أرشيف الوسم: الحضارة الغربية

عبدالكريم سروش، عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (سروش) عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم، مبتدئًا حديثه يتبيين الفكرة السائدة عن كلٍ من العالمين:

غالبًا ما ينظر الناس من الحداثة إلى ثمارها، وقلما يتبصرون في جذورها وأرضيتها. والسبب واضح: الناس عقولهم في عيونهم، كما يقول المثل. عامة الناس لا يجنحون إلى تحري الأصول إلا بصعوبة، وفي أطوار متأخرة أي إنسان تسألونه: ما هو العالم الحديث؟ سيقول لكم هو الطائرات، والكمبيوترات، والكهرباء، والسكك الحديدية، والأدوية الحديثة، والمستشفيات عالية التجهيز، والقنابل الكيمياوية، والبرلمانات، والأحزاب، والصحف، والجامعات، والبنوك، ودور السينما، ..إلخ. أي أنهم ينسبون إلى الحداثة، ما يشاهدونه اليوم مما لم يكن في السابق، هم لا يعدون الأشجار والسماء والأرض من العالم الحديث، بل هي من وجهة نظرهم تنتمي للعالم القديم. مرض السل أيضًا ينتمي للعالم القديم من منظارهم، رغم أن طريقة معالجته قد يعتبرونها من خصائص العالم الحديث. وكذا الحال بالنسبة لأساليب حل المسائل الرياضية.

 بنظرة أدق، يضع د. (سروش) على الإجابة الأصح برأيه حول السمة الأساسية للعصر:
فبنظرة أعمق نستطيع القول أن ما يميز العالم الحديث عن العالم القديم ويرسم بينهما حدودًا دقيقة هو وجود وعدم وجود العلم الحديث. العلم ولا سيما العلوم الطبيعية، حصيلة عصرية لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون. مثل هذا المخلوق وبهذه السمات لم يكن قد ظهر إلى مسرح الحياة في العالم القديم. إذا عدنا عن التقنية وهي ثمرة العلم، إلى الوراء قليلًا، سنصل إلى العلم ذاته، وبوسعنا اعتباره مؤقتًا السمة الأبرز للعالم الحديث.
 ثم يتحدث عن كون أغلب الاكتشافات والنظريات العلمية كانت وليدة الصدفة:
أن تعزو هذه الفوارق إلى الصدفة جواب ناقص، يترك في الواقع العديد من الأمور بلا جواب. إذا اعتبرنا هذا العلم بكل عظمته وليد عدد من الحوادث المتفرقة التي لا تحكمها أي حسابات أو ضوابط، نكون قد ضاعفنا عدد الأسئلة على أنفسنا قبل أن نجيب عن أي سؤال. لذا سيكون سؤالنا اللاحق: إذا كان العلم الحديث أبرز نتائج وعلامات العصر الحديث، فما هو مرد ظهور هذا المخلوق، وهذه النتيجة؟ إذا كانت الإجابة على هذا السؤال عصية عليكم فلا تلوموا أنفسكم، لأنها ما انفكت عصية على جميع العلماء والفلاسفة. إنه سؤال جد رهيب ومشكل.
 يعود مرة أخرى للحديث عن العلم الحديث، فيبيّن أقسامه:
إن ما يوجد اليوم ولم يكن بالأمس، وقد حاز في الوقت الحاضر أهمية محورية ومركزية، بحيث تعزى إليه الكثير من وقائع العالم الحديث، إنما هو عنصر مهم يدعى العلم التجريبي. بوسعنا الاعتراف بهذا العنصر كسمة وخصيصة مميزة إلى جانب التقنية والصناعة الحديثة.
يمكننا إدراج منجزات العلوم التجريبية، سواء كانت اجتماعية أو طبيعية تحت عناوين أربعة، هي باختصار: الوسائل، الغايات، المفاهيم (التصورات)، القبليات (التصديقات أو المسلمات).
 أما القسم الآخر للعلم الحديث والذي لا يقل أهمية عن الأول فهو:
كنت أشدد إلى الآن على العلم الطبيعي، وهو علم واضح التعريف والخصائص. لكنني لم أتطرق إلى العلوم الاجتماعية. وأضيف هنا، أن العلوم التجريبية الطبيعية لم تكن وحدها التي غابت عن لائحة عناصر العالم القديم ومكوناته، بل والعلوم الاجتماعية أيضًا كانت غائبة هي الأخرى. لم يكن في الماضي علم اجتماع أو علم نفس، أو علم اقتصاد، أو علم إنسان، بالمعنى الحديث للكلمة، ولم يكن ثمة معارف قريبة من هذه العلوم العصرية بشكل أو بآخر.

  ثم يتساءل: هل يجعل العلم الحديث، من هذا العصر أفضل وأذكى من العصور السابقة؟

يستشف أن العالم الحديث وجد لنفسه عيونًا ونظارات لم تكن لدى السلف. ومع ذلك ينبغي علينا ألا نفاخرهم، فقد كانت لديهم عيونًا ونظارات، أهّلتهم لبعض الاكتشافات، فأبصروا أشياء لم يمر بها المعاصرون ولا يرونها. لذلك نلاحظ أن القادمين من قلب العالم القديم، حاملين معهم منه بضائع طازجة (أو هذا ما يدعونه على الأقل) تلاقي طروحاتهم إقبالًا وترحيبًا وتبجيلًا، لاسيما في أوساط العالم الدنيوي الغربي الغارق في المادة.

لماذا عجزت عقول الأقدمين عن اكتشاف بعض الأمور البديهية، كالجاذبية مثلًا، ألا يُعد الموضوع في منتهى البساطة؟

العديد من الأسئلة التي تتفاعل اليوم في الأذهان مردها إلى أن الإنسان يرى أسلوب حياته بديهيًا، لذلك يسأل: لماذا لم يفكر الماضون بهذه الطريقة؟ نحن عمومًا ميالون إلى اعتبار واقعنا الحياتي بديهيًا. وتشتد هذه الميول فينا إلى درجة تترك الأحوال والظروف الأخرى عجيبة جدًا في أنظارنا. لذا نستفهم دائمًا: لماذا كان الماضون سيئي الفهم إلى هذه الدرجة، فلم يتوصلوا إلى أمور بديهية، يدركها عقلنا المعاصر بكل يسر؟ والمقصود من الماضين هنا ليس عامة الناس فقط، بل حتى العلماء والنوابغ العظام، الذين لم يكتشفوا من بديهياتنا شيئًا.
 يجيب عن ذلك، فيقول:
إن لكل عصر بديهياته التي لا يطالها الشك، في ذلك العصر، ولا تخضع للنقاش والمساءلة، ولهذا تسمى بديهيات. بكلام آخر، لكل عصر عقلانيته المقبولة المسلّم لها، والتي لا يجادل أحد فيها خلال ذلك العصر. الإنسان في كل عصر يتفرج على عقلانية العصور الأخرى وبديهياتها من زاوية عقلانية وبديهيات عصره، فتستغرقه الحيرة إلى هامته. خذ للمثال قضية حقوق المرأة، ففي عصرنا ثمة بديهيات على صعيد حقوق الإنسان، رجلًا  كان أو امرأة، يذهل المعاصرون حقًا لعدم تنبه السلف إليها. على أن هذا ليس بالمنهج السليم في تحليل التاريخ. إذا أردنا دراسة التاريخ برمته من منظار زماننا سوف ننأى عن الصواب كثيرًا، ولن نوفّق لاستيعاب ذهنية الأسلاف إطلاقًا. بغية أن نفهم الأحداث الماضية بنحو أصح، علينا استخدام نظارات السلف، وفي ما عدا ذلك سنكيل التهم والوصمات لهم بأنهم كانوا يعيشون فترة طفولة خلافًا لإنسان العصر الحاضر الذي بلغ رشده ونضجه، وغدت كل آرائه صادقة سليمة بالبداهة.
 ثم يتحدث عن أحد سلبيات العلم التجريبي أو العالم الحديث، بأنه ينظر إلى كل شيء وكأنه مادة للاستهلاك، بعد أن كانت عقليات الأقدمين ترى بأنها مشاركة على هذه الأرض، وليست مسيطرة كما ترى العقلية المعاصرة:
على صعيد آخر، نلاحظ أن من خصائص النظرة العصرية للعالم، أنها تعتبر كل شيء خزانًا للطاقة وظهرًا يمكن أن يُركب، بل يجب أن يركب ويستفاد منه. العلم والثقافة الحديثة لا ينظران للعالم كنهر يجري، ويجب أن نجلس على جرفه، ونكتفي بالتفرج عليه، واستلهام العبر منه. لقد كوّن الإنسان المعاصر تصورات جديدة عن العالم تملي عليه لعب دور فيه. يؤكد الإنسان الحديث أنه يريد النزول إلى ساحة العمل، والتدخل في صياغة الحياة وتشكيلها. لا بأس أن نتذكر هنا عبارة (ماركس) الشهيرة: “أن الفلاسفة قاموا لحد الآن بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغيير العالم”.

عن الحقوق والواجبات، د. سروش يتحدث

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (عبدالكريم سروش) في البداية عن كون الإنسان المعاصر لم يعد قنوعًا بما يُقدّم إليه، وبأنه أصبح إنسانًا معارضًا لكل شيء:
الإنسان الحديث ليس بالإنسان القنوع، بل هو مخلوق معارض لا يوافق أي شيء كما هو.
 ثم يضيف في ذات الموضوع قائلًا:
لم يبق العالم الحديث من معنى للقناعة، لهذا بات من العسير جدًا أن نعالج هذه الكلمة مع أنفسنا، ونفكر في المعنى الحقيقي لهذه المفردة التي سمعناها وفيما يتوخاه منها من يستعملونها ولهجون بها. الحق أن مسألة القناعة في العالم الحديث مسألة معضلة بينما كانت بالنسبة للسلف مبدأ يتبع، بل ومن الأركان الأخلاقية كما أسلفت.
 ثم يتحدث عن سبب تبدّل القناعة عند الإنسان بين الإنسان المعاصر، والإنسان القديم، فيقول:
حينما نقارن بين الإنسان الحديث والإنسان القديم، ونستعرض كتابات الأسلاف، نعاين أن توقعات الإنسان القديم وتقييماته لنفسه وللمجتمع، تدور جميعها حول محور التكليف، بينما تدور مطالبات الإنسان الحديث حول مدار الحقوق.
 يوضح ذلك أكثر، عن فكرة الحقوق والواجبات عند السلف، فيقول:
الواجبات والتكاليف كانت مرجحة على الحقوق في وعي السلف، فكان الناس ذوي (وعي تكليفي) في الغالب. في العالم القديم كان رجال التربية في المجتمع، سواء الأنبياء أو غيرهم، يثقفون الناس بواجباتهم قبل كل شيء. ولا يعني هذا الكلام أنه لم تكن ثمة حقوق في السابق، إنما كانت تنتزع حقوق البشر من صميم واجباتهم. الإنسان القديم كان يرى نفسه في الأصل وقبل كل شيء حيوانًا مكلفًا، فيتوخى قبل كل شيء تعيين تكاليفه وواجباته، وبعد ذلك تنبثق إلى جانب تلك التكاليف ومن صميمها مجموعة من الحقوق. الواجب كان إطارًا مرجعيًا سائدًا في العالم القديم، استغرق حياة أجدادنا وأسلافنا.
 وكل ذلك تبدّل في العصر الحديث:
وحينما يجري الحديث عن الواجبات سيتم تصنيف الناس بطبيعة الحال إلى سادة وعبيد، آمرين ومطيعين. أما اليوم فحقوق الإنسان من بديهيات العصر. لقد دخلنا في العصر الحديث إطارًا مرجعيًا جديدًا، يعتبر فيه الإنسان نفسه حيوانًا محقًا، لا حيوانًا مكلفًا، فيبحث في الدرجة الأولى عن حقوقه، ليستخرج منها في مرحلة لاحقة واجباته.
ثم يقول بأنه يعتقد بأن الإنسان يجب أن يوازن بين المطالبة بحقوقه وأداء واجباته، بالإنسان يجب أن يكون محقًا مكلفًا:
لقد تحدثت كثيرًا عن الحقوق والواجبات داخل إيران وفي البلدان الأخرى، مع المسلمين وغير المسلمين، وكنت أركز على الحقوق أو الواجبات بما يتناسب مع المستمعين. في الداخل أواجه أفرادًا وشبابًا حتى لو لم يعرفوا هم بأنفسهم، فإنني أعرف جيدًا أنهم طبقًا لتعريفهم لأنفسهم، بعتبرون الإنسان حيوانًا مكلفًا. في مثل هذا المناخ أحاول منحهم حق الوعي والصحوة، وعليكم المطالبة بحقوقكم. لا تسألوا عن واجباتكم فحسب،اسألوا ولو لمرة واحدة عن حقوقكم، ودافعوا عن مطالبكم. لكنني حين أواجه مستمعين أجانب تتغير المسألة إلى الضد، إذ غالبًا ما تترك المسؤولية في الغرب لأتربة النسيان، ويتحول الإنسان إلى مخلوق دائن محق بالمطلق، يجب أن يأخذ ويسلب، ويحوز كل شيء لنفسه. هنا تتحتم الدعوة إلى شعور الضمير بالمسؤولية والتذكير بالواجبات.
هل صحيح بأن الدولة الغربية هي التي اختلقت للإنسان حقوقه؟ يجيب د. (سروش):
وزارة الخارجية الأمريكية والبلدان الأوروبية ليست هي التي صنعت حقوق الإنسان، فقد كانت هذه الحقوق صنيعة تنظرات الفلاسفة، ومعناها أن للإنسان حقوقًا لمجرد كونه إنسانًا. هذه الحقوق طبيعية لم يمنحها أحد إياه، حتى يجوز له بعد ذلك أن يسلبه إياها. الفجائع التي وقعت في العصر الحديث كانت حصيلة انحراف روحي مني به الإنسان. حينما تتسمّر نظرة الإنسان على نقطة صغيرة سيرى تلك النقطة كبيرة لا متناهية، إلى حد ينسى معها سائر الأشياء. حينما تتركز ذهنية الإنسان على الحقوق سيجدها عظيمة هائلة بحيث تذهله عن الوعي التكليفي والشعور بالمسؤلية. خير دليل على هذا أننا نملك راهنًا (ميثاقًا عالميًا لحقوق الإنسان) ولا نمتلك (ميثاقًا عالميًا لواجبات الإنسان).

تأثير الحضارة العربية على أوروبا الحديثة

زيغريد

 

 

زيغريد هونكه (26 أبريل 1913 في كيل – 15 يونيو 1999 في هامبورغ) مستشرقة ألمانية، طائرة الشهرة أحبت العرب، وما زالت، صرفت وقتها كله باذلة الجهد للدفاع عن قضاياهم والوقوف الى جانبهم. وهي زوجة الدكتور شولتزا، المستشرق الالماني الكبير، الذي اشتهر بصداقته للعرب وتعمقه في دراسة آدابهم والإطلاع على آثارهم ومآثرهم. وقد عاشت المؤلفة، مع زوجها، عامين إثنين في مراكش، كما قامت بعدة زيارات طويلة للبلدان العربية.

تناولت المؤلفة في اطروحتها لنيل درجة الدكتوراة في جامعة برلين، أثر الأدب العربي في الآداب الاوروبية، وفي عام ١٩٥٥ صدر مؤلفها الأول : “الرجل والمرأة”، أكدت فيه الكاتبة، كما فعلت في كتبها التي تتالت، فضل العرب على الحضارة الغربية خاصة، والحضارة الإنسانية عامة.

 

في مقدمة “شمس العرب تسطع على الغرب” والذي يعد ثمرة سنين طويلة من الدراسة العميقة تحدثت فيه الكاتبة بموضوعية وبإسهاب غلب عليه طابع الحب والمودة والتقدير لهذه الحضارة الغائبة- استهلت زيغريد هونكه كتابها بهذا المدخل :

لم يعد العالم مقتصرا على أوروبة وحدها، كما وأن التاريخ الأوروبي لم يعد في الوقت الحاضر التاريخ العالمي وحده، ذلك أن شعوب قارات أخرى قد اعتلت المسرح العالمي. ففي الوقت الذي كانت تسعى فيه أطراف الأرض جميعها الى رسم خطوط مسرحية التاريخ العالمي، دون أي وشيجة سابقة تربط بينها، تعود بنا الذكرى دائما على الدوام الى “خارطتنا للعالم” في القرون الوسطى التي تصور أوروبة دائرة يلفها البحر العالمي، وتتوسطها بلاد الاغريق من جهة، ورومة من جهة ثانية، فردوسا لها ومركز إشعاع.
أما أن تكون ثمة شعوب أخرى، وأطراف من الارض لها شأن عظيم في التاريخ، بل وتاريخنا الغربي خاصة، فذلك أمر لم يعد بالإمكان تجاهله في حاضر قد طاول النجوم عظمة. لأجل ذلك يخيٌل إليٌ أن الوقت قد حان للتحدث عن شعب قد أثر بقوة على مجرى الاحداث العالمية، ويدين له الغرب، كما تدين له الانسانية كافة بالشيء الكثير. وعلى الرغم من ذلك فإن من يتصفح مئة كتاب تاريخي، لا يجد اسما لذلك الشعب في ثمانية وتسعين منها.

 

كما أنها تطرقت لتاريخ الحضارة في الكتب والاوساط الغربية ، فقالت :

حتى هذا اليوم، فإن تاريخ العالم، بل وتاريخ الآداب والفنون والعلوم لا يبدأ – بالنسبة الى الانسان الغربي وتلميذ المدرسة – إلا بمصر القديمة وبابل بدءا خاطفا سريعا، ثم يتوسع ويتشعب ببلاد الإغريق ورومة، مارا مرورا عابرا ببيزنطة، ومتنقلا الى القرون الوسطى المسيحية، لينتهي منها آخر الأمر، بالعصور الحديثة.
ولم يكن هناك أحد ليمنح اوروبة ما قبل القرون الوسطى أي اهتمام، أو ليمنح الأحداث التي جرت في العالم خلال تلك العصور أية أهمية ايضا. وأما ان يكون العرب في جوار قريب لها ، وان يكون هذا الشعب في انحاء الدنيا في غضون سبعمائة وخمسين عاما حاملا مشعل الثقافة ردحا جاوز عصر الاغريق الذهبي بضعفيه أكثر من أي شعب آخر.. فهذا أمر من يعلم به ؟ أو من يتحدث عنه ؟

 

وعن عدم اعتراف الغرب اعترافا كاملا بتأثير الحضارة العربية ، قالت :

في سياق الحديث عن الاغريق، اعترف الاوروبيون بدور العرب في التاريخ حين قالوا : إن العرب قد نقلوا كنوز القدامى الى بلاد الغرب.
إن هذه العبارة الوحيدة التي يحاول فيها الكثيرون كذبا وادعاءً تقريظ ما قد اسدوه لأوروبة، تحدد للعرب، في الواقع، دور ساعي البريد فقط ، فتقلل من قدرهم حين تطمس الكثير من الحقائق وراء حجب النسيان.
ليس من المهم ان نوسع آفاقنا التاريخية فحسب، بل إن من الأمر الهام ايضاً في زمننا هذا ان نبحث عن صديق الغد في عدو الأمس، وان ننطلق من قيود المعتقدات الدينية السابقة لنطل من وراء العقائد، ومن خلال التسامح والانسانية السامية على البشر اجمعين ، وأن تأخذ العدالة مجراها وترد حقوق شعب سبق ان حرمه التعصب الديني كل تقدير موضوعي حق، وحط من قدر اعماله الفائقة، وحجب النور عما قدمه لحضارتنا، وبل غلّه بصمت الموت، اما زال يعتبر العمل عملاً مبكرا ، ولم يحن وقت القيام به بعد؟؟

 

واصلت الكاتبة دعوتها للغرب بالتخلي عن النفور والاستنكار من الاعتراف بالتراث العربي، وان لا بد من الكف عن التعصب الديني وعن ما تسميه هي “نظرة القرون الوسطى” :

إن علاقة الغرب بالعرب منذ ظهور الإسلام حتى هذا اليوم لهي مثال تقليدي عن مدى تأثير المشاعر والعواطف في كتابات التاريخ، وكان هذا وضعا له مبرراته في عصر اعتبر فيه تأثير معتنقي دين آخر أمرا غير مرغوب فيه لخطره الوهمي. إن نظرة القرون الوسطى هذه لم تمت بعد، اذ أنه ما زالت، حتى يومنا هذا ، جماعة محدودة ، الآفاق بعيدة عن التسامح الديني تبني الحواجز في وجه النور ، ولو بطريقة لا شعورية نابعة عن تصرف غائص متشعب الجذور في أنفسهم إزاء أناس جعلت الدعاوة منهم أبالس مجرمين بشعين ، وعبدة أوثان وفنانين مزورين.
وقد نشب في الآونة الأخيرة خلاف محتدم الوطيس حول سؤال واحد يتعلق بمصدر ”أغاني الحب”
ظهر من خلاله شدة النفور من الاعتراف بتراث عربي، ومدى الانفعال الذاتي الذي يثــيره ذاك النفور قرننا العشريني.
ولم يكن لهذا الخلاف ان يحصل لولا أن الآفاق قد بدأت في الانقشاع شيئا فشيئا أو لو أن حكماً عادلا قد اتخذ مجراه. ولعل مصيرنا سيتعلق بمصير العالم العربي الذي سبق له أن غيّر يوما ما صورة عالمنا بشكل جذري.
أما آن لنا أخيراً أن نسعى باحثين وراء ما قد يجمعنا، متخطين ما سبق ان فرّقنا ؟!

