أرشيف الوسم: الحرية

جون ستيوارت ميل في المسوغ الوحيد للتعرض لحرية الفرد

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني.

في السابعة عشرة من عمره، بلغ مبلغ الرجال على المستوى العقلي، فقد كان صافي الذهن، صريح، فصيح جدا، بالغ الوقار دونما أثر لخوف أو غرور، وخلال السنين العشر التالية، زاول كتابة المقالات والنقد، وحمل عبء الحركة النفعية على كاهله، وكانت مقالاته مصدر شهرة واسعة له، مما جعله خبير في الشؤون العامة.

تعد مفاهيم الحرية هي الرمز الأول الذي يرتبط بكتابات وفلسفة (جون ستيورات ميل)، فمن آبرز إنتاجاته كان كتابه (الحرية) والذي نقله إلى اللغة العربية الأستاذ (طه السباعي باشا).

يقول (ميل) في أحد فصول كتابه، كان عنوانه “في أن المسوغ الوحيد للتعرض لحياة الفرد هو حماية مصالح الغير”:

… ومضمون هذا المبدأ أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرض، على الانفراد أو الاجتماع، لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه. فمنع الفرد من الإضرار بغيره هو الغاية الوحيدة التي تسوغ استخدام السلطة على أي عضو من أعضاء جماعة متمدينة، أما إذا كانت الغاية المنشودة من إرغام الفرد هي مصلحته الذاتية أدبية كانت أو مادية، فذلك لا يعتبر مسوغًا كافيًا؛ وإذن لا يجوز البتة إجبار الفرد على أداء عمل ما أو الامتناع عن عمل بدعوى أن هذا الأداء أو الامتناع أحفظ لمصلحته وأجلب لمنفعته وأعود عليه بالخير والسعادة ولأنه في نظر سائر الناس هو عين الصواب بل صميم الحق.

ثم يتابع بعد ذلك في الفصل ذاته:

فالإنسان غير مسؤول أمام المجتمع عن شيء من تصرفاته إلا ما كان منها ذا مساس بالغير، فأما التصرفات التي لا تخص غير نفسه ولا تتعلق بغير شخصه فهو فيها كامل الحرية مطلق الإرادة، وذلك لأن الإنسان سلطان في دائرة نفسه وأمير حر التصرف في جسمه وعقله.

يتطرق بعد ذلك (ميل) إلى الأحوال التي يجوز فيها التعرض لحرية الفرد، على حد تعبيره، فيقول:

والواقع أن الفرد قد يؤذي غيره بالكف عن التصرف كما قد يؤذيهم بالتصرف، وفي كلا الحالتين يحق للغير محاسبته عمّا ألحق بهم من الأذى؛ على أن استعمال الإكراه في الحالة الأولى يستوجب من الحذر والاحتراس ما لا يستوجباستعماله في الحالة الثانية؛ لأن القاعدة في هذا الباب هي محاسبة المرء عما وقع بغيره من الضرر، أما محاسبته لإهماله في دفع الشر عن سواه فشذوذ واستثناء، ولا يسوغ ولا يبرر إلا في الأحوال الخطيرة التي ينتفي عنها كل شك وارتياب وكثير ما هي.

وأخيرًا، يضع (ميل) في ذلك قاعدة للمجتمعات الحرة، فيقول:

فأيما مجتمع لا تُحترمك فيه تلك الحريات على وجه عام فهو غير خليق بأن يوصف بالحرية مهما كان شكل حكومته؛ وأيما مجتمع لا تقوم فيه تلك الحريات موفورة غير منقوصة، وخالصة غير مشوبة فهو غير كامل الحرية. ولا بدع فإنما الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون وكيفما يريدون، ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم، وعرقلة مجهودهم في سبيل مرافقتهم. فالفرد دون سواه هو المسؤول عن نفسه، وهو أحق الناس بأن يكون الولي على أحواله بدنية أو عقلية، مادية أو أدبية.

