أرشيف الوسم: الحياة

محمد صادق دياب: لا تهدي طفلك طائرًا، ولا حبيبتك وردة

محمد صادق دياب (1943-2011) أديب وكاتب سعودي ولد بمدينة جدة، حيث تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي فيه، ثم حصل على بكالوريوس التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة أم القرى عام 1390 هـ، بعدها تحصل دياب على الماجستير في علم النفس التربوي من جامعة ويسكنسن الأمريكية عام 1976 وحصل على شهادة الدكتوراة عام 2009 في علم الاجتماع لكنه لم يود ان يلقب بالدكتور.

اشتهرت كتابات (دياب) ببساطتها وقدرتها على الوصول إلى الجميع، وبالإضافة إلى ثرائه المعرفي فقد ساهمت مقالاته وخواطره التي داوم على نشرها في مختلف الصحف المحلية والعربية في تشكيل فكر جيل كامل من الشباب العربي.

في كتابه (امرأة وفنجان قهوة)، كتب (دياب) خاطرة بعنوان “لا تهدي طفلك طائرًا، ولا حبيبتك وردة”، ويعلل هذا العنوان في أولى أسطر المقالة، فيقول:

أن تهدي طفلك طائرًا في قفص،

فهذه أولى خطوات إعداده كسجّان.

أن تقطف لحبيبتك وردة،

فهذه فاتحة التعريف بأنك قاتلٌ للجمال.

وكعادة (دياب) في مقالاته وخواطره، فلا يطرح مشكلة ولا ينهى عن أمر دون أن يطرح بديلًا أفضل. وهو ما يظهر في بقية الخاطرة، إذ يقول:

خذ طفلك إلى الفضاء الرحب،

ودعه يغرّد مع العصافير.

خذ حبيبتك إلى الخميلة،

وقل لها: “إنك من فصيلة الأزهار”

يتابع بعد ذلك في خاطرته معللًا:

فالطير في السماء نجمة،

والوردة في غصنها حياة.

فدع العصافير

تقتات من كفك حبّا،

ومن قلبك حبًا،

واشرح صدرك موانئ،

تسافر إليها الورود بعبقها مطمئنة،

فالعصافير لا تغني على نوافذ القساة،

ولا تمطر الأغصان وردًا.

عن اللحظات الأمهات .. اللحظات حاسمة في توجيه صاحبها وتشكيله، كما يصفها زكي نجيب محمود

زكي نجيب محمود ( 1905-1993م)، فيلسوف وكاتب وأكاديمي وأستاذ فلسفة مصري، من مؤلفاته (المنطق الوضعي) في جزأين، و(موقف من الميتافيزيقا) و(تجديد الفكر العربي). كما تعد أحد أبرز مؤلفاته هي (قصة نفس)، والتي تمثل سيرة ذاتية سيكلوجية له. ضمن الكتاب الأخير، كتب (زكي نجيب محمود):

ليست لحظات الزمن في حياة الإنسان سواسية كلها من حيث قوتها في توجيه الأحداث، وأثرها في تكوين الشخصية وتشكيلها، فمنها ما قد يمضي ولا أثر له، ومنها ما يكون له من بعد الأثر وعمقه ما يظل يؤثر في مجرى الحياة إلى ختامها، ولا عجب أن تجيء حيوات الأفراد متفاوتة الوزن والقيمة، متباينة الخصوبة والثمر. فمنها ما تتابع فيه اللحظات على وتيرة واحدة، حتى لكأنها في نهاية الأمر لحظة واحدة مكررة معادة، فضلًا عما تتصف به هذه اللحظة الواحدة من خواء؛ لذلك فهي حياة تمضي وكأنها لم تكن شيئا. لكن منها كذلك حياة تجيء لحظاتها ثقالا بأحمالها، فتمضي تاركة وراءها أثرًا يبقى على وجه الدهر أمدًا طويلا، وبأمثال هذه اللحظات الحبالى تُصنع الحضارات وتُبنى.

يقول بعدها:

إن النظر إلى حياة بمجموعة أحداثها، كالنظر إلى صورة فنية لا يسير عليها البصر في خط مستقيم بادئا في حافة الإطار إلى حافة الإطار هناك، بل إنه ليقع أول ما يقع على نقطة مركزية فيها، كشجرة فارعة على يمينها، أو قمة شامخة على يسارها، أو بقعة لونية في أي موضع منها تلفت النظر إليها لتكون له نقطة ابتداء، ثم ينساب البصر في مختلف الاتجاهات، عائدًا آنًا بعد آن إلى نقطة البدء، فكأنما هذه النقطة المركزية ينبوع تفجرت منه سائر النقاط، وكذلك قل عند النظر إلى حياة فرد من الأفراد بمجموعة أحداثها، فهناك كذلك يتجه الانتبهاه إلى لحظات أمهات كانت حاسمة في توجيه صاحب تلك الحياة.

ثم تساءل بعدها عن معايير هذه اللحظات المحورية في تشكيل الإنسان، وإذا ما كانت لحظة الميلاد أحداها، فيجيب:

إنه لوهم غريب هذا الوهم الذي يوهم الإنسان باتصال شخصه من لحظة الميلاد إلى لحظته الراهنة! نعم إنها وسيلة نافعة لغيري من الناس أن يعدّوني فردًا واحدًا متصل الحياة، بدأ في اللحظة الفلانية ولبث ينتقل هنا وهناك حتى انتهى إلى ما هو عليه الآن. أقول إنها وسيلة نافعة للناس لكي يسهل عليهم عدّ الأفراد عند الإحصاء، ولكن ما لي أنا وما ينفع الناس عند العدّ والحساب؟ المرجع عندي هو خبرتي كما أحياها واعيًا بها، وليس ذلك الطفل الذي يروون لي عن زمان مولده ومكانه وجزءًا من تلك الخبرة الحية الواعية.

تعرف أيضًا على نظرة (زكي نجيب محمود) إلى الفن، أو وجهة نظره إلى الفارق بين الجوهر والتاريخ.

فن الحماس الودي؛ غوته والرأي الوحيد الأجدر بالتعبير عن حياة و عمل الآخرين

 

كتب (برتراند راسل) في (تأمل الطبيعة البشرية):

البناء والتدمير يلبيان الرغبة في السلطة على حد سواء، لكن كقاعده عامة يعد البناء أكثرصعوبة وبالتالي فإنه يعطي شعوراً اكثر بالرضا للشخص الذي يمكنه تحقيقه.

بعد جيل ، أعاد تكرار هذا الرأي (دبليو.إتشأودنفي (الإصرار):

ذلك ان الانتقاد الجدير بالاهتمام هو الاحتفالكقناعة حملتها وتمسكت بها بنفسي في حياتي لفتره طويله.

قبل (اودن) و(راسل) خلال بفتره طويله سابقه، عبّر مفكر عملاق في اللغه آخر بوضوح عن هذه الاخلاقيات بدقه لامثيل لهايوهان فولفغانغ فون غوته (١٧٤٩ ١٨٢٤قدم طباقاً موسيقياً جميلاً للاندفاع نحو النقد محاطاً بالسخريه التي كانت منتشرة لقرون منذ ذلك الوقت

لقد اقتنعت بشكلٍ كبير انه كلما اضطر شخص للتعبير عن رأيه بكتابات او تصرفات الآخرين، اذا لم يكن بدافع الحماسه من جانب واحد، او لمصلحة المحبة للشخص او العمل، من الصعوبه بمكان ابداء النتيجة، إن التعاطف والتمتع بمانراه حقيقة هو الواقع الوحيد، ومن واقع كهذا، الحقيقه هي ما تظهر كنتاج طبيعي و ماعداه يُعَد غروراً.

ان حفظ ونقل الموقف الاصلي خلال القرون والثقافات هو تحدٍ ليس بالهيّن، تجاوز حدود الوقت و الترجمة، شاعت كلمات (غوته) من خلال (جون بوروز) ١٨٩٦، (ويتماندراسة)، بالاصل في عام ١٨٨٧  في مجلة ماكميلان، ادعت المجلة ان (غوته) كان في سن الشيخوخه في وقت عرضه لهذه الحقيقة المركزية للعمل الإبداعي، لكن هذا غير صحيح. لقد تمكنت من تتبع أصل كلماته إلى اختلاف، من المحتمل أن يكون بسبب الترجمة، مكتوب في مقتبسه، مشيرًا إلى أن هذا الإيمان بالتعاطف والاحتفال باعتباره التعليق الحقيقي الوحيد على الفن والحياة كان روحًا مفعمة بالحيوية منذ فترة طويلة للشاعر المطّلع. في رسالة الى (فردريك شيلر) من ربيع ١٧٩٦، ترجمها (جوروج اتش كالفرت) ونُشِرتْ عام ١٨٤٥. كتب (غوته) البالغ من العمر ٤٦:

في التعامل مع الكتابات على أنها أفعال، ما لم يتكلم المرء بعاطفة محبة، بحماس جزئي معين، تكون النتيجة معيبة إلى حد كبير بحيث لا يكون لها قيمة تذكرالمتعة، البهجة، التعاطف في الأشياء، هي كل ما هو حقيقي، وهذا يعيد إنتاج الواقعفيما عدا ذلك، كل شيء فارغ وعبث.

الاستكمال مع (ريبيكا سولنيت) في فن الانتقاد المضاد الصعب، واعادة النظر (غوته) في ذهن المبتدئين، اليأس بشجاعة، ونظريته في علم نفس اللون والعاطفة.


[المصدر]

روسو: أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر!

جان جاك روسو (1712-1778) هو كاتب وأديب وفيلسوف من سويسرا، يعد من أهم كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب، وألهمت أجيالًا من الإصلاحيين لإحداث تغييرات في النظم السياسية لبلدانهم. 

في كتابه (عقيدة قس جبال السافوا) أو (دين الفطرة)، تحدث بصيغة خطاب “يلقيه قس من جبال السافوا على مسامع شاب فقد الإيمان وكاد يتحول إلى صعلوك زنديق بسبب المآسي التي عاشها“.

عرض (روسو) في كتابه “ثنائية الخير والشر”، وكيف أن من طبيعة الإنسان أن يكون في حالة تذبذب بين عنصرين مختلفين “الخير والشر“، فهو إما مقيدٌ بأغلال الشهوات، أو حرٌ طليق بانجذابه لصوت الضمير:

أتأمل طبيعة الإنسان أنه ينطوي على عنصرين مختلفين. أحدهما يجذبه نحو الحقائق الأزلية، يدعوه إلى حب العدل والفضيلة، إلى اقتحام العالم العلوي الذي يبهج قلب الحكيم، والثاني يربطه بذاته السفلى، يجعله أسير حواسّه، مطاوعًا لأدواتها، أي الشهوات، معاكسًا بذلك كل مايلهمه العنصر الأول.
كنت أقول في نفسي وأنا أشعر بتجاذب وتصارع هاتين الحركتين المتعاكستين: لا وحدة في الإنسان، أريد ولا أريد، أشعر في آن أني حرّ وأني مقيّد، أرى الخير، أحبّه ثم أفعل الشرّ، متحمس نشيط عندما أنصت للعقل، متخاذل ضعيف عندما انصاع للشهوة. وما يحزّ في قلبي عند الانزلاق هو أني أعلم أني كنت قادرًا على الصمود.

يذكر (روسو) الحكمة الإلهية في أن يكون للإنسان حرية الإختيار بين طريق الشر أو الخير بكامل إرادته:

من يتذمر من أن الرب لايثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفًا وتكريمًا، إذ بها ندبه إلى التحلّي بالفضيلة. وضعنا فوق هذه الأرض أحرارًا لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها.
ولأن منع الشر لايتم إلا بنفي حرية الشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختارًا.

وعن أصل الشر يقول (روسو):

أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا ما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتمًا عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة، بل جرّه الإنسان على نفسه.
من يدّعي أنه ارتكب الجريمة مُكرهًا كذاب بقدر ماهو شرير. هلا رأى أن الضعف الذي يشكو منه متأصل فيه، أن مبدأ السوء من الجسد الفاني الذي هو مصدرها.

يتساءل (روسو) بعد ذلك” كيف تتوقف نفوسنا عن مواصلة الشر؟ ويجيب:

حيثما تتوقف حاجاتنا الزائلة، حيثما تختفي تطلعاتنا السخيفة، تضمحلّ فينا الشهوات، وتنعدم الجرائم.
النفوس الزكية هل يحتمل أن يلحقها انحراف من أي نوع كان؟ لا ينقصها شيء، فلماذا ترتكب الشر ؟ بعد أن تُجرد النفس من الحواس الخسيسة، وتعود سعادتها تتلخص في تأمل الكائنات، لم تعد تتطلع إلا للخير.
حتى أحقق الغاية من إيجادي على الأرض تماشيًا مع مشيئة من أسكنني فيها. أستشير قلبي في كل نازلة: ما استشعرته خيرًا فهو خير و مابدا لي شرًا فهو شر. أصدق دليلٍ  هو الضمير. الضمير هو صوت الروح والشهوة صوت الجسد. أي عجب أن يتعارض الاثنان؟ إلى أيهما يجب أن نصغي؟ كثيرًا ما يخدعنا العقل، فوجب الاحتراز منه، أما الضمير فلا يخدع أبدًا. هو الدليل الأمين. مقامه من النفس مقام الغريزة من الجسد. من يستنير به يطيع الطبيعة، ولا يخاف أبدًا أن يتيه.

الخير غريزة فطرية في ذات الإنسان، تغريه ولا شيء يحجب ضميره عنها، غير أنه يحتاج إلى جهد لتذوق حلاوتها:

هل تعتقد أنه يوجد في الدنيا فرد فاسد الخلق إلى حدّ أنه لم يغرِه قط فعل الخير؟ هذا الإغراء فطري حلو إلى درجة أن لا أحد يصمد له في كل مناسبة، واللذة التي يخلفها في النفس فعل الخير تكفي للإغراء به مرة بعد أخرى.
الصعوبة كلها في الاستجابة له أول مرة. هناك ألف عارض يمنع من الإصغاء لنداء القلب. حذرٌ خادع يحصر مفهوم الخير في نطاق الذات فيلزم القيام بألف جهد شاق لتجاوز هذا الحاجز. متعةُ الإحسان في إتيانه. لا يتذوقها إلا المحسن بعد أن يكون يستحقها. لا شيء أحبّ إلى النفس من الفضيلة، لكن لا يحبها إلا من تحلّى بها.

لنلق نظرة على شعوب الأرض ولنتصفح أخبارهم.
كم مختلفة شعائرهم الدينية! بعضها وحشي صادم. كم متباينة أعرافهم وعاداتهم! رغم هذا نجد عند الجميع وفي كل مكان، المفاهيم نفسها عن العدل والمرؤة، التعريف نفسه للخير والشر.

 

مسألة الحياة في بداية القرن الواحد والعشرين .. مقالة مطولة

ميشال مورنج، هو كاتب وفيلسوف فرنسي، من مواليد عام 1950م. له عدد من الكتب والأبحاث، من أشهرها كتابه (تاريخ الأحياء الجزئية) وكتاب (تفسير الحياة).

نشر (مورنج) مقالة مطولة، ننقلها لكم من اللغة الفرنسية إلى العربية، بشكل حصري، تحدث فيها (مورنج) عن الحياة في القرن الواحد والعشرين. كما نحب أن نشكر الأستاذ السيد (ويليام العطوة) على مساهمته في تدقيق ومراجعة هذه المقالة.

يفتتح (مورنج) مقالته، فيقول:

بعد أن اختفى لعشرات من السنين من كتابات علماء الأحياء، طُرِح سؤال “ما هي الحياة؟” من جديد، في المجلات العلمية كما في المنشورات المبسّطة.

لقد قمنا بتحليل الصلة بين اختفائه المؤقت وبين تطور البيولوجيا الجزيئية في عدة منشورات. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء؛ لم يكن غياب هذا السؤال إلاّ موجزًا طوال تاريخ علوم الحياة. هل هذا يعني أنه لا توجد طريقة جديدة لطرح هذا السؤال في يومنا هذا؟ وهل أن وضعه – وهو الّذي يحوم فوق رؤوس جميع علماء الأحياء الّذين يجب عليهم الرد إن كانوا لا يرغبون برؤية دورهم يختفي لصالح التخصصات أخرى – لم يتغيّر كثيرًا؟

في هذه المقالة؛ نود تقديم فرضية أخرى: يعود السؤال بطريقة جديدة كلّيًا، حيث سيخوض معنى الحياة مجال العقلانية لأول مرة، وسيواجه عواقب فلسفية خطيرة.


