أرشيف الوسم: الترجمة

عن دور الترجمة في شعر سركون بولص

سركون بولص (1944 – 2007) شاعر وفنّان عراقيّ، ولد في الحبّانية في العراق وهاجر إلى بيروت
وعمل كصحفيّ ومُترجم، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية واستقر في سان فرانسسكو حيث درس الأدب المقارن وفنّ النّحت، عاش حياة حافلة بالأدب (الشعر تحديدًا) والفن، قدّم عدة دواوين شعريّة وقصص قصيرة للمراهقين، بالإضافة إلى ترجماته للعديد القصائد إلى اللغة العربية لعدد من الشعراء مثل (تيد هيوز، غيري سنايدر، جاك كيروك، ويليام ميروين) وآخرون.

في أحد اللقاءات الصحفية مع (بولص)، والتي أدارها الأستاذ (صلاح عواد)، ونُشرت في مجلة (نزوى) العمانية عام 1996م، تحدث (بولص) عن دور الترجمة في كتاباته الأدبية الخاصة. الجدير بالذكر، أن هذا اللقاء الصحفي، وغيره من اللقاءات، قد جُمعت ونُشرت في كتاب حمل عنوان (سافرت ملاحقًا خيالاتي).

في هذا اللقاء الصحفي، سأل (عواد): “أنت تقول إنك تكاد تمارس الترجمة يوميًا، وترجمت العديد من النصوص، فما هو أثر الترجمة على نصّك الشعري؟”. فكان جواب (بولص):

التأثير كان كبيرًا جدًا. والترجمة فن قائم بذاته، وأنا عندما أترجم -خصوصًا الشعر- أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية، محاولًا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المتَرجم. وهذا امتحان قاس جدًا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الإنجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانًا عند كبار الشعراء. فمثلًا؛ أحيانًا أقوم بترجمة أبيات من جحيم (دانتي) لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة، لأمتحن اللغة العربية، وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبّر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الإنجليزية، لأحد أعظم شعراء اللغة الإيطالية؟ ويقود هذا التمرين أحيانًا إلى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية، وكل هذا طبعًا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب.

سأل بعد ذلك (عواد)، فقال: “الشاعر الأمريكي (ميروين) مهووس بالترجمة، وقد تلقى نصيحة من الشاعر (عزرا باوند) في بداياته الشعرية الذي حثه على الترجمة، واكتشف الشاعر (ميروين) أن لغته قبل القيام بالترجمة كانت فقيرة وخالية من الدلالات، فهل توفر لديك نفس الإحساس بعد ممارسة الترجمة؟”. فأجاب (بولص) على ذلك:

عندما ترجم (عزرا باوند) للشعر الصيني أحدث أكبر ثورة في اللغة الإنجليزية على الإطلاق، وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن. وفي كتابه (Cathay)، الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معزوفة، عن الحرب، وظهر في عام 1915م، حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية. وأثّر في الشعر الإنجليزي بعمق، لأنه قدّم التراكيب أو “Ideographs” الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها (باوند) البديل باللغة الإنجليزية أحدث ثورة، ومن هذه الثورة خرج شعراء مثل (غيري سايندر)، الذي لولا تأثره بالشعر الصيني والياباني لما كتب كما يكتب الآن، وغيره من الشعراء، من بينهم (ميروين) الذي هو مترجم عظيم، وعاش طوال حياته على الترجمة. وقدّم العديد من شعراء الاسبانية والفرنسية والبروفانسية إلى قراء اللغة الإنجليزية. فالترجمة هي نوع من التلقيح، وهي نوع من الجسور التي تمتد عبر اللغات، وتجعل من جميع اللغات والكتابات، في النهاية، تتشارك وتتداخل وتتلاحم، لتخلق شيئًا جديدًا.

اختتم (عواد) اللقاء الصحفي بعد ذلك، بأن سأل: “هل تنصح الشعراء الشباب بالترجمة؟”، وكان الجواب على ذلك:

أنا أنصح كل شاعر أن يعرف لغة أخرى بشكل جيد وممتاز، إذا أمكن. وأن يحاول الترجمة، حتى لو كان ذلك من أجل لذته الخاصة، كتمرين.

ماذا تعني الترجمة برأي جمانة حداد؟


جمانة حداد

 

جمانة حداد (مواليد 6 ديسمبر 1970) كاتبة ومترجمة وصحافية لبنانية.