فيكتور فرانكل، وحديث عن حرية الإرادة، المعاناة، والموت

 

Viktor Frankl

 

فيكتور فرانكل (1905-1997)، هو طبيب نفسي نمساوي و مؤسس علم العلاج بالمعنى (Logotherapy)، وأحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية إذ أنه في سبتمبر 1942، ألقي القبض على (فرانكل) و عائلته، وتم ترحيلهم إلى معسكر اعتقال Theresienstadt فقد خلالها (فرانكل) زوجته، (تيلي)، ووالديه و شقيقه في أهوال معسكرات الاعتقال النازية، كما وصل إلى حافة الموت بدوره.

في الحرية

كيف ينظر الطبيب النفسي (فرانكل) في مسألة حرية الإرادة وهل حرية الإنسان مقيدة ام مطلقة؟ يرد على ذلك قائلا:

الحرية التي يمتلكها الإنسان وتميزه عن سائر الكائنات ليست نهائية أو مطلقة، ولكنها محدودة بعوامل كثيرة. فالإنسان ليس حرًا أو منفصلاً عن عوامل معينة سواء كانت هذه العوامل بيولوجية، أو سيكولوجية، أو اجتماعية، و لكنه سيظل الإنسان حراً في اتخاذ موقفًا تجاه هذه العوامل و الظروف. كما لديه حرية الاختيار و مسئولاً عن هذه الاختبارات التي يراها مناسبة.

في معنى المعاناة

كيف نستطيع ان نجد المعنى في أحلك الظروف أو عند مواجهتنا لقدراً محتوم غير قابل للتغيير؟ يجيب د. (فرانكل) عن ذلك قائلاً:

أن يسمو الفرد بنفسه و يحول المأساة الشخصية إلى إنجاز أو انتصار. المعاناة سمة أساسية مميزة للحياة؛ فلا توجد حياة خالية من المعاناة، ولا يوجد فرد لم يعان من الصدمات الانفعالية و من الظلم أو الأذى أو من الإحباطات أو الصعوبات المادية أو الجسدية، أو الحزن و الأسف نحو شخص محبوب.

أما الموت

ينظر د. (فرانكل) للموت نظرة إيجابية على أنه الشيء الوحيد المؤكد و الحقيقة العامة للحياة ولايمكن تجنبه، وحيث إن الموت هو النهاية فإنه يمكن أن يكون حافز للحياة. كيف يعطي الموت معنى للحياة؟ يجيب على ذلك

ما الذي كان يمكن حدوثه إذا لم تكن حياتنا محددة و منتهية؟ فلو كنا مخلدين فسوف نجد تبريراً لتأجيل كل شيء وأي شيء ولن يوجد شيء نتم عمله اليوم لأننا سنؤجله للغد أو الأسبوع القادم أو العام القادم … ومن ناحية ثانية فلكون حياتنا محددة فإننا نحاول بذل الجهد و عمل أفضل ما يمكننا عمله من أجل تخليد ذكرانا. فليس طول الحياة هو الذي يعطيها المعنى و القيمة، فنحن لا نحكم على السيرة الذاتية من طولها ولكن من ثرائها.

علي عزت بيجوفيتش، والهروب إلى الحرية

Begofitch

علي عزت بيجوفتش (1925-2003) أول رئيس جمهوري لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب البوسنة والهرسك، هو ناشط سياسي بوسني وفيلسوف إسلامي، مؤلف لعدة كتب أهمها (الاسلام بين الشرق والغرب).

حين قضى (علي عزت) فترة حكمة في السجن كان يبدو مميتًا له ان تُحبس افكاره ايضًا وان يستسلم بعد كل السنين التي بقى يناضل فيها الى اخر رمق، لم يدع الامر يضعف رباطة جأشه او ان يحبط من عزيمة رجلٍ مثله، فهرب الى الحرية، الحرية التي لم يكن يعرفها كثيرًا منّا بل حقيقةً هي ما يجهلها أغلب الذين لم يذوقوا حلاوة النضال او لم يقاوموا عبودية الفكر حيث ينسلخ الإنسان من روحه وشخصيته … ويجعل من نفسه شخصًا تائها ضائعا ذليلا قد فرّط في أعظم نعمة وهبها المولى عز وجل له وميزه بها من بين سائر خلقه، انها حرية الفكر حين هرب (علي عزت) بفكرهِ خارج جدران السجن العالية وبعيدًا جداً عن انظار الحراسة المشددة، ورغم قدرته على الهرب الفكري يقول:

مع اسفي، لم يكن هروبًا حقيقًا، وكنت اودُّ لو كان كذلك .

الامر هنا يتعلق بهرب معين، كان ممكنًا في سجن فوتشا ذي الجدران العالية، والقضبان الفولاذية – وهو هروب الروح والفكر .

ولو أتيح لي فعلًا  الهرب لأعطيت الاولوية للهروب الجسدي قبل هذا الثاني.

كان (علي عزت) قد اعتقله الشيوعيون بعد الحرب، وحُكموا عليه بالسجن  لأنه كان معارضاً لنظام (جوزيف) وبقي منخرطاً في السياسة بعد قضاء العقوبة. وفي أبريل من عام 1983 حوكم (بيجوفيتش) مجددًا واثنا عشرة من النشطاء البوسنيين بسبب نشرهم مجموعة متنوعة من المبادئ الإسلامية عُدت على أنها جرائم، ووصفت على أنها نشاط معادٍ مستوحى من القومية الإسلامية، كما اتهم (بيجوفيتش) بمزيد من القضايا ومنها تنظيم زيارة إلى المؤتمر الاسلامي في ايران، وأدين كل الذين حوكموا، وحُكم على بيجوفيتش بالسجن أربعة عشر عاما .

يقول أيضًا في كتابه (هروبي الى الحرية):

لم أستطع الكلام ولكني استطعت التفكير وقررت ان استثمر هذه الامكانية حتى النهاية وأدرت منذ البداية بعض الحوارات داخل ذاتي عن كل شيء, وكل ما يخطر على البال.

وعلقت بذهني على الكتب المقروءة والاحداث في الخارج ,وبدأت بعدها بتدوين بعض الاشياء استراقًا في البداية، ثم تشجعت تمامًا، جلست وقرأت وكتبت.

وهكذا تجمع لدي ثلاثة عشر دفترًا صغيرًا، مكتوب بخط دقيق وغير مقروء قصدًا، حتى ان طابعتي “ميرسادا” تعبت كثيرًا وهي تقوم بنسخها .

وهذه مناسبة لكي اشكرها على الصبر في فك رموز شيفرتي للكلمات الخطرة مثل “الدين، الاسلام، الشيوعية، الحرية، الديموقراطية، السلطة” وما شابه، تم استبدالها في الملاحظات بكلمات اخرى كنت انا وحدي من يعرفها، واصبحت حتى بالنسبة لي خلال الاعوام التي خلت مفهومة بصعوبة وغريبة.

ويقول في موضع اخر عن كتابه هذا :

… اذا كان الادب هو هروبي الثقافي من الحرية، فإني هروبي العاطفي كان في تلك الرسائل، لست متأكدًا بأن اولادي يعرفون او انهم سيعرفون يومًا، ماذا عنت تلك الرسائل بالنسبة لي، كنت اشعر في اللحظات التي اقرؤها فيها انني لست انسانًا حرًا وحسب، وإنما كأنني انسان اهداه الله كل خيرات هذه الدنيا.

ولذا اخذت حريتي بان انشر في الفصل الاخير بعضها. وخُيّل لي أن بعض الكلمات تتحدث بوضوح عن ذلك الزمان، والظروف، وعن التفكيرات والمناخات، في عائلة سجين سياسي وطبعًا عن كاتبها.

إسبينوزا وحرية الإرادة

Spinoza

باروخ إسبينوزا (1632-1677) هو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن 17. بالرغم من أن تأثيره في معاصريه كان ضئيلًا. لم تبدأ أهميته الحقيقية تقدر حق التقدير إلا في السنوات الأخيرة من القرن 18، عندما عرف (لسنج) و(ياكوبي) و(غوته)، وغيرهم من الباحثين الألمان أهمية إسهاماته. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بشرح أهم أفكار (اسبينوزا)، اخترنا لكم منها فكرته عن الحرية، والتي يقول فيها:

لم يعتقد (اسبينوزا)، من حيث أنه فيلسوف آلي دقيق، في حرية الإرادة بمعنى اللحتمية. فكل حدث يقع يحدث بضرورة رياضية. وعندما لا نعي الظروف الخارجية ونعي فقط حالاتنا العقلية والجسمية، فإننا نتخيل أن أفعالنا تكون حرة، كاحجر، إذا كان لا يعي إلا حالاته الداخلية فحسب، فإنه يفترض أنه يحدد بإرادته الخاصة المجرى الذي يتبعه عندما يُلقى إلى الأعلى في الهواء.

