أرشيف الوسم: الجمال

ماذا يعني أن تعيش بخفّة؟ رؤية فلسفيّة.

(الرغبة والمتعة: رؤية فلسفية) هو عنوان العمل الفلسفي الجديد الذي صدر لـ(عبد الصمد الكباص) عن (دار إفريقيا الشرق)، في إطار سلسلة فيلوسوفيا. ويمثل هذا العمل استمرارا للبرنامج الفلسفي الذي أعلن عنه المؤلف في كتاب (الجسد والكونية: مبادئ ثورة قادمة) الذي صدر سنة 2013، حيث حافظ فيه على ذات الإشكالية المتعلقة بسؤال الجسد.*

بقول (الكباص) في العيش بخفّة:

تهم الجمالية بالحياة،لأنها اشتغال على إمكانيات الجسد في خلق المتعة. لا يمكن تصوّر جمالية مفصولة عن الحياة،أي عن المجهود الذي يبذله الجسد لانتزاع إحساس ممتع. مثلما لا يُمكن تصوّر جماليّة مفصولة عن الحواسّ،أي التذوق المنتشي لهذه الحواس لما تحوله من العالم كموضوع لها.

يُمكننا من الآن أن نطلق لفظ “الجماليّة” على المجهود الذي نبذله من أجله انتزاع المتعة من خلال إمكانيات الجسد.

فالتذوق الحسّي الذي يتم عبر الجسد هو الذي يتم عبر الجسد هو الذي يمنح الشعر جمالية. أي ذلك التذوق المنتشي الذي يحدث من خلال العين و الأذن و اللسان و الأنف و البشرة. و نفس الشيء بالنسبة للوحة تشكيليّة أو أغنية أو مقطع موسيقي أو طبق لذيذ أو عطر نافذ.

ففيها يتحقق الجوهري في الجماليّة و المتمثّل في شحن الحواسّ بالخفّة التي تجعل العالم مطلوباً و مرغوباً و ليس فقط ضرورياً.

ليس الجماليّة فكرة، و إنما تجربة.و خارج التجربة التي تختبر في أداء الحواس و رغبات الجسد تغدو الجمالية شكلاً فارغاً قد يتحوّل إلى مفهوم ثقيل يصلح لإنهاك القرّاء أو أولئك الذين فقدوا أثر الحياة في الكتب،لكنه لا يحفّزهم على الحياة.

ويتابع قائلًا:

كلّما تحفّزت الحواس أكثر و تقوّت الرغبة و اشتدّ الشّغف بالحياة نكون بصدد تجربة فعليّة للجماليّة.

و هي التجربة التي تقنعنا أن الحياة وعد بالمتعة، لذلك يشتد شغفنا بها و انشدادنا إليها و طلنا للمزيد منها. و عندما تفتقر الحواسّ للتحفيز هو الذي يجعلنا نحتكم لحواس حية التي تجعل بدورها العالم أمامنا كياناً حياً.

ماذا تعني العيش بخفّة؟ 

تعني الخفّة هنا العيش من خلال متعة الحواس و حماس الرّغبة، وتتحقق الجمالية عبر هذه الخفّة. و إذا انتفت الثانية انتفت معها الأولى. و لا مجال للفصل بين الاثنين. فبعد أن حرّرنا الطب من ثقل السر أضحى بإمكان الجسد أن يخلق الأهم، و هو أن يجعل باب المتعة مشرعاً في الحياة، و أن يتيح وجوداً خفيفاً ملتزماً مع نفسه و مع متعته الخاصّة.

يعني: العيش بجماليـّة.

العيش بخفّة في الأفق – الذي حدّدناه سابقاً – عيشٌ لا بلزم نفسه بمعنى سابق و لا بقيمة عدا تلك التي تثبت الحياة و تزيد من قوّتها. و لأنه عيش يحقّق قيمته الأساسيّة من خلال المتعة، و لأن الظّفر بالمتعة يستدعي مجهوداً، فذلك يستلزم أسلوباً في صياغة اللحظة و تطويعها من أجل أن تغدو ممتعة و مشبعة للحواسّ و منصفة للرغبة.

العيش بخفّة هو عيش في الحاضر، إمكانه الوحيد في الزمن هو اللحظة التي تجتازني، إن الخفّة تدرك في الآن و الهنا و لاتتعلّق بأمل، إنها ترتبط بمجهود يعمل بإصرار لجعل المتعة شيئاً راهناً يختبر في إحساس مباشر للجسد و حواسّه.

و يعقّب:

إن الكلمات التي لا تمنح للحياة قدرات مضاعفة تكف عن أن تكون ذات وجود شعريّ. فالشعر الحقيقي هو ذاك الذي يتيح للحياة بأن تكون في حد ذاتها عملاً فنياً، يقوّي الحواس و يضيف إليها قدرات جديدة في تذوّق العالم.

لا ينتبه الكثيرون إلى أن الحياة التي بين أيديهم، والتي يعملون على صنعها هي إنجاز فنّي يستند إلى اجتهاد وابتكار. فعلاقة الفرد بحياته الخاصّة التي يكون هو نفسه تحققها الوحيد، هي علاقة انشغال فنّي تقوم على ممارسة اختبارات معينة و كل لحظة فيها هي حصيلة عمل و بناء.

فلسفة الجمال برأي فيليب هيبل

 
صدر مؤخراً عن مجموعة النيل العربية الطبعة العربية لكتاب “مدخل إلى علم الفلسفة الحديثة” لـ(فيليب هيبل) و من ترجمة (رانيا خليف).
 و مما أفرد فيه فصلاَ ماتعاً عَنْونه بالمتعة: فن الجمال 
و طرح من خلاله تساؤلات حول ماهيّة الجمال و بادئ ذي بدء تطرّق إلى علم الجمال الفلسفي و وضّح بقصده بأنه علم الجمال و الفن و لكنه فضّل فصْل الجمال و الشهوة و المتعة من ناحية و الفن و الإبداع من ناحية أخرى و هذا الخليط تناوله (سقراط) في شخصية (إيروس): إله الحب و الرغبة، و حول تأثير (إيروس) في حياة الناس، أو بتعبير أدق: حياة الرجل، وفقاً لما رآه (سقراط) فإن بداخل كل رجل (إيروس)، آو شغف بالجمال: و يبدأ هذا الشغف بحب الأطفال الجميلين ثم يتحول إلى حس جمالي تجاه الأشياء و الأفعال، و عدد قليل من الناس يتطوّر إلى شغف بالمعرفة أو بالفلسفة، وبالتالي فإن التأمل باعتباره علامة من علامات النضج الفكري شيء زيتميز به الجميع و لكنه يقتصر على أولئك الذواقة أصحاب الذوق الرفيع.
يرى هيبل بالفصْل بين الجمال و الفن ويؤكد ذلك بقوله:
فهناك فنون غيرجميلة، و هناك جمال ليس فناً، مثل جمال الطبيعة.
و هذا يطرح تساؤلات حول علم الجمال الفلسفي منها:
ماهو الجمال؟ و ماهو الفن؟ 
ظلّ هناك ارتباط وثيق بين الاثنين لفترة طويلة، فقد ظل الفنانون يصنعون أعمالاً تخاطب الحواس بصورة إيجابية حتى عصرنا الحديث: مثل تماثيل الرخام الرشيقة، و السيمفونيات التي تدغدغ الآذان و القصور الفخمة و حركات الرقص السلسة، أما اليوم فالجمال منفصل عن الفن، فالتصوير الفوتوغرافي للموضة و التصميم و موسيقى البوب مازالوا يخاطبون حاسة الجمال لدينا بصورة مباشرة، لكن الكثير من أعمال الفن لم تعد كذلك.
سؤال آخر وهو: هل هناك شيء جميل على المستوى العالمي، بمعنى: هل هناك شيء مّا يراه الناس جميلاً؟
قد تبدو أسئلة سقراط صالحة بالنسبة لرجال أثينا الأحرار القدماء، لكن السؤال هنا: هل يمكن تطبيقها على الرجال و النساء في كل العصور و كل الثقافات؟ يقول فيليب:
و المثير من الدهشة أن سقراط لم يتطرق في حواراته إلى السؤال عمّا يجعل الإنسان جميلاً
هل يُمكننا الثقة في الأحكام التي نطلقها؟ 
تشير التجارب إلى أن ألفة الشعار و الاسم و العلامة التجارية قد تتفوق على تجربة المذاق الأصلي، فكلما كنا نرى الشعار كثيراً بدا لنا طعم ذلك المشروب الأسود أفضل، أو ربما نتخيل ذلك، إذن لن يستطيع مشروب أفري كولا أن يُجاري بيبسي أو كوكا.
هناك خبر مفرح لصناع الإعلانات، و هو أن الحملة الدعائية الجيدة تستطيع التأثير على الأحكام المعروفة حول إحدى التجارب الأساسية، ألا وهي تجربة التذوق، وهذا يعني من منظور علم الجمال أننا كثيراً مّانخدع أنفسنا و بالتالي لا يمكننا أن نثق في أحكام الذوق التي نصدرها، إننا نادراً مانقول عن الكولا أن مذاقها جيد، لكن من حيث المبدأ يبدو أن تفضيلنا للمشروبات المنعشة لايختلف عن تفضيلنا للروائح و الألوان و الأصوات.
يُطلق على هذا التناقض بين الشعور و الأحكام مصطلح: التنافر الإدراكي، فقد نخطئ في تقييم تجاربنا الجميلة و الممتعة لكثير من الأسباب: 
لأننا نخدع أنفسنا، أو لأن ثمة إجابة معينة هي المتوقعة، أو لأننا تعودنا على التحدث بهذه الطريقة، وكي يصبح المرء أكثر وعياً فيجب عليه أن يثق في تجربته الشخصيّة.
نحن نقيّم تجاربنا بكل حكم نصدره، شئنا ذلك أم أبينا، وفي بعض الأحيان يستخدم الناس نفس معيار التقييم: فمن منا لم يجد خطاب أوباما في برلين قوياً و رائعاً؟ لكن المعيار غالباً ما يكون فردياً للغاية، فنحن نعبر في كل حالة عن علاقة بين الإنسان و الجماد، على سبيل المثال: سلمى ترى الورود جميلة – وليست قبيحة أو عادية.
أما في المتعة الخالصة: 
فيعتبر (كانط) من رواد نظرية الجمال السببية الحديثة، التي تقول: أن الشيء الجميل هو الذي يسبب المتعة، وحتى يومنا هذا و أفكار (كانط) الأساسية تهيمن على علم الجمال، لكن (كانط) في نقده لقوة الحكم لم يتحدث عن “المتعة” و لكنه تحدث عن  “الإعجاب غير المغرض“، “غير مغرض” لأن الشيء يكون جميلاً عندما يعجبنا بصرف النظر عن مصالحنا و ميولنا، إليك المثال التالي:
الآباء يجدون رسومات أبنائهم جميلة، وهذا أمر طبيعي، لكن عندما يعتقدون أن لوحة مّا جميلة و هم لايعرفون صاحبها فذلك هو الإعجاب غير المغرض.
حتى اليوم يتساءل الفلاسفة: مالذي يميز متعة الجمال عن المتعة العادية، لكن هل هذا الاختلاف موجود فعلا؟
إن رؤية الشيء جميلاً تعتمد على أمرين: آولاً: خصائص الشيء: ففي بلاد العجائب كانت أليس تعتبر ملكة القلوب بنوافيرها و أحواض زهورها جميلة، و لم يحدث ذلك مع الجدائق القاحلة المقفرة، ثانياً: صفات الإنسان: فلو أن أليس كانت مكتئبة أو محبطة لماوجدت جديقة الزهور جميلة، والكثير من الفلاسفة ينظرون فقط إلى الأشياء الجميلة و ينسون الرائي.
كل تجربة تسجل لدى الرائي قيمة معينة على مقياس المتعة، سوادً إيجابية أو سلبية، و في بعض الأحيان من الصعب تحديد التجربة، لكن معظم الحالات تكون واضحة، وعندما يخلق فينا شيء ما السرور و المتعة فإننا ننقل الجمال من التجربة إلى المصدر، فنحن نصف بعض الأشياء مثل سوناتات البيانو أو المناظر الطبيعية بأنها جميلة، لأنها تحدث دائماً نفس المعايشة، ويمكن أن تصف أكثر من شخص بأنه جميل، ويخمن أن ذلك الثبات يجعلنا نعتاد التركيز على الحواس البعيدة و هي النظر و السمع، ونتجاهل الحواس القريبة مثل اللمس أو اشم أو التذوق لأن مصادر التحفيز هنا تتلاشى بصورة أسرع.
يعقب ذلك بقوله: 
تعتمد المتعة على العوامل الذاتية: على شكل اليوم وخصائصنا الفردية و ألفتنا للأشياء و توقعاتنا.
يقول (هيبل):
يعتقد بعض الفلاسفة أن المتعة لابد أن تظهر مع التجربة في نفس الوقت، ولكن هذا ليس صحيجاً، فقد يظل الإنسان مأخوذاً لساعات بعد خروجه من حفلة موسيقية حتى و إن كانت الموسيقى قد تلاشت من وعيه منذ فترة طويلة، فليس من الضروري أن تتطابق مرحلة السمع مع مرحلة المتعة.
كان (إدموند بيرك) المعاصر لـ(كانط) أقل حساسية، ووفقاً لرأيه تكون الأشياد جميلة لأنها مشرقة أو صغيرة أو شفافة أو ملساء، و من الأمثلة التي ساقها على ذلك: الأحجار الكريمة و الحمام و النسء صاحبات الشعر الأملس و الجلد الخالي من العيوب، و من الواضح أن هذه القائمة تكشف عن اهتمامات بيرك الشخصية و الأفضليات التي كانت سائدة في عصره.
و ينتقد رأي (بيرك) بقوله:
الخطأ الذي ارتكبه (بيرك) و غيره أنهم اعتبروا الجمال شيئاً مجسماً، ولذلك لم تعد النظريات الحديثة تركز على الأشياد المفردة، و لكنها تتحدث عن الانسجام و التعقيد و التماثل ، عن العلاقات أو البساطة، أي أنها تتناول بنية الأشياء الجميلة، فقد تتغير الموضة أو أنواع الموسيقى لكن مبادئ التصميم الأساسية تظل كما هي، فليس هناك من يُعجب بالتنافر، هذا مايقوله أنصار النظريات، كما أن كل شخص يرغب في أن تبدو ملابسه مقنعة.
لكن حتى النظريات المجردة بها ثغرات، ذلك لأن مبادئها غالباً ماتكون عامة للغاية، فأحياناً تكون البساطة جميلة، و أحياناً أخرى يكون التعقيد جميلاً، و أحياناً يكون الشيء الجديد جميلاً، فكل شيء سوادً كان بسيطاً أو معقداً، معروفاً أو جديداً يمكن أن يكون جميلاً، فنحن نعرف ذلك بطريقة أو بأخرى، ولهذا لم تعد هذه النظرية مجدية، لو لم ننظر إلى الأشياء ونظرنا إلى المتفرج لوجدنا أن البساطة أو التماثل أو الألفة تكشف لنا عن أفضليات هذا المتفرج.
ماهو الحال مع الألفة؟ 
بعض الباحثين اعتبروا الألفة نوعاِ من أنواع الجمال من الدرجة الثانية، لكن هذا الزعم قثير النظر، فغالباً ماتكون الأشياء الجديدة و غير المعروفة أكثر جمالاً من الأشياء المألوفة، والأرجح أن الألفة تعمل كمحفز للذوق، لكن هذا لا يحدث إلا مع الأشياد التي اعتبرناها قبل ذلك جميلة أو على الأقل محايدة، فألفة الأشياء القبيحة و الجيران السيئين لاتجعلهم يبدون أكثر جمالاً.
الآلفة والبساطة و التماثل: ربما يكون ذلك الارتباط الجمالي بسيطاً للغاية، فمثلما يدفعنا الخوف أو الألم إلى تجنب مصادر الخطر فإن المتعة تجعلنا دائماً نبحث عن الأشياء الجميلة و الممتعة.
 ماهي المقوّمات التي يجب أن يمتلكها الفنان كي يصبح مبدعاً؟ 
 يقول الفيلسوف (يوهان جوتفريد هيردر): “ إن الفن يأتي من المقدرة و المعرفة “، لكن لا يبدو واضحاً إذا ماكان (هيردر) يقصد بذلك أم يقصد الشيء و قد عبر الممثل الكوميدي (كارل فالانتين) عن تلك العلاقة بصورة أوضح من (هيردر) و ذلك عندما قال: “ الفن يأتي من المقدرة لكن إذا جاء من الرغبة فهو إذن رغبة فنية “ و اليوم أصبح التمييز بين الفنان الحقيقي و الفنان غير الحقيقي أمراً صعباً، فقد كانت المهارات اليدوية قديماً هي العنصر الحاسم، أما اليوم فالعنصر الحاسم هو موهبتك في الدخول لسوق الفن، و قد يقول واحد من غير المثقفين على المستوى الفني: ( حتى طفلي الصغير يستطيع أن يفعل ذلك )، لكن الشخص المتذاكي سيقول: “ عليك أن تبدأ أولاً “، والاثنان غير محقين، فلأنه لاتوجد معايير موضوعية لجودة الفن الحديث فإن الفنان ليس مضطراً لأن يكون أصلياً للغاية، فالفن اليوم يعتمد على فهم سيكولوجية سوق الفن: لعبة السلطة التي يمارسها أصحاب المعارض الفنية و منظمو المعارض، والسؤال من يحتفي بمن؟ و من الذي يوصي؟ و بمن يوصي؟ و ماهي العداوات المشتعلة داخل مجلس منظمي المعارض؟ و من الذي يكتب النقد المهم؟
يُجيب قائلاً:
سوف تعثر دائماً على سبب واحد على الأقل يجعل العمل جيداً على المستوى الفني: مثلاً أن يكون استفزازياً لأنه خام، أو عميقاً لأنه رقيق، أو مميزاً لأنه يملأ المساحة أو مميزاً لأنه يترك مساحات خالية، فلاتوجد معايير، و بالتالي فإن الخطاب الفني يبدو غريباً للغاية.
أما عن الفن المعاصر فيقول :
الكثير من الفنانين المعاصرين يزعمون أنهم لايريدون صناعة فن جميل، و لكنهم يفضلون التشكيك في عادات الرؤية أو هدم شيء معين مثل الهياكل القديمة، و قدكان لـ(كافكا) نفس الرأي فيما يخص الأدب: “يجب أن يصبح الكتاب هو الفأس الذي يحفر البحر المتجمد بداخلنا“.
و سواءً كان هذا الفأس هو العتلة أو الزخرفة فإن كل تلك التعبيرات المجازية تتناول تأثير الأعمال علينا سواءً كان تأثيراً مباشراً أو غير مباشر، و لهذا يمكن تصنيف الفنون وفقاً لتأثيراتها، فهناك الموسيقى و على النهاية الأخرى يوجد الأدب الذي يخاطب أولاً أفكارنا و مخيلتنا و بعدها يثير فينا المشاعر، أما الفنون الجميلة فهي تخدم كل مايقع بين النهايتين المتطرفتين للموسيقى و الأدب: فبعض الأعمال تطير العقول و تصيبنا بالاضطراب و تفاجئنا بغتة و بطريقة مباشرة دون أن نعرف لماذا،
أما بعضها الآخر فنلجأ إلى تفسيره و تصنيفه، فلانفهم السخرية و الرموز إلا بعد تفكير متأنِ، و بعض الأعمال تفتقر إلى متعة الجمال و بعض الأعمال الأخرى تكون متعة الجمال مجرد تأثير واحد، من بين تأثيرات أخرى عديدة، فهل يمكن تفسير التأثيرات الأخرى؟ 
لفترة طويلة ظل النقاد ينظرون إلى الفنون الجميلة من منظور علم الأدب، فكان تفسير الرموز و الاستعارات يحتل الصدارة، حيث كان الناقد يتساءل: كيف يمكن تصنيف ذلك العمل الفني في التاريخ؟ و كان الأمر هنا يتعلق بالتناصّ، و يقصد بالتناص: إحالة العمل إلى أعمال أخرى، و كان النقد يتناول التلميحات و الاقتباسات الواردة في العمل، وعلاقة العمل بالموضوعات الثقافية الكبرى مثل الجنس و الموت و السلطة و الواقع، و لم تكن مشاعر الفنان وحسّيته تلعب دوراً مهماً، أو لأنها تعتبر ذاتية و بالتالي لا يمكن بحثها بحثاً علمياً، وثانياً لأنه في لحظة التأمل البارد و لحظة التفسير تكون المشاعر الدافئة قد تلاشت.
لقد تبنى الفيلسوف الأمريكي (جيرولد ليفينسون) هذا المنظور الفكري و هويرى أننا لا نجد متعة في الفن إلا عندما نفهمه و نمعن التفكير فيه، أما زميله (كيندال والتون) فكان يرى أننا نبحث في الفن عن الأشياء القيمة، تلك الأشياء التي تثير فينا الإعجاب، لكن الاثنين يبدوان و كأنهما أعضاء في مجلس طلابي يقولان لأحد الطلاب في أثناء إحدى الرحلات إلى المتحف إن الفن يجب أن يبعث على التفكير، والحقيقة أن الفن قد يبعث على التفكير في بعض الأحيان، لكنه غالباً ما يسبب المتعة و قد لاتكون له أي تأثيرات مقصودة.
في مواجهة ذلك المنظور التقليدي تبنى الباحثون في العصر الحديث المنظور العاطفي، فهم يسألون عما يمكن أن يثيره الفن بداخلنا: حيث يسألون عن المشاعر و التأثيرات المختبرة، وغالباً مايفعلون ذلك اعتماداً على نتائج بحوث العواطف و الوعي، كيف تولد فينا الصور و التماثيل الاشمئزاز أو الإعجاب، المتعة أو الحيرة، الرغبة أو الدهشة؟ ولماذا تبعث بعض الأعمال الفنية على الراحة بينما تبدو الأخرى مستفزة؟
يعتقد الفيلسوف الأمريكي (جيسي برينز) أن تقديرنا الجمالي ينبع من شعور أساسي لدينا، ولايمكن أن يكون هذا الشعور هو الإعجاب، لأسباب كثيرة منها: أننا على الأرجح نعجب بالأشخاص و ليس بالأعمال الفنية، و لايمكن أن يكون هذا الشعور هو متعة الجمال، لأن الكثير من الأعمال الفنية لاتكون جميلة على الإطلاق، وليمكن أيضًا آن يكون الاهتمام ، لآنه وفقاً لمايراه برينز فإن تقديرنا فإن تقديرنا للأعمال الفنية يرجع إلى ذلك المزيج، أو هذا الشعور الإيجابي المجهول الذي يثير الاهتمام و العشق.
يعلق على المنظورين بقوله: 
لكن كلا المنهجين – الفكري و التقليدي – يغفلان شيئًا مّا، فالمنهج الأول يصور تأثير الفنون الجميلة بأنه تأثير فكري بحت، حيث يستثني العديد من المشاعر، أما الاتجاه المضاد فيملأ هذه الفجوة، لكنه يفشل في التعرف على العمل الفكري عند النظر إلى أي عمل فني، على الرغم من أن الشيء الذي يميز الإنسان هو قدرته على التفكير و المراجعة.
إن الفن يخاطب كل مافينا، أفكارنا و مشاعرنا، وفي كثير من الأحيان يفاجئنا لكننا في بعض الأحيان قد نعجب بعمل دون أن نصاب بالدهشة، إن الإلمام الجمالي المزدوج بالتفكير و الشعور يلعب دوراً مهمهاً في فهم أحد الفروع البحثية الحديثة و هو علم الجمال العصبي.
منذ بعض الوقت و العلم يكشف الكثير من الأشياء عن حياتنا الفنية، و في هذا يطرح هيبل سؤالاً بقوله:
مالذي كشفته أبحاث الدماغ عن الفن؟
و في ذلك كتب عالم الأعصاب الهندي (فيلاينور راماشاندران) في طيّ أطروحته مقالاً يعتبر أحد أهم المراجع الرئيسية في علم الجمال العصبي وهي: “علم الفن” تناول فيها القوانين العالمية الفعلية للفن و يخلص بنا هيبيل بأن راماشاندار قصد بالفن الفنون الجميلة و لم يتناول الفنون الأخرى مثل الأدب و الموسيقى و الرقص و تركيب العطور، حيث أنه توجه لبحث الأعمال التصويرية التي يقصد بها تلك الأعمال التي يستطيع المرء أن يميز فيها الأشخاص و الأشياء مثل شخصيات المعابد الهندية و لوحات المناظر الطبيعية و الرسوم الكاريكاتيرية و صور العراة، وهذا يشرح إحدى مشكلات فن الجمال العصبي: لقد اقتصر على جزء صغير من جزء صغير من الفن، لكن كعادته يمارس التعميم.
كان (راماشاندران) متأكداً ٩٠٪ من الفنون الجميلة تتوقف على الأحداث الثقافية العشوائية، وقال أنه يهتم فقط بالـ ١٠٪ الباقية التي يستند إليها كل عمل فني، وكانت قوانين (راماشاندران) العشرة العالمية هي:
المبالغة ( إننا نخب الأشياء التي تتناسب معاً ) – المجموعة ( إننا نحب الأشياء التي تتناسب معاً ) – التباين ” نحن نحب الأشياء التي تتميز عن الخلفية” – العزل ” نحن نحب ما يلفت انتباهنا” تأثير الفطنة المفاجئة ( نحن نحب اكتشاف الأشياء) – التماثل ( نحن نحب محاور المرآة ) – المنظور ( نحن نحب وجهة النظر الطبيعية) – التكرار ( نحن نحب الكثير من نفس الشيء ) – التوازن ( نحن نحب التوازن ) – المجاز ( نحن نحب نقل جانب إلى جانب آخر )
يسأل (رامشاندران) عن الميزة التي ساهمت بها قدرتنا على إنتاج الفن في التطور، وينتقد بعض الاقتراحات، فيقول: “إن الفن لايخدم التنسيق بين العين و اليدين، كما أنه لايوضح الثراء، حتى و إن كان الثراء هو هدف الكثير من الفنانين الآن، إن الفن بديل هن قصور مخيلتنا، فمن خلال الصور الحقيقية كان أجدادنا يستحضرون شيئاً مّآ أصبح باهتاً في خيالنا“.
يعقب بذلك:
” ربما كان الإمر هكذا في يوم من الأيام لكن مبادئ راماشاندران للفن عامة جداً حتى أنها تشمل العملية الإبداعية بأسرها، فكل عمل إنساني يفعل أحد الأشياء التالية: فهو إما يعزل أو يبالغ أو يكرر أو يتباين آو يصنع مجازاً أو يلفت الانتباه، فدائماً ما يصدق أحد القوانين على أي عمل إنساني، ويبدو و كأن رامشاندران يستطيع أن يفسر شيئاً واحداً ” 
يختم الفصل الذي خصصه لفن الجمال بقوله:
إن الفن يخاطب حواسنا و مشاعرنا، سواءً كان أدباً أو موسيقى أو رسماً، ولكنه أيضًا يخاطب معارفنا الثقافية و أفكارنا، إن الفن يتحدى كل قدراتنا الفكرية، وهو مايجعله مميزاً، ولا بد أن هناك اتفسيراً عصبياً لكل تحد من هذه التحديات: تفسير لمتعة الجمال و الدهشة أو الحيرة، والأفكار هي أصعب ما يمكن اكتشافه و بحثه، لأنها متقلبة جداً و تثير أفكاراً أخرى كثيرة، و قد نعجب بمفاجآت الطبيعة و الفن القادمة، كم هو جميل.