ثلاث مشكلات مرتبطة

عند تسليط الضوء على تساؤل: “ماهي الحياة؟” سيكون مبهمًا، ولكن من الضروري تسليط الضوء في آن واحد على سؤالين آخرين مرتبطين به “كيف نشأت الحياة؟”، “وهل بالإمكان تغيير الكائنات الحية وخلقها من جديد؟”

ترتبط المشاكل الثلاث ارتباطًا وثيقًا : إن الردّ على سؤال “ماهي الحياة؟” معناه أيضًا افتراض سيناريو منطقي لظهور الحياة أو التحكم بها أو حتى لخلقها من العدم. فلقد ارتبط الفهم والفعل  ارتباطا وثيقًا خلال التطور التاريخي لكافة العلوم.

ولكن أتعلق الأمر بمسألة الأصل أو بسؤال الفعل، فالفترة الحالية تميزت بفرادتها.. فهي ليست كتلك السناريوهات عن نشأة الحياة، والتجارب التي تهدف لإعادة خلقها من جديد أو على الأقل محاولة محاكاتها في المختبر التي لم تُقترح منذ قرن تقريباً مع أول اختبارات البيولوجيا التخليقية في بداية القرن العشرين والنماذج التي اقترحها أوبارين وهالدان في عام ١٩٢٠ م. ولكن فحص جميع الأبحاث التي أجريت في وقتنا الحالي حول أصل الحياة يعطي صورة جديدة تمامًا، على الرغم من أن هذا الحقل لا يزال يتميز بتنوع كبير في الأساليب والافتراضات التجريبية مع وجود تناقضات حادة، ولا يزال يترك مجالًا لافتراضات “بعيدة المنال” لن تكون مقبولة بالنسبة لفروع العلوم الأخرى، ومع ذلك تم تنظيمها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لقد تحول إلى مجال تخصصّي جديرٍ بالاحترام. أصبحت مسألة نشأة الحياة مسألة علمية من الممكن حلها، إن لم تكن سهلة المنال،  في وجود استثمار علمي كافي.

وعلى نفس المنوال؛ قام الإنسان بدوره بتغيير الكائن الحيّ، فقد قام باتخاذ خطوة جلية في تطوير الهندسة الوراثية، ولم تكن محض تنبؤات يطمح بها بشكل مبالغ بعض أنصار التعديل الجيني. إن التعديلات الجينية محفوفة بالمصاعب؛ كبعض مشاريع إنتاج نباتات تستطيع التقاط النتروجين مباشرة من الغلاف الجوي فهي مجرد أحلام حتى الآن. النباتات الوحيدة المعدلة وراثيًا والمتاحة هي النباتات المقاومة للمبيدات الحشرية وتعتبر تعديلات بسيطة جذًا بالنظر إلى بقية التطلعات. بالمقابل؛ أكثر الكائنات المعدلة وراثيًا هي البكتيريا لإنتاج مركبات مفيدة للصناعات الكيماوية والأدوية.

وبالرغم من ذلك؛ أصبح اليوم من الممكن تغيير الحياة أو على الأقل التحكم بها من خلال إجراء محدد؛ ويجب عدم الاستهانة بأي خطوة يتم إجراءها. إن عودة مصطلح البيولوجيا التركيبية بعد اضمحلاله منذ بداية القرن العشرين يعكس مدى الوعي بهذه الإمكانيات الحديثة كالعمل على الحياة إلى الوصول إلى خلق أشكال جديدة لها.

وبالتالي فإنه في نفس مقدار التفاؤل يجري البحث عن نشأة الحياة، كما العمل على البيولوجيا التركيبية. قد تكون هذه الثقة بالمستقبل محض أوهام وفقاعة قد تنفجر في السنوات القادمة. ولكننا لا نعتقد ذلك لأن ثورة الأبحاث حول نشأة الحياة والنهوض بتقنيات الهندسة تُظهر لنا تطورًا في العلوم – وفي فلسفة العلوم- وعناصر إيجابية تحدث تغييرًا لا رجعة فيه في مسألة الحياة في المجال العلمي؛ فالعقبات قد اختفت، و يسمح النهج العلمي، الأقل تكبّرًا، لغنى تعددية الإختصاصات بأن تعمل بشكل كامل، وهذا ما هو ضروري بالنسبة لسؤال كسؤال الحياة.


عقباتٌ ابيستيمولوجية وفلسفية تمّ تجاوزها

نحن لسنا بحاجة إلى مراجعة علوم الحياة منذ ظهورها في العصور القديمة لفهم التغيرات الحديثة فيها، يمكننا أن نكتفي بالعلوم التي ظهرت بعد ظهور العلم الحديث على يدي غاليليو وديكارت في القرون الأخيرة. تراوحت علوم الحياة في منتصف القرن السابع عشر، بجانب دورها في جدولة الأشكال الحية، بين اتجاهين متعارضين ومتصادمين كذلك، أحدهما الإنكار؛ كما فعل الطب الفيزيائي في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر الذي أنكر كل خصوصية للظواهر الحية و إختزال تعقّداتها بشكل فجّ إلى بعض الآليات الكيميائية الفيزيائية البسيطة، مع بعض النجاحات المحدودة،  والآخر الذي أثبت عدم قابليتها على الاختزال هذا من أجل أن يكون قادرًا على حصر دراسة الظواهر البيولوجية من خلال الأساليب الكيميائية الفيزيائية متى ما أثبتت انها مفيدة ، وتركت مسألة الحياة لميدان المعرفة العلمية إلى الأبد.

كان هذا موقف بعض الحيواتيين vitalistes  الفرنسيين مثل بوردينو . إنّ مبدأ الحياة المفترض وجوده وقتها لم يكن مختلفًا عن مبدأ الجاذبية الكونية كما عند نيوتن: “ما” يجب القبول به من أجل تفسير الظواهر الطبيعية.

قام علماء الأحياء الجزيئية في الستينيات باستكمال هذا الجهد دون حل أو تجاوز. وبالنسبة لكثير منهم، لم يكن هناك أسرار للحياة ـ أو لم يعد هناك أسرار-  لأن جميع الظواهر التي لوحظت في العالم كانت نتيجة للنشاط الفيزيائي الكيميائي؛ وفي الوقت ذاته، تميزت الكائنات الحية عن غير الحية بالمعلومات الوراثية والشفرات الجينية التي تستخدمها. سمح لنا الاستخدام غير المبرر لمصطلح المعلومات الوراثية بالحفاظ على غموض معين حول “طبيعة” خصوصية الأحياء.

لا يبدو لنا ذلك تحوّلاً داخليًا في علم الأحياء بقدر كونه تطورًا فلسفيًا و ابيستيمولوجيًا وعلميًا أوسع نطاقًا مكّن من التغلب على العقبة السابقة وتجنب هذا الخيار المحبِط. اقتحمت فكرتان شيئًا فشيئًا العقول وحررت المبادئ العلمية؛ الأولى هي قبول ضرورة تعدد التفسيرات في العلوم والثانية هي فكرة أن شيئًا جديدًا يمكن أن يظهر في النظام الطبيعي يمكن وصفه بشكلٍ جيّد. إن كل منهما ستحتاجان وقتًا طويلًا لدراستها، وسنطرح هنا بعض المعايير الأساسية فقط لهذه الدراسات و نعود الى بعض الأبحاث المتخصصة.

وجدت التفسيرات المتعددة فرصة في مساحة من الحرية في فشل المشروع الفيزيائي المادي لحلقة فيينا. وأثبتت أن إعادة بناء العلم على أسس سليمة، أي مبادئ الفيزياء، أنه مشروع مستحيل. لكن هذا الانفتاح لمجال الحرية الفلسفية لم يكن بالتأكيد كافياً بل ظهور علوم جديدة ومستقلة جزئياً عن تلك التي سبقتها، والتي أثبتت مع ذلك أنها فعالة بشكل ملحوظ في “معالجة” موضوعاتها، هو ما كان من شأنه أن يمتلك تأثيرًا كبيرًا.

إن التخصصات مثل فيزياء الجوامد أو المعلوماتية نجت من الخنق المنهجي للتخصصات الموجودة من قبل. من خلال أدواتها وأساليبها الخاصة، استطاعت أن تضع بصمتها على المشهد العام للتخصصات العلمية دون القلق المفرط حول علاقتها وتوافقها مع غيرها من التخصصات المُقاربة. هذا التغيير في الساحة العلمية لم يكن سهلاً، فقد واجهت المعلوماتية، على سبيل المثال، صعوبة للاعتراف بها كعلم مستقل وليس مجرد فرع من الرياضيات التطبيقية.

