أرشيف الوسم: الحضارة الغربية

بيسوا في كتابته عن الفن والحياة المعاصرة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا تحت عنوان “معيار الفن”، يقول فيه مستفتحًا:

منذ منتصف القرن الثامن عشر، أصاب الحضارة الإنسانية تدريجيًا مرض رهيب. سبعة عشر عامًا من طموح مسيحي مخدوع بصفة ثابتة. خمسة قرون من طموح وثني مؤجل بصفة دائمة؛ الكاثوليكية كانت قد تصدعت كمسيحية، النهضة كانت قد تصدعت هي الأخرى كوثنية، الإصلاح كان قد توقف كظاهرة كونية. لقد حلّت الكارثة بكل الأحلام والخزي بكل ما تم تحقيقه من إنجازات، بؤس العيش بدون حياة لائقة بالجميع، …

هذا كله مسّ الأرواح فسممها. الرعب من الفعل، الذي يجبرك أن تكون سافلًا في مجتمع خسيس، أغرق الأرواح كلها. اعتل النشاط الأعلى للروح؛ وحده النشاط الديني حافظ على حيويته؛ …

في هذه الأجواء وُلد الأدب والفن من مقومات ثانوية للفكر .. الرومانطيقية؛ وولدت حياة اجتماعية مصنوعة من مقومات ثانوية للفاعلية الإنسانية، الديموقراطية الحديثة.

الأرواح المخلوقة للقيادة لم تجد بُدًا من الإحجام. الأرواح المخلوقة للإبداع، في مجتمع توقفت فيه القوى الإبداعية، امتَلَكت في العالم التشكيلي الوحيد المريح عالم مجتمع أحلامها، امتلكت العقم الاستنباطي لذواتها هي.

يكمل بعد ذلك (بيسوا) حديثه قائلًا:

نحن نطلق صفة “رومانطيقيون” على الكبار الذين فشلوا وعلى الصغار الذين اشتهروا، على حد سواء. بينما التشابه لا يوجد سوى في العاطفة الظاهرة؛ لدى البعض تُظهر العاطفية غياب الذكاء نفسه. (شاتوبريان) و(هوغو)، و(فيني) و(ميشيليه) هم ثمار للحقبة نفسها، لكن (شاتوبريان) روحٌ كبيرة تصاغرت؛ (هوغو) هو روحٌ صغيرة تمددت مع رياح الوقت؛ (فيني) عبقري) كان عليه أن يلوذ بالفرار؛ (ميشيليه) امرأةٌ أُجبرت على أن تكون رجلًا ذا عبقرية. النزعتان معًا موجودتان متّحدتين معًا (جان جاك روسو) أب الجميع. ذكاؤه كان ذكاء رجل خلّاق، أما الحساسية، فحساسية عبد. وهو يؤكدهما معًا بالدرجة نفسها من التساوي، لكن الحساسية الاجتماعية لديه سمّمت نظرياته، فيما لم يفده الذكاء سوى في خلق بؤس تعايش بحساسية مماثلة.

(ج. ج. روسو) هو الإنسان الحديث، لكنه أكثر كمالًا من أي إنسان آخر. من نقاط الضعف التي تسببت في فشله، آه منه ومنه نحن، استخراج نقاط القوة التي صنعت نجاحاته. ما رحل منه حقق الظفر، لكن في رايات ظفره، عندما دخل المدينة شوهدت مكتوبة […] كلمة “هزيمة”. لقد تبقت منه في الوراء، وقد عجز عن الجهد الضروري لإحراز النصر، التيجان والصولجانات، وعظمة الحكم ومجد الظفر بقدرٍ باطني.

ينتقل بعد ذلك (بيسوا) من حديثه عن الحركة الرومانطيقية ككل، إلى حديثه عن الحياة المعاصرة:

العالم الذي وُلدنا فيه، يعاني من تنازل المتفوقين وعنف الأدنياء.

لا يمكن لأي نوعيةٍ رفيعة أن تثبت نفسها حداثيًا، إن على مستوى الفعل أو على مستوى التفكير، في النطاق السياسي كما في نطاق التأمل النظري.

زوال التأثير الارستقراطي خلق جوًا من الفظاظة واللامبالاة تجاه الفنون، حيث لم يعد بإمكان عيار / الشكل / العثور على ملاذ. اتصال الروح بالحياة أضحى أكثر فأكثر إيلامًا. الجهد الضروري لمواصلة الحياة يتفاقم إيلامه، لأن الشروط الخارجية للمجهود أصبحت مبغضة أكثر من ذي قبل.

انهيار المُثل الكلاسيكية جعل من جميع الفنانين مستحيلين، أي، فنانين رديئين. عندما كان معيار الفن هو البناء المتين، والمحافظة الدقيقة على القواعد، لم يكن بمستطاع القلة القليلة محاولة الانتماء إلى عالم الفن، غير أن الغالبية الكبيرة من هذه القلة كانوا فنانين جيدين بالفعل، لكن عندما أصبح الفن تعبيرًا عن الأحاسيس، بات في مستطاع أي كان أن يصبح فنانًا لأن الأحاسيس يمتلكها الجميع.

في مقالة أخرى بعنوان “الفن”، يقول (بيسوا):

الفن تهرّب من الفعل، أو من العيش. الفن هو التعبير الذهني عن الانفعال، المختلف عن الحياة التي هي التعبير الإرادي عن الانفعال. ما لا نملكه أو ما لا نجرؤ عليه، أو ما لا نحققه، بإمكاننا امتلاكه في الأحلام، التي بها نصنع الفن. أحيانًا يكون الانفعال قويًا إلى حدود معينة بحيث لا ترضيه عملية تحويله إلى فعل؛ من الانفعال، من العاطفة الفائضة عن الحاجة، والتي لم تجد لها تعبيرًا في الحياة؛ بتشكل العمل الفني. بهذا ثمة نمطين من الفنانين: فنان يعبِّر عمّا لا يملك ، وفنان يعبّر عمّا فضل له ممّا امتلك.

وأخيرًا يقول (بيسوا) في مقالة أخرى بعنوان “لغة الروح المثالية”:

الفن يجعل الآخرين يحسون بما نحسّ، يعمل على تحريريهم من ذواتهم نفسها، عارضًا عليهم شخصيتهم كمحرر خاص. ما أحسه، في الجوهر الحقيقي الذي به أحس، غير قابل للتواصل أو التوصيل بصفة مطلقة؛ وكلما ازداد عمق ما أحسه، ازدادت لاتواصليته. لكي أنقل، إذن، ما أحسه إلى الآخر، عليّ أن أترجم أحاسيسي إلى لغته، أي أن أقول أشياء معينة كما لو كانت هي ما أحسه، بحيث عندما يقرؤها هو، يحسّ بالضبط بما أحسسته. ولأن هذا الآخر، وفق فرضية الفن، ليس هذا الشخص أو ذاك، وإنما العالم كله، أي أنه مشترك مع كل الأشخاص، فإن ما ينبغي أن أفعله في النهاية هو أن أحوّل أحاسيسي إلى إحساس إنساني نموذجي بالرغم من أنني بذلك أفسد الطبيعة الحقيقية لما أحسسته.

لغة العمال والمهاجرين في سبيل الحفاظ على الحياة

man-writing-wall-hobo-code-symbols-migrant

البقاء على قيد الحياة لا يتطلب القدرة الجسدية فحسب، بل أيضاً يتطلب قدرة ً ذهنية للتواصل بشكلٍ جيد مع الآخرين، ففي آواخر القرن التاسع عشر وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، وازدياد اعداد الفقراء والمهاجرين والمشردين، من المحاربين القدامى، الذين غدوا دون مأوى، يجوبون البلاد سعياً للعمل والملجأ، معرضين لشتى المخاطر، فهم يجتازون السواحل من أجل مأوى يأويهم ولو كان ذلك لأيام ٍمعدودة .

ولهذه الحاجة ابتكر هؤلاء المهاجرون والمشردين، وسيلة للتواصل لتبقيهم على قيد الحياة، عرفت بلغة او رمز (الهوبو).

ولكن كيف كان المهاجرون يجوبون البلاد دون المال في تلك الأيام ؟

لجأ هؤلاء للقفز على القطار، كتذكرة عبور وتنقل من البلاد، وتحديداً كان المهاجر يقفز على أعلى سيارات الشحن من منطقة لأخرى، وقد يكون سعيد الحظ ويحالفه الحظ بأن يعمل بعدها لدى إحدى الشركات بدوامٍ جزئي، مما جعل من هذه المسالك مكاناً مشتركاً للعمال المهاجرين لتلبية احتياجتهم.

وبطبيعة الحال، فإن محاذاة رحلةٍ مجانية على ظهر قطار، يسير في الريف لم يكن مسعى سهل، حيث كان يعد هذا عملاً غير قانوني منذ ذلك الوقت، مما اجبر العمال على الاختباء في الأماكن الضيقة، خوفاً من الوقوع او القبض عليهم ونقلهم للسجن.

واعتماداً على الجزء الأكثر خطراً وتهديداً لحياة المهاجرين، الظروف الجوية القاسية في أشهر الشتاء، حيث يموت الكثير من التجمد لأجل البحث عن عملٍ في الْيَوْمَ التالي.

ومابين التنقل والبحث عن الوظائف، كان المهاجرون يقصدون المبيت في المباني المهجورة و المباني الأخرى الغير عادية، مما كان يعرقل على المسؤولين في الحكومة وسكان المناطق من مواصلة ملاحقتهم، لأنهم كانوا يعتبرونهم خطراً عليهم . 

مما دفع ذلك ، الى ابتكار و تطوير هذه الرموز (الهوبو) وهي تتمثل بسلسلة من الرموز والأحرف والاشكال التي استخدمها المهاجرون للتواصل مع بعضهم البعض لضمان بقاءهم على قيد الحياة. 

وساهمت هذه اللغة او الرموز بتعزيز أهمية روح التضامن والتكافل بين المهاجرين وأقرانهم.

hobo-code-symbols-museum

فاستُخدمت رموزاً باطنية تحذيرية لتفادي بعض المخاطر كـ : الكلاب الضالة، مُلاك البيوت الغير ودودين، القضاة، رجال الشرطة وأي شيء قد يعترض طريقهم ليتجنبوا هذه المخاطر.

بالإضافة الى تبادلهم بواسطة هذه الرموز لمعلوماتِ هامة وقيّمة، تكفل لهم ضيافة كريمة في احد البيوت أو رعاية صحية للمرضى منهم ومؤونةً وغيرها.

وقد ساهمت هذه الرموز بتعلم اكثر اسهل الطرق الاستغلالية، كالإشارة لبعض الكنائس التي من شأنها ان توفر لهم وجبة مجانية مقابل “حديث ديني”.

وقد كان يتم استغلال لطف الراهبة من خلال سرد أحد المهاجرين لقصته بأسلوب يرثى له، ليؤثر على مشاعرها بسهولة.

code-hobo-symbols-warnings-communicate-signs

وعلى الرغم من ان ثقافة الهوبو ممارسة تقليدية للمهاجرين، فقد بدأت تختفي في القرن العشرين، إلا انها مازالت إلى الْيَوْمَ تستخدم رموزها، فيظهر بعضها في المناطق التي عادة ما تقوم بتشغيل العمال المهاجرين، أو العمال النهاريين في الأرصفة ونقاط العبور، كما هو مبين أعلاه في الصورة لأحد الرموز في شارع بميناء لويزيانا بولاية نيو أورليانز.

والجدير بالذكر، ان مصطلح الـ(هوبو) اصبح يُعد نوعاً من الإساءة التي تُطلق على المهاجرين.


[المصدر]

تودوروف، وحديث مبسط عن فكر الأنوار

Tzvetan_Todorov-Strasbourg_2011_(3)

تزفيتان تودوروف (1939-2017) فيلسوف فرنسي-بلغاري، وُلِد في مدينة صوفيا البلغارية. وعاش في فرنسا منذ 1963 وحتى وفاته، ويكتب عن النظرية الأدبية، تاريخ الفكر، ونظرية الثقافة.

في كتاب قدّمه الأستاذ (محمد الجرطي)، حمل عنوان (تزفيتان تودوروف: نحو رؤية جديدة لحوار الحضارات)، حمل الكتاب عدة لقاءات صحفية مع (تودوروف)، بالإضافة إلى عدد من المقالات التي كتبها، والتي كُتبت عن فكره.

في مقالة كتبها (تودوروف)، حملت عنوان “لماذا نحن دومًا بحاجة إلى فكر الأنوار؟”، يقول (تودوروف) مستفتحًا:

إن فكر الأنوار المتعدد والمتناقض في كثير من الأحيان، ليس حركة فكرية متواطئة. بغض النظر عن البلد الأصلي لفكر الأنوار، فإنه ساهم في استقلال الفرد ضد السلطة والدين، ودافع عن فكرة الصالح العام والكونية. المبادئ التي ما زالت هشة ومهددة.

ثم يقول:

هل يٌعرّف فكر الأنوار بكلمات قليلة؟ تتضح التجربة من خلال المراهنة. في الواقع، دامت هذه الحركة أكثر من قرن، وهي تتطور في عدة دول بشكل خاص، وتواجه عدة آراء متناقضة.

ويتابع بعد ذلك حديثه عن فكر الأنوار:

يشكل هذا التعقيد الفكري الخاصية الأولى المميزة لسمة الأنوار، وعلى العكس مما يُفهم في أغلب الأحيان على أنه من الاختزال أن نتكلم عن فكر الأنوار وكأنه تيار فكري أحادي الجانب.

في الواقع، يحيل فكر الأنوار على عصر التأليف والتركيب الأصيل بشكل خالص، ويتشرب فكر الأنوار الإرث الفكري الذي ظهر في أوروبا منذ نهاية القرن العصر الوسيط، حيث ترسخت مقوماته خلال عصر النهضة والقرن السابع عشر. يستثمر فكر الأنوار العقلانية والنزعة التجريبية على حد سواء، عن طريق الفصل وليس الجمع. ويشيد بمعرفة القوانين الخالدة، كما هو الشأن لشعوب التاريخ. ويؤكد أيضًا على تعدد الثقافات، بدلًا من وحدانية الحضارة. في الوقت نفسه، يدافع فكر الأنوار عن العقل والأهواء، والجسد والروح، والفنون والعلوم، والاصطناعي والطبيعيو متشربًا كل مجالات الإبداع الفكري؛ من الفلسفة إلى العلوم مرورًا بالآداب والقانون والرسم.

[…]

والنتيجة، لا يمكن تعريف فكر الأنوار إلا على حساب العديد من الاختزالات التبسيطية؛ وأيًا كان التعريف الذي يتم إقراره، فسيكون في مقدورنا أن نعارضه على الدوام باستثناءات.

ما هو منشأ فكر الأنوار؟ يجيب (تودوروف) في جزء من مقالته:

يعتقد الفرنسيين في غالب الأحيان أن فكر الأنوار من صنيعتهم، ولكن الأمر ليس كذلك! في بادئ الأمر، تطورت الأفكار في ما وراء بحر المانش أو في إيطاليا، ثم تعمقت ونضجت في وقت لاحق في ألمانيا. بكل بساطة، كانت فرنسا صندوق الصدى الذي أتاح لهذه الأفكار الانتشار في ربوع العالم بفضل إشعاع العقل الفرنسي، وبفضل مفكرين من الطراز الأول على غرار (ڤولتير) أو جماعة الموسوعيين التي نتاجهلها أحيانًا في حين ظهرت كرد فعل على الموسوعة الإنجليزية التي نُشرت في وقت سابق. وبالتالي، فالوطن الحقيقي لفكر الأنوار هو أوروبا.

هل يمكن اختصار فكر الأنوار في كلمة واحدة؟

إذا أردنا أن نختزل إرث فكر الأنوار الثقافي إلى نواة صغيرة، فما الذي يجب تسليط الضوء عليه؟ فكرة الاستقلالية: إمكانية التحرر من الوصاية التي تفرض على كل فرد طريقة أحادية للتفكير والإحساس.

مخاطر العقلانية من وجهة نظر إدوارد سعيد

Edward_Said

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

20152809212815

تحدث كتاب (إدوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والاختلاف) عن دراسة تحدثت عن أحد أمثلة مخاطر العقلانية التي تحدث عنها (إدوارد سعيد) وكان “الاستشراق” موضوعها بأنها:

يتميز تمثيل الشرق الذي نقله مجمل الإنتاج العلمي للمستشرقين في القرن التاسع عشر بتماسكه وعقلانيته كما يقول (سعيد). بفضل الوضعية العلمية، أصبح العالم الشرقي الغريب والفوضوي مفهوماً للقارئ الغربي، ووفر لرجال السياسة لغة جعلت خطابهم ممكناً وذا مصداقية. هذا الترابط المنطقي، يقول (سعيد)، بأنه وهمي واستيهامي. ليس هذا الترابط المنطقي سوى نتيجة لتأثير أنتجه أسلوب التصنيف، هذا النظام المغلق الذي يُعطي الشعور بالاكتمال والموضوعية العلمية، لكنه يخفي المحتوى الأيدلوجي للخطاي الاستشراقي والثغرات والتحيز الذي يستند إليه. إن كتاب (المكتبة الشرقية) للمستشرق (هيرلبوت) الذي نشر في 1697، والذي سيكون بمثابة نموذج لكتاب وصف مصر يقدم، حسب (سعيد)، مثالاً على هذه المعرفة التي تخفي عقلانيتها وتنظيمها الأبجدي “أساطير إيديولوجية“.

في كتاب علمي مثل (المكتبة الشرقية) الذي هو نتيجة لدراسات وبحوث منهجية، يفرض المؤلف نظاماً على المادة التي اشتغل عليها، بالإضافة إلى ذلك، يريد أن يفهم القارئ جيداً بأن هذا الكتاب عند طباعته يمثل حكما منظماً ومنضبطاً عن هذه المادة “الشرق“. ماينقله كتاب (المكتبة الشرقية) هو الفكرة القائلة بأن قوة الاستشراق وفعاليته تذكر القارئ في أي مكان أنه من الآن فصاعداً لكي يفهم كنه الشرق، يجب عليه أن يمر عبرالخطابات والرموز الثقافية التي قدّمها المستشرق الأوروبي.

هكذا، خلق الاستشراق ، حسب منظور (سعيد)، تحت ستار التبحر العلمي الممنهج، نظاماً ممن التمثيلات الوهمية عن واقع قائم أساساً على وحدة جغرافية وثقافية ولغوية وإثنوغرافية، في حين أن هذا التقليد الأوروبي “الاستشراق” يستند إلى تشظي وتقسيم تعسفي لهذه الوحدات. بسبب وهم الترابط المنطقي لظاهرة الاستشراق والسعي إلى فهم فوضى الشرق، سيطر الغرب على الشرق، لكن هذا الشرق لم يكن في غالب الأحيان سوى تسلية واستجمام للمستشرقين لأن محتوى الدراسات الاستشراقية يستند حسب منظور (إدوارد سعيد) إلى “أساطير إيديولوجية“. لدعم وجهة نظره، يستند (سعيد) إلى أمثلة التعامل مع اللغة العربية وتمثيل (النبي محمد) الذي اعتاد كتاب (المكتبة الشرقية) إنتاج صورته كدجال على شاكلة الصورة التي كانت موجودة من قبل العصور الوسطى أو العمل الشهير (الكوميديا الإلهية) للكاتب الإيطالي (دانتي).

في هذا المستوى من التحليل أيضاً، من الواجب التلويح بعدد من التحفظات. يخص التحفظ الأول مرة أخرى الطابع المنهجي لتحليلات (سعيد) الذي لاتميل إلى المتون العلمية الغزيرة التي اشتغل عليها فيه إلى إبراز الاختلافات والفروق الدقيقة لفكر الكتّاب، بل تسعى إلى إثبات تواطؤ لغتهم والنفاق الواعي أو المستتر لنواياهم. على شاكلة العلماء الذين كان إنتاجهم موسوعياً وغزيراً، تبنى علماء اللغة مثل (إرنست رينان)، وعلماء النحو مثل (سيلفستر دو ساسي)، نظام تصنيف، يؤكد (سعيد) أنه فتّت المعرفة وأصابها بالتشظي، وخلق بالتالي فجوات ملائمة لتطوير الأساطير الايديولوجية.

إذا كانت أعمال المؤلفين الذين تم الاستشهاد بهم تنقل صورة سلبية عن الإسلام والشرق -وهو المناسبة ليس الشيء نفسه، لكنه يتطابق عن قصد في منظور (سعيد)- فإن هذه الصور لا تنشأ بالضرورة من هذا الوعي بالتفوق الغربي واحتقار الآخر والايدولوجيا الاستعمارية. إن أراء (دانتي) و(سلفستر دو ساسي) و(إرنست رينان)، إذا كانت تطلق أحكاماً سيئة عن الدين الإسلامي أو الثقافة الشرقية، فهذا لا يعني بالضرورة أن تفكيرهم تهيمن عليه إيديولوجية قديمة تحصرهم في اجترار الخطاب نفسه والأحكام نفسها واستنساخهما.

إن التصور الذي نملك،على سبيل المثال، العبودية والعنصرية والاستعما، لم يعد يخضع للمعايير نفسها. إذا فشل المستشرقون في التخلص من الايديولوجيا الاستعمارية التي تبقى موضع تساؤل، فإن العمل الهائل الذي قاموا به، وبعيداً عن خلق صورة وهمية خيالية عن الإنسان الشرقي، قدّم لهذا الأخير مجموعة هائلة من المعلومات تسمح له بتشكيل تاريخه وثقافته. هل في وسع المرء اليوم أن يُنكر إسهام (شارل أندري جوليان) و(جاك بير) في البحث التاريخي في المنطقة المغاربية؟ ماهي المواد العلمية التي  استخدمها (ادوارد سعيد) عن الشرق، إن لم تكن كما يبين ذلك جيداً كتابه سوى أعمال المستشرقين؟

ومع ذلك، إذا كان كتاب (ادوار سعيد) كان قد خلق ضجة في أوساط المستشرقين وأتاح للأوروبين تغيير نظرتهم للشرق، فإنه عزز لدى المثقفين العرب رفض الآخر، ورسخ بشكل عميق الكولونيالي، ومنح قاعدة فكرية للأفكار الأصولية؛ باعتماد لغة جدلية في حدتها، وتقييد حقل الدراسة في غايات إيديولوجية.

الغفلة، كمَعلَم أساسي للعصر الحديث، في رأي د. سروش

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، سأل فيها د.(سروش) عن الهدف من الحياة:
أود أن أطرح هنا سؤالًا: (لماذا نعيش هذه الحياة؟) لا بد أن يمسك الإنسان يومًا بتلابيب نفسه ويسألها هذا السؤال: الكثيرون منا منهمكون في انشغالاتهم اليومية وغاياتهم الجاهزة التي يحقنونهم بها ويبيعونهم إياها، فيتلقونها كبديهيات متعالية على التفكير وإعادة النظر، إلى درجة تذهل فيها عن أية مراجعة لهذه الغايات والأهداف. إننا لا نفكر حتى في مدى ابتعادنا عن معنى الحياة.
ثم يبيّن بأن هذا التساؤل هو أحد أسباب الأزمات النفسية في الوقت الراهن. وبأن التساؤل عن ذلك يعد شيئًا من الفطنة:
الذين يصابون بأزمات نفسية، حينما يراجعون الأطباء النفسانيين، يتفطنون إلى توهم وجود شيء اسمه (معنى الحياة) لا تملأ فراغه أي من هذه الأدوات والوسائل والآلات والبهارج الدنيوية الظاهرية.
ثم يتحدث عن الحالة الفكرية العامة للعصر الحديث، ويقول بأن التغافل عن الأسئلة المهمة بحياتنا أضحت سمة أساسية للعصر الحديث:
لقد اكتسبت الحياة في العالم الحديث معنى جديدًا، وانعقدت نفوس الناس على غايات مختلفة. الغاية الحياتية التي تشيعها المظاهر ووسائل الإعلام بين الناس تنحصر في اللذة والمتعة. خلاصة ما يروج له كهدف للحياة هو أن نشعر بالنشوة والهياج، ونشتري أكثر، ونستهلك أكثر، ونلبس أفضل، ونغفل أكثر. من عجائب العالم الحديث أن الغفلة أمست من أركان الحياة ومحاورها الرئيسة. لو ألقينا نظرة إلى أسباب الترفيه وأدواته في العالم المعاصر، سنلاحظ أنها جميعًا تحاول صرف أذهاننا ولو لفترة قصيرة عن الوجه العابس الجاد للحياة إلى أمور أخرى. الغفلة أضحت اليوم أحد العناصر الرئيسة المكونة للحياة وغاياتها. الكثير من أنظمة التسلية في العالم الحديث، ومزاولة الأعمال، وإلقاء الخطب والمحاضرات، والألعاب الرياضية، إنما هي من سنخ الغفلة وتحقيقها. العبارة الغربية التي كثيرًا ما نسمعها اليوم من الأمريكيين: (نحن نعيش لمرة واحدة)، لذلك علينا أن نقضي هذه المرة الواحدة بالمرح والرفاه. غير أن هذه نتيجة خاطئة تستنتج من مقدمة صحيحة، نعم، الإنسان يعيش حياته الدنيا لمرة واحدة، ولهذا يجب أن يعيشها بشكل مدروس، لا أن يستهلكها بالغفلة واللامبالاة.
حينما تتأمل في الغفلة وصناعة الفغلة التي تنتجها وسائل المرح والترفيه الحديثة، سنرى كيف أن غاية الحياة قد تغيرت، وكيف يتهرب الناس من تفكيرهم في الهدف من الحياة، ولا يريدون حتى أن يخطر على بالهم.