ثم يشرح مقولته قائلًا:

وهناك، من ناحية أخرى، تمييز هام للغاية عند (اسبينوزا) بين العبودية البشرية والحرية البشرية. فطالما أن رغباتنا توجه في اتجاه الأشياء المتناهية والطارئة التي لا يمكن أن تشبع على الدوام فإننا نكون عبيدًا للظروف الخارجية ونكون ضحايا الأحداث. إننا نكون عبيد الانفعالات ودوافعنا وأفكارنا الغامضة، التي تدين بأصلها إلى علل لا نستطيع التحكم فيها.

أما عن كيفية التحرر من ذلك:

وفي إمكاننا أن نحرر أنفسنا من هذه العبودية عن طريق التفكير بصورة واضحة ومميزة. ودعنا نرى كيف يمكننا أن نفعل ذلك. لا شيء يسبب لنا الكآبة إذا عرفنا حتميته، وذلك أمر يمكن أن نفعله إذا فكرنا بطريقة عقلية، أعني بوضوح وتمييز. وإذا استخدمنا مثالنا لما يعنيه (اسبينوزا) لقلنا: إذا كان محتمًا على صديقك أن يموت، ومرضه لا يمكن الشفاء منه، فلا شيء يمكن أن تفعله أنت أو أي شخص آخر من أجل إنقاذه ؛ فمتى رأيت أن نتيجة هذا الحدث هي مسألة ضرورية مثل نتيجة 2+2=4، فإنك لن تحزن عليه بعد ذلك. وإذا استطعت أن تتأمل كل حدث من منظور الأزل (من حيث إنه يكون من منظور الأزل)، وتدرك أنه جزء من نسق لأحداث محددة بصورة مطلقة بوصفها نتاجات في جدول الضرب، فإنك لن تقلق عليه بعد ذلك، وسوف تتخلص من الألم الانفعالي.

يلخص ذلك بمقولته:

إن حرية الإنسان، من ثم، هي ببساطة مسألة قبول الكون، لأنك تفهم ضرورته الرياضية. ومتى تم ذلك، ستحصل على سلام العقل، ستتحرر من الانفعالات، وتكون قادرًا على أن ترد الشر إلى الخير.

أحاديث كامو حول الحرية والسياسة

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالسياسة والأحزاب السياسية، وكل ما يدور حول الحرية والعدالة، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه:

يؤاخذني البعض على كتاباتي التي تطرق للجانب السياسي. ما يعنونه حقًا ؛ أنهم يريدونني أن أتناول حياة الأحزاب السياسية. لكنني أنا لا أتناول إلا حياة الفرد الإنسان في مواجهته لآلة الدولة. وأنا أعي جدًا ما أكتب. [١٩٤٧]

ثم يقول عن الخطابات السياسية:

في كل مرة أستمع فيها إلى خطاب سياسيًا، أو أقرأ فيها تصريحًا لأحد قادتنا، ينتابني شعور بالخوف، لعدم سماعي ما ينبئ بأن تلك الأصوات بشرية بعد. هي دومًا ذات الكلمات التي تضمر ذات الأكاذيب. تهدف إلى أن يعتادها الناس، وألا يكفوا عن كونهم مجرد دمىً متحركة، وهذا هو الدليل -بنظري- على أن البشر لا يولون أي اهتمام لحكوماتهم، إنهم فقط يقامرون، أجل يقامرون حقًا على الوجه السياسي القادم، مضحين بجزء كامل من حياتهم، ومن مصالحهم الحياتية على حد قولهم. [١٩٣٧]

ثم يصف السياسيين بعد ذلك قائلًا:

إن السياسة ومصير البشر، صنيعة أناس لا مُثل لهم، ولا عَظمة تُترتجى فيهم. فالعظماء حقًا لا يتعاطون السياسة. هكذا هي الحال. لكن المسألة تتعلق الآن ببعث الإنسان فينا من جديد ؛ بجعل كل الأناس الفاعلين أناسَ مُثل وشعراء صناعيين ؛ بأن نعيش أحلامنا وأن نحققها. كنا سابقًا نتخلى عن أحلامنا أو نتوه فيها، والمفترض ألا نتوه فيها ولا نتخلى عنها. [١٩٣٨]

أما الأحزاب السياسية فيقول عنها:

إن الحزب السياسي ينفي الاختيار الحر لدى الفرد، وفي نفس الوقت، يطالبه بالتخلي الإرادي عن حريته في الاختيار. كأن ينفي حرية الفرد في الاختيار بين حَلَّين، وفي ذات الوقت، يطالبه بالاختيار الأفضل بنظرب الحزب. كأن ينفي قدرة المرء على التمييز بين الخير والشر، ويخاطبه أيضًا بنبرة مثيرة للشفقة عن الشعور بالذنب والخيانة. [١٩٤٦]

وأخيرًا يتحدث عن الحضارة المدنية الحديثة:

من خلال القضاء على جمال الطبيعة، وتغطيته بمساحات شاسعة من النفايات الصناعية. ولّدت الحضارة الحديثة حاجاتٍ اصطناعية واستحثتها. فجعلت معيشة الفقراء وتحملها مستحيلين. [١٩٦٥]

هذه الحضارة اصطنعت مجدًا مبنيًا على المتعة لفئة قليلة، على حساب الكثير:

البلدان التي تؤوي الجمال هي الأصعب في الدفاع عنها، لشدة رغبتنا في تحييدها. وبالتالي فعلى الشعوب الفنانة أن تكون الضحية المفضلة للشعوب الجاحدة. حتى لو لم يكن حب الحرية مقدمًا على حب الجمال في قلوب البشر. إنها حكمة غريزية، لأن الحرية هي مصدر الجمال. [١٩٤٣]

لا تنفصل السلطة عن الظلم. السلطة الجيدة هي الإدارة السليمة والحذرة للظلم. [١٩٥٨]

ينبغي للشهداء أن يختاروا بين أن يتم نسيانهم أو استغلالهم. [١٩٥٣]

فقد وُجدت الحضارة الحديثة على المتعة البشرية المحضة، وتلبية لرغباتها:

انحطاط الحضارة: رغبة الإنسان بالثروة. عمى! [١٩٣٦]

لا وقت لدينا لأن نبحث عن ذواتنا. لا وقت لدينا إلا لأن نكون سعداء. [١٩٣٧]

لا تكمن الحضارة في ارتفاع درجة الرفاهية. وإنما في الوعي المشترك لكامل الشعب. وهذا الوعي ليس رفاهية. [١٩٣٦]

ما الحل إذًا في مواجهة هذه الحالة القبيحة ؟

الثورة أمرٌ جيد، وإنما لماذا؟ يجب أن تكون لدينا فكرة واضحة عن الحضارة التي نريد ابتكارها. إن القضاء على المُلكية والرغبة بالثروة ليست هدفًا .. إنما وسيلة. [١٩٥٦]

يقول مجيبًا على هذا السؤال، بتعريف بسيط للثقافة:

الثقافة: صرخة البشر أمام قدرهم. [١٩٣٦]

يفصل بعد ذلك في الثقافة والفكر قائلًا:

الفكر متقدمٌ دائمًا. فهو ينظر إلى ما هو أبعد من هذا الجسد المتفاني في الحاضر فقط. إلغاء الرجاء هو إعادة الفكر إلى الجسد. وعلى الجسد أن يفنى. [١٩٣٨]

العفة في الفكر، هي منع الرغبات من الضلال، والفكر من التشتت. [١٩٤٠]

كلما كان الإنسان عظيمًا أكثر، كانت الفلسفة أصدق. [١٩٣٧]

