أرشيف الوسم: الحب

أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي

 

إيميلي تيمبل

في عام ٢٠١٢، نشرت (إيميلي تيمبل) في صحيفة The Atlantic Magazine، مقالة أسمتها “أشهر القبلات في تاريخ الأدب العالمي”، ننشر لكم ترجمة حصرية لمقالتها في ساقية.

تقول (إيميلي) في افتتاحية مقالتها:

ومثل كل المهوسيين بالكتب، لا نستطيع أن نساعد، ولكن نستطيع أن نفكر في أكثر مؤلفات الأدب الرومانسي عمقاً. وبالتحديد كتبنا التي أصبحت مفضلة، تلك الكتب التي زودتنا بالوحي الإلهي الصغير. وبعد كل ذلك لا أعتقد ان هناك ما هو أكثر رومانسية من امتلاك عناصر التعبير عن المودة والحب. ومن هذا الذي يستطيع التعبير عنه أفضل من (شكسبير)، و(نابكوف)، و(بايرون)؟ ولذلك إذا كنت تبحث عن  أفكار للأعتناء أكثر برومانسيتك، أو حتى إذا كنت هنا لفضول وإغراء الموضوع فقط، فهنا أعظم 10قبلات في تاريخ الأدب العالمي، والتي انطوت بدورها على خلفيات وقصص في غاية العشق الإنساني ومفترق التحديات المصيرية:

ثم تكمل بعد ذلك في سردها لهذه القبلات الشهيرة:

أولًا:

القبلة الأولى كانت من نصيب رواية (ذهب مع الريح)، للكاتبة الأمريكية (مارغريت ميتشل). [1936]

وفي ذلك المقطع المُرتبك و الإستثنائي من الرواية، وقبل أن تسحب (سكارليت أوهارا) عقلها من أماكنها البعيدة، حيث ألتفت ذراعيّ (ريت بيتلر) حولها، ستشعر عندها بالعجز المتنامي من عشيقها الأول (آشلي ويلكس) ومع شعورها المتكرر بالعدم، يقرّب (ريت بيتلر) رأسها بين ذراعيه بحنو ويقبّلها، تلك القُبلة التي ستبدأ بهدوء ونعومة في البداية، لتتدرج سريعاً بعد ذلك بشدة محمومة، ليلتحمان بعد ذلك بكلا شفتيهما، إصراراً وفراقاً وهزاً، تلك الهزات التي ستنتشر على طول أعصابها، وبجسدها المليء بالأحساس ستفكر عندها أنها لم تكن تعرف أنها قادرة على الشعور مرةً أخرى، لتجد نفسها أخيراً تشعر و تُبادله القُبل.

ثانيًا:

من مسرح (روميو وجوليت)، لـ(وليام شكسبير). [1596]

– (روميو): (إلى جولييت) بعد أن قبّل يدها لأول مرة:

عفواً إن كانت يدي الأثيمة قد دنست حرم يديكِ المقدس فدنسته

فلو كان لي أن أزيل خطيئتي بخطيئة عذبة، إذ أن لي شفتين كالحجاج

حمراون من فرط الخجل.

– (جولييت): يا أيها الحاج الكريم ظلمت كل الظلم راحتك، فهي التي

أبدت أخلاق العابدين، وفي تلامس الكفين للحُجّاج قُبلةً مقدسة.

– (روميو): لكن أليس للحاج والقديسة شِفاه؟

– (جولييت): بلى، ولكن يقتصرن على الصلاة.

– (روميو): إذاً فلنجعل الشفاه يا قديستي، تفعل ما تفعله الشفاه.فها هما الآن تصلّيان لك.

– (جولييت): لكن قدّيساتنا لا تتحرك، حتى ولو سمعت دُعاك.

– (روميو): إذاً لا تتحركي .. حتى أنال ثَوابي، وتزيل قُبلة ثغرك البسّام أثار الخطيئة من فَمي.