من جانب علوم الحياة؛ أظهرت مقاومة النظرية التركيبية للتطور الحاجة للتفسيرات المتعددة بشكل أقل من علم البيئة بسبب التأثير المنتشر للبيولوجيا الجزيئية. إن مقاومة هذا التوحيد القسري لم يستمر بدون صعوبات، فلم يرَ علماء البيولوجيا الجزيئية وجودًا لهذه التخصصات الأخرى، ولم يمتلكوا أي فكرة – مختلفة – عن طبيعة التفسيرات التي اقترحتها. ومع ذلك كانت النتيجة: جنبًا الى جنب المقاربة الجزيئية الإختزالية ، نمت ، وتطوّرت بطريقة بارعة، تخصصاتٌ امتلكت مبادىءَ تفسيرية مختلفة تمامًا.

في الثمانينيات من القرن الماضي، اندلع الجدال بين الفلاسفة حول إمكانية توحيد العلوم أو عدمها، إذا كان أصل هذا النقاش بالتأكيد موجودًا في تطور داخلي لفلسفة العلم؛ فهو بالتأكيد ليس غريبًا على التطور الموازي للمشهد العلمي للتخصصات العلمية. إن الزعزعة التدريجية، من خلال عمل محللي العلوم، من  كارل بوبر حتى علماء الاجتماع، لأسس المعرفة العلمية، جعل بلا شك هذا القبول للتفسيرات المتعددة أسهل.

بالنسبة لغالبية العلماء – وعلى ما يبدو أيضًا الفلاسفة – ليس من الواضح ما إذا كان المشهد المجزأ الحالي للتخصصات العلمية هو مجرد حالة مؤقتة قبل توحيد قادم، أو حقيقة لا مفر منها ستستمر في إثبات نفسها، حتى انّها سوف تتفاقم. ومع ذلك، فإن طبيعة الإجابة على هذا السؤال لا تغير الموقف الحالي تجاه هذا التنوع التفسيري، يجب أن تهدف الجهود إلى الحد منه من خلال تمفصل هذه المخططات التوضيحية المختلفة، وليس السعي – على الأقل الآن – إلى نظرية توحيد وهمية. لقد حلّلنا كذلك الأسباب المعرفية والاجتماعية على حد سواء التي تفترض هذا الاعتقاد المشترك على نطاق واسع اليوم من قبل الباحثين في علوم الحياة. سواء كان هذا الربطُ – أم لا – هو الخطوة الأولى في عملية التوحيد لا يغير شيئًا ممّا هو الهدف اليوم في علوم الحياة، ولكن أيضًا في العديد من التخصصات الأخرى. أصبح من الواضح أن التفسير العالمي للظواهر الحية يتطلب التعبير عن ثلاثة مخططات تفسيرية مختلفة على الأقل: كيميائية فيزيائية (جزيئية) وتطورية وفيزيائية. ويعد هذا صحيحًا عندما يحاول المرء أن يصف المراحل التي كانت يجب أن تسمح بتكوين الحياة وهي: تفسير الكيمياء الفيزيائية للتكوين التلقائي للجزيئات الأولى والجزيئات الكبيرة تتبعها تفسيرات تستدعي التنظيم الذاتي لهذه المكوّنات، تليها عملية (داروينية) لاختيار الجزيئات الأولى و / أو المجموعات الجزيئية الأولى. يُستخدم التمفصل، المؤقت هذه المرة، بين نفس المبادئ التفسيرية الثلاثة من أجل شرحِ أصل الحياة .

الحاجز الابيستيمولوجي الثاني الذي “قفز” مؤخرًا هو استحالة تفسير نشأة الجِدّة nouveauté  في انموذج توضيحي. إن التاريخ الفلسفي لمفهوم الإنبثاق l’émergence  قديم ومعقد، ولكن، كما أسلفنا؛ نعتقد أن الحدث الرئيسي الذي منحه مكانة معترف بها في فلسفة الحديثة للعلوم هو المكان الموجود بشكل شبه طبيعي في بعض العلوم من الكيمياء الفيزيائية حتى فيزياء الجوامد. هذا التطبيع naturalisation  للإنبثاق جعل من الممكن تصور أن الأنظمة المعقدة يمكن أن تكتسب خصائص جديدة – مثل الحياة– من خلال تجاوز الحد في عدد وطبيعة العلاقات بين المكونات الأولية المختلفة. يبقى استخدام مفهوم الإنبثاق خارج التخصصات التي وجد فيها مكانًا علميًا معترفًا به مجازيًا. ولا يهم إن كانت الاستعارة قوية بما فيه الكفاية أو لا، و الإحالة إلى استخدامه العلمي واضحةً كفاية، بحيث يتم قبول احتمال القفزات النوعية في أداء النظام.

مع هذين التحوّلين الابيستيمولوجيين؛ يمكن لدراسة الأحياء أن تتطور ، بشكل تام، كظاهرة علمية. لم يحن الوقت للتنبؤ بما تمنحه عودة السؤال “ما هي الحياة؟ والتوسع السريع في البحث عن اصولها. ومع ذلك؛ سنكون على استعداد للمراهنة على أنّ ابتذال مقولة الإنبثاق في المجال العلمي، وقبول تعدد التفسيرات اللازمة للظواهر الحية؛ سوف يؤدّي إلى إدخال دراسة “سؤال” الحياة في فترة من التقدم المستمر، وهو ما يمنعه حتى اللحظة البحث عن تفسيرٍ “أوحد” للحياة.


كيف سيصبح التساؤل الفلسفي عن الحياة و  عن الوعي؟

دعونا نعترف بأننا على صواب، وأن مسألة الحياة أصبحت بالتأكيد مسألة علمية. تكون كذلك من خلال قطع الصلة بين الحياة والفكر الواعي والخيط الوحيد الذي ما زال يربطهما مرة أخرى هو ببساطة مقولة الإنبثاق. إن ظهور الوعي المفكِّر سيكون أيضًا ظاهرة منبثقة، ولكن من طبيعة متمايزة تمامًا. وستكون هذه القطيعة حدثًا جديدًا تمامًا. حتى بالنسبة للبيولوجيا الجزيئية، التي اتهمت بأنها تسببت في “موت الحياة“، حافظت، بفضل مقولة المعلومة، على مقامٍ مشترك بين الحياة والفكر، وهو ما أظهر الفيلسوف جورج كانغيلهم ترسّخه في التقاليد الفلسفية. لا شيء من هذا القبيل في يومنا هذا، حيث فقدت مقولة المعلومة قوتها التوضيحية لصالح الآليات الكيميائية الفيزيائية. ماذا ستكون عواقب هذا القطيعة؟ وماهي المكانة التي سوف يتبوّأها فكرٌ فلسفيّ عن الحياة؟ سيكون ممكنًا تبني موقفين فلسفيين: التخلي النهائي عن سؤال الحياة لصالح العلماء، أو الحفاظ على فلسفة الحياة، وستكون المخاطر المتصّلة، على التواليّ، نضوب الفلسفة، أو انفصالها التام عن العلم.

هل هذه بداية لعملية مماثلة من “علمنة” scientificisation  الوعي؟ يمكن للعديد من الأعمال الراهنة، المتصّلة بأشكالٍ مختلفةٍ من التصوير الطبيّ، أن توحي بذلك. أو ربّما سوف يجعل قطع الصلة بين الحياة و الوعي من هذا الأخير، وبشكلٍ اوضح،  ليس شاهدًا على تعلّقٍ ماضويّ بالمقولات الميتافيزيقية، ولكن دليلاً فلسفيًا يستحيل اختزاله أبدًا الى معرفةٍ علمية؛ و ليس خطوةً قادمة من عملية تطبيع، و لكن، وفي روح الفينومينولوجيا، إستجوابًا لم تتوقف الفلسفة عن توجيهه للعلوم، و التي لم تتكمن يومًا من الردّ عليه.


[المصدر]

 

لينا دنهام: رسائل مفعمة بالأمل عن الحب والجنس والصداقة والموت.

إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر النوع الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وأثناء محاولة إعادة تعريفه.

