أرشيف الوسم: الجمال

عن علم الجمال، عند شوبنهور

Schopenhauer

آرثر شوبنهور (1788 – 1860) فيلسوف ألماني، معروف بفلسفته التشاؤمية يرى في الحياة شر مطلق فهو يبجل العدم، وقد كتب كتاب (العالم إرادة وتمثل) الذي سطر فيه فلسفته فلذلك تراه يربط بين العلاقة بين الإرادة والعقل فيرى أن العقل أداة بيد الإرادة وتابع لها. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بسرد فصل يشرح فيه أفكار (شوبنهور) حول علم الجمال أو الاستطيقيا، مستندًا في شرحه على كتاب (شوبنهور) المذكور مسبقًا. يقول (ويليم كيلي رايت) مبتدئًا كلامه:

إن الأفكار، كما رأينا، أزلية، وتقف بين الإرادة من حيث إنها شيء في ذاته والأشياء الفردية المتغيرة التي تتمثل فيها الأفكار. وتظل المعرفة، عادة، خاضعة للإرادة ؛ فنحن لا نعرف إلا لكي ننفذ رغباتنا التي تنبثق من الإرادة. ومثل هذا الخضوع ثابت في حالة الحيوانات. ومع ذلك يستطيع الإنسان في خبرات استاطيقية مختصرة أن يلغي الخضوع للإرادة، ويركز تأمله مباشرة في الأفكار، بغض النظر عن إشباع الرغبات. وعندما يفعل ذلك، يخفي التمييز بالنسبة له بين الذات والموضوع، لأن هذا التمييز لا يوجد إلا في أفراد يتميز بعضهم عن بعض عن طريق مبدأ العلّة الكافية، ولا يتمسك بالأفكار التي تسبق هذا التمييز. ففي العالم فقط من حيث إنه تمثل، أي عالم الموضوعات المدركة، تكون الذات متميزة عن الموضوعات التي تدركها. ومن يصبح مستغرقًا في إدراك الطبيعة التي يفقدها كل إحساس بالفردية، ينتبه إلى معرفة أنه هو والطبيعة أصلًا  شيئًا واحدًا.

ثم يقول عن معنى الفن وقيمة الفنان عند (شوبنهور):

إن أحداث العالم، بالنسبة لأي شخص يفهم تلك الحقيقة، ليس لها أهمية إلا من حيث إنها الحروف التي نقرأ بها الأفكار. وهذا النوع من المعرفة، الذي يهتم بالأفكار، التي تكون المضامين الثابتة لكل الأشياء المتغيرة، هو الفن. فهو ينتج من جديد الأفكار الأزلية في وسيط مادي، مثل النحت، والتصوير، والشعر، والموسيقى. والإنسان الذي ينتج الأفكار أو يدركها في عمل من أعمال الفن يكون عبقريًا ؛ لأن أعمال الفن الفعلية هي في الغالب الأعم نسخ غير كاملة من الأفكار، وهي تفتن عبقريًا ذا خيال لكي يقوم بتمييز الفكرة فيها. ويظهر العبقري غالبًا، للناس العاديين القاصرين في التخيل، ولا يدركون موضوعات عادية بينما يرى العبقري فكرة، إنسانًا مجنونًا، وذلك ما يبينه (أفلاطون) في أسطورة الكهف وفي أماكن أخرى، وأشار إليه شعراء كثيرون. وفي حين أن معظمنا ليسوا عباقرة، إلا أن كل إنسان لديه القدرة على المتعة الأستاطيقية يمتلك مقدرة قليلة لإدراك الأفكار التي تكون أساسًا لموضوعات الطبيعة والفن التي ينتجها من جديد.

ثم يتحدث بتفصيل عن عدد من أشكال الفنون، اخترنا لكم بعضًا منها، فنون العمارة مثلًا:

ويوضح فن العمارة، من حيث إنه فن جميل، بعضًا من الأفكار التي تؤلف الدرجات الدنيا من تموضع الإرادة في الثقا والتماسك، والصلابة، والصلادة – الصفات الكلية للحجر، وتجليات الإرادة الأكثر بساطة وإبهامًا. والموضوع الوحيد لجماليات العمارة هو الصراع بين الثقل والصلابة، الذي يكشف عنه الفن بتمييز تام بالنسبة إلى الضوء. واستطاع الفنان المعماري أن ينتج هذه الآثار بحُرّية أكثر في المناخ المعتدل في الهند، ومصر، واليونان، وروما. أما في أوروبا الشمالية فقد قيّد المناخ القاسي حريته، ولابد من تزيين عربات الذخيرة الحربية، والأسطح المحددة، وأبراج العمارة القوطية بزخرفات مستعارة من فن النحت.

يتطرق بعد ذلك إلى فن آخر، وهو الشِعر عند (شوبنهور). يقول:

الشعر هو أعلى الفنون التي تكشف عن الأفكار، الذي يصور الناس في سلسلة مترابطة من مجهوداتهم وأفعالهم. إن الشاعر يصور الخصائص التي لها مغزى ودلالة في أفعال لها مغزى، ويكون أكثر نجاحًا في الكشف الحقيقي عن الأفكار من المؤرخ، الذي يكون مجبرًا على اختيار أشخاص وظروف كما تأتي في علاقاتها المتشابكة والمؤقتة من علل ومعلولات. ولذلك لابد أن ننسب حقيقة داخلية حقيقية بالفعل إلى الشعر أكثر من التاريخ. ويدرك الشاعر في الشعر الغنائي، والأغاني، حالته الداخلية الخاصة ويصفها. […] ويتوارى الشاعر بصورة كبيرة أو قليلة وراء تمثلاته في أنواع أخرى من الشعر، إلى حد ما في القصيدة الروائية، وبصورة كلية في الدراما الشعرية، التي تكون الصورة الأكثر موضوعية، وكمالًا  وصعوبة في الشعر. إن الشاعر هو مرآة البشرية، ويجلب إلى وعيها ما تشعر به، وما تفعله.

وبطبيعة (شوبنهور) المتشائمة، فقد تطرق بشكل أكبر إلى التراجيديا، وهي الأعمال الفنية الدرامية المائلة إلى التصوير المأساوي. فيقول عنها:

 التراجيديا هي ذروة الفن الشعري، بسبب عظمة تأثيرها، وصعوبة إنجازها. فهي تصور الجانب المرعب من الحياة، تصور الألم الذي يتعذر التعبير عنه، وشكوى البشر، وانتصار الشر، وسقوط البريء العادل. إنها صراع الإرادة مع نفسها، والمعنى الحقيقي للتراجيديا هو أن البطل يُكفِّر، لا عن خطيئته الفردية الخاصة، وإنما عن جريمة الوجود الفردي، وتحطم الإرادة إلى أشخاص منفصلين.

وفي النهاية يذكر الموسيقى كأحد أنواع الفنون:

أما الموسيقى فهي تقف وحدها، مختلفة عن كل الفنون الأخرى. لأن الفنون الأخرى تكشف عن الأفكار، في حين أن الموسيقى تنفذ وراء الأفكار وتكشف عن الإرادة من حيث هي شيء في ذاته. وتصور النغمات المنخفضة، في انسجام الألحان، الدرجات الدنيا لتموضع الإرادة، أي الطبيعة غير العضوية، وضخامة كوكب الأرض، في حين أن النغمات العالية تصور عالم النباتات والحيوانات. وتسير فواصل السلم الموسيقي في موازاة مع درجات التموضع في الطبيعة، أي الأنواع المختلفة.

وأخيرًا يختتم كلماته بالحديث عن المتعة، وعلاقتها بالجمال:

وتمكننا المتعة التي نستقبلها من الجمال بأسره، والعزاء الذي يقدمه لنا الفنان من أن نستغرق لحظة فيما كتب وننسى أنفسنا من حيث أننا أفراد، وننسى كل همومنا الشخصية. وندرك أننا واحد مع الطبيعة بأسرها من حيث إنها تعبير عن الإرادة، وندرك أن كل حياة، وليست حياتنا الخاصة، معاناة تذهب سدى. ويقدم لنا نسيان أنفسنا بهذه الطريقة راحة مؤقتة من الآلام المضنية لرغبات فردية تعي ذاتها.

ربط القراءة بالكتابة عند باشلار

bachelard.gaston

كتاب (جماليّات الصورة) للدكتورة (غادة الإمام) يُلقي الضوء على الفيلسوف (باشلار) وفلسفته الجمالية وأسلوبه في ذلك، عِلماً أن لـ(باشلار) كتاب باسم (جماليّات المكان) وعزَت إليه في دراستها – بما أنه تحليل لفكره وأسلوبه والذي اُستمدّ من كتبه بطبيعة الحال –

أما عن (باشلار) (1884 – 1962) واحداً من أهم الفلاسفة الفرنسيين، وهناك من يقول أنه أعظم فيلسوف ظاهري، وربما أكثرهم عصرية أيضاً . فقد كرّس جزءاً كبيراً من حياته وعمله لفلسفة العلوم، وقدّمَ أفكاراً متميزة في مجال الابستمولوجيا حيث تمثل مفاهيمه في العقبة المعرفية والقطيعة المعرفية والجدلية المعرفية والتاريخ التراجعي. يقول (باشلار):

إنني كقارئ أتّجه لأقيم في “الطوابع البريدية” التي يقدمها الشعراء لي. فصورة البيت تُطالبني بأن أسكن فيها ببساطة، وبكل الأمان الذي تمنحه تلك البساطة.

يؤكّد (باشلار) – و الكلام هنا للدكتورة غادة – على أن القصائد هي لغة مكتوبة، صور مكتوبة. و قد جعل من هذه اللغة المكتوبة ليست خبرة الانغلاق؛ و لكنها خبرة الانفتاح. بمعنى أنها تمثّل خبرة (الخبرة الخياليّة) انفتاح الشاعر على الطبيعة؛ مادامت القصيدة تعبّر عن روح تكشف عن عالمها؛ بل و عن ألفة عالم. فالكلمة الشعرية – إذن – تجدل وتحوي معاً الأفكار والأحلام، العالم والشاعر، النص والقارئ. ولهذا يُطالبنا (باشلار) كقرّاء بكتابة ما نقرأ، أو كما عبّر عنه في (الهواء والمنامات) بأن نقرأ و “القلم في اليد”؛ إذ أن كتابة مانقرأ تساعدنا على فهم أنفسنا، وأن ندرك طبيعتنا الخاصّة؛ طالما أنها تعمل بين قطبي الذات و الموضوع، محطمة الحواجز بين العالم الخارجي والباطني. ومن ثمّ فإننا بقراءتنا – المصحوبة بالكتابة – نصنع المختلف، أي أننا نقرأ على النحو الذي نُعيد فيه إبداع الصورة المكتوبة من جديد، نكشف عن اللامقول أو المسكوت عنه في تلك اللغة المكتوبة.

و بناءً على ذلك, مثلما ينفصل الكاتب عن الحياة اليومية واللغة المألوفة كذلك يجب على القارئ أن ينفصل عن النّص، ليس – بالطبع – تجاهل النص؛ إذ سيكون ذلك بلا معنى؛ ولكن إظهار استجابته الخاصة للنص عن طريق الكتابة.

ذلك لأن النّص يسحبنا نحو شيء مّا، الذي يوجد بالفعل ويُثبتنا ويحصرنا ويختزلنا في المماثلة والمطابقة.

في حين أن تجاوزنا للنص، يجعلنا قادرين على إظهار المعاني والدلالات المتحجبة عنّا فيما وراء ظاهر النص، أو فيما وراء البعد المحسوس من الصورة. فإنها بمثابة دعوة للقرّاء للانفتاح على عالم الصورة، و النفاذ – بخيالهم – إلى الوجود الباطني لها؛ و تحفيز للذات الواعية (أو القارئ) للبحث عن المعاني والدلالات المختلفة عمّا هو ظاهر في النصّ.

تقول د.غادة عبدالإمام في ذلك :

و الحقيقة أن ماجاء به (باشلار) في (شاعريّة المكان) أو حتى في كتاباته الجماليّة – و كأنه توقّع ما سيأتي به (دريدا) في (علم الكتابة) كما تجاوز – كذلك – رؤية الميتافيزيقا التقليدية للكتابة.

و يُفهَم من ذلك أن الكتابة عند الميتافيزيقا هي مجرد أمر ثانوي بالنسبة لتوليد المعنى، فهي لاتتعدى كونها وسيلة لحفظ المعاني في الزمان: فالميتافيزيقا إذ تلجأ إلى الكتابة فلتعطي معانيها طابع الخلود, و تجعلها تحيا في حاضر دائم. غير أن الكتابة تظل ثانوية, فهي إن كانت تقوم بحفظ المعنى؛ فإنها لاتعمل على إنتاجه. وتكمل بقولها:

في حين أن (باشلار) – و من بعده (دريدا) – يؤكد على أنه سواء القراءة أو الكتابة لا يحكمها منطق الهويّة والتطابق والمماثلة ولا الاستمراريّة؛ وإنما يُهيمن عليها منطق الاختلاف؛ إذ أن القارئ يتواصل بمعنى ما مع النص حينما لا يكرّره؛ و إنما يُعيد إبداعه من جديد، يُعيد كتابته، على النحو الذي يُصبح فيه مبدعاً آخر للصورة التي قرأها. و هكذا فإن اقتراب (باشلار) من القراءة, يمثّل – في الحقيقة – أسلوبه الخاص في القراءة؛ إذ أنه بوصفه قارئاً كمثل الشاعر، يكتشف “إمكانيّات اللغة the possibilities of language” :

فإنه يحبّ أن يجلب معاً – و يدمج – الكلمات من المضامين الغريبة و المغايرة عن بعضها البعض الآخر, على نحو مايتجلّى ذلك بوضوح في صور شيللي التي يجلبها من اندماج الشعر و الرياضيات معاً.

وعلى ضوء ماسبق يتبيّن لنا أن (باشلار) قد أكّد بفكرته عن “القراءة و الاختلاف” و “القراءة و الكتابة” على انفتاح القارئ على عالم الصورة على النحو الذي يشارك فيه الشاعر في إظهار المعاني و الدلالات المتعددة المتخفية في الصورة؛ أو في النص. فلم يغِب عن (باشلار) التكافؤ المزدوج مؤلف/ قارئ، فقد جعل من القارئ عاملاً أساسياً في فهم الصورة و إظهار ما يكشف عن معانيها و دلالاتها الباطنيّة.

الفنون والأعمال الأدبية عند ألبير كامو

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالفنون والكتابة والأعمال الفنية، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه عن الفن:

الاعتراف ضرورة لمواجهة تأنيب الضمير، ينبغي الإقرار بذلك. ليس لدي الكثير لأقوله، سوى أنني لامست حياة الفقر، بين كل المتعجرفين والمتواضعين، لامست فعلًا  ما يبدو لي بأنه معنى الحياة الحقيقي. الفن بالنسبة لي ليس كل المعنى الحقيقي، ولكنه على الأقل وسيلة للوصول. [١٩٣٥]

 

فالفن هو وسيلة الوصول إلى المعرفة، وإلى معنى الحياة، كما يقول، وكما يؤكد ذلك في مقولة أخرى:

لا توجد معرفة نقية شاملة، أي نزيهة، مترفعة. الفن هو محاولة لمعرفة نقية، من خلال التفاصيل. [١٩٤٣]

فالفن إذًا يخلق معرفة كاملة للحياة من خلال تدعيم التفاصيل، حتى تتراكم مع بعضها البعض. يقول بعد ذلك:
والفنانون وحدهم هم المحسنون إلى هذا العالم. [١٩٤٣]
فمن مبررات الفن برأيه:
إن العمل الفني الحقيقي مُعينٌ على الصدق، إنه يعزز التواطؤ فيما بينهم. [١٩٤٤]
ومن هذا ينساق تعريفه للفنان، ووظيفته:
الفنان هو المكلف بالوعظ في عالمٍ ما عاد يؤمن بالخطيئة. وكما أن كلمات الكهنة كانت تستمد قوتها من وجود الأنموذج، فالفنان أيضًا يحاول أن يكون هو أنموذجًا. ولذا فتجده يُعدم تارة بالرصاص، أو يُرمى إلى معسكرات الاعتقال، وسط دهشته مما يحدث له. المعركة غير متكافئة، فالتعوّد على الفضيلة يستهلك وقتًا أكثر مما يستهلكه تعلم استخدام الأسلحة. [١٩٤٨]
ثم يصف العالم الحديث فيقول:
بعد القضاء على الجمال الطبيعي، وبعد ردم المساحات الشاسعة بالنفايات الصناعية، وُلدت الحضارة الصناعية، ووُلّدت الحاجات الاصطناعية وتم استحداثها. مما جعل الفقر وتحمله مستحيلين. [١٩٥٦]
ويقول في موضع آخر:
يحاول الفن الحديث أن يسترجع الغرض من وجوده، بعدما نسي الطبيعة. فهو الآن يعيد صناعة الطبيعة، وهو أمر ضروري لأنهم نسوها. عندما ينتهون من صناعة الطبيعة، قد تكون هناك سنوات فنية عظمى. [١٩٤٨]
أما الآن، فحتى المغامرين:
.. لديهم شعور واضح بأنه لا يوجد ما يمكن تقديمه للفن. لا شيء عظيم أو جديد ممكن، في ثقافة الغرب هذه على الأقل. لم يتبقَ سوى التطبيق. لكن أولئك المتمتعين بأرواح عظيمة لن يشاركوا في هذا التطبيق إلا بيأس. [١٩٣٥]
ويقول أيضًا:
إن هدف العمل الأدبي هو خلق الأشكال لكل ما لا يملك شكلًا. لا وجود للإبداع في ذلك، وإنما هو تصحيح للمفاهيم. من هنا تكمن أهمية الشكل. [١٩٤٧]
بما أننا لا نفكر إلا من خلال الصور، فإذا أردت أن تكون فيلسوفًا، فاكتب رواية. [١٩٣٥]
أن تكتب هو أن تفقد الاهتمام. الفن هو نوعٌ من التخلّي. [١٩٣٥]
 ثم يورد بعد ذلك بعضًا من النصائح للفنانين والكُتّاب. فيقول مثلًا:
إن أول ما على الكاتب تعمله، هو فن نقل وتحويل ما يشعره، إلى ما يريد الإشعار به. في المرات الأولى، قد ينجح ذلك مصادفةً، ولكن بعد ذلك ينبغي على الموهبة أن تحل محل المصادفة. هناك شيء من الحظ في أصل النبوغ. [١٩٤٢]
ويقول ناصحًا في موضع آخر:
كريهٌ هو الكاتب الذي يحكي ويستغل ما لم يعِش أبدًا. لا أقول بأن القاتل هو أفضل من يحكي عن الجريمة (بالرغم من أن ذلك قد يكون صحيحًا). ينبغي تصوّر مسافة ما بين الخلق والفعل. فالفنان الحقيقي يقف في منتصف المسافة بين مخيلته وأفعاله. وهو القادر على أن يكون هو ما يصف، وأن يعيش ما يكتب. الفعل وحده هو ما يُحِدّه، وقد يكون هو الفاعل أحيانًا. [١٩٤٢]
