أرشيف الوسم: الحقيقة

تساؤل فريدريش نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي

فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844-1900) فيلسوف وشاعر ألماني. كان لعمله تأثير عميق على الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. وكان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزًا. كتب نصوصًا وكتبًا نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضًا، بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعًا وتداولًا بين القراء، وللاستزادة في مقالات نيتشه، هنا (التحولات الثلاث للعقل)، (عن القراءة والكتابة في ديوان نيتشه).

أما في كتابه (ما وراء الخير والشر) يتساءل عن حقائق البحث العلمي والفلسفي، فنشارككم بعضًا من أقواله:

هل كل ما خرج به الفلاسفة والعلماء من حقائق، هي حقيقة بحد ذاتها؟

نظرًا لأنني تأملت الفلاسفة على مهلٍ، قرأت بين سطورهم وراقبت طريقة تعبيرهم عن أفكارهم، قلت لنفسي يجب أن يعدّ التفكير الواعي من ضمن الأنشطة الفكرية، والتفكير الفلسفي أيضًا؛ إن التفكير الواعي لفيلسوف ما، يوجّه في معظمه بشكل خفي من قبل ميولاته الفطرية ويصب بالضرورة في مذاهب محددة. وراء كل المنطق والسيادة الظاهرة في خطوات تفكيره، نعثر على تقييمات ما، أو بشكل أوضح، على مطالب فيسيولوجية تفرضها ضرورة الحفاظ على نمط حياة معيّن.

ويظن (نيتشه) أن الإنسان مفطور على الميل إلى الأحكام الخاطئة والأوهام بقوله:

وأن الإنسان لا يمكن أن يحيا دون أن يقرّ بالأوهام المنطقية، دون أن يقيس الواقع بالعالم اللامشروط والمماثل، الخيالي تمامًا، دون أن يزيف العالم باستمرار، إلى درجة الاستغناء عن الأحكام الخاطئة سيعني استغناء عن الحياة، نفيًا للحياة.

ويرى من هذا المنطلق أن الفلسفة التي تؤكد هذا الميل وتشجعه؛ “تضع نفسها مسبقًا وانطلاقًا من هذا، فيما وراء الخير والشر“. وباعتبار أن أية فلسفة يسعى ورائها هدف خفي، يقول:

لقد اكتشفت شيئًا فشيئًا أن كل فلسفة عظيمة حتى الآن، كانت اعترافًا ذاتيًا لصاحبها ونوعًا من مذكراته، من حيث لا يدري أو ينتبه. مثلما تحققت من أن النوايا الأخلاقية أو اللاأخلاقية شكّلت في كل فلسفة البذرة الحقيقية التي تولد منها النبتة كلها. من هنا، اذا اردنا أن نفسر كيف ولدت في الواقع كل التأكيدات الميتافيزيقية الأكثر تعاليًا لدى هذا الفيلسوف أو ذاك، فمن الحكمة أن نتساءل أولاً: أية أخلاق يريد هو؟

ولكن مالذي يحاول (نيتشه) أن يشجعه؟ حين يكفّ الإنسان عن اللهث وراء الحقائق ومحاولة إسقاط تصنيفات محددة على تصرفات البشر أو إيجاد تفسيرات واضحة لكل ما يدور في الحياة؟ حسنًا، يبدو أن الحل الوحيد هو الاستقلالية، على الرغم من المخاطرات وما ستدفعه ثمنًا لها، فيقول:

الاستقلالية أمر متعلق بأصغر فئة من الناس، إنها امتياز الأقوياء، ومن يحاول ذلك حتى وان كان على حق دون أن يجبر عليه، سيبرهن ليس فقط على انه قوي، بل يمتلك مع كل احتمال جرأة فائضة. يدخل إلى متاهة ما، يضاعف آلاف المرات الأخطار الملازمة مسبقًا لحياته، وأدناها أن لا احد يرى بأم عينه لا أين ولا كيف يتيه وينعزل ويهب نفسه للتمزق إربا إربا. عندما يهلك إنسان مماثل -يقصد المستقل- فإن ذلك سيتم بعيدًا عن فهم الناس بحيث لا يشعرون به ولا يتأثرون لحاله. فهو لا يستطيع أبدًا أن يعود إلى الوراء كما لا يستطيع أبدا أن يعود إلى رحمة الناس.

أخيرًا، ما هو دافعنا الحقيقي للبحث عن الحقيقة، إذا كان دافعنا خيرًا فيراهننا (نيتشه) أن لا حقيقة وراء هذا الدافع بقوله:

أيتها الإنسانية، أيتها الحماقة! إن الحقيقة والبحث عن الحقيقة، ليسا شيئين متلائمين، وعندما ينكبّ الإنسان عليهما بإنسانية مفرطة، عندما لا يبحث عن الحقيقة إلا من أجل فعل الخير، أراهن على أنه لن يعثر على شيء. 

حقيقة الفرق بين الإنسان والببغاء لدى دوستويفسكي

(فيدور مخائيلوفيتش دوستويفسكي) [١٨٢١-١٨٨١] هو كاتب وروائي روسي، ويُعد من أفضل كتّاب الأدب الروسي ومن أفضل الروائيين العالميين. قدم للعالم أجمل الروايات، كـ (الجريمة والعقاب) بجزئيها واقتبسنا هنا بعضًا منها، و(الأبله) و(الأخوة كارامازوف).

اشتهرت رواياته بغوصها في أعماق النفس البشرية وخفاياها وتُعد أعماله مصدرًا للإلهام في الأدب المعاصر. وفيما يخص التجربة والخطأ يتحدث على لسان “رازموخين” أحد شخصيات رواية: (الجريمة والعقاب) “بجزئها الأول” فيقول:

إن الخطأ هو الميزة الوحيدة التي يمتاز بها الكائن الإنساني على سائر الكائنات الحية.
من يخطئ يصل إلى الحقيقة. أنا إنسان لأنني أخطئ.
ما وصل امرؤ إلى حقيقة واحدة إلا بعد أن أخطأ أربع عشرة مرة وربما مائة وأربع عشرة مرة! وهذا في ذاته ليس فيه ما يعيب.
لك أن تقول آراء جنونية، ولكن لتكن هذه الآراء آراءك أنت، لأن يخطئ المرء بطريقته الشخصية، فذلك يكاد يكون خيرًا من ترديد حقيقة لقّنه إياها غيره.
أنت في الحالة الأولى إنسان، أما في الحالة الثانية فأنت ببغاء لا أكثر.

ويكمل متعجبًا:

الحقيقة لا تطير، أما الحياة فيمكن خنقها.
إلى أين وصلنا من هذا الآن؟
نحن جميعًا، بغير استثناء، سواء في ميدان العلم، أو الثقافة، أو الفكر، أو العبقرية الخالقة، أو المثل الأعلى، أو الرغبات، أو الليبرالية، أو العقل، أو التجربة، نحن في كل شيء، في كل شيء، في كل شيء، نعم في كل شيء، ما زلنا في الصفوف الإعدادية لدخول مدرسة الثانوية!
نحب أن نكرر ونمضغ آراء الآخرين، وتعودنا على ذلك! أليس هذا صحيحًا؟
أليس الأمر كما أقول؟
أليست هذه هي الحقيقة؟

فيدور دوستويفسكي – الجريمة والعقاب


المصدر: