أرشيف الوسم: الحرية

عن الفن والحرية والازدواجية، بين علي عزت بيغوفيتش وهرمان هيسه

عن الفن:

حينما هم (بيغوفيتش) بتلخيص فصل الفن في كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب) أبدع وأوجز حين قال: “إن الفن في بحثه عما هو إنساني، أصبح باحثاً عن الله. وإذا كان الفن يشير إلى وجود فنانين ملحدين اسميًا، فإن هذا لا يغير كل شيء، فالفن طريقة للعمل وليس طريقة للتفكير و ظاهرة الإلحاد في الفن ظاهرة نادرة جدًا و يمكن إرجاعها إلى تناقض في الإنسان نفسه” وفي موضع آخر من الفصل نفسه يقول: “إن الفن يرُد دَينه للدين بوضوح أكثر خلال الرسم والنحت والموسيقى”.

اما (هيرمان هيسّه) الفيلسوف والأديب الألماني فقد ألبس أبطال رواياته من شتى وشي الفنون و زينته، فغالبا ما يكون أبطاله إما فنانين أو رسامين أو موسيقيين. وكلها تعكس ما يتمتع به من عبقرية فنية فذة، برز ذلك في قصائده وأشعاره وكذلك في رواياته الفلسفية أو في عشقه للموسيقى أم حتى كان ذلك في عثوره على لغة مناسبة جديدة في كل مرة يزوره الاكتئاب، ووضعه حين عثر على نفسه بالرسم, إذ سمح للفرشاة بالنطق بما يستعصى عليه أو يوجعه.


بين التمرد والحرية:

الرجلان، وإن كانا يختلفان في موقفهما من الدين والتدين؛ فالأول اختار الدين طواعية وعن رضى نفس وقناعة إيمانية، وبذلك وضع حدًا للشكوك الإيمانية والروحية التي راودته في فترة شبابه المبكر إبان المدّ الشيوعي، بل و أصبح أكثر ثباتًا حتى عد من الأعلام البارزين المناضلين، والآخر اختار أن يكون الدين أحد الحقائق محل التشكيك والبحث وهدف الترحال والحادي للتأليف، وإحدى مثيرات الرغبة بالكتابة والتأمل، وقد تفرد في كتاباته بطول النفس في البحث عن الحقيقة الضائعة، و تميز بنزعته الصوفية – البوذية نلحظها في منهج أبطال رواياته، إذ غالبًا ما يختارهم محبي للتأمل و الارتماء في أحضان الطبيعة وهذا انعكاس لولعه الشخصي بفهم لغة الطبيعة وتوصيف تأملاته لتدفق الأنهار، ونمو الأشجار، كإحدى أثرى كائنات الطبيعة وأعمقها حضورا.

إلا أن (بيغوفيتش) كان أكثر توازنًا في جمعه بين التأمل والتفكر إذ كما قال في كتاب (هروبي إلى الحرية):

“تأملوا و تفكروا” هما في الحقيقة طريقان مختلفان، وهدفان، والفرق بينهما هو الفرق بين الفيزياء والميتافيزيقيا.

و قد يعود ذلك الى تربيته القرآنية أولاً، أضف لذلك عاملاً آخر لا يجب التقليل من تأثره وهو سجنه بين جدران اسمنتية شاهقة وقد استغرق سجنه جزءًا من عمره.

اتفق الرجلان في الإعلاء من شأن الحرية. بزغ ذلك مبكرًا في (هيسة) الذي أعلن تمرده على النظام المدرسي وصرح بنفوره من المدرسين، وقد كان ذلك أحد أسباب الشقاق بينه ووالده، في نفوره الشديد من الدين وأغلب الضوابط والقيود، مع اختياره للعزلة بمحض إرادته. ففي رواية (دميان) طرح تساؤلات عقائدية تشكك في الأخبار الواردة في المصادر المقدسة، و قدم تصورات ومفاهيم جديدة عن الطبيعة والمرأة والحياة، أما رواية (سدهارتا) التي تعكس جو أسطورى هندي، يتكئ سيد (هارتا) على شجرة جوز هند على ضفة النهر ويلف ذراعه حول جذعها فيرى الماء يفيض من النهر، وهي تدور فى عالم خيالي يحاول فيه (هارتا) البحث عن ذاته داخل ذاته، فى تأثر واضح بالفلسفة البوذية الهندية. يصل بطل الرواية إلى منبع النهر ويكشف سر أسباب التوحد الإنساني مع الطبيعة، فيما يشبه «النرفانا» أو الجنة الروحية الداخلية البوذية وهو في حالة من البحث المضني للحقائق الباطنية الكامنة خلف كثير من ظواهر الحياة، تجسدت حرية (هيسة) في البحث الشخصي الدائم عن التحرر والخلاص والصدام مع الذات تارة والعودة إليها تارات أخر، تشي بذلك أعماله الأدبية التي وصفها بأنها (سيرة ذاتية للروح).

و إن كان (هيسة) مستاءً من صعود النازية، و مصادرة كتبه، إلا أنه اُنتقد لعدم إعلانه معاداتها. في حين تميز (بيجوفيتش) بكونه قد خاض صراعات في سبيل الحرية أودت به الى السجن سواء كانت هذه الصراعات تتمحور في الصراعات السياسية الرافضة للاحتلال والتي كان ثمنها السجن، أو صراعات أخرى فكرية كان هدفها تجديد الفكر الإسلامي في دولة تخضع للاحتلال شيوعي، إذ يقول في مقدمة كتابه (هروبي الى الحرية): “لم أستطع الكلام و لكني استطعت التفكير، وقررت أن استثمر هذه الامكانية حتى النهاية“.

فلمفهوم الحرية بين الرجلين وجوهًا تتقاطع حينًا وتفترق أحيانًا، فإن كان الترحال والتنقل والارتماء في أحضان الطبيعة أعظم روافد الحرية لدى (هيسة)، إلا أن لم يكن متاحاً لدى (بيغوفيتش) سوى التحليق بالفكر والعقل عبر موسوعة من الثقافات والعلوم والفنون التي تفرد بها.


مفهوم الثنائية و الازدواجية في حياة الرجلين:

في الكريات (الزجاجية) لـ(هيسة) ومن خلال شخصية البطل (كنشت) عبّر عن الموقف الفاصل قال فيه لصاحبه: “على كل انسان أن يدافع عما يؤمن به، أنت الروح وأنا الطبيعة، يجب أن لا نهرب من الحياة النشطة بالتأمل أو العكس، وإنما من الضروري أن نكون بين الاثنين بلا حراك وأن نشارك في كلتا الحياتين وأن نكون في الاثنين في البيت” .. وتتجمع شخصيات كثيرة تتضمن ما يبدو تناقضات عديدة، فهناك نزعة نحو المحافظة والإيمان، ونزعة نحو اليقظة والتقدم، فيمكن للإنسان أن يكون منطقيًا ورياضيًا، ويمكن أن يكون متشبعًا بالخيال والموسيقى، و هذا ما حمل بطل الرواية الى أن ينتهي به الحال إلى شخصية مستقطبة معقدة.

في حين قد أقر (بيغوفيتش) بالثنائية فكما يقول في (هروبي إلى الحرية):

ازدواجية الانسان هذه كانت دائمًا في فكر الناس و رمزت إلى عضوين: القلب و العقل، القلب حاملًا للحياة الروحية والعقل للحياة النفسية. الروح والنفس ليستا من عالم واحد، و عندما كان البدائي يريد أن يعبر عن شيء عميق في نفسه، عن الدين والطاعة والحب والحياة، ونوايا الروح كان يشير إلى صدره، وليس إلى رأسه، وكذلك القرآن (عْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (4) التغابن.

و المتأمل في كتابات (بيغوفيتش) يندهش لما يتمتع به من ثقافة واسعة وفكر أصيل يعبر عن ذلك بأسلوب أدبي علمي واضح ورصين، يفهمه الجميع، في حين أن (هيسة) عُرف بعمقه ورمزيته فضلا عن تعبيراته المجازية الغارقة في توصيف محطات الرحلة الداخلية من أجل البحث عن الحقيقة، من خلال الطبيعة الساحرة إذ أن الطبيعة والروح لدى (هيسة) هما أنشودة الحياة.

يعترف بتواضع (بيغوفيتش) بالارتباط الوثيق الذي يجمعه بـ(هيرمان هسه)، فكلاهما كانا مهمومين بالأفكار نفسها، كما يقول ويستدرك، “ولكنه أقدر مني على التعبير عنها”. و في موضع آخر من الكتاب نفسه (هروبي الى الحرية) يكتب : “أنهيت اليوم قراءة (لعبة الكريات الزجاجية) لـ(هيرمان هيسة) … إنها أحد الكتب الأقرب الى أفكاري ومشاكي، أنها نص معقد، حتى إن مشاعر اجتاحتني بأنها غابة كثيفة لا أستطيع عبورها إلا بصعوبة بالغة”.

ومن الإنصاف أن نذكر للرجلين أنهما، وإن اختلفا في الديانة والعرق وطبيعة الظروف الاجتماعية التي أحاطت بهما، إلا أنهما اتفقا في موقفهما الثابت من خلال نبذ العنف والحرب والدمار مع الدعوة للتسامح والوحدة والتنوع الثقافي فاستحق (هيسة) الحائز على جائزة نوبل 1946 فقد حصل (بيغوفيتش) على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام لعام 1413 هـ الموافق 1993.


بقلم: هدى مستور
تحرير: أحمد بادغيش

“الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون” يقول (ميل)، “ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم”

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في السابعة عشرة من عمره، بلغ مبلغ الرجال على المستوى العقلي، فقد كان صافي الذهن، صريح، فصيح جدا، بالغ الوقار دونما أثر لخوف أو غرور، وخلال السنين العشر التالية، زاول كتابة المقالات والنقد، وحمل عبء الحركة النفعية على كاهله، وكانت مقالاته مصدر شهرة واسعة له، مما جعله خبير في الشؤون العامة.

تعد مفاهيم الحرية هي الرمز الأول الذي يرتبط بكتابات وفلسفة (جون ستيورات ميل)، فمن آبرز إنتاجاته كان كتابه (الحرية) والذي نقله إلى اللغة العربية الأستاذ (طه السباعي باشا).

يقول (ميل) في أحد فصول كتابه، كان عنوانه “في أن المسوغ الوحيد للتعرض لحياة الفرد هو حماية مصالح الغير”:

… ومضمون هذا المبدأ أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرض، على الانفراد أو الاجتماع، لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه. فمنع الفرد من الإضرار بغيره هو الغاية الوحيدة التي تسوغ استخدام السلطة على أي عضو من أعضاء جماعة متمدينة، أما إذا كانت الغاية المنشودة من إرغام الفرد هي مصلحته الذاتية أدبية كانت أو مادية، فذلك لا يعتبر مسوغًا كافيًا؛ وإذن لا يجوز البتة إجبار الفرد على أداء عمل ما أو الامتناع عن عمل بدعوى أن هذا الأداء أو الامتناع أحفظ لمصلحته وأجلب لمنفعته وأعود عليه بالخير والسعادة ولأنه في نظر سائر الناس هو عين الصواب بل صميم الحق.

ثم يتابع بعد ذلك في الفصل ذاته:

فالإنسان غير مسؤول أمام المجتمع عن شيء من تصرفاته إلا ما كان منها ذا مساس بالغير، فأما التصرفات التي لا تخص غير نفسه ولا تتعلق بغير شخصه فهو فيها كامل الحرية مطلق الإرادة، وذلك لأن الإنسان سلطان في دائرة نفسه وأمير حر التصرف في جسمه وعقله.

يتطرق بعد ذلك (ميل) إلى الأحوال التي يجوز فيها التعرض لحرية الفرد، على حد تعبيره، فيقول:

والواقع أن الفرد قد يؤذي غيره بالكف عن التصرف كما قد يؤذيهم بالتصرف، وفي كلا الحالتين يحق للغير محاسبته عمّا ألحق بهم من الأذى؛ على أن استعمال الإكراه في الحالة الأولى يستوجب من الحذر والاحتراس ما لا يستوجباستعماله في الحالة الثانية؛ لأن القاعدة في هذا الباب هي محاسبة المرء عما وقع بغيره من الضرر، أما محاسبته لإهماله في دفع الشر عن سواه فشذوذ واستثناء، ولا يسوغ ولا يبرر إلا في الأحوال الخطيرة التي ينتفي عنها كل شك وارتياب وكثير ما هي.

وأخيرًا، يضع (ميل) في ذلك قاعدة للمجتمعات الحرة، فيقول:

فأيما مجتمع لا تُحترمك فيه تلك الحريات على وجه عام فهو غير خليق بأن يوصف بالحرية مهما كان شكل حكومته؛ وأيما مجتمع لا تقوم فيه تلك الحريات موفورة غير منقوصة، وخالصة غير مشوبة فهو غير كامل الحرية. ولا بدع فإنما الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون وكيفما يريدون، ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم، وعرقلة مجهودهم في سبيل مرافقتهم. فالفرد دون سواه هو المسؤول عن نفسه، وهو أحق الناس بأن يكون الولي على أحواله بدنية أو عقلية، مادية أو أدبية.

فيكتور فرانكل، وحديث عن حرية الإرادة، المعاناة، والموت

 

Viktor Frankl

 

فيكتور فرانكل (1905-1997)، هو طبيب نفسي نمساوي و مؤسس علم العلاج بالمعنى (Logotherapy)، وأحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية إذ أنه في سبتمبر 1942، ألقي القبض على (فرانكل) و عائلته، وتم ترحيلهم إلى معسكر اعتقال Theresienstadt فقد خلالها (فرانكل) زوجته، (تيلي)، ووالديه و شقيقه في أهوال معسكرات الاعتقال النازية، كما وصل إلى حافة الموت بدوره.

في الحرية

كيف ينظر الطبيب النفسي (فرانكل) في مسألة حرية الإرادة وهل حرية الإنسان مقيدة ام مطلقة؟ يرد على ذلك قائلا:

الحرية التي يمتلكها الإنسان وتميزه عن سائر الكائنات ليست نهائية أو مطلقة، ولكنها محدودة بعوامل كثيرة. فالإنسان ليس حرًا أو منفصلاً عن عوامل معينة سواء كانت هذه العوامل بيولوجية، أو سيكولوجية، أو اجتماعية، و لكنه سيظل الإنسان حراً في اتخاذ موقفًا تجاه هذه العوامل و الظروف. كما لديه حرية الاختيار و مسئولاً عن هذه الاختبارات التي يراها مناسبة.

في معنى المعاناة

كيف نستطيع ان نجد المعنى في أحلك الظروف أو عند مواجهتنا لقدراً محتوم غير قابل للتغيير؟ يجيب د. (فرانكل) عن ذلك قائلاً:

أن يسمو الفرد بنفسه و يحول المأساة الشخصية إلى إنجاز أو انتصار. المعاناة سمة أساسية مميزة للحياة؛ فلا توجد حياة خالية من المعاناة، ولا يوجد فرد لم يعان من الصدمات الانفعالية و من الظلم أو الأذى أو من الإحباطات أو الصعوبات المادية أو الجسدية، أو الحزن و الأسف نحو شخص محبوب.

أما الموت

ينظر د. (فرانكل) للموت نظرة إيجابية على أنه الشيء الوحيد المؤكد و الحقيقة العامة للحياة ولايمكن تجنبه، وحيث إن الموت هو النهاية فإنه يمكن أن يكون حافز للحياة. كيف يعطي الموت معنى للحياة؟ يجيب على ذلك

ما الذي كان يمكن حدوثه إذا لم تكن حياتنا محددة و منتهية؟ فلو كنا مخلدين فسوف نجد تبريراً لتأجيل كل شيء وأي شيء ولن يوجد شيء نتم عمله اليوم لأننا سنؤجله للغد أو الأسبوع القادم أو العام القادم … ومن ناحية ثانية فلكون حياتنا محددة فإننا نحاول بذل الجهد و عمل أفضل ما يمكننا عمله من أجل تخليد ذكرانا. فليس طول الحياة هو الذي يعطيها المعنى و القيمة، فنحن لا نحكم على السيرة الذاتية من طولها ولكن من ثرائها.

علي عزت بيجوفيتش، والهروب إلى الحرية

Begofitch

علي عزت بيجوفتش (1925-2003) أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك، هو ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها (الاسلام بين الشرق والغرب).

حين قضى (علي عزت) فترة حكمة في السجن كان يبدو مميتًا له ان تُحبس افكاره ايضًا وان يستسلم بعد كل السنين التي بقى يناضل فيها الى اخر رمق، لم يدع الامر يضعف رباطة جأشه او ان يحبط من عزيمة رجلٍ مثله، فهرب الى الحرية، الحرية التي لم يكن يعرفها كثيرًا منّا بل حقيقةً هي ما يجهلها أغلب الذين لم يذوقوا حلاوة النضال او لم يقاوموا عبودية الفكر حيث ينسلخ الإنسان من روحه وشخصيته … ويجعل من نفسه شخصًا تائها ضائعا ذليلا قد فرّط في أعظم نعمة وهبها المولى عز وجل له وميزه بها من بين سائر خلقه، انها حرية الفكر حين هرب (علي عزت) بفكرهِ خارج جدران السجن العالية وبعيدًا جداً عن انظار الحراسة المشددة، ورغم قدرته على الهرب الفكري يقول:

مع اسفي، لم يكن هروبًا حقيقًا، وكنت اودُّ لو كان كذلك .

الامر هنا يتعلق بهرب معين، كان ممكنًا في سجن فوتشا ذي الجدران العالية، والقضبان الفولاذية – وهو هروب الروح والفكر .

ولو أتيح لي فعلًا  الهرب لأعطيت الاولوية للهروب الجسدي قبل هذا الثاني.

