أرشيف الوسم: الحياة

كيفية التعافي من آلام الفقد برأي بيرل باك

Image result for Pearl Buck

بيرل باك (1892-1973)، كاتبة وروائية أمريكية. ولدت لأبوين أمريكيين يعملان في الصين. عاشت (باك) معظم طفولتها في الصين، إلى أن عادت، في سن السابعة عشر، إلى وطنها أمريكا، حيث التحقت بإحدى الكليات الجامعية. كتبت (باك) العديد من الروايات والقصص القصيرة، من أشهرها رواية (الأرض الطيبة) التي نشرت عام 1931.

في عام 1938 حصلت على جائزة نوبل في الأدب. كما ساهمت (باك) في إثراء أدب الطفل، فكتبت العديد من قصص الأطفال، من بينها رواية (الموجة الكبرى)، التي نشرت عام 1947، وترجمها إلى العربية (سالي رءوف) ونشرها المجلس القومي للترجمة، في سلسلة (عالم الطفل)، عام 2013.

Image result for ‫الموجة الكبرى‬‎
تحكي الرواية عن (كينو)، الفتى الصغير، الذي يعيش على جانب إحدى الجبال في اليابان مع أسرته، وعن صديقه (جيا) الذي يعيش في قرية صيادين عند سفح الجبل. مع بداية الرواية يسمع (كينو) عن (الموجة الكبرى)، التي يخافها جميع أهل القرية، صغارًا وكبارًا. وذات يوم حدث ما كان يخافه أهل القرية، وجاءت الموجة الكبرى وأغرقت المنازل عند سفح الجبل، وفقد (جيا) عائلته.

تأثر (كينو) بما حدث لعائلة (جيا)، وذهب إلى أبيه حزينًا يشعر بالهزيمة وأخبره أنه لا يظن أن صديقه (جيا) سيصبح قادرًا على الشعور بالسعادة بعد الآن، فرد عليه والده قائلًا:

بل سيصبح سعيدًا ذات يوم. فالحياة دائمًا أقوى من الموت. سيشعر (جيا) عندما يستيقظ أنه لن يستطيع ابدًا أن يصبح سعيدًا مرة خرى. سيبكي ويبكي ويجب أن ندعه يبكي، لكنه لا يستطيع أن يستمر دائمًا في البكاء. بعد أيام قليلة، سيتوقف عن البكاء الدائم.. سيبكي بعض الوقت فقط. سيجلس حزينًا وصامتًا، ويجب أن نتيح له أن يحزن، ويجب الا نحمله على الكلام .. لكن ذات يوم سيشعر بالجوع ويأكل شيئًا مما تطوه أمنا، وسيبدأ في الشعور بأنه تحسن، ولن يواصل البكاء بعدئذ خلال النهار، لكنه سيفعل ذلك ليلًا. ويجب أن نتركه يبكي في الليل. لكن خلال كل هذا الوقت سيقوم جسمه بتجديد نفسه .. دمه الذي يتدفق من شرايينه، عظامه التي تنمو، وعقله الذي سيبدأ ثانية في التفكير، كل هذا سيجعله يعيش.

فرد (كينو) على والده بأن (جيا) لن يستطيع نسيان عائلته التي فقدها، فرد عليه أبيه:

إنه لا يستطيع ولا يجب أن ينساهم. لكن تمامًا كما عاش معهم وهم أحياء، سيعيش معهم وهم أموات. ذات يوم سيتقبل موتهم باعتباره جزء جزءًا من حياته، وعندئذ لن يعود إلى البكاء. سيحملهم في ذاكرته وأفكاره.. لحمه ودمه جزء منهم.. وطالما هو يعيش فإنهم ايضًا سيعيشون معه.