ويقول أيضًا:
لا يموت الأدب بشدة توجيهه لخدمة الأفكار، وإنما لانقطاعه عن الآداب الأخرى، فكل فنان لا يكون منفتحًا على ما سبقه، هو فنان مقطوع. [١٩٥٤]
أما نصيحته الذهبية فتقول:
لكي نكتب، علينا أن نرضى بالقليل من التعبيرات. الثرثرة ممنوعة في جميع الأحوال. [١٩٣٨]
يشرح ذلك فيقول:
التحفة الفنية الحقيقية هي التي تقول الأقل. توجد علاقة ما بين التجربة العامة للفنان (فكره وحياته)، والعمل الذي يعكس هذه التجربة. ستكون هذه العلاقة سيئة إذا ما قام العمل الفني بنقل كامل التجربة، مع تذييلها بشيء من الأدب. وستكون في حالٍ جيدة إذا ما كان العمل الفني مقتطع من التجربة، كمثل الألماس نختصره في بريقه. في الحالة الأولى، هناك حشو وأدب. أما الثانية فهي عمل مثمر بسبب الدلالة الضمنية الكاملة لتجربة نحرز ثراءها.
المسألة هي اكتساب معرفة التصرف التي تتخطى القدرة على الكتابة. وفي النهاية، الفنان العظيم هو قبل كل شيء محب للحياة متمتع بالعيش. [١٩٣٨]
ويقسم بذلك الأعمل الأدبية إلى قسمين:
التوفيق بين العمل الأدبي الذي يصف والعمل الأدبي الذي يشرح. منح الوصف معناه الحقيقي. حين يكون وحده، يكون الوصف رائعًا لكنه لا يحصد شيئًا. يكفي إذًا أن نلمح إلى أن حدودنا موضوعة عمدًا، هكذا تختفي ويظهر العمل. [١٩٣٩]
ويقول عن الحكمة في الفن التشكيلي:
الفن التشكيلي يختار. إنه يعزل وهذه هي طريقته الوحيدة في التوحيد. المنظر يعزل في الفضاء، ما يضيع بشكل طبيعي في المنظور. فرسم المناظر يعزل في الزمن، الحركة التي تضيع عادة في حركة أخرى. الرسامون الكبار هم الذين يعطون الانطباع بأن المنظر قد جُمد لتوه، كما لو أن أداة عرض العرض قد توقفت بشكل لحظي. [١٩٤٧]
وباختصار:
في الفن، لا ينبغي الخوف أبدًا من المبالغة .. إنما على المبالغة أن تكون مستمرة. متناسقة مع بعضها. [١٩٤٢]
ولكن، ماذا عن مقولته بأن: “الفنان العظيم هو قبل كل شيء محب للحياة متمتع بالعيش” ؟ يقول:
إن مضاعفة السعادة في حياة إنسان هي إطالة المأساوي في شهادته. على التحفة الفنية المأساوية فعلًا  (إذا ما اعتبرناها شهادة فعلًا) أن تكون نتاج الإنسان السعيد. ذلك يعني أن الموت هو ما سيملي هذه التحفة الفنية بأكملها. [١٩٣٨]
كل هذا لا يتعارض إذا ما شرحه بقولته:
الفنان التراجيدي ليس متشائمًا. فهو يتقبل كل ما هو إشكالي وفظيع. [١٩٣٩]
ويقول أيضًا:
يخضع المبدع بشكل أساسي للمتعة. [١٩٥٤]
ويحكي قصة أخيرة في الختام:
ذهب فنان تشكيلي إلى بورت – كروس لكي يرسم. كل شيء هناك فائق الجمال لدرجة أنه اشترى منزلًا، وضع لوحاته جانبًا، وما عاد مسّها. [١٩٣٩]
وختامًا ؛ يقول (ألبير كامو):
الجمال هو الحرية الكاملة. [١٩٥٤]