 

وضحت هونكه موضوع الكتاب الرئيسي وأجابت على سؤال : هل الحضارة العربية هي ذاتها الحضارة الإسلامية؟ وما الذي تفرق به الحضارة العربية؟

إن هذا الكتاب يتناول “العرب” و “الحضارة العربية” ولا اقول “الحضارة الاسلامية” ، ذلك ان كثيراً من المسيحيين واليهود والمزديين والصابئة قد حملوا هم مشاعلها ايضاً. وليس هذا فحسب ، بل إن كثيراً من تحقيقاتها العظيمة الشأن كان مبعثها احتجاجاً على قواعد الإسلام القويمة.
بل أضف الى ذلك ان كثيراً من صفات هذا العالم الروحي الخاصة كان موجوداً في صفات العرب قبل الاسلام.
هذا الكتاب يتحدث عن “العرب” و “الحضارة العربية” بالرغم من أن الكثيرين من بناتها كانوا لا ينتمون الى الشعب الذي عرّفه المؤرخ القديم (هيرودوت) باسم (عربيو Arabioi ) بل كان منهم أيضاً فرس وهنود وسريان ومصريون وبربر وقوط غربيون ساهموا جميعاً في رسم معالم تلك الحضارة، بدليل ان كل الشعوب التي حكمها العرب اتحدت بفضل اللغة العربية والدين الاسلامي ، وذابت بتأثير قوة الشخصية العربية من ناحية ، وتأثير الروح العربي الفذ من ناحية أخرى ، في وحدة ثقافية ذات تماسك عظيم.

 

هنا ردت الكاتبة زيغريد هونكه على من قال بـ فارسية بعض العلماء الذين أسهموا إسهاماً جلياً في قيام هذه الحضارة :

ان هذا الكتاب يتحدث عن الثقافة العربية ، كما يتحدث المرء عادة عن الثقافة الامريكية. وكما يحاول بعضهم ان يجعل الرازي او ابن سينا الفارسي الأصل، فارسي الروح، وهما من افراد العائلات التي عاشت منذ احقاب بين العرب ، يحاول بعضهم ان يجعل -بالقدر نفسه- من رئيس الجمهورية الامريكية السابق دوايت ايزنهاور ، المانياً.

 

وفي الختام :

إن هذا الكتاب يرغب في ان يفي العرب ديناً استحق منذ زمن بعيــد. ولئن تناول الحديث ههنا عدداً كبيراً – وإن يكن غير كامل – من عوامل التأثير المباشرة وغير المباشرة في حضارة العرب، فهــذا لا يعني البتة ان مصدر كل خير أتى من هناك فحسب، وهذا لا يعني كذلك أننا قــد تجاهلنا قللنا من شأن وجوه التأثير الهامة المختلفة التي كانت للإغريق والرومان واليهود على حياتنا. كذلك، فإننا لن ننسى مطلقاً تطور الشعوب الجرمانية والرومانية وفعاليتها الحضارية ، هذه الشعوب التي أخذت عن الآخرين ما أخذت لتحقق ذاتها.

بساط الحضارة بساط نسجته وتنسجه أيدٍ كثيرة ، وكلها تهبه طاقتها ، وكلها تستحق الثناء والتقدير.

الشدياق عن الاختلافات في الموسيقى بين الافرنج والعرب

أحمد الشدياق

يتحدث (أحمد الشدياق) (1804-1887) المثقف التنويري والصحفي اللبناني، في كتابه (الواسطة في معرفة أحوال مالطة) -المرفق مع مجلة الدوحة العدد 94 [أغسطس 2015]- عن الموسيقى في باب منفصل فيقول:

إن الإفرنج قد جعلوا ترجيع الصوت وإيقاعه داخلاً تحت حس المشاهدة، فدلوا عليه بنقوش ورسوم معلومة كما دلت الحروف على المعاني، فلم يكن تحصيله متوفقاً على ذاكرة وعظيم معاناة كما في السابق، فمن كان منهم عارفاً بخارج النغم ورأى تلك العلامات أمكن له أن يخرج عليها أي صوت كان من دون أن تتقدم له سابقة فيه، وإذا اجتمع منهم عشرون رجلاً وكانت أمامهم تلك النقوش رأيت منهم متابعة واحدة، ويُرَد على هذا التأويل أنه لو كانت الموسيقى فضلة من المنطق لكانت واحدة الاستعمال، كما أن المنطق واحد الضوابط، على أن الناس متغايرون فيها تغاير شديداً، فإن ألحان العرب لاتطرب غيرهم، بل هولاء-أيضاً- مختلفون، فإن أهل مصر لايطربون لألحان الشام، وألحان الإفرنج لا تطرب أحداً من هؤلاء.

وقد شرح هذا المعنى ابن زيدون في رسالة لابن نباتة تقول:”النغم فضل بقي من المنطق، لم يقدر اللسان على إخراجه فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلمّا ظهر عَشِقَته النفس وحَنَّ إليه القلب“.

فالمراد بالترجيع لا التقطيع هو أن يكون الصوت ممتداً ينحى به لا متقطعاً كأصوات الهجاء، فإذا كان فنّ الموسيقى-والحالة هذه- فضلة من المنطق على هذا التأويل لزم أن نقول إن لكل جيل من الناس محاسن في الغناء مقصورة عليهم فقط، فإن لكل لغة محاسن ولا توجد في غيرها، والواقع بخلاف ذلك فإن لغتي الصين والهند- مثلاً- تستميلان على محسنات لاتوجد في غيرهما، إلا أن أنغامهم خالية من ذلك، أما ألحان الإفرنج فلايطرب لها إلا من ألِفَها.

ثم ذكر ٤ إختلافات في الموسيقى بين الإفرنج والعرب فيقول :

أولاً: أن الإفرنج ليس لهم صوت مطلق للإنشاد من دون تقييد بتلك النقوش، فلو اقترحت على أحدهم مثلاً أن يغني بيتين ارتجالاً، كما يفعل عندنا في القصائد والمواليات لما قدر، وهو غريب بالنسبة إلى براعتهم  في هذا الفن؛ لأن الإنشاد على هذا النوع طبيعي، وقد كان عندهم من قبل أن تكون النقوش والعلامات، فياليت شعري. كيف كانوا ينشدون قبل أن ينبغ غودو داريتسو في إيطاليا؟

ثانياً: أن غناء الافرنج هو مثل قراءتهم، في أنه لا يخلو عن حماسة وتهييج، فضلاً عن التشويق والتطريب والترقيص، فغناء الحماسة والتهييج هو الذي يكون به ذكر القتال، وأخذ الثأر، والذب عن الحقيقة، فإذا سمعه الجبان- لاسيما من الآلات العسكرية- هانت عليه روحه، أما الغناء العربي فكله تشويق وغرامي، وأجدر به أن يكون جامعاً لمعنيي الطرب، وهو خفة تصيب الإنسان من فرح أو حزن، فإذا سمع أحد منا صوتاً أو آلة شغف قلبه الغرام، فبدت صبابته، وحنت نفسه كما يحن الإلف إلى إلفه حتي يصير عنده آخر الفرح ترحاً، ولا غرو إن صعد منه الزفرات وأذرف العبرات، فإن الشرور إذا تفاقهم أمره وتكامل بدره دب فيه محاق الشجن، واختلط به الحزن حتي يستغرق صاحبه في بحر من الوجد، ويشتغل بنار من الهيام، وعلى ذلك ورد قولهم: “طربه وشجاه من الأضداد”.

ثالثاً: فهو أن الإفرنج لا قرار لأصواتهم إلا على الرصد. نعم، إن جميع الأنغام يوجد لها مقامات في آلاتهم، بل توجد أنصافها وأرباعها إلا مقامين منها، لا أنصاف لهما إلا أنهم لا يقرّون إلا على المقام الآول، وقد سمعت منهم الرهاوي، والبوسليك، والأصفهاني، أما غيرها فلم أسمعه قط، بل قد سمعت منهم بعض أغانٍ من أغانينا أوقعوها على آلتهم، فكانت كلها رصداً وقد- والله- طالما وقفت السمع على أن أسمع منهم أنغامنا فخبت، حتى اعترتني الحيرة، فإني – من جهة- كنت أرى آلاتهم بديعة الصنعة على كثرتها، وأفكر في أن العلوم انتهت إليهم، والفنون قَصُرت عليهم، وإن عندهم في هذا الفن بدائع كثيرة فاتتنا على ماسبق ذكره، ومن جهة أخرى أرى أن براعتهم كلها إنما هي من مقام الرصد، نعم إن هذا المقام هو أول المقامات، وأنه يُغَنّي منه في مصر وتونس أكثر مما يُغَنّى من غيره، إلا أن فضل الصبا والبيات والحجازي لا ينكر أيضاً، ثم أعود فأقول: لا غرو أن يكون قد فاتهم أيضاً بدائع في هذا الفن كما فاتهم في غيره أشياء أخرى، وذلك ككثرة بحور العروض عندنا، وكبعض محسنات الكلام، كالسجع في الكلام المنثور؛ إذ ليس عندهم سوى المنظوم، وهو -في الإنشاء- كالصوت المطلق في الغناء، فإن السجع مقدم على النظم، وكعجزهم أيضاً عن لفظ الأحرف الحلقية وقد سألت مرة أحد أهل الفن منهم فقلت: إن المقامات موجودة عندكم وعندنا على حد سويّ، وكذا أنصافها، فبقي الكلام على استعمالها، فإنا لو استعملنا -مثلا- نصفاً من الأنصاف مع مقامه، وأنتم تستعملونه مع مقام آخر، بحيث يظهر لنا أنه خروج، فمن أين تعلم الحقيقة؟ فما كان منه إلا أن قال إن هذا الفن قد وُضع عندهم على أصول هندسية لا يمكن خرمها، فلايصح أن يستعمل مقام إلا مع مقام آخر، على أني كثيراً ماسمعت منهم خروجاً فاحشاً، على شَغَفي بألحانهم، وقد شاقني، يوماً- وصف المادحين إلى سماع قينة بلغ صيتها أنها غنَّت في مجلس قيصر الروس، فلمّا سمعتها طربت لرخامة صوتها وطول نَفَسها في الغناء، إلا أني سمعت منها خروجاً بحسب ماوصل إليه إدراكي، ولو تيقَّن أن آلحان الروم التي يرتّلون اليوم في كنائسهم هي كما كان يتغنى به في أيام الفلاسفة اليونانيين لكان ذلك دليلاً آخر على قصور ألحان الإفرنج، فإن أنغام الروم مقاربة لأنغامنا.

رابعاً: أن أكثر أصحاب الآلآت عندهم لا يحسنون إخراج أنصاف النغم وأرباعها، مالم تكن مرسومة لهم إلا أصحاب الكمنجة، فأما الناي ففيه خروق شتى غير السبعة، لكل اثنين منهما طباقة إذا سُدّ منها منخر جاش منخر، غير أن الصنعة في إحكام سدها واستعمالها تقارب صنعة تغيير نقل الأصابع عندنا وهذه الأنصاف والأرباع في النغم مثل الروم والإشمام في النحو.

ويقول أخيراً:

أن الإفرنج على كثرة ماعندهم من الآلآت والأدوات، فقد فاتهم العود على محاسنه، والناي من القصب، على الرغم من أن أكثر العلماء قرروا أن أصل الموسيقى مأخوذ عن صوت الريح في القصب.

 

الجابري، عن صراع الحضارة الغربية مع نتاجها

محمد عابد الجابري

محمد عابد الجابري: مفكر وفيلسوف عربي من المغرب، له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها (نقد العقل العربي) الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرّمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار”.

في كتاب (الإسلام و الغرب)، و الذي ضم محموعة مختارة من مقالات نشرت في مجلة فكر و نقد، المجلة الثقافية التي تصدر في المغرب ، يرأس تحريرها د.محمد عابد الجابري، بمشاركة نخبة من المفكرين. تم إيراد هذه المقالة التي نُشرت في السنة 5, العدد 43 ( تشرين الثاني/ نوفمبر 2001 ) لمحمد الجابري عن الحضارة الغربية و نتاجها فقال:

ليس هناك صراع حضارات، هناك صراع بين الحضارة الغربية مع نتاجها.

و الظاهرة التي نشاهدها اليوم كظاهرة عالمية ليست عالمية إسلامية، بل هي عالمية بمعنى أنها تابعة لعالمية العولمة أو الإمبريالية، و بعبارة أعم تابعة للتاريخ العالمي للحضارة الغربية. و ماسيحدث في هذا الإطار، هو من مخلفات الحرب الباردة.

ماحصل هو أنهم عمّقوا الـ(لا عدل)، الذي هو الظلم، فكان لابد أن ينقلب هذا إلى ما انقلب إليه. و القضية ليست قضية دين أو ذاك، بل هي قية وضعية تجعل الإنسان ينظر إلى العقيدة أو الدين من وجهة نظر خاصة. ليست العقيدة هي التي تصنع الناس (فتجعل من هذا “إرهابياً” و من ذاك “مسالماً“) بل إن وضعية الإنسان هي التي تدفعه إلى اختيار نمط معين من الفهم للعقيدة و للتاريخ.

–    العنف و الإرهاب في قنوات التلفزة، ولو أنه غير مباشر فهو مؤثر و متواصل! الحضارة الغربية الآن هي حضارة تحدَّ، لايهمها إلا الاستهلاك!

ووسائل الاعلام أصبحت وسائل لنشر الاستهلاك، هي لاتنتج المعرفة و إنما توزع و تنشر نوعاً خاصاً من المعرفة، و في هذا كله علاقة قوى غير متكافئة.