 

فريدريك لونوار، في فلسفة عدم التعلق

 

فريدريك لونوار

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يتطرق إلى فلسفة عدم التعلق بالأشياء، كطريقة لنيل حياة مثالية وسعيدة. ففي مقالة حملت عنوان “التعلق وعدم التعلق” يشرح بأسلوب بسيط كيف يكون ذلك، فيقول:

إن عدم التعلق بالأشياء هو إحدى الوسائل الأساسية لعيش “حياة سعيد“. فنحن يهمنا أن يكون لكل منا بيت نملكه، وأن نأكل كل يوم عند شعورنا بالجوع. أما في ما يختص بالأمور الأخرى، فإن السعادة والشقاء يتوقفان أساساً على عوامل أخرى هي: الحب، الحرية، الصحة، ضبط الذات. لذا يتوجب علينا أن نستقبل الحياة كما تعرض علينا وبما تنطوي من يسر وعسر.

فنرضى بفتراتها السعيدة التي ننعم أثناءها أحياناً بمتع نحن بغنى عنها. وبفتراتها الأصعب كذلك التي نقدرها من أجل التنعم بمتع أشد عمقاً. يتراءى لي أن الفلسفة البوذية التي تعتبر كل شيء خاضعاً للتحول والتغير والحركة الدائمة هي عين الصواب . إنها تؤسس لفلسفة “عدم التعلق“: علينا ألا نتعلق بما هو غير ثابت.

إذ بإمكاننا أن نتمتع يوماً بصحة جيدة، وفي اليوم التالي بصحة سيئة، أن نكون أغنياء يوماً، وفقراء في الغد، ولا أحد يسعه أن يضمن ثبات مراتب الشرف والثروة. ثم إن فلسفة عدم التعلق البوذية نجدها في فلسفات العصور القديمة الرئيسة، كما رأينا ذلك في الفصول السابقة التي ذكرت فيها الأبيقوريين والرواقيين، ونجدها كذلك في تعاليم جميع الأديان الكبرى التي لا تشجب المادة أو الملذات الحسية، بل تشجب التعلق بالماديات والمال.

يتحدث بعد ذلك عن المسافة بين التعلق والازدراء، فيقول:

إن عدم التعلق فلسفة لا تحض على التقشف ولا تستوجب ازدراء الماديات، بل تكتفي ببساطة برفض التعلق بها. فمن الطبيعي أن يشعر المرء بالمتعة إن توافرت له حياة مادية رخية، وكان له بيت، وكمبيوتر وسيارة يعملان على أفضل وجه، وإن أتيح له السفر في أوقات لفراغ. المهم هو البقاء في حال من اليقظة وعدم الاستسلام لمغريات التعلق بكل هذه الأمور التي تحت تصرفنا، والتي ينبغي، إذا ما خسرناها، ألا توقعنا في الحزن والأسى، ولا تهز نفوسنا. فنحن لسنا عبيداً لها .. لكننا ملزمون مع ذلك باحترامها، إذ ليس من العدل في شيء، أن نترك منازلنا تتداعى، ونملك بستاناً ولا نعنى باستصلاح أرضه. فاحتقار الماديات، وهو عمل يرثى له، مرتبط في الغالب باحتقار الجسد. هذا ولا يعني عدم التعلق بالأمور الفانية كراهية الجسد أو ازدراءه وازدراء ما يمت بصله إلى المادة، كما هي الحال أحياناً في بعض التيارات الدينية التقشفية. وحب المرء لجسده، على ما قلت آنفاً، والعناية به بشكل صحيح يعتبر من صميم الحياة الروحية ويسهم في ازدهارها. كذلك حب البيئة التي نعيش فيها وتخصيص قليل من الوقت بغية تحسينها وتجميلها يشكل إجراء مماثلاً، لذلك، أكرر، أن نحافظ على المسافة الضرورية كي لا نصبح عبيد أجسادنا وأهوائنا ومساكننا.

لكن الكاتب لا يوافق فلسفة عدم التعلق بالماديات البوذية في امتدادها إلى الأشخاص، فيقول:

فـ(بوذا) يوصي في الواقع بعدم التعلق بالنسبة إلى جميع الكائنات الحية، بمن فيهم الذين هم أقرب إلينا؛ كوالدينا، وزوجاتنا وأبنائنا. هؤلاء أيضاً، يقول (بوذا)، خاضعون، على غرار الكون بأكمله، لقانون عدم الثبات: إنهم سيرحلون ذات يوم، وسينفصلون عنا، ونحن سنتألم من جراء ذاك.

ثم يعقّب (فريدريك لونوار) على رأي (بوذا)، فيقول:

(بوذا) على حق تماماً؛ إذا شئنا تجنب كل أنواع الألم يجدر بنا ألا نتعلق أبداً بأي إنسان كان. ولكن ماذا يحل آنذاك بتجربة الحب، والصداقة اللذين يعتبران شرطاً لاكتمالنا؟ إن انعدام الحب، عطاًء ونيلاً، يجفف النفس. والحال أني لا أعتقد بأن في إمكاننا أن نحب من دون تعلق. ليتنا نستطيع أن نحب ونظل لا مبالين إذا مات الشخص الذي نحب.

بينما تحاول الفلسفة البوذية عدم التعلق بالأشخاص تجنباً لألم فقدانهم يرى الكاتب أن الألم جز طبيعي من الحياة:

فالحياة تقتضي وجع فقدان أشخاص محبوبين. وينبغي قبول ذلك. إن التمزق الناجم عن القطيعة أو الحداد هو الثمن الواجب دفعه للحب. إنه ثمن باهظ، ولكن يبدو لي من الضروري قبوله بوعي تام لنعيش الحياة بصورة كاملة.

كيف تحفز نفسك للنهوض من سريرك وتتوجه إلى العمل

Prisoners-9420081718850

إذا صممنا أماكن العمل بطريقة تسمح للأشخاص بالوصول إلى معنى في أعمالهم، فإننا سنصنع طبيعة بشرية تقدر العمل ومنحه قيمته، هذا ماكتبه عالم النفس (بيري شوارتز) في تحقيقه المعنون بـ(ما الذي يحفزنا للعمل). ولكن الطبيعة البشرية نفسها ما هي إلا طبيعة بهيمية مزاجية. وجود أصغر عذر سيوقف الشخص عن العمل على الإطلاق“، هذا ما أسف عليه (جون ستينبيك) في مذكراته عن العملية الإبداعية و عن جهاده وكدحه في كتابة الرواية التي لم تلبث إلا وأوصلته إلى نيل جائزة بولتيزر، كما أصبحت حجر الأساس في ربحه لجائزة نوبل بعد عقدين. من المؤكد أن للعمل معنى مختلف تمام الإختلاف في العمق عند الفنان عن ما يعنيه لذلك الشخص المجبور على العمل في مكان عمل لمدة تترواح بين التسع والخمس سنوات،بالرغم من كون هؤلاء محظوظين بما فيه الكفاية حيث يدفعهم شعور عميق بهدف النداء الداخلي للعمل الذي يؤكد أن مهنهم ومعاشهم يمكن أن تخضع لفترة موسمية أو ربما حتى متكررة من الشلل المتعلق باحتمالية وجود يوم عمل آخر.

إذًا كيف يمكننا أن نتصرف في مثل هذه الأيام عندما نفشل ببساطة بإيجاد حافز يدفعنا للنهوض من أسرتنا؟

منذ حوالي ألفين عام و في عصر كان معظم الأشخاص يعملون في مهن ليست مصدرًا للأهداف أو المعنى سوى كونها معنى أساسيًا للرزق المُكتسب من عمل صعب، قدم الإمبراطور الروماني العظيم والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس جوابًا ثابتًا في مذكراته الأولية التي كانت ترافقه المعروفة بـ(التأملات)، تلك المفعمة بحكم ثابتة في مواضيع مثل: كيف يمكن أن نبدأ كل يوم بسلامة عقلية متفائلة و مفتاح عيش الحياة بكل ما للكلمة من معنى.

الإمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس انطونيوس (١٢١-١٨٠)، حكم الإمبراطورية الرومانية بين الأعوام ١٦١م حتى ١٨٠م، إلا أن شهرته كفيلسوف فاقت شهرته كإمبراطور يحكم امبراطورية مترامية الأطراف. عُرف (اوريليوس) رجلا وفيلسوفا دمثا وودودا، ومع أن منهجه الفلسفي وسم قناعاته التي مالت نحو التسامح والتعاطف، إلا أن واجباته كإمبراطور قادته لطريق مغاير مال نحو الحزم والشدة. بهذا يمثل (اوريليوس) مفارقة الفيلسوف-الملك الذي يطبق القانون ويدير النظام، لكنه في الوقت ذاته يرنو نحو نظرة كونية للعالم تستصغر البلابل السياسية التافهة.

كتب (أوريليوس):

عند بزوغ الشمس وعندما تواجه صعوبة في النهوض من السرير أخبر نفسك: يجب علي أن أذهب على العمل ككائن بشري. لماذا يجب علي أن أتبرم شاكيًا إذا كنت سأتبع ما ولدت لأجله، الأشياء التي وُجدت في هذا العالم لأجلها؟ أم أنني خُلقت لهذا؟ التكوم تحت البطانية والإبقاء على الشعور بالدفىء؟

ولطبيعة العقل المحتجة بكون التكوم تحت البطانية هو ببساطة ألطف يرد (أوريليوس) بحجة معاكسة:

إذًا هل ولدنا لنشعر بـ“ما هو لطيف؟” عوضًا عن فعل الأشياء وتجربتها؟ ألا ترى النباتات، الطيور، النمل والعناكب والنحل متجهة إلى مهامها الشخصية لتجعل العالم منتظمًا قد ما تستطيع؟ وأنت غير قادر على تأدية عملك ككائن بشري؟ لماذا لا تركض لتلبية حاجاتك الطبيعية؟

كما يؤكد على أن طبيعتنا هي عيش حياة الخدمة في مساعدة الآخرين والمساهمة في العالم،وأي مقاومة لهذا الغرض الفطري ما هو إلا معارضة لطبيعتنا وفشل في حبنا لذواتنا. كتب أيضًا:

أنت لن تحب نفسك كفاية ما لم تحب طبيعتك أيضًا وما تطلبه منك.

قبل قرون عديدة من تعريف علماء النفس لتجربة “التيار” في العمل الإبداعي،أخذ (ماركوس) بعين الاعتبار الميزة الأساسية للأشخاص الذين يحبون ما يعملون:

عندما يتملكهم شغف ما يقومون به فعلًا  فإنهم سيفضلون الامتناع عن الأكل والنوم عن التوقف عن ممارسة فنونهم.

هل مساعدة الآخرين أقل قيمة ونفع لك؟ لا يستحق الأمر مجهودك؟

يعاود الحديث عن هذا الأمر في إحدى تأملاته الأخرى فيقول:

عندما تواجه صعوبة في النهوض من سريرك في الصباح تذكر ميزتك الشخصية،ما عرف هويتك ككائن بشري إنه العمل مع الآخرين، حتى الحيوانات تعرف كيف تنام، إنه النشاط المميز الأكثر طبيعية والأكثر قربًا من الفطرة والأكثر منحًا للشعور بالرضا.


[المصدر]

د. عادل مصطفى عن علاقة الفن والحياة

philosophy

الدكتور عادل مصطفى طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة .. فى كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الاستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن) والذي يعتمد فيه بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل)، بقول متحدثًا عن علاقة الفن بالحياة:

مهما تكن علاقته بالحياة، فالفن غير الحياة. صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من تربة الحياة؛ إلا أنه –شأن كل كيان انبثاقي- مستقل عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن “رده” إلى عناصره الأولى. فلو كان الفن مجرد رهافة حسية إنسانية وتوقّد وجداني حياتي لكانت أي فتاة مراهقة نزقة هي أشعر الناس. ولو كان الفن مجرد تأثر بالطبيعة أو بأحداث الحياة لانتفت الحقيقة التي نراها جميعًا من أن المدرسة الأولى للفنانين هي مدرسة الفن لا مدرسة الحياة، وأن نقطة البداية في حياتهم هي التأثر بزعمال غيرهم من الفنانين العظام لا التأثر بمناظر العالم الخارجي، وهي المشاركة في عالم الفن لا المشاركة في عالم الطبيعة.

