أرشيف الوسم: الحضارة الغربية

بيسوا في كتابته عن الفن والحياة المعاصرة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا تحت عنوان “معيار الفن”، يقول فيه مستفتحًا:

منذ منتصف القرن الثامن عشر، أصاب الحضارة الإنسانية تدريجيًا مرض رهيب. سبعة عشر عامًا من طموح مسيحي مخدوع بصفة ثابتة. خمسة قرون من طموح وثني مؤجل بصفة دائمة؛ الكاثوليكية كانت قد تصدعت كمسيحية، النهضة كانت قد تصدعت هي الأخرى كوثنية، الإصلاح كان قد توقف كظاهرة كونية. لقد حلّت الكارثة بكل الأحلام والخزي بكل ما تم تحقيقه من إنجازات، بؤس العيش بدون حياة لائقة بالجميع، …

هذا كله مسّ الأرواح فسممها. الرعب من الفعل، الذي يجبرك أن تكون سافلًا في مجتمع خسيس، أغرق الأرواح كلها. اعتل النشاط الأعلى للروح؛ وحده النشاط الديني حافظ على حيويته؛ …

في هذه الأجواء وُلد الأدب والفن من مقومات ثانوية للفكر .. الرومانطيقية؛ وولدت حياة اجتماعية مصنوعة من مقومات ثانوية للفاعلية الإنسانية، الديموقراطية الحديثة.

الأرواح المخلوقة للقيادة لم تجد بُدًا من الإحجام. الأرواح المخلوقة للإبداع، في مجتمع توقفت فيه القوى الإبداعية، امتَلَكت في العالم التشكيلي الوحيد المريح عالم مجتمع أحلامها، امتلكت العقم الاستنباطي لذواتها هي.

يكمل بعد ذلك (بيسوا) حديثه قائلًا:

نحن نطلق صفة “رومانطيقيون” على الكبار الذين فشلوا وعلى الصغار الذين اشتهروا، على حد سواء. بينما التشابه لا يوجد سوى في العاطفة الظاهرة؛ لدى البعض تُظهر العاطفية غياب الذكاء نفسه. (شاتوبريان) و(هوغو)، و(فيني) و(ميشيليه) هم ثمار للحقبة نفسها، لكن (شاتوبريان) روحٌ كبيرة تصاغرت؛ (هوغو) هو روحٌ صغيرة تمددت مع رياح الوقت؛ (فيني) عبقري) كان عليه أن يلوذ بالفرار؛ (ميشيليه) امرأةٌ أُجبرت على أن تكون رجلًا ذا عبقرية. النزعتان معًا موجودتان متّحدتين معًا (جان جاك روسو) أب الجميع. ذكاؤه كان ذكاء رجل خلّاق، أما الحساسية، فحساسية عبد. وهو يؤكدهما معًا بالدرجة نفسها من التساوي، لكن الحساسية الاجتماعية لديه سمّمت نظرياته، فيما لم يفده الذكاء سوى في خلق بؤس تعايش بحساسية مماثلة.

(ج. ج. روسو) هو الإنسان الحديث، لكنه أكثر كمالًا من أي إنسان آخر. من نقاط الضعف التي تسببت في فشله، آه منه ومنه نحن، استخراج نقاط القوة التي صنعت نجاحاته. ما رحل منه حقق الظفر، لكن في رايات ظفره، عندما دخل المدينة شوهدت مكتوبة […] كلمة “هزيمة”. لقد تبقت منه في الوراء، وقد عجز عن الجهد الضروري لإحراز النصر، التيجان والصولجانات، وعظمة الحكم ومجد الظفر بقدرٍ باطني.

ينتقل بعد ذلك (بيسوا) من حديثه عن الحركة الرومانطيقية ككل، إلى حديثه عن الحياة المعاصرة:

العالم الذي وُلدنا فيه، يعاني من تنازل المتفوقين وعنف الأدنياء.

لا يمكن لأي نوعيةٍ رفيعة أن تثبت نفسها حداثيًا، إن على مستوى الفعل أو على مستوى التفكير، في النطاق السياسي كما في نطاق التأمل النظري.

زوال التأثير الارستقراطي خلق جوًا من الفظاظة واللامبالاة تجاه الفنون، حيث لم يعد بإمكان عيار / الشكل / العثور على ملاذ. اتصال الروح بالحياة أضحى أكثر فأكثر إيلامًا. الجهد الضروري لمواصلة الحياة يتفاقم إيلامه، لأن الشروط الخارجية للمجهود أصبحت مبغضة أكثر من ذي قبل.

انهيار المُثل الكلاسيكية جعل من جميع الفنانين مستحيلين، أي، فنانين رديئين. عندما كان معيار الفن هو البناء المتين، والمحافظة الدقيقة على القواعد، لم يكن بمستطاع القلة القليلة محاولة الانتماء إلى عالم الفن، غير أن الغالبية الكبيرة من هذه القلة كانوا فنانين جيدين بالفعل، لكن عندما أصبح الفن تعبيرًا عن الأحاسيس، بات في مستطاع أي كان أن يصبح فنانًا لأن الأحاسيس يمتلكها الجميع.

في مقالة أخرى بعنوان “الفن”، يقول (بيسوا):

الفن تهرّب من الفعل، أو من العيش. الفن هو التعبير الذهني عن الانفعال، المختلف عن الحياة التي هي التعبير الإرادي عن الانفعال. ما لا نملكه أو ما لا نجرؤ عليه، أو ما لا نحققه، بإمكاننا امتلاكه في الأحلام، التي بها نصنع الفن. أحيانًا يكون الانفعال قويًا إلى حدود معينة بحيث لا ترضيه عملية تحويله إلى فعل؛ من الانفعال، من العاطفة الفائضة عن الحاجة، والتي لم تجد لها تعبيرًا في الحياة؛ بتشكل العمل الفني. بهذا ثمة نمطين من الفنانين: فنان يعبِّر عمّا لا يملك ، وفنان يعبّر عمّا فضل له ممّا امتلك.

وأخيرًا يقول (بيسوا) في مقالة أخرى بعنوان “لغة الروح المثالية”:

الفن يجعل الآخرين يحسون بما نحسّ، يعمل على تحريريهم من ذواتهم نفسها، عارضًا عليهم شخصيتهم كمحرر خاص. ما أحسه، في الجوهر الحقيقي الذي به أحس، غير قابل للتواصل أو التوصيل بصفة مطلقة؛ وكلما ازداد عمق ما أحسه، ازدادت لاتواصليته. لكي أنقل، إذن، ما أحسه إلى الآخر، عليّ أن أترجم أحاسيسي إلى لغته، أي أن أقول أشياء معينة كما لو كانت هي ما أحسه، بحيث عندما يقرؤها هو، يحسّ بالضبط بما أحسسته. ولأن هذا الآخر، وفق فرضية الفن، ليس هذا الشخص أو ذاك، وإنما العالم كله، أي أنه مشترك مع كل الأشخاص، فإن ما ينبغي أن أفعله في النهاية هو أن أحوّل أحاسيسي إلى إحساس إنساني نموذجي بالرغم من أنني بذلك أفسد الطبيعة الحقيقية لما أحسسته.

لغة العمال والمهاجرين في سبيل الحفاظ على الحياة

man-writing-wall-hobo-code-symbols-migrant

البقاء على قيد الحياة لا يتطلب القدرة الجسدية فحسب، بل أيضاً يتطلب قدرة ً ذهنية للتواصل بشكلٍ جيد مع الآخرين، ففي آواخر القرن التاسع عشر وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، وازدياد اعداد الفقراء والمهاجرين والمشردين، من المحاربين القدامى، الذين غدوا دون مأوى، يجوبون البلاد سعياً للعمل والملجأ، معرضين لشتى المخاطر، فهم يجتازون السواحل من أجل مأوى يأويهم ولو كان ذلك لأيام ٍمعدودة .

ولهذه الحاجة ابتكر هؤلاء المهاجرون والمشردين، وسيلة للتواصل لتبقيهم على قيد الحياة، عرفت بلغة او رمز (الهوبو).

ولكن كيف كان المهاجرون يجوبون البلاد دون المال في تلك الأيام ؟

لجأ هؤلاء للقفز على القطار، كتذكرة عبور وتنقل من البلاد، وتحديداً كان المهاجر يقفز على أعلى سيارات الشحن من منطقة لأخرى، وقد يكون سعيد الحظ ويحالفه الحظ بأن يعمل بعدها لدى إحدى الشركات بدوامٍ جزئي، مما جعل من هذه المسالك مكاناً مشتركاً للعمال المهاجرين لتلبية احتياجتهم.

وبطبيعة الحال، فإن محاذاة رحلةٍ مجانية على ظهر قطار، يسير في الريف لم يكن مسعى سهل، حيث كان يعد هذا عملاً غير قانوني منذ ذلك الوقت، مما اجبر العمال على الاختباء في الأماكن الضيقة، خوفاً من الوقوع او القبض عليهم ونقلهم للسجن.

واعتماداً على الجزء الأكثر خطراً وتهديداً لحياة المهاجرين، الظروف الجوية القاسية في أشهر الشتاء، حيث يموت الكثير من التجمد لأجل البحث عن عملٍ في الْيَوْمَ التالي.

ومابين التنقل والبحث عن الوظائف، كان المهاجرون يقصدون المبيت في المباني المهجورة و المباني الأخرى الغير عادية، مما كان يعرقل على المسؤولين في الحكومة وسكان المناطق من مواصلة ملاحقتهم، لأنهم كانوا يعتبرونهم خطراً عليهم . 

مما دفع ذلك ، الى ابتكار و تطوير هذه الرموز (الهوبو) وهي تتمثل بسلسلة من الرموز والأحرف والاشكال التي استخدمها المهاجرون للتواصل مع بعضهم البعض لضمان بقاءهم على قيد الحياة. 

وساهمت هذه اللغة او الرموز بتعزيز أهمية روح التضامن والتكافل بين المهاجرين وأقرانهم.

hobo-code-symbols-museum

فاستُخدمت رموزاً باطنية تحذيرية لتفادي بعض المخاطر كـ : الكلاب الضالة، مُلاك البيوت الغير ودودين، القضاة، رجال الشرطة وأي شيء قد يعترض طريقهم ليتجنبوا هذه المخاطر.

بالإضافة الى تبادلهم بواسطة هذه الرموز لمعلوماتِ هامة وقيّمة، تكفل لهم ضيافة كريمة في احد البيوت أو رعاية صحية للمرضى منهم ومؤونةً وغيرها.

وقد ساهمت هذه الرموز بتعلم اكثر اسهل الطرق الاستغلالية، كالإشارة لبعض الكنائس التي من شأنها ان توفر لهم وجبة مجانية مقابل “حديث ديني”.

وقد كان يتم استغلال لطف الراهبة من خلال سرد أحد المهاجرين لقصته بأسلوب يرثى له، ليؤثر على مشاعرها بسهولة.

code-hobo-symbols-warnings-communicate-signs

وعلى الرغم من ان ثقافة الهوبو ممارسة تقليدية للمهاجرين، فقد بدأت تختفي في القرن العشرين، إلا انها مازالت إلى الْيَوْمَ تستخدم رموزها، فيظهر بعضها في المناطق التي عادة ما تقوم بتشغيل العمال المهاجرين، أو العمال النهاريين في الأرصفة ونقاط العبور، كما هو مبين أعلاه في الصورة لأحد الرموز في شارع بميناء لويزيانا بولاية نيو أورليانز.

والجدير بالذكر، ان مصطلح الـ(هوبو) اصبح يُعد نوعاً من الإساءة التي تُطلق على المهاجرين.


[المصدر]

تودوروف، وحديث مبسط عن فكر الأنوار

Tzvetan_Todorov-Strasbourg_2011_(3)

تزفيتان تودوروف (1939-2017) فيلسوف فرنسي-بلغاري، وُلِد في مدينة صوفيا البلغارية. وعاش في فرنسا منذ 1963 وحتى وفاته، ويكتب عن النظرية الأدبية، تاريخ الفكر، ونظرية الثقافة.

في كتاب قدّمه الأستاذ (محمد الجرطي)، حمل عنوان (تزفيتان تودوروف: نحو رؤية جديدة لحوار الحضارات)، حمل الكتاب عدة لقاءات صحفية مع (تودوروف)، بالإضافة إلى عدد من المقالات التي كتبها، والتي كُتبت عن فكره.

في مقالة كتبها (تودوروف)، حملت عنوان “لماذا نحن دومًا بحاجة إلى فكر الأنوار؟”، يقول (تودوروف) مستفتحًا:

إن فكر الأنوار المتعدد والمتناقض في كثير من الأحيان، ليس حركة فكرية متواطئة. بغض النظر عن البلد الأصلي لفكر الأنوار، فإنه ساهم في استقلال الفرد ضد السلطة والدين، ودافع عن فكرة الصالح العام والكونية. المبادئ التي ما زالت هشة ومهددة.

ثم يقول:

هل يٌعرّف فكر الأنوار بكلمات قليلة؟ تتضح التجربة من خلال المراهنة. في الواقع، دامت هذه الحركة أكثر من قرن، وهي تتطور في عدة دول بشكل خاص، وتواجه عدة آراء متناقضة.

ويتابع بعد ذلك حديثه عن فكر الأنوار:

يشكل هذا التعقيد الفكري الخاصية الأولى المميزة لسمة الأنوار، وعلى العكس مما يُفهم في أغلب الأحيان على أنه من الاختزال أن نتكلم عن فكر الأنوار وكأنه تيار فكري أحادي الجانب.

في الواقع، يحيل فكر الأنوار على عصر التأليف والتركيب الأصيل بشكل خالص، ويتشرب فكر الأنوار الإرث الفكري الذي ظهر في أوروبا منذ نهاية القرن العصر الوسيط، حيث ترسخت مقوماته خلال عصر النهضة والقرن السابع عشر. يستثمر فكر الأنوار العقلانية والنزعة التجريبية على حد سواء، عن طريق الفصل وليس الجمع. ويشيد بمعرفة القوانين الخالدة، كما هو الشأن لشعوب التاريخ. ويؤكد أيضًا على تعدد الثقافات، بدلًا من وحدانية الحضارة. في الوقت نفسه، يدافع فكر الأنوار عن العقل والأهواء، والجسد والروح، والفنون والعلوم، والاصطناعي والطبيعيو متشربًا كل مجالات الإبداع الفكري؛ من الفلسفة إلى العلوم مرورًا بالآداب والقانون والرسم.

[…]

والنتيجة، لا يمكن تعريف فكر الأنوار إلا على حساب العديد من الاختزالات التبسيطية؛ وأيًا كان التعريف الذي يتم إقراره، فسيكون في مقدورنا أن نعارضه على الدوام باستثناءات.