[فقبَّلها]

– (جولييت): نقلت إلى شفتي حطيئة ثغركَ!

– (روميو): خطيةً من مبسمي؟ ما أعذب الأثم الذي دعوتني إليه!

هيّا أعيدي لي خَطيئتي!

[فقبَّلها مرةً أخرى].

ثالثًا:

رواية (بيتر بان)، للاسكتلندي (جيمس باري). [1911]

“ولأن ليس أعظم القبلات دائماً تكون حقيقية”

(بيتر بان)، الطفل الخيالي الشقي والممتع الذي لا يكبر أبداً، والذي لا يعرف معنى القبلة! هذا الطفل الذي يأتي من عوالمه البعيدة، ليستمع إلى حكايات (ويندي) لأخويها الآخرين، عن (سنو وايت) و(سندريلا) و(الحسناء النائمة) .. وفي إحدى الليالي المشحونة بالأثارة والتشويق، حين تنهض من سريرها وتقترب منه لتقول: “سأعطيك قبلة لو أردت”، ولكن (بيتر) لا يعلم ماذا كانت تقصد! ماداً يده لها بترقب وكأنه ينتظر شيء ستضعه هي داخل يده. لتجيبه (ويندي) باستغراب “ألا تعرف ما هي القُبلة؟”، ليجيبها (بيتر الخيالي): “سأعرف عندما أراى واحدة منها”، ولكي لا تجرح شعوره ناولته كشتبان الخياطة. ليشعر انه لابد أن يرد الجميل. “أيجب عليَ أن أعطيك قبلة أيضاً؟”، لتجيبه مادة شفتيها ووجهها إليه: “إذا سمحت”. تنتظر (ويندي) القُبلة، وهي مغمضة العينين، ولكن (بيتر) الجاهل يرى وجهها باستغراب ويناول يدها قطعة خشبية من البلوط، لتسايره (ويندي) وتلفها بسلسلة حول عنقها .. قائله بخيال: “أنه من الجميل أن تلف قُبلة حول عنقها”.

رابعًا:

رواية (غاتسبي العظيم) لـ(فرنسيس سكات فيتزجيرالد). [1925]

“ولأن ليس أعظم القبلات تقع على المنصة، وعلى مرأى من الكل، ولأن هذه القبلة هي واحدة من أصدق مفاهيم القبلات عبر تاريخ قراءة الأدب”.

غاتسبي: “لقد كان على هذا النحو، آخر ما كنت أتذكره هو وقوفي بجانب (دايزي)، ومشاهدة الصور المتحركة للمفرقعات النارية في السماء ونجومها الاصطناعية. كان الجميع مازالوا تحت أشجار البرقوق البيضاء، وقد لامست وجوههم الظلال الشاحبة للأضواء في السماء، وخيوط قليلة من ضوء القمر بينهم. خطر لي أن هذا الانحناء كان يقترب كل مساء لتحقيق هذا التقارب بيننا. وحتى انتهيت من مراقبة أنحداره لآخر درجاته، اقتربت أكثر، وقبّلتها على خدها”.

خامسًا:

فارمير وإيوان، في (عودة الملك) لـ(جون تولكين)، من سلسلة (ملك الخواتم). [1955]

“ولأن بعض الأحيان، كل ما تحتاجه هو قبلة على الجبين وفرصة لتدع شَعرك، يتحدث بدلاً عنك”

في تلك اللحظة عندما تقول (إيوان): “أذاً أتعتقد أن الظلام قادم؟”، الظلام الذي لا مفر منه، لتجد نفسها تلتصق به بقوة. ليرد (فارمير): “لا”، ناظراً لوجهها، ليفكر أن شراً عظيماً قد حلَ، وأنهم على وشك النهاية، ولكن قلبه يقول له: “لا”، بجميع أطرافه الخفيفة بالأمل والفرح يقول له “لن يحدث، في هذه الساعة لا أؤمن أن أي ظلام سوف يدوم”، يقول لها ليتوقف عن الكلام عندها، ويقبل جبينها .. وهكذا وقفوا على جدران مدينة (غوندور)، لترتفع حينها ريح عظيمة مع الفجر، بشعرهما الذهبي والأسود والمختلط بقربٍ مع الهواء.

