أرشيف الوسم: الثقافة

اقتراح (بهاء طاهر) لتجديد الخطاب الثقافي

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي أورد فيها فصلًا عن الثقافة العربية وكيفية تجديد الخطاب الثقافي.

كانت آرائي صادمة.

أقول أنه لا يوجد خطاب ثقافي من الأساس، الخطاب يحتاج لمُرسل ومستقبِل؛ المرسل أصابه العطب، والمستقبل لم يعد موجودًا.

يتابع بعد ذلك:

كثيرًا ما أذكرهم بقصة (جان فالجان) لـ(فيكتور هوغو)، وأقول لو أن الثقافة في العموم مهتمة بأن تتحول المواقف الثقافية الكبرى لجزء من مناهج التعليم لتبدّل الحال، ولكانت الثقافة العربية تغيرت كثيرًا، لو تعلمنا منذ الصغر بشكل ملموس معاني العدالة والخير والمساواة، كان العالم بأسره سيتغير، فمن غير المؤثر أن نكتب عن هذه المعاني فقط، دون تطبيق حقيقي ومخلص، بل الأهم والمؤثر أكثر أن يعيش الصغار -الذين لهم حقّ علينا نحن الكبار- هذه القصص والمواقف الملهمة، ليس بالتلقين فحسب، وإنما بالمحاكاة.

علينا أن ننبذ الأفكار الجامدة من قبيل: “كل شيء على ما يرام .. نتعامل كأننا مثقفون .. كأننا ديموقراطيون .. كأننا لسنا لا متعصبين ولا عنصريين!”

أي آسف!

على الإعلام الحقيقي ووزارة التربية والتعليم والمختصين والنخبة التحرك حثيثًا لوضع مناهج وأطر جديدة فكرية، وإنقاذ الهوية الثقافية.

لا بدّ من البعد عن الإنساء، كفانا إنشاءً .. وأن نسعى لتطبيق جوهر الوعي الخالص في حياتنا الثقافية بشكل فاعل.

من حوالي ربع قرن تقريبًا، كتبت في جريدة (الليموند) الفرنسية جملة لا تُنسى: “الحكومة المصرية تتظاهر بأنها تمنح الموظفين مرتبات، وفي المقابل الموظفون يتظاهرون أنهم يعملون”. 

ينتقل بعد ذلك، (بهاء طاهر) إلى حالة التعليم والقراءة الحرة، فيقول:

بالطبع، أبسط الأحلام التي أتمنى تحقيقها، تغيير الخطاب الثقافي برمّته، هذا الخطاب المتكلّس، فما زلنا نتعامل مع الثقافة كأنها أمر شرفي، جوائز ومهرجانات واحتفالات ليس أكثر ولا أقل.

لكننا لم نفكر أبدًا كيف تتحول الثقافة إلى جزء من حياة المجتمع؟

أتذكر وأنا تلميذ في ثانوي أن د. (طه حسين) كان وزيرًا للمعارف، وكان من رأيه -وهذا ما كتبه في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) سنة 1937- أن القراءة الحرة ينبغي أن تكون بمثابة ثلث المناهج التعليمية على الأقل. 

تم بالفعل تطبيق هذا في العام والنصف الذي كان فيه وزيرًا، وقد وُزّعت علينا في المدارس كتب مجانية للقراءة فقط، وبفضل هذه التجربة بدأ أناس كثيرون جدًا الاهتمام بالقراءة والثقافة.

لا أذكر أن هذا الأمر تكرر إلا مرة واحدة، عندما قرروا تدريس أحد كتب العبقريات لـ(عباس محمود العقاد) ورواية (كفاح طيبة) لـ(نجيب محفوظ). ولم يتكرر الأمر منذ سنوات بعيدة.

في الغرب يعلمون التلاميذ اللغة من خلال كلمات لكبار الكتّاب، مثلًا يشرحون جملة للطلبة استعملها (ألبير كامو) أو (تشيخوف) أو (دوماس) أو (دوستويفسكي) في إحدى رواياته، وهنا يبقى جزء من الوعي الكامن لثقافة التلميذ أن هذه اللغة صنعها كبار الأدباء والمثقفين، لكن الآن للأسف يتم فرض نصوص على التلاميذ عفا عليها الدهر، نصوص مرهقة، غير فعالة على الإطلاق.

وأخيرًآ، يتحدث (بهاء طاهر) عن اقتراحه لتجديد الخطاب الثقافي، فيقول:

كيف يمكن أن نجعلهم على صلة بثقافتهم المعاصرة؟

اقترحت من قبل أن يقرأ المسؤولون كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) لـ(طه حسين)، وأن ينفذوا أفكاره بحذافيرها، لأنه -للأسف- لا يوجد برنامج لتغيير ثقافة مصر إلا برنامج (طه حسين) الذي كُتب عام 1937.

اقترحت الاهتمام بالمعلم، بطريقة التعليم، فالتعليم لا يعتمد على أسلوب التلقين قدر أن يكون نوعًا من التدريب على الديموقراطية، ألا ننادي جميعًا بالديموقراطية؟

[…] ليتنا طبقنا أفكار (طه حسين) منذ هذا الوقت!

لو كانت طُبّقت لكنا أنقذنا الوطن من براثن التطرف الديني، هذا الكتب كان سيعلّم المصريين احترام الاختلاف، أي الرأي العام يتم الرد عليه بالرأي وليس بالهمجية والقنبلة والتطرف والتمرد.

يتحدث (طه حسين) في هذا الكتاب عن كيفية تحويل الديموقراطية إلى أسلوب حياة فاعل، وليس مجرد مفاهيم راكدة جامدة مكتوبة داخل الكتب ولا يتم تطبيقها أو الاستفادة منها، فبدون تطبيق الديموقراطية، تختنق المجتمعات، ووجهة نظري أنه لن لتم القضاء على الفقر ولا على الأمية إلا بتطبيق الديموقراطية.

والديموقراطية في أساسها أن يكون كل الناس جزءًا من عملية التغيير. كم عامًا أمامنا لنصبح هكذا؟

الأخلاق لدى علي عزت بيجوڤيتش

يوجد ملحدون على أخلاق .. لكن لايوجد إلحاد أخلاقي

بهذه العبارة يستفتح (علي عزّت) فصل الأخلاق من كتاب الاسلام بين الشرق والغرب، وبها نستهلّ بعرض مقتطفات من ذلك الفصل.

Begofitch

علي عزت بيجوفتش (1925-2003) أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك، هو ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها (الاسلام بين الشرق والغرب).

في بداية فصل الأخلاق يتحدّث ويؤكد على فكرة العالم الأخروي ، كي نجعل تضحية البطل انتصارًا ، فإذا لم يكن منتصرًا في العالم الأخروي فأين يكون منتصرا ؟

ثم بعد ذلك يتحدّث عن التدريب والتنشئة فيقول :
لاتوجد تدريبات أو قوانين ولاتأثيرات خارجية يمكن بها إصلاح الإنسان ، فلايمكن تدريب الإنسان كما يتدرّب الحيوان . ولذلك فإن كل تنشئة حقيقية ، هي في جوهرها تنشئة ذاتية وهي مناقضة للتدريب . إن التدريب حتى ولو كان يفرض السلوك الصحيح هو في أساسه لا أخلاقي ولا إنساني ، فهدف التنشئة الصحيحة ليس تغيير الانسان تغييرًا مباشرًا ، حيث أن هذا غير ممكن ، وإنما هي تحفّز فيه قوى جوانيّة لتحدث قرارا لصالح الخير عن طريق المثل الصالح والنصيحة والمشاهدة وغيرها .

وفي فقرة “الأخلاق والعقل” بيّن بعض النظريات الأخلاقية ، والتي تنهي جدلها المنطقي المعقّد بنتائج متناقضة ، كقول فولتير ( تضحية الإنسان بنفسه بوازع من مصلحته الذاتية )!

“إن العلم لا يعلّم الناس كيف يحيون ، ولا من شأنه أن يقدم لنا معايير قيمية ؛ لأن القيم التي تسمو بالحياة الحيوانية إلى مستوى الحياة الإنسانية ، تبقى مجهولة وغير مفهومة بدون الدين ، فالدين
مدخل إلى عالم آخر متفوّق على هذا العالم ، والأخلاق هي معناه.”

الأخلاق دائما مبدأ تقييد أو تحريم يناقض الغريزة الحيوانية في طبيعة الإنسان ، ليست الأخلاق كما عرّفها الرواقيّون: (الحياة في انسجام مع الطبيعة) ، بل صوت الطبيعة هو ما قاله نيتشه :
(تخلّص من الضمير ومن الشفقة والرحمة … تلك المشاعر التي تطغى على حياة الإنسان الباطنية .. اقهر الضعفاء واصعد فوق جثثهم)!
يمكن إقامة أخلاقيات المنفعة على أساس من العقل ولو على المستوى النظري , ولكن من المستحيل أن نقيم على العقل وفي غيبة الألوهية ، أخلاقيات غيرية لا أنانيّة ، أو أخلاقيات تقوم على التضحية كما ينبغي أن تكون الأخلاق .

نحن لا نعرف حالة واحدة خلال التاريخ الإنساني لمجتمع لاديني خالص ، ولا دولًا تربّت فيها أجيال بعد أجيال على نبذ الدين أو كراهية الدين ، لتعطينا إجابة مؤكدة على سؤال :
ما إذا كان هناك أخلاق بلا دين ، أو ما إذا كان ممكنا وجود ثقافة إلحادية ومجتمع ملحد؟

لقد غربت الشمس حقا ، ولكن الدفء الذي يشعّ في جوف الليل مصدره شمس النهار السابق ، إن الأخلاق دين مضى ، ولا سبيل لإقامة تعليم تام الإلحاد للإجيال ، إلا بخلق الشروط النفسية الملائمة ، وذلك من خلال التدمير الكامل والقضاء على جميع المواريث الروحية على مدى العصور ، لقد عاش الجنس البشري آلاف السنين تحت تأثير الأديان .
إن الجيل الراهن الذي هو لاديني اسميًّا ، بل حتى الملحدين من هذا الجيل لم ينشأوا على جهل بالدين وإنما على الأرجح في عداء له ، فهم وإن لم يقبلوا مبادئ المسيح في الحب والإخاء والمساواة باسم الله ، إلا أنهم لم يرفضوا هذه المبادئ أصلا ، وإنما بنوع من الوهم الغريب احتفظوا بهذه المبادئ باسم العلم .

عندما حاول الماديون بناء نظام أخلاقي ، اقترحوا اللجوء إلى ضمير الإنسان ، بدلا من الخوف من الله كحافز على استقامة السلوك ، فهل الضمير والوعي يعدّ بعض أجزاء هذا العالم الواقعي ؟ أليس الإيمان بالإنسان بدلا من الإيمان بالله هو شكل من أشكال الدين ولكنه أقل بدرجة ؟إن لجوء الماديين إلى الإنسان بدلا من الرجوع إلى الله يبدو غريبا في ضوء ما أكّده ماركس نفسه عندما قال : (إن الأمل في الإنسانية المجرّدة للإنسان وهْم لايقل عن الوهْم الديني الخالص) .
بغضّ النظر عن كل ماسبق ، يبقى أن السؤال الحقيقي هو :
هل باستطاعة الملحد أن يعظ باسم الأخلاق أو الإنسانية ، ويبقى على ما هو عليه في حدود مذهبه المادي ؟؟

ونختتم بإحدى إشراقاته:

“من الممكن أن نتصوّر رجل دين لا أخلاق له ، وبالعكس . لكن القرآن يذكر كثيرا الإيمان مع العمل الصالح ، بل في الآية التالية يوجّه نظرنا إلى أن الممارسة الأخلاقية قد تكون حافزا قويًّا على التدين (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) معنى الآية يقول : افعل الخير تصبح مؤمنا ، وفي هذه النقطة نرى إجابة على سؤال : كيف يمكن للإنسان أن يقوّي إيمانه ؟ والإجابة هي : إفعل الخير تجد الله أمامك.”

سلافوي جيجك: الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا، ولديه العديد من الإسهامات في الفلسفة الغربية الحديثة.

يقول (جيجك): “الناس تشتري الكتب، ولا أحد يقرأها”. ننشر هنا لقاءً صحفيًا معه، أجرته صحيفة (الفلسفة اليوم)، نترجمه بشكل حصري لدى ساقية.

يبتدئ الحوار بأن يسأل المحاور:

إذن بروفسور جيجك …

لا تناديني بروفسور إذا كنت لا تريدني أن اقتلك لأني اشعر بالإنزعاج عندما ينادوني بكلمة “بروفسور”، ويقولون: أين هو البروفسور؟ لدي مشكلة مع إستخدام الألقاب الرسمية، وهلم جراً. وعندما يناديني أحدهم بروفسور أستقبلها كنوعٍ من السخرية، ولستُ فخوراً بها…

الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها؛ أنت لست مجرد فيلسوف ولكن على غير المعتاد فيلسوف شهير؟ هل الشهرة ضرورة؟

في البداية، مفهوم الشهرة نسبي، وكما تعلم لدي العديد من الأعداء؛ يعتقد بعضهم أني مجرد مهرج، و يعتقد البعض الآخر أنَّ خلف طبيعتي المسلية داعي للفاشية أو شخص ذا أبعاد ستالينية، وهلم جراً.

إذن؛ ما يسمى شهرة هو مجرد وسيلة لإبقائي بعيداً عن التعمق بجدية في الاعمال التي أقدمها، وأنا فخور حقاً بكتابي “أقل من لا شيء”، الكتاب المجنون والذي يتساوى في عدد صفحاته مع “الإنجيل المقدس”، وهو كتاب معروف وقد بيع منه نسخاً كثيرة جداً، فكل ذلك يعطيني الأمل بأن لا نقلل من شأن عامة الناس .

مؤخراً، تعرضت للضغوط من مؤسسات لنشر الكتب لأجل أن اقوم بتأليف كتاب مسلي من فئة الأكثر مبيعاً عن دونالد ترامب، ولكن لماذا ينبغي علي تأليف ذلك؟ لا أعتقد أن ترامب مثيراً للإهتمام بل هو أحمقٌ مُمل.

هل أنت قلق حول كتبك تصبح زينة فوق طاولات القهوة؟ أنت تعلم، الناس يشترونها ولكن في الواقع لا يقرؤونها؟

بالطبع أنا قلق، ولكن ليست الكتب التي توضع فوق طاولات القهوة وحدها لا تقرأ، خذ معها كتب الأكثر مبيعاً، والكتب الكلاسيكية أيضاً، الناس تشتريها ولكن لا أحد يقرأها.

و على سبيل المثال انظر كتاب جون رولز بعنوان “نظرية العدالة”؛ اعرف شخصياً مؤلفين من نيويورك قاموا بتألف كُتباً عن “نظرية العدالة”، و اعترفوا لي على انفراد وفي لقاءات خاصة أنهم لم يقرؤوه، و لا اختلف معهم لأن أسلوب جون رولز في الكتابة يمكن اختصاره داخل  50 صفحة ولن تفقد من مضمونه شيئاً.

وكل ذلك يقودني لبعض الشكوك المشابهة حول هيجل و مؤلفاته عن “المنطق”، فأنا اشك أن الناس قرؤوها، ولسببٍ ما أعتقد أنه لا يهم حتى وإن لم يقرؤوها.

ويوجد كتاب رائع لمؤلف فرنسي إسمه بيير بايارد، بعنوان “كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها؟”، المؤلف يأخذ موضوع عدم قراءة الكتب بجدية وبالجدية الفرنسية الصارمة، وليس بأسلوب هزلي ساخر، فيقول: إنَ أفضل الكتب التي تناقش مؤلفين آخرين تم تأليفها من أناس لم يقرأوهم بشكلٍ كاملٍ، ويضيف أيضاً: عندما تتحدث عن كتاب لم تقرأه يجب أن تقوم بالتركيز على جزئية واحدة، ثم تترك هذه الجزئية الوحيدة تصبغ إنطباعك الكُلي حول الكتاب.

وهو بالطبع صادق، لأن تلك هي الكيفية الوحيدة لتقديم شيء جديد، وذلك عبر المفارقة الفلسفية التي تقول: لا تحتاج لتقرأهُ كلهُ إن كنت تعرف الكثير منه و إلا ستشوش القراءة أفكارك التي تعرفها.

ولكن الناس يشترون كتبك ولا يقرأونها، فهل بالرغم من ذلك تعتبرها علامة جيدة على إهتمامهم بالفلسفة؟

نعم، أمنيتي السرية أنَّ هناك فئات متعددة من القراء ومنهم القراء الذين لا يبحثون داخل كتبي عن النكت فقط.

فبعد السلسلة الفلسفية من الكتب التي ألفتها مؤخراً، والأكثر فلسفية، كتاب بعنوان: “الإرتداد المطلق” والذي إن كنت تسألني تحت تهديد خطر الموت – وآسف لقول هذا – هو أفضل كتاب من بين الكتب التي ألفتها على الإطلاق، لأن بسببه استقبلت رسائل كراهية عبر الإيميل، ومنها رسائل تشكوى: “أين النكت؟”.

بعيداً عن النكت البذيئة التي اقولها؛ يتهمني البعض أني مجرد فيلسوف تقليدي جداً! وهم صادقين بعض الشيء لأني استخدم فلسفة جاك لاكان كأداة صارمة لإعادة تأويل فلسفة هيجل.

وأكبر حدث في تاريخ الفلسفة هو الانتقال من كانط إلى هيجل.

مالذي يجب على الفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ أو مالذي يمكن للفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ وهل كان هيجل علامة فارقة ذا أهمية؟

قطعاً بالتأكيد. اليوم ربما ليس الوقت المناسب لتغيير العالم ولكن بدلاً عن ذلك يجب أن نخطو عودةً للخلف، ونتأمل. فكل ما نحتاجه اليوم هو الإنتقال من مادية ماركس إلى مادية هيجل لأنها أكثر حصافة ودقة.

هل تعرف من هو هيجل الذي يعجبني؟ هيجل الذي يقول في مقدمة كتابه: “إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله”، و تعطي هذه المقولة البسيطة انطباعاً خاطئاً أن هيجل كان محافظاً في “فلسفة الحق”، و بطريقةٍ ما فهو يدعوا إلى الفاشية داخل المجتمع، لأنه كتب ما معناه أن أي نظام تاريخي محدد لا يمكن فهمه إلا بعد أن ينتهي وقته، فهل تعتقد أن هيجل مغفلاً ولا يعرف أن نفس الوصف من الممكن أن ينطبق على كتابه “فلسفة الحق”؟ هيجل لا يرسم نظاماً ويفرضه كشكل إجتماعي محدد، بل يرسم حالة اجتماعية تُشكل نفسها بعد أن تجاوزها الزمن بوعيٍ تام. وحالنا اليوم يشبه فلسفة هيجل تماماً وأكثر بكثير من فلسفة ماركس.

ماركس يؤمن وبقليل من الغائية أن الظرفية الاجتماعية تتطلب ثورة بروليتارية كضرورة حاسمة،  ومهمتها إصلاح البشرية جمعاء. لكن بالمقابل تُفهم الظرفية الاجتماعية عند هيجل على اعتبار انها نهج ما بعد الثورة. فخذ على سبيل المثال الثورة الفرنسية التي أخفقت، وتطورت بطريقةٍ ما لتصبح شيئاً بعيداً عن الصواب، ولكن هيجل قام بإعادة تأويلها.

الإشكالية العصية التي تطرحها أفكار هيجل هي أن لا تقول أن الثورة الفرنسية مجرد هراء، ولكن يجب عبر كيفية خاصة أن نحافظ عليها كإرث تاريخي بشري حي بغض النظر عن النتائج الكارثية التي آلت إليها الثورة. وأتصور أن وقتنا الحالي مشابه جداً لتلك المرحلة؛ فالقرن العشرين فشل في محاولات التحرر من الراديكالية السياسية.

ويجب أن نتخلى عن الإستعارات المجازية الماركسية مثل أننا اليوم نقود قطار التاريخ البشري. فالماركسيون يحبون أن يقولون حتى وإن كانت الأيام مظلمة؛ فبالإمكان رؤية النور آخر النفق. وأنا أقول بقليل من السخرية: ” نعم إنه نور قطار آخر يتجه نحونا”.

إذن هذا حالنا اليوم، وهيجل يعرفه، حالنا مكشوف؛ لا نستطيع عمل أي خُطط لتغيير العالم.

ولكن النور معنى مجازي، وقد يعني أي شيء، ولايعني بالضرورة قطاراً آخراً؟ هل من الممكن أن يكون النور هو نهاية النفق؟

نعم مجازي. و بسبب ذلك يجب علينا أن نتخلى عن الأوهام والآمال الزائفة.

حتى الجناح اليساري اليوم، في معظمه هو يسارية فوكويامية. فيعتقدون جوهرياً إن الليبرالية الديموقراطية وأجزاء من الرأسمالية هما اللاعبان الرئيسي والوحيد في العالم، و يحاولون أن يجعلون اليسار أفضل بمزيد من التضامن الاجتماعي والوحدة الاجتماعية و التآمين الصحي وزاج المثليين….الخ.

وجوابي على فوكوياما: حسناً لنقل أنك على صواب، وان الرأسمالية انتصرت، أليس من السخرية أن أغلب قادات الرأسمالية العالمية هم شيوعيون يمتلكون القوة. لذا يجب علينا أن نتفق في أن إدارة الأمور بطريقة القرن العشرين قد انتهت.

ألا تعتقد أن هذا يقودنا إلى إشكالية اصطلاحية؟ عندما تقول “الرأسمالية يقودها شيوعيون يمتلكون القوة”، مالذي تقصده بالرأسمالية؟ الرأسمالية لها صيغ وأشكال متعددة، والشيوعيون الذين يقودون الرأسمالية بالتأكيد ليسوا شيوعيين حتى إن ادعوا ذلك.

على أي مقدار أنا شيوعي؟ بقدرٍ محدود للغاية. و ألسنا كلنا شهود اليوم على تهكم عظيم؟ فما تبقى من اليسار عاجز عن تقديم نموذج عالمي بديل وملائم. واتذَكر عندما كنت جزء من الحركة الاجتماعية “احتلوا وول ستريت”، وكنت مع المعارضين في نيويورك أسأل الحشود أسئلة حمقاء مثل: “مالغاية التي تريدون الوصول إليها؟” وطبعاً لم يعطوني جواباً وحداً لأنهم أصلاً لايعرفون ماذا يريدون. فاليسار اليوم يتجه نحو الأخلاق الاجتماعية كأجوبة بسبب الإفراط في التركيز على مفاهيم مثل الصواب السياسي، وهلم جراً.

المشكلة هي أن المعارضين لا يعرفون ماذا يريدون وبلا هدف واضح من ناحية، ومن ناحية آخرى أليست كل العلامات التي من حولنا تدل على أن الرأسمالية التي نعرفها، تقترب من النهاية؟ انظر  إلى المشكلة الايكولوجية “البيئية”، من الواضح أن الرأسمالية عبر سن الأنطمة والضرائب لم تستطع تقديم حلولاً كافية. وانظر الى الرأسمالية الخيالية، وكيف يسوقون لها الناس. وعندك أيضاً مشكة المهاجرين، اذا سألتني، أعتقد أن الرأسمالية تنهار. وعند وقوع كوارث كبيرة نحتاج لحلول أكبر، يستطيع أن يحتويها.

و انظر الى مشكلة الجينات الحيوية والتي ستغير في كينونة الإنسان الحي؛ بالإمكان أن تتصل أدمغتنا مباشرةً بأجهزتنا الكمبيوترية. والنتيجة الحزينة الوحيدة، والتي كنتُ ولازلت أحذر منها هي نموذج الدولة المثالية؛ الدولة المفتوحة تماماً للسوق العالمي، ولكن في نفس الوقت مبنية على آيديولوجية التمركز العرقي، بالتركيز على ثقافتها الخاصة فقط، وهذا ما يقوم به ترامب، وجميع الحكام الدكتاتوريين، والصين، والهند، وحتى بوتين يلعب نفس هذه اللعبة. فالعالم يتجه نحو نهج دولي جدي عبر الانفتاح على السوق العالمي الحر، وبالمقابل،كقاعدة أساسية الإنغلاق على الذات وعدم قبول الآخر. وهذا شيئٌ محرنٌ جداً.

ونعود الآن لسؤلك: لماذا الشيوعية؟ أتصور جميع المشاكل التي سردتها هي في نهاية المطاف كما يصفها، كارل ماركس ب “العموميات”، والمقصود وجود بعض الأجزاء العامة والمشتركة بين الجميع، والتي لا يمكن خصخصتها وتركها للسوق. فالايكولوجيا “علم البيئة” جزء من حياتنا الطبيعية المشتركة، وإلى أي مقدار  يمكننا التلاعب فيه؟ وعندك أيضاً الملكية الفكرية هي من مشاكلنا العمومية، ومعها أيضاَ مشاكل الجينات الحيوية. وبهذا المعنى أضعها بشكل ساخر، وأقول : “اليوم الشيوعية ليست الحل، ولكنها إسم المشكلة”. لذا يجب علينا أن نجد حلاً بمستوى عمق مشاكلنا؛ أي نتعامل مع مشاكلنا العمومية خارج نطاق متطلبات علاقات السوق العالمي.

صديقي بيتر سلوتردايك، عبر كتابه بعنوان ” ماذا حدث في القرن العشرين؟” قدمَ نفس الإستنتاج، بانتهاء حقبة الدولة القومية التي تكون أسمى قيمها الأخلاقية العليا مبنية على ” هل أنت جاهر للتضحية لأجل وطنك؟”. فنحن بحاجة إلى نماذج فعاله للخروج من حدود الوطنية القُطرية كطريقة ناجعة لحل مشاكلنا مثل مشكلة الجينات الحيوية.

على الرغم من كوني ماركسي جيد إلا أنني لست ضد الرأسمالية بالمطلق، لأنها النظام الأكثر ديناميكية في تاريخ البشرية. وأيضاً أرفض قطعاً الإعتماد على المفاهيم القديمة التقليدية لمحاربة الرأسمالية العالمية، بل يجب أن نحاربها بمفاهيمنا الخاصة عبر رؤية عالمية جديدة. ونقطتي التي أود أن أقولها يجب علينا عبر ممارسة الرأسمالية أن نتجاوزها، ونتخطاها، ولا أقول أريد طوبائية “حياة مثالية” وأكثر، ولكن أقول من الواضح أن الرأسمالية تقترب من أزمة كبرى، والسبب عدم قدرتها مواجهة مشاكلنا العمومية مثل المشكلة الايكولوجية، وهلم جراً.

أنا هنا متشائم الى حدٍ ما، بمعنى أن الرأسمالية عاجزة عن حل مشاكلنا عبر مفاهيمها الخاصة. وأيضاً أجد خوف الناس من البطالة بسبب العولمة غير عقلاني، أقول لهم: ليس صحيح لأن زيادة البطالة بسبب العولمة هي أفضل خيار تاريخي حصلنا عليه. لأن حان الوقت أن نقول: “عظيم! الأن سنعمل أقل”، ولكن الإفتراض التلقائي جواباُ على البطالة في انها كارثة.

