أرشيف الوسم: الحضارة

جدل الثقافة و الحضارة عند برهان غليون

Syrian National Council 's President Bur

برهان غليون مفكر سوري فرنسي، يشغل منصب مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس. لديه العديد من المؤلفات الهامة في مسألة النهضة والتحول الديموقراطي في البلدان العربية. في كتابه (اغتيال العقل) ناقش جدل الثقافة و الحضارة.

فقال في توطيده لفهم مسار الثقافة:

في عصرنا الرّاهن، أكثر من أية حقبة أخرى، لم تعد الثقافات القوميّة المختلفة تعيش في زجاجة مغلقة، و إذا كانت هذه الثقافات مازالت قائمة و مستقلّة نسبياً فهي لا تتمتّع بالدرجة نفسها من الانسجام و التكامل و الحيويّة و القوّة الذاتيّة. و ليس لها حظوظ متساوية فيما بينها من التطوّر و النموّ و الازدهار و التجدد. و كما أن الأنماط الثقافيّة المختلفة تتنازع فيما بينهما داخل كل ثقافة موقع الهيمنة و تؤكد تقدم فريق اجتماعي على الآخر أو تراجعه في النظام الاجتماعي، فإن الثقافات القوميّة تتصارع أيضاً فيما بينها للوصول إلى موقع الثقافة العالمية، أي الثقافة التي تصبح مصدر القيم الإنسانية الأساسية و مرجعها و كفيلها، و هذا الموقع هو الذي يعطي لقيمها مصداقيّة راسخة، و يؤكد بالتالي مصداقيّة و تفوّق الشعوب التي تتماهى معها. وهو الذي يجعلها منبع القيم و المعارف و العلوم التي تنهل منها الثقافات الأخرى الخاضعة و تقيس نفسها عليها.

أمّا عن طموح الثقافات في هذا فيُعقب بقوله:

كل الثقافات تطمح في الواقع إلى أن تكون عالميّة، إذ حتى تستطيع أن تعمل كمنبع لقيم إنسانية عامّة، لا بدّ لها أن تنكر طابعها القومي أو المحلّي و الشروط الاجتماعية و التاريخية التي ظهرت فيها. فالثقافات الحيّة هي التي تنظر إلى الإنسان كإنسان، وتخاطبه كمثال و نموذج للإنسانيّة جمعاء، قبل أن تنظر إليه كواقع قومي و محلّي ضيّق.
ومن خصائص لثقافات المتراجعة أنها تبرّر قيمها الخاصة من وجهة نظر قومية و تربطها بخصائصها الحلّية و لاتؤكدها كمنبع لقيم إنسانية عامّة و كونيّة.

و هذه الثقافة الحية أو العالميّة هي الثقافة الحاملة للحضارة و المدنيّة. ونظرتها الإنسانية الشاملة هي التي تسمح لها بالادّعاء و التّحقق كمنبع لقيم تتجاوز التأكيد على الهويّة في وجه الجماعات الأخرى، لتكون مصدر تكوين كل اجتماع بشري. فالحرية الفردية ليست اليوم، ولا تُرى كقيمة أساسية لبناء المجتمع الغربي، بل هي قيمة أساسية في قيام كل مجتمع مدنيّ في العصر الحديث.

و التناقض القائم في كل ثقافة بين واقعها كثمرة و نتيجة لسيرورة اجتماعيّة – تاريخية خاصة، و بين نزوعها لأن تكون ثقافة عالمية صالحة لكل زمان و مكان، هو مصدر الصراع و التفاعل و التبادل أيضاً بين الثقافات.
و الثقافة التي تؤمن بمحلّيتها تنغلق على نفسها، و هذا التبادل لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توفّر لدى الجماعة الثقافية الاعتقاد بأن منظومة قيمها هي الأصلح إنسانياً، و أن على انتشارها يتوقف مصير تقدم البشرية وتطورها.

يُلخص ذلك بقوله:

نستطيع أن نقول بشكل عام إن الثقافات التي لاتتمتع بنظرة إنسانية عالمية، ولا تتصارع مع غيرها، لا تتبادل شيئاً و لا تطمح إلى معرفة الثقافات المحيطة بها.
إنها تعيش خارج التاريخ العام، وتحكم على نفسها بالتقهقر و الموت البطيء.
إن الثقافات الكبرى التي مازالت قائمة حتى اليوم هي تلك التي خرجت من صراعات عنيفة إقليمية و عالمية، و مازالت مستمرّة فيها إلى اليوم.

إن أحد مصادر الفهم الخاطئ للثقافة هو الخلط الدارج بينها و بين الحضارة. و لهذا الخلط عدّة أشكال تبدأ بخلط المعنيين بحيث تصبح الثقافة رديفاً للحضارة، و عندئذٍ تُستخدم للتمييز بين الشعوب البدائيّة التي تفتقر إلى الثقافة بمعنى الكلمة و تلتصق بالطبيعة أو الفطرة و الغريزة. و الشعوب التاريخية التي تشكل الثقافة بعداً أساسياً من حياتها السياسية و المادية و الروحيّة.

و الشكل الثاني لهذا الخلط هو اعتبار الحضارة الترجمة الماديّة للقيم الأساسية الكامنة في كل ثقافة، واستخدامها في هذه الحالة كمؤشّر على صلاحية هذه الثقافة أو أهليّتها.
و في هذه الحالة الأخيرة لاتكون الحضارة إلا امتداداً للثقافة وتجسيداً تاريخياً لها. و الشعوب التي لم تسطع أن تماشي الحضارة الحديثة يجب أن تعترف بعدم صلاحيّة ثقافتها، و ليس لها إذا أرادت أن تستوعب الحضارة التقنية أو العلمية الراهنة الصّادرة عن ثقافة توصف عادةً بأنها عقليّة أو علميّة، إلا أن تترك ثقافتها و تتبنّى قيم و أنماط الثقافة الجديدة.

و الثقافة العالميّة ليس الشرط الوحيد لنشوء الحضارة. فتقدم الثقافات كثيراً مايرتبط هو نفسه بمحصّلة الصراعات التاريخية الاقتصادية و العسكرية. و لكن الحضارة لا يمكن أن تخصب بدون هذه الثقافة العالمية، وقد يكون تقدّم هذه الثقافة و توسّعها ثمرة لهزيمة عسكرية أكثر مما هو ثمناً للنصر. فالثقافة الغربية انتشرت في بلدان العالم الثالث بعد الاستقلال أكثر بكثير مما انتشرت قبله.

يصِل بنا من ذلك إلى قوله:
الحضارة، بعكس الثقافة، ظاهرة عالمية بالضرورة، شرطها الأساسي تجاوز الثقافات و امتزاجها و انفتاحها بعضها على البعض الآخر، وغالباً مايحصل هذا الانفتاح بالقوة و العنف. و هي بعكس الثقافة أيضاً لا تقوم على توازنات روحيّة و عقلية ثابتة، إنما تنطلق بحصول ديناميّة تراكميّة و منتجة تنقل هذه التوازنات القلقة التي تعيش عليها الثقافات إلى توازنات و مؤسسات مادية و موضوعية و إلى نظم متميزة لتحرر الفرد من قبود التماهي الآلي مع الجماعة و تحرر الجماعة من التماهي مع الطبيعة و الخضوع لها. فإذا كانت الثقافة هي الفهم، فالحضارة هي العلم بما هو تنظيم للمعارف أي وضعها و صياغتها في نظام لا يخضع لحدس الفرد العالم ولا لنفاذ بصيرته، و إنما لأسس تسمح لكل متعلم أن يدركه ويستفيد منه.
وفي العلم تجاوز عظيم للمعرفة من الخاص إلى العام، و من الذاتي إلى الموضوعي، و للجماعة القوميّة الضيقة إلى الإنسانية الواسعة وهذا مايسهّل انتثال المعارف عبر الثقافات و انتشار الخبرة و تعميمها على نطاق المعمورة.

إن تاريخ الحضارة مرتبط بتاريخ تطوّر التنظيم الإنساني، تنظيم المعرفة أو تنظيم النشاطات الأخرى، و إن هذا التنظيم بقدر ما يتحول إلى منظومة مستقلّة عن كل الثقافات و متميّزة عنها، أي إلى منظومة علمية و قائمة بذاتها و موضوعية يصبح في متناول كل مجتمع بشري. ولا تقوم الثقافات المختلفة التي تحتضن الحضارة بين فترة و أخرى، إلا بتطوير هذه المنظومة ووضع مساهمتها و تجربتها فيها قبل أن تنتقل إلى منطقة أخرى.

إن العلاقة بين الحضارة العالميّة و الثقافات، تختلف حسب قدرة كل ثقافة على إدماجها في بنية مفاهيمها و قيمها الخاصّة، وحسب البيئة التي تعيش فيها هذه الثقافة. وعن هذا الاختلاف تثدر المدنيات و تتميز داخل نطاق كل حضارة، أي تتحدد درجة تمدّن كل مجتمع و أسلوبه. فقد فجرت الحضارة الصناعية مثلاً البنية العائلية في أوروبا وحلت كل التجمعات الاقطاعية التقليدية، بينما ساهمت في اليابات في تدعيم القيم الجماعية، و أصبح المصنع ذاته إطاراً جديداً لترسيخ علاقات التبعية الشخصية.
ولم يؤثر ذلك سلباً على نموّ النظام الصناعي، بل فتح له آفاق تطور أكبر كما هو معروف، وذلك على عكس ماتردده بعض النظريات الاجتماعية.

و بالمثل، ذكر علماء الاجتماع في بداية هذا القرن و أهمهم (ماكس فيبر)، أن الصناعة لا يمكن أن تتطور إلا في إطار منظومة قيم تركز على الفردية وتشجّع عليها.
بيد أن التطور الصناعي في بلدان الكتلة الشرقية لم يظهر فقط أن من الممكن قيام عملية تصنيعية ناجحة على أساس تعميق القيم الجماعية، بل إن ترسيخ هذه القيم يمكن أن يشكل قاعدة لنمو صناعي أسرع، ويساهم في تجاوز العديد من التناقضات الاجتماعية التي تفرزها العملية التصنيعية، خاصة في مراحلها الأولى.

و بيّنت تجربة البلدان النامية اليوم أن من الممكن نقل وسائل الحضارة و منتجاتها و نظمها الصناعية و العلمية دون الحصول على أي تطور حقيقي و ذاتي، أي دون أن تؤدي إلى نشوء المدنية، بل مع تعميق الاتجاهات نحو التحلّل و الانحلال الاجتماعي و الثقافي.
وهذا يعني أن دراسة الصيرورة الحضارية هنا أو هناك تقتضي دراسة شروط التفاعل بين الحضارة و الثقافة، وهي شروط خاصة بكل جماعة تبعاً لتاريخها و بيئتها السياسية و الاجتماعية و الطبيعية.

و يمكن لهذه الدراسة وحدها أن تُبين لنا مشكلات النهضة و التخلف، أي الصراعات و المشكلات و التناقضات التي يتوجب على المجتمع أن يجد لها حلاً كي يحقق توازنه الذاتي و يستكمل تطوره.
فلا تستطيع جماعة أن تتطّور، أي أن تحظى بدينامية تراكمية إلا إذا نجحت في التوفيق بين السيرورة الحضارية العالمية و سيرورتها الثقافية الخاصّة.

و حول الصراع بين الثقافات يقول:

كل ثقافة ليست مؤهلة ذاتياً وموضوعياً كي تكون ثقافة الحضارة، أي الثقافة التي تستقطب الإبداعات و المكتشفات العقلية و التقنية للبشرية و توطّنها. و الثقافات التي نجحت في حقبة أو كان بإمكانها أن تنجح في الماضي لا تنجح بالضرورة في الحاضر أو المستقبل. ولا تعتمد الفتوح الثقافية على وسائل واحدة أيضاً.

و يتطرّق أخيراً إلى عامل أساسي في تقرير مستقبل الأمم و الشعوب و الجماعات و مصيرها ألا وهو: التنافس الثقافي. ويقول فيه:

و لاتتخلى جماعة عن ثقافتها أو تمايزها الثقافي مهما كانت درجة هذه الثقافة من الضعف, إلا إذا قررت الانتحار الذاتي و الاندماج في غيرها من الجماعات.

 

 

 

اقرأ أيضًا عن الفرق الدقيق بين الثقافة والحضارة كما يراه بيغوفيتش.

بوفوار والعيش في عالم الرجال

دي بوفوار

سيمون دي بوفوار (1908-1986) أديبة فرنسية، مثقفة ساهمت بدورها الريادي في حركة تحرير المرأة. عاشت (دي بوفوار) هاجساً استحكم جل نشاطها الفكري، وهو هاجس حرية المرأة ومن خلال ذلك حرية الكائن الإنساني عموماً. يعد كتابها (الجنس الآخر) -نشر في عام ١٩٤٩- من أهم مؤلفاتها والذي كان -ومازال- المرجع والمُعبّر عمّا كتب عن المسألة النسوية لاسيما أنه من من المحاولات المبكرة لمواجهة التاريخ البشري من وجهة نظر نسوية حاولت فيه فهم الإشكالية المطروحة في كيفية اعتبار المرأة هي “الآخر” من خلال دراسة الأوضاع التاريخية والاجتماعية والنفسية والخضوع الثقافي للمرأة.

تبني (بوفوار) أطروحتها الرئيسية على أن اضطهاد الرجل للمرأة يعتمد بشكل جوهري على رؤيته للمرأة “كالآخر” فلايمكن تعريفها إلا من خلال كونها النقيض له. يحتل الرجل دائماً دور الأنا والفاعل والأصل والمطلق، بينما المرأة هي ليست سوى الآخر والمغيّب والناقص. ولذا تحاول المؤلفة في “الجنس الآخر”أن تجيب عن تساؤلها الرئيسي “كيف تمكن أحد الجنسين فقط من فرض نفسه كجوهر وحيد منكراً وجود كل نسبية تربطه بالجنس الآخر، معرفاً إياه بأنه الآخر الصرف .ومن أين اتى للمرأة هذا الرضوخ ؟!” (١٠)

أوضحت (دي بوفوار) أن المعطيات البيولوجية التي حددت مفهوم الذكر والأنثى بالأعضاء التناسلية ليست مبرراً لاعتبار المرأة هي الجنس الآخر، ولايمكن تقرير مصير المرأة النهائي بناءً على تلك المعطيات ولكن يحدث ذلك لأنهم يخضعون للعرف ولذا لا يتوّلد لدى الشخص الشعور بذاته بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمُعتقدات والعادات، )تقول (بوفوار:

لا يمكننا أن نقارن بين الأنثى والذكر في النوع البشري إلا من الزاوية الإنسانية. ولا يعرف الإنسان إلا بأنه كائن غير مُعْطَى وأنه يصنع نفسه بنفسه ويقرر ما هو عليه. وكما قال (ميرلو بونتي) : ليس الإنسان نوعًا طبيعيًا بل هو فكرة تاريخية، والمرأة ليست واقعًا لازماً بل هي صيرورة، لذلك ينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها، أي ينبغي تحديد إمكانياتها: إن ما يعيب كثير من المناظرات، أنها تريد أن تقصر المرأة على ما كانت عليه أو ما هي عليه الآن…
ليس المجتمع نوعًا من الأنواع، ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود، ويجاوز نفسه نحو العالم والمستقبل، وأخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا، والأشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم، بل يخضعون لطبيعة ثانية هي العرف والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري، ولا يتولد لدى الشخص الشعور بذاته ولا يستكمل نفسه، بصفته جسمًا فقط، وإنما بصفته جسمًا خاضعًا للمعتقدات والقوانين. وهو لا يقيم نفسه إلا باسم بعض القيم، ومرة أخرى نؤكد إن الفزيولوجيا عاجزة عن تأسيس القيم، بل العكس، إن المعطيات الفزيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها. فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها، فإن أفضلية الرجل العضلية مثلا تفقد سلطتها.
هكذا ينبغي لنا أن نفسر المعطيات البيولوجية على ضوء مجموعة العوامل البشرية، والاقتصادية والاجتماعية، والنفسية، إن خضوع المرأة لواجب النوع، وحدود إمكانياتها الفردية هي وقائع بالغة الأهمية. فجسم المرأة هو أحد العناصر الأساسية من وضعها في هذا العالم، إلا أنه لا يكفي وحده لتعريفها، إذ ليس له واقع وجودي إلا عن طريق الشعور، ومن خلال فعلها ضمن المجتمع.
ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا: لماذا تكون المرأة الجنس الآخر؟ علينا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية.”(٢٠)

تتحدث (بوفوار) لاحقاً عن الرجل الذي فرض وجوده كجوهر وحيد وكيف كانت المرأة نتيجة لذلك مغيبة وتائهة ومحدودة الأفق لا لقصورٍ فيها ولكن لأنها لم تُعط فرص مساوية لتلك التي تُعطى للرجل لاكتشاف العالم من حوله. ولذا فمن البديهي أن تكون المرأة حالمة ذات وخيال جامح وعلى اتصال بواقع سحري كوسيلة للهروب من واقع لايستجيب لأي من أفكارها ورغباتها بينما يعيش الرجل في عالم متماسك في واقع يخضع للتفكير  :

إن المرأة تقر بأن العالم في مجموعِه عالم ذكور، فالرجال هم الذين صاغوه وأداروه وهم الذين يحكمونه اليوم. وهي تتلقف نفسها ككيان سلبي أمام هذه الآلة التي لها وجوه البشر والتي تحدد الغايات والقيم، أما نصيب المرأة فتقديم الخضوع والطاعة وإبداء الاحترام…. إنها لاتجهل ماهو العمل الحقيقي القادر على تبديل سطح العالم فحسب بل إنها ضائعة وسط هذا العالم كما لو كانت في قلب السديم.
ولما كانت لاتعمل شيئاً في مملكة الرجال فإن تفكيرها لايتميز عن الحلم ولا تملك الحس بالحقيقة. على كل حال، ليس من شأنها التبصر بالأشياء فقد علموها أن ترضخ لإرادة الذكور. فماعليها إذن إلا أن تزهد في النقد والتفحص وإبداء الأحكام تاركة كل هذه الأمور للطبقة العالية. لذلك يبدو لها عالم الذكور كواقع متسام، كشيء مطلق.
لا تؤمن المرأة بتحريرها لأنها، على الأخص، لم تشعر قط بإمكانيات الحرية. ويبدو لها أن العالم يديره قدر غامض لايمكن مجابهته. ولكن إذا مافتحنا أمامها أبواب المستقبل فلن تتشبث بالماضي…. إننا نحبس المرأة في المطبخ أو في المخدع وبعد ذلك ندهش إذ نرى أفقاً محدوداً، ونقص جناحيها ثم نشكو من أنها لاتعرف التحليق.” (٢١٦-٢١٧)

ولذا طالبت (دي بوفوار) بتحريك أزمة القيم الأنثوية التي تعتبر ممارسات قائمة عملياً ولكنها غائبة على الصعيد النظري حيث أن المرأة هي أيضاً تعرّف القيم التي يقوم الذكر بتحقيقها بصورة فعلية، والحقيقة أن النساء لم يجابهن قيم الرجال بقيم أنثوية كوسيلة لمقاومة الوضع الراهن.

د. علاء جواد، وتطور مفهوم الفرد

علاء جواد كاظم

د. علاء جواد كاظم، هو باحث عراقي معاصر في الأنثروبولوجيا الثقافية. في كتابه (الفرد والمصير) أورد فصلًا يتتبع فيه مفهوم الفرد، وتطور المفهوم على مر العصور.

بدأ بداية بتعريف كلمة الفرد حسب القواميس العربية، معتمدًا على موسوعة (لسان العرب) و(الوافي معجم وسيط اللغة العربية)، فيقول:
لقد ظهر الفرد في اللغة العربية الكلاسيكية بمعنى “الوتر، والجمع أفرادًا وفرادى، والفرد نصف الزوج ولا نظير له. وتأتي كلمة تفرّد بمعنى انعزل وتميز عن غيره” والفرد “هو المتفرد والمتميز عن القطيع أو الجماعة، فنقول أفرد زيد بالأمر تفرد به، وتفرد بالأمر أي كان فيه فردًا لا نظير له”. وشكل الفرد بوصفه اصطلاحًا إنسان أحادي منفرد، ويحوي هذا المفهوم معنى آخر، هو الكلية التي لا يمكن تجزئتها إلى مكوّن أصغر.
ثم يعيد تعريف الفرد اصطلاحًا:
أما الفرد على وفق المنظور الأنثرو-سوسيولوجي ؛ فيُعرف بشكل عام في هذا المجال استنادًا إلى علاقته بالمجتمع والجماعة، أو بوصفه الوحدة المرجعية الأساسية، سواء إليه بالذات أو بالنسبة إلى المجتمع.
ويشرح ذلك قائلًا:
بمعنى آخر، إنه يعيد إنتاج نفسه على مستوى الذات والموضوع والعلاقة مع الآخر المجتمعي، استنادًا إلى قراراته الذاتية، وبالتالي هو يصنع مصيره الخاص وفقًا لتلك القرارات والأفعال والعلاقات التي يمدها مع وحدات المجتمع الأخرى، إنه قادر على بيان مصيره الخاص، وفقًا إلى قدرته المتمايزة على تغير عوالمه الذاتية ومن ثم إعادة تشكيل العالم.
أما تاريخيًا، فقد كان الإنسان مرتبطًا بالجماعة، سواء كانت القبيلة أو الفصيلة أو غيرها:
وتميز الدراسات الأنثروبولوجية حقيقة أن الكائنات الإنسانية تولد وهي تنتمي إلى عوائل محددة، وطوائف وعشائر وجماعات دينية، وإلى المجتمع الأوسع. أما في المجتمعات القبيلية، كانت منزلتهم الاجتماعية تحدد هويتهم بحيث يعرفون أنفسهم ويعرفهم الآخرون بأنهم أبناء فلان وبناته. وأفراد تلك الطائفة المعينة، أو المقيمين في قرية بذاتها، أو أتباع دين بعينه. ونادرًا ما كانوا يرون أنفسهم كأشخاص فريدين لديهم حياتهم الخاصة وأهدافهم الشخصية.
أما عن بداية ظهور مصطلح الفرد فيقول:
من هنا، إن الغرب وبالتحديد أثينا وروما هما بالتحديد أول المدن التي شهدت انبثاق فكرة الفرد أو الشخص، بالرغم من أن منزلتهم الاجتماعية كانت تعني الكثير لهم، وتحدد جزءًا من هويتهم، فقد رأى الأفراد أيضًا أنفسهم كأشخاص فريدين، يتمتعون بجزء من الحياة الخاصة بهم، وما كانوا فيه عرضة لمساءله أحد.
ويعقب قائلًا موضحًا:
لكن هناك مسألة أساسية جدًا يجب ملاحظتها بتروي، تلك هي أن الفرد بوصفه كائنًا بايولوجيًا كان موجودًا على الدوام. أما الفرد بوصفه انكشافًا ذاتيًا، فتلك قضية مرتبطة إلى حد كبير بمسائل ومظاهر الحداثة الاجتماعية التي رافقت الانفتاح الاقتصادي منذ القرن الثامن عشر، وهذا على الأقل رأي (دو توكفيل) الذي دعمه كثيرًا (بيكو بارك) في تحليله أن الحداثة كانت قد أشرت انبثاق تصور جديد عن الشخص، وهو يدعم أهمية فكرة الحداثة ويجعلها الأساس الذي تنبثق عنه فكرة الفرد أو الشخص أو الذات. لقد أشرت الحداثة انبثاق فكرة الفرد، التي دمرت كثيرًا من المؤسسات الاجتماعية التقليدية، وحولت غيرها تحويلًا جذريًا، وحررت الرجال والنساء لاحقًا من الهويات الموروثة أو النسبية، وعرفتهم بأنهم أفرادًا أحرارًا يمتلكون قرارة أنفسهم، ويرغبون في اتخاذ خياراتهم، ويشكلون حياتهم، ويكونون علاقاتهم من الآخرين.
ويقول بعد ذلك عن الفردية أو الفرادة، بمعنى التميز الفردي:
أما الفردية أو الفرادة كفكرة أو كلمة جديدة فهي تشير بالدرجة الأساس إلى ما يميز الأفراد ويفرزهم عن الآخرين. وهي لا تنطوي على الكثير من السمات الطبيعية التي يشترك بها الجميع في الولادة بقدر ما تنطوي على إنجازاتهم العقلية والأخلاقية الفريدة، ونوع الشخص الذي صاغوا به أنفسهم، وفكرة الفردنة لها تأريخها الخاص. […] لقد كتب (لويس دمون) : “إن الفردانية هي القيمة الأساسية للمجتمعات الحديثة”، وكتب أيضًا: “ما إن يطرح على هذا الأساس التعارض بين النزعة الفردانية والفيضية فجأة، كل عودة مزعومة إلى الفيضية على صعيد الأمة الحديثة تظهر بوصفها مشروع كذب وقمع .. الواقع أن الشمولية تعبر بطريقة درامية عن شيء ما نلقاه دومًا ومن جديد في العالم المعاصر، هو أن الفردانية كلية القدرة من جهة، ومسكونة باستمرار، وبصورة نهائية، بضدها من جهة أخرى”.
ثم يذكر رأي (دوركايم) عن الفردية:
يفضل (دوركايم) استعمال مفهوم الأنانية على مفهوم الفردية، على الرغم من أن المفهومين لا يتطابقان، فإنهما مترابطان بقوة الواحد مع الآخر في تحليلاته. ويؤشر (دوركايم) في كتابه (الانتحار) على مجموعة من المعايير التي نلخصها هنا حول بروز ظاهرة الفردية وفق (دوركايم) على الشكل الآتي:
معيار (١) تظهر الفردية متلازمة مع زعزعة المعتقدات التقليدية. لكن تطور الفردية لا يتعلق فقط بالمتغيرات الثقافية.
معيار (٢) إنه نتيجة لدرجة اندماج المجموعات الاجتماعية التي يشكل الفرد جزءًا منها.
معيار (٣) تميل الفردية إلى النمو في المجتمعات الحديثة.
يعود بعد ذلك إلى تأريخ الفكرة وتطورها، فيستشهد بالفيلسوف (إيريك فروم) في مقولته:
إن التاريخ الأوروبي والأمريكي مند نهاية العصور الوسطى هو تاريخ ظهور الفرد الكامل […] ولكن على حين أن الفرد قد نما في وجوه عديدة، فقد نما انفعاليًا وعقليًا وهو يشارك في منجزات ثقافية إلى حد غير مسموع به من قبل
يوضح ذلك، فيقول:
لقد اختفى الفرد في مجتمع العصور الوسطى لأنها كانت -كما يخبرنا (كافيين)- مجتمعات مقسمة إلى طبقات شديدة التنظيم والاستقرار والثبات، مرورًا إلى طبقات تتصف بالانغلاق المطلق على نفسها، وهذا يعني أن الفرد كان عاجزًا تقريبًا عن شق طريقه من طبقة إلى أخرى. ومن ثم كانت نظرة الفرد إلى نفسه في المحل الأول هي أنه عضو في طبقة مغلقة أو مهنة ومن ثم إن هويته الأساسية تتشكل تبعًا على ذلك. […] وبما أن الأفراد يستمدون هويتهم من الجماعات التي يولدون ويموتون بين ظهرانيها، فقد تركزت آمالهم ومطامحهم على الجماعة لا على أنفسهم ويترتب على ذلك أنهم كانوا ينعمون بشعور الانتماء والأمن أكبر بكثير مما يشعر به أفراد العصر الحديث. ويفسر (فروم) هذه الحالة وفق التالي: “إن ما يميز مجتمع القرون الوسطى في تباينه عن المجتمع الحديث هو انعدام الحرية الفردية. فقد كان الفرد في تلك الفترة الباكرة مقيدًا بدوره في النظام الاجتماعي. وكانت لدى المرء فرصة ضئيلة للانتقال اجتماعيًا من طبقة إلى طبقة أخرى، ويكاد لا يكون في مقدوره حتى أن ينتقل جغرافيًا من مدينة إلى أخرى أو من بلد إلى آخر. فكان عليه أن يبقى حيث وُلد مع استثناءات قليلة”.
ينتقل بعد ذلك إلى عصر النهضة، والتطور الكبير في تطبيق مفهوم الفردية، فيقول:
لقد ابتدأنا بمناقشة عصر النهضة لأن هذا العصر هو فعلًا بداية الفرد الحديث الذي تحول في عصر (جان جاك روسو) وتوج الفرد ملكًا على نفسه وعلى العالم. […] إن المسلمات الفردية لعصر الرومانسية من (روسو) إلى منتصف القرن التاسع عشر التي شكلت ذخيرة من الصور والأفكار التي أصبحت منذ ذلك الحين جوهر النزعة والفكرة الفردية، هي بعينها مسلمات (أميرسون) في مقاله ؛ الاعتماد على الذات “إن إيمانك برأيك واعتقادك بأن ما تعتقد به في صميم فؤادك أنه حق هو عند الناس جميعًا، لهو عبقرية بعينها، فلتثق بنفسك فإن الأفئدة لتهتز لهذا الوتر العنيد”.
شهدت هذه المرحلة تطورًا في مفهوم الفرد، ويذيّل فكرته باستشهاد آخر من (كافيين):
بعد هذه المرحلة شهدت مقولة [الفرد] منتصف القرن التاسع عشر تطورًا وانتشارًا سريعًا، “فالعبقري، والبطل والرافض والفنان والمفكر والرائد والمخترع إنما هي من بنات خيال القرن التاسع عشر. إنه القرن الذي أظهر أهمية الخيال والإبداع والشخصية والتعبير عن الذات والأحلام واللاشعور والوعي بالذات في الثقافة الأوروبية والأمريكية”.
هذا التغيير شهد بعد فترة ما تحولًا  سلبيًا لم يكن في الحسبان:
لكن ظهور هذا النوع من الاستقلال الذاتي كان مشوبًا بالكثير من القلق، ورافقته الكثير من الأزمات التي ربما أطاحت به من جديد مع ظهور المجتمعات الصناعية في مراحلها التكنولوجية، ومن ثم نشوب الحرب العالمية الثانية التي شكلت تدهورًا دراميتيكيًا للفكرة الإنسانية برمتها، وبموازاتها تحطمت من جديد الأسس الغضة، حديثة العهد للفردانية. فلقد ظهرت مع تقادم التطور الرأسمالي للعمل وتطور الآلة، انتكاسة أخرى للفرد المختلف والمتمايز. لقد سحق المجتمع الصناعي الفردَ نهائيًا. وأصبح الأمر على النحو التالي ؛ لقد زادت الآلة والتنظيم الصناعي الصارم في المجتمع الرأسمالي من قدرة العامل على إنجاز عمله بدقة وسرعة بدت في تزايد مطرد، لكن المشكلة بحسب عالم الاجتماع الاقتصادي (ثورشتاين فيبلن) تكمن أن عمل الآلة بدأ السيطرة على العمل ويهمن على مقدراته.
يشرح بعد ذلك الأزمة الحاصلة للفرد في ظل الآلة، يقول:
وهذا يعكس الأزمة الجديدة التي يعانيها الفرد في المجتمعات الحديثة القائمة على الصناعة المتقدمة، فالمصنع الحديث وأنماط العمل فيه التي ترتكز على الآلات لا يشجع العمال على التعبير عن مقدرتهم على الخلق، وهو ما كانت تقوم به الآلات والأدوات البسيطة في أنظمة العمل التقليدية، وإنما يتطلب انتباهًا دائمًا وتفكيرًا آليًا ومسايرة لما هو موجود. لقد أصبحت مهمة العامل مسارة الآلة والانقياد المطلق لمتطلباتها ما يؤدي إلى تنميط الحياة الذهنية للعامل في إطار العملية الآلية التي تزداد إحكامًا وثباتًا كلما زاد شمول وكمال العملية الصناعية التي يلعب فيها دورًا.
كل ذلك أنتج شكلًا جديدًا للفرد:
إن هذه التحولات الاجتماعية أنتجت نمط [الإنسان المعذب]. المأزوم الذي نجم بلا شك عن حقيقة جديرة بالفحص والدراسة، وهي أن نجاح الأنظمة الرأسمالية الحديثة كان قد حطم الأمان التقليدي الذي كانت تتمتع به الأسرة والقرية والطائفة الحرفية والكنسية في المجتمع التقليدي.
وكان بعد ذلك التحول الحديث للمفهوم:
لكن بعد التسعينيات سنشهد مجددًا انبثاق صورة أخرى عن الفرد، لا هي صورة الفرد التي تحدث عنها (ليبوفتسكي): المؤطرة بالمتعية الأنانية، والمظهرة للفرد على أنه الأناني المنطوي على نفسه، ولا هي صورة الذات المريدية، التي تستثمر حياتها، ثمت صيغة أخرى فرضت نفسها، أكثر تمزقًا، وقلقًا وانفجارًا وعذابًا. إنها صورة الفرد غير الأكيد من نفسه، الحائر الذي وصفه (آلان اهرنبورغ) قائلًا: “يبدو أن الفرد المتألم قد أخذ مكان الفرد المنتصر”.

جوديث بتلر والوصف الذاتي

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

إذا كانت الهوية التي نقول إنها نحن لا تستطيع الإمساك بنا وظلّت تؤشر مباشرة فائضاً وعتمة يقعان خارج مقولات الهوية، إذن فإن أية محاولة “لتقديم وصف لذاتي” ستكون محكومة بأن تجرب الفشل لكي تقارب الصواب. بينما نحن نطلب معرفة الآخر، أو نطالب الآخر أن يعرّف نفسه على نحو نهائي ومؤكد، فإن من المهم لنا ألا ننتظر جواباً شافياً بأي حال. إننا بامتناعنا عن السعي إلى القناعة وبإبقائنا السؤال مفتوحاً بل حتى ثابتاً، نمنح الآخر فرصة أن يعيش ما دام بالإمكان فهم الحياة بوصفها على وجه الدقة ذلك الذي يتجاوز أي وصف قد نقدمه له. إذا كان السماح للآخر بأن يعيش هو جزء من كل تعريف أخلاقي للاعتراف ، فإن هذا النمط من الاعتراف سيستند إلى إدراك الحدود الأبستمية أكثر منه إلى المعرفة.

يتكون الموقف الأخلاقي كما اقترحت كافاريرو من طرح السؤال ” من أنت ؟ ” والاستمرار في طرحه دون أدنى توقع بالحصول على جواب كامل ونهائي ، لذلك فإذا كان في السؤال رغبة في الاعتراف فعلى هذه الرغبة أن تبقي نفسها حية بوصفها رغبة وألا تحلّ نفسها.

لقد حذرنا لاكان على نحو شائن بالقول ” لا تتخل عن رغبتك ” وهي دعوة غامضة لأنه لا يقول إن رغبتك تستحق الإشباع أو هكذا يجب . إنه يكتفي بالقول إن الرغبة يجب أن تدوم . في الواقع ، يكون الإشباع نفسه أحيانًا الوسيلة التي يتخلى بها المرء عن الرغبة ، الوسيلة التي ينقلب المرء بها ضدها ، ويرتب لموتها السريع.

الهويات والعولمة عند د.علي حرب

6872902b5fcaa7667c3d0934d8e751fd

د. علي حرب هو كاتب ومفكر علماني لبناني، له العديد من المؤلفات منها كتاب (نقد النص) و(هكذا أقرأ: ما بعد التفكيك) ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبة فيالتفكيك.وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليات العقلية التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. في كتابه (حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية) يقول عن الحداثة والهويات في العصر الحديث:

إن الحداثة ليست نفيًا للتراث، بقدر ما هي قراءة حية وعصرية ؛ وكما أن العالمية ليست نفيًا للخصوصيات، بل ممارسة المرء لخصوصيته بصورة خلاقة وخارقة لحدود اللغات والثقافات؛ وكذلك فإن العولمة لا تعني ذوبان الهوية، إلا عند ذوي الثقافات الضعيفة، وأصحاب الدفاعات الفاشلة، ممن يلقون أسلحتهم أمام الحدث، فيما هم يرفعون شعار المقاومة والمحافظة.

أما الفاعل البشري المسؤول والخلاق، المبتكر للإمكانات والمنتج للحقائق، فإنه يفكر في عولمة هويته، لكي يمارس علاقاته بوجوده على سبيل الإبداع والفيض والإزدهار. ولذا فهو لا يخشى ما يقع، بل ينخرط في ورشة الخلق الجارية للمساهمة في إنتاج المعلومة الكونية وإدارتها بصورة تواصلية عالمية أو كوكبية. من غير ذلك يصبح الكلم على أفخاخ العولمة، دفاعًا عن الهوية، فخًا ينصب للهويات العاجزة والكسولة، لكي تزداد عجزًا وفقرًا وتراجعًا.
ولعله لا حاجة إلى التأكيد بإن العولمة، كثورة تقنية أنتجت تآكل الحدود بين الدول وتعميم التبادلات بين البشر على مستوى كوني، قد وُلدت في المجتمعات الغربية ومنها انطلقت وتوسعت. فالغرب، الذي يقود مسيرة البشرية، هو السبّاق إلى خلق الظاهرة في إدارة عملياتها. الأمر الذي قد يولد المزيد من التفاوت في الثروة والمعرفة والقوة، بين المجتمعات الغربية وبقية المجتمعات. ومن السذاجة إنكار ذلك أو إغفاله. ولكن لا يمكن مجابهة ذلك الواقع برفض العولمة ولا بالتصفيق لها، بل بابتكار المعادلات الوجودية والصيغ الحضارية، التي تمكن أصحابها من تشغيل عقولهم وسَوْس هوياتهم وإدارة واقعهم، بصورة يحولون بها مواردهم ومعطيات عصرهم إلى طاقات غنية ومشروعات مثمرة.
 ثم يقول مختتمًا حديثه عن الهويات فيقول:
إن هوياتنا ليست ما نتذكره ونحافظ عليه أو ندافع عنه. إنها بالأحرى ما ننجزه ،نُحسن أداؤه، أي ما نصنعه بأنفسنا وبالعالم، من خلال علاقاتنا ومبادلاتنا مع الغير. مثل هذا المفهوم المنفتح والتحويلي للهوية يتعارض مع مفهوم الهوية الثقافية الذي هو اختراع إناسي أريد لنا من ورائه أن نكون دومًا (الآخر).