أرشيف الوسم: الحب

العقاد وفلسفته في الحب

270px-7457549364_e1d0847d9c

عباس محمود العقاد (18891964) أديب ومفكر وصحفي وشاعر مصري. وعضو سابق في مجلس النواب المصري. وعضو في مجمع اللغة العربية. لم يتوقف إنتاجه الأدبي رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. ويعد (العقاد) أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في الحياة الأدبية والسياسية. وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب في مختلف المجالات.

في كتاب السيرة الذاتية (أنا) لـ(عبّاس محمود العقّاد)، كتب مقدّم الكتاب (طاهر الطناحي) عن العقّاد في الحب، قائلاً: “أحَبْ العقّاد مرتين ، صُدِم في الأولى ففارقها كارهًا لها لخداعها وخيانتها ، وفارقته الثانية لأنانيتها وكرامتها. ومع ذلك فقد كان يمدح الحب ويقدّسه”.

وفي الفصل السادس كتب العقّاد “فلسفتي في الحب” فقال في تعريفه للحُبّ بادِئًا:

ما ليس بالحب أسهل في التعريف مما هو الحب، وهكذا الشأن في كل تعريف لمعنى من المعاني أو كائن من الكائنات. فنحن نستطيع في لمحة عين أن نعرف أن زيدًا ليس بعمرو ، ولكننا لا نستطيع في هذه السهولة أن نذكر تعريف عمرو و زيد ونحيط بأوصاف هذا أو ذاك، ولو كنّا أعرف العارفين بالإثنين.
وعلى هذا القياس نعرّف الحب من طريق النفي قبل تعريفه من طريق الإيجاب.

فليس الحب بالغريزة الجنسية؛ لأن الغريزة الجنسية تعم الذكور والإناث، ولا يكون الحب بغير تخصيص وتمييز.
وليس الحب بالشهوة؛ لأن الإنسان قد يشتهي ولا يُحِب، وقد يُحِب وتقضي الشهوة على حبه.
وليس الحب بالصداقة؛ لأن الصداقة أقوى ما تكون بين اثنين من جنس واحد، والحب أقوى ما يكون بين اثنين من جنسين مختلفين.
وليس بالانتقاء والإختيار؛ لأن الإنسان قد يُحِب قبل أن يشعر بأنه أحب، وقبل أن يلتفت إلى الانتقاء والإختيار.
وليس الحب بالرحمة؛ لأن المُحِب قد يعذِّب حبيبه عامدًا أو غير عامد، وقد يقبل منه العذاب مع الاقتراب، ولا يقبل منه الرحمة مع الفراق.

الحب كذلك يعرَّف جزءًا جزءًا قبل أن يُعرَّف كاملًا  شاملًا  مستجمعًا لكل ما ينطوي عليه.

ويكمل:

ففي الحب شيء من العادة؛ لأن المُحب يهون عليه ترك حبيبه إذا كان تركه لا يغيّر عاداته ومألوفاته، وأقوى ما يكون الحب إذا طال امتزاجه بالعادات والمألوفات.

وعن الخداع ، قال:

في الحب شيء من الخداع، لأن المرأة الواحدة قد تكون أفضل المخلوقات في عين هذا الرجل، وتكون شيئًا مهملًا  لا يستحق الإلتفات في عين ذاك، ثم تعود كالشيء المُهمَل في عين الرجل الذي فضّلها من قبل على جميع المخلوقات.

وفي الحب شيء من الأنانية ولو أقدم صاحبه على التضحية؛ لأنه لا يترك محبوبه لغيره ولو كان في ذلك اسعاده ورضاه، ولكنّه قد يُضحِّي بنفسه إذا اعتقد أن محبوبه لا يصير إلى سواه.

وعن الغرور ، قال:

والحب أيضًا فيه شيء من الغرور، ولولا ذلك لما اعتقد الإنسان أن إنسانًا آخر يهمل الألوف من أمثاله ليخصّه وحده بتفضيله وايثاره.

وقد يخلو الحب من كل شيء إلا من شيء واحد، وهو الاهتمام!
فصدِّق إن قيل لك أن حبيبًا يُبغِض حبيبه ويؤذيه، وصدِّق إن قيل لك أن الحب والازدراء يجتمعان، وصدِّق إن قيل لك أن الحب يخون أو يقبل الخيانة من المحبوب، فأما إن قيل لك أن حبًا يبقى في النفس بغير اهتمام، فذلك هو المُحال الذي لا يقبل التصديق!

وخلاصة القول:

أن الحب عواطف كثيرة وليس بعاطفة واحدة، ومن هنا كان أقوى وأعتف من العواطف التي تواجه النفس على انفراد .. ففيه من حنان الأبوة، ومن مودة الصديق، ومن يقظة الساهر، ومن ضلال الحالِم، ومن الصدق والوهم، ومن الأثرة والإيثار، ومن المشيئة والاضطرار، ومن الغرور والهوان، ومن الرجاء والقنوط ومن اللذّة والعذاب، ومن البراءة والإثم، ومن الفرد الواحد والزوجين المتقابلين، والمجتمع المتعدّد، والنوع الإنساني الخالد على مدى الأجيال.

يسألونك عن الحب ؟
قل هو اندفاع جسد إلى جسد، واندفاع روح إلى روح.
ويسألونك عن الروح فماذا تقول؟
قُل هي من أمر ربي .. خالق الأرواح!
لهذه الكثرة الزاخرة في عناصر الحب، تكثر العجائب في العلاقات بين المحبين.
فيجمع الحب بين اثنين لا يخطر على البال أنهما يجتمعان .. ويتكرر الحب في حياة الإنسان الواحد حتى ليكون المحبوب اليوم على نقيض المحبوب بالأمس في معظم المزايا ومعظم الصفات.

في خاتمة المطاف:

هل الحب اذن أمنية نشتهيها؟ أو هو مصيبة نتقيها؟

لي أن أقول إنه مصيبة حين تحمل به نفسًا ثانية مع نفسك، وأنت تريدها ولا تريدك، وإنّه أُمنية حين تتعاون النفسان ولا تتخاذلان.
وليس بالمصيبة، ولا يكفي فيه أن يُوصَف بالأمنية حين لا عبء ولا تخفيف، بل تنطلق النفسان محمولتين معًا على كاهل “النوع” كله أو على أجنحة الخلود التي تسبح في أنوار عليين .. وما من محبين إلا اتفقت لهما هذه الرحلة السماوية في سهوة من سهوات الأيام.

في الحب، عند جبران

جبران

جبران خليل جبران (1883-1931) هو شاعر وكاتب ورسام لبناني. ويُعد من أدباء وشعراء المهجر. هاجر وهو صغير مع أمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1895 حيث درس الفن وبدأ مشواره الأدبي. كانت بدايته الأدبية باللغة العربية، وبعد ذلك كتب باللغة الإنجليزية، وتُعرف مؤلفاته بأنها الأعمال الشعرية الأكثر مبيعًا -عالميًا- بعد (شكسبير) و(لاوزي). في مقدمة كتابه الشهير (الأجنحة المتكسّرة)، تحدث د. (جميل جبر) عن الحب عند (جبران) فقال:

الحب في نظره، مصدر السعادة والنور، هو الخبز المقدّس الذي يُغذّي الروح ويحرِّر ويرفع، فلا يجوز بالتالي أن يُقيَّد، هو أقوى من الشرائع وأقوى حتى من الموت لأنّه سر الحياة المتجددة عبر تناسخ الأرواح.
عقد الزواج الذي سنّه البشر لا قيمة له بالنسبة إلى تعاقد قلبين حسب سنة الطبيعة.
الحب يهب أجنحة تطير بالعاشقين إلى ما وراء الغيوم ليروا العالم السحري ..
ثم يقول في موضع آخر:
ويتخذ الحب الجبراني بُعدًا ميتافيزقيًا:
إنّه قدر، تدبير سماوي .. المحبة الحقيقية“، و(جبران) يخلط بين المحبة والحب؛ “هي ابنة التفاهم الروحي وإن لم يتم هذا التفاخم بلحظة واحدة لا يتم بعامل كامل ولا بجيل كامل ؛ لأن الحبيبين كانا واحدًا في الله ثم انفصلا، فسعى كل شطر منهما إلى الآخر إلى أن يتوحّدا ويتكاملا“. إنها نظرية التوأمين في الحبّ، وقد عبّر عنها (جبران) بقوله: “كأن الآلهة قد جعلت كل واحد منّا نصفًا للآخر يلتصق به بالظهر فيصير إنسانًا كاملًا ؛ وينفصل عنه فيشعر بنقص موجع في روحه.”
ويتبع قائلًا:
في الميتولوجيا اليونانية، كما في مذهب الإشراق:
إن العاشقين متَّحدان أصلًا في الله ثم يفترقان بعد الولادة ثم يجمعهما الحبّ من جديد، فيُعيد إليهما وحدتهما الأساسية.

كاي جاميسون في حديثها عن الحب كداعم في الحياة

كاي ردفيلد جاميسون، مواليد 1946. حصلت على الدكتوراه في (علم النفس السريري) من جامعة كاليفورنيا. تعمل حاليا كأستاذة للطب النفسي في كلية الطب، (جامعة جونز هوبكنز). عانت من مرض (ذهان الهوس الاكتئابي). في كتابها (عقل غير هادئ) ترجمة (حمد العيسى). الذي يعتبر سيرة ذاتية، تحدثت فيه عن معاناتها مع هذا المرض وكفاحها في التشافي منه و السيطرة عليه. تحدثت بحميمية غير مرة. عن الحب بصفته داعم مهم في محاولة الصمود ضد هذا المرض، للحب في تجربتهما مع المرض  تأثير قوي بجانب الدواء و العلاج النفسي. أحبت بقوه الأدب والموسيقى، وكتبت الشعر بجانب تأليف الكتب و البحوث العلمية. تعتبر الدكتورة (جاميسون) حالياً واحدة من أهم خبراء مرض (ذهان الهوس الاكتئابي) في العالم، كما حصلت على العديد من الجوائز العلمية الأمريكية والعالمية.

ففي أجمل معاني الحب سمواً و عمقاً تصفه كشيء يجعل الألم أكثر تحملاً:

لا يوجد مقدار من الحب، مهما كان يستطيع أن يعالج الجنون أو يجعلك سعيداً أثناء نوبات الأمزجة السوداوية. الحب يستطيع أن يساعد، ومن الممكن أن يجعل الألم أكثر تحملاً، ولكن دائماً يكون المرء معتمداً على الأدوية التي قد تنجح أو لا تنجح، ومن الممكن أن تكون محتملة أو غير محتملة.

ثم تقول :

ولكن إذا لم يكن الحب هو الترياق الشافي، فإنه بكل تأكيد يمكن أن يعمل كعلاج مساعد و مؤثر جداً. كما كتب (جون دن) : “الحب ليس مجرد فكرة نظرية وتجريدية كما يظن البعض , ولكنه يدوم وينمو“.

وليس هناك أكثر رمزية من حب الأم، فهي لم تكن تستطيع مواصلة الحياة لولا هذا الحب والدعم:

غالباً ما كان الشيء الوحيد الذي يجعلني أستمر هو الاعتقاد، الذي غرسته أمي منذ سنوات عديدة، أن الإرادة والعزم والمسؤولية هي ما يجعلنا أكثر سمواً كبشر في وجودنا. لكل عاصفة رهيبة صادفتني، كانت أمي، بحبها وإحساسها القوي بالقيم، تمدني برياح مضادة، ومساندة. وقوية.

الحب والدعم و العزيمة التي يبديها الطبيب لمريضه ربما تعمل عمل  الدواء الذي يصفه كمسكن للألم. (كاي جاميسون) وجدت هذا الحب الذي يقدمه الطبيب كشيء يقف جنباً لجنب مع الدواء والعلاج النفسي فهي تقول :”إن الدين الذي علي لطبيبي يفوق الوصف“.

انفصلت (جاميسون) من زوجها قانونياً لكن ظلت على اتصال دائم به قدم الحب والرعاية كصديق حتى بعد انفصالهما، تقول:

كان له تأثير رقيق ومهدئ علي عندما أكون متهيجة وقلقة أو مقلقة. لقد اعتنى بي خلال أكثر الأيام شناعة في حياتي، وأنا أدين له، فقط بعد طبيبي وعائلتي، بالفضل في نجاتي.

أحبت رجل إنكليزي تعرفت عليه كأستاذ زائر، وطبيب نفسي من السلك الطبي للجيش الملكي، حب (ديفيد) واهتمامه الصادق جرعة أخرى من العلاج فهي تصف ذلك الحب قائلة:

لقد تعلمت كيف يمكن أن يشفى العقل بأعجوبة بواسطة نصف فرصه، وكيف أن الصبر والنبل يمكنهما أن يعيدا تركيب قطع روح مبعثرة بصورة رهيبة. ما فرقه الألم إرباً إرباً يمكن لملاح خبير، وطبيب نفسي من الطراز الأول، ورجل حب وحنان، أن يعيد تركيبه كما كان في الأصل تقريباً.

هذا الحب أعادها إلى الاستمتاع بالحياة بشكل طبيعي رغم المرض:

بدأت أستمتع بالموسيقى والرسومات مجدداً، بدأت أضحك مجدداً، بدأت أكتب الشعر مجدداً. ليال طويلة و صباحات مبكرة من العواطف الرائعة جعلتني أعيد الاعتقاد، أو أتذكر، أهمية الإحساس بأن أعيش لأحب، وأن أحب لأعيش.

وعن تفهمه بعد أن أخبرته عن مرضها، تقول:

كان (ديفيد) شديد العطف والتفهم لحالي، وسألني سؤالاً بعد سؤال عن معاناتي، وعن أكثر الأوقات صعوبة، وعن أشد ما يخيفني، وما الذي يمكنه عمله عند مرضي. وبطريقة ما، بعد المحادثة، كل شيء أصبح سهلاً بالنسبة لي: شعرت، للمرة الأولى، أنني لست وحيدة في مقاومة كل الألم والخوف من المجهول، وكان من الواضح بالنسبة لي أنه كان يريد بصدق أن يفهم مرضي وأن يهتم بي. لقد بدأ بذلك في تلك الليلة.

في نهاية كتابها تعود لتأكد على قيمة الحب كأداة حماية، فالحب و الحنان الذي أحاطها بها الأصدقاء و العائلة كان مساند لها في تجاوز الحزن و الألم و الخوف و الهزيمة ضد المرض. فالحب كما تصوره (جاميسون) يجعل الحياة أكثر تحملاً :

الحب، بالنسبة لي، هو الجزء الجوهري الاستثنائي من هذا السور العازل للأمواج، إنه يساعدني على صد الرعب و الوحشية بينما، في نفس الوقت، يسمح بدخول الحياة والجمال و القدرة على البقاء. عندما فكرت لأول مرة بتأليف هذا الكتاب، تخيلته كتاباً عن الأمزجة ومرض الأمزجة في سياق حياة شخص ما. ولكن عندما كتبته، تحول بطريقة ما ليكون على نحو كبير كتاباً عن الحب أيضاً، الحب كعامل مؤازر، والحب كعنصر مجدد، والحب كأداة حماية. بعد كل ما بدا أنه موت في عقلي أو قلبي، عاد الحب ليعيد خلق الأمل ويسترد الحياة. لقد استطاع، في أحسن حالاته، أن يجعل الحزن الذي ورثته في الحياة أكثر تحملاً، وأن يجعل جماله جلياً. لقد زودني، بطريقة يتعذر تعليلها ولكنها منقذة، ليس فقط بعباءة ولكن بمصباح للمواسم القاتمة والطقس الكالح.

في فلسفة الحب، آلان باديو يكتب

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه (في مدح الحب)، والذي كان عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلاته والتي دارت حول موضوع الحب، ليطرح (باديو) بذلك نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة. يستفتح كلماته عن الحب، فيقول:

أعتقد بأننا يجب أن نقترب من الحب من نقطتين تتوافقان مع خبرة الجميع. النقطة الأولى: يتسم الحب بالانفصال أو الانفصام، لعله الاختلاف البسيط بين الفردَين وتركيباتهما الشخصية اللانهائية. هذا الانفصام، في معظم الحالات، هو الاختلاف النوعي. ومع ذلك، عندما لا تكون هذه هي الحالة، يشترط الحب أن من يتقابلان شخصان مختلفان ؛ حظتان تأويليتان مختلفتان. بكلمات أخرى، يحتوي الحب على عنصر مبدئي هو الانفصام أو الانفصال، أو الاختلاف. لديك اثنان. فالحب، في البداية، اثنان.
النقطة الثانية: بما أنه ينطوي على انفصال تحديدًا، ففي اللحظة التي يظهر فيها الاثنان على المسرح هكذا، ويختبران العالم بطريقة جديدة، لن يتخذ إلا شكلًا خطرًا أو اتفاقيًا. هذا ما نسميه “اللقاء”. يبدأ الحب لبقاء. وسوف أعطي هذا اللقاء حالة شبه ميتافيزيقية للحدث؛ أي، شيء ما لا يندرج ضمن القانون الحالي للأشياء. لدينا أمثلة لا نهائية في الفن أو الأدب تصف نقطة البداية هذه للحب. ويركّز العديد من القصص والروايات على حالات يكون فيها الاثنان مميزان عن بعضهما البعض على الخصوص؛ حين لا ينتمي الحبيبان إلى الطبقة ذاتها أو الجماعة أو العشيرة أو البلد.
 يؤكد على هذه النقطتين في موضع آخر، فيقول:
إن الحب ليس ببساطة عن لقاء شخصين وعلاقتهما الداخلية: إنه بناء، حياة تُصنع، لم تعد من منظور واحد منذ تلك الأشياء، بل من منظور اثنين. وهذا ما سمّيته “مشهدًا من اثنين”. شخصيًا، كنت دائمًا مهتمًا بقضيّتي الاستمرارية والسيرورة، وليس قضايا البدايات.
 ثم يتحدث بعد ذلك عن البدايات ونشوتها:
من ناحية أخرى، لا يمكن اختصار الحب في اللقاء الأول لأن الحب عملية بناء. إن اللغز في التفكير حول الحب هو قضية المدة الزمنية الضرورية التي يحتاجها ليزدهر. في الحقيقة، إن النقطة الأهم، أساسًا، ليس قضية نشوة البدايات. بالطبع توجد نشوة في البداية، لكن الحب فوق كل شيء بناء يبقى. نستطيع أن نقول إن الحب مغامرة متماسكة. الجانب المغامر منه ضروري، لكن لا يقل عنه ضرورة الحاجة إلى التماسك. إن التخلي عنه مع أول حاجز، مع أول اختلاف جاد، مع أول شجار، يعني تشويه الحب. الحب الحقيقي هو الحب الذي ينتصر باستمرار، أحيانًا بألم، فوق العوائق التي تقف حاجزًا عبر الزمن والمكان والعالم.
 يقول بأن ما يعنيه هو استمرارية الحب، وليس فقط البدايات، فلطالما كانت استمرارية الحب سؤالًا محيرًا:
ما يشغلني هو قضية الاستمرارية في الحب. وبدقة: يجب ألا يفهم أي شخص من كلمة “استمرارية” أن الحب يدوم، أو أنهما سوف يتحابان دائمًا أو إلى الأبد. لابد أن نفهم أن الحب يبتكر طريقة جديدة للاستمرار في الحياة. يواجه وجود كل شخص، حين يتعرض لخبرة الحب، مفهومًا جديدًا للزمن. وطبعًا لو أننا رددنا صوت الشاعر، فالحب هو أيضًا “الرغبة الدائمة في الدوام”. لكن فوق هذا، هو رغبة في دوام مجهول. ذلك أن الحب -كما نعرف جميعًا- هو إعادة ابتكار الحياة. إن ابتكار الحب من جديد يعني إعادة ابتكار ذلك الابتكار الجديد للحياة.
 ثم يتحدث بعد ذلك عن الحب بوصفه إجراءً للحقيقة، ويعتقد (باديو) بأن الناس تحب الحب، لأنها تحب الحقيقة. يقول:
أعتقد بأن الحب هو فعليًا ما أسميه في قاموسي الفلسفي “إجراء الحقيقة”، بمعنى، الخبرة التي من خلالها يشيّد نوعٌ معين من الحقيقة. هذه الحقيقة هي ببساطة شديدة حقيقة الاثنين. حقيقة الاختلاف كما هي. وأعتقد بأن الحب -الذي أسميه “مشهدًا من اثنين“- هو هذه الخبرة. بهذا المعنى، الحب الذي يقبل التحدي ويقبل الاستمرارية، ويقبل خبرة العالم هذه تمامًا، فإنه من وجهة نظر الاختلاف يُنتج، على هذا النحو، حقيقة جديدة حول الاختلاف. لهذا، فإن الحب الحقيقي محط اهتمام الإنسانية كلها دائمًا، بغض النظر عن تواضعه الظاهري، وعن تواريه. نعرف كيف ينجرف الناس بقصص الحب! لابد أن يسأل الفيلسوف لماذا يحدث هذا؟ لماذا هناك العديد من الأفلام الروايات والأغاني التي تكرّس تكريسًا كاملًا قصصها للحب؟ لابد أن هناك شيئًا ما كليًا في الحب لكي تثير قصصه اهتمام هذا الجمهور الغفير. إن الكلّي هو أن الحب يقّدم خبرة جديدة للحقيقة حول كيف تكون اثنين وليس واحدًا. فأيًا كان الحب فهو يعطينا دليلًا جديدًا على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المنعزل. ولهذا نحب الحب؛ كما يقول (سان أوغسطين) نُحب أن نُحب، لكننا نحب أيضًا أن يُحبّنا الآخر. وذلك لأننا نحب الحقائق ببساطة. هذا ما يعطي الفلسفة معناها: الناس يحبون الحقيقة حتى عندما لا يدركون هذا.
 وأخيرًا، يتحدث (باديو) عن إلان الحب، وعن قيمته ومعناه، ويقرر تمحيص الكلمة ومعانيها أكثر. يقول:
إن إعلان الحب هو الانتقال من الصدفة إلى القدر، ولهذا فهو محفوف بالخطر ومشحون بنوع من رهبة خشبة المسرح المرعب. علاوة على ذلك، لا يحدث إعلان الحب بالضرورة مرة واحدة، بل قد يمتد وينتشر ويرتبك ويصبح معقدًا ويُعلن مرة ومرة أخرى، ويكون قدره أن يُعلن، مع ذلك، مرة أخرى. هذه هي اللحظة التي ترسخ فيها الصدفة. فحين تقول لنفسك: لابد أن أعلن للشخص الآخر عمّ يحدث، عن هذا اللقاء والأحداث التي وقعت خلال اللقاء. وأنني سوف أخبر الآخر أن التزام ما حدث بداخلي على الأقل من جهتي. في كلمة واحدة: أحبك. لو “أحبك” ليست خدعة لممارسة الجنس مع شخص ما، والتي يمكن أن تكون الحالة. لو أنها ليست خدعة، فما هي؟ ما الذي يقال حينئذ، معها؟ ليس من السهل على الإطلاق أن تقول “أحبك”. اعتدنا على أن نعتبر هذه الكلمة الصغيرة مبتذلة وتافهة. علاوة على ذلك، نفضّل في بعض الأحيان لكي نقول “أحبك” استخدام كلمات أخرى أكثر شعرية وأقل شيوعًا. لكن ما نقوله دائمًا: سوف أستخلص شيئًا ما آخر مما كان محض صدفة. سوف أستخلص استمرارية وعناد، وارتباط، وولاء. وهنا أستخدم كلمة “ولاء” ضمن قاموسي الفلسفي الخاص، مجرّدة من معناها المعتاد. إنها تعني بدقة ذلك الانتقال من اللقاء الاتفاقي إلى بناء، بقدر ما هو صلب، هو ضروري على السواء.

آلان باديو يتحدث عن علاقة المسرح والفن بالحب

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه (في مدح الحب)، والذي كان عبارة عن تفريغ نصي لأحد مقابلاته والتي دارت حول موضوع الحب، ليطرح (باديو) بذلك نظرته الفريدة حول الموضوع الذي يتكلم عنه الأغلبية بسطحية تامة. وككاتب مسرحي، شارك في شبابه بالتمثيل في عدد من المسرحيات، يقول عن الفن، مستفتحًا حديثه الشيق:

يتمتّع الفن بنقطة قوية جدًا وهي تحقيق العدالة للحدث. هذا يمكن أن يصبح حتى تعريفًا من ضمن التعريفات المحتملة للفن: الفن هو ما يقوم بتحقيق العدالة تحقيقًا كاملًا للحدث، على المستوى الفكري. في السياسة، يقوم التاريخ بترتيب الأحداث بعد وقوعها. لكن الفن متفردًا في استعادة أو محاولة استعادة، كامل قوتها الكثيفة. وحده الفن يستعيد بُعد المعاني للقاء، للثورة، للتمرد. إن الفن في كل أشكاله هو تأمل عظيم للحدث كما هو.
 ثم يتحدث عن سبب حبه للمسرح، وعن تشابه التمثيل على المسرح مع دخول الإنسان في علاقة حب يقول:
حبي للمسرح معقد جدًا ويعود إلى زمن طويل. لعله أكثر قوة من حبي للفلسفة. بأتي حبي للفلسفة لاحقًا، ببطء وبصعوبة أعظم. أعتقد أن ما بَهَرني في المسرح، حين كنت شابًا ومثّلت، ذلك الشعور الذي انتابني فورًا بأن جزءًا ما من اللغة والشعر مرتبطان بالجسد على نحو لا يمكن التعبير عنه تقريبًا. وربما كان المسرح في الأساس بالنسبة لي، استعارة لما قد يكون الحب في ما بعد، لأنه كان اللحظة التي تلاشت فيها الحدود بين الفكر والجسد على نحو ما. فهما مكشوفان لبعضهما بطريقة لا يمكن أن تقول معها: “هذا جسد” أو “هذه فكرة”. الاثنان ممتزجان، تحاصر اللغة الجسد، بالضبط مثلما تقول لشخص ما: “أحبك”، إنك تقول ذلك لشخص ما على قيد الحياة، يقف أمامك، لكنك تخاطب كذلك شيئًا ما لا يمكن اختصاره إلى هذا الحضور المادي البسيط، شيئًا ما يتجاوزه ويتضمّنه كلية، في الوقت ذاته. هذا هو المسرح، في أصوله؛ إنه الفكرة في الجسد، إنه الفكرة في الجسد. يمكن أن أكرر كلمة فكرة مرة أخرى بمعنى آخر. لأن المسرح، كما نعرف، يعني التكرار. يقول المخرج: “فلنكرر المشهد مرة أخرى”. لا تندمج الفكرة بسهولة في الجسد. إنها مسألة معقدة: علاقة الفكرة بالمكان مع الإيماءات التمثيلية. لابد أن تكون عفوية ومدروسة في الوقت ذاته. هذا ما يحدث في الحب أيضًا. الرغبة قوة آنية، لكن الحب يتطلب فوق ذلك الاستئناف والرعاية. يعرف الحب نظام التكرار. “قل مرة ثانية إنك تحبني”، وفي أحيان كثيرة: “قلها بشكل أفضل من هذا”. وتبدأ دائمًا الرغبة مرة أخرى. يمكن أن نسمع، أثناء الملاطفات، كما لو أن الحب يسكنها “أكثر .. أكثر”؛ نقطة حيث يعزز الحاجة إلى الحركة إصرار الكلمة، والإعلان الجديد دائمًا. نحن نعرف تمامًا أن قضية أداء الحب في المسرح حاسمة، وتدور كلها تحديدًا حول مسألة الإعلان. ولأنه يوجد، كذلك، مسرح الحب هذا وأداء الحب والصدفة، القويان جدًا، على الأقل بالنسبة لي، أحمل هذا الحب للمسرح.
هل يؤيد (باديو) مقولة (فيتز): “هذا ما أردت أن أقدمه مسرحيًا دائمًا: أن أعرض القوة العنيفة للأفكار، كيف تلوي الأجساد وتعذبها”. يقول (باديو):
بالتأكيد. أنت تعرف، (بيسوا)، الشاعر البرتغالي، يقول في مكان ما: “الحب فكرة”.هذه جملة تنطوي على المفارقة، ظاهريًا، لأن الجميع يقول دائمًا إن الحب هو الجسد، هو الرغبة، هو المشاعر، إنه أي شيء آخر سوى أن يكون الحب العقل والفكرة. وهو يقول “الحب فكرة”. أعتقد بأنه محق. أعتقد بأن الحب فكرة وأن العلاقة بين تلك الفكرة والجسد علاقة فريدة تمامًا ويعلّمها دائمًا كما يقول (أنطوان فيتز) العنف الجامح. نختبر هذا العنف في الحياة. وحقيقي جدًا أن الحب يمكن أن يلوي أجسادنا ويثير أقسى أنواع العذابات. إن الحب كما يمكن أن نلاحظ، ليس نهرًا طويلًا هادئًا. لا نستطيع أن ننسى تمامًا العدد المرعب من قصص الحب التي أدت إلى الانتحار أو القتل. إن الحب في المسرح ليس فقط، ولا حتى أساسًا، فارسًا جنسيًا أو قصة رومانسية بريئة. إنه تراجيديا، ورفض وغضب كذلك. إن العلاقة بين المسرح والحب هي كذلك علاقة اكتشاف للمتاهة التي تفصل الأفراد ووصف لهشاشة الجسر الذي يرميه الحب بين كيانين منعزلين.
 يتحدث بعد ذلك عن علاقة المسرح والحب، فيتساءل بداية:
لابد أن نسأل كذلك، وهذا يتصل بسؤالك السابق، ما الذي كان سيقدمه المسرح لو أن الحب غير موجود؟
يجيب قائلًا:
كان يمكن أن يتحدث، وقد فعل، مطوّلًا عن السياسة. إذًا، نستطيع أن نقول أن المسرح هو السياسة والحب وتقاطعاتهما عمومًا. إن تقاطع السياسة والحب تعريف محتمل للتراجيديا. لكن حب المسرح هو، بالضرورة، حب الحب كذلك، لأنه من دون قصص الحب، ومن دون الصراع من أجل تحرير الحب من قيود العائلة، لن يضيف للمسرح الكثير من الحب. إن الكوميديا الكلاسيكية مثل مسرحيات (موليير) تقول لنا أساسًا كيف أن الشباب الذين تلاقوا صدفة يجب أن يقللوا من قيمة الزواج الذي رتّبه لهم آباؤهم. أما الصراع الأكثر شيوعًا، والأكثر توظيفًا على خشبة المسرح هو صراع حب الصدفة في مواجهة القانون العنيد. أما الأكثر براعة فهو صراع الشباب الذي يدعمه البروليتيا (العبيد والخدم)، في مواجهة القديم/العجوز الذي تدعمه الكنيسة والدولة.