هل تقول أنه لا توجد فعلياً ثورات سياسية مُحكمة السيطرة والتخطيط؟

نعم، هذا تصور هيجلي؛ لا توجد ثورات محكمة التخطيط. وماركس كان يقول أن الثورة البروليتارية عملاً يفهمه بوضوح الذوات التي تقوم به، ويحقق تطلعاتهم. وفي مرحلة ما من التاريخ الطبقة العاملة (بقيادة لينين) كانت تعرف بوضوح المواضيع التي تريد تحقيقها، وعملوا الثورة، ولكن النتيجة لم تكن عن غاية مخططة فلم تعبر بصدق عن المجتمع، بل وقعت في نفس الجدلية التاريخية التي سبق أن وقع بمثلها في مرحلة سابقة من التاريخ.

في كتابي الجديد “شهوانية الباطل: عُقد الفلسفة الإقتصادية”، أسأل عن معدلات الموت في الأنظمة الشيوعية. لا أحارب فقط ضد صدق وشفافية الثورات ولكن أحارب أيضاً ضد الرؤى التي بطريقة أو بأخرى ستكون محل تمجيد في المجتمعات الشيوعية. فأنا أقول فقط، ولكن من الذي يعرف؟ ربما الأوضاع ستكون أسوأ. وحتى بدون تنميط الماركسية بصورة مخادعة يجب علينا فهم مصطلح “الكثافة التاريخية”. افذا كانت جميع القوانين الاجتماعية تفتقر للشفافية الصادقة، سينتج عنها مجتمع جديد مطابق لها تماماً آي أنه في الأساس مجتمعاً لا يعرف مالذي سيقدمه.

أنت أشرت سابقاً إلى الصواب السياسي، هل تعتقد أنه مشكلة؟

لدي بعض الشكوك حول مفهوم “الصواب السياسي”، فأتفق مع أهدافها، وعدم الإهانة، وعدم الذل، وصمودها ضد القوة الاجتماعية، ولكن فكر في شخصية الإنسان “الكائن الحي” الذي يؤمن بالصواب السياسي، سيعيش في هووس بين قلق الإيذاء الشائع و بين كثرة ضحاياه لدرجة أصبحنا فيها دائماً مهددين في كل ما نفعله. واذا نظرت الآن إلى عينيكِ لمدة ثانيتين، قد تُعتبر نظرة طويلة، وتصبح تحت مفهوم “الصواب السياسي” جريمة إغتصاب بصري. بالتالي خلف الصواب السياسي رؤية حزينة ” أننا جميعاً من المحتمل أن نكون ضحايا”.

أليس الصواب السياسي في مجمله هو ضبط اللغة باستخدام ألفاظ لبقة للتعبير عن ذواتنا بغض النظر عن التعصب الموجود بداخلنا؟

نعم لكن تطبيقها يُخفق، فأفضل خطوة للوقوف خلف العنصرية ليس بتغيير اللغة، ولكن بإستخدام نفس اللغة بطريقة ساخرة لاعنصرية بسبب اعتقادي بإستحالة التواصل مع بعضنا بلا قليل من البذاءة.

كنت أتساءل هل تتصور بالإمكان وضع سؤلاً فلسفياً واحداً تحديداً اليوم ليكون بارزاً؟

من الممكن وضع سؤلاً حول طبقات المظهر الخارجي (الشكل)، وهي مسألة مؤلوفة، وحتى كانط ناقشها كثيراً: ” هل كل الذي حولنا يحدد مظهرنا الخارجي؟ هل بالإمكان تجاوز المظهر الخارجي ولمس الجوهر بواقعية كما هو؟”، بالمقابل عظمة هيجل تكمن في التعامل مع هذه المسألة بشكل عكسي، بالقول: “كيف يظهر الجوهر الداخلي بواقعية وصدق عبر المظهر الخارجي كما هو؟”، لأن المظهر الخارجي يعني فجوة مريعة. فالأشياء ليست هي فقط مظهرها خارجي، بل هي ماتظهره لذواتها داخلياً. وأنا هنا هيجلي تماماً، وأؤمن بوحدة المظهر والجوهر، و وجوب تبادل الحد الأدنى من الانعكاسية بين المظهر والمطلق الكلي.

وبالنسبة لي تعلمت من الفيزياء الكمية أن المظهر مجرد مادة، ويمكن قياس مقدار حجمها بمقدار ظهورها، والظهور يعكس الماهية؛ جوهرها.

نحن الأن نقترب من نهاية المقابلة، ولكن قد يتساءل قرائنا، من بين كل الكتب التي قمت بتأليفها؛ ما هي الكتب التي يتوجب علينا قرائتها؟

من كتبي أتصور كتاب “حدث: فلسفة العبور”، وإن كنت تمتلك الطاقة الكافية فأنصح بكتاب “الإرتداد المطلق”.

وأيضاً بالطبع يوجد عندك الفلاسفة العظماء الثلاثة بالنسبي لي وهم: أفلاطون، و ديكارت، و هيجل، ولماذا؟ لأن كل واحداً منهم قدم فلسفة تتوارثها الأجيال. أو كما قال ألفريد نورث وايتهيد : ” أليس تاريخ الفسلفة في جُله هو تاريخ نقد أفلاطون؟”، ومن بعده يأتي ديكارت؛ فالجميع يريد التخلص من ديكارت، وفي القرن التاسع عشر كانوا جميعاً يرغبون في التخلص من هيجل. هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، هم فلاسفة “الحدث”.

 

العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، برأي حليم بركات

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، تطرّق إلى أنواع العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، أو المثقف والسلطة. فيقول مبتدئًا حديثه:

يمكننا، كما أرى، أن نميز العلاقات والمواقف التالية على الأقل:

(1) علاقة اللامبالاة: قد تسود في مجتمع ما علاقة اللا علاقة بين الكاتب والسلطة. في هذه الحالة لا تهتم السلطة بالكاتب، ولا يبدو أن الكاتب يقوم بمحاولات جادة لردم الهوة الفاصلة بينه وبين السلطة أو حتى لإقامة جسر بينه وبينها، فتقتصر علاقتهما على النواحي الثانوية وبطريقة غير مباشرة.

[…] يتمثل هذا النوع من العلاقة إلى حد بعيد بموقف الدولة اللبنانية من الكتابة ويتجاوب الكاتب اللبناني مع هذا الموقف. لا تهتم السلطات اللبنانية بشؤون الكتابة وقضاياها ولا تتأثد بها، ولا تتدخل بشؤونها. ويشعر الكاتب نتيجة ذلك أن بإمكانه أن يعبر عن آرائه بحرية ودون أي ضغط مصطنع. المجال فسيح أمامه للتحدث حول القضايا التي يريد. وإذا ما تدخلت السلطة بشؤونه يكون ذلك بضغط من إرادة خارج إرادتها. في الحالات القليلة التي تعرضت فيها الدولة اللبنانية للمفكرين أو لإنتاجهم، كما حدث تجاه (عبدالله القصيمي) و(صادق العظم) و(ليلى بعلبكي)، لم تكن الدولة هي المبتدئة بل إنها فعلت ذلك بضغط من فئات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها.

بعد ذلك ينتقل (حليم بركات) إلى النوع الثاني من العلاقة:

(2) علاقة الاضطهاد: هذه العلاقة هي عكس علاقة اللامبالاة في كثير من اتجاهاتها ومناحي تصرفها. إنها علاقة تصادم بين الكتّاب والسلطة تجعل هذه الأخيرة تلجأ إلى ممارسة الاضطهاد عن طريق السجن والنفي ومراقبة الكتاب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعرض مع أفكار الدولة.

[…] وإنني أميل إلى الاعتقاد أن الاضطهاد، ولا سيما ذلك النوع العنيف المباشر، يمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية كما سنرى في القسم اللاحق من هذه الدراسة. إن الدول الرجعية أكثر ميلًا إلى استعمال الاضطهاد المباشر لأسباب عديدة من أهمها أن هذه الدول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية. والسبب الأهم هو كون المفكرين أكثر الفئات إمكانية على التحرر من مصالح الطبقات التي ينتمون إليها وأشدها رغبة في تغيير المجتمع ومساندة الحركات اليسارية.

وفي حديثه عن هذا الشكل من العلاقة، ذكر نقطة مهمة:

من مميزات الكتابة في الدول العربية المحافظة، وخاصة في العراق في الخمسينات، أن الكتّاب يلجؤون إلى الرمز في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويميلون إلى تأليه الشعب والكتابة عن آلامه وحرمانه. لذلك بلغ أدب العراق في تلك الفترة درجة فنية رفيعة، وليس صدفة أن الشعر العربي الحديث انطلق بزخم من أرض العراق على أيدي أدباء عانوا الاضطهاد كـ(بدر شاكر السياب) و(عبدالوهاب البياتي) و(بلند الحيدري).

ثم ينتقل إلى النوع الثالث من العلاقات، والذي تمت الإشارة إليه مسبقًا:

(3) علاقة الوصاية: فيما تمارس الدول العربية الرجعية الاضطهاد، تمارس الدول العربية التقدمية الوصاية إزاء معظم الكتّاب وخاصة أولئك الذين يؤيدونها أو يشاركونها في أهدافها كما تمارس الاضطهاد في حالات نادرة إزاء الكتّاب الذين يناهضونها والذين ينتمون إلى أحزاب تعمل سرًا لتعديل الحكم أو تقويضه. لكن الطابع العام للعلاقة القائمة في الدول العربية التقدمية كمصر وسوريا والجزائر والعراق، هو طابع الوصاية.

[…] طبعًا، لم تتمكن الدول العربية التقدمية من أن تقيم وصايتها على جميع الكتّاب فيها. هناك الذين اختاروا النفي إلى الخارج، والذين اختاروا العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنّهم، والذين اختاروا الصمت والموت البطيء، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة والاتجاهات السائدة سرًا فكان مصير بعضهم الاضطهاد المباشر العنيف واللامباشر النفسي.

وأخيرًا، يتحدث عن الشكل الأخير للعلاقة، فيقول:

(4) علاقة المشاركة: هناك أخيرًا علاقة المشاركة الحرة التي يمارس فيها الكاتب دوره الفعال في تقرير مصير المجتمع وفي إنماء طاقاته الفنية دون رهبة من قصاص أو اعتداء على حقوقه المدنية. قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد. هناك، بكلام آخر، مناخ عام يساعد على قيام حوار حر دائم بين السلطة والكاتب. والدولة ليست لا مبالية تجاه الثقافة والفكر، بل ترى من مهماتها الأساسية رفع مستوى الثقافة العامة ونشر العلم ومساعدته عن طريق توفير المدارس والجامعات ومؤسسات الأبحاث وتسهيل التبادل الثقافي مع المجتمعات الأخرى. كذلك ترى من واجباتها توفير مجالات الاتصال الدائم بالتيارات الفكرية والاستفادة من آرائها، والمحافظة على حقوق المفكرين وحريتهم أكانوا مؤيدين أم معارضين.

عبدالرحمن منيف وأحاديث حول الثقافة الوطنية

منيف

عبد الرحمن منيف (1933 – 2004) روائي سعودي. يعد (منيف) أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين؛ حيث استطاع في رواياته أن يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي العربي، والنقلات الثقافية العنيفة التي شهدتها المجتمعات العربية خاصة في دول الخليج العربي أو ما يدعى بالدول النفطية، ربما ساعده في هذا أنه أساسا خبير بترول عمل في العديد من شركات النفط مما جعله مدركا لاقتصاديات النفط، لكن الجانب الأهم كان معايشته وإحساسه العميق بحجم التغيرات التي أحدثتها الثورة النفطية في صميم وبنية المجتمعات الخليجية العربية.

في كتابه (بين الثقافة والسياسة)، والذي طرح فيه (منيف) عددًا كبيرًا من الأسئلة بلا جواب، تحدث فيه عن عدة أمور، منها بعض من الأفكار حول الثقافة. يقول منيف عن مكانة الثقافة للمجتمع:

إن ثقافة أي شعب تمثل السمات الأساسية التي تكوّن وجدانه، وتعكس مدى صلابته، وتحدد كيف يفكر وكيف يواجه الأزمات، وأخيرًا كيف يعبر عن موقفه، خاصة وأن الثقافة لا تستطيع الهروب من المشاكل والهموم الحقيقية للناس، ولا التنكر لطموحاتهم وأحلامهم، كما أنها خير معبّر عن الروابط الأساسية وتطلعات المستقبل أكثر مما ترتهن للطارئ والجزئي، كما تفعل السياسة غالبًا.

ويتابع حديثه:

ولأن جوهر الثقافة الوطنية هو الوعي التاريخي للعصر والواقع معًا، وإدراك حقيقة الأخطار والتحديات، فمن خلالها إذن نستطيع قراءة الأفكار وآمال المستقبل، ومن قولها الجهير أو الرامز نلتقط الهموم، كما نحس المخاوف، مخاوف الأيام القادمة، كما نقرأ من خلالها التحديات، وما يدبره لنا العدو لكي يوقع بنا، وهكذا تصبح الثقافة الوطنية مواجهة واسعة وكبيرة بين خيارين وإرادتين، خيار وطني دافعه الحرية والكرامة الوطنية ومقاومة التبعية، وخيار العدو الذي يريد الهيمنة والإلحاق والاستغلال. ومن خلال صراع الإرادتين تتحدد المواقف ويحكم عليها. وبذلك تتجاوز الثقافة مجرد تسجيل المواقف أو البراعات اللغوية والأسلوبية، لأن حقيقتها تتجلى في رفض ما يريد العدو فرضه أو تكريسه، وفي انتهاج فعل مغاير لمسار الإلحاق والتبعية، وتحريض القوى الحية في المجتمع لكي تختار ما يعبر عن مصلحتها وطموحها.

ويقول:

الثقافة هي الرصيد الروحي لحضارة من الحضارات. هي تراثها وطاقتها على التجدد والمتابعة والإبداع، وهي القدرة على التحدي والاستمرار. أي أن الثقافة تصنع عقل الأمة ووجدانها، وبالتالي فهي التي تحمي هذا العقل وتزيده معرفة وإدراكًا، وهي التي تغني الوجدان وتجعله أكثر ثراء وأسرع استجابة لقيم الحق والعدل والجمال.

يستمر (منيف) بعد ذلك، فيشرح “الثقافة الوطنية”، قائلًا:

الثقافة الوطنية هي مجموعة من الأفكار والقيم والصيغ والتعبيرات التي لا تقتصر على الكتابة، أيًا كان نوعها، فقط، وإنما تشمل أيضًا المعايير القيمية والسلوكية التي تُعتمد وتوجّه، مضافًا إليها الطاقات والنشاطات التي يمارسها الناس تعبيرًا عن موقف، أو تحديدًا لعلاقة، خاصة مع الآخر. وهي بمقدار ما تكون فكرًا فإنها ممارسة أيضًا. أي بكلمات أخرى: إن الثقافة الوطنية هي مجموعة من القيم الأساسية، والمتطورة في نفس الوقت، المرتكزة جوهريًا غلى مبادئ الحق والعدالة والحرية والكرامة، إن على المستوى العالمي، أو على مستوى كل بلد، أي الوطني، بما في ذلك مقاومة الظلم أيًا كان مصدره، والدفاع عن الأرض والكرامة الوطنية تجاه أية قوة خارجية غازية، وهي تعبير عن الحق في الوطن والحرية، ومسؤولية في الدفاع عن الوطن والحرية.

هذه القيم، وما يماثلها والتي يفترض أن تشكل جوهر الثقافة الوطنية، تتطلب مقارنة بما كان سائدًا ونقده، لاستخلاص المواقف أكثر صحة وأكثر فعالية، من أجل إقامة معادلة جديدة تأخذ بعين الاعتبار أخطاء الماضي، ولترميم العلاقة بين أطراف يفترض أن تكمّل بعضها، وأن تساهم معًا في دور وطني من أجل بناء ثقافة وطنية جديدة تلائم طبيعة المرحلة وتحدياتها.

غاندي .. الخط الجميل ضرورة ثقافية

موهانداس كرمشاند غاندي (1869-1948) سياسي بارز وزعيم روحي للهند خلال حركة استقلال الهند، المعروف بلقب (المهاتما غاندي)، صاحب مبدأ اللاعنف. في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة)، من ترجمة (منير البعلبكي)، يقول بأنه لا يزال يدفع ثمن إهمال، الاهتمام بجمال الخط.

لست أدري من أين تسرب إلى ذهني أن الخط الجميل ليس جزءًا أساسيًا من الثقافة، ولكني بقيت محتفظًا بهذه الفكرة حتى ذهبت إلى إنكلترة.

وحين رأيت في ما بعد، وخاصة في جنوبي إفريقية، جمال خط المحامين والشبان الذين ولدوا وتلقوا علومهم في جنوبي إفريقية، خجلت من نفسي وندمت على إهمالي. لقد رأيت أن سوء الخط يجب أن يعتبر علامة من علامات الثقافة الناقصة. وحاولت منذ ذلك الحين أن أحسن خطي، ولكن بعد فوات الأوان.

فلم يكن في ميسوري قط أن أصلح الإهمال الذي فرط في عهد الشباب. فليتعظ كل شاب و كل شابة بما أصابني، وليفهم أن الخط الجميل جزء ضروري من الثقافة. وأنا اليوم من الذين يعتقدون بأن الأطفال يجب أن يعلموا فن الرسم قبل أن يتعلموا كيف يكتبون.

دع الطفل يتعلم أحرفه بالملاحظة، كما يتعلم أشياء مختلفة، كالأزهار، والأطيار، إلخ. على أن لا يتعلم الخط  إلا بعد أن يتعلم كيف يرسم الأشياء. إن خطه خليق بأن يصبح، عندئذ، بارعاً جميلاً.