كان (علي عزت) قد اعتقله الشيوعيون بعد الحرب، وحُكموا عليه بالسجن  لأنه كان معارضاً لنظام (جوزيف) وبقي منخرطاً في السياسة بعد قضاء العقوبة. وفي أبريل من عام 1983 حوكم (بيجوفيتش) مجددًا واثنا عشرة من النشطاء البوسنيين بسبب نشرهم مجموعة متنوعة من المبادئ الإسلامية عُدت على أنها جرائم، ووصفت على أنها نشاط معادٍ مستوحى من القومية الإسلامية، كما اتهم (بيجوفيتش) بمزيد من القضايا ومنها تنظيم زيارة إلى المؤتمر الاسلامي في ايران، وأدين كل الذين حوكموا، وحُكم على بيجوفيتش بالسجن أربعة عشر عاما .

يقول أيضًا في كتابه (هروبي الى الحرية):

لم أستطع الكلام ولكني استطعت التفكير وقررت ان استثمر هذه الامكانية حتى النهاية وأدرت منذ البداية بعض الحوارات داخل ذاتي عن كل شيء, وكل ما يخطر على البال.

وعلقت بذهني على الكتب المقروءة والاحداث في الخارج ,وبدأت بعدها بتدوين بعض الاشياء استراقًا في البداية، ثم تشجعت تمامًا، جلست وقرأت وكتبت.

وهكذا تجمع لدي ثلاثة عشر دفترًا صغيرًا، مكتوب بخط دقيق وغير مقروء قصدًا، حتى ان طابعتي “ميرسادا” تعبت كثيرًا وهي تقوم بنسخها .

وهذه مناسبة لكي اشكرها على الصبر في فك رموز شيفرتي للكلمات الخطرة مثل “الدين، الاسلام، الشيوعية، الحرية، الديموقراطية، السلطة” وما شابه، تم استبدالها في الملاحظات بكلمات اخرى كنت انا وحدي من يعرفها، واصبحت حتى بالنسبة لي خلال الاعوام التي خلت مفهومة بصعوبة وغريبة.

ويقول في موضع اخر عن كتابه هذا :

… اذا كان الادب هو هروبي الثقافي من الحرية، فإني هروبي العاطفي كان في تلك الرسائل، لست متأكدًا بأن اولادي يعرفون او انهم سيعرفون يومًا، ماذا عنت تلك الرسائل بالنسبة لي، كنت اشعر في اللحظات التي اقرؤها فيها انني لست انسانًا حرًا وحسب، وإنما كأنني انسان اهداه الله كل خيرات هذه الدنيا.

ولذا اخذت حريتي بان انشر في الفصل الاخير بعضها. وخُيّل لي أن بعض الكلمات تتحدث بوضوح عن ذلك الزمان، والظروف، وعن التفكيرات والمناخات، في عائلة سجين سياسي وطبعًا عن كاتبها.

إسبينوزا وحرية الإرادة

Spinoza

باروخ إسبينوزا (1632-1677) هو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن 17. بالرغم من أن تأثيره في معاصريه كان ضئيلًا. لم تبدأ أهميته الحقيقية تقدر حق التقدير إلا في السنوات الأخيرة من القرن 18، عندما عرف (لسنج) و(ياكوبي) و(غوته)، وغيرهم من الباحثين الألمان أهمية إسهاماته. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بشرح أهم أفكار (اسبينوزا)، اخترنا لكم منها فكرته عن الحرية، والتي يقول فيها:

لم يعتقد (اسبينوزا)، من حيث أنه فيلسوف آلي دقيق، في حرية الإرادة بمعنى اللحتمية. فكل حدث يقع يحدث بضرورة رياضية. وعندما لا نعي الظروف الخارجية ونعي فقط حالاتنا العقلية والجسمية، فإننا نتخيل أن أفعالنا تكون حرة، كاحجر، إذا كان لا يعي إلا حالاته الداخلية فحسب، فإنه يفترض أنه يحدد بإرادته الخاصة المجرى الذي يتبعه عندما يُلقى إلى الأعلى في الهواء.

ثم يشرح مقولته قائلًا:

وهناك، من ناحية أخرى، تمييز هام للغاية عند (اسبينوزا) بين العبودية البشرية والحرية البشرية. فطالما أن رغباتنا توجه في اتجاه الأشياء المتناهية والطارئة التي لا يمكن أن تشبع على الدوام فإننا نكون عبيدًا للظروف الخارجية ونكون ضحايا الأحداث. إننا نكون عبيد الانفعالات ودوافعنا وأفكارنا الغامضة، التي تدين بأصلها إلى علل لا نستطيع التحكم فيها.

أما عن كيفية التحرر من ذلك:

وفي إمكاننا أن نحرر أنفسنا من هذه العبودية عن طريق التفكير بصورة واضحة ومميزة. ودعنا نرى كيف يمكننا أن نفعل ذلك. لا شيء يسبب لنا الكآبة إذا عرفنا حتميته، وذلك أمر يمكن أن نفعله إذا فكرنا بطريقة عقلية، أعني بوضوح وتمييز. وإذا استخدمنا مثالنا لما يعنيه (اسبينوزا) لقلنا: إذا كان محتمًا على صديقك أن يموت، ومرضه لا يمكن الشفاء منه، فلا شيء يمكن أن تفعله أنت أو أي شخص آخر من أجل إنقاذه ؛ فمتى رأيت أن نتيجة هذا الحدث هي مسألة ضرورية مثل نتيجة 2+2=4، فإنك لن تحزن عليه بعد ذلك. وإذا استطعت أن تتأمل كل حدث من منظور الأزل (من حيث إنه يكون من منظور الأزل)، وتدرك أنه جزء من نسق لأحداث محددة بصورة مطلقة بوصفها نتاجات في جدول الضرب، فإنك لن تقلق عليه بعد ذلك، وسوف تتخلص من الألم الانفعالي.

يلخص ذلك بمقولته:

إن حرية الإنسان، من ثم، هي ببساطة مسألة قبول الكون، لأنك تفهم ضرورته الرياضية. ومتى تم ذلك، ستحصل على سلام العقل، ستتحرر من الانفعالات، وتكون قادرًا على أن ترد الشر إلى الخير.

أحاديث كامو حول الحرية والسياسة

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالسياسة والأحزاب السياسية، وكل ما يدور حول الحرية والعدالة، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه:

يؤاخذني البعض على كتاباتي التي تطرق للجانب السياسي. ما يعنونه حقًا ؛ أنهم يريدونني أن أتناول حياة الأحزاب السياسية. لكنني أنا لا أتناول إلا حياة الفرد الإنسان في مواجهته لآلة الدولة. وأنا أعي جدًا ما أكتب. [١٩٤٧]

ثم يقول عن الخطابات السياسية:

في كل مرة أستمع فيها إلى خطاب سياسيًا، أو أقرأ فيها تصريحًا لأحد قادتنا، ينتابني شعور بالخوف، لعدم سماعي ما ينبئ بأن تلك الأصوات بشرية بعد. هي دومًا ذات الكلمات التي تضمر ذات الأكاذيب. تهدف إلى أن يعتادها الناس، وألا يكفوا عن كونهم مجرد دمىً متحركة، وهذا هو الدليل -بنظري- على أن البشر لا يولون أي اهتمام لحكوماتهم، إنهم فقط يقامرون، أجل يقامرون حقًا على الوجه السياسي القادم، مضحين بجزء كامل من حياتهم، ومن مصالحهم الحياتية على حد قولهم. [١٩٣٧]

ثم يصف السياسيين بعد ذلك قائلًا:

إن السياسة ومصير البشر، صنيعة أناس لا مُثل لهم، ولا عَظمة تُترتجى فيهم. فالعظماء حقًا لا يتعاطون السياسة. هكذا هي الحال. لكن المسألة تتعلق الآن ببعث الإنسان فينا من جديد ؛ بجعل كل الأناس الفاعلين أناسَ مُثل وشعراء صناعيين ؛ بأن نعيش أحلامنا وأن نحققها. كنا سابقًا نتخلى عن أحلامنا أو نتوه فيها، والمفترض ألا نتوه فيها ولا نتخلى عنها. [١٩٣٨]

أما الأحزاب السياسية فيقول عنها:

إن الحزب السياسي ينفي الاختيار الحر لدى الفرد، وفي نفس الوقت، يطالبه بالتخلي الإرادي عن حريته في الاختيار. كأن ينفي حرية الفرد في الاختيار بين حَلَّين، وفي ذات الوقت، يطالبه بالاختيار الأفضل بنظرب الحزب. كأن ينفي قدرة المرء على التمييز بين الخير والشر، ويخاطبه أيضًا بنبرة مثيرة للشفقة عن الشعور بالذنب والخيانة. [١٩٤٦]

وأخيرًا يتحدث عن الحضارة المدنية الحديثة:

من خلال القضاء على جمال الطبيعة، وتغطيته بمساحات شاسعة من النفايات الصناعية. ولّدت الحضارة الحديثة حاجاتٍ اصطناعية واستحثتها. فجعلت معيشة الفقراء وتحملها مستحيلين. [١٩٦٥]

هذه الحضارة اصطنعت مجدًا مبنيًا على المتعة لفئة قليلة، على حساب الكثير:

البلدان التي تؤوي الجمال هي الأصعب في الدفاع عنها، لشدة رغبتنا في تحييدها. وبالتالي فعلى الشعوب الفنانة أن تكون الضحية المفضلة للشعوب الجاحدة. حتى لو لم يكن حب الحرية مقدمًا على حب الجمال في قلوب البشر. إنها حكمة غريزية، لأن الحرية هي مصدر الجمال. [١٩٤٣]

لا تنفصل السلطة عن الظلم. السلطة الجيدة هي الإدارة السليمة والحذرة للظلم. [١٩٥٨]

ينبغي للشهداء أن يختاروا بين أن يتم نسيانهم أو استغلالهم. [١٩٥٣]

فقد وُجدت الحضارة الحديثة على المتعة البشرية المحضة، وتلبية لرغباتها:

انحطاط الحضارة: رغبة الإنسان بالثروة. عمى! [١٩٣٦]

لا وقت لدينا لأن نبحث عن ذواتنا. لا وقت لدينا إلا لأن نكون سعداء. [١٩٣٧]

لا تكمن الحضارة في ارتفاع درجة الرفاهية. وإنما في الوعي المشترك لكامل الشعب. وهذا الوعي ليس رفاهية. [١٩٣٦]

ما الحل إذًا في مواجهة هذه الحالة القبيحة ؟

الثورة أمرٌ جيد، وإنما لماذا؟ يجب أن تكون لدينا فكرة واضحة عن الحضارة التي نريد ابتكارها. إن القضاء على المُلكية والرغبة بالثروة ليست هدفًا .. إنما وسيلة. [١٩٥٦]

يقول مجيبًا على هذا السؤال، بتعريف بسيط للثقافة:

الثقافة: صرخة البشر أمام قدرهم. [١٩٣٦]

يفصل بعد ذلك في الثقافة والفكر قائلًا:

الفكر متقدمٌ دائمًا. فهو ينظر إلى ما هو أبعد من هذا الجسد المتفاني في الحاضر فقط. إلغاء الرجاء هو إعادة الفكر إلى الجسد. وعلى الجسد أن يفنى. [١٩٣٨]

العفة في الفكر، هي منع الرغبات من الضلال، والفكر من التشتت. [١٩٤٠]

كلما كان الإنسان عظيمًا أكثر، كانت الفلسفة أصدق. [١٩٣٧]

وعن حالة الثقافة الحالية، وحال المثقفين في عصر المادة الذي نعيشه:

الحاجة لأن نكون على حق دائمًا، تلك هي سمة النفس المبتذلة. [١٩٣٦]

ويتبع كلماته قائلًا:

نحن نحيا في عالمٍ عليك الاختيار فيه بين أن تكون ضحية للجلاد أو جلادًا، وما من خيار آخر. ليس هذا الخيار سهلًا. إذ لطالما بدا لي أنه لا يوجد جلادون في الحقيقة، وإنما فقط ضحايا. في نهاية المطاف طبعًا. لكنها حقيقة غير منتشرة. لدي ميل قوي إلى الحرية، وبالنسبة إلى كل مثقف، تتماهى الحرية في نهاية المطاف مع حرية التعبير. لكني مدرك تمامًا أن هذا الهاجس ليس الشاغل الأول لشريحة كبيرة جدًا من الأوروبيين، فالعدالة وحدها كفيلة بمنحهم الحد المادي الأدنى الذي يحتاجونه، ولأنهم، عن خطأ أو عن صواب، قد يضحون عن طيب خاطر بالحرية من أجل تلك العدالة الأساسية. أني مدرك لذلك منذ زمن بعيد. وإن كان الدفاع عن التوفيق ما بين العدالة والحرية ضروريًا، فلأن الأمل الأخير للغرب يكمن ها هنا برأيي. بيد أن التوفيق هذا لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ معيّن يظهر لي اليوم غير بعيد عن الطوبائية.

فهل ينبغي التضحية بواحدة أو بأخرى من هاتين القيمتين؟ ما الذي يجب تفكيره؟ يتأتى الأمر كله عن كون المكلفين بالكلام عن الشعب لا يملكون ولم يملكوا أبدًا هاجس الحرية الحقيقي. وهم يفاخرون بكونهم عكس ذلك حتى عندما يكونون صادقين. إنما يكفي هاجس بسيط .. وبالتالي، فإن أولئك الذين سيعيشون مع هذا الهاجس، وهم ندرة، أن يهلكوا ذات يوم (هناك عدة سبل للموت بهذا الصدد). وإذا ما كانوا فخورين، فهم لن يفعلوا ما لم يكونوا قد ناضلوا. ولكن، كيف لهم أن يناضلوا ضد إخوتهم والعدالة بأكملها؟ هم سوف يشهدون، هذا بكل ما في الأمر. ونحن سنتفرج كل ألفي عام على تكرار التضحية بـ(سقراط). [١٩٤٥]

ليست الحرية سوى أمنية بعض النفوس. العدالة أمنية الأكثرية، والأكثرية تخلط ما بين الحرية والعدالة. لكن، سؤال: هل تساوي العدالة المطلقة السعادة المطلقة؟ نصل إلى تلك الفكرة القائلة بوجوب الاختيار ما بين التضحية بالحرية من أجل العدالة، أو بالعدالة من أجل الحرية. بالنسبة إلى الفنان، يوازي الأمر في بعض الظروف، الاختيار ما بين فنه وسعادة البشر. أيستطيع الإنسان وحده ابتكار قيمه الخاصة؟ تلك هي المعضلة كلها، [١٩٤٣]

يجب التفريق أولًا ما بين العدالة والحرية، فالهدف الذي يجب أن نصبو إليه هو الحرية أولًا وأخيرًا:

تخلو السياسة من المشاعر. فالمساواة هي عدوة الحرية أحيانًا. في اليونان، كان هناك رجال أحرار بسبب وجود العبيد. [١٩٤١]

ويقول نهاية في كلمتين بسيطتين:

ليست الحرية هي أمل المستقبل. وإنما الحاضر والتوافق مع الكائنات والعالم في الحاضر. [١٩٥٦]

ليست الديموقراطية حكم الأكثرية، ورنما حماية الأقلية. [١٩٥٩]

فالواجب علينا في مواجهة هذا العالم البشع، أن نبحث عن حريتنا أكثر. وأن نخلق مجالًا حرًا يرقى بنا، وبفكرنا وفلسفتنا، كما يعبر الفيلسوف (ألبير كامو) عن ذلك.

حرية الإنسان عند جان جاك روسو

arton12646

جان جاك روسو (1712 – 1778) هو كاتب وفيلسوف جنيفي، يعد من أهم كتاب عصر التنوير، وهي فترة من التاريخ الأوروبي، امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين، وهي حركة سياسية، اجتماعية، ثقافية وفلسفية واسعة، اشتهرت فترة التنوير بكل أشكال الفكر الذي يريد تنوير عقول من الظلام والجهل والخرافة، مستفيدا من نقد العقل ومساهمة للعلوم. الجدير بالذكر أن فلسفة (روسو) قد ساعدت في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة. يقول (جان جاك روسو) في كتابه الشهير (دين الفطرة):

الإنسان فاعل حر. فعله إذن منه، ومايفعله بإرادة حرة لايدخل في النظام الذي اختاره الخالق بتدبيره وحكمته، فلا يجب إضافته إليه. الرب، المدبر للكون والساهر عليه، لايريد الشر الذي يقترفه الإنسان بالإسراف في استغلال الحرية المخولة إليه. لايمنع حدوثه، إما لأنه بلا تأثير نظراً لتفاهة فاعله، وإما لأن منع الشر لا يتم إلا بنفي حرية البشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختاراً. ولكي يختار وفر له القوى الضرورية لذلك، مع وضع حد لها حتى لا يُخل الإفراط في الحرية بتوازن الكون. الشر الذي يفعله الإنسان يعود عليه بالضرر بدون أن يؤثر سلباً على النظام العام وبدون أن يمنع الجنس البشري من أن يواصل، مهما فعل، مسيرته. من يتذمر من أن الرب لا يثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفاً و تكريماً، إذ بها ندبه إلى التحلي بالفضيلة. أيه سعادة أكبر من الشعور بالرضى على النفس؟ وحتى نستحق تلك الغبطة وضعنا فوق هذه الأرض أحراراً لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها. هل كان في وسع القدرة الربانية نفسها أن تهب لنا أكثر مما فعلت؟ أكان وارداً أن تضع الصراع والتناقض في قلب طبيعتنا وتجازي على الخير من لا يقوى على الشر؟ ويحك أيها المتذمر! حتى لا يكون الإنسان شريراً أكان على الباري أن يسجنه في حدود الغريزة ويجعل منه بهيمة؟ جاشاك ربي ومالك روحي أن ألومك أبداً إذ جعلتني على صورتك لأكون مثلك حراً وخيراً وسعيداً.

 

الفكر الحر عند عادل مصطفى

philosophy
الدكتور عادل مصطفى طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة .. فى كتابه (المغالطات المنطقية) يتكلم عن الفكر الحر و يقول :

ليست الحرية شيئاً يُضاف إلى الفكر ، فيكون لدينا فكرٌ حرٌ بعد أن كان لدينا فكرٌ غيرُ حر . فالفكر الحقيقى لا يكون إلا حراً . الفكر حر بحكم ماهيته و حكم تعريفه . الحرية ليست “محمولاً ” للفكر بل “كيفية وجود” أو “أسلوب كينونة” . الحرية ليست شيئاً “يَعرِض” للفكر بل هى شىء “يَكُونه” ! بدون حرية أنت لا تفكر .. بل تردد و تكرر .. و تصفر كجنادب الليل .. و تبيع إحدى جوارحك كالبغى لتشترى السلامة . و الفكر غير الحر ليس فكراً ، و إنما هو كـ “النقطة الممتدة” و “المربع المستدير” تناقض ذاتى.

و حول مغالطة إستخدام القوة الغير مقترنة بالعقل لتوجيه دفة الأمور يقول :

تعنى كلمة “baculum” باللاتينية : العصا . ومن ثم تعنى هذه المغالطة اللجوء إلى التهديد و الوعيد من أجل إثبات دعوى لا تتصل منطقياً بإنفعال الخشية و الرعب الذى تهيب به . تقبع فى صميم هذه المغالطة فكرة “القوة تصنع الحق” و هى مغالطة لأن التهديد يعمل على مستوى دافعى مغاير لمستوى القناعة الفكرية .
بوسعك أن تفرض السلوك القويم بالقوة ، و لكن ليس بوسع أحد قط أن يفرض الرأى العقلى بالقوة . و إن ألف سيف مُصلت على رقبتك لن تُنهض لك دليلاً على اثنين و اثنين تساوى خمسة مثلاً ! قد تشترى رقبتك بالطبع و تسلم للمأفونين بأنها كذلك ، و لكن الإنصياع لا يعنى الإقتناع .

هكذا فعل جاليلو حين أذعن للتفتيش و أثر السلامة . و بقيت الأرض تدور فى ملته و إعتقاده حيث لا تفتيش ثم ولا محاكم . و هذا ما لم يفعله جيوردانو برونو (1548-1600) من قبله . فقد ذهب برونو إلى أن هناك أنظمة شمسية عديدة تسبح فى فضاء لا نهائى ، و هددته الكنيسة بالموت ما لم يغير آراءه . إلا أنه لم يرضخ لمنطق العصا ، و آثر الموت حرقاً على الخازوق عام 1600

قيود الواقع العربي بأعين د.زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود

د.زكي نجيب محمود (1905-1993) الكاتب والأكاديمي وأستاذ الفلسفة، في كتابه (تجديد الفكر العربي) يتكلم عن الواقع العربي فيقول:

وإنه لمن العبث أن يرجو العرب المعاصرون لأنفسهم نهوضًا أو ما يشبه النهوض، قبل أن يفكوا عن عقولهم تلك القيود، لتنطلق نشيطة حرة نحو ماهي ساعية إلى بلوغه، وإنه لا بناء إلا بعد أن نزيل الأنقاض ونمد الأرض ونحفر للأساس القوي المكين.
 ثم يكمل حديثه بعد ذلك بذكر أعظم القيود التي تعيق الإنسان العربي المعاصر:
الأول: أن يكون صاحب السلطان السياسي هو في الوقت نفسه، وبسبب سلطانه السياسي، صاحب الرأي، لا أن يكون صاحب رأي (بغير أداة التعريف) بحيث لا يمنع رأيه هذا أن يكون لغيره من الناس آراؤهم.
الثاني: أن يكون للسلف كل هذا الضغط الفكري علينا، فنميل إلى الدوران فيما قالوه وما أعادوه ألف ألف مرة -لا أقول إنهم أعادوه بصور مختلفة، بل أعادوه بصور مختلفة، بل أعادوه بصورة واحدة تتكرر في مؤلفات كثيرة، فكلما مات مؤلف، لبس ثوبه مؤلف آخر، وأطلق على مؤلفه اسمًا جديدًا- فظن أن الطعام يصبح أطعمة كثيرة إذا تعددت له الأسماء.
الثالث: الإيمان بقدرة الإنسان -لا كل إنسان بل المقربون منهم- على تعطيل قوانين الطبيعة عن العمل كلما شاؤوا، على غرار ما يستطيعه القادرون النافذون -على صعيد الدولة- أن يعطلوا قوانين الدولة في أي وقت أرادت لهم أهواؤهم أن يعطلوها.
ويسهب بعد ذلك بخصوص القيد الأول فيقول:
أسّ البلاء في مجال الفكر هو أن يجتمع السيف السيف والرأي الذي لا رأي غيره في يد واحدة ؛ فإذا جلا لك صاحب السيف صارمه، وتلا عليك باطله، زاعمًا أنه هو وحده الصواب المحض والصدق الصراح، فماذا أنت صانع إلا أن تقول له “نعم” وأنت صاغر؟
فكل ذلك  برأيي الدكتور زكي نجيب محفوظ مخالف لطبيعة الفكر الحر، فمن شروط الفكر الحر برأيه:

 أن يكون حوارًا متعادل الأطراف، لا يأمر فيه أحد أحدًا، ولا يطيع فيه أحد أحدًا، إلا بالحق

وفرض الأفكار بطريقة تعسفية سيؤدي نهايةً إلى مخاطر وأضرار عظيمة، ولسبب بسيط:

فما من فكرة إلا وتحتمل أن يكون نقيضها هو الصواب
ثم ينتقل إلى القيد الثاني فيلخص لبّ الأزمة بداية في قوله:
سلطان الماضي على الحاضر هو بمثابة السيطرة يفرضها على الأحياء
فيتكلم بعد ذلك عن حالة التقديس للماضي فيقول:
إن للموتى تأثيرًا قويًا في نفوسنا، يكاد يلهينا عن حقائق الأمور بما يحدثه فينا من الإيهام
 وفي موضع آخر يقول:
وهكذا قل في أمر الإنسان إذا ما وجد نفسه حيال فكرة أو عبارة قالها رجل قضى منذ زمن، لكنه ترك وراءه شهرة وسمعة تملأ النفوس بالرهبة ؛ فقد يجد هذا الإنسان عندئذ أن من المتعذر جدًا عليه النجاة من سحر هذه الرهبة، وأن أيسر السبل وآمنها من الزلل هو أن يتقبل كل ما قد تركه له سلفه ذو الشهرة والسمعة، وهيهات أن تجد من الناس من تبلغ به الجرأة أن يفض عن الصندوق المسحور ختمه السحري، ليفتحه فإذا هو من الداخل خواء أو ما شابه الخواء
 (…)
فما أسرع ما يتحول الأمر عند الإنسان من إعجاب بالقديم إلى تقديس له يوهمه بأن ذلك القديم معصوم من الخطأ، فعندئذ تنسدل الحجب الكثيفة بين الإنسان وبين ما جاءت به الأيام من تطورات في العلم والمعرفة
أما بخصوص القيد الأخير، فالمقصود به سيطرة الخرافة على الواقع، وهو ما جعله يشبه الخرافة بالسحر الذي يتلاشى عند أول اختبار له، بينما العلم هو الذي يحرك الواقع فعليًا، وقد نقلت (ساقية) رأيه فيها في  تدوينة  سابقة

تحولات مفهوم الحرية والليبرالية عند العروي

arwoi__23_839204231

عبد الله العروي مثقف وكاتب مغربي معروف. لديه العديد من الأعمال الفلسفية التأصيلية في مفاهيم عديدة ولعل أبرزها مفهوم الحرية. حيث يشرح في كتابه (مفهوم الحرية) التحولات في مفهوم الحرية عبر التاريخ وعلاقتها بالليبرالية والاتجاهات الفلسفية.

إن الليبرالية مرت بمراحل :

  • مرحلة التكوين ؛ حيث كانت وجهًا من وجوه الفلسفة الغربية المرتكزة على مفهوم الفرد ومفهوم الذات
  • مرحلة الاكتمال ؛ حيث كانت الأساس الذي شيد عليه علمان عصريان مهمان : علم الاقتصاد وعلم السياسة النظرية.
  • مرحلة الاستقلال ؛ حيث نزعت الليبرالية من أصولها كل فكرة تنتمي إلى الاتجاه الديموقراطي بعد أن أظهرت تجربة الثورة الفرنسية إن بعض أصول الليبرالية قد تنقلب عند التطبيق إلى عناصر معادية لها.
  • مرحلة التقوقع ؛ حيث أصبحت تعتبر أنها محاطة بالأخطار وأن تحقيقها صعب إن لم يكن مستحيلًا، لما تستلزم من مسبقات غير متوفرة لدى البشر في غالب الأحيان.

[..]

إن كل مرحلة من مراحل الليبرالية تميز بالتشديد على مفهوم أساسي خاص بها.

إن المفهوم الأساسي في المرحلة الأولى هو مفهوم الذات الذي يميز الفلسفة الغربية الحديثة جميعها، إذ ينطلق التحليل الفلسفي الغربي من الإنسان باعتباره الفاعل صاحب الاختيار والمبادرة. هذا هو أصل الإنسية الغربية كما عبرت عن ذاتها في ميادين الفن والأدب والعلم والسياسة، هو منطلق الفلسفة اليونانية السقراطية، المخالف لمنطلق الفلسفة اليونانية السابقة لسقراط ومنطلق الفلسفة في القرون الوسطى الأوروبية ومنطلق الفلسفات الشرقية، حيث يُنظر إلى الإنسان كمخلوق بين المخلوقات ويُضاف الفعل إلى الخالق المبدع.

والمفهوم الأساسي في المرحلة الثانية في مفهوم الفرد العاقل المالك لحياته وبدنه وذهنه وعمله. على أساسه شيد تاريخ معقول يخالف التاريخ الفعلي الذي لم يكن سوى سلسلة من الصبيانيات والحماقات، حسب تعبير ڤولتير، وشيد علم الاقتصاد العقلي المخالف للاقتصاد الإقطاعي الضعيف المتفكك، وشيد علم السياسة العقلية المبني على التعاقد بين أفراد عقلاء مستقلين ومتساوين والمخالف لسياسة الاستبداد المترهل المنخور.

والمفهوم الأساسي في المرحلة الثالثة هو مفهوم المبادرة الخلاقة. يجب المحافظة عليها لأنها كانت سبب تفوق أوروبا على باقي العالم. إن الدولة الحديثة، كما استوحتها الثورة الفرنسية من تحليلات مفكري القرن الثامن عشر، قد نفت حقوق الفرد المالك الخلاق باسم حقوق مجردة أسندت للفرد العاقل. هذا الفرد العاقل لا وجود له في الواقع التاريخي، في حين أن الفرد الخلاق هو نتيجة تطور طويل. لابد في رأي ليبرالية المرحلة الثالثة من المحافظة على الحقوق الموروثة ومن الاعتماد على التطوير البطيء، دون اللجوء إلى الطفرة التي تقطع حبل الاستمرار التاريخي. إن الفرد الواقعي، كما كوَّنه توالي الحقب والعصور، هو الذي يجب أن يكون هدف السياسة، لا الفرد الخيالي الذي قد يتحقق في مستقبل بعيد بعد تدخل الدولة واستعمال العنف.

والمفهوم الأساسي في المرحلة الرابعة هو مفهوم المغايرة والاعتراض. إن الفرد، الذي يعيش داخل الدولة الحديثة المبنية على الاقتصاد الصناعي الموجه والمساواة والديموقراطية، يميل بطبعه إلى مسايرة الآراء الغالبة. أصبح الفرد يُفضِّل الرضوخ إلى رأي الأغلبية وهو رأي يتكون تلقائيًا في المجتمع العصري. لكن الإجماع على رأي واحد، وهو إجماع اصطناعي، يتسبب في ذهول فكري وفي تعثر المجتمع ككل. لكي نحافظ على أسباب التقدم لابد من الإبقاء على حقوق المخالفين في الرأي، لأن الاختلاف هو أصل الجدال، والجدال هو أصل التقدم الفكري والابتكار.

لا تنس أن تقرأ كذلك نظرة عبد الكريم سروش للفكر الليبرالي.