أرشيف الوسم: التصوف

جحا، بين بَله الطرفة و حنكة المتصوفة

1483439123517

 

يعد الملّا  (نصر الدين) أو (جحا) شخصية كلاسيكية من إبداع الدراويش بغية تجميدهم في لحظة واحدة مواقف بحاجة إلى حالات ذهنية معتمة معينة إلى الضوء، وتشكل حكايات (جحا) إحدى أغرب المآثر في تاريخ الميتافزيقيا، تمر معظمها على أنها  “نُكت” ولكنها غير ذلك منطوية على العديد من مستويات العمق و الحكمة تمضي بوعي المتصوف خطوة أبعد على طريق الإدراك .


يجهل الناس إلى أين يتجهون طلبًا للإستنارة، ونتيجة لذلك فلا غرابة هناك إذا ارتبطوا بأي معتقد أو انغمسوا في كافة أنواع النظريات، و رسخ في يقينهم أنهم يملكون القدرة على التمييز بين الصدق و الزور، و(جحا) عَلم هذا الدرس بطرق عدة منها:

أحد الجيران وجد (جحا) راكعًا على ركبتيه يبحث عن شيء ما
– ماذا ضاع منك يا (ملا)؟
رد (جحا):
– مفتاحي.
بعد عدة دقائق من البحث، سأله الجار:
– أين سقط منك؟
– في البيت.
– إذًا فلماذا – بحق السماء – لا تبحث عنه هناك؟
– النور هنا أكثر!

هذه هي إحدى أشهر حكاياته ويستخدمها كثير من الصوفيين في تعليقهم على أولئك الذين يسعون وراء مصادر غريبة بحثًا عن الإستنارة.


يعد الحشد التدريجي للوعي إحدى خصائص المنهج الصوفي الذي ينتهجه (جحا) فتعد ومضة التنوير الحدسية التي تأتي بها حكاياته ماهي بصفة جزئية إلا استنارة صغرى في حد ذاتها و ليست تجربة ذهنية، لكنها أيضًا حجر عبور نحو إعادة بناء إدراك باطني في ذهن مأسور أخضعته دون رحمة لتشريط أنساق التدريب التي تفرضها الحياة المادية و مع ذلك فما زال طوع المرء أن يتلقى نكت (جحا) بعد فصلها من عباراتها التكنيكية عن قيمتها الفكاهية و في هذه الحالات قد تفقد كثيرًا من تأثيرها، مثالًا على ذلك :

أخذ (جحا) ذات يوم حملًا  مع الملح إلى السوق، فعبر حماره خلال جدول من الماء فذاب الملح و عند وصول الجحش للضفة الأخرى استبد به المرح فالحِمل خف عن ظهره، لكن الغضب ملك فؤاد (جحا) وفي اليوم التالي ملأ ” جحا ” ظهر حماره بالصوف ، فكاد أن يغرق بعدما تشبع الصوف بالماء، و هنا صاح (جحا) بلذة إنتصار:
– هيه! هذا درس لك، عندما تظن أنك سوف تكسب شيئًا في كل مرة تتخذ فيها طريق الماء.

في الحكاية الأصلية نجد أن مصطلحين تكنيكيين تم إستخدامهما: الملح و الصوف
فكلمة “ملح” تعتبر مرادفة لـ“الصالح و الحكمة” و الحمار هنا يرمز للانسان وخلال التخلص من الصالح العام يشعر المرء بالارتياح بعد ان انزاح ماكان يثقل كاهله، لكن ذلك يؤدي لفقدان غذائه فـ(جحا) عجز عن بيع أي ملح وشراء العلف، أما كلمة “صوف” تنطوي بطبيعة الحال على كلمة “صوفي” وفي الرحلة الثانية يجد الحمار كاهله ينوء تحت عبء أثقل، فهكذا يريد المعلم (جحا) وقد زاد الوزن على امتداد الطريق للسوق فكانت النتيجة النهائية أحسن بعد أن باع (جحا) الصوف مبلل وصار أثقل و قبض ثمن أعلى مما كان ليأتيه من بيع الصوف جاف.


تكشف إحدى حكايات (جحا) أيضًا عن كيفية توصل الصوفي للنتائج الصحيحة خلال آلية خصوصية “منهج مغلوط، بالنسبة إلى غير المتأهلين”، وهو الأمر الذي يفسر كثيرًا مما يبدو غرائب من جانب الصوفيين:

مثل رجلان أمام (جحا) عندما كان يعمل قاضيًا. و قال أحدهما:
– هذا الرجل عض أذني، و أطلب منه تعويضًا مناسبًا.
رد الآخر:
– هو الذي قضمها بنفسه!

قام (جحا) بتأجيل القضية و انسحب إلى غرفة المداولة فقضى نصف ساعة يحاول قضم أذنه بنفسه ولم ينجح إلا في السقوط على الأرض مرة تلو سابقتها مما أدى لجرح جبهته، فعاد لقاعة المحكمة و أصدر حكمه:

– افحصوا الرجل الذي قُضمت أذنه، فإذا وجدتم أن جبهته مجروحة أشد من جروحي، يكون هو من فعلها بنفسه، وبذلك تكون القضية مرفوضة وإلا يكون الرجل الآخر هو من فعلها و عندئذ يحصل المعضوض على تعويض قدره ثلاث قطع من الفضة.

توصل هنا (جحا) لقرار صحيح بوسائل غير منطقية، فنجده تبنى دور الأحمق “درب الملامة عند الصوفي” ونجده مصورًا بشكل متطرف طريقة تفكير البشري العادي.


نفت الصوفية الافتراض الذي يقول بأن مجرد كون المرء لا يزال على قيد البقاء فإنه ذلك يُمكنه من الإدراك، فقد يكون المرء حي من الناحية الإكلينيكية و لكنه ميت من الناحية الإدراكية، ولن يُمكّنه المنطق و لا الفلسفة من بلوغ الإدراك، كما تصوره لنا القصة الآتية :

كان (جحا) يفكر بصوت عالِ:
– كيف يتأتى لي أن أعرف ما إذا كنت حيًا أم ميتًا؟
فقالت له زوجته:
– لا تكن مغفلًا ، لو كنت ميتًا لكانت أطرافك باردة.
و بعد ذلك بقليل تصادف أن كان (جحا) يسير في غابة بمنتصف الشتاء، فتذكر أن يديه و قدميه باردة و فكّر:
– أنا الآن بكل تأكيد ميّت، فصار علي أن أتوقف عن العمل لأن الجثث لا تعمل.
و لما لم يكن في وسع الجثث أن تسير فلقد توقف عن المشي و تمدد على العشب، و سرعان ما ظهرت ذئاب شرعت بمهاجمة حماره الذي كان قد قيده في إحدى الأشجار، و هنا قال (جحا) من وضعه المستلقي:
– نعم، واصلوا ما أنتم فيه منتهزين فرصة موت صاحبه! وآه لو كنت على قيد الحياة، لم أكن لأسمح لكم بأخذ راحتكم على هذا النحو مع حماري!


إذا بدت هذه نكتة و حسب لشخص ما ، فإن هذا الشخص يكشف عن حاجته إلى المزيد من العمل الذاتي ، يصوره (جحا) كاريكاتوريًا في الحوار الآتي :

سأل رجل غبي (جحا):
– ماذا يفعلون بالقمر عندما يشيخ؟
جاء الجواب مناسبًا:
– إنهم يقسِّمون كل قمر إلى أربعين نجمة!

فالأشخاص الذين يسعون لتحقيق الوصول الباطني يتوقعون ذلك بشروطهم هم و من هنا يستبعدون أنفسهم من الأمر قبل بدأه.