سادسًا:

أسطورة (دافنيس وكلوي)، للأغريقي (لونقس).

دافنيس: “يا الهي.ما هذه المشاعر؟ شَفتيها أكثر نعومة من أوراق الوردة، فَمها حلو كالعسل، ولها قُبلة تلحق بي أكثر من ألم لسع النحل، وإنني كثيراً ما قبّلت أطفالي، وإنني كثيراً ما قبّلت خرافي، ولكني أبداً، ما عرفت البتة مثل تلك القُبلة. نبضي يتضارب أسرع، يال دقات قلبي، كما لو كنت على وشك الأختناق، ولكن على الرغم من ذلك، أرغب بقبلة أخرى، غريب! لم يحدث أن أشتبه عليَ الألم .. وبثمالة أتساءل هل (كلوي) قبّلتني حقاً؟ وكيف حدث أنها نفسها لم تمت من تلك القبلة؟!

سابعًا:

كالي وكلمنتين، من رواية (ميدلسكس)  أو (الجنس الوسط)، لـ(جيفري يوجينيدس). [2002]

“ولأن القبلات الطفولية البريئة يمكن أنّ تغير الحياة”

بحواف عين (كلمنتين) المحترقة، تثائبت وهي تفرك أنفها براحة يدها، لتسألني: “هل ترغب في تجريب القُبّل؟” .. “لم أكن أعرف كيف أجيبها، فأنا أعرف مسبقاً كيف أقبّل، أليس كذلك؟ ولكن وكأن هناك شيء أكثر من ذلك تريد أن تتعلمه. وخلال جولة هذه الأسئلة في رأسي، كانت (كلمنتين) تمضي قدماً في تجريب التقبيل، كانت تقول أنها جاءت خصيصاً لتواجه وجهي، ومع تعبير خطير من عينيها، أحاطت بذراعيها حول عنقي .. شعرت أن وجهي وشفتيّ مسلوبة، لم أمتلك أي هجوم أمامها، لكن ما أود لك أن تتخيله معي هو وجه (كليمنتين) الأبيض، يقترب ملاصقاً لوجهي، بعينيها الناعستين والمُغلقة الآن، بشفتيها التي تعلو الآن، وتخلف تجعيدها من أثر التقبيل، بجميع أصوات العالم التي تحولت صامتة في هذه اللحظات! بحفيف وتحرك ملابسنا، بأمها التي تصعد السلالم من الأسفل، بضجيج الطائرة التي ترسم علامة تعجب في السماء، كل ذلك كان صامتاً. مثل تعليم (كلمنتين) على وجهي الآن، بشفتيها التي تبلغ من العمر ثماني سنوات على شفتيّ.

ثامنًا:

لوليتا وهمبرت، في رواية (لوليتا) لـ(فلاديمير نابوكوف). [1955]

“لحساسيتها المُفرطة، ولعبقرية غنائيتها الغير مريحة، وللطريقة التي نُحرج ونتلوى بها على مقاعدنا كلما قرأناها”

وما كادت سيارتي تقف، حتى كانت (لوليتا) قد طارت إلى ما بين ذراعي..

على أنني اكتفيت بأن أمس مساً رقيقاً، وبأقصى الحذر شفتيها المنفرجتين الدافئتين، ذلك أنني لم أجرؤ على أن أطلق لنفسي العنان. ولم أجرؤ على أن أدع روحي تدرك من أنّ هذه هي بداية الحياة الرائعة التي انفتحت لي أبوابها بمساعدة القدر .. كانت قُبلتي لها بريئة خالية من كل شهوانية، ولكن (لوليتا) دفعت بنفسها بفروغ صبر، وأطبقت بفمها على شفتيّ بقوة، أحسست معها بوطأة أسنانها الأمامية، وتذوقت من خلالها رضابها الممتزج بطعم نعنان العلكة..

