أرشيف الوسم: الحياة

عن اللحظات المؤثرة في تشكيل الإنسان عند زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود ( 1905-1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، من مؤلفاته (المنطق الوضعي) في جزأين، و(موقف من الميتافيزيقا) و(تجديد الفكر العربي).

كما تعد أحد أبرز مؤلفاته هي (قصة نفس)، والتي تمثل سيرة ذاتية سيكلوجية له. ضمن الكتاب الأخير، كتب (زكي نجيب محمود):

ليست لحظات الزمن في حياة الإنسان سواسية كلها من حيث قوتها في توجيه الأحداث، وأثرها في تكوين الشخصية وتشكيلها، فمنها ما قد يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ختامها، ولا عجب أن تجيء حيوات الأفراد متفاوتة الوزن والقيمة، متباينة الخصوبة والثمر. فمنها ما تتابع فيه اللحظات على وتيرة واحدة، حتى لكأنها في نهاية الأمر لحظة واحدة مكررة معادة، فضلا عما تتصف به هذه اللحظة الواحدة من خواء؛ ولذلك فهي حياة تمضي وكأنها لم تكن شيئا. ولكن منها كذلك حياة تجيء لحظاتها ثقالا بأحمالها، فتمضي تاركة وراءها أثرا يبقى على وجه الدهر أمدا طويلا، وبأمثال هذه اللحظات الحبالى تُصنع الحضارات وتُبنى.

يقول بعدها:

إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط مستقيم بادئا في حافة الإطار إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية في أي موضع منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدًا آنا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، وكذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فهناك كذلك يتجه الانتبهاه إلى لحظات أمهات كانت حاسمة في توجيه صاحب تلك الحياة.

ثم تساءل بعدها عن معايير هذه اللحظات المحورية في تشكيل الإنسان، وإذا ما كانت لحظة الميلاد أحداها، فيجيب:

إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد إلى لحظته الراهنة! نعم إنها وسيلة نافعة لغيري من الناس أن يعدّوني فردًا واحدًا متصل الحياة، بدأ في اللحظة الفلانية ولبث ينتقل هنا وهناك حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن. أقول إنها وسيلة نافعة للناس لكي يسهل عليهمو عدّ الأفراد عند الإحصاء، ولكن ما لي أنا وما ينفع الناس عند العدّ والحساب؟ المرجع عندي هو خبرتي كما أحياها واعيًا بها، وليس ذلك الطفل الذي يروون لي عن زمان مولده ومكانه وجزءًا من تلك الخبرة الحية الواعية.

عن الصدق الذاتي والأحلام، لدى (بهاء طاهر)

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي حكى فيها عن زواجه بـ(ستيفكا)، وأحلامه.

الصدق هو ما يميّز الحب!

كم من قصص حب لا تستمر، لأن أحد الأطراف يخفي الحقيقة عن الطرف الآخر. 

هل كنت صادقًا مع (ستيفكا)؟

لماذا استمرت قصة حبنا متأججة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وإن مرّت -ككل قصص الحب- ببعض المطبّات، إن لم أكن صادقًا!

لكن هل حدثتها حقيقة عن نفسي .. عن آلامي .. ذكرياتي .. هواجسي .. مخاوفي؟ 

هل حدثتها عن أحلامي؟

كم من الأحلام تنازلت عنها من أجل ظروف الحياة؟

يقول (نجيب محفوظ): “الأشد وجعًا من الألم أن تتنازل عن أحلامك من أجل ظروف الحياة”.

لماذا أقول لنفسي إذًا: “ليس من المهم أن يحقق الإنسان أحلامه، بل يصرّ على أن يسعى لتحقيق أحلامه، النجاح هنا ليس بالنتيجة وإنما بالسعي إلى تحقيق الأحلام”.

هل حقًا كنت صادقًا بهذا القدر مع نفسي؟

في وقت من الأوقات كانت أحلامي وطموحاتي أكبر من قدرتي، لكني لم أكف عن الحلم.

الحلم هو شمس الحياة .. والتخلي عن الأحلام هو نوع من الانتحار!

أو لست نادمًا على أي شيء في حياتي!

أي وهم!

زمان، أكثر ما كان يعبّر عن أحلام جيلنا -التي لم تتحقق في معظمها- كلمات (صلاح جاهين) وصوت (عبدالحليم حافظ).

كانا يعبّران عن حجم السماحة التي نشأ عليها جيلنا.

(ستيفكا) تقول لي:

– أنت متسامح بشكل مستفز، (بهاء)!

فآقول لها:

– أنا سمح، لست متسامحًا، وأنا أرى السماحة في الحياة ومع البشر أمرٌ مهم جدًا، السماحة يا (ستيفكا) أفضل وأرق من التسامح. 

فتقول:

– لكني لم أرك تتعامل بشيء غير هذه السماحة سواء مع من يحبونك أم مع من لا يحبونك!

فأدكر لها قول (المتنبي):

– “من نكد الدنيا على الحرّ أن يرى عدوًا له ما من صداقته بدّ”. 

فن الحماس الودي؛ غوته والرأي الوحيد الأجدر بالتعبير عن حياة و عمل الآخرين

 

كتب (برتراند راسل) في (تأمل الطبيعة البشرية):

البناء والتدمير يلبيان الرغبة في السلطة على حد سواء، لكن كقاعده عامة يعد البناء أكثرصعوبة وبالتالي فإنه يعطي شعوراً اكثر بالرضا للشخص الذي يمكنه تحقيقه.

بعد جيل ، أعاد تكرار هذا الرأي (دبليو.إتشأودنفي (الإصرار):

ذلك ان الانتقاد الجدير بالاهتمام هو الاحتفالكقناعة حملتها وتمسكت بها بنفسي في حياتي لفتره طويله.

قبل (اودن) و(راسل) خلال بفتره طويله سابقه، عبّر مفكر عملاق في اللغه آخر بوضوح عن هذه الاخلاقيات بدقه لامثيل لهايوهان فولفغانغ فون غوته (١٧٤٩ ١٨٢٤قدم طباقاً موسيقياً جميلاً للاندفاع نحو النقد محاطاً بالسخريه التي كانت منتشرة لقرون منذ ذلك الوقت

لقد اقتنعت بشكلٍ كبير انه كلما اضطر شخص للتعبير عن رأيه بكتابات او تصرفات الآخرين، اذا لم يكن بدافع الحماسه من جانب واحد، او لمصلحة المحبة للشخص او العمل، من الصعوبه بمكان ابداء النتيجة، إن التعاطف والتمتع بمانراه حقيقة هو الواقع الوحيد، ومن واقع كهذا، الحقيقه هي ما تظهر كنتاج طبيعي و ماعداه يُعَد غروراً.

ان حفظ ونقل الموقف الاصلي خلال القرون والثقافات هو تحدٍ ليس بالهيّن، تجاوز حدود الوقت و الترجمة، شاعت كلمات (غوته) من خلال (جون بوروز) ١٨٩٦، (ويتماندراسة)، بالاصل في عام ١٨٨٧  في مجلة ماكميلان، ادعت المجلة ان (غوته) كان في سن الشيخوخه في وقت عرضه لهذه الحقيقة المركزية للعمل الإبداعي، لكن هذا غير صحيح. لقد تمكنت من تتبع أصل كلماته إلى اختلاف، من المحتمل أن يكون بسبب الترجمة، مكتوب في مقتبسه، مشيرًا إلى أن هذا الإيمان بالتعاطف والاحتفال باعتباره التعليق الحقيقي الوحيد على الفن والحياة كان روحًا مفعمة بالحيوية منذ فترة طويلة للشاعر المطّلع. في رسالة الى (فردريك شيلر) من ربيع ١٧٩٦، ترجمها (جوروج اتش كالفرت) ونُشِرتْ عام ١٨٤٥. كتب (غوته) البالغ من العمر ٤٦:

في التعامل مع الكتابات على أنها أفعال، ما لم يتكلم المرء بعاطفة محبة، بحماس جزئي معين، تكون النتيجة معيبة إلى حد كبير بحيث لا يكون لها قيمة تذكرالمتعة، البهجة، التعاطف في الأشياء، هي كل ما هو حقيقي، وهذا يعيد إنتاج الواقعفيما عدا ذلك، كل شيء فارغ وعبث.

الاستكمال مع (ريبيكا سولنيت) في فن الانتقاد المضاد الصعب، واعادة النظر (غوته) في ذهن المبتدئين، اليأس بشجاعة، ونظريته في علم نفس اللون والعاطفة.


[المصدر]

روسو: أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر!

جان جاك روسو (1712-1778) هو كاتب وأديب وفيلسوف من سويسرا، يعد من أهم كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب، وألهمت أجيالًا من الإصلاحيين لإحداث تغييرات في النظم السياسية لبلدانهم. 

في كتابه (عقيدة قس جبال السافوا) أو (دين الفطرة)، تحدث بصيغة خطاب “يلقيه قس من جبال السافوا على مسامع شاب فقد الإيمان وكاد يتحول إلى صعلوك زنديق بسبب المآسي التي عاشها“.

عرض (روسو) في كتابه “ثنائية الخير والشر”، وكيف أن من طبيعة الإنسان أن يكون في حالة تذبذب بين عنصرين مختلفين “الخير والشر“، فهو إما مقيدٌ بأغلال الشهوات، أو حرٌ طليق بانجذابه لصوت الضمير:

أتأمل طبيعة الإنسان أنه ينطوي على عنصرين مختلفين. أحدهما يجذبه نحو الحقائق الأزلية، يدعوه إلى حب العدل والفضيلة، إلى اقتحام العالم العلوي الذي يبهج قلب الحكيم، والثاني يربطه بذاته السفلى، يجعله أسير حواسّه، مطاوعًا لأدواتها، أي الشهوات، معاكسًا بذلك كل مايلهمه العنصر الأول.
كنت أقول في نفسي وأنا أشعر بتجاذب وتصارع هاتين الحركتين المتعاكستين: لا وحدة في الإنسان، أريد ولا أريد، أشعر في آن أني حرّ وأني مقيّد، أرى الخير، أحبّه ثم أفعل الشرّ، متحمس نشيط عندما أنصت للعقل، متخاذل ضعيف عندما انصاع للشهوة. وما يحزّ في قلبي عند الانزلاق هو أني أعلم أني كنت قادرًا على الصمود.

يذكر (روسو) الحكمة الإلهية في أن يكون للإنسان حرية الإختيار بين طريق الشر أو الخير بكامل إرادته:

من يتذمر من أن الرب لايثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفًا وتكريمًا، إذ بها ندبه إلى التحلّي بالفضيلة. وضعنا فوق هذه الأرض أحرارًا لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها.
ولأن منع الشر لايتم إلا بنفي حرية الشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختارًا.

وعن أصل الشر يقول (روسو):

أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا ما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتمًا عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة، بل جرّه الإنسان على نفسه.
من يدّعي أنه ارتكب الجريمة مُكرهًا كذاب بقدر ماهو شرير. هلا رأى أن الضعف الذي يشكو منه متأصل فيه، أن مبدأ السوء من الجسد الفاني الذي هو مصدرها.

يتساءل (روسو) بعد ذلك” كيف تتوقف نفوسنا عن مواصلة الشر؟ ويجيب:

حيثما تتوقف حاجاتنا الزائلة، حيثما تختفي تطلعاتنا السخيفة، تضمحلّ فينا الشهوات، وتنعدم الجرائم.
النفوس الزكية هل يحتمل أن يلحقها انحراف من أي نوع كان؟ لا ينقصها شيء، فلماذا ترتكب الشر ؟ بعد أن تُجرد النفس من الحواس الخسيسة، وتعود سعادتها تتلخص في تأمل الكائنات، لم تعد تتطلع إلا للخير.
حتى أحقق الغاية من إيجادي على الأرض تماشيًا مع مشيئة من أسكنني فيها. أستشير قلبي في كل نازلة: ما استشعرته خيرًا فهو خير و مابدا لي شرًا فهو شر. أصدق دليلٍ  هو الضمير. الضمير هو صوت الروح والشهوة صوت الجسد. أي عجب أن يتعارض الاثنان؟ إلى أيهما يجب أن نصغي؟ كثيرًا ما يخدعنا العقل، فوجب الاحتراز منه، أما الضمير فلا يخدع أبدًا. هو الدليل الأمين. مقامه من النفس مقام الغريزة من الجسد. من يستنير به يطيع الطبيعة، ولا يخاف أبدًا أن يتيه.