الفن والجمال عند نيتشه

نيتشه

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء، وفي كتابه (غسق الأوثان) أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعًا بالمطرقة، كما وصف العنوان، يتكلم عن الفن والجمال بدايةً فيقول:

لكي يكون هناك فن، ولكي يكون هناك عمل جمالي ما ونظرة جمالية، لا بد من توفر شرط فزيزلوجي لا محيد عنه: النشوة.

فالنشوة هي أساس كل عمل ونظرة جمالية برأي نيتشه، فيقول مؤكدًا بعد ذلك:

لا بد أن تكون النشوة قد رفعت من وتيرة استثارة الآلة بكليتها ؛ من دون ذلك لا يمكن إنجاز أي فن.

فعلاقة النشوة بالجمال كما يقول نيتشه:

إن الأمر الأساسي في النشوة هو ذلك الشعور بتفاقم الطاقة وزخم الامتلاء. وبدافع من هذا الشعور نضفي من أنفسنا على الأشياء؛ نجبرها على أن تتسلم منا، بل نغتصبها – وتُسمى هذه العملية مثْلنة. ولندع عنا فكرة مسبقة متداولة ؛ إن المثلنة لا تتمثل كما يظن الاعتقاد الشائع في أننا ننقّي الأشياء ونخصم منها كل صغير وثانوي، بل إن التركيز بصفة هائلة على إبراز الخاصيات الأساسية هو العامل الحاسم في جعل غيرها من الخاصيات يتوارى ويضمحل.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يُثري المرء في هذه الحالة كل شيء من زخمه الخاص: كل ما يرى، وكل ما يريد، يراه مكتنزًا، محتقنًا، قويًا، ممتلئًا بفائض من الطاقة. يُجري المرء، وهو في هذه الحالة، تحويلًا على الأشياء إلى أن تغدو مرآة لقوّته ؛ -إلى أن تصبح انعكاسات لكماله. هذا التحول المرغَم إلى صورة للكمال- إنما هو الفن. وكل شيء، بما في ذلك ما ليس هو، يصبح ذلك موضوع متعة يجدها في نفسه: في الفن يستمتع الإنسان بنفسه ككمال.

أما بالنسبة للجمال فيقول:

ليس هناك ما هو أكثر نسبية وأكثر محدودية من إحساسنا بالجمال.

“الجمال في ذاته” كلمة خاوية لا غير، وليست حتى مجرد فكرة. في الجمال يتخذ الإنسان نفسه معيارًا للكمال، وهو لا يفعل في الحالات الجمالية المنتقاة سوى عبادة نفسه.

وعن علة الجمال يقول:

يعتقد الإنسان أن العالم يفيض جمالًا، وينسى نفسه كعلة لذلك الجمال. فهو وحده الذي منح العالم جمالًا ؛ جمالًا إنسانيًا فحسب، جمالًا إنسانيًا مفرطًا في الإنسانية … وفي الحقيقة يعكس الإنسان نفسه في الأشياء، ويجد جميلًا كل ما يعيد إليه صورته الخاصة: حكمه بصفة “جميل” هو غرور النوع الذي ينتمي إليه.

ويتابع رأيه عن الجمال وعن علاقته بالقبح:

ليس هناك من شيء جميل ؛ الإنسان وحده هو الجميل: علم الجَمال بكليته يرتكز على هذه المقولة ؛ إنها حقيقته الأولى. ولنضف إليها حقيقة ثانية: ليس هناك من شيء قبيح سوى الإنسان في طور الفساد، -بهذا نكون قد رسمنا حدود حقل الحكم الجمالي-. ومن وجهة نظر العلوم الفيزيولوجية، كل قبيح يضعف ويفكر صفر الإنسان. إنه يذكره بالانهيار، وبالخطر، والعجز ؛ وبالفعل فهو يدفع ثمنًا لذلك خسارة في قواه.

فالقبح كما يقول نيتشه هو:

وبإمكاننا أن نقيس بالديناموميتر (مقياس الديناميكية) مفعول القبح. فحيثما يغدو المرء منهارًا، يستشعر حتمًا قرب شيء “قبيح”. فإحساسه بالقوة، وإرادة القوة لديه، وشجاعته ونخوته كلها تنهار مع القبح، وتعرف ارتفاعًا مع الجمال … وفي كلتي الحالتين نستطيع أن نستنتج الأمر نفسه: تكون بواكير الحالة (النذائر والإرهاصات) متراكمة بكمية هائلة داخل الغريزة.

وباختصار عن القبح يقول:

يتم إدراك القبيح كإشارة وعرض انحلال ؛ وكل ما يذكّر عن قرب أو عن بعد بالانحلال يستدعي في ذهننا حكم “قبيح”.

وينهي كلامه قائلًا عن علة الشعور بالقبح:

وكل علامة انهاك، وثقل، وشيخوخة وإعياء، وكل ضرب من الإكراه المتجسد في هيأة تشنج عضلي أو شلل، وبصفة خاصة الرائحة واللون، ومظاهر الانحلال والتعفن، حتى في حالة اختزالها القصوى في هيئة رمز، -كل ذلك يستدعي نفس ردة الفعل: الحكم القيَمي “قبيح”. هناك حقد ينفجر ههنا: لكن، على من يحقد المرء؟ ليس هناك من مجال للشك هنا: إنه يحقد على انحطاط نوعه. يحقد هنا من عمق أعماق غريزة النوع ؛ وفي هذا الحقد رعدة، وحذر، وعمق رؤية، وبُعد نظر، -إنه الحقد الأكثر عمقًا على الإطلاق. وبسببه يكون الفن عميقًا.