تاسعًا:

وأخيراً، هيدي وجوان، من الملحمة الشعرية (دون جوان) لـ(لورد بايرون). [1824]

“ولأن قبلة واحدة منكِ، يمكن أن تساوي يوم كامل من الصيف”

إنهم ينظرون للسماء، بتوهجها العائم

مُنتشرةٍ كمحيطٍ ورديّ، واسعةً ومشرقة

إنهم يحدقون على البحر المتلألئ أدناها

أين يرتفع القمر مُحلقاً في الأفق؟

سمعوا الموجات المتدفقة

والرياح المُنخفضة أكثر

لينتبه كلاً منهما لأندفاع نور عينيّ الآخر فيه

لتقترب وجوه شِفاهِهم أكثر.. وتتشبث بقبلة.


[المصدر]

رسالة ريلكه، عن معنى الحب الحقيقي

ريلكه
راينر ماريا ريلكه (1875 – 1926)، هو شاعر وروائي نمسائي بوهيمي، يُعرف بأنه يكتب الشعر غنائيًا، ويصف النقّاد أعماله بأنها روحية بطبيعتها.
أعماله تتلخص في رواية واحدة ومجموعة قصائد وسلسلة رسائل يقدم فيها صورًا ترسخ في الذاكرة، تركز رسائله غالبًا على الصعوبة البالغة في التواصل في عصر مليء باللامصداقية، والعزلة، والقلق العميق.
هذه المواضيع الوجودية العميقة جعلت (ريلكه) واحدًا من الشعراء الانتقاليين بين شعر العصر التقليدي والعصر الحديث.من أهم المواضيع التي أثارت (ريلكه) وغيره من الكتاب والشعراء قبله وبعده هو موضوع الحب الذي قالت فيه الكاتبة الأمريكية (سوزان سونتاج): “لاشيء غامض، كل العلاقات الإنسانية واضحة إلا الحب”.

كان لـ(ريلكه) محاولاته أيضًا من خلال مراسلاته مع الشاعر الشاب (فرانز زافير كابس)، ذو التسعة عشر عامًا
ففي رسالته السابعة لصاحبه المكتوبة في ماي ١٩٠٤م يتحدث (ريلكه) عن المعنى الحقيقي للحب والإيجابيات والأعباء المترتبة على الحب في عمر الشباب، أقدمها لكم بترجمة حصرية، فيقول: 

من الجيد أن تحب، الحب أصبح صعبًا. قد يكون أكثر مهامنا صعوبة، الحب اختبارنا ودليلنا النهائي. إذ يجعل كل أعمالنا السابقة تبدو تكريسًا ومجرد استعداد له. لهذا السبب لا بعرف الشباب الحب، لأنهم لا يزالون مبتدئين في كل شيء.
عليّهم أن يتعلموه بكامل مافيهم، بكل قواهم مجتمعة لدى قلوبهم الوحيدة الهشة التي تعلو نبضًا. لابد عليهم أن يتعلموا كيف يحبّوا.
لكن عملية التعلم تحتاج إلي وقت طويل ومجدول، تمامًا كما يتحول الحب إذا استمر لوقت طويل وسار مع سير الحياة إلى عزلة عميقة وشديدة.
ويواصل في رسالته:
الحب كبداية ليس أن تعطي وتندفع وليس أن تتوحد مع شخص ما. لما في ذلك من عدم الوضوح والنقصان والتابعية بل على العكس من ذلك هو دافع شديد للشخص بأن ينضج، بأن يصبح عالمًا في نفسه لأجل الآخر.
هو مطالبة مرهقة على عاتق المحب، شيء يصطفيه ويجعله يقوم بأفعال هائلة، وهذا مايجب أن يصرف الشباب حبّهم فيه، بهذه الطريقة فقط -أن يقوموا بتنمية أنفسهم- ويجتهدوا ليلًا  ونهارًا.
أما الاندماج في الشخص الآخر والاستسلام وكل نوع من المشاركة التي تتطلب اجتماعًا وثبوتًا لوقت طويل فليست مناسبًا لهم، لكنه بشكل ما يعدّ تقريبًا السبب الذي يجعل حيوات البشر لاتزال مرضية.
أعتقد أن رسائل ريلكه تعد أساسًا نصيًا للتطور والنمو وضرورة حياتية لكل شخص ذو عقل متقّد وقلب نابض.