في كتابها (سيجيء الموت وستكون له عيناك)، ُردت جزءًا من المقدمة للحديث عن الترجمة، والترجمة الشعرية على وجه التحديد. فتتساءل مبتدئة “ماذا تعني الترجمة؟”، ثم تتابع:

الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي: “أن نقول الشيء نفسه بلغة أخرى”. لكن، هل يمكن أن نحصر الترجمة، وخصوصًا الأدبية والشعرية منها، في هذا المعنى الضيّق؟ ألا توازي الترجمة على الأرجح إعادة الخلق أو الاختراع؟ أليست عملية استنباط خلاقة للغة جديدة داخل اللغة وتشييدًا للجسر رابط بين اللغات المختلفة؟ بلى. فالنص المترجم شبيه بجنين يولد مرتين، ولكل ولادة بروقها وصعقاتها. إنهما هويتان للوطن ذاته، بل أكاد أقول: شقيقان توأمان من أم واحدة، مخيلة الكاتب وتجربته وأفكاره، ولكن من رحمين – لغتين مختلفتين، وكانتا لتكونا منفصلتين تمامًا لولا حبل السرّة – نار المعنى الرابطة بينهما.

ثم تكمل بعد ذلك قائلة:

لهذه الأسباب وغيرها تشكّل الترجمة، الشعرية تحديدًا، والتي هي شغفي وميدان تخصصي الأكاديمي، رحلة استكشاف فنية. مغامرة غالبًا ما يساور الكشاف فيها شعور بعدم الرضى عند نهايتها، نظرًا إلى صعوبة القبض على جميع خفاياها.

ثم تتساءل، عن حقيقة العلاقة بين الترجمة وفعل الخيانة، وعن الترجمة الحرفية، فتقول:

لقد قيل الكثير عن العلاقة التي تربط بين الترجمة وفعل الخيانة، ولكن إلى أي مدى يشكّل عامل “الأمانة” البحتة معيارًا لتقويم عملية ترجمة الشعر؟ أليس صحيحًا أن ترجمة الشعر لا يمكن أن تحيى إذا كانت حرفية؟ طبعًا، فهي تفقد الكثير من وهجها إذا كان معيارها التبجّح بالإخلاص والموضوعية الخالصة اللذين يفرغان النص من روحه فلا يبقى منه سوى جثته، وإن لم يقترنا بالموهبة والحساسية الموضوعتين في خدمتهما. هذا لأقول إن معرفة العالم السري للنص الشعري ليس شأنًا علميًا وأكاديميًا بحتًا، بل هي خصوصًا معيارٌ حدوسي ورؤيوي نفاذ. ومثل هذه المعرفة هي الترجمة الشعرية: حيث أن الحدس يخترق أسرار القصيدة ويضع نفسه في خدمة التقنيات والمعايير الأكاديمية.

أليكس سانتوش بين الحضور والتلاشي

img_0790

يعد د. (أليكس سانتوش) مواليد 1971، من شعراء الهند البارزين في العصر الحالي فهو يكتب ويترجم الشعر من وإلى الهندية، الملايم، والإنجليزية، وله أكثر من 20 مؤلف وترالأدب. ئده إلى أكثر من 20 لغة منها التركية والصربية والألمانية وقام هو بالترجمة لأكثر من 90 شاعرا وما زال يواصل عمله في الكتابة والترجمة منذ 23سنة. هو مؤسس مجلة ريتشو الإلكترونية المتخصصة في الشعر فقط. وهو محرر لعدة مواقع وصحف أدبية أخرى. حصل على عدة جوائز في الشعر والترجمة آخرها عام 2015. له تاريخ حافل ومستمر من العمل الجاد والمثمر فمنذ حصوله على الماجستير في الأدب الهندي بدأ الترجمة التي دعمها بالدراسة الأكاديمية مضيفا شهادة الدبلوم في الترجمة إلى الماجستير في الأدب .

في البدء  كانت القصة:

يتذكر (أليكس) أول ترجمة قام بها مطبقا قواعد الترجمة التي اكتسبها. كانت قصة قصيرة من الأدب الهندي ورغم أنه يعلم أن بروفسوره في الترجمة كثير الانشغال عادة، إلا أنه أزعجه – كما يقول – بها وبعد بضعة أيام تلَّقى اتصالا هاتفيا منه ليزوره في منزله. ذهب (أليكس) بحماسة شديدة أصبحت أكثر شدة عندما استلم منه ورق الترجمة ولم ير أي ملاحظة تصحيح مدونة فيها. كان مذهولا بذلك إلا أن تلك الحماسة والفرح تلاشت كلها حين أخبره البروفسور بضرورة إعادة ترجمة القصة كلها من جديد. ومنذ ذلك الوقت بدأ  البروفسور بتعليمه وتوجيهه، وبعد أيام عدة قام بترجمة قصة أخرى لكاتبة هندية معاصرة (كالامادا)، من الهندية إلى الملايم، وقد أعجب بها ذلك البرفسور، وأخبره بأن يمضي قدما في الترجمة. وعندما أهداها إلى المؤلفة طلبتْ منه أن تستمع للترجمة بصوته وأخبرته بجودتها وكان ذلك هو الانطباع الجيد الأول الذي حصل عليه. ولذلك واصل ترجمة القصص ثم الروايات قبل أن ينتهي ويستمر في ترجمة الشعر.

لغة الفن والصداقة لغة الترجمة:

لغته الأم هي الملايم، ولكنه أتقن التقالوق بسبب ظروف عمله كونها لغة زملائه هناك ولأنه من عشاق أفلام التاميل ولديه الكثير من الأصدقاء والأقارب الناطقين بها، سعى لإتقانها هي الأخرى. ولأنه درس في الجامعة الهندية والسنسكريتية “لغة هندية قديمة” والإنجليزية، وجد نفسه يتحدث 6 لغات، ولذلك حاول المساهمة في إثراء الأدب الهندي بالكتابة الإبداعية وترجمة الكتابات الإبداعية. وصدرت أول ترجماته عام 2004، وآخرها هذا العام 2016.

التلاشي في الترجمة:

“على المترجم أن يتلاشى في الترجمة ليظهر المؤلف في النص المتَرجم”. هذه نظرية من النظريات التي يؤمن بها سانتوش ولكي يحقق تلك النظرية عليه في نظري أن يقوم بدراسة الكاتب بشكل جيد ثم التعرف على أسلوبه الكتابي وتقنياته المستخدمة ثم يجعل من تلك التقنيات والأساليب أدواته لتفكيك النص الأصل والتعرف على مكملاته المعرفية ثم إعادة تكوينها مترجمة بمقابلة أو معادلة المعنى والتقنيات والأساليب .وهذه المهارة تتطلب فترة طويلة من التدريب والممارسة والمراجعة, خصوصا مع اختلاف سياقات اللغة الأم والهدف.

 عزلة القرية، لا بشرية المدينة:

في نصوصه نلحظ ذلك الأثر حيث يطغى الجو المعزول والمهمل من التسهيلات الحديثة، ذلك المتوحد مع الطبيعة والسكينة في القرية الدافئة بجمال العلاقات الاجتماعية بين ساكنيها وبراءة الطفولة الملهمة فيها. بعكس المدينة المحتوية على كل التسهيلات الاجتماعية الحديثة للحياة، ولكنها ملوثة حد فقد العمال بها جزء من أخلاقهم البشرية مع النمو المتسارع والانجراف وراء الاهتمام المادي والاقتصادي بشكل مفرط.

الصيف

الصيف رحلةimg_0789

بالنسبة لي

عائدا من نشاز صخب المدينة

إلى صفاء قرية صغيرة

***

مُوثقٌ برباط مجهول

أتجول في المناطق المهجورة

خلال حقول الأرز ومساحات اللعب القاحلة

أمرح في البركة و

أتأرجح على أشجار الجوافة والتمر الهندي

تتصرم الأيام

***

وحين أدرك قيمة تلك الروابط

تستدعيني المدينة

كي أعود

المعجم

حين أضع القلم قرب الورقة

تغادر الكلمات وتختبئ في مكان ما

وأنا أتركهن كما يشئن

***

رأيت واحدة في جريدة أخبار الصباح

رأيت بعضهن في القنوات الفضائية

وبعضهن في مجلة عصرية

***

لقد هربن بسرعة

عندما حاولت الإمساك بهن

***

في المساء

وبينما كنت أجلس لأعلم الأطفال

اختلستْ الكلمات النظر من المعجم

مرتديات معان جديدة وسلوكا جديدا

فُلك

عائد على أجنحة رياح الجنوب

مررت بغدير صغير

ينساب بين حقول الأرز، الأراضي القاحلة الشاسعة،

الممرات المعزولة

والأكمات التي لا يُعرف لها اسم

***

يمضي الوقت

أصطاد اليعاسيب

أجمع حبوب الأبروس,

ثمار المانجو، حبيبات القلقل*

ورفرفة أشجار الكاكايا

***

وكذلك تمضي إجازة أخرى

***

عندما فتحت عيني

وجدتني على فلك نوح

 

تحديات الترجمة برأي عبد العزيز حمودة

عبدالعزيز حمودة

د. عبد العزيز حمودة، ناقد مصري عريق، وأحد أساتذة الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة سابقا. أحدث زلزالا ثقافيا مدويا بتدشينه ملامح نظرية نقدية عربية حديثة في ثلاثيته: (المرايا المحدبة)، و(المرايا المقعرة)، و(الخروج من التيه).