الخير غريزة فطرية في ذات الإنسان، تغريه ولا شيء يحجب ضميره عنها، غير أنه يحتاج إلى جهد لتذوق حلاوتها:

هل تعتقد أنه يوجد في الدنيا فرد فاسد الخلق إلى حدّ أنه لم يغرِه قط فعل الخير؟ هذا الإغراء فطري حلو إلى درجة أن لا أحد يصمد له في كل مناسبة، واللذة التي يخلفها في النفس فعل الخير تكفي للإغراء به مرة بعد أخرى.
الصعوبة كلها في الاستجابة له أول مرة. هناك ألف عارض يمنع من الإصغاء لنداء القلب. حذرٌ خادع يحصر مفهوم الخير في نطاق الذات فيلزم القيام بألف جهد شاق لتجاوز هذا الحاجز. متعةُ الإحسان في إتيانه. لا يتذوقها إلا المحسن بعد أن يكون يستحقها. لا شيء أحبّ إلى النفس من الفضيلة، لكن لا يحبها إلا من تحلّى بها.

لنلق نظرة على شعوب الأرض ولنتصفح أخبارهم.
كم مختلفة شعائرهم الدينية! بعضها وحشي صادم. كم متباينة أعرافهم وعاداتهم! رغم هذا نجد عند الجميع وفي كل مكان، المفاهيم نفسها عن العدل والمرؤة، التعريف نفسه للخير والشر.

 

مسألة الحياة في بداية القرن الواحد والعشرين .. مقالة مطولة

ميشال مورنج، هو كاتب وفيلسوف فرنسي، من مواليد عام 1950م. له عدد من الكتب والأبحاث، من أشهرها كتابه (تاريخ الأحياء الجزئية) وكتاب (تفسير الحياة).

نشر (مورنج) مقالة مطولة، ننقلها لكم من اللغة الفرنسية إلى العربية، بشكل حصري، تحدث فيها (مورنج) عن الحياة في القرن الواحد والعشرين. كما نحب أن نشكر الأستاذ السيد (ويليام العطوة) على مساهمته في تدقيق ومراجعة هذه المقالة.

يفتتح (مورنج) مقالته، فيقول:

بعد أن اختفى لعشرات من السنين من كتابات علماء الأحياء، طُرِح سؤال “ما هي الحياة؟” من جديد، في المجلات العلمية كما في المنشورات المبسّطة.

لقد قمنا بتحليل الصلة بين اختفائه المؤقت وبين تطور البيولوجيا الجزيئية في عدة منشورات. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء؛ لم يكن غياب هذا السؤال إلاّ موجزًا طوال تاريخ علوم الحياة. هل هذا يعني أنه لا توجد طريقة جديدة لطرح هذا السؤال في يومنا هذا؟ وهل أن وضعه – وهو الّذي يحوم فوق رؤوس جميع علماء الأحياء الّذين يجب عليهم الرد إن كانوا لا يرغبون برؤية دورهم يختفي لصالح التخصصات أخرى – لم يتغيّر كثيرًا؟

في هذه المقالة؛ نود تقديم فرضية أخرى: يعود السؤال بطريقة جديدة كلّيًا، حيث سيخوض معنى الحياة مجال العقلانية لأول مرة، وسيواجه عواقب فلسفية خطيرة.


ثلاث مشكلات مرتبطة

عند تسليط الضوء على تساؤل: “ماهي الحياة؟” سيكون مبهمًا، ولكن من الضروري تسليط الضوء في آن واحد على سؤالين آخرين مرتبطين به “كيف نشأت الحياة؟”، “وهل بالإمكان تغيير الكائنات الحية وخلقها من جديد؟”

ترتبط المشاكل الثلاث ارتباطًا وثيقًا : إن الردّ على سؤال “ماهي الحياة؟” معناه أيضًا افتراض سيناريو منطقي لظهور الحياة أو التحكم بها أو حتى لخلقها من العدم. فلقد ارتبط الفهم والفعل  ارتباطا وثيقًا خلال التطور التاريخي لكافة العلوم.

ولكن أتعلق الأمر بمسألة الأصل أو بسؤال الفعل، فالفترة الحالية تميزت بفرادتها.. فهي ليست كتلك السناريوهات عن نشأة الحياة، والتجارب التي تهدف لإعادة خلقها من جديد أو على الأقل محاولة محاكاتها في المختبر التي لم تُقترح منذ قرن تقريباً مع أول اختبارات البيولوجيا التخليقية في بداية القرن العشرين والنماذج التي اقترحها أوبارين وهالدان في عام ١٩٢٠ م. ولكن فحص جميع الأبحاث التي أجريت في وقتنا الحالي حول أصل الحياة يعطي صورة جديدة تمامًا، على الرغم من أن هذا الحقل لا يزال يتميز بتنوع كبير في الأساليب والافتراضات التجريبية مع وجود تناقضات حادة، ولا يزال يترك مجالًا لافتراضات “بعيدة المنال” لن تكون مقبولة بالنسبة لفروع العلوم الأخرى، ومع ذلك تم تنظيمها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لقد تحول إلى مجال تخصصّي جديرٍ بالاحترام. أصبحت مسألة نشأة الحياة مسألة علمية من الممكن حلها، إن لم تكن سهلة المنال،  في وجود استثمار علمي كافي.

وعلى نفس المنوال؛ قام الإنسان بدوره بتغيير الكائن الحيّ، فقد قام باتخاذ خطوة جلية في تطوير الهندسة الوراثية، ولم تكن محض تنبؤات يطمح بها بشكل مبالغ بعض أنصار التعديل الجيني. إن التعديلات الجينية محفوفة بالمصاعب؛ كبعض مشاريع إنتاج نباتات تستطيع التقاط النتروجين مباشرة من الغلاف الجوي فهي مجرد أحلام حتى الآن. النباتات الوحيدة المعدلة وراثيًا والمتاحة هي النباتات المقاومة للمبيدات الحشرية وتعتبر تعديلات بسيطة جذًا بالنظر إلى بقية التطلعات. بالمقابل؛ أكثر الكائنات المعدلة وراثيًا هي البكتيريا لإنتاج مركبات مفيدة للصناعات الكيماوية والأدوية.

وبالرغم من ذلك؛ أصبح اليوم من الممكن تغيير الحياة أو على الأقل التحكم بها من خلال إجراء محدد؛ ويجب عدم الاستهانة بأي خطوة يتم إجراءها. إن عودة مصطلح البيولوجيا التركيبية بعد اضمحلاله منذ بداية القرن العشرين يعكس مدى الوعي بهذه الإمكانيات الحديثة كالعمل على الحياة إلى الوصول إلى خلق أشكال جديدة لها.

وبالتالي فإنه في نفس مقدار التفاؤل يجري البحث عن نشأة الحياة، كما العمل على البيولوجيا التركيبية. قد تكون هذه الثقة بالمستقبل محض أوهام وفقاعة قد تنفجر في السنوات القادمة. ولكننا لا نعتقد ذلك لأن ثورة الأبحاث حول نشأة الحياة والنهوض بتقنيات الهندسة تُظهر لنا تطورًا في العلوم – وفي فلسفة العلوم- وعناصر إيجابية تحدث تغييرًا لا رجعة فيه في مسألة الحياة في المجال العلمي؛ فالعقبات قد اختفت، و يسمح النهج العلمي، الأقل تكبّرًا، لغنى تعددية الإختصاصات بأن تعمل بشكل كامل، وهذا ما هو ضروري بالنسبة لسؤال كسؤال الحياة.