ما هو منشأ فكر الأنوار؟ يجيب (تودوروف) في جزء من مقالته:

يعتقد الفرنسيين في غالب الأحيان أن فكر الأنوار من صنيعتهم، ولكن الأمر ليس كذلك! في بادئ الأمر، تطورت الأفكار في ما وراء بحر المانش أو في إيطاليا، ثم تعمقت ونضجت في وقت لاحق في ألمانيا. بكل بساطة، كانت فرنسا صندوق الصدى الذي أتاح لهذه الأفكار الانتشار في ربوع العالم بفضل إشعاع العقل الفرنسي، وبفضل مفكرين من الطراز الأول على غرار (ڤولتير) أو جماعة الموسوعيين التي نتاجهلها أحيانًا في حين ظهرت كرد فعل على الموسوعة الإنجليزية التي نُشرت في وقت سابق. وبالتالي، فالوطن الحقيقي لفكر الأنوار هو أوروبا.

هل يمكن اختصار فكر الأنوار في كلمة واحدة؟

إذا أردنا أن نختزل إرث فكر الأنوار الثقافي إلى نواة صغيرة، فما الذي يجب تسليط الضوء عليه؟ فكرة الاستقلالية: إمكانية التحرر من الوصاية التي تفرض على كل فرد طريقة أحادية للتفكير والإحساس.

مخاطر العقلانية من وجهة نظر إدوارد سعيد

Edward_Said

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

20152809212815

تحدث كتاب (إدوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والاختلاف) عن دراسة تحدثت عن أحد أمثلة مخاطر العقلانية التي تحدث عنها (إدوارد سعيد) وكان “الاستشراق” موضوعها بأنها:

يتميز تمثيل الشرق الذي نقله مجمل الإنتاج العلمي للمستشرقين في القرن التاسع عشر بتماسكه وعقلانيته كما يقول (سعيد). بفضل الوضعية العلمية، أصبح العالم الشرقي الغريب والفوضوي مفهوماً للقارئ الغربي، ووفر لرجال السياسة لغة جعلت خطابهم ممكناً وذا مصداقية. هذا الترابط المنطقي، يقول (سعيد)، بأنه وهمي واستيهامي. ليس هذا الترابط المنطقي سوى نتيجة لتأثير أنتجه أسلوب التصنيف، هذا النظام المغلق الذي يُعطي الشعور بالاكتمال والموضوعية العلمية، لكنه يخفي المحتوى الأيدلوجي للخطاي الاستشراقي والثغرات والتحيز الذي يستند إليه. إن كتاب (المكتبة الشرقية) للمستشرق (هيرلبوت) الذي نشر في 1697، والذي سيكون بمثابة نموذج لكتاب وصف مصر يقدم، حسب (سعيد)، مثالاً على هذه المعرفة التي تخفي عقلانيتها وتنظيمها الأبجدي “أساطير إيديولوجية“.

في كتاب علمي مثل (المكتبة الشرقية) الذي هو نتيجة لدراسات وبحوث منهجية، يفرض المؤلف نظاماً على المادة التي اشتغل عليها، بالإضافة إلى ذلك، يريد أن يفهم القارئ جيداً بأن هذا الكتاب عند طباعته يمثل حكما منظماً ومنضبطاً عن هذه المادة “الشرق“. ماينقله كتاب (المكتبة الشرقية) هو الفكرة القائلة بأن قوة الاستشراق وفعاليته تذكر القارئ في أي مكان أنه من الآن فصاعداً لكي يفهم كنه الشرق، يجب عليه أن يمر عبرالخطابات والرموز الثقافية التي قدّمها المستشرق الأوروبي.

هكذا، خلق الاستشراق ، حسب منظور (سعيد)، تحت ستار التبحر العلمي الممنهج، نظاماً ممن التمثيلات الوهمية عن واقع قائم أساساً على وحدة جغرافية وثقافية ولغوية وإثنوغرافية، في حين أن هذا التقليد الأوروبي “الاستشراق” يستند إلى تشظي وتقسيم تعسفي لهذه الوحدات. بسبب وهم الترابط المنطقي لظاهرة الاستشراق والسعي إلى فهم فوضى الشرق، سيطر الغرب على الشرق، لكن هذا الشرق لم يكن في غالب الأحيان سوى تسلية واستجمام للمستشرقين لأن محتوى الدراسات الاستشراقية يستند حسب منظور (إدوارد سعيد) إلى “أساطير إيديولوجية“. لدعم وجهة نظره، يستند (سعيد) إلى أمثلة التعامل مع اللغة العربية وتمثيل (النبي محمد) الذي اعتاد كتاب (المكتبة الشرقية) إنتاج صورته كدجال على شاكلة الصورة التي كانت موجودة من قبل العصور الوسطى أو العمل الشهير (الكوميديا الإلهية) للكاتب الإيطالي (دانتي).

في هذا المستوى من التحليل أيضاً، من الواجب التلويح بعدد من التحفظات. يخص التحفظ الأول مرة أخرى الطابع المنهجي لتحليلات (سعيد) الذي لاتميل إلى المتون العلمية الغزيرة التي اشتغل عليها فيه إلى إبراز الاختلافات والفروق الدقيقة لفكر الكتّاب، بل تسعى إلى إثبات تواطؤ لغتهم والنفاق الواعي أو المستتر لنواياهم. على شاكلة العلماء الذين كان إنتاجهم موسوعياً وغزيراً، تبنى علماء اللغة مثل (إرنست رينان)، وعلماء النحو مثل (سيلفستر دو ساسي)، نظام تصنيف، يؤكد (سعيد) أنه فتّت المعرفة وأصابها بالتشظي، وخلق بالتالي فجوات ملائمة لتطوير الأساطير الايديولوجية.

إذا كانت أعمال المؤلفين الذين تم الاستشهاد بهم تنقل صورة سلبية عن الإسلام والشرق -وهو المناسبة ليس الشيء نفسه، لكنه يتطابق عن قصد في منظور (سعيد)- فإن هذه الصور لا تنشأ بالضرورة من هذا الوعي بالتفوق الغربي واحتقار الآخر والايدولوجيا الاستعمارية. إن أراء (دانتي) و(سلفستر دو ساسي) و(إرنست رينان)، إذا كانت تطلق أحكاماً سيئة عن الدين الإسلامي أو الثقافة الشرقية، فهذا لا يعني بالضرورة أن تفكيرهم تهيمن عليه إيديولوجية قديمة تحصرهم في اجترار الخطاب نفسه والأحكام نفسها واستنساخهما.

إن التصور الذي نملك،على سبيل المثال، العبودية والعنصرية والاستعما، لم يعد يخضع للمعايير نفسها. إذا فشل المستشرقون في التخلص من الايديولوجيا الاستعمارية التي تبقى موضع تساؤل، فإن العمل الهائل الذي قاموا به، وبعيداً عن خلق صورة وهمية خيالية عن الإنسان الشرقي، قدّم لهذا الأخير مجموعة هائلة من المعلومات تسمح له بتشكيل تاريخه وثقافته. هل في وسع المرء اليوم أن يُنكر إسهام (شارل أندري جوليان) و(جاك بير) في البحث التاريخي في المنطقة المغاربية؟ ماهي المواد العلمية التي  استخدمها (ادوارد سعيد) عن الشرق، إن لم تكن كما يبين ذلك جيداً كتابه سوى أعمال المستشرقين؟

ومع ذلك، إذا كان كتاب (ادوار سعيد) كان قد خلق ضجة في أوساط المستشرقين وأتاح للأوروبين تغيير نظرتهم للشرق، فإنه عزز لدى المثقفين العرب رفض الآخر، ورسخ بشكل عميق الكولونيالي، ومنح قاعدة فكرية للأفكار الأصولية؛ باعتماد لغة جدلية في حدتها، وتقييد حقل الدراسة في غايات إيديولوجية.

الغفلة، كمَعلَم أساسي للعصر الحديث، في رأي د. سروش

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، سأل فيها د.(سروش) عن الهدف من الحياة:
أود أن أطرح هنا سؤالًا: (لماذا نعيش هذه الحياة؟) لا بد أن يمسك الإنسان يومًا بتلابيب نفسه ويسألها هذا السؤال: الكثيرون منا منهمكون في انشغالاتهم اليومية وغاياتهم الجاهزة التي يحقنونهم بها ويبيعونهم إياها، فيتلقونها كبديهيات متعالية على التفكير وإعادة النظر، إلى درجة تذهل فيها عن أية مراجعة لهذه الغايات والأهداف. إننا لا نفكر حتى في مدى ابتعادنا عن معنى الحياة.
ثم يبيّن بأن هذا التساؤل هو أحد أسباب الأزمات النفسية في الوقت الراهن. وبأن التساؤل عن ذلك يعد شيئًا من الفطنة:
الذين يصابون بأزمات نفسية، حينما يراجعون الأطباء النفسانيين، يتفطنون إلى توهم وجود شيء اسمه (معنى الحياة) لا تملأ فراغه أي من هذه الأدوات والوسائل والآلات والبهارج الدنيوية الظاهرية.
ثم يتحدث عن الحالة الفكرية العامة للعصر الحديث، ويقول بأن التغافل عن الأسئلة المهمة بحياتنا أضحت سمة أساسية للعصر الحديث:
لقد اكتسبت الحياة في العالم الحديث معنى جديدًا، وانعقدت نفوس الناس على غايات مختلفة. الغاية الحياتية التي تشيعها المظاهر ووسائل الإعلام بين الناس تنحصر في اللذة والمتعة. خلاصة ما يروج له كهدف للحياة هو أن نشعر بالنشوة والهياج، ونشتري أكثر، ونستهلك أكثر، ونلبس أفضل، ونغفل أكثر. من عجائب العالم الحديث أن الغفلة أمست من أركان الحياة ومحاورها الرئيسة. لو ألقينا نظرة إلى أسباب الترفيه وأدواته في العالم المعاصر، سنلاحظ أنها جميعًا تحاول صرف أذهاننا ولو لفترة قصيرة عن الوجه العابس الجاد للحياة إلى أمور أخرى. الغفلة أضحت اليوم أحد العناصر الرئيسة المكونة للحياة وغاياتها. الكثير من أنظمة التسلية في العالم الحديث، ومزاولة الأعمال، وإلقاء الخطب والمحاضرات، والألعاب الرياضية، إنما هي من سنخ الغفلة وتحقيقها. العبارة الغربية التي كثيرًا ما نسمعها اليوم من الأمريكيين: (نحن نعيش لمرة واحدة)، لذلك علينا أن نقضي هذه المرة الواحدة بالمرح والرفاه. غير أن هذه نتيجة خاطئة تستنتج من مقدمة صحيحة، نعم، الإنسان يعيش حياته الدنيا لمرة واحدة، ولهذا يجب أن يعيشها بشكل مدروس، لا أن يستهلكها بالغفلة واللامبالاة.
حينما تتأمل في الغفلة وصناعة الفغلة التي تنتجها وسائل المرح والترفيه الحديثة، سنرى كيف أن غاية الحياة قد تغيرت، وكيف يتهرب الناس من تفكيرهم في الهدف من الحياة، ولا يريدون حتى أن يخطر على بالهم.

د. سروش يتحدث عن تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى غاية

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث عن الغاية والوسيلة، وعن وجود رابطة بين الاثنين:
ما أريد مناقشته هو نقطة أخرى، تقول إن ثمة صلة بين الغاية والوسيلة، ويجب أن نقتنع على الأقل بتعذر الوصول إلى أي غاية بأية وسيلة كانت. أخال أن الجميع متفقون على هذا الرأي. القدر المتيقن هنا أنه لا يمكن لأية وسيلة أن تبلغ بالإنسان أية غاية. بالتسليم لهذه الفكرة نطل في ما يلي على العالم الحديث.
 ثم تحدث عن التنولوجيا، وعن مسببات وجودها:
أوجد العالم الحديث العديد من الوسائل المتنوعة، بل إن مهمة التكنولوجيا هي التفكير في ابتداع وسائل. ولكن هنا قضية على جانب من الأهمية هي أن غايات معينة سترشح عن وجود هذه الوسائل. في مثل هذه الظروف لن نستطيع القول إن غاياتنا من الحياة محددة ومعلومة، ونحن نوظف هذه الوسائل والأدوات لنصل إلى غاياتنا الحياتية. ليس الأمر كذلك، لأن الوسائل تخلق غايات معينة. إنها وسائل تقوم بأعمال معروفة، لها قدرات خاصة، وتضعنا إزاء خيارات جد عجيبة وعظيمة. وبذا تترك تلقائيًا بصمتها على غاياتنا في الحياة، فتغير معنى الحياة وغاياتها في وجداننا. قد لا نشعر نحن بالمسألة ولكن حينما تتوفر لنا الوسيلة فسوف تسوقنا إلى مقاصد معينة. لا يستطيع أحد القول إنني أعرف الغاية التي أتوخاها بدقة، فأنبذ الوسائل التي لا توصلني إلى غايتي، وأبقي على التي تساعدني في الوصول. ليس الأمر على هذه الشاكلة. الوسيلة ليست طيعة عديمة المفعول كما قد نتوهم. الأدوات لا تخدمنا وتطيع دساتيرنا مائة بالمائة.
 فللتكنولوجيا أثرها الملحوظ على غاياتنا من الحياة، بل إن التكنولوجيا قد تكون غاية في ذاتها بعض الأحيان، يقول:
فهل تعرفون ضيفًا ثقيلًا وأكثر مشاكسة وشيطنة من التقنية؟ مثل هذا المخلوق الهائل دخل حياة الإنسان وعالمه بكل ما له من تعقيدات، ولهذا نراه يغير ذهنية الإنسان ونمط حياته، وعلاقاته، ووضعه الروحي، والأهم من كل ذلك غايته من الحياة. دونت بحثًا أسميته (الصناعة والقناعة) يمكن أن تساعد مطالعته على فهم أعمق لما أطرحه هنا، ويغنيني في هذا المقام عن ذكر بعض النقاط. أوضحت هناك ماهية الصناعة والتقنية وخصائصهما وما تفعلانه بنا. ببيان أبسط وأكثر عصرية، تحمل السيارة معها ثقافة، تأخذنا إلى كافة الناس سواء كانوا مثقفين أو غير مثقفين، وتفرض عليهم صبغتها. لـ(ماركس) عبارة في غاية الذكاء، يقول عن البرجوازية: “إنها حولت العالم كله إلى صورتها”. لقد أطلق (ماركس) فكرته هذه في القرن التاسع عشر. إذا كانت هذه العبارة صادقة في حق البرجوازية، فهي أصدق بالتأكيد في حق التقنية. لقد حوّلت التقنية العالم كله إلى صورتها، بمعنى أنها حيثما رحلت أخذت معها أشياء لم يستطع أرباب الآلات ومخاطبو التقنية بعد ذلك العيش من دونها، أي أن ثقافة التقنية وغاياتها فرضت عليهم، وأرغموا هم على قبولها. إنني في الوقت الحاضر لا أرمي إلا لميزة واحدة من مميزات التقنية وهي صنع الغايات. لقد غيرت الآلات والتقنيات غاياتنا من الحياة. ربما كان من الصعب على من عاش داخل مناخ التقنية ونشأ في أحضانها، وباع كل ذهنه لها وأنا لا ألومه على ذلك اكتشاف البون بين ذهنية تقنية وأخرى غير تقنية. كالسمكة التي تعيش بالماء وهو يحيط بها من كل الجهات دائمًا فإنها تعجز عن تكوين أي تصور عن عالم البر. الماء حاجز لا يسمح للأسماك بالخروج إلى البر، ولا يجيز لمن هم في داخل البر الدخول إلى أعماق البحر. كلّ يخوض في عالمه الخاص. من هنا كان الأسلوب الأمثل لاكتشاف قصة التقنية، وذهنية الإنسان الحديث، مراجعة التاريخ، فما لم نعد إلى تاريخ الإنسان، وتاريخ الحضارة، وتاريخ العلم، سيبقى وعينا للتقنية ناقصًا أحادي الاتجاه، وهذا ما سيترك بطبيعة الحال تأثيره على أحكامنا، بمراجعة تاريخ الإنسان، الفكري والعقلي تتجلى لنا معالم هذه القصة أكثر.

بعض الشركات العالمية الآن تعتبر أن وضع ماركتها العالمية و تسويقها أكثر أهمية من المنتج أو الخدمة التي يقدمونها

الماركة التجارية وعد!

قالها (والتر لاندور) أحد رواد الماركات التجارية. و يُعرف (ديفيد ماكنالي) و (كارل سبيك) مؤلفا كتاب: ( Be your Own Brand )، الماركة التجارية بأنها:

نوع خاصّ من العلاقات – التي تقوم على ذلك النوع من الثقة الذي لاينشأ إلا بين شخصين توجد صلة مباشرة بين منظومة قيَمهما.

 و في كتابها: ( No Logo ) تُشير (ناعومي كلاين) إلى أن بعض الشركات العالمية الآن تعتبر أن وضع ماركتها العالمية و تسويقها أكثر أهمية من المنتج أو الخدمة التي يقدمونها. و لدى أغلبية تلك الشركات جيش من خبراء التسويق، مسؤوليتهم الوحيدة هي إدارة الأسلوب الذي يتم به استيعاب الماركة التجارية وإدراكها؛ فهم لا يتركون الأمر للمصادفات فهناك الكثير من المكاسب الموضوعة على المحكّ!

وثمة مقالة لـ(عباس محمود العقاد) حول فلسفة الملابس نشرها عام 1927م، و أدرجها في كتابه (ساعات بين الكتب) حيث قال:

إنك إذا حادثت إنساناً في الفن الجميل فإنما تحادثه في الأشكال و الألوان و إذا حادثته في شؤون الاجتماع فإنما تحادثه في النظام و الشريعة، و إذا حادثته في الأدب و التاريخ فإنما تحادثه في الشعور و الخبرة، و إذا حادثته في في الدين و الفلسفة فإنما تحادثه في آماله البعيدة و أشواق النفوس الرفيعة، ولكنك إذا درست كساء يعني ذلك الإنسان باختياره و تنسيقه فقد درست في حسن واحد جماع رأيه في الأشكال و الألوان و الشريعة و الشعور و الحيرة و الآمال و الأشواق، و كنت كأنما قد عاشرته دهراً تسمع له في الفنون و الاجتماع و الآداب و التواريخ و الدين و الفلسفة، وكأنما قد لخصت معارفه التي يشعر بها و التي لا يشعر بها في صفحة من القطن أو من الصوف أو من الحرير، بل كأنما قد عرفت منه ما يريد هو أن يعرفك إياه ومالا يريد، فالذي قال إن عشير المرء دليله قد أصاب و أجاد، و لكن أصوب منه و أجود من يرجع إلى العشير الذي يلابس و يُلامس و يطابق الأعضاء و الأفكار و يأخذ من أذواق صاحبه و أهوائه ماليس يأخذه العشير من العشير، و لإن كان جماداً لا حياة له ليكونن ذلك أبلغ في الدلالة على صاحبه، لأنه يستغير إذن من حياته و لا يستقلّ بوصف عنه، خلافاً للصديق الحي الذي يشابه صديقه مايشابه ثم يحور إلى طبع لا سلطان عليه للأصدقاء.

رابط ذو صلة

جون كرايتون، والكتاب الغربي للموتى

نشر (جون و. كرايتون) الكتاب الغربي للموتى على جريدة سريّة أمريكية في ستينات القرن الماضي. في السبعينات قامت مطبعة (انتر فارسيتي) بنشر هذا الكتاب مرات عدة. أعيد طبع هذا الكتاب في نسخته الثانية في عام 2002 من قبل المطبعة ذاتها. ظهر اسم الكتاب كعنوان للحلقة الأولى من الموسم الثاني للمسلسل الأمريكي (True Detective) من كتابة الروائي والسيناريست الأمريكي (نك بيزولاتو).

التالي هو نص الكتاب مترجماً بالكامل، وبشكل حصري، إلى اللغة العربية :

الفصل الأول

في البداية – ، قبل البداية يمكن القول– لم يكون يوجد شيء. والمادة أتت من لاشيء. والمادة كانت فوضى.

الفصل الثاني

بشكل غريب، وبلا سبب أي كان، الفوضى بدأت في التحول. البساطة ولّدت التعقيد، العشوائية ولّدت النظام، والأكثر غرابة من كل شيء، المادة الجامدة أصبحت مادةً عضوية.

الفصل الثالث

العديد، العديد، العديد من السنوات مرت وكان ذلك بالصدفة تماماً، المادة العضوية تطورت في إتجاه غريب. أصبحت أكثر وأكثر تعقيداً، وثم بلا سبب ظاهر مطلقاً، أصبحت واعية بذاتها. سُميت بالعقل الواعي وأعطت لنفسها اسماً وذاك الاسم كان (إنسان).

الفصل الرابع

الآن الإنسان المجهّز بالعقل وجدَ أن العقل يلعب ألعاب غريبة عليه. وجدَ أنه بدلاً من تقبل نفسه كجزءٍ من المادة، كان لديه هذا الإشتياق بأن يكون ذا أهمية، رغبةً في أن يعيش لهدف. وبدلاً من أن تُحكمَ حياته بالفرصة العمياء، أراد أن يوجه شؤونه الخاصة بنفسه. وجدَ أيضاً أن هنالك حالة وجودٍ مُرضيّة كلياً وقام بتسميتها باسم (الحب).

الفصل الخامس

استمر الإنسان في البحث عن سبب ومعنى، وبعد فترة إشاعات غريبة بدأت في الانتشار – إشاعات تتحدث عن خالق – الرب الذي كان هو الحب، الذي خلق الإنسان على صورته. الكثير من الناس صدقوا هذه الإشاعات. لقد أعطت معنى لحياتهم. أخبرتهم هذه الإشاعات أن العالم لم يكن بلا معنى في نهاية الأمر. ومُلَهمين بالأمل بدأ هؤلاء المؤمنون بالكتابة، الرسم، والنحت. بعضٌ من هؤلاء الحرفيين كانوا موهوبين للغاية. بدوا كأنهم يُجسدون توق وطموحات كل البشر. اُعطيّ اسم لكل هذه القطع الحرفية المميزة، وهذا الاسم كان الفن. والناس الذين كتبوها، رسموها، أو نحتوها سَمُّوهم الفنانين. وكل فنهم كان يقول: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السادس

اُشيع أيضاً أن ابن الحب أصبح رجلاً، وعلّم الناس كيفية العيش، ثم مات. أسطورة تقول أن ابن الحب عاد من الموت ثم اختفى في غيمة. في بعض أنحاء العالم الغربي، المؤمنون بهذه الأسطورة يقومون بنشر صورة  مؤثرة جداً من الرسالة: الإنسان كائنٌ هام.

الفصل السابع

وُجدت هذه الحالة لعدة سنوات، لكن الإنسان أصبح قلقاً مع الوقت. هل كان ذلك حقاً؟ هل خُلق الإنسان من الحب؟ لماذا علينا أن نُؤمن بإشاعة؟ هل استعمل أي أحد منا منطقه – وهي حالة نشاط مميزة جداً للعقل أتبتت أنها ناجحة في فهم المادة – ليعرف إن كانت هذه الإشاعة حقيقية؟ هل تطابقت الإشاعة مع ما كان حقيقياً حقاً؟  ثم بدأ تحقيق شامل واستمر لعدة سنوات.

الفصل الثامن

بعد عصر من التحقيق توصل الإنسان إلى عدة استنتاجات:

(1) الإشاعات كانت بالتأكيد خاطئة. وجد المنطق أنه لا يوجد أي دليل لتأكيد فرضية وجود الرب. الرب، كما قالوا، كان نتيجة أحلام يقظة توّاقة، من تلفيق الخيال – الذي كان انحرافاً مبكراً لعقل الإنسان البدائي، الذي هو الآن في سعادة كبيرة  كونه محكوم بالمنطق. ولو كانت إشاعة وجود الرب خاطئة، إذاً بالتأكيد الإشاعة المعقدة عن ابنه خاطئة أيضاً.

(2) الإنسان لم يكن كائناً سامياً هاماً. لقد كان على العكس من ذلك، لا أهمية له على الاطلاق – مجرد ناتج معقد من السبب والثأثير. قطعة لا معنى لها من المادة على قطعة أكبر من المادة لكن ذا أهمية تُدعى الأرض. لقد بزغَ الرجل من وحل بدائي ولم يكن لا أكثر ولا أقل من ذلك.

الفصل التاسع

في البداية لم يتغير أي شيء. لكن بعد مرور بعض السنوات لاحظ بعض الرجال الحكماء الفرق. الموسيقى لم تعد كما هي، الرسم لم يعد يبدو كما هو عليه، والكتب لم تعد تُقرأ بذات الطريقة. بعض الناس بدؤوا يشتكون، لكن الفنانين – الذين كانوا دائمين ناس صادقين شفافّين – قالوا ببساطة : “نحن نُؤول الواقع لكم. يجب عليكم ألا تُعطوا لأنفسكم أي أهوآء. أنتم لاشيء. أنتم مجرد بروتوبلازم واعي بعض الشيء ومحكوم عليه بالموت على هذا الكوكب.”

بعد هذا، توقفت الجماعة النقدية عن الانتقاد وبدؤوا يقولون كيف أن هذا الفن الجديد جميلٌ حقاً. لم يريدوا أن يستعملوا كلمة “جمال” لأن الجميع كان يعلم أنها لا تعني أي شيء، لكنها كانت موجودة منذ مدة طويلة، لماذا لا يتم استعمالها إذاً على أية حال؟

الفصل العاشر

بعدها أيضاً، لاحظَ بعض الرجال الحكماء تغيرات في تصرفات بعض الرجال والنساء. في مرة كانوا يحبون بعضهم البعض. وكان يُعتقد أن حبهم انعكاس للحب الذي كان هو الرب. لكن الآن لم يوجد إلا الجنس –  مجرد ارتباط لحظي. والعائلات بدأن  في الاندثار والأطفال بقوا لوحدهم تحت نزوات المحاكم. والناس سموا تلك الارتباطات بالحب بالرغم من أنهم كانوا يعرفون أن الكلمة لا تعني أي شيء.

الفصل الحادي عشر

كل أنواع العواقب المروعة حلت بعد ذلك. بعض الناس قالوا، “لو كان الإنسان فقط مجرد ألة عالقة في آلية الطبيعة الضخمة، لماذا لا نعامله على هذا الأساس؟” وهكذا بدأ المتلاعبون في العمل واستخدموا الناس كمجرد أغراض من الطبيعة. ومن ثم أتى نظام فعّال للغاية يُدعى يوتوبيا، وسُميَّ شاغلو هذا النظام بـ”النيكروفيليس” [1]. بالطبع لم يكن الأمر جديداً حقاً، حيث أن المتلاعبين أخذوا نموذجهم من “النمل”، جماعة من الكائنات الحية التي عاشت في سنوات ماضية في حالة نظامية مثالية. مجموعة آخرى من الناس قاوموا اليوتوبيا. قالوا، “بالرغم من كل ما أثبتته ذلك المنطق، نحن سنظل نؤمن أن توقنا وطموحنا لهما معنى.” لذا حاولوا نسيان يأسهم (وهو شعور يشعر به الإنسان عندما يريد أن يتحلى بالأمل وكان يتحلى بالأمل رغم معرفته أن الأمر بلا جدوي) عن طريق أخذ المواد الكيمائية والتصرف مثل الحيوانات، والعيش فقط للحظات متعاقبة والمحاولة بكل جهد يملكون جعل هذه اللحظات مليئة باللذة.

معظمهم اُنهكوا بعد فترة وهم يلعبون هذه الألعاب  وبدؤوا يتخلصون من أنفسهم بطرق مختلفة. بعضهم ذهب للموت، بعضهم إلى سايكيدليا [2] (بلد جميل بمناظر طبيعية مُشبعة بالسينستيسيا) [3]، وبعضهم إلى النيرفانا [4]. وبعضهم ذهب حتى إلى اليوتوبيا. وهكذا إذاً تم تقديس الهراء على حساب المعنى (سموا ذلك العبث). هُجِرَ المنطق – لأنه كما ترى، لم يكن باستطاعته إعطاء أجوبة على الأسئلة الكبيرة جداً بعد كل شيء. فحلَّ في مكانه اللامنطق (سموا ذلك اللاعقلانية). والأخلاق هُجِرَت  – لأنهم اعتبروا أن تلك القدرة على التمييز بين الشيء الجيد والشيء السيء مجرد مسألة ذوق أو هوى. الشيء الجيد والشيء السيء كانا في يوم ما ذائعيّ الصيت، لكن ذلك كان في الوقت التي كانت فيه إشاعات وجود الرب ذائعة الصيت أيضاً. الشيء الجيد كان شخصية الرب المقدسة وكان يجب اطاعتها. الشيء السيء كان عدم الاطاعة أو الثورة على الشيء الجيد. لكن الشيء الجيد والشيء السيء رحلا مع المنطق والرب. والآن لم تعد توجد أية مأساة –  فقط البؤس.

الفصل الثاني عشر

وهكذا توقف الإنسان عن كونه إنسان – عقلاني، مخلوق أخلاقي، كائن حي تفوّق ذات مرة على سببيّة الطبيعة. بدلاً من ذلك أصبح بلا معنى،مبهم كألة ما مصنوعة من المادة. حتى من المتلاعبين الذي تحكموا في اليوتوبيا توقفوا عن كونهم رجالاً بالمعنى القديم للكلمة.  وبعد أن أنكروا رجوليتهم لمدة طويلة، فقدوها في النهاية، وهكذا أصبحوا أكثر الحيوانات ترعيباً على سطح الأرض.

ملحق

الإشاعات القديمة ما تزال مستمرة – موجودة في المناطق النائية وفي جيوب المعارضة في اليوتوبيا – أن الحب حقيقة. البعض مازال يقول أن الإنسان حقيقة. لكن هؤلاء هم ذاتم الذين يقولون أن الإنسان لم يمت أبداً في الحقيقة، وحتى أن الإنسان القديم مازال على قيد الحياة (بعضٌ منهم، والبعض الأخر لا) وأنه يعيش في العالم الآخر. يتم قمع هذه الإشاعات أينما توجد.

Continue Reading →

عبدالكريم سروش، عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (سروش) عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم، مبتدئًا حديثه يتبيين الفكرة السائدة عن كلٍ من العالمين:

غالبًا ما ينظر الناس من الحداثة إلى ثمارها، وقلما يتبصرون في جذورها وأرضيتها. والسبب واضح: الناس عقولهم في عيونهم، كما يقول المثل. عامة الناس لا يجنحون إلى تحري الأصول إلا بصعوبة، وفي أطوار متأخرة أي إنسان تسألونه: ما هو العالم الحديث؟ سيقول لكم هو الطائرات، والكمبيوترات، والكهرباء، والسكك الحديدية، والأدوية الحديثة، والمستشفيات عالية التجهيز، والقنابل الكيمياوية، والبرلمانات، والأحزاب، والصحف، والجامعات، والبنوك، ودور السينما، ..إلخ. أي أنهم ينسبون إلى الحداثة، ما يشاهدونه اليوم مما لم يكن في السابق، هم لا يعدون الأشجار والسماء والأرض من العالم الحديث، بل هي من وجهة نظرهم تنتمي للعالم القديم. مرض السل أيضًا ينتمي للعالم القديم من منظارهم، رغم أن طريقة معالجته قد يعتبرونها من خصائص العالم الحديث. وكذا الحال بالنسبة لأساليب حل المسائل الرياضية.

 بنظرة أدق، يضع د. (سروش) على الإجابة الأصح برأيه حول السمة الأساسية للعصر:
فبنظرة أعمق نستطيع القول أن ما يميز العالم الحديث عن العالم القديم ويرسم بينهما حدودًا دقيقة هو وجود وعدم وجود العلم الحديث. العلم ولا سيما العلوم الطبيعية، حصيلة عصرية لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون. مثل هذا المخلوق وبهذه السمات لم يكن قد ظهر إلى مسرح الحياة في العالم القديم. إذا عدنا عن التقنية وهي ثمرة العلم، إلى الوراء قليلًا، سنصل إلى العلم ذاته، وبوسعنا اعتباره مؤقتًا السمة الأبرز للعالم الحديث.
 ثم يتحدث عن كون أغلب الاكتشافات والنظريات العلمية كانت وليدة الصدفة:
أن تعزو هذه الفوارق إلى الصدفة جواب ناقص، يترك في الواقع العديد من الأمور بلا جواب. إذا اعتبرنا هذا العلم بكل عظمته وليد عدد من الحوادث المتفرقة التي لا تحكمها أي حسابات أو ضوابط، نكون قد ضاعفنا عدد الأسئلة على أنفسنا قبل أن نجيب عن أي سؤال. لذا سيكون سؤالنا اللاحق: إذا كان العلم الحديث أبرز نتائج وعلامات العصر الحديث، فما هو مرد ظهور هذا المخلوق، وهذه النتيجة؟ إذا كانت الإجابة على هذا السؤال عصية عليكم فلا تلوموا أنفسكم، لأنها ما انفكت عصية على جميع العلماء والفلاسفة. إنه سؤال جد رهيب ومشكل.
 يعود مرة أخرى للحديث عن العلم الحديث، فيبيّن أقسامه:
إن ما يوجد اليوم ولم يكن بالأمس، وقد حاز في الوقت الحاضر أهمية محورية ومركزية، بحيث تعزى إليه الكثير من وقائع العالم الحديث، إنما هو عنصر مهم يدعى العلم التجريبي. بوسعنا الاعتراف بهذا العنصر كسمة وخصيصة مميزة إلى جانب التقنية والصناعة الحديثة.
يمكننا إدراج منجزات العلوم التجريبية، سواء كانت اجتماعية أو طبيعية تحت عناوين أربعة، هي باختصار: الوسائل، الغايات، المفاهيم (التصورات)، القبليات (التصديقات أو المسلمات).
 أما القسم الآخر للعلم الحديث والذي لا يقل أهمية عن الأول فهو:
كنت أشدد إلى الآن على العلم الطبيعي، وهو علم واضح التعريف والخصائص. لكنني لم أتطرق إلى العلوم الاجتماعية. وأضيف هنا، أن العلوم التجريبية الطبيعية لم تكن وحدها التي غابت عن لائحة عناصر العالم القديم ومكوناته، بل والعلوم الاجتماعية أيضًا كانت غائبة هي الأخرى. لم يكن في الماضي علم اجتماع أو علم نفس، أو علم اقتصاد، أو علم إنسان، بالمعنى الحديث للكلمة، ولم يكن ثمة معارف قريبة من هذه العلوم العصرية بشكل أو بآخر.

  ثم يتساءل: هل يجعل العلم الحديث، من هذا العصر أفضل وأذكى من العصور السابقة؟

يستشف أن العالم الحديث وجد لنفسه عيونًا ونظارات لم تكن لدى السلف. ومع ذلك ينبغي علينا ألا نفاخرهم، فقد كانت لديهم عيونًا ونظارات، أهّلتهم لبعض الاكتشافات، فأبصروا أشياء لم يمر بها المعاصرون ولا يرونها. لذلك نلاحظ أن القادمين من قلب العالم القديم، حاملين معهم منه بضائع طازجة (أو هذا ما يدعونه على الأقل) تلاقي طروحاتهم إقبالًا وترحيبًا وتبجيلًا، لاسيما في أوساط العالم الدنيوي الغربي الغارق في المادة.

لماذا عجزت عقول الأقدمين عن اكتشاف بعض الأمور البديهية، كالجاذبية مثلًا، ألا يُعد الموضوع في منتهى البساطة؟

العديد من الأسئلة التي تتفاعل اليوم في الأذهان مردها إلى أن الإنسان يرى أسلوب حياته بديهيًا، لذلك يسأل: لماذا لم يفكر الماضون بهذه الطريقة؟ نحن عمومًا ميالون إلى اعتبار واقعنا الحياتي بديهيًا. وتشتد هذه الميول فينا إلى درجة تترك الأحوال والظروف الأخرى عجيبة جدًا في أنظارنا. لذا نستفهم دائمًا: لماذا كان الماضون سيئي الفهم إلى هذه الدرجة، فلم يتوصلوا إلى أمور بديهية، يدركها عقلنا المعاصر بكل يسر؟ والمقصود من الماضين هنا ليس عامة الناس فقط، بل حتى العلماء والنوابغ العظام، الذين لم يكتشفوا من بديهياتنا شيئًا.
 يجيب عن ذلك، فيقول:
إن لكل عصر بديهياته التي لا يطالها الشك، في ذلك العصر، ولا تخضع للنقاش والمساءلة، ولهذا تسمى بديهيات. بكلام آخر، لكل عصر عقلانيته المقبولة المسلّم لها، والتي لا يجادل أحد فيها خلال ذلك العصر. الإنسان في كل عصر يتفرج على عقلانية العصور الأخرى وبديهياتها من زاوية عقلانية وبديهيات عصره، فتستغرقه الحيرة إلى هامته. خذ للمثال قضية حقوق المرأة، ففي عصرنا ثمة بديهيات على صعيد حقوق الإنسان، رجلًا  كان أو امرأة، يذهل المعاصرون حقًا لعدم تنبه السلف إليها. على أن هذا ليس بالمنهج السليم في تحليل التاريخ. إذا أردنا دراسة التاريخ برمته من منظار زماننا سوف ننأى عن الصواب كثيرًا، ولن نوفّق لاستيعاب ذهنية الأسلاف إطلاقًا. بغية أن نفهم الأحداث الماضية بنحو أصح، علينا استخدام نظارات السلف، وفي ما عدا ذلك سنكيل التهم والوصمات لهم بأنهم كانوا يعيشون فترة طفولة خلافًا لإنسان العصر الحاضر الذي بلغ رشده ونضجه، وغدت كل آرائه صادقة سليمة بالبداهة.
 ثم يتحدث عن أحد سلبيات العلم التجريبي أو العالم الحديث، بأنه ينظر إلى كل شيء وكأنه مادة للاستهلاك، بعد أن كانت عقليات الأقدمين ترى بأنها مشاركة على هذه الأرض، وليست مسيطرة كما ترى العقلية المعاصرة:
على صعيد آخر، نلاحظ أن من خصائص النظرة العصرية للعالم، أنها تعتبر كل شيء خزانًا للطاقة وظهرًا يمكن أن يُركب، بل يجب أن يركب ويستفاد منه. العلم والثقافة الحديثة لا ينظران للعالم كنهر يجري، ويجب أن نجلس على جرفه، ونكتفي بالتفرج عليه، واستلهام العبر منه. لقد كوّن الإنسان المعاصر تصورات جديدة عن العالم تملي عليه لعب دور فيه. يؤكد الإنسان الحديث أنه يريد النزول إلى ساحة العمل، والتدخل في صياغة الحياة وتشكيلها. لا بأس أن نتذكر هنا عبارة (ماركس) الشهيرة: “أن الفلاسفة قاموا لحد الآن بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغيير العالم”.

عن الحقوق والواجبات، د. سروش يتحدث

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (عبدالكريم سروش) في البداية عن كون الإنسان المعاصر لم يعد قنوعًا بما يُقدّم إليه، وبأنه أصبح إنسانًا معارضًا لكل شيء:
الإنسان الحديث ليس بالإنسان القنوع، بل هو مخلوق معارض لا يوافق أي شيء كما هو.
 ثم يضيف في ذات الموضوع قائلًا:
لم يبق العالم الحديث من معنى للقناعة، لهذا بات من العسير جدًا أن نعالج هذه الكلمة مع أنفسنا، ونفكر في المعنى الحقيقي لهذه المفردة التي سمعناها وفيما يتوخاه منها من يستعملونها ولهجون بها. الحق أن مسألة القناعة في العالم الحديث مسألة معضلة بينما كانت بالنسبة للسلف مبدأ يتبع، بل ومن الأركان الأخلاقية كما أسلفت.
 ثم يتحدث عن سبب تبدّل القناعة عند الإنسان بين الإنسان المعاصر، والإنسان القديم، فيقول:
حينما نقارن بين الإنسان الحديث والإنسان القديم، ونستعرض كتابات الأسلاف، نعاين أن توقعات الإنسان القديم وتقييماته لنفسه وللمجتمع، تدور جميعها حول محور التكليف، بينما تدور مطالبات الإنسان الحديث حول مدار الحقوق.
 يوضح ذلك أكثر، عن فكرة الحقوق والواجبات عند السلف، فيقول:
الواجبات والتكاليف كانت مرجحة على الحقوق في وعي السلف، فكان الناس ذوي (وعي تكليفي) في الغالب. في العالم القديم كان رجال التربية في المجتمع، سواء الأنبياء أو غيرهم، يثقفون الناس بواجباتهم قبل كل شيء. ولا يعني هذا الكلام أنه لم تكن ثمة حقوق في السابق، إنما كانت تنتزع حقوق البشر من صميم واجباتهم. الإنسان القديم كان يرى نفسه في الأصل وقبل كل شيء حيوانًا مكلفًا، فيتوخى قبل كل شيء تعيين تكاليفه وواجباته، وبعد ذلك تنبثق إلى جانب تلك التكاليف ومن صميمها مجموعة من الحقوق. الواجب كان إطارًا مرجعيًا سائدًا في العالم القديم، استغرق حياة أجدادنا وأسلافنا.
 وكل ذلك تبدّل في العصر الحديث:
وحينما يجري الحديث عن الواجبات سيتم تصنيف الناس بطبيعة الحال إلى سادة وعبيد، آمرين ومطيعين. أما اليوم فحقوق الإنسان من بديهيات العصر. لقد دخلنا في العصر الحديث إطارًا مرجعيًا جديدًا، يعتبر فيه الإنسان نفسه حيوانًا محقًا، لا حيوانًا مكلفًا، فيبحث في الدرجة الأولى عن حقوقه، ليستخرج منها في مرحلة لاحقة واجباته.
ثم يقول بأنه يعتقد بأن الإنسان يجب أن يوازن بين المطالبة بحقوقه وأداء واجباته، بالإنسان يجب أن يكون محقًا مكلفًا:
لقد تحدثت كثيرًا عن الحقوق والواجبات داخل إيران وفي البلدان الأخرى، مع المسلمين وغير المسلمين، وكنت أركز على الحقوق أو الواجبات بما يتناسب مع المستمعين. في الداخل أواجه أفرادًا وشبابًا حتى لو لم يعرفوا هم بأنفسهم، فإنني أعرف جيدًا أنهم طبقًا لتعريفهم لأنفسهم، بعتبرون الإنسان حيوانًا مكلفًا. في مثل هذا المناخ أحاول منحهم حق الوعي والصحوة، وعليكم المطالبة بحقوقكم. لا تسألوا عن واجباتكم فحسب،اسألوا ولو لمرة واحدة عن حقوقكم، ودافعوا عن مطالبكم. لكنني حين أواجه مستمعين أجانب تتغير المسألة إلى الضد، إذ غالبًا ما تترك المسؤولية في الغرب لأتربة النسيان، ويتحول الإنسان إلى مخلوق دائن محق بالمطلق، يجب أن يأخذ ويسلب، ويحوز كل شيء لنفسه. هنا تتحتم الدعوة إلى شعور الضمير بالمسؤولية والتذكير بالواجبات.
هل صحيح بأن الدولة الغربية هي التي اختلقت للإنسان حقوقه؟ يجيب د. (سروش):
وزارة الخارجية الأمريكية والبلدان الأوروبية ليست هي التي صنعت حقوق الإنسان، فقد كانت هذه الحقوق صنيعة تنظرات الفلاسفة، ومعناها أن للإنسان حقوقًا لمجرد كونه إنسانًا. هذه الحقوق طبيعية لم يمنحها أحد إياه، حتى يجوز له بعد ذلك أن يسلبه إياها. الفجائع التي وقعت في العصر الحديث كانت حصيلة انحراف روحي مني به الإنسان. حينما تتسمّر نظرة الإنسان على نقطة صغيرة سيرى تلك النقطة كبيرة لا متناهية، إلى حد ينسى معها سائر الأشياء. حينما تتركز ذهنية الإنسان على الحقوق سيجدها عظيمة هائلة بحيث تذهله عن الوعي التكليفي والشعور بالمسؤلية. خير دليل على هذا أننا نملك راهنًا (ميثاقًا عالميًا لحقوق الإنسان) ولا نمتلك (ميثاقًا عالميًا لواجبات الإنسان).