رسالة أحمد أمين في التربية على الجمال

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته ”فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”، كما أنشأ مع بعض زملائه سنة 1914م “لجنة التأليف والترجمة والنشر” وبقي رئيسا لها حتى وفاته. وشارك في إخراج “مجلة الرسالة“. كذلك أنشأ مجلة “الثقافة” الأدبية الأسبوعية . وبعد توليه الإدارة الثقافية بوزارة المعارف، أنشأ ما عرف باسم “الجامعة الشعبية” وكان هدفه منها نشر الثقافة بين الشعب عن طريق المحاضرات والندوات. في نفس الفترة، أنشأ “معهد المخطوطات العربية” التابع لجامعة الدول العربية. في كتيبه إلى ولدي، وهو رسائله ونصائحه إلى أبناؤه كتب فقال:

أي بني !
إن الذوق عملَ في ترقية الأفراد والجماعات أكثر مما عملَ العقل. فالفرق بين إنسان وضيع وإنسان رفيع، ليس فرقًا في العقل وحده. بل أكثر من ذلك فرق في الذوق. وإن كان العقل أسس المدن، ووضع تصاميمها، فالذوق جمّلها وزيّنها. إن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الفرد، فجرّده من الطرب للموسيقى والغناء، وجرّده من الاستمتاع بمناظر الطبيعة وجمال الأزهار، وجرّده من أن يهتز للشعر الجميل، والأدب الرفيع، والصورة الرائعة، وجرّده من الحب في جميع أشكاله ومناحيه، ثم انظر بعد ذلك ماذا عسى أن يكون وماذا عسى أن تكون حياته.
وإن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الأمة، فجرّدها من دُور فنونها، وجردها من حدائقها وبساتينها، وجردها من مساجدها الجميلة والجليلة وكنائسها الفخمة، وعمائرها الضخمة، وجردها من نظافة شوارعها، وتنظيم متاحفها، ثم انظر بعد ذلك إلى قيمتها، وفيما يميزها عن غيرها من الأمم المتوحشة والأمم البدائية.
أي بني !
إن للذوق مراحل كمراحل الطريق، ودرجات كدرجات السلم. فهو يبدأ بإدراك الجمال الحسي : من صورة جميلة، ووجه جميل، ،زهرة جميلة، وبستان جميل، ومنظر طبيعي جميل. ثم إذا أحسنت تربيته ارتقى إلى إدراك جمال المعاني، فهو يكره القبح في الضعة والذلة، ويعشق الجمال في الكرامة والعزة، وينفر من أن يظلم أو يُظلم ويحب أن يعدل ويُعدل معه، ثم إذا هو ارتقى في الذوق كره القبح في أمته وأحب الجمال فيها، فهو ينفر من قبح البؤس والفقر والظلم فيها، وينشد جمال الرخاء والعدل في معاملتها، فيصعد به ذوقه إلى مستوى الصالحين. فالإصلاح المُؤَسس على العقل وحده لا يجدي، وإنما يجدي الإصلاح المؤَسس على العقل والذوق جميعًا. ثم لا يزال الذوق يرقى إلى أن يبلغ درجة عبادة الجمال المطلق والفناء فيه.
فعلى هذا الأساس نظِّم ذوقك : استشعر الجمال في مأكلك وملبسك ومسكنك، وصادق الزهور وتعَشَّقها، ثم أنشدِ الجمال في مجال الطبيعة ومدَّ بين قلبك ومناظر البساتين والحدائق – والسماء ونجومها، والشمس ومطلعها ومغيبها، والبحار وأمواجها، والبحار وجلالها – خيوطًا حريرية دقيقة تتموج بموجاتها، وتهتز بهزاتها، ثم انظر إلى الأخلاق على أن فضائلها جمال، ورذئلها قبح، لا على أن فضائلها منفعة ورذائلها متلفة، ثم غنِّ للجمال واهتف به حيثما كان، واعبده وافنَ فيه، وأنا واثق أنك ستسعد بذلك سعادة لا يتذوقها ذوو الشهوات، ولا أصحاب رؤوس الأموال، ولا الفلاسفة والعلماء.