الفرق بين المتعلم والمثقف عند هشام شرابي

C20N1

هشام شرابي 1927-2005، هو مفكر فلسطيني ولد في يافا، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل أستاذاً لتاريخ الفكر الأوروبي والعلوم السياسية في جامعة جورجتاون بواشنطن. ساهم في إنشاء عدة مؤسسات تُعنى بشؤون الوطن العربي والقضية الفلسطينية. له عدة مؤلفات عن النظام الاجتماعي والأسري للمجتمعات العربية، الهدف منها اكتشاف كيف يمكن النهوض بمجتمع فاعل وذلك بنقد تناقضاته. من مؤلفاته : النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، المثقفون العرب والغرب وسيرته الذاتية الجمر والرماد: ذكريات مثقف عربي

في مقدمة كتابه مقدمات لدراسة المجتمع العربي، يكتب شرابي عن تجربته الخاصة في إعادة النظر بأفكاره السابقة واكتشاف مدى عمق الثقافة المسيطرة في تشكيل وعيه وفكره، حتى وإن وصل لأعلى الدرجات العلمية، مدركا أن أولى خطوات التحرير هي التحرير الذاتي والتخلص من عبودية الفكر المسيطر وهي عملية غاية في الصعوبة تتطلب إعادة النظر في جميع ثوابت الموروث وإخضاعها لتمحيص ونقد مستمر وشامل. يظهر هنا دور المثقف في التغيير، لكن هناك لبس مستمد من الجهل العام في اعتبار أن كل متعلم هو بالضرورة مثقف. في كتابه يفرق شرابي بين المتعلم والمثقف موضحاً:

للثقافة والمثقفين مكانة خاصة في المجتمعات الفقيرة النامية، والجهل يرسم صورة مضخمة للعلم والمتعلمين، ويعطي المثقف مركزا متميزا ويتوقع منه المستحيل. وفي تصور هذه المجتمعات يختلط المثقف بالمتعلم، ويصبح كل من حصل على قسط من العلم، في نظرها، مثقفاً. الواقع أن المثقف ليس من أحسَنَ القراءة والكتابة، أو من حصل على شهادة علمية (هناك أُميون بين حملة شهادة الدكتوراه)، بل إن ما يميز المثقف في أي مجتمع صفتان أساسيتان:

الوعي الاجتماعي الذي يُمكّن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري متماسك.

والدور الاجتماعي الذي يمكّن وعيه الاجتماعي من أن يلعبه، بالإضافة إلى القدرات الخاصة التي يضفيها عليه اختصاصه المهني أو كفايته الفكرية.

وعليه، فمجرد العلم حتى لو كان جامعيا لا يضفي على الفرد صفة المثقف بصورة آلية، فالعلم ما هو إلا اكتساب موضوعي ولا يشكل ثقافة في حد ذاته، إنه يصبح ثقافة بالمعنى الشامل إذا توفر لدى المتعلم الوعي الاجتماعي، ذلك العامل الذاتي الذي من خلاله فقط يصبح الفرد مثقفا، حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة، ومن دونه يبقى أُميا، حتى لو كان طبيبا أو أستاذاً جامعياً.

الثقافة: الراقي والشعبي

tumblr_inline_mnj0v7VyVa1qz4rgp

أمبرتو إيكو (Umberto Eco)، فيلسوف ايطالي،روائي وباحث، يُعرف بروايته الشهيرة اسم الوردة، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

تحدث امبرتو ايكو في أحد المقالات التي كانت تصدر له في نيوورك تايمز وتمت ترجمتها من قبل جريدة الاتحاد الإمارتية بعنوان الثقافة: الراقي والشعبي قائلاً:

أثناء مناقشة “أنجيلو أكوارو” و”مارك أوجيه” كتاب فريديريك مارتل الجديد، وعنوانه “الاتجاه السائد”، في إصدارٍ حديثٍ لصحيفة “لاريبابليكا” الإيطالية، تطرّقا إلى مسألةٍ غالباً ما يتم تناولها، لكن دائماً من زوايا مختلفة، وبوجهٍ خاص في ما يتعلق بمستويي الثقافة، الراقية والمتدنية. ولا شك في أنّ شخصاً شاباً يستمع اليوم لموسيقى موزار وللموسيقى الفولكلورية من دون تمييز، يعتقد أن لا علاقة لهذه المسألة بالموضوع. لكن من الضروري الإشارة إلى أنّ المسألة كانت بالغة الأهمية منذ نصف قرنٍ. ففي عام 1960، كتب الناقد الثقافي الأميركي، دوايت ماكدونالد، مقالاً مميزاً بعنوان “ماسكلت أند مدكلت”، (أي الثقافة الشعبية والثقافة المتوسطة)، ولم يظهر من خلاله مستويين من الثقافة وحسب بل ثلاثة مستويات.

أكّد ماكدونالد أنّ جويس وبيكاسو وسترافنسكي يمثلون الثقافة الراقية، في حين تمثّل أفلام هوليوود وموسيقى الروك وغلافات مجلة “ساترداي إيفنينغ بوست” (ومعظمها للرسام الأميركي نورمن روكول) “الثقافة الشعبية”. غير أن ماكدونالد قام أيضاً بتعريف مستوى ثالثٍ من الثقافة، وهو “الثقافة المتوسطة”، التي شبّهها بمنتجات الترفيه التي استعانت ببعض أنماط الطليعيين، في حين بقيت في أساسها رديئة. ومن بين الأمثلة القديمة على الثقافة المتوسطة، ذكر ماكدونالد أعمال الرسام الفكتوري الهولندي الأصل السير لورنس ألما تاديما، والشاعر الفرنسي العظيم إدمون روستان الذي أحدث تغييراً بارزاً في نصف القرن الماضي. أما بالنسبة للفنانين المصنفين ضمن الثقافة المتوسطة، وهم من جيل ماكدونالد، فقد أشار هذا الأخير إلى إرنست همنغواي في حياته مؤخراً، والكاتب الأميركي ثورنتون ويلدلر، الذي فازت مسرحيته في عام 1938 بعنوان “أور تاون” بجائزة بوليتزر. ومن المرجح أن يكون ماكدونالد قد أضاف الكاتب المسرحي وليام سمرست موم، والهنغاري ساندور بيتوفي والروائي البلجيكي الأصل والرفيع الشأن والكثير الإنتاج جورج كرستشن سايمنن. كما اعتبر ماكدونالد روايات سايمنن البوليسية التي تتميز بالمحقق البوليسي جول ميغريه، من ضمن الثقافة الشعبية، وأعمال سايمنن الأخرى التي تخلو من المحقق ميغريه من ضمن الثقافة المتوسطة.

لا يعود الفرق بين الثقافة الشعبية والثقافة الراقية إلى زمنٍ بعيدٍ كما يتخيّله الكثير من الأشخاص. فقد ذكر أوجيه في صحيفة “لا ريبابليكا” مأتم الكاتب الفرنسي فكتور هوغو، والذي حضره مئات الآلاف من الناس (هل كانت أعمال هوغو من الثقافة المتوسطة أم الراقية؟)، في حين كان تجار السمك في بيريوس حتى، يستمتعون بمآسي سوفوكليس. وما إن تم نشر رواية “ذو بتروثد” في أوائل القرن التاسع عشر للكاتب ألساندرو مانزوني، حتى صدرت عدة نسخ تدلّ على شعبية هذه الرواية. ولا ننسى القصة الشهيرة للحداد المنشد الذي اختلط بسطور قصائد دانتي، الأمر الذي أغاظ الشاعر من جهة لكنّه أظهر أيضاً من جهةٍ أخرى أنّه حتى الأمّيين يدركون أعماله.

وهذا الأمر صحيح، ففي روما القديمة كان الناس يتخلون عن مسرحيات تيرينس للذهاب إلى السيرك ومشاهدة الدببة. لكن حتى في أوقاتنا هذه، يتخلّى المفكرون العظماء عن حفلةٍ موسيقيةٍ ما لمشاهدة مباراة كرة قدم مهمة. وفي الواقع، لا يتضح الفرق بين مستويي الثقافة (أو المستويات الثلاث) عادةً إلا عندما يثير الطليعيون القدامى البرجوازية عن قصد من خلال تمجيد غموض الأداء أو رفضه كقيم فنية.

هل يحدث هذا الفرق بين الثقافة الراقية والمتدنية في أوقاتنا هذه؟ لا. فمؤلفو الموسيقى الكلاسيكية في القرن العشرين، مثل لوتشيانو بيريو وهنري بوسور، يولون موسيقى الروك أهمية كبيرة في حين يضطلع العديد من موسيقيي الروك بالموسيقى الكلاسيكية إلى حدٍّ كبير. فانتشار “البوب آرت” في منتصف القرن وضع حداً لتسلسل الثقافة التقليدية: ويُعزى اليوم عدم القراءة إلى الغموض الكبير لبعض الكتب الكوميدية (وما يعرف اليوم بـ”الروايات القصصية”)، في الوقت الذي يعتبر فيه العديد من مسارات صوت الأفلام الغربية والإيطالية كموسيقى الحفلات. واليوم، كل ما عليك القيام به هو مشاهدة مزادٍ علني على التلفزيون لرؤية أشخاص يقومون بشراء “غير راقٍ” (وبرأيي، كل من يشتري لوحةً على التلفزيون لا يصنّف عضواً في نخبة المثقفين) للوحاتٍ زيتيةٍ مجرّدة من الفن العريق، كان ليرفضها أهلهم وليعتبرونها كصورٍ رُسمت بذيل حمار. وكما بيّنها أوجيه: “ثمة دائماً تبادل سرّي بين الثقافة الراقية والثقافة الشعبية، وغالباً ما تغني الثقافة الشعبية الثقافة الراقية” (وأود أن أضيف قائلاً، “والعكس صحيح”).

والجدير بالذكر أن التمييز الحديث بين مستويات الثقافة انتقل من التركيز على محتوى عمل معيّن أو شكله إلى طريقة الاستمتاع به. وبعبارةٍ أخرى، لم يعد من وجود لأي فرق بين بيتهوفن و”جنغل بلز”. فاليوم يستمتع السامعون بموسيقى بيتهوفن، والتي يتم تصوّرها كخلفيات موسيقية وسلسة نغمات رنين، من دون إدراكهم بذلك (كما أوضحها الناقد الثقافي ووتر بنجامن)، وبالتالي، باتت شبيهة بنغمات الإعلانات. لكن النغمة المعدة لإعلان سائل تنظيف قد تصبح موضوع تحليل مهماً وتكتسب تقديراً نظراً للإيقاع أو اللحن أو التناغم.

وبالإضافة إلى العمل الفني، فقد تغيّرت أيضاً مقاربتنا للأمر. فالأشخاص الذين لا يبالون بالموسيقى، قد يستمعون إلى ووغنر كمسارٍ موسيقي لعرضٍ واقعي، في حين قد يجلس رفيعو الذوق ويستمتعون بمشاهدة فيلم “تريستان وإيزولد” حتى النسخ القديمة منه كتسجيلات الفينيل.

عن مأزق الكلمات، عند بول أوستر

بول أوستر

بول أوستر، هو كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد عام 1947، في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، بالإضافة إلى ترجماته للشعر و الكتب من اللغة الفرنسية. في (ثلاثية نيويورك)، والمكونة من ثلاث قصص، وهي أحد أشهر أعماله أيضًا، تحدث على لسان أحد الشخصيات مختصرًا الكثير عن مأزق الكلمات في العالم المعاصر فقال:

إن كلماتنا لم تعد تطابق العالم.

يشرح فكرته أكثر بعد ذلك، فيقول:

فعندما كانت الأشياء كلًا  واحدًا، كنا نشعر بالثقة في أن كلماتنا ستعبّر عنها، ولكن شيئًا فشيئا تحطمت هذه الأشياء، تمزقت، انهارت، تحولت إلى فوضى، ومع ذلك ظلت كلماتنا على حالها، ولم تؤقلم ذاتها مع الواقع الجديد. ومن هنا فإننا في كل مرة نحاول الحديث فيها عمّا نراه نتحدث بشكل زائف، ونشوّه الشيء الذي نحاول أن نطرحه، وقد حوّل ذلك كل شيء إلى ركام مضطرب. ولكن الكلمات كما تفهمها أنت نفسك قادرة على التغيير.

يضرب مثالًا بعد ذلك ليشرح فكرته، فيقول:

تأمل كلمة تشير إلى شيء، “المظلة” على سبيل المثال، وعندما أظقول كلمة “مظلة” فإنك ترى الشيء في ذهنك، ترى نوعًا من العصيّ، وقوائم معدنية من النوع الذي يُطوى في أعلاها تشكّل هيكلًا يحمل قماشًا لا ينفذ منه الماء ولا يلتصق به، وعندما يفتح فإنه يحميك من المطر. وهذه الجزئية الأخيرة مهمّة، فالشمسية ليست مجرد شيء، وإنما هي شيء يؤدي وظيفة، وبتعبير آخر يعبّر عن إرادة الإنسان. وعندما تتمهل لتتأمل الأمر فإنك تجد أن كل شيء مماثل للمظلة، من حيث أنه يؤدي وظيفة، فالقلم للكتابة، والحذاء للانتعال، والسيارة للانتقال. والآن، السؤال الذي أطرحه هو ما يلي: ماذا يحدث عندما يكف شيء عن أداء وظيفته؟ أهو ما يزال الشيء أم أنه غدا شيئًا آخرًا؟ عندما تنزع القماش عن المظلة هل ما تزال المظلة مظلة؟ إنك تفتح القوائم المعدنية، وترفعها فوق رأسك، وتمضي في المطر، وتبتل حتى النخاع. هل من الممكن الاستمرار في تسمية هذا الشيء بالمظلة؟ إن الناس يقومون بهذا بصفة عامة. وعلى الحد الأقصى سيقولون إن المظلة قد كُسرت. وبالنسبة إليّ فإن هذا خطأ خطير، ومصدر كل المشكلات، فالشمسية لأنها لم تعد تستطيع أداء وظيفتها كفّت عن أن تكون مظلة، ربما كانت كذلك في وقت من الأوقات، ولكنها الآن تغيّرت إلى شيء آخر. غير أن الكلمة بقيت على حالها، ومن ثم فإنها لم تعد تستطيع التعبير عن الشيء، إنها غير دقيقة، إنها زائفة، وهي تخفي الشيء الذي يفترض أن تكشف عنه. وإذا لم يكن بمقدورنا تسمية أشياء عادية تنتمي إلى الحياة اليومية، أشياءً نمسكها بأيدينا، فكيف يمكن أن نتوقع الحديث عن أشياء تهمنا بصورة حقيقية؟ وما لم يكن بمقدورنا البدء في تجسيد مفهوم التغيير في الكلمات التي نستخدمها فإننا سنواصل الضياع.

جدل الثقافة و الحضارة عند برهان غليون

Syrian National Council 's President Bur

برهان غليون مفكر سوري فرنسي، يشغل منصب مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس. لديه العديد من المؤلفات الهامة في مسألة النهضة والتحول الديموقراطي في البلدان العربية. في كتابه (اغتيال العقل) ناقش جدل الثقافة و الحضارة.

فقال في توطيده لفهم مسار الثقافة:

في عصرنا الرّاهن، أكثر من أية حقبة أخرى، لم تعد الثقافات القوميّة المختلفة تعيش في زجاجة مغلقة، و إذا كانت هذه الثقافات مازالت قائمة و مستقلّة نسبياً فهي لا تتمتّع بالدرجة نفسها من الانسجام و التكامل و الحيويّة و القوّة الذاتيّة. و ليس لها حظوظ متساوية فيما بينها من التطوّر و النموّ و الازدهار و التجدد. و كما أن الأنماط الثقافيّة المختلفة تتنازع فيما بينهما داخل كل ثقافة موقع الهيمنة و تؤكد تقدم فريق اجتماعي على الآخر أو تراجعه في النظام الاجتماعي، فإن الثقافات القوميّة تتصارع أيضاً فيما بينها للوصول إلى موقع الثقافة العالمية، أي الثقافة التي تصبح مصدر القيم الإنسانية الأساسية و مرجعها و كفيلها، و هذا الموقع هو الذي يعطي لقيمها مصداقيّة راسخة، و يؤكد بالتالي مصداقيّة و تفوّق الشعوب التي تتماهى معها. وهو الذي يجعلها منبع القيم و المعارف و العلوم التي تنهل منها الثقافات الأخرى الخاضعة و تقيس نفسها عليها.

أمّا عن طموح الثقافات في هذا فيُعقب بقوله:

كل الثقافات تطمح في الواقع إلى أن تكون عالميّة، إذ حتى تستطيع أن تعمل كمنبع لقيم إنسانية عامّة، لا بدّ لها أن تنكر طابعها القومي أو المحلّي و الشروط الاجتماعية و التاريخية التي ظهرت فيها. فالثقافات الحيّة هي التي تنظر إلى الإنسان كإنسان، وتخاطبه كمثال و نموذج للإنسانيّة جمعاء، قبل أن تنظر إليه كواقع قومي و محلّي ضيّق.
ومن خصائص لثقافات المتراجعة أنها تبرّر قيمها الخاصة من وجهة نظر قومية و تربطها بخصائصها الحلّية و لاتؤكدها كمنبع لقيم إنسانية عامّة و كونيّة.

و هذه الثقافة الحية أو العالميّة هي الثقافة الحاملة للحضارة و المدنيّة. ونظرتها الإنسانية الشاملة هي التي تسمح لها بالادّعاء و التّحقق كمنبع لقيم تتجاوز التأكيد على الهويّة في وجه الجماعات الأخرى، لتكون مصدر تكوين كل اجتماع بشري. فالحرية الفردية ليست اليوم، ولا تُرى كقيمة أساسية لبناء المجتمع الغربي، بل هي قيمة أساسية في قيام كل مجتمع مدنيّ في العصر الحديث.

و التناقض القائم في كل ثقافة بين واقعها كثمرة و نتيجة لسيرورة اجتماعيّة – تاريخية خاصة، و بين نزوعها لأن تكون ثقافة عالمية صالحة لكل زمان و مكان، هو مصدر الصراع و التفاعل و التبادل أيضاً بين الثقافات.
و الثقافة التي تؤمن بمحلّيتها تنغلق على نفسها، و هذا التبادل لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توفّر لدى الجماعة الثقافية الاعتقاد بأن منظومة قيمها هي الأصلح إنسانياً، و أن على انتشارها يتوقف مصير تقدم البشرية وتطورها.

يُلخص ذلك بقوله:

نستطيع أن نقول بشكل عام إن الثقافات التي لاتتمتع بنظرة إنسانية عالمية، ولا تتصارع مع غيرها، لا تتبادل شيئاً و لا تطمح إلى معرفة الثقافات المحيطة بها.
إنها تعيش خارج التاريخ العام، وتحكم على نفسها بالتقهقر و الموت البطيء.
إن الثقافات الكبرى التي مازالت قائمة حتى اليوم هي تلك التي خرجت من صراعات عنيفة إقليمية و عالمية، و مازالت مستمرّة فيها إلى اليوم.

إن أحد مصادر الفهم الخاطئ للثقافة هو الخلط الدارج بينها و بين الحضارة. و لهذا الخلط عدّة أشكال تبدأ بخلط المعنيين بحيث تصبح الثقافة رديفاً للحضارة، و عندئذٍ تُستخدم للتمييز بين الشعوب البدائيّة التي تفتقر إلى الثقافة بمعنى الكلمة و تلتصق بالطبيعة أو الفطرة و الغريزة. و الشعوب التاريخية التي تشكل الثقافة بعداً أساسياً من حياتها السياسية و المادية و الروحيّة.

و الشكل الثاني لهذا الخلط هو اعتبار الحضارة الترجمة الماديّة للقيم الأساسية الكامنة في كل ثقافة، واستخدامها في هذه الحالة كمؤشّر على صلاحية هذه الثقافة أو أهليّتها.
و في هذه الحالة الأخيرة لاتكون الحضارة إلا امتداداً للثقافة وتجسيداً تاريخياً لها. و الشعوب التي لم تسطع أن تماشي الحضارة الحديثة يجب أن تعترف بعدم صلاحيّة ثقافتها، و ليس لها إذا أرادت أن تستوعب الحضارة التقنية أو العلمية الراهنة الصّادرة عن ثقافة توصف عادةً بأنها عقليّة أو علميّة، إلا أن تترك ثقافتها و تتبنّى قيم و أنماط الثقافة الجديدة.

و الثقافة العالميّة ليس الشرط الوحيد لنشوء الحضارة. فتقدم الثقافات كثيراً مايرتبط هو نفسه بمحصّلة الصراعات التاريخية الاقتصادية و العسكرية. و لكن الحضارة لا يمكن أن تخصب بدون هذه الثقافة العالمية، وقد يكون تقدّم هذه الثقافة و توسّعها ثمرة لهزيمة عسكرية أكثر مما هو ثمناً للنصر. فالثقافة الغربية انتشرت في بلدان العالم الثالث بعد الاستقلال أكثر بكثير مما انتشرت قبله.

يصِل بنا من ذلك إلى قوله:
الحضارة، بعكس الثقافة، ظاهرة عالمية بالضرورة، شرطها الأساسي تجاوز الثقافات و امتزاجها و انفتاحها بعضها على البعض الآخر، وغالباً مايحصل هذا الانفتاح بالقوة و العنف. و هي بعكس الثقافة أيضاً لا تقوم على توازنات روحيّة و عقلية ثابتة، إنما تنطلق بحصول ديناميّة تراكميّة و منتجة تنقل هذه التوازنات القلقة التي تعيش عليها الثقافات إلى توازنات و مؤسسات مادية و موضوعية و إلى نظم متميزة لتحرر الفرد من قبود التماهي الآلي مع الجماعة و تحرر الجماعة من التماهي مع الطبيعة و الخضوع لها. فإذا كانت الثقافة هي الفهم، فالحضارة هي العلم بما هو تنظيم للمعارف أي وضعها و صياغتها في نظام لا يخضع لحدس الفرد العالم ولا لنفاذ بصيرته، و إنما لأسس تسمح لكل متعلم أن يدركه ويستفيد منه.
وفي العلم تجاوز عظيم للمعرفة من الخاص إلى العام، و من الذاتي إلى الموضوعي، و للجماعة القوميّة الضيقة إلى الإنسانية الواسعة وهذا مايسهّل انتثال المعارف عبر الثقافات و انتشار الخبرة و تعميمها على نطاق المعمورة.

إن تاريخ الحضارة مرتبط بتاريخ تطوّر التنظيم الإنساني، تنظيم المعرفة أو تنظيم النشاطات الأخرى، و إن هذا التنظيم بقدر ما يتحول إلى منظومة مستقلّة عن كل الثقافات و متميّزة عنها، أي إلى منظومة علمية و قائمة بذاتها و موضوعية يصبح في متناول كل مجتمع بشري. ولا تقوم الثقافات المختلفة التي تحتضن الحضارة بين فترة و أخرى، إلا بتطوير هذه المنظومة ووضع مساهمتها و تجربتها فيها قبل أن تنتقل إلى منطقة أخرى.

إن العلاقة بين الحضارة العالميّة و الثقافات، تختلف حسب قدرة كل ثقافة على إدماجها في بنية مفاهيمها و قيمها الخاصّة، وحسب البيئة التي تعيش فيها هذه الثقافة. وعن هذا الاختلاف تثدر المدنيات و تتميز داخل نطاق كل حضارة، أي تتحدد درجة تمدّن كل مجتمع و أسلوبه. فقد فجرت الحضارة الصناعية مثلاً البنية العائلية في أوروبا وحلت كل التجمعات الاقطاعية التقليدية، بينما ساهمت في اليابات في تدعيم القيم الجماعية، و أصبح المصنع ذاته إطاراً جديداً لترسيخ علاقات التبعية الشخصية.
ولم يؤثر ذلك سلباً على نموّ النظام الصناعي، بل فتح له آفاق تطور أكبر كما هو معروف، وذلك على عكس ماتردده بعض النظريات الاجتماعية.

و بالمثل، ذكر علماء الاجتماع في بداية هذا القرن و أهمهم (ماكس فيبر)، أن الصناعة لا يمكن أن تتطور إلا في إطار منظومة قيم تركز على الفردية وتشجّع عليها.
بيد أن التطور الصناعي في بلدان الكتلة الشرقية لم يظهر فقط أن من الممكن قيام عملية تصنيعية ناجحة على أساس تعميق القيم الجماعية، بل إن ترسيخ هذه القيم يمكن أن يشكل قاعدة لنمو صناعي أسرع، ويساهم في تجاوز العديد من التناقضات الاجتماعية التي تفرزها العملية التصنيعية، خاصة في مراحلها الأولى.

و بيّنت تجربة البلدان النامية اليوم أن من الممكن نقل وسائل الحضارة و منتجاتها و نظمها الصناعية و العلمية دون الحصول على أي تطور حقيقي و ذاتي، أي دون أن تؤدي إلى نشوء المدنية، بل مع تعميق الاتجاهات نحو التحلّل و الانحلال الاجتماعي و الثقافي.
وهذا يعني أن دراسة الصيرورة الحضارية هنا أو هناك تقتضي دراسة شروط التفاعل بين الحضارة و الثقافة، وهي شروط خاصة بكل جماعة تبعاً لتاريخها و بيئتها السياسية و الاجتماعية و الطبيعية.

و يمكن لهذه الدراسة وحدها أن تُبين لنا مشكلات النهضة و التخلف، أي الصراعات و المشكلات و التناقضات التي يتوجب على المجتمع أن يجد لها حلاً كي يحقق توازنه الذاتي و يستكمل تطوره.
فلا تستطيع جماعة أن تتطّور، أي أن تحظى بدينامية تراكمية إلا إذا نجحت في التوفيق بين السيرورة الحضارية العالمية و سيرورتها الثقافية الخاصّة.

و حول الصراع بين الثقافات يقول:

كل ثقافة ليست مؤهلة ذاتياً وموضوعياً كي تكون ثقافة الحضارة، أي الثقافة التي تستقطب الإبداعات و المكتشفات العقلية و التقنية للبشرية و توطّنها. و الثقافات التي نجحت في حقبة أو كان بإمكانها أن تنجح في الماضي لا تنجح بالضرورة في الحاضر أو المستقبل. ولا تعتمد الفتوح الثقافية على وسائل واحدة أيضاً.

و يتطرّق أخيراً إلى عامل أساسي في تقرير مستقبل الأمم و الشعوب و الجماعات و مصيرها ألا وهو: التنافس الثقافي. ويقول فيه:

و لاتتخلى جماعة عن ثقافتها أو تمايزها الثقافي مهما كانت درجة هذه الثقافة من الضعف, إلا إذا قررت الانتحار الذاتي و الاندماج في غيرها من الجماعات.

 

 

 

اقرأ أيضًا عن الفرق الدقيق بين الثقافة والحضارة كما يراه بيغوفيتش.