وعن حالة الثقافة الحالية، وحال المثقفين في عصر المادة الذي نعيشه:

الحاجة لأن نكون على حق دائمًا، تلك هي سمة النفس المبتذلة. [١٩٣٦]

ويتبع كلماته قائلًا:

نحن نحيا في عالمٍ عليك الاختيار فيه بين أن تكون ضحية للجلاد أو جلادًا، وما من خيار آخر. ليس هذا الخيار سهلًا. إذ لطالما بدا لي أنه لا يوجد جلادون في الحقيقة، وإنما فقط ضحايا. في نهاية المطاف طبعًا. لكنها حقيقة غير منتشرة. لدي ميل قوي إلى الحرية، وبالنسبة إلى كل مثقف، تتماهى الحرية في نهاية المطاف مع حرية التعبير. لكني مدرك تمامًا أن هذا الهاجس ليس الشاغل الأول لشريحة كبيرة جدًا من الأوروبيين، فالعدالة وحدها كفيلة بمنحهم الحد المادي الأدنى الذي يحتاجونه، ولأنهم، عن خطأ أو عن صواب، قد يضحون عن طيب خاطر بالحرية من أجل تلك العدالة الأساسية. أني مدرك لذلك منذ زمن بعيد. وإن كان الدفاع عن التوفيق ما بين العدالة والحرية ضروريًا، فلأن الأمل الأخير للغرب يكمن ها هنا برأيي. بيد أن التوفيق هذا لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ معيّن يظهر لي اليوم غير بعيد عن الطوبائية.

فهل ينبغي التضحية بواحدة أو بأخرى من هاتين القيمتين؟ ما الذي يجب تفكيره؟ يتأتى الأمر كله عن كون المكلفين بالكلام عن الشعب لا يملكون ولم يملكوا أبدًا هاجس الحرية الحقيقي. وهم يفاخرون بكونهم عكس ذلك حتى عندما يكونون صادقين. إنما يكفي هاجس بسيط .. وبالتالي، فإن أولئك الذين سيعيشون مع هذا الهاجس، وهم ندرة، أن يهلكوا ذات يوم (هناك عدة سبل للموت بهذا الصدد). وإذا ما كانوا فخورين، فهم لن يفعلوا ما لم يكونوا قد ناضلوا. ولكن، كيف لهم أن يناضلوا ضد إخوتهم والعدالة بأكملها؟ هم سوف يشهدون، هذا بكل ما في الأمر. ونحن سنتفرج كل ألفي عام على تكرار التضحية بـ(سقراط). [١٩٤٥]

ليست الحرية سوى أمنية بعض النفوس. العدالة أمنية الأكثرية، والأكثرية تخلط ما بين الحرية والعدالة. لكن، سؤال: هل تساوي العدالة المطلقة السعادة المطلقة؟ نصل إلى تلك الفكرة القائلة بوجوب الاختيار ما بين التضحية بالحرية من أجل العدالة، أو بالعدالة من أجل الحرية. بالنسبة إلى الفنان، يوازي الأمر في بعض الظروف، الاختيار ما بين فنه وسعادة البشر. أيستطيع الإنسان وحده ابتكار قيمه الخاصة؟ تلك هي المعضلة كلها، [١٩٤٣]

يجب التفريق أولًا ما بين العدالة والحرية، فالهدف الذي يجب أن نصبو إليه هو الحرية أولًا وأخيرًا:

تخلو السياسة من المشاعر. فالمساواة هي عدوة الحرية أحيانًا. في اليونان، كان هناك رجال أحرار بسبب وجود العبيد. [١٩٤١]

ويقول نهاية في كلمتين بسيطتين:

ليست الحرية هي أمل المستقبل. وإنما الحاضر والتوافق مع الكائنات والعالم في الحاضر. [١٩٥٦]

ليست الديموقراطية حكم الأكثرية، ورنما حماية الأقلية. [١٩٥٩]

فالواجب علينا في مواجهة هذا العالم البشع، أن نبحث عن حريتنا أكثر. وأن نخلق مجالًا حرًا يرقى بنا، وبفكرنا وفلسفتنا، كما يعبر الفيلسوف (ألبير كامو) عن ذلك.