علاقة الجمال بالثقافة عند د.ملاك نصر

ملاك نصر

د. ملاك نصر. محاضر في الدراسات الدينية والثقافة -جامعة فيجن إنترناشيونال، كاليفورنيا. باحث إعلامي وثقافي.كاتب صحافي

قال في مقدمة كتابه (الجمال في زمن القبح):

عالمنا يعيش ” أزمة جمال ” رغم الهوس المحموم بالجمال.
و زمننا – كزمن للتغيير نحو الأفضل – يسعى إلى جمال الناس و المجتمع و السياسة و الأخلاق، بعد كل القبح الذي أصاب مساحات كثيرة من حياتنا و ربما نفوسنا.

في الفصل الأول المُعنون بـ “الجمال و ثقافتنا: أحمر الشّفاه يُغطي الإحساس بالنقص“، تطرّق إلى العلاقة بين الجمال و ثقافتنا الشائعة و تأثير ذلك على نفوسنا و فكرتنا عن أنفسنا بل وعلاقتنا الاجتماعية و تحدث عن قصّة الجمال مع الثقافة من الفيلسوف (أفلاطون) إلى نجم السينما (ليوناردو دي كابريو) و كيف وصل الحال بوسائل الإعلام أن تجعلنا نكره أنفسنا و أجسامنا فصرنا نعاني من الخوف من القبح في زمن يدّعي الجمال!

إن للجمال و ثفافة الجماهير، حيث الشاشات الملوّنة و الصفحات المصقولة و المواقع الإلكترونية، علاقة غريبة مثيرة للتفكير. فقد أصبح الجمال – كقيمة من القيم العليا للحياة – مشوّهاً بسبب ثقافة الجماهير خاصّة في جانبها الإعلامي! و صارت هناك نقطة معتمة في أنصع القيم و أكثرها إشراقاً: الجمال. كما تحوّل الجمال في كثير من أشكال ثقافة الجماهير إلى سلعة تُنتج و يتم تصنيعها بأدوات و إبداعات تلك الثقافة.

يسرد لنا أهم ملامح قصة علاقة الجمال بالثقافة في ثمانية نقاط وهي:

أولاً: الجمال من (أفلاطون) إلى (ليوناردو دي كابريو):

بدأت قصة الجمال مع الثقافة الإنسانية من خلال الثقافة اليونانية و معها بدأت قصة “علم الجمال” عند كبار الفلاسفة اليونان، و لعل أكثرهم في تناول الجمال كقضية مهمة تمسّ الحياة كان (أفلاطون) في محاورته “فايدروس أو عن الجمال“. و هناك قول لهذا الفيلسوف عن الجمال و الرجل يقول فيه:
الأمنيات الثلاث لكل رجل: أن يكون بصحّة جيدة، غنياً بوسائل مشروعة، و جميلاً “.
كما اهتمت حضارات أخرى قديمة بفكرة الجمال، خاصة الرجل، فقد اهتم الفنانون في الحضارة المصرية و الإغريقية و الرومانية. بمعايير الجمال لدى الرجل و التي استمرت فيما بعد في أعمال فنيّة كثيرة بالحضارة الغربية الحديثة. ووُضعت تلك المعايير لجمال الرجل على أساس الطول الفارع ( أكثر من 6 أقدام ), والذراعين الكبيرين، والعضلات المفتولة البارزة في الكتفين، و الأرجل الطويلة و الرأس المليء بالشعر الكثيف و الجبهة العريضة كعلامة على الذكاء، و العيون الواسعة التي تقف على بوابتها رموض كثيفة مع الفم الصغير كبوابة لفك قوى الأسنان. وصارت تلك المعايير هي المقياس الأوحد لجمال الرجل، وتلقفتها الحضارة الغربية أوقات كثيرة على أنها مقاييس الرجول المثالية. و الغريب أن تلك المقاييس لجمال الرجولة ظلت باقية لعصور طويلة بل تختفي و تعود مرةً أخرى …
كما نستطيع أن نلمس تلك المقاييس للرجولة المثالية كما تقدمها لنا ثقافة الجماهير من خلال “هوليوود” في عصرها الذهبي في الثلاثينات و الأربعينات و الخمسينات من القرن الماضي، حيث قدمت لنا “أيقونات” رجالية أو أبطالاً سينمائيين أمثال (جاري كوبر) و (تايرون باور) و (كاري جرانت)، و غيرهم من الذين كانوا يتمتعون – بل جعلوهم يتمتعون- بالمقاييس الكلاسيكية للجمال أو الرجولة.
و اليوم، لم يعد كثير من نجوم هوليوود يتمتعون بتلك المقاييس الكلاسيكية، و لكن ثمة مقاييس أخرى الآن موجودة على وجوه و أجساد نجوم أمثال (براد بيت) و (مات دامون) و (ليوناردو دي كابريو) و غيرهم.

ثانيًا: متجر كبير .. للجمال و النجوم:

صرنا في زمننا هذا “نخضع لإغراء متواصل و لنماذج جمال مصطنعة“، على حد تعبير واحد من أهم المفكرين المعاصرين المهتمين بالجمال و هو عالم السيميولجيا و الروائي الإيطالي (إمبرتو إيكو) و قد أطلق هذا الحكم بمناسبة صدور كتابه “تاريخ الجمال” في حوار له مع مجلة ” كي لير – Quee Leer ” الفرنسية حول الجمال كقيمة، و كيف تحولت و تبدلت تلك القيمة في تعريفاتها مراراً و تكراراً بفعل الثقافة و الإعلام. و حول تجديد معيار الجمال اليوم, يرى أن عصرنا يتميز بتعدد نماذج الجمال. فمن ناحية نجوم الجمال اليوم. يرى أن عصرنا يتميز بتعدد نماذج الجمال .. فمن ناحية نجوم الفن و الإعلام في أقصى تطرف للجسد الإنساني مثل (أرنولد شوارزنيجر)، ومقابله الجسد النحيل لنجم هوليوود الكلاسيكي (فريد استير)، فهما نموجان للجمال مختلفان جداً، و كلاهما مقبول. إذن – في رأي (إمبرتو إيكو) لم يبق هناك نموذج ثابت دائم للجمال فنحن نجد أنفسنا أمام “متجر كبير للجمال” حيث يشتري كل شخص مايشاء. و لم يبق هناك نموذج كلاسيكي أو نخبوي للجمال. ما يجعل هذا الشرك خطيراً – في نظر (إمبرتو إيكو) – لأنه سيجعل هناك دائماً الأحدث في الجمال، أي الجديد الأكثر جدّة، فما كان رائجاً بالأمس لن يكون هكذا بالغد.. لذلك، فنحن نعيش تحت الابتزاز أكثر بكثير من إنسان عصر النهضة، فإنسان عصر النهضة لم يكن يرى من الجنس الآخر سوى الوجه و الباقي كان محجوباً.
اليوم نحن خاضعون لابتزاز النماذج المعروضة علينا، بيد أنها سطحيّة جداً، فحتى أجمل عارضة أزياء هي في الحياة و في الواقع أقل جمالاً من الصورة. نحن خاضعون لإغراء متواصل، إنما لنماذج جمال مصطنعة.

ثالثًا: إعلام التجميل .. في مجتمع الشيخوخة المبكرة:

في عصرنا هذا، حيث زمن القبح بأنواعه الكثيرة أصبح كل شيء “يشيخ” بسرعة شديدة خاصة في مجتماعتنا العربية. الجمال أيضاً صار يشيخ أمام هول البشاعة المنتشرة الآن على الشاشات التي نقل أحداثاُ واقعية لم يكن أخصب خيال ليصل إليها يوماً مّا. و من خلال ضغط هذه الشيخوخة المبكّرة على الوجوه و النفوس و العقول يأتي هوس التجديد و التجميل – تجميل الوجوه و الأجساد على الشاشات الفضية و الملوّنة و الافتراضيّة، من خلال برامج لاحصر لها تتسابق على تغيير ملامح المشاهدين نساءً و رجالاً أيضاً.

لقد بدأت ظاهرة إعلام التجميل منذ صدور الإعلام المطبوع في وطننا العربي عندما صدرت المجلات و تحديداً النسائية بالقاهرة و بيروت و عواصم أخرى. حيث كانت تخصص تلك المجلات زوايا أو أبواباً متخصصة في التجميل تقدم فيها نصائح عملية لكيفيّة التزيّن عند النساء.
ثم تطورت الأمور و صارت هناك مساحات أوسع للتجميل و الأزياء و خطوط الموضة للنساء. ثم تطورت الصحافة التجميليّة لتصدر مجلات متخصصة فقط في فنون الماكياج و الأزياء و الموضة، و صارت تُطبع بالآلاف لتوزع في شتى البقاع العربية بما فيها المناطق الريفيّة التي لا تعرف فيها المرأة التجمّل إلا بالوسائل التقليديّة الشعبيّة و ليس بمستحضرات التجميل الصناعيّة.
و مع بداية الإعلام المرئي صارت هناك برامج عامّة للمرأة فيها فقرات خاصة بالتجميل، ثم تطوّر الأمر إلى تخصيص برامج نسائية كاملة قائمة على عالم التجميل و الماكياج و خطوط المرأة. و بظهور الفضائيات العربية الخاصة بدأت الثورة الحقيقية الخاصة بما يكن أن نسميه “إعلام التجميل المرئي” التي قادت هذه الثورة التجميلية ليس فقط على الشاشات و بشكل نظري مرئي، بل بشكل عملي داخل العقول و البيوت و على الوجوه.
لقد جاءت الفضائيات العربية باعتبارها واحدة من أهم القوى الضاربة المؤثرة لثقافة الجماهير لتنشر “ثقافة الجمال” و هي ثقافة مطلوبة و مرغوبة لأسباب اجتماعية كثيرة.
كما أن المرأة الشرقيّة أو العربية تحديداً تهمل كثيراً ( أو كانت تهمل ) في مظهرها و جمالها لحساب مسئوليتها الكبرى تجاه أولادها و زوجها. لذلك جاءت برامج التجميل بانتشارها الكبير لكي تلفت انتباه المرأة إلى فكرتين على قدر كبير من الأهمية بالنسبة للمرأة و هما: الجمال و الشباب. فالقبح و الشيخوخة هما عدوا المرأة الأساسين. لذلك تفاعلت المرأة العربية بشكل غريزي قوي مع برامج التجميل، خاصة في ظل ظهور موجة جديدة من النجمات/ الموديلات اللاتي يشكّلن الجمال الأسطوري الكامل الذي لا يعرف الخطأ أو القبح أو التشويه، وهذا ماضاعف من الضغوط الاجتماعية الاقتصادية تحديداً على كل من المرأة و الرجل على حد سواء.
و يختم هذه النقطة بقوله:

” … أصبح في مجتمعاتنا العربية ما يُمكن أن نسميه “هوس التجميل” المرتبط دائماً بما تبثّه الفضائيات، مع أن مجتمعاتنا هذه تعاني قبحاً شديداً في كثير من الجوانب و التي تحاول الثورات إزالته بشتى الطرق.
و نتيجة للعجلة الدائرة ليل نهار لماكينات تصنيع الجمال الحسّي في مصانع ثقافة الجماهير، يخرج الجمال من ضمن منتجات عصرنا، في شكل “منتج” مصنّع إعلامياً و فنّياً و اقتصادياً. ونتيجة لتصنيع هذا الجمال تصنيعاً مفتعلاً غير حقيقي، صارت ثمّة ظواهر جمالية مرتبطة بالناس في عرصنا، و هي ظواهر تشكل بدورها ثقافتنا عن الجمال و عن أجسادنا بل و عن نفوسنا و شخصياتنا – وهذا هو الأهم و الأخطر – باعتبار أن “صورة الجسد” من أهم مقوّمات صورة الشخصية لدينا حسب أدبيات علم النفس.

و يورد إثر ماسبق سؤالاً بقوله:
رابعًا: كيف يجعلنا الإعلام نكره أجسامنا؟

يجيب على ذلك بقوله: ليس من الغريب أن تؤتى ثقافة الصورة و صورة الجمال تحديداً من كل حدب و صوب في عقليات و طرق تفكير الكثيرين في عالمنا، إلى الدرجة التي تؤدي أحياناً إلى كراهية الإنسان لجسده، أو لجزء معيّن من جسده يتمنى لو أنه يختفي من العالم و الوجود. و لعل هذا النوع من كراهية الجسد مايتحدثون عنه الآن في الدوائر النفسية من عرض نفسي يسمى Body Dysmoraphic Disorder و يشيرون إليه بـ (BDD) و هو يعني عرض أو اضطراب الجسم المشوّه. هذا العرض أو الاضطراب بؤدي إلى نوع من الاكتئاب، لأنه يشغل الإنسان بجسده و يرفضه لإحساسه أن بهذا الجسد عيب مكروه من الآخرين. و تقول التقديرات النفسية إن الشخص المصاب بهذا الاضطراب يفكر في تشوّه جسده أو جزء منه من ثلاث إلى ثمانية مرات في اليوم الواحد – على حد تعبير الباحثة النفسية و الأخصائية في السلوك الإنساني (كاثرين فيليبس) التي ترى أيضاً أن ذلك العرض لايؤدي فقط إلى الاكتئاب بل مشاعر القلق و الإحباط و الخزي. و المثير في الأمر:

إن العلاج لهذا الاضطراب كما تؤكد (كاثرين فيليبس) لا يأتي من عمليات التجميل الجراحية أو علاجات البشرة أو خلافه، لأن ذلك الاضطراب يأتي من أعماق الإنسان حيث الإحساس القوي بتشوّه جسده.

خامسًا: التمييز الجمالي: في زمن حقوق الإنسان:

هناك تعريف لما يُسمى “الناس الجميلة” في ثقافة الجماهير الآن، و هو يستخدم لتعريف هؤلاء الأشخاص القريبين في مقاييس جمالهم من الاتجاهات الجديدة في الموضة و الفن و الإعلانات و الميديا بكل أشكالها.
وفي الغالب تكون نماذج تلك الاتجاهات من هؤلاء الأشخاص أصحاب القدر الكبير من الثراء أو النجومية أو التأثير في المجتمع مثل الفنانين و رجال الأعمال و لاعبي كرة القدم أو الرياضة عموماً إلى جانب الموسيقى و نجوم المجتمع.
و “الناس الجميلة” عادةً هم هؤلاء الذين يستمتعون “بصورة” قائمة على المركز الاجتماعي و الذي بدوره يمنحهم النجاح و السلطة و الجمال.
و لكن هذا القصور في تعريف الجمال و بالتالي الجاذبية الاجتماعية ثم القبول الاجتماعي للناس الجميلة، بناءً على المركز الاجتماعي أو المالي أو الفني أو الرياضي، أدى إلى نتائج وخيمة اجتماعية و أخلاقية بل وروحية أيضاً.
ففي الثقافة الغربية نشأ تعبير (Lookism)
الذي يمكن ترجمته بتعبير: “المظهرية” و الذي صار الآن معبّراً عن أدبيات العلوم الإنسانية و الاجتماعية عن “التمييز الاجتماعي و الاقتصادي بل و الجنسي أيضاً بين البشر في المجتمع الواحد، لأنه تمييز قائم على “مظهر” الإنسن و مدى تطابق هذا المظهر مع المقاييس العامة للجمال و المنتشرة في المجتمع بسبب ثقافة الجماهير بكل إبداعاتها“. و بالتالي, ارتبط الآن تعبير “المظهريّة” أو (lookism) بمفاهيم الجمال وعلاقته بالثقافة و “التنميط” بناءً على الدور الاجتماعي للرجل أو للمرأة و التوقعات من ذلك الدور و هي الأدوار التي تتأثر بشدة بمستوى الجمال، للأسف الشديد. و كأن ثمة تمييزاً الآن، بين البشر، ليس على أساس عنصري فقط، بل على أساس جمالي أيضاً.

سادسًا: الهوس بالجمال .. في زمن عقلاني:

عصرنا هو عصر “الهوس بالجمال” مع أنه يدّعي العقلانية.
أصيب عصرنا – المصاب أصلاً بالقبح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الروحي و الديني- بالهوس بالجمال، ذلك الهوس الذي تحاربه الآن الحركات النسويّة بكل قوّتها, و دخل فيما يسمي “حروب الثقافة
Culture Wars. حيث تنشر الثقافة بكل ما أوتيت من قوّة تكنولوجية اتصالية الاهتمام بالجمال الحسّي الجسدي إلى حد الهوَس.
و كأن عصرنا مدفوع بقوة القبح الجبارة التي تملأ ملامج وجهه إلى السعي المحموم إلى الجمال الشكلي الحسي، تعويضاً عن إحساس لا يهدأ بالقبح الاجتماعي و السياسي و الأخلاقي و الاقتصادي، مادفع بالأجيال الجديدة إلى التمرّد على هذا القبح بالثورات. فالثورات تمرّد صد القبح بكل أنواعه.

سابعًا: (إيزيس)، (فينوس)، (أفروديت) .. أساطير على قيد الحياة:

عصرنا هو عصر الأساطير الجديدة المعاصرة، منها الكثير الذي يخص الجمال، مع أنه عصر يدّعي أنه متديّن. و كأن الإنسان مقدّر عليه صنع أساطيره بنفسه لنفسه، خاصّة فيما يخص الجمال. ففي كل ثقافة على مدار الإنسانية كانت ثمة أسطورة للجمال خاصة بتلك الثقافة، وكانت معظم تلك الأساطير شخصيات أنثوية بالطبع أو آلهة مؤنثة، مثل أساطير إلهات الحضارات الأربع الكبيرة: (أفروديت) في أساطير الحضارة الإغريقية، (فينوس) في أساطير الحضارة الرومانية، (إيزيس) في أساطير الحضارة المصرية، و (رادا) في أساطير الحضارة الهنديّة.
تلك الأساطير أو الشخصيات الجمالية غير الحقيقية، كانت تمثل النموذج الأكمل للجمال في نظر شعوبها آنذاك. و أهم من ذلك كانت تلك الآلهة – إلهات الجمال بكل ما تملأ الأساطير من حكاياتها – شعلة لاتنطفئ تلهب الخيال حول الجمال و بالتالي إشباع الحاجة الشيدة إلى الجمال داخل الإنسان، كما أنها كانت تخاطب الإحساس الغريزي بالجمال.
أما عصرنا الحالي، فهو لم يتهلى عن حاجته لأساطير جديدة مستحدثة حول الجمال و في الجمال و للجمال. و بالرغم من كل نزعته إلى التديّن العائدة بقوة جارفة، إلا أن الحاجة العميقة مازالت موجودة في داخلنا إلى الجمال السّامي، الكامل، النموذج (فالحاجة إلى الجمال صارت ضمن الهرم الشهير للحاجات الإنسانية الأساسية الذي صمّمه عالم النفس الشهير (أبراهام ماسلو)

أخيرًا: الخوف من القبح .. في زمن الجمال:

أظهرت مجلة ” الإيكونومست-Economist ”
في التقرير الخاص حول الجمال و صناعاته أن ذلك التصاعد الهائل في صناعات التجميل و الجمال يعود إلى اللعب على “وتر الخوف” من القبح داخل الناس، في مقابل الإحساس بالسعادة المرجوّة عندما يحصلون على الجمال أو المظهر الجذّاب إلى جانب الاعتماد (في وسائل الإعلام و الدعايات) على النظريات الجديدة لعلم النفس لإقناع النساء بأن إحساساً بالنقص من الممكن أن يزول من خلال أحمر شفاه! مما يجعل من العمليّة كلها مجرّد انتهاك للحقائق بلا رحمة.