عقباتٌ ابيستيمولوجية وفلسفية تمّ تجاوزها

نحن لسنا بحاجة إلى مراجعة علوم الحياة منذ ظهورها في العصور القديمة لفهم التغيرات الحديثة فيها، يمكننا أن نكتفي بالعلوم التي ظهرت بعد ظهور العلم الحديث على يدي غاليليو وديكارت في القرون الأخيرة. تراوحت علوم الحياة في منتصف القرن السابع عشر، بجانب دورها في جدولة الأشكال الحية، بين اتجاهين متعارضين ومتصادمين كذلك، أحدهما الإنكار؛ كما فعل الطب الفيزيائي في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر الذي أنكر كل خصوصية للظواهر الحية و إختزال تعقّداتها بشكل فجّ إلى بعض الآليات الكيميائية الفيزيائية البسيطة، مع بعض النجاحات المحدودة،  والآخر الذي أثبت عدم قابليتها على الاختزال هذا من أجل أن يكون قادرًا على حصر دراسة الظواهر البيولوجية من خلال الأساليب الكيميائية الفيزيائية متى ما أثبتت انها مفيدة ، وتركت مسألة الحياة لميدان المعرفة العلمية إلى الأبد.

كان هذا موقف بعض الحيواتيين vitalistes  الفرنسيين مثل بوردينو . إنّ مبدأ الحياة المفترض وجوده وقتها لم يكن مختلفًا عن مبدأ الجاذبية الكونية كما عند نيوتن: “ما” يجب القبول به من أجل تفسير الظواهر الطبيعية.

قام علماء الأحياء الجزيئية في الستينيات باستكمال هذا الجهد دون حل أو تجاوز. وبالنسبة لكثير منهم، لم يكن هناك أسرار للحياة ـ أو لم يعد هناك أسرار-  لأن جميع الظواهر التي لوحظت في العالم كانت نتيجة للنشاط الفيزيائي الكيميائي؛ وفي الوقت ذاته، تميزت الكائنات الحية عن غير الحية بالمعلومات الوراثية والشفرات الجينية التي تستخدمها. سمح لنا الاستخدام غير المبرر لمصطلح المعلومات الوراثية بالحفاظ على غموض معين حول “طبيعة” خصوصية الأحياء.

لا يبدو لنا ذلك تحوّلاً داخليًا في علم الأحياء بقدر كونه تطورًا فلسفيًا و ابيستيمولوجيًا وعلميًا أوسع نطاقًا مكّن من التغلب على العقبة السابقة وتجنب هذا الخيار المحبِط. اقتحمت فكرتان شيئًا فشيئًا العقول وحررت المبادئ العلمية؛ الأولى هي قبول ضرورة تعدد التفسيرات في العلوم والثانية هي فكرة أن شيئًا جديدًا يمكن أن يظهر في النظام الطبيعي يمكن وصفه بشكلٍ جيّد. إن كل منهما ستحتاجان وقتًا طويلًا لدراستها، وسنطرح هنا بعض المعايير الأساسية فقط لهذه الدراسات و نعود الى بعض الأبحاث المتخصصة.

وجدت التفسيرات المتعددة فرصة في مساحة من الحرية في فشل المشروع الفيزيائي المادي لحلقة فيينا. وأثبتت أن إعادة بناء العلم على أسس سليمة، أي مبادئ الفيزياء، أنه مشروع مستحيل. لكن هذا الانفتاح لمجال الحرية الفلسفية لم يكن بالتأكيد كافياً بل ظهور علوم جديدة ومستقلة جزئياً عن تلك التي سبقتها، والتي أثبتت مع ذلك أنها فعالة بشكل ملحوظ في “معالجة” موضوعاتها، هو ما كان من شأنه أن يمتلك تأثيرًا كبيرًا.

إن التخصصات مثل فيزياء الجوامد أو المعلوماتية نجت من الخنق المنهجي للتخصصات الموجودة من قبل. من خلال أدواتها وأساليبها الخاصة، استطاعت أن تضع بصمتها على المشهد العام للتخصصات العلمية دون القلق المفرط حول علاقتها وتوافقها مع غيرها من التخصصات المُقاربة. هذا التغيير في الساحة العلمية لم يكن سهلاً، فقد واجهت المعلوماتية، على سبيل المثال، صعوبة للاعتراف بها كعلم مستقل وليس مجرد فرع من الرياضيات التطبيقية.

من جانب علوم الحياة؛ أظهرت مقاومة النظرية التركيبية للتطور الحاجة للتفسيرات المتعددة بشكل أقل من علم البيئة بسبب التأثير المنتشر للبيولوجيا الجزيئية. إن مقاومة هذا التوحيد القسري لم يستمر بدون صعوبات، فلم يرَ علماء البيولوجيا الجزيئية وجودًا لهذه التخصصات الأخرى، ولم يمتلكوا أي فكرة – مختلفة – عن طبيعة التفسيرات التي اقترحتها. ومع ذلك كانت النتيجة: جنبًا الى جنب المقاربة الجزيئية الإختزالية ، نمت ، وتطوّرت بطريقة بارعة، تخصصاتٌ امتلكت مبادىءَ تفسيرية مختلفة تمامًا.

في الثمانينيات من القرن الماضي، اندلع الجدال بين الفلاسفة حول إمكانية توحيد العلوم أو عدمها، إذا كان أصل هذا النقاش بالتأكيد موجودًا في تطور داخلي لفلسفة العلم؛ فهو بالتأكيد ليس غريبًا على التطور الموازي للمشهد العلمي للتخصصات العلمية. إن الزعزعة التدريجية، من خلال عمل محللي العلوم، من  كارل بوبر حتى علماء الاجتماع، لأسس المعرفة العلمية، جعل بلا شك هذا القبول للتفسيرات المتعددة أسهل.

بالنسبة لغالبية العلماء – وعلى ما يبدو أيضًا الفلاسفة – ليس من الواضح ما إذا كان المشهد المجزأ الحالي للتخصصات العلمية هو مجرد حالة مؤقتة قبل توحيد قادم، أو حقيقة لا مفر منها ستستمر في إثبات نفسها، حتى انّها سوف تتفاقم. ومع ذلك، فإن طبيعة الإجابة على هذا السؤال لا تغير الموقف الحالي تجاه هذا التنوع التفسيري، يجب أن تهدف الجهود إلى الحد منه من خلال تمفصل هذه المخططات التوضيحية المختلفة، وليس السعي – على الأقل الآن – إلى نظرية توحيد وهمية. لقد حلّلنا كذلك الأسباب المعرفية والاجتماعية على حد سواء التي تفترض هذا الاعتقاد المشترك على نطاق واسع اليوم من قبل الباحثين في علوم الحياة. سواء كان هذا الربطُ – أم لا – هو الخطوة الأولى في عملية التوحيد لا يغير شيئًا ممّا هو الهدف اليوم في علوم الحياة، ولكن أيضًا في العديد من التخصصات الأخرى. أصبح من الواضح أن التفسير العالمي للظواهر الحية يتطلب التعبير عن ثلاثة مخططات تفسيرية مختلفة على الأقل: كيميائية فيزيائية (جزيئية) وتطورية وفيزيائية. ويعد هذا صحيحًا عندما يحاول المرء أن يصف المراحل التي كانت يجب أن تسمح بتكوين الحياة وهي: تفسير الكيمياء الفيزيائية للتكوين التلقائي للجزيئات الأولى والجزيئات الكبيرة تتبعها تفسيرات تستدعي التنظيم الذاتي لهذه المكوّنات، تليها عملية (داروينية) لاختيار الجزيئات الأولى و / أو المجموعات الجزيئية الأولى. يُستخدم التمفصل، المؤقت هذه المرة، بين نفس المبادئ التفسيرية الثلاثة من أجل شرحِ أصل الحياة .