[المصدر]

فريدريك لونوار، في فلسفة عدم التعلق

 

فريدريك لونوار

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يتطرق إلى فلسفة عدم التعلق بالأشياء، كطريقة لنيل حياة مثالية وسعيدة. ففي مقالة حملت عنوان “التعلق وعدم التعلق” يشرح بأسلوب بسيط كيف يكون ذلك، فيقول:

إن عدم التعلق بالأشياء هو إحدى الوسائل الأساسية لعيش “حياة سعيد“. فنحن يهمنا أن يكون لكل منا بيت نملكه، وأن نأكل كل يوم عند شعورنا بالجوع. أما في ما يختص بالأمور الأخرى، فإن السعادة والشقاء يتوقفان أساساً على عوامل أخرى هي: الحب، الحرية، الصحة، ضبط الذات. لذا يتوجب علينا أن نستقبل الحياة كما تعرض علينا وبما تنطوي من يسر وعسر.

فنرضى بفتراتها السعيدة التي ننعم أثناءها أحياناً بمتع نحن بغنى عنها. وبفتراتها الأصعب كذلك التي نقدرها من أجل التنعم بمتع أشد عمقاً. يتراءى لي أن الفلسفة البوذية التي تعتبر كل شيء خاضعاً للتحول والتغير والحركة الدائمة هي عين الصواب . إنها تؤسس لفلسفة “عدم التعلق“: علينا ألا نتعلق بما هو غير ثابت.

إذ بإمكاننا أن نتمتع يوماً بصحة جيدة، وفي اليوم التالي بصحة سيئة، أن نكون أغنياء يوماً، وفقراء في الغد، ولا أحد يسعه أن يضمن ثبات مراتب الشرف والثروة. ثم إن فلسفة عدم التعلق البوذية نجدها في فلسفات العصور القديمة الرئيسة، كما رأينا ذلك في الفصول السابقة التي ذكرت فيها الأبيقوريين والرواقيين، ونجدها كذلك في تعاليم جميع الأديان الكبرى التي لا تشجب المادة أو الملذات الحسية، بل تشجب التعلق بالماديات والمال.

يتحدث بعد ذلك عن المسافة بين التعلق والازدراء، فيقول:

إن عدم التعلق فلسفة لا تحض على التقشف ولا تستوجب ازدراء الماديات، بل تكتفي ببساطة برفض التعلق بها. فمن الطبيعي أن يشعر المرء بالمتعة إن توافرت له حياة مادية رخية، وكان له بيت، وكمبيوتر وسيارة يعملان على أفضل وجه، وإن أتيح له السفر في أوقات لفراغ. المهم هو البقاء في حال من اليقظة وعدم الاستسلام لمغريات التعلق بكل هذه الأمور التي تحت تصرفنا، والتي ينبغي، إذا ما خسرناها، ألا توقعنا في الحزن والأسى، ولا تهز نفوسنا. فنحن لسنا عبيداً لها .. لكننا ملزمون مع ذلك باحترامها، إذ ليس من العدل في شيء، أن نترك منازلنا تتداعى، ونملك بستاناً ولا نعنى باستصلاح أرضه. فاحتقار الماديات، وهو عمل يرثى له، مرتبط في الغالب باحتقار الجسد. هذا ولا يعني عدم التعلق بالأمور الفانية كراهية الجسد أو ازدراءه وازدراء ما يمت بصله إلى المادة، كما هي الحال أحياناً في بعض التيارات الدينية التقشفية. وحب المرء لجسده، على ما قلت آنفاً، والعناية به بشكل صحيح يعتبر من صميم الحياة الروحية ويسهم في ازدهارها. كذلك حب البيئة التي نعيش فيها وتخصيص قليل من الوقت بغية تحسينها وتجميلها يشكل إجراء مماثلاً، لذلك، أكرر، أن نحافظ على المسافة الضرورية كي لا نصبح عبيد أجسادنا وأهوائنا ومساكننا.