لما كانت الصوفية هي التناغم مع الحقيقة الحقيقية أي غير المزيفة، فليس في وسع أحد ‏أن يجعلها ‏تشبه شبهًا كبيرًا ما نأخذ على أنه حقيقة، ‏ولكنه في حقيقة الأمر ‏ليس سوى حكم أكثر بدائية و قصير المدى، ‏وعلى سبيل المثال ترانا نميل ‏إلى النظر ‏إلى الأحداث من منظور أحادي الجانب، كما نفترض – دون أي مبرر – ‏إن الأحداث تقع كما لو كانت تقع في فراغ.
‏ولكن الحقيقة الواقعة أن كل الاحداث ترتبط بكل الأحداث الأخرى ولا يحدث إلا عندما نكون على استعداد لمعايشة علاقاتنا المتبادلة ‏مع كل مجمل منظومة الحياة، ‏أن يكون في وسعنا أن نقدر التجربة الباطنية حق قدرها، وإذا ما نظرت إلى أي تصرف يصدر عنك وعن أي شخص آخر فلا سوف تكتشف أن هناك واحدًا ‏من دوافع عديدة ممكن تقف وراءه، ‏وأنه من المستحيل أن يكون عملًا منعزلًا ؛ ‏إذ يترتب عليه عواقب معينة، كثير منها لم تكن لتتوقعه بحال من الأحوال، ولم يكن بالتأكيد ف طوعك ان تضعه ضمن خططك.
‏وتؤكد نكتة أخرى تروً عن (جحا) هذه الدائرية الأساسية إلى الحقيقة و التفاعلات غير المنظورة بصفة عامة التي تحدث:

‏ذات يوم كان (جحا) يمشي في طريق صحراوي مهجور، وبينما كان الليل يرخى سدوله لمح طابورًا من الفرسان قادمًا نحوه، ‏وبدأ خياله ‏في العمل فخاف أن يكونوا قادمين إلى سرقته أو تجنيد في السلك العسكري واستبد به الخوف حتى قفز على سور قريب وسرعان ما وجد نفسه في جبانة، ‏اما المسافرون الآخرون اللذين كانوا خاليي البال من مثل تلك الأفكار التي طرأت على ذهن (جحا) فاستبد بهم حب الاستطلاع وجدّوا في أثره.
وعندما عثروا عليه ممدًا على الأرض بلا حرام، سأله أحدهم:
– ‏هل لنا أن نساعدك؟ من الذي جاء بك إلى هنا؟
رد (جحا) بعد أن أدرك غلطته :
– ‏الأمر أعقد مما تفترضون فأنا هنا بسبببكم و أنتم هنا بسببي!


بينما كان (جحا) يرمم سطح بيته ذات يوم ناداه شخص ما طالبًا منه أن ينزل إليه في عرض الشارع ، فما كان من (جحا) إلا أن استجاب، و سأله عما يريد فقال:
– بعض النقود.
– ‏لماذا لم تقل لي ذلك وأنا على السطح؟
– إنني أخجل أن أشحذ.
– اصعد معي إلى السطح.
و عندما بلغا السطح انخرط (جحا) من فوره في تركيب البلاط مرة أخرى، كح الرجل في يده فما كان (جحا) إلا أن قال، دون أن يرفع عينيه إليه:
– ليس عندي نقود أسلّفها لك.
– كان بوسعك أن تقول لي ذلك دون أن تجعلني اصعد معك إلى هنا.
– إذن، كيف كنت ستعوضني عن إنزالك لي من على السطح إلى الشارع؟

كثيرة كثرة فائقة هي الأشياء التي تتضح للصوفي في نفس اللحظة مما لا يستطيع الشخص المتوسط إدراكها، فهي أعمال تعتمد على القوى فوق الحسية و هذه الأعمال بالنسبة للصوفي ليست أكثر إعجاز من أي أعمال تعتمد على الحواس العادية بالنسبة إلى العوام، أما كيف تعمل على وجه التحديد فليس بوسعنا أن نصفه، و لكن نستطيع أن نسوق قياسًا متناظرًا إلى هذا الحد أو ذاك.

هيجل و التصوف الاسلامي

هيجل

جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770 — 1831)، فيلسوف ألماني وُلد في المنطقة الجنوبية الغربيةِ من ألمانيا. يعتبر (هيغل) أحد أهم الفلاسفة الألمان حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

يستعرض لنا  الدكتورة (محمدي رياحي رشيدة)  في كتاب (هيجل و الشرق) نظرة (هيجل) عن التصوف الإسلامي الذي يراه مختلفًا عن التصوف المسيحي، بل متناقضاً معه من خلال المبدأ الجوهري .
فالتصوف يعرف بأنه:

حيوية داخلية للشعور العميق للروح التي تقتصر أساساً على إبطال المرئي.

