكام إلى أدنى مستوى من المنطق والعقل إزاء أفعالها. وأن نتحول كلنا لتابع مطيع، سلس القيادة يخضع تماماً إلى إرادتها. إسرائيل تريدنا أن نصدق بالقبول على كل جرائمها التي أصبحت بالنسبة لها أمرًا واقعًا واجب النفاذ. إنها تريد الحصانة المطلقة.

ولايمكن أبدًا من وجهة نظر اليهود أن تخضع أفعال إسرائيل للعقل، وذلك بسبب أن أبناءها عذبوا، ووضعوا في غرف الغاز، و حرقوا في معسكر اعتقال أوشفيتز.

وإنني أتساءل لو أن اليهود الذين فقدوا حياتهم في مراكز التعذيب النازية تلك، وهولاء الذين ظلوا مطارين على مر عصور التاريخ، والذين انغلقوا على أنفسهم في إحياء “الغيتو” الفقيرة، ترى لو هذه الجموع الهائلة من البائسين رأت الأفعال الدامية التي يأتي بها أحفادها الآن، ألن يشعروا بالخزي والعار؟ أوليست المعاناة الشديدة هي دائمًا أقوى دافع كي لا نتسبب في معاناة الآخرين؟

انتقلت حجارة داوود إلى أياد أخرى. فالفلسطينيون هم الذين يلقونها الآن. وأصبح جُليات في الجانب الآخر، كما أصبح مسلحًا مجهزًا أفضل من أفضل الجنود في تاريخ الحروب أجمع. هذا بالطبع إلى جانب مساندة الصديق الأمريكي الوفي. ثم يتحدثون عن جرائم القتل الرهيبة للمدنيين اليهود! الجرائم التي يقوم بها من يسمونهم «الإرهابين الانتحارين» وهي جرائم رهيبة من دون شك، ومدانة من دون شك، لكن من المؤكد أن إسرائيل مازال لديها الكثير لتتعلمه إذا كانت غير قادرة على فهم الأسباب التي تحمل كائنًا بشريًا على أن يحول نفسه إلى قنبلة.

الجدير بالذكر، أن هذه المقالة، وغيرها من المقالات، قد تم نشرها مؤخرًا تحت اسم (المفكرة).