في سياق المقارنة بين النصوص الأصلية، والنصوص المترجمة، يوضح حمودة في كتابه (المرايا المقعرة)، الشروط التي يجب توفرها لدى المترجم، لكي يؤدي عملية الترجمة باقتدار، فيقول :

إن ترجمة نص ما من لغته الأصلية إلى لغة أخرى يمثل بالدرجة الأولى مسؤولية المترجم أمام قرائه في اللغة الجديدة، فالإنسان لا يترجم للقارئ القادر على قراءة النص بلغته الأولى، فالقارئ المستهدف أولا وأخيرا هو القارئ غير القادر على التعامل مع النص الأصلي. ومن هنا يعتبر المترجم مسؤولا علميا وأخلاقيا أمام قارئه، والمسؤولية هنا لا تقبل التجزئة.

[…] أما المبدأ الثاني، وهو مبدأ عام أيضا، فهو أن عملية الترجمة تتطلب في المقام الأول، ليس مجرد معرفة باللغتين المعنيتين، بل تمكنا كاملا غير منقوص لناصيتيهما.
عدم التمكن من لغة النص الأصلية، يعني بالضرورة عدم فهمه، ومن ثم توصيل رسالة غير صحيحة إلى القارئ، إنه في حقيقة الأمر يقوم، من الناحية القانونية، بتزييف النص المترجم،  ولا يكفيه في هذه الحالة تمكنه من اللغة التي يترجم إليها، لأن الرسالة التي يتم توصيلها في تلك اللغة تكون زائفة، أو منقوصة، والشيء نفسه بالنسبة للغة المترجم، فعدم التمكن من ناصية اللغة، يعني الفشل في توصيل المعنى الأصلي، بصرف النظر عن تحقق فهم النص، في لغته الأولى.

[…] والمبدأ الثالث هو أن إجادة اللغتين وحده، لا يكفي لإنتاج ترجمة جيدة أو سليمة، على الأقل. إذ لا بد أن يتمتع المترجم بقدر كبير من المعرفة والعلم في المجال الذي يمارس فيه فعل الترجمة.

بعد أن يفرغ الكاتب، من ذكر الشروط العلمية التي يعتمد عليها نجاح الممارسة ، يشرع في ذكر مجالات الترجمة، من جهة ارتباطها بدرجة الصعوبة أو السهولة، وأي أنواعها تمثل تحديا حقيقيا لقدرات المترجم، فيقول:

ومن ثم يتفق المترجمون وعلماء اللغة، على أن الترجمة العلمية_ أي في مجال العلوم الطبيعية والتطبيقية_ أقل أنشطة الترجمة تحديا لقدرات المترجم والمتلقي، فالعلاقات بين الدوال والمدلولات محددة، تليها الترجمة في العلوم الاجتماعية، التي تتمتع فيه اللغة بدرجة من تحديد الدلالة، أما في العلوم الإنسانية فإن التحدي يصل إلى ذروته، خاصة أن أبرز تعريف للغة الإبداع هو أنها لغة رمزية، لا تقوم على المواضعة اللغوية، حيث يدل اللفظ على ما وضع من أجله، بل تقوم على القدرة الدائمة والمتجددة على الإيحاء بدلالات غير متواضع عليها.

وبحكم اشتغال الكاتب بالدرس النقدي الحداثي، يتساءل في الكتاب، بلهجة ملؤها الخوف والحذر، عن مدى إمكانية نقل النظريات الحداثية إلى اللسان العربي، فيقول:

وقد أكد النصف الثاني من القرن العشرين، أن ترجمة النظريات النقدية، خاصة الحداثية وما بعد الحداثية، تمثل أعلى درجات التحدي لقدرات المترجم ذهنيا ولغويا، فالمترجم هنا يجد نفسه يتعامل مع مصطلحات لغوية، مفردة أو مركبة، لم يحدث الاتفاق على دلالتها بعد بين أبناء الثقافة الواحدة، وأحيانا بين أبناء الثقافة التي أفرزتها، أو بين أبناء الثقافات المختلفة، هذا من ناحية. من ناحية أخرى فإن ارتباط المدارس النقدية الحداثية وما بعد الحداثية بالفلسفة الأوروبية الحديثة، خاصة الظاهراتية والهرمنيوطيقية، ونحت المصطلحات والمفاهيم من داخل البيت الفلسفي يجعل إدراك المعنى، حتى على القارئ من داخل الثقافة نفسها، تحديا آخر أكثر إجهادا للقارئ، فما بالنا بالمترجم؟ وفوق هذا وذاك، هناك العنصر الحداثي وما بعد الحداثي، القائم على تعمد الغموض والإبهام لتأكيد إبداعية النص النقدي وأهميته، هذه العوامل مجتمعة في نص نقدي حداثي غربي تضع المترجم، أمام مهمة شبه مستحيلة.

