أرشيف الوسم: الحضارة

أدوار المثقف المعاصر عند د.علي حرب

6872902b5fcaa7667c3d0934d8e751fd

د. علي حرب هو كاتب ومفكر علماني لبناني، له العديد من المؤلفات منها كتاب (نقد النص) و(هكذا أقرأ: ما بعد التفكيك) ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبة فيالتفكيك.وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليات العقلية التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. في كتابه (حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية) يتكلم عن دور المثقف في العصر الحديث فيقول:

لا شك أن الوسائط الإعلامية، قد بلغت درجة من التطور والتعقيد والتأثير، ما يجعلها تتصدر الواجهة وتطغى على المشهد. وثمة من يقول اليوم بأن السلطة الإعلامية باتت هي السلطة الأولى. بالطبع للحدث الإعلامي مفاعيله ونتائجه، كأي حدث آخر: إنه يصدم المسلمات ويزعزع البداهات المستقرة في العقول. غير أن مجابهة الحدث لا تكون بنفيه، بل بقراءته وتشخيصه. فلا مجال للعودة إلى الوراء، وإنما الممكن والمجدي هو أن نفكر انطلاقًا من الحدث الإعلامي، بإعادة النظر في البداهات التي ينبني بها الوعي، والنماذج التي تصنع المخيال، والمعايير التي تنظم الوجود المجتمعي. إن هذا الحدث يغير علاقتنا بكل شيء، بما في ذلك الإنتاج الثقافي نفسه.

من هنا لم يعد بوسع المثقف أن يمارس وكالته الفكرية عن المجتمع أو وصايته الخُلقية على الناس. فالمثقف هي في عصر الوسائط وسيط بين الناس، يسهم في خلق وسط فكري أو عالم مفهومي أو مناخ تواصلي، أي ما من شأنه أن يزيد المجتمع من إمكانات التواصل والتبادل والتعارف. أما الدور النخبوي التحريري أو التنويري، فقد أنتج التفاوت والاستبداد والاصطفاء والعزلة عن الناس والمجتمع. وبالإجمال لم تعد النماذج الأنسية السائدة منذ عصر التنوير تفي بقراءة ما يحدث. بل هي تستنفد طاقتها وتفقد مصداقياتها، بما فيها هذا النمط الذي يمثله المثقف. فمع استنفاد عالم الحداثة تنتهي أشكال أنسية متوارثة ونماذج ثقافية مسيطرة ومهما تاريخية طوبائية، لكي تنشأ أشكال ونماذج وأدوار جديدة تطوي القديمة وتستوعبها في صيغ جديدة للعمل التاريخي وللفعل الثقافي.

بكلمة مختصرة: ما أراه ممكنًا الآن هو العمل على ابتكار إنسانية جديدة تتيح لنا أن نوازن بين الثقافة والحضارة، بين القيمة والأداة، بين الفكر والوسائط، بين المعنى والسلعة، بين الإنسان والطبيعة

سر فقر الدول الفقيرة عند تيم هارفورد

philosophy

تيم هارفورد إقتصاد و صحفى إنجليزى مؤلف كتاب (المخبر الإقتصادى) الذى بيعت منه ملايين النسخ و حقق نجاحاً كبيرًا، و فى هذا الجزء يتحدث عن سر فقر الدول الفقيرة و قد اتخذ دولة الكاميرون كمثال و يقول  :

لماذا لا نرى الشعب الكاميرونى يحاول أن يفعل شيئاً حيال ذلك ؟ ألا تستطيع المناطق الكاميرونية تحسين مدارسها ؟ ألا تزيد المنافع عن التكاليف ؟ ألا يقدر رجال الأعمال الكاميرونيين على بناء المصانع و إستيراد التكنولوجيا و البحث عن شركاء أجانب .. و جنى الثورة من كل هذا ؟!
من الواضح أن الإجابة لا . أوضح مانكور أولسون أن حكم اللصوص يعوق النمو فى الدول الفقيرة . فإذا كان الرئيس لصاً ، فقد لا يسبب الهلاك بالضرورة لشعبه ، بل إنه قد يفضل دفع عجلة الإقتصاد حتى يحصل على نصيب كبير من كعكة أكبر . و لكن بوجه عام فإن أعمال السلب و النهب سوف تنتشر ، إما لأن الدكتاتور غير متأكد من طول الفترة التى سيظل فيها فى الحكم ، أو لأنه يبغى السماح لأتباعه بالسرقة لكى ينعم بتأييدهم المستمر .
و تحت سفع هرم الثروة ، تفشل التنمية لأن قواعد المجتمع و قوانينه لا تشجع المشروعات أو الأعمال التجارية التى ستكون للصالح العام . فإن أرباب العمل لن يمارسوا أعمالهم التجارية بشكل رسمى – لصعوبة ذلك – و بالتالى لا يدفعون الضرائب ، و مسئولو الحكومة يطلبون تنفيذ مشروعات لا معنى لها ، إما بهدف الوجاهة أو بهدف إثراء أنفسهم ، و تلاميذ المدارس لا يمانعون من الحصول على مؤهلات غير مفيدة .
وليس من الجديد أن نسمع عن الدور المهم عن الفساد و الدوافع الغير مناسبة ، و لكن ربما من الجديد أن نكتشف أن مشكلة الأنظمة و القوانين الملتوية لا تشرح فقط بعضاً من السبب وراء الهوة بين الكاميرون و الدول الغنية ، و إنما تشرح السبب بأكمله .
فالدول أمثال الكاميرون تجد حالتها أقل بكثير من إمكانياتها و طاقاتها ،  حتى لو أخذنا فى الإعتبار بنيتها التحتية الضعيفة أو إستثماراتها الضئيلة أو حدها الأدنى من التعليم . و لكن الأسوأ من هذا أن شبكة الفساد تحيط بكل جهد لتطوير تلك البنية و جذب الإستثمار و الإرتقاء بمستوى التعليم .

و حول تحديد حقيقة ما ينقص الكاميرون  خاصة – و الدول الفقيرة عامة – لتحقيق التقدم يقول :

لم نصل بعد إلى رأى مناسب يمكنه تحديد ما ينقص الكاميرون أو ماينقص فى الحقيقة الدول الفقيرة فى العالم . ولكن بدأت تلوح لنا فكرة عنه ، إذ يسميه البعض ” رأس المال الإجتماعى ” و أحياناً ” الثقة ” و يسميه آخرون ” حكم القانون ” أو ” الأعراف ” . و لكن ليست كلها إلا مجرد مسميات . فما يزيد مشكلة الكاميرون تعقيداً هو أن حالها مقلوب رأساً على عقب – مثلها فى ذلك العديد من الدول الفقيرة – حيث أن معظم مواطنيها يحبون القيام بالأعمال التى تسبب الضرر للآخرين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر .
لقد أصيبت الحكومة بإنهيار المعايير ثم أصيب بها المجتمع بأسره .
و الآن ها قد بدأنا نفهم قدر أهمية المشكلة ، و يمكننا البدء فى دفع الأمور نحو الأفضل . و لكن مقاومة الحلول متأصلة فى طبيعة المشكلة ، و لهذا فإن معالجتها عملية شاقة بطيئة . لا يستسيغ عقلنا فكرة فرض الديمقراطية بالقوة ، و حتى إذا فعلنا ذلك ، فستتولد أنظمة لن تٌكتب لها الإستمرارية .
بالتأكيد لا يمكن حل هذه المشاكل بين عشية و ضحاها ، ولكن بعض الإصلاحات البسيطة – التى يصاحبها قدر يسير من الإرادة من رجال السياسة – يمكنها تحويل الدول الفقيرة مثل الكاميرون للسير فى الإتجاه الصحيح .

كيف نبني مجتمعًا أفضل ؟ مالك بن نبي يجيب

1_1028263_1_34

مالك بن نبي – المفكر والكاتب الجزائري وأحد رواد حركة النهضة الفكرية في مطلع القرن العشرين- يتحدث في كتابه “تأملات” عن بناء المجمعات، وفي معرض حديثه يقول

هناك لَبْس أدى للأسف، في التاريخ القريب -أي في الأربعين أو الخمسين سنة التي مضت- أدت بنا إلى غلطات ارتكبناها لأننا لم ندقق في مصطلحات الاجتماع، ففهمنا أن المجتمع إنما هو عبارة عن عدد من الأفراد، يعيشون كما يشاؤون مهما كانت الصلات بينهم، وليس هذا هو المجتمع. هذا يمكن أن نسميه بقايا مجتمعات أو بداية مجتمعات قبل أن تقوم وظيفته التاريخية. أما المجتمع الذي يقوم بوظيفته التاريخية، المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد ويحقق راحة الفرد، فإنه لابد أن نفهم معناه معنىً دقيقًا. فهو ليس عدد من الإفراد، هو بنيان وليس تكديسًا للأشخاص، بنيان بمقدسات متفق عليها. فقبل أن تتجمع الأفراد تكون هناك فكرة عامة هي التي تؤلف بين أفراد المجتمع. فإذا فقدت هذه الفكرة فُقدت الصِلات بين الأفراد، وتفكك المجتمع وضاعت المصلحة التي كانت تتمثل فيه [..] إن المجتمع وظيفته حفظ كيان الفرد، وتحقيق أهداف الجماعة، فالقضية ليست قضية حفظ النوع، لأن التناسل قد وفرته الحياة الطبيعية، فالإنسان يعيش لأهداف أخرى، والمجتمع الإنساني يقرر فكرته في مستوى آخر، ليس مستوى البقاء، ولكن مستوى تطور النوع ورُقِيّه، هذه هي حقيقة المجتمع التي ينبني عليها كيانه.

[..]

إن الغاية من كل ذلك تحقيق سعادة الإنسان. فالفرد إذ يتصل بالمجتمع فإنما ليحقق سعادته، وما أتت الأديان والفلسفات إلا لتحقق السعادة، وما خططت السياسات إلا لهذا الغرض بالأساس. [..] فالإنسان الذي لا يكون مجتمعه مجتمع حضارة، معرض للحرمان من الضمانات الاجتماعية. فأنا حينما أحاول تحديد مجتمع أفضل فكأنني أحاول تحديد أسلوب حضارة. إذ أنني حينما أحقق الحضارة، أحقق جميع شروط الحياة، والأسباب التي تأتي بمتوسط الدخل المرتفع، بمعنى أنني أحقق الخريطة الاقتصادية، ونتائجها الاجتماعية والثقافية أيضًا. [..] وهذا يقتضي أن نفكر في المجتمع تفكير بناء وليس تفكير تكديس، لأن التكديس في المجتمع ظاهرة مضرة، وهي تظهر حتى في مجال الفكر بعد ذلك.

[..]

إن علينا أن نكوِّن حضارة، أي أن نبني لا أن نكدس، فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس. إن علينا أن ندرك أن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بالحضارة، والاستحالة هنا اقتصادية واجتماعية. فالقضية إذًا ليست قضية فقر، وإنما هي أمر يتعلق بأساس مشكلاتنا. فعلينا أن نفكر في جذور المشكلات، وندرك أن القضية هي قضية حضارة. وما الفقر والغنى، ولا الجهل والمرض إلا أعرض لتلك المشكلة الأساسية .. فالحضارة هي التي تكوّن منتجاتها وليست المنتجات هي التي تحدد الحضارة. [..] أقول في النهاية : الحضارة = إنسان + أرض + وقت. [..] فأنا إذًا حينما أحاول التخطيط لحضارة فليس علي أن أفكر في منتجاتها، وإنما في أشياء ثلاثة ؛ في الإنسان والأرض والوقت. فحينما أحل هذه المشاكل حلًا علميًا، بأن أبني الإنسان بناءً متكاملًا، وأعتني بالتراب والزمن فإنني حينئذ كونت المجتمع الأفضل، كونت الحضارة التي هي الإطار الذي تتم فيه السعادة للفرد.

لمزيد من الإيضاح حول فكرة الإنسان والأرض والوقت، ننصح بقراءة كتاب “شروط النهضة [تحميل]” لمالك بن نبي

هل يمكن للأوهام أن تبني الحضارات ؟ الإجابة لدى غوستاف لوبون

غوستاف لوبون، عالم نفس واجتماع فرنسي كان متعصباً للعنصرية ومشهور بنزعاته المضادة للديموقراطية. وقد كتب العديد من الأعمال المشهورة في علم النفس الاجتماعي مثل “الحشد: دراسة العقل الجمعي” والمترجم إلى العربية في “سيكولوجية الجماهير” إضافة إلى العديد من الأعمال في الحضارة مثل “حضارة العرب” وغيرها. في كتابه “السنن النفسية لتطور الأمم” يبحث غوستاف لوبون شروط الحضارة من زاوية الفرد ومدى تأثير العوامل المختلفة مثل التراث أو النظم السياسية أو الأخلاقيات على تطورها.

ففي حديثه عن المبادئ وعلاقتها بالحضارة يقول

إذا ثبت أن المبادئ لا تكون مؤثرة إلا بعد هبوطها من دوائر الشعور إلى دوائر اللاشعور، أدركنا السبب في أنها لا تتحول إلا ببطء كبير، وفي أن المبادئ الموجِّهة للحضارة قليلة العدد إلى الغاية، وفي أنها تتطور في زمن طويل. ولنا أن نهنِّئ أنفسنا بأن الأمر كذلك، وإلا لم تستطع الحضارات أن تكون ذات ثبات.

وليست كثرة المبادئ وجدتها هما اللتان تقفان النظر عند البحث في تطور الأمم، بل الذي يقف النظر هو قلة تلك المبادئ المتناهية وبطء تحولاتها والسلطان الذي تزاوله. وتنشأ الحضارات عن بعض المبادئ الأساسية، وإذا ما أقبلت هذه المبادئ على التحول غدت الحضارات مقضيًا عليها بالتحول.

إذًا، ترى أن الذي يقود العالم هو المبادئ، ومن ثم أولئك الذين يتقمصونها ونشرونها. والنصر يُكتب لتلك المبادئ عندما تجد من المهووسين والمؤمنين من يُصغون إليها، ولا كبيرَ أهمية في أن تكون تلك المبادئ صحيحة أو فاسدة، فالتاريخ قد أثبت لنا أن أشد المبادئ وهمًا هي التي فتنت الناس أحسن من سواها، على الدوام، فمثّلت أهم الأدوار. وباسم أكثر الأوهام خدعًا قُلب العالم وانهارت حتى الآن حضارات كان يلوح خلودها وقامت حضارات أخرى. وليس ملكوت السماوات كما قال به الإنجيل هو الذي أُعِد لضعفاء العقل، بل ملكوت الأرض هو الذي أُعِد لهم على أن يكون عندهم من الإيمان الأعمى ما يقدرون به على رفع الجبال. وعلى الفلاسفة الذين خصصوا قرونًا لهدم ما شاده المؤمنون في يوم واحد أن يركعوا أحيانًا أمام هؤلاء المؤمنين. ومن المؤمنين يتزلف قسم من القوى الخفية التي تهيمن على العالم. والمؤمنون هو الذين أوجبوا ظهور أهم الحوادث التي يسجل التاريخ مجراها.

أجل، إن المؤمنين لم ينشروا غير الأوهام لا ريب، بيد أن البشرية عاشت حتى الآن، وستعيش على الراجح، بتلك الأوهام المرهوبة المغرية الباطلة. وليست تلك الأوهام سوى ظلال، ويجب احترامها مع ذلك. فبفضلها عرف آباؤنا الأمل، وهم بما كان من عدوهم الجريء الأهوج خلف تلك الظلال، قد أخرجونا من الهمجية الأولى وقادونا إلى ما نحن عليه اليوم. ومن المحتمل أن كانت الأوهام أقوى جميع العوامل في نشوء الحضارات، فالوهم هو الذي أوجب شيد الأهرام، وهو الذي أدّى إلى ستر مصر بتماثيل حجرية ضخمة مدة خمسين قرنًا. وبفعل الوهم شِيدَت كنائسنا الكبرى في القرون الوسطى، وبفعل الوهم انقض الغرب على الشرق للاستيلاء على أحد القبور، وأسفر اتباع طائفة من الأوهام عن تأسيس أديان الغواية، لا الحقيقة، بذلت البشرية معظم جهودها. وما كان للبشرية أن تبلغ الأهداف الوهمية التي تسعى إليها، ولكنها وهي تجِدّ في أثرها حققت كل رقي لم تكن لتطلبه.