عن علم الجمال، عند شوبنهور

Schopenhauer

آرثر شوبنهور (1788 – 1860) فيلسوف ألماني، معروف بفلسفته التشاؤمية يرى في الحياة شر مطلق فهو يبجل العدم، وقد كتب كتاب (العالم إرادة وتمثل) الذي سطر فيه فلسفته فلذلك تراه يربط بين العلاقة بين الإرادة والعقل فيرى أن العقل أداة بيد الإرادة وتابع لها. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بسرد فصل يشرح فيه أفكار (شوبنهور) حول علم الجمال أو الاستطيقيا، مستندًا في شرحه على كتاب (شوبنهور) المذكور مسبقًا. يقول (ويليم كيلي رايت) مبتدئًا كلامه:

إن الأفكار، كما رأينا، أزلية، وتقف بين الإرادة من حيث إنها شيء في ذاته والأشياء الفردية المتغيرة التي تتمثل فيها الأفكار. وتظل المعرفة، عادة، خاضعة للإرادة ؛ فنحن لا نعرف إلا لكي ننفذ رغباتنا التي تنبثق من الإرادة. ومثل هذا الخضوع ثابت في حالة الحيوانات. ومع ذلك يستطيع الإنسان في خبرات استاطيقية مختصرة أن يلغي الخضوع للإرادة، ويركز تأمله مباشرة في الأفكار، بغض النظر عن إشباع الرغبات. وعندما يفعل ذلك، يخفي التمييز بالنسبة له بين الذات والموضوع، لأن هذا التمييز لا يوجد إلا في أفراد يتميز بعضهم عن بعض عن طريق مبدأ العلّة الكافية، ولا يتمسك بالأفكار التي تسبق هذا التمييز. ففي العالم فقط من حيث إنه تمثل، أي عالم الموضوعات المدركة، تكون الذات متميزة عن الموضوعات التي تدركها. ومن يصبح مستغرقًا في إدراك الطبيعة التي يفقدها كل إحساس بالفردية، ينتبه إلى معرفة أنه هو والطبيعة أصلًا  شيئًا واحدًا.

ثم يقول عن معنى الفن وقيمة الفنان عند (شوبنهور):

إن أحداث العالم، بالنسبة لأي شخص يفهم تلك الحقيقة، ليس لها أهمية إلا من حيث إنها الحروف التي نقرأ بها الأفكار. وهذا النوع من المعرفة، الذي يهتم بالأفكار، التي تكون المضامين الثابتة لكل الأشياء المتغيرة، هو الفن. فهو ينتج من جديد الأفكار الأزلية في وسيط مادي، مثل النحت، والتصوير، والشعر، والموسيقى. والإنسان الذي ينتج الأفكار أو يدركها في عمل من أعمال الفن يكون عبقريًا ؛ لأن أعمال الفن الفعلية هي في الغالب الأعم نسخ غير كاملة من الأفكار، وهي تفتن عبقريًا ذا خيال لكي يقوم بتمييز الفكرة فيها. ويظهر العبقري غالبًا، للناس العاديين القاصرين في التخيل، ولا يدركون موضوعات عادية بينما يرى العبقري فكرة، إنسانًا مجنونًا، وذلك ما يبينه (أفلاطون) في أسطورة الكهف وفي أماكن أخرى، وأشار إليه شعراء كثيرون. وفي حين أن معظمنا ليسوا عباقرة، إلا أن كل إنسان لديه القدرة على المتعة الأستاطيقية يمتلك مقدرة قليلة لإدراك الأفكار التي تكون أساسًا لموضوعات الطبيعة والفن التي ينتجها من جديد.

ثم يتحدث بتفصيل عن عدد من أشكال الفنون، اخترنا لكم بعضًا منها، فنون العمارة مثلًا:

ويوضح فن العمارة، من حيث إنه فن جميل، بعضًا من الأفكار التي تؤلف الدرجات الدنيا من تموضع الإرادة في الثقا والتماسك، والصلابة، والصلادة – الصفات الكلية للحجر، وتجليات الإرادة الأكثر بساطة وإبهامًا. والموضوع الوحيد لجماليات العمارة هو الصراع بين الثقل والصلابة، الذي يكشف عنه الفن بتمييز تام بالنسبة إلى الضوء. واستطاع الفنان المعماري أن ينتج هذه الآثار بحُرّية أكثر في المناخ المعتدل في الهند، ومصر، واليونان، وروما. أما في أوروبا الشمالية فقد قيّد المناخ القاسي حريته، ولابد من تزيين عربات الذخيرة الحربية، والأسطح المحددة، وأبراج العمارة القوطية بزخرفات مستعارة من فن النحت.

يتطرق بعد ذلك إلى فن آخر، وهو الشِعر عند (شوبنهور). يقول:

الشعر هو أعلى الفنون التي تكشف عن الأفكار، الذي يصور الناس في سلسلة مترابطة من مجهوداتهم وأفعالهم. إن الشاعر يصور الخصائص التي لها مغزى ودلالة في أفعال لها مغزى، ويكون أكثر نجاحًا في الكشف الحقيقي عن الأفكار من المؤرخ، الذي يكون مجبرًا على اختيار أشخاص وظروف كما تأتي في علاقاتها المتشابكة والمؤقتة من علل ومعلولات. ولذلك لابد أن ننسب حقيقة داخلية حقيقية بالفعل إلى الشعر أكثر من التاريخ. ويدرك الشاعر في الشعر الغنائي، والأغاني، حالته الداخلية الخاصة ويصفها. […] ويتوارى الشاعر بصورة كبيرة أو قليلة وراء تمثلاته في أنواع أخرى من الشعر، إلى حد ما في القصيدة الروائية، وبصورة كلية في الدراما الشعرية، التي تكون الصورة الأكثر موضوعية، وكمالًا  وصعوبة في الشعر. إن الشاعر هو مرآة البشرية، ويجلب إلى وعيها ما تشعر به، وما تفعله.

وبطبيعة (شوبنهور) المتشائمة، فقد تطرق بشكل أكبر إلى التراجيديا، وهي الأعمال الفنية الدرامية المائلة إلى التصوير المأساوي. فيقول عنها:

 التراجيديا هي ذروة الفن الشعري، بسبب عظمة تأثيرها، وصعوبة إنجازها. فهي تصور الجانب المرعب من الحياة، تصور الألم الذي يتعذر التعبير عنه، وشكوى البشر، وانتصار الشر، وسقوط البريء العادل. إنها صراع الإرادة مع نفسها، والمعنى الحقيقي للتراجيديا هو أن البطل يُكفِّر، لا عن خطيئته الفردية الخاصة، وإنما عن جريمة الوجود الفردي، وتحطم الإرادة إلى أشخاص منفصلين.

وفي النهاية يذكر الموسيقى كأحد أنواع الفنون:

أما الموسيقى فهي تقف وحدها، مختلفة عن كل الفنون الأخرى. لأن الفنون الأخرى تكشف عن الأفكار، في حين أن الموسيقى تنفذ وراء الأفكار وتكشف عن الإرادة من حيث هي شيء في ذاته. وتصور النغمات المنخفضة، في انسجام الألحان، الدرجات الدنيا لتموضع الإرادة، أي الطبيعة غير العضوية، وضخامة كوكب الأرض، في حين أن النغمات العالية تصور عالم النباتات والحيوانات. وتسير فواصل السلم الموسيقي في موازاة مع درجات التموضع في الطبيعة، أي الأنواع المختلفة.

وأخيرًا يختتم كلماته بالحديث عن المتعة، وعلاقتها بالجمال:

وتمكننا المتعة التي نستقبلها من الجمال بأسره، والعزاء الذي يقدمه لنا الفنان من أن نستغرق لحظة فيما كتب وننسى أنفسنا من حيث أننا أفراد، وننسى كل همومنا الشخصية. وندرك أننا واحد مع الطبيعة بأسرها من حيث إنها تعبير عن الإرادة، وندرك أن كل حياة، وليست حياتنا الخاصة، معاناة تذهب سدى. ويقدم لنا نسيان أنفسنا بهذه الطريقة راحة مؤقتة من الآلام المضنية لرغبات فردية تعي ذاتها.

ربط القراءة بالكتابة عند باشلار

bachelard.gaston

كتاب (جماليّات الصورة) للدكتورة (غادة الإمام) يُلقي الضوء على الفيلسوف (باشلار) وفلسفته الجمالية وأسلوبه في ذلك، عِلماً أن لـ(باشلار) كتاب باسم (جماليّات المكان) وعزَت إليه في دراستها – بما أنه تحليل لفكره وأسلوبه والذي اُستمدّ من كتبه بطبيعة الحال –

أما عن (باشلار) (1884 – 1962) واحداً من أهم الفلاسفة الفرنسيين، وهناك من يقول أنه أعظم فيلسوف ظاهري، وربما أكثرهم عصرية أيضاً . فقد كرّس جزءاً كبيراً من حياته وعمله لفلسفة العلوم، وقدّمَ أفكاراً متميزة في مجال الابستمولوجيا حيث تمثل مفاهيمه في العقبة المعرفية والقطيعة المعرفية والجدلية المعرفية والتاريخ التراجعي. يقول (باشلار):

إنني كقارئ أتّجه لأقيم في “الطوابع البريدية” التي يقدمها الشعراء لي. فصورة البيت تُطالبني بأن أسكن فيها ببساطة، وبكل الأمان الذي تمنحه تلك البساطة.

يؤكّد (باشلار) – و الكلام هنا للدكتورة غادة – على أن القصائد هي لغة مكتوبة، صور مكتوبة. و قد جعل من هذه اللغة المكتوبة ليست خبرة الانغلاق؛ و لكنها خبرة الانفتاح. بمعنى أنها تمثّل خبرة (الخبرة الخياليّة) انفتاح الشاعر على الطبيعة؛ مادامت القصيدة تعبّر عن روح تكشف عن عالمها؛ بل و عن ألفة عالم. فالكلمة الشعرية – إذن – تجدل وتحوي معاً الأفكار والأحلام، العالم والشاعر، النص والقارئ. ولهذا يُطالبنا (باشلار) كقرّاء بكتابة ما نقرأ، أو كما عبّر عنه في (الهواء والمنامات) بأن نقرأ و “القلم في اليد”؛ إذ أن كتابة مانقرأ تساعدنا على فهم أنفسنا، وأن ندرك طبيعتنا الخاصّة؛ طالما أنها تعمل بين قطبي الذات و الموضوع، محطمة الحواجز بين العالم الخارجي والباطني. ومن ثمّ فإننا بقراءتنا – المصحوبة بالكتابة – نصنع المختلف، أي أننا نقرأ على النحو الذي نُعيد فيه إبداع الصورة المكتوبة من جديد، نكشف عن اللامقول أو المسكوت عنه في تلك اللغة المكتوبة.

و بناءً على ذلك, مثلما ينفصل الكاتب عن الحياة اليومية واللغة المألوفة كذلك يجب على القارئ أن ينفصل عن النّص، ليس – بالطبع – تجاهل النص؛ إذ سيكون ذلك بلا معنى؛ ولكن إظهار استجابته الخاصة للنص عن طريق الكتابة.

ذلك لأن النّص يسحبنا نحو شيء مّا، الذي يوجد بالفعل ويُثبتنا ويحصرنا ويختزلنا في المماثلة والمطابقة.

في حين أن تجاوزنا للنص، يجعلنا قادرين على إظهار المعاني والدلالات المتحجبة عنّا فيما وراء ظاهر النص، أو فيما وراء البعد المحسوس من الصورة. فإنها بمثابة دعوة للقرّاء للانفتاح على عالم الصورة، و النفاذ – بخيالهم – إلى الوجود الباطني لها؛ و تحفيز للذات الواعية (أو القارئ) للبحث عن المعاني والدلالات المختلفة عمّا هو ظاهر في النصّ.

تقول د.غادة عبدالإمام في ذلك :

و الحقيقة أن ماجاء به (باشلار) في (شاعريّة المكان) أو حتى في كتاباته الجماليّة – و كأنه توقّع ما سيأتي به (دريدا) في (علم الكتابة) كما تجاوز – كذلك – رؤية الميتافيزيقا التقليدية للكتابة.

و يُفهَم من ذلك أن الكتابة عند الميتافيزيقا هي مجرد أمر ثانوي بالنسبة لتوليد المعنى، فهي لاتتعدى كونها وسيلة لحفظ المعاني في الزمان: فالميتافيزيقا إذ تلجأ إلى الكتابة فلتعطي معانيها طابع الخلود, و تجعلها تحيا في حاضر دائم. غير أن الكتابة تظل ثانوية, فهي إن كانت تقوم بحفظ المعنى؛ فإنها لاتعمل على إنتاجه. وتكمل بقولها:

في حين أن (باشلار) – و من بعده (دريدا) – يؤكد على أنه سواء القراءة أو الكتابة لا يحكمها منطق الهويّة والتطابق والمماثلة ولا الاستمراريّة؛ وإنما يُهيمن عليها منطق الاختلاف؛ إذ أن القارئ يتواصل بمعنى ما مع النص حينما لا يكرّره؛ و إنما يُعيد إبداعه من جديد، يُعيد كتابته، على النحو الذي يُصبح فيه مبدعاً آخر للصورة التي قرأها. و هكذا فإن اقتراب (باشلار) من القراءة, يمثّل – في الحقيقة – أسلوبه الخاص في القراءة؛ إذ أنه بوصفه قارئاً كمثل الشاعر، يكتشف “إمكانيّات اللغة the possibilities of language” :

فإنه يحبّ أن يجلب معاً – و يدمج – الكلمات من المضامين الغريبة و المغايرة عن بعضها البعض الآخر, على نحو مايتجلّى ذلك بوضوح في صور شيللي التي يجلبها من اندماج الشعر و الرياضيات معاً.

وعلى ضوء ماسبق يتبيّن لنا أن (باشلار) قد أكّد بفكرته عن “القراءة و الاختلاف” و “القراءة و الكتابة” على انفتاح القارئ على عالم الصورة على النحو الذي يشارك فيه الشاعر في إظهار المعاني و الدلالات المتعددة المتخفية في الصورة؛ أو في النص. فلم يغِب عن (باشلار) التكافؤ المزدوج مؤلف/ قارئ، فقد جعل من القارئ عاملاً أساسياً في فهم الصورة و إظهار ما يكشف عن معانيها و دلالاتها الباطنيّة.