“أنا أقول دومًا ما في رأسي”، هكذا تصرخ (إلويس) البالغة من العمر ست سنوات في الفيلم المقتبس عن كتب الأطفال الشهيرة التي أبدعتها الكاتبة الأمريكية (كاي ثومبسون) في عام 1955 وجاءت في بداية ذلك التحول الثقافي البارز وكانت تصور فتاة نضجت مبكرًا وتناصر الحركة النسوية الأولى وتتمتع بروح عتيقة ومفردات مبهرة. لقد كانت حرية التعبير التي تتمتع بها (إلويس) أكثر من مجرد مجاز سردي، فاستعدادها لتجسيد حياتها الداخلية بكل ما تحتويه من ظلمة وضياء كان يرمز إلى التغيرات التي شهدتها الكاتبة (ثومبسون) (1909-1998) والاتجاهات التي كانت هي نفسها تسعي من خلالها بمنتهي اللطف والدهاء لتغيير التيار الثقافي بواسطة كتب (إلويس)، وكما يؤكد المؤلف البريطاني (توكين) على نحوٍ معروف وكذلك ما ردده سنداك فيما بعد، لم تكن (ثومبسون) تؤمن بوجود ما يسمى الكتابة “للأطفال” ولهذا فهي لم تنظر مطلقًا إلى تلك السلسة البارزة من الكتب التي ألفتها على أنها “كتب للأطفال“.

وليس من قبيل المصادفة أن بطلة قصص (ثومبسون) المحبوبة تظهر في صورة وشم على جسد الممثلة والكاتبة الأمريكية (لينا دنهام) مثل العديد غيرها من الصور في الكتب الكلاسيكية المصورة، وتُعد (دنهام) في كثير من الجوانب هي (إلويس) هذا العصر الحديث على نحو تعمدته (دنهام)، فهي تقول دائمًا ما في رأسها من الأفكار التي تتميز بالرؤى الاستثنائية والذكاء العاطفي والضعف دون خوف، في الوقت الذي يحاول فيه جيل آخر من النساء والرجال السعي لفهم تلك النوعية من النساء وحبهّن للمخاطرة عبر شفا الهاوية ، وتحاول دنهام استكشاف جوهر تلك الهاوية: الحب والعمل والجنس والصداقة والجسد والعلاج وجميع تلك الوسطية الشائكة للحياة، إذ تستكشف ذلك بنفس القدر من الطرافة والدفء والحكمة في كتاب (لست ذلك النوع من الفتيات: شابة تتحدث عن “تجربتها”).

وفي إحدى الفقرات التي تعبر على وجه الخصوص عن أفكار (إلويس) الجديدة في مقدمة الكتاب، تتذكر (دنهام) شرائها نسخة مستعملة من كتاب المؤلفة (هيلين غورلي) براون لعام 1982 (لدي كل شيء)، وتجادل بأنه رغم أن نصيحة (غورلي) قابلة للنقاش فيجب أن نقول شيء ما، يجب أن نقول شيء ما، لمجرد ممارسة شجاعة التعبير عما في الرأس، وخاصةً عندما يتعلق الأمر بامرأة تعيش وسط ثقافة حيث ـــــرغم ما نتمتع به من نوايا حسنةــــ يكون العكس هو المتوقع فتكتب:

ليس أشجع بالنسبة لي من الشخص الذي يعلن أن قصته تستحق أن يسردها، وخاصةً إذا كان امرأةً، فرغم ذلك الجهد الذي عملنا به، وتلك المرحلة المتقدمة التي وصلنا إليها، لا تزال ثمة العديد والعديد من القوى التي تتآمر على النساء لإقناعهن بأن همومهن تافهة، وآرائهن لا حاجة لها، وقصصهن ينقصها الوقار اللازم لكي تكون ذي جدوى، وأن الكتابة الذاتية عند النساء لا تزيد عن كونها نوع من الممارسة الزائفة، وأنه يجب علينا تقدير هذا العالم الجديد للنساء ثم نجلس ونغلق أفواهنا.

وتستغل (دنهام) تلك النقطة لتضيفها إلى دوافعها لتأليف الكتاب:

أريد إحياء ما لدي من القصص، بل والأكثر من ذلك أنّي مضطرة لذلك حتى احتفظ باتزاني العقلي…ولو تمكنت من استخدام ما تعلمت في جعل مهمة واحدة حقيرة أكثر سهولة بالنسبة لي، أو منعكم من ممارسة ذلك النوع من الجنس الذي تشعرون فيه بأنه يجب عدم خلع الأحذية في حال أردتم الهروب أثناء الممارسة، عندئذٍ يكون كل خطأ ارتكبته يستحق العناء…فأنا لست خبيرة في العلاقات الجنسية، ولا طبيبة نفسية، ولا أخصائية غذائية، وأنا لست أمًا لثلاثة أطفال ولا أملك مصنع ملابس ناجح، ولكني فتاة أهتم بشدة بأن يكون لدي كل شيء، وفيما يلي رسائل مفعمة بالأمل من الخطوط الأمامية لهذا الصراع.

تكتب (دنهام) تلك الرسائل بنوع من الصدق المتلاشي داخليًا وخارجيًا معًا، ولا يتأتى ذلك للكثير منا، ودائمًا ما تقدم تلك الرسائل بنوعٍ من تداخل ثنائية النقص والكمال ، الذي تتميز بهما وكذلك ثقافتنا، فهي تبحث على سبيل المثال في ذلك الوباء المنتشر بشدة والمتمثل في إرضاء الآخرين، وهي تتناول تلك النقطة من زاوية نادرًا ما نتجرأ على التفكير فيها:

لا أشعر بالغيرة التقليدية، من الرفيق أو الرضيع أو الحساب البنكي، لكني أغبط أساليب الوجود عند غيري من النساء.

[…]

كنت أحسد السمات الذكورية إن لم يكن الرجال أنفسهم، إني أغار من تلك السهولة التي تميزهم في القيام بأدوارهم المهنية: عدم الاعتذار، وعدم بذل قصاري الجهد للتأكد من أن من حولهم ليسوا مستائين مما يحاولون القيام به؛ فأنا أرى أن الرجال غالبًا لا تكون لديهم غريزة إرضاء الآخرين، وهي تلك الغريزة التي أعتبرها اللعنة التي تصيب وجودي بوصفي أنثى، لقد شاهدت الرجال وهم يطلبون العشاء، ويطلبون النبيذ المروّع، والمزيد من الخبز بثقة لم أتمكن من إتقانها قط، وفكرت في نفسي وقلت: ياله من عملٍ فذٍ، لكني أرى كذلك أن كوني أنثى هو هدية لا مثيل لها، وسعادة مقدسة، على نحو شديد العمق حتى أنني لا يمكنني التعبير عنه، إنها مزية استثنائية أن يولد المرء في الجسم الذي يريده، وأن يعتنق جوهر الجنس الذي يمثله، حتى عندما يدرك ما يواجهه، بل وحتى أثناء محاولة إعادة تعريفه.

أعرف أني عندما سأعاني من سكرات الموت وأتذكر الماضي سأندم على المجادلة مع النساء، هؤلاء النساء اللائي حاولت إبهارهن وفهمهن وتعذبت بسببهن، هؤلاء النساء اللائي أريد رؤيتهن ثانيةً، أريد رؤيتهن وهن يبتسمن ويضحكن ويقلن: لقد جرت الأمور على ما يُرام.

لو لم أكن متحفظة بشدة من أستمرار استخدام كلمة “حساس” لوصف الكتابة النسائية، وإبعادها برقة عن عالم الكتابة الواقعية،لتحدثت عن تلك الحساسية التي لا مثيل لها التي تميز دنهام، فجميع أنحاء كتابها زاخرة بها، ولكن لعل أكثر المواضع التي تتضح فيها هذه الحساسية هو ذلك الفصل الذي تتذكر فيه اختها الصغيرة (غريس) وهي تعلن عن مثليتها الجنسية:

كنت في الثالثة والعشرين من العمر حينها،ومتطفلة بكل معنى الكلمة، أخذت بعض شرائح المكرونة ووضعتها في فمي، بينما (غريس) تتحدث عن ذلك الموعد الغرامي المروع مع صبي “مغفل” من إحدى المدارس في إحدى المناطق التي يقطنها الأثرياء.

تنهدت وقالت: “إنه طويل أكثر من الازم، ولطيف، ويحاول أكثر من الازم أن يكون فكهاً، لقد وضع منديل مائدة على يده وقال: “انظري! لدي غطاء لليد.” ثم أضافت “انه رسّام كارتوني، ويعاني من مرض السكري.”

قلت لها: “إنه رائع”، وبعد ذلك وقبل أن أفكر في الأمر قلت: “ما أنتِ؟ هل أنتِ مثلية؟

فقالت: “في الحقيقة، نعم”، قالتها وهي تضحك وقد احتفظت برباطة الجأش التي كانت تميزها منذ مولدها.

بدأت تخرج مني شهقة، ليس لأني لم أكن أريدها أن تكون مثلية…لا، كنت أصرخ لأني فهمت فجأة ضآلة ما أعرفه بالفعل: عما تعانيه من آلام، وعن أسرارها، وأوهامها التي كانت تدور في رأسها عندما تستلقي على سريرها ليلاً بذاتها الداخلية.

وفي فصل آخر تمارس (دنهام) تلك الموهبة اللافتة للنظر التي تتميز بها وهي استخدام الأفكار الثقافية الشائعة في هذا العصر ـــــ وهي مقالات القوائم في هذه الحالة ـــــ باستخفاف ولكن دون تحمل عبء السخرية إلى حدٍ ما، ذلك العبء الذي يعوق تحقيق الأهداف، وذلك من أجل توضيح أن الوسط لا يحدد طبيعة الرسالة ولكن الجوهر، ولا يجب ألا تكون المادة خالية من الفكاهة لكي تكون جادة، فتقول تحت عنوان “الأشياء السبعة عشر التي تعلمتها من والدي“:

  1. الموت آتي إلينا جميعاً.

  2. لا توجد أفكار سيئة ولكن أفعال سيئة فقط.

  3. “أيها الرجال، إحترسوا: النساء قادمات من أجل مداعبتكم.”

  4. الثقة ستجعلك تخلع كل شيء أثناء الجنس حتى الأحذية والجوارب.

  5. جميع الأطفال فنانون مدهشون، فالبالغون هم من يجب أن نقلق عليهم.

  6. إذا كنت في حفلة وكانت لا تعجبك، قل أنك ستذهب للاطمئنان على سيارتك ثم أخرج بسرعة، ولا تنظر في عين أحد.

  7. عواطف السكارى ليست حقيقية.

  8. يمكنك إعداد وجبة خفيفة رائعة بتحمير البطاطا الحلوة في فرن الميكروويف ثم تغطيتها بزيت بذور الكتان.

  9. لم يفت الأوان مطلقًا للتعلم.

  10. “سيارة الفولفو سيئة بما يكفي، لن أضع معطف على ذلك الكلب اللعين.”

  11. المد المرتفع يرفع جميع القوارب.

  12. من المريع أن يحصل من تكرههم على الأشياء التي تريدها.

  13. هل توقف الإبداع لديك؟ خذ إجازة من العمل لمشاهدة أحد أفلام الجريمة والغموض، فدائمًا ما يحلون لغز الجريمة، وهو ما سيحدث لك أنت أيضًا.

  14. لا يجب أن تكون لامعًا في حياتك لكي تكون لامعًا في عملك.

  15. ارتدي بذلة عند الذهاب إلى قسم المركبات لتسريع الأمور قليلاً.

  16. لا تطلق نكات عن إخفاء المخدرات أو الأسلحة أو العملة أمام ضباط الشرطة أو العاملين في إدارة أمن النقل والمواصلات الأمريكية، فالاحتجاز ليس مزحة.

  17. التأقلم هو الأهم.

وتخصص (دنهام) فصلاً كاملاً لأول درس من تلك الدروس التي تعلمتها من والدها، وهو علاقتنا المعقدة بالموت وكذلك قلق البشر على الدوام من الزوال:

أعتقد أن هناك قدراً كبيراً من حقيقية كوننا سنذهب جميعًا للموت، تأتيني تلك الفكرة في لحظات غير مناسبة على نحو لا يصدقه عقل، عندما أقف في أحد الحانات مثلاً و بعد أن تمكنت من إضحاك شاب جذاب للتّو،سأضحك أيضًا وربما أرقص قليلاً، ثم يسير كل شيء بالحركة البطيئة لثانية وأفكر: هل يدرك هؤلاء الناس أننا سنذهب إلى المكان ذاته في النهاية؟ وعندما أتمكن من المشاركة في المحادثة ثانيةً أقول لنفسي إن ذلك الإدراك الخاطف للموت أثرى تجربتي وذكرني بأن كل ما يجب عليّ حينها هو الانطلاق في الضحك وإمالة الشعر من جانب إلى آخر وقول الصراحة: . لماذا لا؟ ولكن في بعض الأحيان يظل ذلك الإحساس بداخلي ويذكرني بأني طفلة أشعر بأن الخوف يتملكني ولكن دون أن أمتلك الكلمات التي تهدئني، أظن أنه عندما يتعلق الأمر بالموت لا أحد فينا يملك الكلمات بالفعل.

أتمنى أن أكون واحدة من هؤلاء الشابات اللائي يبدو أن لا وعي لديهن على الإطلاق بأن أجسادهن الجذابة والجميلة معرضة للخطر (ربما يجب أن يكون لدى المرء جسد جذاب وجميل لكي يشعر بذلك). الخداع الجميل للنفس: أليس هذا هو جوهر الشباب؟ أن تظن أنك خالد حتى يأتي يوم تصير فيه في الستين تقريبًا وفجأة تُصدم: فترى ذلك الشبح الكئيب للموت فتراجع نفسك وقد تتبنى طفل محتاج، وتقرر أن تعيش باقي حياتك بأسلوب يمكنك الافتخار به.

لكني لست واحدة من هؤلاء الشابات، لقد انتابني هاجس الموت منذ ولادتي.

[…]

والحقيقة هي أنني كنت أدور حول موضوع الموت دون وعي لفترة من الوقت، لقد نشأت في حي سوهو في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين وأوائل التسعينيات من القرن ذاته، وكنت واعية لمرض الإيدز وعدد الوفيات بسبب ذلك المرض بين أوساط المبدعين، وكانت موضوعات مثل المرض، والفقدان، ومن يتولى الفن والعقارات وفواتير العلاج تسود جميع حفلات العشاء، وعندما مرض العديد من أصدقاء والداي تعلمت كيف أدرك نظرة المعاناة في الوجوه: خدود غائرة وبقع غريبة على الوجه وزيادة في الوزن، وكنت أعلم معنى ذلك: سوف يصبح ذلك الشخص مجرد ذكرى قريبًا، مجرد اسم على جائزة تُمنح للطلبة الزائرين، مجرد ذكرى بعيدة.


[المصدر]

 

 

في مديح الرتابة، يكتب بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا عن “الرتابة” تحت عنوان “ملوك الواقع، ملوك الحلم”، يقول فيه مستفتحًا:

ما يدهشني أكثر من غيره ليس هو البلادة التي يحيا بها أغلب الناس حياتهم ؛ وإنما الذكاء الموجود في تلك البلادة.

إن رتابة الحيوات العامية تبدو مرعبة، في الظاهر.

يشرح فكرته بعد ذلك، قائلًا: 

الحكيم هو من يضفي الرتابة على الوجود، بحيث يكتسب، حينئذ، كل حادثٍ مهما صغُر شأنه ميزة الأعجوبة. بعد الأسد الثالث تفقد مغامرة صيد الأسود كل إثارتها.

[…] بإمكان كل شخص، إذا كان ممتلكًا للحكمة الحقيقية أن يستمتع بالمشهد الكامل للعالم، من خلال كرسي، بدون معرفة بالقراءة، بدون حاجة إلى الحديث مع أي كان، فقط بواسطة الاستخدام السليم للحواس وبروح لا تعرف كيف تكون حزينة.

يسهب (بيسوا) في موضع آخر، فيقول:

إضافة الرتابة على الوجود، لكي لا يكون رتيبًا. تَتْفيه اليومي، كيما يغدو أقل الأشياء أهمية مجلبة لأكبر التسليات.

وسط عملي اليومي، الشاحب، الرتيب واللامجدي. تباغتني رؤى هروبية. آثار حلمية لجزرٍ قصية، احتفالات في حدائق حقب أخرى، مشاهد طبيعيو أخرى، أحاسيس أخرى، أنا آخر. غير أني اكتشفت، بين مقعدين، أن لو كان ذلك كله لي، لن يكون أي شيء منه من نصيبي.

يختتم بعد ذلك (بيسوا) حديثه:

الرتابة، تماثل الأيام الخالية من أي بريق، انعدام الفارق بين اليوم والأمس، هو ما بقي لي على الدوام، مع الروح المتيقظة لأجل الاستمتاع بالذبابة التي تسليني، عندما تمزق مصادفة أمام عيني، بالقهقهة القادمة متقلبة من شارع غير محدد. بإحساس التحرر الفسيح لكون الساعة ساعة إقفال المكتب، بالاستراحة اللانهائية ليوم عيد.