الحاجز الابيستيمولوجي الثاني الذي “قفز” مؤخرًا هو استحالة تفسير نشأة الجِدّة nouveauté  في انموذج توضيحي. إن التاريخ الفلسفي لمفهوم الإنبثاق l’émergence  قديم ومعقد، ولكن، كما أسلفنا؛ نعتقد أن الحدث الرئيسي الذي منحه مكانة معترف بها في فلسفة الحديثة للعلوم هو المكان الموجود بشكل شبه طبيعي في بعض العلوم من الكيمياء الفيزيائية حتى فيزياء الجوامد. هذا التطبيع naturalisation  للإنبثاق جعل من الممكن تصور أن الأنظمة المعقدة يمكن أن تكتسب خصائص جديدة – مثل الحياة– من خلال تجاوز الحد في عدد وطبيعة العلاقات بين المكونات الأولية المختلفة. يبقى استخدام مفهوم الإنبثاق خارج التخصصات التي وجد فيها مكانًا علميًا معترفًا به مجازيًا. ولا يهم إن كانت الاستعارة قوية بما فيه الكفاية أو لا، و الإحالة إلى استخدامه العلمي واضحةً كفاية، بحيث يتم قبول احتمال القفزات النوعية في أداء النظام.

مع هذين التحوّلين الابيستيمولوجيين؛ يمكن لدراسة الأحياء أن تتطور ، بشكل تام، كظاهرة علمية. لم يحن الوقت للتنبؤ بما تمنحه عودة السؤال “ما هي الحياة؟ والتوسع السريع في البحث عن اصولها. ومع ذلك؛ سنكون على استعداد للمراهنة على أنّ ابتذال مقولة الإنبثاق في المجال العلمي، وقبول تعدد التفسيرات اللازمة للظواهر الحية؛ سوف يؤدّي إلى إدخال دراسة “سؤال” الحياة في فترة من التقدم المستمر، وهو ما يمنعه حتى اللحظة البحث عن تفسيرٍ “أوحد” للحياة.


كيف سيصبح التساؤل الفلسفي عن الحياة و  عن الوعي؟

دعونا نعترف بأننا على صواب، وأن مسألة الحياة أصبحت بالتأكيد مسألة علمية. تكون كذلك من خلال قطع الصلة بين الحياة والفكر الواعي والخيط الوحيد الذي ما زال يربطهما مرة أخرى هو ببساطة مقولة الإنبثاق. إن ظهور الوعي المفكِّر سيكون أيضًا ظاهرة منبثقة، ولكن من طبيعة متمايزة تمامًا. وستكون هذه القطيعة حدثًا جديدًا تمامًا. حتى بالنسبة للبيولوجيا الجزيئية، التي اتهمت بأنها تسببت في “موت الحياة“، حافظت، بفضل مقولة المعلومة، على مقامٍ مشترك بين الحياة والفكر، وهو ما أظهر الفيلسوف جورج كانغيلهم ترسّخه في التقاليد الفلسفية. لا شيء من هذا القبيل في يومنا هذا، حيث فقدت مقولة المعلومة قوتها التوضيحية لصالح الآليات الكيميائية الفيزيائية. ماذا ستكون عواقب هذا القطيعة؟ وماهي المكانة التي سوف يتبوّأها فكرٌ فلسفيّ عن الحياة؟ سيكون ممكنًا تبني موقفين فلسفيين: التخلي النهائي عن سؤال الحياة لصالح العلماء، أو الحفاظ على فلسفة الحياة، وستكون المخاطر المتصّلة، على التواليّ، نضوب الفلسفة، أو انفصالها التام عن العلم.

هل هذه بداية لعملية مماثلة من “علمنة” scientificisation  الوعي؟ يمكن للعديد من الأعمال الراهنة، المتصّلة بأشكالٍ مختلفةٍ من التصوير الطبيّ، أن توحي بذلك. أو ربّما سوف يجعل قطع الصلة بين الحياة و الوعي من هذا الأخير، وبشكلٍ اوضح،  ليس شاهدًا على تعلّقٍ ماضويّ بالمقولات الميتافيزيقية، ولكن دليلاً فلسفيًا يستحيل اختزاله أبدًا الى معرفةٍ علمية؛ و ليس خطوةً قادمة من عملية تطبيع، و لكن، وفي روح الفينومينولوجيا، إستجوابًا لم تتوقف الفلسفة عن توجيهه للعلوم، و التي لم تتكمن يومًا من الردّ عليه.


[المصدر]