أرشيف الوسم: الجريمة والعقاب

أقسام الرجال عند ديستوفسكي

b00ss2yw

الروائي الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي (1821–1881)، يتحدث في روايته ” الجريمة والعقاب ” عن أقسام الرجال في هذا العالم وعلى لسان بطل الرواية ” روديا “، فيقول:

أنا أنما أؤمن بفكرتي الرئيسية، وهي أن الرجال ينقسمون، بحكم قوانين الطبيعة، إلى فئتين، بوجه عام: فئة دنيا هي فئة العاديين الذين لا وجود لهم إلا من حيث إنهم مواد إن صح التعبير، وليس لهم من وظيفة إلا أن يتناسلوا، وفئة عليا هي فئة الخارقين الذين أوتوا موهبة أن يقولوا في بئيتهم قولاً جديداً. ولا شك أن هناك تقسيمات فرعية لا حصر لعددها، ولكن السمات المميزة التي تفصل هاتين الفئتين قاطعة.

فأما الفئة الأولى، وهي فئة المواد، فإن أفرادها، على وجه العموم، أناس ” خُلقوا محافظين “، أناس معتدلون يعيشون في الطاعة ويحلو لهم أن يعيشوا في الطاعة. وعندي أن عليهم أن يطيعوا، لأن الطاعة هي ما كُتب لهم، وليس في طاعتهم ما يسيء إليهم أو يذل كرامتهم.

وأما الفئة الثانية فهي تتألف من رجال يتميزون بأنهم جميعًا يكسرون القانون، بأنهم جميعًا مُدمّرون، أو بأنهم جميعًا ميالون إلى أن يصبحوا كذلك بحكم ملكاتهم. وجرائم هؤلاء الرجال تتفاوت خطورتها وتتنوع أشكالها طبعًا. وأكثرهم يريدون، بأساليب متنوعة جدًا، تدمير الحاضر في سبيل شيء أفضل. فإذا وجب على أحدهم، من أجل تحقيق فكرته، أن يخطو فوق جثة، أو فوق بركة دم، فإنه يستطيع (في رأيي) أن يعزم أمره على أن يخطو فوق الجثة وفوق بركة الدم مرتاح الضمير، وكل شيء رهن بمضمون فكرته، وبما لها من أهمية طبعًا. لاحظوا ذلك.

بهذا المعنى وحده أنما تحدثت في مقالتي عن حق ارتكاب الجريمة. على أنه لا داعي إلى القلق كثيرًا. فإن الجمهور لا يكاد يعترف لهؤلاء الرجال أبدًا بهذا الحق. بالعكس: إن الجمهور يضطهدهم ويشنقهم (كثيرًا أو قليلًا)، وهو في هذا يمارس حقّه، ويقوم بوظيفته كجمهور محافظ، رغم أن الأجيال اللاحقة من هذا الجمهور نفسه ستخلد ذكر أولئك المضطهدين المعذَّبين فتقدسهم  (كثيرًا أو قليلًا).

فالفئة الأولى من الرجال هي سيدة الحاضر، والفئة الثانية هي سيدة المستقبل. الأولون يحفظون العالم ويزيدونه كمًا، والآخرون يحركونه ويقودونه إلى غاية. ولهؤلاء وأولئك حق واحد في الحياة. أي أن لهم كلهم حقوقًا متساوية.

 

 

حقيقة الفرق بين الإنسان والببغاء لدى دوستويفسكي

(فيدور مخائيلوفيتش دوستويفسكي) [١٨٢١-١٨٨١] هو كاتب وروائي روسي، ويُعد من أفضل كتّاب الأدب الروسي ومن أفضل الروائيين العالميين. قدم للعالم أجمل الروايات، كـ (الجريمة والعقاب) بجزئيها واقتبسنا هنا بعضًا منها، و(الأبله) و(الأخوة كارامازوف).

اشتهرت رواياته بغوصها في أعماق النفس البشرية وخفاياها وتُعد أعماله مصدرًا للإلهام في الأدب المعاصر. وفيما يخص التجربة والخطأ يتحدث على لسان “رازموخين” أحد شخصيات رواية: (الجريمة والعقاب) “بجزئها الأول” فيقول:

إن الخطأ هو الميزة الوحيدة التي يمتاز بها الكائن الإنساني على سائر الكائنات الحية.
من يخطئ يصل إلى الحقيقة. أنا إنسان لأنني أخطئ.
ما وصل امرؤ إلى حقيقة واحدة إلا بعد أن أخطأ أربع عشرة مرة وربما مائة وأربع عشرة مرة! وهذا في ذاته ليس فيه ما يعيب.
لك أن تقول آراء جنونية، ولكن لتكن هذه الآراء آراءك أنت، لأن يخطئ المرء بطريقته الشخصية، فذلك يكاد يكون خيرًا من ترديد حقيقة لقّنه إياها غيره.
أنت في الحالة الأولى إنسان، أما في الحالة الثانية فأنت ببغاء لا أكثر.

ويكمل متعجبًا:

الحقيقة لا تطير، أما الحياة فيمكن خنقها.
إلى أين وصلنا من هذا الآن؟
نحن جميعًا، بغير استثناء، سواء في ميدان العلم، أو الثقافة، أو الفكر، أو العبقرية الخالقة، أو المثل الأعلى، أو الرغبات، أو الليبرالية، أو العقل، أو التجربة، نحن في كل شيء، في كل شيء، في كل شيء، نعم في كل شيء، ما زلنا في الصفوف الإعدادية لدخول مدرسة الثانوية!
نحب أن نكرر ونمضغ آراء الآخرين، وتعودنا على ذلك! أليس هذا صحيحًا؟
أليس الأمر كما أقول؟
أليست هذه هي الحقيقة؟

فيدور دوستويفسكي – الجريمة والعقاب


المصدر: