أرشيف الوسم: الجنس

إلف شفق تتساءل: ما الذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟

 

أَلِفْ شَفَقْ (مواليد 1971) هي روائية تركية تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وقد ترجمت أعمالها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة. اشتهرت بتأليفها رواية (قواعد العشق الأربعون) سنة 2010.

في كتابها (حليب أسود)، والذي ترجمه إلى العربية الأستاذ (أحمد العلي)، تتساءل (إلف) عمّا يجعل المرء سويًا، سواءً كان ذكرًا أو أنثى. فتبدأ (إلف) باقتباسها من المغنية (كورتني لوف)، إذ قالت:

قالت مرة المغنية (كورتني لوف): “في الجزء الأكبر من حياتي اليومية، أحب أن أتصرف بشكل سويّ، بطريقة مُثلى، حتى لو كنت منهكة ومستنفذة بالرؤى المريضة للعنف والإرهاب والجنس والموت“.

تعقب بعد ذلك (إلف) قائلة:

نحن بخير طالما أننا نتظاهر بذلك، طالما أننا ندعيه من الخارج.

لكن مالذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟ ما هي بالضبط المرأة السوية؟ ما الصفات النسائية التي تعتبر طبيعية؟ وما هي الصفات الأخرى التي تصنف على أنها ثقافية؟ هل مقدّر على الفتيات، جينيًا، أن يكُنّ أموميات وراعيات وعاطفيات؟ أم أن عوائلهن ومجتمعاتهن من يُشكّلنهن على هذا النحو؟ أم أنه أمر آخر، تكون فيه الصفات الطبيعية والثقافية متضافرة بشدة على الحدّ الذي يصعب معه البت في أي تقسيم لتلك الصفات المشكِّلة للمرأة؟

تقول (إلف) مجيبة عن تساؤلاتها:

تأتي الصفات دومًا على شكل زوج. هناك الصفة وهناك عكسها، هناك الصفة وما يقابلها. لكل جميل في العالم، هناك بالتأكيد مقابل قبيح، ربما، في التحضير للطوفان الكبير، استقلت الصفات سفينة نوح زوجًا زوجًا، كما فعلت الحيوانات تمامًا. لهذا نميل على الدوام للتفكير في المصطلحات بشكل ثنائي. إن كان هناك تعريف ثابت لما تم التعارف عليه على أنه “النسوية المثالية“، فشكرًا لذلك التعريف الذي ترسخ على أنه تعريف “الرجولة المثالية“. كلا التعريفين، وما يترتب عليها من توقعات، مروّعان بشكل أو بآخر لكلا الطرفين، للرجال والنساء على حد سواء.

ننتقل بعد ذلك مع (إلف) إلى موضع آخر، فتقول فيه:

حلال قرون طويلة على وجه المعمورة، كان المتوقع من الفتيات والنساء أن يلتزمن بقائمة صفات ثابتة، بينما يُقاس الفتيان والرجال بقائمة أخرى. وإذا جمع أي أحد صفات من كلا القائمتين مهما كان الزمان الذي يعيش فيه أو المكان، فإن حياته ستتعقد بشكل رهيب. لذلك يُقال، إلى يومنا هذا، عن المرأة التي توصم بالحزم، إنها “رجولية“، وستواجه متاريس صلبة من ردود الفعل الخشنة، تمامًا كما سيحدث للرجل الذي يوصم بأنه “أنوثي“. وكلما كان المجتمع محافظًا، يكون من النادر فيه أن تتقاطع القائمتان وأن تلتقي الصفات في أحد من أفراده. ما أشرس الحياة! ومع ذلك يبقى تحديد العلاقة بين الجنسين وتعريفها أمرًا محصورًا في المجتمعات التقليدية. وعلى الرغم من تغيرها المستمر، أعني تلك المجتمعات، فإن المشكلة تبقى كونية ومنتشرة. فمنذ الأساطير القديمة وحتى كتب المصوّرات الحديثة، من الحكايات الشعبية إلى الإعلانات التجارية، وهذه الثنائية في التفكير تتشعّب يومًا آخر في كل جوانب حياتنا.

الرجل / المرأة

عضلي/ رقيق

خشن / خجول

حاضر / غائب

ثقافة / طبيعة

النهار / الليل

منطقي / عاطفي

العقل / الجسد

لمسي / حسية

عمودي / أفقي

السفر / الاستقرار

متعدد العلاقات / وحيد العلاقة

أفعال / أقوال

متجرد / ذاتي

تمجيدي / رثائي

وبشكل مستغرب، بما فيه الكفاية، اعتادت النساء أيضًا على التفكير في أنفسهن وفقًا لتلك الصفات المحددة. إن العلاقات التي ينشئها بعضنا بالآخر، وأحاديث النفس التي نجريها في دواخلنا، والطريقة التي نربي وفقها بناتنا، مثقلة بظلال تلك الانشطارات بين الصور المثلى للجنسين.

تختتم (إلف) تساؤلاتها، قائلة:

عندما يبدو كل شيء مثقلًا بالميراث الثقافي، كيف لي أن أعرف إذا ما كان ما أشعر به وأفكر فيه طبيعيًا؟ ومن قال أنه ليس إملاء مفروضًا عليّ من الوسط الذي أعيش فيه؟

الفكر التنويري في قضية النوع

دوريندا أوترام

يرى (كانط) التنوير أنه خلاص الإنسان من سذاجاته التي جلبها لنفسه، وذلك باستخدام عقله دون أن يشوهه التعصب ودون أن يوجهه الآخرون. فالتنوير حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية. تقوم على إعمال العقل ونبذ الجهل والخرافة، نشأت في إنجلترا في القرن الثامن العشر بينما كان تطورها الحقيقي في فرنسا، كما أن الثورة الفرنسية استلهمت أفكار التنوير الذي لم يكن مقصوراً على أوروبا وحدها  بل امتدا إلى أمريكا.

(دوريندا أوترام)، تدرس التاريخ في جامعة كورك، وكانت أستاذة زائرة في جامعة هارفارد وقامت بتدريس مادة تاريخ العلوم، صدر لها كتاب (الجسم والثورة الفرنسية). وفي كتابها (التنوير)، من ترجمة د. (ماجد موريس إبراهيم)، تناولت الكاتبة في الفصل السادس “الفكر التنويري في قضية النوع” تستفتح حديثها بقتباس لـ(ماري وولستون كرافت): 

من ذا الذي جعل من الرجل الحكم الأوحد إذا كانت المرأة تشاركه في نعمة العقل؟

عند كل من الرجل والمرأة لا بد وأن تكون “الحقيقة” واحدة، هذا لو أنني أعرف الحكمة بمعناها الصحيح، إلا أنه في الشخصية الخيالية للمرأة والتي رسم صورتها الشعراء والروائيون بطلاوة بالغة كان من المتطلب تنحية الحقيقة والصدق وهكذا أصبحت الفضيلة فكرة نسبية لا تقوم إلا على ما تجلبه من فائدة، وبناء على هذا المنطلق يتظاهر الرجال بارتجالية أنهم يطلقون أحكامهم وأنهم يشكلونها كي تتفق مع ما يؤدي إلى راحتهم. الرجل يكون رجلاً في بعض اللحظات فقط أما المرأة فهي المرأة على مدى سني عمرها .. كل شيء وبصفة مستمرة يستدعي أنوثتها إليها .. المرأة الكاملة والرجل الكامل لم يعد عليهما أن يشابه أحدهما الآخر من ناحية العقل بأي قدر أكثر مما يفرضه التشابه الشكلي بينهما.

كرس التنوير جهداً عظيماً من أجل تعريف “النوع” – الذكر والأنثى. وكان هذا الجهد عظيماً فعلاً حتى إن بعض المؤرخين ما لبثوا أن رأوا أن هذه الفترة كانت مصباً لمحاولات الثقافة الأوروبية لتعرف على الاختلاف بين الجنسين.

بذل جهد كبير في التنوير من أجل تعريف الأنوثة. الصور الشائعة للمرأة في سالف الزمان والتي صورتها سليطة اللسان، بغي، أو مسترجلة .. أخذت تتوارى وقد حلت محل هذه الصور محاولات متعددة طبية وعلمية لتعريف الفروق الاجتماعية والثقافية بين الرجل والمرأة باعتبارها فروقاً طبيعية ومن ثم تصبح هذه الفروق صحيحة وحتمية. دار جدل كثير حول التكوين الجسماني للأنثى وحول أهمية دور المرأة كأم. وفي هذه المناقشات شارك كل من العلم والطب بنصيب بالغ الأهمية .

بدا  باضطراد وكأن الكتابات الطبية تعني أن الأنثى كانت حقيقة نوعاً منفصلاً من الجنس البشري مخصصاً للوظائف التناسلية وللممارسة الجنسية التي كانت في الغالب مكبوته أو موضع إنكار. وعلى النقيض من هذا كانت النساء تضطلعن بمهمة الحرص على الأخلاق والدين في الحياة الأسرية. كانت هذه الصورة للمرأة تتضمن عناصر كثيرة لا تتفق مع بعضها لبعض. إنها الصورة التي تنكر على المرأة حقها الكامل كفرد، وفي الوقت نفسه الذي كان الرجال يتمادون فيه في تعريف أنفسهم كأفراد مستقلين يلعبون دورهم على الصعيد القانوني والاقتصادي. 

ومن الكتب التي كان لها دور في نقاش قضية النوع في فكر التنوير . كان كتاب (وولستون كرافت) مهماً ليس فقط بسبب وضعيته الكلاسيكية التي اكتسبها في فكر المرأة المعاصر ولكن أيضاً بسبب أنه كان واحداً من الكتب الأولى التي واجهت مباشرة تلك التناقضات المتضمنة في فكر التنوير عن  النوع وأبرزت مشاكلها “المرأة” فيما يختص ببناء فكر التنوير. أوضحت (وولستون كرافت) أن الأفكار عن الأنوثة، مدعمة من قبل كتاب من أمثال (روسو) والتي صورت المرأة بحال أدنى من الرجال ومختلف عنه، ولم تفعل أكثر مما سبق وأن أشار إليه (فولتير) من حيث إنها كررت في الحياة العائلية النظام السياسي نفسه، الذي تأسس على الأفضلية والقوة الافتراضية التي تمتعت بها السلالات الحاكمة والطبقة الارستقراطية مقارنة بالأفراد العاديين، أو ما تمتع به ملاك الرقيق من سلطان على عبيدهم، وهوما كان الكتاب أنفسهم على أتم استعداد لمهاجمته في مواقف أخرى. وضعت (وولستون كرافت) يدها أيضاً على تناقضات أكثر خطورة في فكر التنوير حال تناوله لموضوع “النوع“. أوضحت أن التنوير قام على مثاليات مثل العقل والفضيلة والتي كان من المفترض أنها فطرية أو يمكن التماسها بواسطة كل البشر. إلا أن العقل كان هو بالتحديد ما أنكر على المرأة من قبل كتاب (روسو) ومن قبل كتاب الطبيعيين حيث تم التعريف “الفضيلة” عند المرأة من منطلق جنسي بحت. ومع هذا وكما توضح (وولستون كرافت) فإن هذه الأساليب تؤدي فقط إلى إلى نسبية أخلاقية خطيرة من شأنها أيضاً أن تعوق تقدم التنوير بسبب أنها أضفت على الأخلاق صفة جنسية. وإذا عرفنا الفضيلة تعريفاً خاصاً بالرجل وآخر يختص بالمرأة فإن أي محاولة لربط التنوير بالدين يمكن أيضاً أن تتداعى حتى إنها تقول .. لو أن النساء كن بالطبيعة أدنى من الرجل فإن الفضائل يجب أن تكون متماثلة في الكيفية لو لم تكن متماثلة من حيث الكم .. أم هل يمكن اعتبار الفضيلة فكرة نسبية، لا بد وأن يكون للفضيلة مقياس أبدي واحد .. إنه لمن المضحك أن نشيد بفضيلة أي امرئ لا تنتج فضيلته من أعمال عقله هو.

أن نقول إن الفضيلة عند بعض الكائنات البشرية “المرأة” غير مؤسسة على العقل وإنها معرفة تعريفاً يختلف عما تمارسه كائنات بشرية أخرى “الرجل” يعني أنك تضفي على الفضيلة خصائص تعني أنها لا يمكن أن تنبع من عند الله. حيث إن الله واحد أبدي عاقل.

تقول (وولستون كرافت) إنه لو كانت المرأة في الحقيقة غير عاقلة لكان من المفضل كثيراً أن نبتعد عن التظاهر وأن نستبعدها كلية من الحياة الاجتماعية بالطريقة نفسها التي نستبعد بها الحيوانات، ولو أن النساء كن عاقلا فعلاً فلا بد حينئذ ان يشاركن في الحياة نفسها الأخلاقية والمعرفية التي يعيشها الرجال:

إن خطابي ليس إلا من أجل هذا المبدأ البسيط “النضال من أجل المرأة” لو أن المرأة كانت غير مؤهلة تعليمياً كي تكون شريكاً للرجل فسوف يتوقف النمو العقلي في المعرفة والفضيلة لأن الحقيقة يجب أن تكون واحدة عند الجميع, وإلا فستصبح المرأة عديمة الفاعلية في تأثيرها على الحياة العامة.

اهتمام الفكر التنويري بالتعريفات الطبية والعلمية النوع:

في الآونة الأخيرة قال المؤرخون من أمثال (توماس لاكويير) إنه فيما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر بدأ تعريف كل من الرجل والمرأة يعاد صياغته بطريقة شديدة التأثر بالتعريف الطبي لطبيعة التكوين الجسمي. وقد هيأت المكانة الثقافية المميزة للعلم والطب أن تحل حقائق “علم الحياة” كي تحل محل التعريفات السابقة التي اعتمدت على التسلسلات الهرمية المقننة إلهياً أو على العادات الطاعنة في القدم كقواعد لخلق أو لتوزيع القوى في العلاقات بين الرجال والنساء.

بحلول العقد الأخير من القرن الثامن عشر كان الكتاب من أمثال (هوكننر) يكررون فقط أفكار شديدة الشبه استعملها الكتاب المؤثرون من أمثال (جان جاك روسو) في وقت مبكر من القرن. واصفاُ (صوفيا) بالمرأة المثالية التي أبدعها في عمله التعليمي إميل [1762]. يتحدث (روسو) عن الطريقة التي يختلف بها بناء الجسماني لصوفيا وبطريقة حاسمة عن جسم إميل رفيقها المنتظر، ويمضي مؤكداً أولاً خضوعها له وثانياً تكريسها باتجاه الأمومة والبيتية.

وعن التفكير في قضية النوع في القرن العشرين ترى (أوترام) أنه:

أصبح معظم الناس يعتقدون أن الاختلافات بين الذكر والأنثى ترجع بدرجة كبرى إلى الاختلاف في التدريب والتعليم وتوقعات المجتمع أكثر من كونها ذات جذور في الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة، على العكس من هذا نجد أنه في التنوير كانت الاختلافات البيولوجية و الأدوار التي تمليها البيئة على كل نوع على حدة تعتبر شيئاً واحداً. عند معظم مفكري القرن الثامن عشر أدت الاختلافات البيولوجية مباشرة إلى تحديد الدور الاجتماعي المطلوب من كل جنس على حدة، مثال ذلك التشديد على القدرة المميزة للمرأة كي تلعب دور الزوجة والأم. اختلاف أساسي آخر مع أسلوبنا في التفكير هو التعميم المعلن لدور النوع بينما في وقتنا هذا فإنه من المقرر غالباً أن كل شخص يتفرد في خليط ما به من الخصائص “الذكرية” و”الأنثوية“.

 

رسالة أحمد أمين في اللذات والشهوات

الأديب-أحمد-أمين

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته ”فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”.  في كتيبه إلى ولدي، وهو رسائله ونصائحه إلى أبناؤه كتب فقال:

أي بني !
لست أريدك أن تكون راهبًا، فمتى خلقت إنسانًا لا مَلكًا فلتكن إنسانًا له ملذاته وشهواته في حدود عقله ومنفعته ومنفعة أمته. والقرآن يقول : {قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطبيات من الرزق} ؟ أريدك أن تفهم معنى اللذة في حدودها الواسعة لا الضيقة .. إن للذة درجات كدرجات السلم الآخذة في الصعود، فأسفل درجاتها لذة الأكل والشرب واللباس، وما إلى ذلك. ومن غريب أمر هذه اللذة أنها تفقد قيمتها بعد الاستمتاع بقليل منها، فلكل إنسان طاقة من هذه اللذة يقف عندها، فإذا تعدّاها انقلبت ألمًا .. ثم هي ليست مرادفة للسعادة، فكثير ممن يأكلون الأكل الفاخر، ويلبسون اللباس الأنيق، ويسكنون القصور الفخمة، هم مع ذلك أشقياء .. فسعادتهم إنما هي في نظر غيرهم لا في نظر أنفسهم، ولو كانت هذه اللذة هي السعادة لكان هؤلاء الناس أسعد الناس دائمًا.
ثم هذه اللذائذ قيمتها في الاعتدال فيها، وعدم التهافت على كسبها. إن شئت فاحسب حساب من أفرط فيها في فترة قصيرة من الزمن ثم فقد صحته، فلم يعد يستطيع أن يتابع لذته، وحساب من اعتدل فطال زمن لذته مضافًا إلى لذته من صحته.
وأرقى من هذه درجة لذة العلم والبحث والقراءة والدرس .. فهذه لذة العقل وتلك لذة الجسم، وهذه أطول زمنًا، وأقل مؤنة، وأبعد عن المنافسة والمزاحمة، والتقاتل والتكالب، وصاحبها أقل عرضة لتلف النفس وضياع الصحة.
وإن أردت الدليل على أنها أرقى من اللذائذ المادية، فاسأل من جرب اللذتين، ومارس النوعين، تجد العالِم الباحث والفنان الماهر والفيلسوف المتعمق لا يهمهم مأكلهم وملبسهم بقدر ما تهمهم لذتهم من بحثهم وفنهم وتفكيرهم.
وأرقى من هذه وتلك لذة مَن وهب نفسه لخدمة مبدأ يسعى لتحقيقه، أو فكرة إنسانية يجاهد في إعلانها واعتناقها، أو إصلاح لداء اجتماعي يبذل جهده للقضاء عليه .. فهذه هي السعادة ولو مع الفقر، ولكن لا يصل إلى هذه اللذة إلا من رقى حسه وسمت نفسه.
أي بني !
إنك خُلقت إنسانًا ذا جسم وعقل وروح، وقد رُبيت فنما جسمك، وثُقفت فنما عقلك. وأرجو أن يكون قد صادفك في بيئتك ما نمّى روحك. ولكل من هذه العناصر الثلاثة غذاؤها، ولكل لذاته، ولذة اللذائذ أن تستطيع أن تمد العناصر الثلاثة بغذائها ولذاتها من غير أن يطغى عنصر على غيره، فيختل التوازن ويضيع التعادل.

عبدالوهاب المسيري يتكلم عن الجنس والمجتمع الأمريكي

عبدالوهاب المسيريعبدالوهاب المسيري (1938-2008) هو مفكر وعالم اجتماع مصري، تدور أغلب أعماله عن اليهود والصهيونية، وعن العالم المعاصر الحديث ونقده وتفكيكه. في كتابه (رحلتي الفكرية) والذي يُعد بمثابة سيرة ذاتية “غير ذاتية وغير موضوعية” للمؤلف كما يصفها، جعل أحد الأقسام ليتحدث فيه عن أفكاره حول العالم الغربي، وتطرق بعد ذلك إلى الحالة الجنسية في العالم الحديث فيقول بداية عن تصوراته القديمة للحالة الجنسية:

كانت إحدى الصور النمطية الشائعة في عقولنا والنموذج التفسيري الكامن فيه أن الجنس طاقة (مادية) إن فُرِّغت بطريقة “عادية” “طبيعية” “سوية” فإن الفرد يصبح عاديًا وطبيعيًا وسويًا، أما إن كُبتت فإنها تصبح قوة مدمرة. وهي معادلة بسيطة ومعقولة لأول وهلة على الأقل، ولذا كان من المفهوم أن ينشغل الشرقيون بالجنس، فهم مكبوتون قُمعت رغباتهم الجنسية في طفولتهم ومراهقتهم، ولذا طاقتهم الجنسية كلها مخزونة، وهو ما أدّى إلى تشوههم النفسي الكامل، وتحولوا إلى مراهقين أزليين. هذا ما تعلمناه ؛ كما تعلمنا أيضًا أن الأمور مختلفة تمامًا في الغرب، فهم يتصرفون بشكل طبيعي إذ أنهم يسربون الطاقة الجنسية بلا قمع ولا كبت.

ولكن حينما وصلت إلى الولايات الأمريكية وجدت أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأن المعادلة البسيطة التي آمنت بها لا تفسِّر الأمور، إذ لاحظت إقبال الأمريكيين النهم وانشغالهم المتطرف (وأحيانًا المرضي) بالجنس، بينما مجال الإشباع الجنسي متاح أمامهم بشكل ديموقراطي مذهل.

يحاول بعد ذلك تحليل هذه الحالة الغربية فيقول:

لعله يعود إلى (رؤيتهم) المادية للجنس، كما لو كان الجنس شيئًا طبيعيًا ماديًا ؛ مسألة غدد وعضلات وحسب، مسألة محايدة تمامًا لا تختلف عن أي عملية بيولوجية أخرى (مثل تناول الطعام) ؟ وكثيرًا ما سمعتهم يقولون إن الجنس مثل الطعام تمامًا. ولعل محاولة تطبيع الجنس تفسر رغبتهم العارمة في ممارسة الجنس في العلن، بلا إحساس بالحرج أو الخصوصية أو الفردية، خاصة بعد انكماش رقعة الحياة الخاصة. ومحاولة تطبيع الجنس تظهر في أن المجتمع الأمريكي يُظهر عدم الاكتراث بعلاقة الجنس بالمجتمع، أو كما يقولون : لا يهم سلوك الإنسان في السرير، المهم هو سلوكه أمام شباك التذاكر !

وعدم الاكتراث هذا هو نتيجة لتبسيط الإنسان واختزال دوافعه. ولهذا لم يدرك كثير من الأمريكيين أن الجنس مسألة إنسانية مركبة خاصة وفردية وأنها مرتبطة برؤية الإنسان للكون وهويته الفردية. وعدم إدراكهم لهذه البسيطة العميقة، هو أحد أسباب عدم الارتواء الجنسي، فهم يمارسون الجنس في إطار مادي، يترك كيانهم الإنساني بلا إشباع.

يتطرق بعد ذلك إلى أثر ذلك على حالة المجتمع والأسرة داخل المجتمع، فيقول:

هذا إلى جانب أن الباحث عن اللذة هو إنسان فرد مكتف بذاته (موضع الحلول)، لا يطيق أي حدود أو قيود، أو مسؤولية، ولهذا فهو غير قادر على إرجاء تحقيق رغباته، فهو يود أن يحققها في التو (الآن وهنا)، وخاصة أن هذا الفرد يعيش في مجتمع نفعي مادي، لا يعرف المثاليات التي تساعده على تجاوز ذاته الضيقة. وفي تصوري أنه لا يمكن إرجاء إشباع الرغبات إلا من خلال الإيمان بمَثل أعلى يتجاوز حدود الفرد وحيزه.

ومثل هذا الفرد المكتفي بذاته لا يمكنه أن يقبل مؤسسة الأسرة، فهي مؤسسة تُلقي على كاهله (كأب وكأم) مسؤوليات اجتماعية شتى، وتفرض حدودًا وقيودًا، عليه أن يقبلها، وهو من الصعب عليه أن يفعل، فهو يعيش لنفسه ولمتعته وفائدته ولذته، ولذا تَضْمُر مؤسسة الأسرة تمامًا. ولعله لهذا يزداد العزوف عن النسل أو الزواج، مع ازدياد الإحساس بأن الأسرة عبء لا يُطاق وأن مسؤولية تنشئة الأطفال تفوق طاقة البشر.

لكن تحطم الأسرة بدوره يزيد من السعار الجنسي، إذ إن الأسرة هي المؤسسة الوحيدة التي يمكن داخلها تنظيم الرغبات الجنسية دون أن تتم عملية قمع كاملة لها. أم المؤسسات التي حلت محل الأسرة، فهي قادرة على القمع الكامل وحسب، وحيث إن هذا مستحيل، فإنه يحل محله الترخيصية الكاملة.

وأعتقد أن الشذوذ هو النتيجة المنطقية والترجمة الوحيدة الأمينة لمبدأ اللذة النفعي، فالإنسان الشاذ يمكنه أن ينشئ علاقة مع شخص آخر من جنسه فيتغلب على اغترابه بشكل مؤقت ثم يعود مرة أخرى لحياته الاستهلاكية البسيطة. وهو يتغلب على اغترابه دون أن يدخل في علاقات ذات آثار اجتماعية تضطره للدخول في علاقة حقيقية مع الآخرين ومع الواقع، إن العلاقة مع شخص من نفس الجنس هي أقل العلاقات الإنسانية جدلية.

يقول في موضع آخر عن علاقة الجسد بالجنس:

لقد انفلتت الرغبات الجنسية من عُقالها، وبدلًا من أن تحرر الإنسان، حيدته ثم استعبدته. فانتشرت الإباحية وتم تطبيعها بشكل لم يعرفه المجتمع الأمريكي من قبل. بل يُخيّل إليّ أحيانًا أننا يجب أن ننظر إلى الإباحية الأمريكية لا في علاقتها بالجنس، وإنما علاقتها بالتشريح، فبعض الأعمال الإباحية الحديثة تنظر للجسد لا باعتباره شيئًا يثير الشهوة وإنما باعتباره شيئًا يُنظر إليه بشكل معملي، شبه محايد. فكأن الهدف من الإباحية هنا ليس إرضاء الشهوات وإنما اختزال الإنسان إلى جسد، ثم تشريح أو تفكيك هذا الإنسان وتحويله إلى مادة استعمالية، ومن هنا محورية فعل (يُعري). فالتعرية هنا تبدأ بالجسد وتنتهي بتعرية الإنسان من تركيبه وإنسانيته. لكل هذا يُنظر للجنس بطريقة محايدة للغاية وكأنه نشاط بيولوجي منفصل عن القيمة.

وعن أثر ذلك على الحالة الفنية والأعمال الأدبية:

ويرتبط بقضية الجنس والاهتمام المحموم به، عدة قضايا. فقد ظهرت أعمال أدبية تتعامل مع الجنس بشكل مكشوف ومباشر، وتحاول أن تتحدث عما يسمّى (لغة الجسد). ولا أعرف أي لغة هذه، فاللغة بطبيعتها مجردة، ولكنها مرة أخرى محاولة أن يُحصر الإنسان في نطاق حواسه الخمس، وإنكار مقدرته على أن يُجاوز ذاته الطبيعية المادية، فهي دعوة رجعية لا إنسانية. إن الأعمال الأدبية التي تتحدث بلغة الجسد (والحواس الخمس) أعمال ترفض التعامل مع رحابة وتركيبية الظاهرة الإنسانية.

تلخيصًا لعلاقة الجسد والجنس، يقول:

إن الجسد هو الصورة المجازية الأساسية في عصر التحديث، أما الجنس فهو صورته في عصر ما بعد الحداثة. ولمزيد من الإيضاح بينت أن ما يحدث الآن في الفلسفة الغربية الحديثة هو إعطاء الجنس (واللذة والشهوة والرغبة) أسبقية معرفية على كل شيء، بل إن الجنس بدأ يحل محل اللغة، فعلى الرغم من أن اللغة في رأي أنصار ما بعد الحداثة هي نظام مستقل عن الواقع (فهي نظام لا يشكله الإنسان الفرد الواعي)، فإنها يوجد فيها بعض ظلال الإله – أي المعنى والرغبة في التفسير والذات والموضوع. أما الجنس، فقد تخلص من هذا تمامًا. فالجنس رغبة فردية محضة ولكنها لا فردية فيها، فالجميع يشعر بها ويمارسها. والرغبة لا يمكن أن يُحكم عليها من خارجها، ولذا فهي تتحدى التفسير، ومن يتمسك بها تمامًا لا يسقط في الميتافيزيقا بسبب اكتفائها بذاتها. وبهذا يمكن القول بأن الرغبة الجنسية أقرب من الجسد إلى المادة الأصلية الأولى التي تتحدث عنها الفلسفة المادية والتي ليس لها أصل رباني، إنها تشكل المرجعية المادية الكامنة الحقة التي لا تعرف أي تجاوز.

يختتم كلامه في نهاية المقالة فيقول:

وهذا هو الاتجاه المتزايد نحو الانشغال بالجسد والجنس ليس حكرًا على المجتمع الأمريكي، بل هو ظاهرة عالمية، آخذة في الاتساع مرتبطة بتساقط الأيدلوجيا وانتشار فكر ما بعد الحداثة. ومهما كان الأمر فإن قضية الجنس كانت من القضايا المهمة التي اكتشفت من خلالها بساطة الرؤية المادية الاختزالية وأنها تؤدي لا إلى تحرير الإنسان وإنما إلى تفكيكه.