ثم ينتهي بعد هذا التساؤل المضني إلى هذه النتيجة المؤسفة :

ومتابعة سيل الترجمات الحداثية إلى العربية في العشرين عاما الأخيرة، تؤكد أن المترجم العربي عامة لم يكن على مستوى تلك المسؤولية.

بيكاسو، وحديثه عن الأفكار والنجاح

h9_JnnIo

حين التقى (بيراشاي) المصور الهنغاري والملقب “بعين باريس” بـ(بيكاسو)، دارت بينهما الكثير من الاحاديث عن الفن، وقد جمعها (بيراشاي) ودونها وقد صدرت في كتاب يحمل عنوان (حوارات مع بيكاسو). وقد استقطبنا هنا حديثهما عن (الأفكار والنجاح).

قال (بيكاسو) محدثا (بيراشاي) عن الأفكار :

ليس لدي أي دليل أو اثبات، الا أني أظن بأن الأفكار ببساطة هي عبارة عن نقاط. و نادرا ما أدونها كما تأتي إلى ذهني. في الوقت الذي أبدأ فيها بالعمل بتلك الافكار فإن غيرها من الأفكار يأتي لقلمي وفرشاتي دون استدعاء مقصود.
في اللحظة التي أشعر فيها بأني أواجه صفحة بيضاء خاوية هذا يعني أني أطلت التفكير فيما أريد رسمه وقد يغلبني ذلك البياض دون رسم أي شيء. والمهم هو أن أجمل وأعمق ما أرسم هو ما أرسمه دون تفكير مسبق.

ويقول: “أن كل ماعليك فعله لتعرف ماذا تريد أن ترسم، هو أن ترسم“.

ثم يدافع براشاي عن فكرة أن بعض الفنانين موهوبين لدرجة أن نجاحهم محقق بلا شك باقتباسه عبارة لـ(ماتيسي) قالها يوما ما له “يجب أن تكون أقوى من موهبتك لتحميها“. ثم يعقب بما قال (بيكاسو) عن النجاح:

اذن، النجاح أمر مهم!
غالبا مايقال أن على الفنان أن يعمل لأجل نفسه أو لأجل حبه للفن و دون الاكتراث للنجاح، وهذا الأمر غير صحيح! لأن الفنان يحتاج النجاح وليس بالعيش خارج أسواره. خاصة وأنه يعمل بكامل قواه البدنية والذهنية والحسية. ولايستثنى الفنان ذو الغنى المادي من ذلك حيث أنه هو أيضا يحتاج للنجاح! فقليل من الناس فقط هم من يستشعرون ويفهمون الفن، والأقل من أؤلئك هم الحساسون تجاه اللوحات والأعمال الفنية. فالأغلبية يحكمون على اللوحات فقط لسمعتها وشهرتها و لنجاحها.
لكن لماذا ترك و ألصق معنى النجاح للوحات الأكثر مبيعا؟ على الرغم من أن لكل جيل ذائقته الخاصة! هناك من أبتدع فكرة أن النجاح يجب أن يذهب لأولئك الذين يلبون رغبة الجماهير والذوق العام، وهذا هو السبب!
بالنسبة لي، كنت دائما أريد أن أثبت لنفسي أنه يمكنني أن أبلغ النجاح بطريقتي الخاصة رغما عن الجميع و دون أي تنازلات!
أتعرف؟ هذا في رأيي هو النجاح الذي حققته منذ أن كنت يافعا حتى أن الفترة الزرقاء وفترة الزهور كانتا دائما الجدار الذي يحميني.

ثم قال بيكاسو أخيرا:

لا تعرض لوحاتك بمبلغ باهظ الثمن، لأنه من المهم جدا أن تبتاع منها أكبر عدد ممكن. فرسوماتك يجب أن تخرج إلى ضوء العالم لا أن تظل حبيسة داخل عالمك أنت.

المصدر الأول، المصدر الثاني.