ثم يقول مشددًا على ذلك:

الفن فن والحياة حياة. ومَن يتعامل مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه بمعايير الحياة يقع في مغالطة “خلط المقولات” أو ما صار يسمى “الخطأ المقوليcategory mistake.

ويتابع قائلًا:

فمن الخطأ الفادح أن نحاول فهم الموضوع الاستطيقي بإدخاله في إطاراتنا الذهنية المعتادة. فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص. ولا سبيل إلى فهمه إلا على أرضه، وبلوائحه وشروطه.

ويختم جملته باقتباس عن (كلايف بل) من كتابه (الفن):

“ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعَليه أن يتضع أمامه. أما الذين يرون أن الأهمية الرئيسية للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو النفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدّروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه. وأيًا ما كان عالَم التأمل الاستطيقي فهو ليس عالَم المشاغل والأهواء البشرية. إنه عالمٌ لا تسمع فيه لغوَ الوجود المادي وصخبه. أو تسمعه مجرد صدى لتوافُق آخر أكثر جوهرية”.

ويختتم حديثه بكلمات عن ضرورة الفن وفائدته، فيقول:

والفن بوظيفته المعرفية […] يفتح لنا مغاليق العالم الوجداني. فإلى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري من العالم، فإن الفن يزيد من تمكننا الإدراكي والانفعالي. فبفضل كُتّاب من طراز (شكسبير) و(بروست) أمكننا أن نفطن إلى دقائق سيكلوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها. وبفضل مصوّرين من طراز (سيزان) و(مانيه) تعلّمنا كيف ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف ننتشي بالتحامنا بالوجود والتقائنا بماهية الأشياء. ومهما أمدنا العلم من معرفة عن حقائق العالم الخارجي، سنبقى بحاجة إلى الفن لكي يزودنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات أعماقنا السحيقة.

عن التأني ولذة البطء عند كونديرا

ميلان كونديرا

ميلان كونديرا، هوكاتب وفيلسوف فرنسي من أصول تشكية ، ولد في عام 1929. كتب في روايته (البطء) عن التأني والرويّة في مقارنة مع زمن السرعة عبر قصتي حب كل منهما حدثت في زمن، فيتساءل في حنين لتلك الأزمنة على لسان آحدى الشخصيات:

لماذا اختفت لذة البطء؟ أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكُسالى، أولئك المتسكعون الذين يجرون أقدامهم بتثاقل من طاحونة إلى آخرى، وينامون في العراء، هل أختفوا باختفاء الدروب الريفية والواحات وفجاج الغابات، وباختفاء الطبيعة؟ ثمة مثل تشيكي يحدد خمولهم الوديع بالاستعارة الآتية: أنهم يتأملون نوافد الإله، ومن يتأمل نوافد الإله لا يسأم بل يكون دوماً سعيداً، لقد تحول الخمول في عالمنا إلى البطالة، التي هي شيْ آخر تماما، العاطل خلافاً للخامل محروم ومستاء، هو في بحث دائم عن الحركة التي يفتقدها.

يعني (كونديرا) في تمجيده للبطء هو لذة المتعة وارتشاف الذاكرة للحظات، حيث يربط البطء بالتذكر والسرعة بالنسيان فيقول:

ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان، لنذكر بهذا الصدد وضعية قد تبدو عادية للغاية: رجل يسير في الشارع، ثم فجأة يريد تذكر أمرٍ ما، لكن الذاكرة لا تسعفه، في تلك اللحظة بطريقة آلية يتمهل في الخطو، أما من يسعى إلى نسيان طارئ شاق وقع له تواً، على العكس يسرع لا شعورياً في مشيته، كما لو أنه يروم الابتعاد عن طارئ ما زال من حيث الزمن قريباً جداً منه.

في الرياضيات الوجودية، تأخذ هذة التجربة شكل معادلتين أوليتين، تقوم الاولى على تناسب درجة البطء مع حدة الذاكرة، والثانية على درجة السرعة مع حدة النسيان.