بإمكاني أن أتخيل الكل، كل شيء، لأنني لا شيء، لو كنت شيئًا لما كان بإمكاني أن أتخيل. مساعد محاسب بإمكانه أن يحلم بنفسه إمبراطورًا رومانيًا؛ ملك إنجليترا محرم عليه أن يكون، في الأحلام، ملكًا آخر مختلفًا عن الملك الذي هو إياه. الواقع لا يترك له مجالًا للإحساس.

إلف شفق تتساءل: ما الذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟

 

أَلِفْ شَفَقْ (مواليد 1971) هي روائية تركية تكتب باللغتين التركية والإنجليزية، وقد ترجمت أعمالها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة. اشتهرت بتأليفها رواية (قواعد العشق الأربعون) سنة 2010.

في كتابها (حليب أسود)، والذي ترجمه إلى العربية الأستاذ (أحمد العلي)، تتساءل (إلف) عمّا يجعل المرء سويًا، سواءً كان ذكرًا أو أنثى. فتبدأ (إلف) باقتباسها من المغنية (كورتني لوف)، إذ قالت:

قالت مرة المغنية (كورتني لوف): “في الجزء الأكبر من حياتي اليومية، أحب أن أتصرف بشكل سويّ، بطريقة مُثلى، حتى لو كنت منهكة ومستنفذة بالرؤى المريضة للعنف والإرهاب والجنس والموت“.

تعقب بعد ذلك (إلف) قائلة:

نحن بخير طالما أننا نتظاهر بذلك، طالما أننا ندعيه من الخارج.

لكن مالذي يعنيه حقًا أن تكون سويًا؟ ما هي بالضبط المرأة السوية؟ ما الصفات النسائية التي تعتبر طبيعية؟ وما هي الصفات الأخرى التي تصنف على أنها ثقافية؟ هل مقدّر على الفتيات، جينيًا، أن يكُنّ أموميات وراعيات وعاطفيات؟ أم أن عوائلهن ومجتمعاتهن من يُشكّلنهن على هذا النحو؟ أم أنه أمر آخر، تكون فيه الصفات الطبيعية والثقافية متضافرة بشدة على الحدّ الذي يصعب معه البت في أي تقسيم لتلك الصفات المشكِّلة للمرأة؟

تقول (إلف) مجيبة عن تساؤلاتها:

تأتي الصفات دومًا على شكل زوج. هناك الصفة وهناك عكسها، هناك الصفة وما يقابلها. لكل جميل في العالم، هناك بالتأكيد مقابل قبيح، ربما، في التحضير للطوفان الكبير، استقلت الصفات سفينة نوح زوجًا زوجًا، كما فعلت الحيوانات تمامًا. لهذا نميل على الدوام للتفكير في المصطلحات بشكل ثنائي. إن كان هناك تعريف ثابت لما تم التعارف عليه على أنه “النسوية المثالية“، فشكرًا لذلك التعريف الذي ترسخ على أنه تعريف “الرجولة المثالية“. كلا التعريفين، وما يترتب عليها من توقعات، مروّعان بشكل أو بآخر لكلا الطرفين، للرجال والنساء على حد سواء.

ننتقل بعد ذلك مع (إلف) إلى موضع آخر، فتقول فيه:

حلال قرون طويلة على وجه المعمورة، كان المتوقع من الفتيات والنساء أن يلتزمن بقائمة صفات ثابتة، بينما يُقاس الفتيان والرجال بقائمة أخرى. وإذا جمع أي أحد صفات من كلا القائمتين مهما كان الزمان الذي يعيش فيه أو المكان، فإن حياته ستتعقد بشكل رهيب. لذلك يُقال، إلى يومنا هذا، عن المرأة التي توصم بالحزم، إنها “رجولية“، وستواجه متاريس صلبة من ردود الفعل الخشنة، تمامًا كما سيحدث للرجل الذي يوصم بأنه “أنوثي“. وكلما كان المجتمع محافظًا، يكون من النادر فيه أن تتقاطع القائمتان وأن تلتقي الصفات في أحد من أفراده. ما أشرس الحياة! ومع ذلك يبقى تحديد العلاقة بين الجنسين وتعريفها أمرًا محصورًا في المجتمعات التقليدية. وعلى الرغم من تغيرها المستمر، أعني تلك المجتمعات، فإن المشكلة تبقى كونية ومنتشرة. فمنذ الأساطير القديمة وحتى كتب المصوّرات الحديثة، من الحكايات الشعبية إلى الإعلانات التجارية، وهذه الثنائية في التفكير تتشعّب يومًا آخر في كل جوانب حياتنا.

الرجل / المرأة

عضلي/ رقيق

خشن / خجول

حاضر / غائب

ثقافة / طبيعة

النهار / الليل

منطقي / عاطفي

العقل / الجسد

لمسي / حسية

عمودي / أفقي

السفر / الاستقرار

متعدد العلاقات / وحيد العلاقة

أفعال / أقوال

متجرد / ذاتي

تمجيدي / رثائي

وبشكل مستغرب، بما فيه الكفاية، اعتادت النساء أيضًا على التفكير في أنفسهن وفقًا لتلك الصفات المحددة. إن العلاقات التي ينشئها بعضنا بالآخر، وأحاديث النفس التي نجريها في دواخلنا، والطريقة التي نربي وفقها بناتنا، مثقلة بظلال تلك الانشطارات بين الصور المثلى للجنسين.

تختتم (إلف) تساؤلاتها، قائلة:

عندما يبدو كل شيء مثقلًا بالميراث الثقافي، كيف لي أن أعرف إذا ما كان ما أشعر به وأفكر فيه طبيعيًا؟ ومن قال أنه ليس إملاء مفروضًا عليّ من الوسط الذي أعيش فيه؟

بين المعاناة والمسؤولية، جوردان بيترسون يتحدث

جوردان بيترسون هو عالم نفس سريري ومفكر كندي، وهو بروفيسور علم النفس في جامعة تورنتو. بيترسون مختص في علم النفس اللاقياسي وعلم النفس الاجتماعي وعلم نفس الشخصية، مع اهتمام خاص بعلم نفس الأديان وأيديولوجيا الإيمان وتقييم وتحسين الشخصية والأداء وظيفي.
دكتور (بيترسون) نشر محاضراته في اليوتيوب تتمحور حول التحليل النفسي للقصص وإضافة معنى للحياة، ننقل لكم أجزاءً منها بترجمة حصرية لدى ساقية.

يقول (بيترسون) موضحًا حين قال أن الحياة بحد ذاتها معاناة:

الشعور الذي نعرف حقيقته هو الألم، بسببه نعي حدود قوتنا ونبدأ في مقاومته والاتجاه نحو الأفضل. هذه قصتنا جميعًا، قصة (يونس) في بطن الحوت و(بينوكيو) في فلم ديزني. وهي أفضل طريقة تصف حياتهم  ولهذا  ينجذب الناس إلى الحكايات ويحبون الاستماع اليها.

وفي محاضراته يشرح (بيترسون) أساسيات القصة:

تتضمن القصص نمط موحد، حيث أننا دائما موجودون في س ونريد الإنتقال إلى ص ويتطلب ذلك أن نرى العالم عبر إطار، هذا الإطار يقوم على أن ماتريده وتتوقع حصوله سيحصل. في هذه الحالة أنت نجحت في الحصول على ماتبتغيه. وهذا ماسماه (كارل يونغ) بـ”النظام“.

لكن في حياتنا اليومية يحدث طارئ جديد يغير هذا النظام ويجعلك أمام نتيجتين، إما إيجابيه وهي اكتسابك إمكانيات جديدة وفرص أفضل بالحياة، تشعر بالسعادة ويظل نظامك مستمر. أو أن هذا الحدث الجديد يهدد نظامك حيث أن ماتوقعته لم يحصل. سمى (يونغ) هذه المرحلة بـ”الفوضى“. يتملكك الشعور بالفشل وتبدأ معاناتك مع القلق والخوف من المجهول.

وفي حديثه عن المسؤولية، بصفتها حلًا للفوضى وأفضل السبل لاكساب الحياة معنى، يقول:

حين تواجه مشكلة تكون أمام خيارين: إما أن تواجهها بكامل وعيك أو تتخلص من هذا العبء وتتجاهلها. تستطيع التجاهل بأن تكون اتكالي أو ندمن الكحول او ان ترفض كونك بلغت الرشد وتظل تتصرف كالأطفال، أو تقوم باختيار الحل الأفضل وتعمل على توسيع مداركك وزيادة وعيك بالمشكلة لكي تحلها وتتجنب حصولها بالمستقبل.

الحياة صعبة بطبيعتها . وما البديل الافضل لكي لا تجعلها أسوأ غير أن تختار الخيار الأصعب. أي أنك قادر على تحمل المسؤولية. أن تتقبل ما يحمله لك الفوضى من عبء. كمثال على ذلك: حين نفكر أن ننجب طفلا وفي قرارة أنفسنا متقبلين الحمل الذي يأتي معه، نفرح به ونسعد بوجوده. و ليس العكس حين نكون مرغمين على وجوده و تربيته، يكون حملا ثقيلا و وجوده حولنا بحد ذاته متعب ومقلق.

أهم نصيحة ممكن ان تقدمها للشباب كي يتجاوزوا مرارة الحياة هي أن تقبلنا للعبء يكثف شعورنا بأن للحياة معنى. يعطينا قوة تزيد من قدرتنا على الخوض في الخيارات الصعبة واستخراج النظام من الفوضى. هذه القدرة هي المسؤولية.


الألم .. في فن اللامبالاة عند مارك مانسون

مارك مانسون هو مؤلف ومدوِّن أمريكي مواليد 1984. له ثلاثة كتب Models: Attract Women through Honest و فن اللامبالاة وأيضاً خراب: كتاب عن الأمل.

بدأ مارك مانسون أول مدونة له في عام 2009 كقناة تسويقية لأعماله في مجال استشارات المواعدة (dating advice business)، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل المستقل.

مما يميز كتابي مارك مانسون الأخيرين -والذَين حققا مبيعات كبرى-، هو كتابة مارك مانسون الصريحة والواقعية، فبالرغم من تكرار مواضيع تطوير الذات والسعادة التي يكتب عنها مانسون والتي كُتب عنها من قبل، إلا أن مانسون يذكرنا بها بطريقة فريدة ويعيد تركيب المشهد لترى الصورة بشكل أوضح.

ظل يُقال لنا طيلة عشرات السنوات إن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية. لكن (مارك مانسون) يشتم تلك “الإيجابية” ويقول: “فلنكن صادقين، السيء سيء وعلينا أن نتعايش مع هذا”.

لا يتهرّب (مانسون) من الحقائق ولا يغفلها بالسكّر، بل يقولها لنا كما هي: “جرعة من الحقيقة الفجِّة الصادقة المنعشة هي ما ينقصنا اليوم”.

في كتاب (فن اللامبالاة) المترجم إلى العربية بإخراج ّالحارث النبهانّ. وتحديدًا في الفصل الثاني بعنوان: السعادة مشكلة. يروي (مانسون) قصة قصيرة تخصه، فيبدأها متسائلًا: السؤال الذي يلفت النظر أكثر ويجعلك تفكر، السؤال الذي لا ينتبه إليه أكثر الناس، هو: “ما الألم الذي تريده في حياتك؟ وما الذي تظن أنك مستعد للكفاح من أجله؟”إن ما يقرر نجاحك ليس “ما تريد أن تستمتع به؟” بل إن السؤال الصحيح هو: “ما الألم الذي أنت راغب في تحمله أو قادر على تحمّله؟”

إن الطريق إلى السعادة دربٌ مفروشة بالأشواك والخيبات.عليك أن تختار شيئًا! لا يمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها. لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت: السعادة هي السؤال السهل! وتكاد الإجابة على هذا السؤال تكون متماثلة عندنا جميعًا.السؤال الأكثر إثارة للإهتمام هو سؤال الألم.

ما الألم الذي أنت راغب في عيشه؟ هذا هو السؤال الصعب الذي له أهمية، السؤال الذي سيوصلك إلى مكانٍ ما في حقيقة الأمر. إنه السؤال الذي يمكنه تغيير نظرتك، وتغيير حياتك.إنه السؤال الذي يجعلني ما أنا عليه ويجعلك ما أنت عليه. إنه يحددنا ويحدد الفروق بيننا وما يجمعنا معًا في آخر المطاف.

خلال معظم فترة مراهقتي وشبابي، كنت أحلم بأن أكون موسيقيًا .. نجمًا من نجوم الروك تحديدًا. وكلما سمعت أغنية جيدة على الغيتار، كنت أغمض عيني وأتخيل نفسي واقفًا على المسرح أعزف الغيتار أمام جمهور يزعق جنونًا، أمام أناس فقدوا عقولهم تمامًا وهم يستمعون إلى الروعة التي تخلقها أصابعي من تلك الأوتار. كان من الممكن أن يجعلني هذا الحلم أتمرَّن على عزف الغيتار ساعات لا نهاية لها. وفي نظري، لم يكن مطروحًا أبدًا السؤال عما إذا كنت سأقف على المسرح يومًا ما وأعزف أمام ذلك الجمهور المذهول، بل متى يحدث ذلك.

ويكمل (مانسون):  

على الرغم من أحلامي كلها التي استمرت نصف فترة حياتي تقريبًا لم تثمر تلك الأحلام شيئًا في الواقع. ثم كان لا بد لي من وقت طويل وصراع كثير حتى أتوصل إلى السبب: أنا لا أريد هذا في حقيقة الأمر!

كنت أعيش “حالة حب” مع النتيجة التي أتخيلها؛ صورتي على خشبة المسرح، والناس يهللون لي، وأنا أعزف وأسكب قلبي في ما أعزفه. لكني لم أكن أعيش حالة الحب نفسها مع العملية التي يمكن أن توصلني إلى تلك النتيجة. وقد فشلت لهذا السبب.

فشلت مرة بعد مرة. بل إنني لم أكد أبذل في تلك المحاولات جهدًا كافيًا لأن أعتبر ما حدث لي فشلًا. حقيقة الأمر هي أنني لم أحاول محاولة جدّية أصلًا !سوف تخبرني الأدبيات الثقافية الشائعة بأنني خذلت نفسي على نحو ما، وبأنني شخص منسحب أو فاشل، وبأنني “لا أملك ما يلزم” للأمر، وبأنني تخليت عن حلمي.. ربما لأنني تركت نفسي أرضخ أمام ضغط المجتمع.

لكن الحقيقة مدهشة مثيرة للاهتمام أكثر من هذه التفسيرات كلها.الحقيقة هي: ظننت أنني أريد شيئًا، لكن اتضح لي أنني لا أريده. انتهت الحكاية. لقد أردت النتيجة ولم أرد الصراع من أجلها. أردت النتيجة ولم أرد العملية المفضية إليها.

لم أكن واقعًا في حب الكفاح من أجل تلك الغاية، بل كنت أحب النصر فقط. لا تسير الحياة على هذه الشاكلة.

تتحدد الإجابة على السؤال “من أنت؟” بما أنت مستعد للصراع من أجله. فالناس الذي يستمتعون بالصراع في ميادين التمرينات الرياضية هم الأشخاص القادرون على المشاركة في المسابقات الثلاثية، الجري والسباحة وركوب الدراجات، والذي يمتلكون أجسامًا منحوتة نحتًا، يستطيعون رفع أثقال ضخمة. كما أن الناس يستمتعون بساعات العمل الطويلة وبسياسات السلم الوظيفي في المؤسسات، هم الأشخاص الذين يطيرون إلى أعلى ذلك السلم طيرانًا. والناس الذين يستمتعون بتوترات الحياة الفنية وحالات الجوع وعدم اليقين فيها هن من يعيشونها حقًا ويتوصلون إلى النجاح فيها آخر الأمر.

لا علاقة لهذا الكلام بقوة الإرادة ولا بالمثابرة والجَلَد. وما أقوله هنا ليس نصيحة جديدة من نوع “لا فوز من غير مشقة”. هذه أبسط مكوّنات الحياة وأكثرها أساسية: صراعاتنا تحدد نجاحاتنا. ومشاكلنا تلد سعادتنا، وإلى جانبها تلد أيضًا مشكلات أفضل قليلًا.إنه مسار حلزوني صاعد لا ينتهي. وإذا ظننت في أي نقطة من ذلك المسار أن في وسعك أن تتوقف عن تسلقه، فأخشى أنك لم تفهم شيئًا.

أقول هذا لأن المتعة الحقيقية كامنة في التسلق نفسه.  

ختامًا؛ يرى (مانسون) أن الألم بإختصار هو سر الوجود.
فإن كنت تتألم لآجل شيءِ ما .. إذاّ أنت موجود!