(هيجل) يرفض بصورة واضحة مفهوم الوحدة الخاصة الصوفية، مسيحية كانت أم إسلامية، وهي وجهة نظر تكون فيها وحدة الله والعالم اللامتناهي والمتناهي موجودة إلا في الفكر لأنه بصفته ظاهرة، فالعالم لا يمتلك أية حقيقة فعلية ولا أي تحديد .
ولهذا السبب، فالفكر الصوفي الإسلامي، يتمثل لـ(هيجل) كنوع من الحلولية الروحية للانعكاس الذي هو:

إنتاج الفكر المتبصر الذي يمتد في كل الاشياء الطبيعية، والذي سيصور وجود الله ليس كشمولية حقيقية للفكر، وإنما ككلية بمعنى في كل الموجودات الخاصة.

هذه الكلية تتمثل في جوهرها كنفي للمتناهي؛

فكل ماهو متناهي محدد و منفي.

الفلسفة الصوفية الاسلامية بالنسبة لـ(هيجل) تتميز ككونية مشابهة لفلسفة الإيليين او السبينوزوية.
فهذه الفلسفات كما يقول:

تطابق لله مع العالم، أساليب للتصورات الشرقية، أستطيع أن أقول بأن المطلق يبرز كنوع محض كلي، الذي يسكن لا في الأجناس و لا في الموجودات، لكن بالطريقة التي يدركن فيها أية حقيقة فعلية.

ويقول أيضًا:

إن الخطأ المشترك لهذه الأساليب، التصورات والأنساق، هو عدم بلوغها مرحلة تحديد الجوهر كموضوع و كروح.

الفهم المتأمل الذي هو أسلوب الفكر الصوفي، يرتقي اتجاه التحديد الحقيقي الخاص بالفلسفة.
فبالنسبة لـ(هيجل):

صعوبة القضية، تكمن في الشكل الذي يأخذه التأمل، لأن هذا التأمل الذي يسمونه غير مدرك،

بالنسبة للذين لا يريدون معرفة أي شيء عن الله.

الفلسفة الصوفية هي محددة من طرف (هيجل) كفلسفة جوهرية، فلسفة لا تستطيع التعبير عن وحدة اللامتناهي والمتناهي لله وللعالم إلا من خلال النفي، أو الإلغاء المطلق للمتناهي و للعالم، مثل هكذا فلسفة تعد سلبية مطلقًا في نظر (هيجل) الذي لم يتعرف على الفلسفة الصوفية الا تحت شكل صوفية شعرية.

النسخة الداخلية متكافئة مع الحضور الإلهي إذن الانسان هو الكلي مطلقًا، إنه الحقيقة، مجمع كل الكائنات الازلية و الفانية.

إشكالية المفهوم الهيجلي لا تكمن فقط في توثيقه، و لكن بنسقه الفلسفي أيضًا. وخاصة ما تعلق منها بمفهومه للصوفية لتأسيس برهنته الميتافيزيقية الصوفية، لا سيما تلك المرتبطة بـ(جلال الدين الرومي).
أما بالنسبة لـ(جلال الدين الرومي) وللصوفية عامة:

الإنسان هو في نفس الوقت كائن، حي وتاريخي، وهو جزء من الكائن الإلهي هو شعاع من نوره.

فالحياة الحقيقية هي الحركة التي من خلالها، وحسب (الرومي):

الجزء ينضم إلى الكل الشعاع، النور.

هذا ما قاله (الرومي) في هذا النص الذي يؤرخ له بستة قرون قبل (هيجل):

الخالق يخرج الانسان من الوضع الحيواني ليدخله في الوضع الانساني، وهكذا يمر الانسان من نظام للطبيعة إلى آخره، إلى أن يصبح حكيمًا، عالمًا وقويًا مثلما هو عليه الآن.

هناك أكثر من فكرة استوقفت (هيجل) طويلاً في أشعار (الرومي)، منها:

هذا الوعي للواحد في أجمل صفاته و سموه […] وحدة النفس مع الواحد،

هذه الوحدة الروحية التي هي الحب في وقت واحد، هذه الوحدة الروحية،

تسمو فوق كل ماهو محدود ومألوف ترتقي بالطبيعي، إلى مستوى الروحي،

حيث ينتفي ويذوب كل ما هو خارجي، كل ما هو خارجي،

كل ما هو عابر في المعطي الطبيعي المباشر،

و كل ما هو حسي أو روحي بالمعنى الدنيوي.

ويتساءل (هيجل) في ملاحظته عن (جلال الدين الرومي):

من ذا الذي يرى في هذا الشعر المتعالي عن كل ما هو خارجي و حسي، التصور السطحي عما يسمونه بالحلولية، ومن ذا الذي بالأحرى، يقصر الإلهي على ما هو خارجي و حسي.

فالحلولية الحقة التي يدافع عنها (هيجل) تتلخص “في أن الإلهي، كوحدة و ككل، لا يدركه الوعي إلا بعد اختفاء جميع الأشياء الجزئية التي يتجلى فيها حضوره”.

يذكر (هيجل) كلا من (جلال الدين الرومي)، و(حافظ الشيرازي) بأجمل العبارات:

إن الحب الإلهي الذي يستغرق الانسان بكليته، بحيث لا يرى في أي جهة من الجهات الا الواحد الذي يرد إليه كل ما يقع تحت الحواس، إن هذا الحب يشكل المركز الذي لا يكف عن أن يتسع و يشع في كل الاتجاهات.

و أخيرًا لا يجد (هيجل) بُدًا من المقارنة بين شعر الشرقيين و شعر الغربيين فيقول:

لا شك ان الحياة الرومانتيكية للعواطف عند العرب تتضمن مطابقة مماثلة “مع الحياة الخارجية“، ولكنها حزينة كئيبة تنقصها الحرية، وتبقى متقوقعة على نفسها، مغرقة في الذاتية، مما يجعلها أنانية ضعيفة .. أما عند الشرقيين، وخاصة الفرس المسلمين، فهذه الداخلية هي داخلية حرة و سعيدة.

العقل عند المتصوفة

iruxzzm

لم تدان طبقة كما يتم إدانة المتصوفة وخاصة فى العالم الإسلامى منذ قديم الأزل، فى كتاب (ولاة و أولياء) حاول (محمد حلمى عبد الوهاب) أن يلم إلماماً شاملاً بالتصوف و المتصوفة، وتأثيرهم في الحياة السياسية الإسلامية، وفى هذا الجزء من الكتاب يتكلم عن مكانة العقل عند المتصوفة من خلال أحاديثهم

قال رجل للنورى: ما الدليل على الله ؟ قال: الله . قال : فما العقل ؟ قال: العقل عاجز و العاجز لا يدل إلا على عاجز مثله، فسلطان العقل عند المتصوفة، عاجز، ناقص  وزائد، و هو متبوع متفرع لا يقوى بقوة أركانه و يزداد بزيادة سلطانه، فكيف يدرك المتناهى اللامتناهى؟ و كيف يقف الناقص على طبيعة الكامل؟

لا يقبل قول المتصوفة بنقصان العقل كما هو وبالكلية، إنما برهنوا على نقصانه وعجزه فى معرض حديثهم عن أدلة وجود الله، و كيفية الإتصال به، فلولا النور الإلهى لما عرف العقل خالقه، قال (أبو بكر السباك) : لما خلق الله العقل، قال له: من أنا؟ فسكت، فكحله بنور وحدانيته، ففتح عينيه وقال :أنت الله الذى لا إله إلا أنت، فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله .

ويميز الحكيم الترمذى بين ثلاثة أنواع من مقامات العقل: أولها عقل الفطرة، وهو الذى يخرج الصبى والرجل من الجنون، فيعقل ما يقال له لأنه يُنهى و يؤمر، و يميز بين الخير والشر، و يعرف به الكرامة من الهوان، و الربح من الخسران .
و ثانيها عقل حجة، و به ستحق العبد من الله تعالى الخطاب، فإذا بلغ الحلم يتأكد نور العقل الذى هو وصف بنور التأييد، فيؤيد عقله، فيصل إلى خطابا لله تعالى .
و ثالثها عقل التجربة، و هو أنفعها جميعاً و أفضلها كذلك، لأنه يصير حكيماً بالتجارب، و يعرف ما لم يكن بدليل ما قد كان

و هذا هو مقام العقل عند المتصوفة بإيجاز ، وفى مقتطف أخير يعرف الكاتب التصوف بأنه :

هو – فى الأساس – استجابة لرغبة لا يمكن قمعها، استجابة صادقة للحياة الروحية، وتتجلى هذه الرغبة الجامحة بكل عنفوانها، كلما أصبحت القوى المادية طاغية مفرطة الإحكام، كما إنها لا تؤمن إلا بما يتوافق مع إقتناعاتها السياسية ومصالحها الذاتية، فيما تمثل التجربة الصوفية قوة تفرض التنوع و الاختلاف، وتقر بالفوارق الذاتية باعتبارها مكونة للشخصية وميسرة للخلق والإبداع ، ومن ثم تبذر بذور الحرية في رحم كل من أشكال التسلط والقهر والاستبداد

الاستنباط عند الصوفية

iruxzzm

أورد عبدالوهاب عزام (1894-1959) في كتابه: التصوف و فريد الدين العطار (تحميل) – ويُعد الكتاب نفيسة من نفائس المذهب الصوفي – فصلاً عن تصوّف العطار والإسلام، والعطار من كبار المتصوّفة الفارسيين وقد نظم زُهاء أربعين منظومة في التصوف و أشهرها: منظومة منطق الطير.

يُوجز عزام طريقة الصوفية في الاستنباط فيقول:

” إن الصّوفية حينما استوى مذهبهم رجعوا إلى الإسلام يُفتشون عمّا يُواتي طريقتهم من الآيات، و يستخرجون ما يُلائم تفكرهم من الدقائق، ويؤولون آياتٍ تأويلاً يُحيلها عن معانيها الظاهر إلى معانٍ باطنة.”

و قبل تبيين طريقتهم في التأويل و الاستنباط نُقدم هذه الكلمة في التأويل عامة:

قد أوّل اليهود و النصارى التوراة و الإنجيل تأويلًا يُلائم بينها و بين العقائد الدينية التي اعتقدوها، و المذاهب الفلسفية التي ذهبوا إليها، وطرق التنسّك التي سلكوها، ومن نساكهم المؤولين إسحاق النينوي.

و كذلك فعلت فرق من المسلمين: فعله الفلاسفة و الشيعة و الصوفية.

و حسبنا من الفلاسفة ابن رشد في كتابه ” فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال “،

ففي هذا الكتاب يرى ابن رشد أن القرآن يُخاطب طبقات مختلفة من الناس؛ منهم من لايفهم إلا الظواهر و الأمور الخطابية، ومنهم الخاصة الذين يفهمون الحقائق و الأمور البرهانية، فوجب أن يلتمس معانٍ باطنة وراء المعاني الظاهرة في بعض الآيات!

و قد احتجّ لرأيه بالآية الكريمة:

( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) الآية.

أما الشيعة؛ فقد توسع بعضهم في هذا توسعاً و لاسيّما الباطنية؛ جعلوا لكل آية ظاهراً و باطناً، وأتوا ببواطن زعموها لاعلاقة بينها و بين الظواهر.

و أما الصّوفية؛ فقد ذهبوا في ميلهم المعروف إلى تجاوز الصور إلى الحقائق، و النفور من الظواهر و الأشكال، ذهبوا إلى تأويل يرد الأمور المحسوسة إلى المعنوية، أو أخذوا منها إشارات إلى أمور روحيّة.

و قد بلغ بهم التدقيق في المعاني القرآنية و الاستنباط منها أن اجتمع لهم جملة كبيرة من التفسير كما في تفسير سهل بن عبدالله التستري، بل كان من تدقيقهم و تلمّسهم الإشارات و المناسبات بين المعاني الظاهرة في الآيات و غيرها أن فهموا من الحروف المفردة دلالات، فكان فهمهم الآيات شبيهاً بالتفكير في موضوعها، والمفكّر يخرج من موضوع إلى آخر يُناسبه فيتسلسل الفكر إلى غير حدّ.