لكن الكاتب لا يوافق فلسفة عدم التعلق بالماديات البوذية في امتدادها إلى الأشخاص، فيقول:

فـ(بوذا) يوصي في الواقع بعدم التعلق بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، بمن فيهم الذين هم أقرب إلينا؛ كوالدينا، وزوجاتنا وأبنائنا. هؤلاء أيضاً، يقول (بوذا)، خاضعون، على غرار الكون بأكمله، لقانون عدم الثبات: إنهم سيرحلون ذات يوم، وسينفصلون عنا، ونحن سنتألم من جراء ذاك.

ثم يعقّب (فريدريك لونوار) على رأي (بوذا)، فيقول:

(بوذا) على حق تماماً؛ إذا شئنا تجنب كل أنواع الألم يجدر بنا ألا نتعلق أبداً بأي إنسان كان. ولكن ماذا يحل آنذاك بتجربة الحب، والصداقة اللذين يعتبران شرطاً لاكتمالنا؟ إن انعدام الحب، عطاًء ونيلاً، يجفف النفس. والحال أني لا أعتقد بأن في إمكاننا أن نحب من دون تعلق. ليتنا نستطيع أن نحب ونظل لا مبالين إذا مات الشخص الذي نحب.

بينما تحاول الفلسفة البوذية عدم التعلق بالأشخاص تجنباً لألم فقدانهم يرى الكاتب أن الألم جز طبيعي من الحياة:

فالحياة تقتضي وجع فقدان أشخاص محبوبين. وينبغي قبول ذلك. إن التمزق الناجم عن القطيعة أو الحداد هو الثمن الواجب دفعه للحب. إنه ثمن باهظ، ولكن يبدو لي من الضروري قبوله بوعي تام لنعيش الحياة بصورة كاملة.

العقاد وفلسفته في الحب

270px-7457549364_e1d0847d9c

عباس محمود العقاد (18891964) أديب ومفكر وصحفي وشاعر مصري. وعضو سابق في مجلس النواب المصري. وعضو في مجمع اللغة العربية. لم يتوقف إنتاجه الأدبي رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. ويعد (العقاد) أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في الحياة الأدبية والسياسية. وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب في مختلف المجالات.

في كتاب السيرة الذاتية (أنا) لـ(عبّاس محمود العقّاد)، كتب مقدّم الكتاب (طاهر الطناحي) عن العقّاد في الحب، قائلاً: “أحَبْ العقّاد مرتين ، صُدِم في الأولى ففارقها كارهًا لها لخداعها وخيانتها ، وفارقته الثانية لأنانيتها وكرامتها. ومع ذلك فقد كان يمدح الحب ويقدّسه”.

وفي الفصل السادس كتب العقّاد “فلسفتي في الحب” فقال في تعريفه للحُبّ بادِئًا:

ما ليس بالحب أسهل في التعريف مما هو الحب، وهكذا الشأن في كل تعريف لمعنى من المعاني أو كائن من الكائنات. فنحن نستطيع في لمحة عين أن نعرف أن زيدًا ليس بعمرو ، ولكننا لا نستطيع في هذه السهولة أن نذكر تعريف عمرو و زيد ونحيط بأوصاف هذا أو ذاك، ولو كنّا أعرف العارفين بالإثنين.
وعلى هذا القياس نعرّف الحب من طريق النفي قبل تعريفه من طريق الإيجاب.

فليس الحب بالغريزة الجنسية؛ لأن الغريزة الجنسية تعم الذكور والإناث، ولا يكون الحب بغير تخصيص وتمييز.
وليس الحب بالشهوة؛ لأن الإنسان قد يشتهي ولا يُحِب، وقد يُحِب وتقضي الشهوة على حبه.
وليس الحب بالصداقة؛ لأن الصداقة أقوى ما تكون بين اثنين من جنس واحد، والحب أقوى ما يكون بين اثنين من جنسين مختلفين.
وليس بالانتقاء والإختيار؛ لأن الإنسان قد يُحِب قبل أن يشعر بأنه أحب، وقبل أن يلتفت إلى الانتقاء والإختيار.
وليس الحب بالرحمة؛ لأن المُحِب قد يعذِّب حبيبه عامدًا أو غير عامد، وقد يقبل منه العذاب مع الاقتراب، ولا يقبل منه الرحمة مع الفراق.

الحب كذلك يعرَّف جزءًا جزءًا قبل أن يُعرَّف كاملًا  شاملًا  مستجمعًا لكل ما ينطوي عليه.

ويكمل:

ففي الحب شيء من العادة؛ لأن المُحب يهون عليه ترك حبيبه إذا كان تركه لا يغيّر عاداته ومألوفاته، وأقوى ما يكون الحب إذا طال امتزاجه بالعادات والمألوفات.

وعن الخداع ، قال:

في الحب شيء من الخداع، لأن المرأة الواحدة قد تكون أفضل المخلوقات في عين هذا الرجل، وتكون شيئًا مهملًا  لا يستحق الإلتفات في عين ذاك، ثم تعود كالشيء المُهمَل في عين الرجل الذي فضّلها من قبل على جميع المخلوقات.

وفي الحب شيء من الأنانية ولو أقدم صاحبه على التضحية؛ لأنه لا يترك محبوبه لغيره ولو كان في ذلك اسعاده ورضاه، ولكنّه قد يُضحِّي بنفسه إذا اعتقد أن محبوبه لا يصير إلى سواه.

وعن الغرور ، قال:

والحب أيضًا فيه شيء من الغرور، ولولا ذلك لما اعتقد الإنسان أن إنسانًا آخر يهمل الألوف من أمثاله ليخصّه وحده بتفضيله وايثاره.

وقد يخلو الحب من كل شيء إلا من شيء واحد، وهو الاهتمام!
فصدِّق إن قيل لك أن حبيبًا يُبغِض حبيبه ويؤذيه، وصدِّق إن قيل لك أن الحب والازدراء يجتمعان، وصدِّق إن قيل لك أن الحب يخون أو يقبل الخيانة من المحبوب، فأما إن قيل لك أن حبًا يبقى في النفس بغير اهتمام، فذلك هو المُحال الذي لا يقبل التصديق!

وخلاصة القول:

أن الحب عواطف كثيرة وليس بعاطفة واحدة، ومن هنا كان أقوى وأعتف من العواطف التي تواجه النفس على انفراد .. ففيه من حنان الأبوة، ومن مودة الصديق، ومن يقظة الساهر، ومن ضلال الحالِم، ومن الصدق والوهم، ومن الأثرة والإيثار، ومن المشيئة والاضطرار، ومن الغرور والهوان، ومن الرجاء والقنوط ومن اللذّة والعذاب، ومن البراءة والإثم، ومن الفرد الواحد والزوجين المتقابلين، والمجتمع المتعدّد، والنوع الإنساني الخالد على مدى الأجيال.

يسألونك عن الحب ؟
قل هو اندفاع جسد إلى جسد، واندفاع روح إلى روح.
ويسألونك عن الروح فماذا تقول؟
قُل هي من أمر ربي .. خالق الأرواح!
لهذه الكثرة الزاخرة في عناصر الحب، تكثر العجائب في العلاقات بين المحبين.
فيجمع الحب بين اثنين لا يخطر على البال أنهما يجتمعان .. ويتكرر الحب في حياة الإنسان الواحد حتى ليكون المحبوب اليوم على نقيض المحبوب بالأمس في معظم المزايا ومعظم الصفات.

في خاتمة المطاف:

هل الحب اذن أمنية نشتهيها؟ أو هو مصيبة نتقيها؟

لي أن أقول إنه مصيبة حين تحمل به نفسًا ثانية مع نفسك، وأنت تريدها ولا تريدك، وإنّه أُمنية حين تتعاون النفسان ولا تتخاذلان.
وليس بالمصيبة، ولا يكفي فيه أن يُوصَف بالأمنية حين لا عبء ولا تخفيف، بل تنطلق النفسان محمولتين معًا على كاهل “النوع” كله أو على أجنحة الخلود التي تسبح في أنوار عليين .. وما من محبين إلا اتفقت لهما هذه الرحلة السماوية في سهوة من سهوات الأيام.

في الحب، عند جبران

جبران

جبران خليل جبران (1883-1931) هو شاعر وكاتب ورسام لبناني. ويُعد من أدباء وشعراء المهجر. هاجر وهو صغير مع أمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1895 حيث درس الفن وبدأ مشواره الأدبي. كانت بدايته الأدبية باللغة العربية، وبعد ذلك كتب باللغة الإنجليزية، وتُعرف مؤلفاته بأنها الأعمال الشعرية الأكثر مبيعًا -عالميًا- بعد (شكسبير) و(لاوزي). في مقدمة كتابه الشهير (الأجنحة المتكسّرة)، تحدث د. (جميل جبر) عن الحب عند (جبران) فقال:

الحب في نظره، مصدر السعادة والنور، هو الخبز المقدّس الذي يُغذّي الروح ويحرِّر ويرفع، فلا يجوز بالتالي أن يُقيَّد، هو أقوى من الشرائع وأقوى حتى من الموت لأنّه سر الحياة المتجددة عبر تناسخ الأرواح.
عقد الزواج الذي سنّه البشر لا قيمة له بالنسبة إلى تعاقد قلبين حسب سنة الطبيعة.
الحب يهب أجنحة تطير بالعاشقين إلى ما وراء الغيوم ليروا العالم السحري ..
ثم يقول في موضع آخر:
ويتخذ الحب الجبراني بُعدًا ميتافيزقيًا:
إنّه قدر، تدبير سماوي .. المحبة الحقيقية“، و(جبران) يخلط بين المحبة والحب؛ “هي ابنة التفاهم الروحي وإن لم يتم هذا التفاخم بلحظة واحدة لا يتم بعامل كامل ولا بجيل كامل ؛ لأن الحبيبين كانا واحدًا في الله ثم انفصلا، فسعى كل شطر منهما إلى الآخر إلى أن يتوحّدا ويتكاملا“. إنها نظرية التوأمين في الحبّ، وقد عبّر عنها (جبران) بقوله: “كأن الآلهة قد جعلت كل واحد منّا نصفًا للآخر يلتصق به بالظهر فيصير إنسانًا كاملًا ؛ وينفصل عنه فيشعر بنقص موجع في روحه.”
ويتبع قائلًا:
في الميتولوجيا اليونانية، كما في مذهب الإشراق:
إن العاشقين متَّحدان أصلًا في الله ثم يفترقان بعد الولادة ثم يجمعهما الحبّ من جديد، فيُعيد إليهما وحدتهما الأساسية.