 

في كتاب ” اللمع ” لأبي نصر السراج باب للمستنبطات قال فيه:

المستنبطات ما استنبط أهل الفهم من المتحققين بالموافقة لكتاب الله – عزوجل – ظاهراً و باطناً، و المتابعة لرسول الله صلى الله ظاهراً و باطناً، والعمل بها بظواهرهم و بواطنهم.

فلما علموا من ذلك ورثهم الله – تعالى – علم مالم يعلموا، و هو علم الإشارة و علم مواريث الأعمال التي يكشف الله تعالى لقلوب أصفيائه، من المعاني المذخورة و اللطائف و الأسرار المخزونة و غرائب العلوم و طرائف الحكم في معاني القرآن و معاني أخبار رسول الله ….

 

و قال السراج في باب كيفية الاختلاف في مستنبطات أهل الحقيقة:

” إن اختلاف أهل الظاهر في الاستنباط يؤدي إلى الغلط، و الاختلاف في علم الباطن لا يؤدي إلى ذلك؛ لأنها فضائل و محاسن و مكارم، و أحوال و أخلاق و مقامات و درجات “

و معنى هذا: أن اختلاف الفقهاء – مثلاً – يؤدي إلى إصابة واحد و خطأ الآخر؛

لأنهم يبحثون عن أحكام ثابتة لأعمال معينة،

أما استنباط الصوفية فهو: أن يفهم أحدهم من أيّة إشارة إلى فضيلة أو خلق، ويفهم غيره إشارة أخرى إلى فضيلة أو خلق، وليس بين الإشارتين تعارض؛ لأن كل مافهمه المختلفون من هذه الإشارات مطلوب محبوب.

 

و ذكر السراج في باب آخر أمثلة من خطأ المستنبطين و صوابهم،

فذكر ممن أصابوا أبا بكر الشبلي: سُئل عن قوله تعالى: ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم )

فقال: ” أبصار الرؤوس عن محارم الله تعالى و أبصار القلوب عمّا سوى الله تعالى “

 

و يُعقّب السراج بقوله:

فأنت ترى أنه ذكر المعنى المقصود من الآية و تجاوزه إلى المعنى الثاني؛ و هو في نفسه حسن، ولكن لاتتضمنه الآية بالحقيقة أو المجاز، بل تدقيق الصوفية و التماسهم كل مناسبة؛ لبيان مقاصدهم أخرج من الآية هذا المعنى.

و هذا التفسير من طريق الفهم،

أما من طريق الإشارة ففي تفسير القرآن للتستري أمثلة كثيرة من تفسير الصوفية .

نورد منها على سبيل المثال لا الحصر :

 

1) في تفسير الآية: ( و اتّخذ قوم موسى من حُليّهم عِجلاً جسداً له خُوار )

” عجل كل إنسان ما أقبل عليه فأعرض به عن الله من أهلٍ وولد، ولايتخلّص من ذلك إلا بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه؛ كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته إلا بعد قتل النفوس.”

 

2) في تفسير الآية في قصة إبراهيم عليه السلام: ( و فَديْناه بذبحٍ عظيم )

” إبراهيم عليه السلام لما أحب ولده بطبع البشرية تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه؛ إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، و إنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له و رجع عن عادة الطبع فداه بذبحٍ عظيم “

 

حقيقة التوكل عند ابن القيم

 

الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه “مدارج السالكين” يتحدث عن التوكّل الحقيقي كما يراه.

وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله، وقد توكل حقيقة التوكل وهو مغبون. كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويمكنه نيلها بأيسر شيء. وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيرا. فهذا توكل العاجز القاصر الهمة. كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن إزالته بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين. وحال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها، فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم. فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يعبد الله في جميع البلاد، وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد، فملأوا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانا، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان. وهبت روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينا وإيمانا. فكانت همم الصحابة رضي الله عنهم أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي، فيجعله نصب عينيه، ويحمل عليه قوى توكله، ويظن أنه يبلغ بذلك المراتب العالية.