أرشيف الوسم: الحياة

د. عادل مصطفى عن علاقة الفن والحياة

philosophy

الدكتور عادل مصطفى طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة .. فى كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الاستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن) والذي يعتمد فيه بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل)، بقول متحدثًا عن علاقة الفن بالحياة:

مهما تكن علاقته بالحياة، فالفن غير الحياة. صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من تربة الحياة؛ إلا أنه –شأن كل كيان انبثاقي- مستقل عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن “رده” إلى عناصره الأولى. فلو كان الفن مجرد رهافة حسية إنسانية وتوقّد وجداني حياتي لكانت أي فتاة مراهقة نزقة هي أشعر الناس. ولو كان الفن مجرد تأثر بالطبيعة أو بأحداث الحياة لانتفت الحقيقة التي نراها جميعًا من أن المدرسة الأولى للفنانين هي مدرسة الفن لا مدرسة الحياة، وأن نقطة البداية في حياتهم هي التأثر بزعمال غيرهم من الفنانين العظام لا التأثر بمناظر العالم الخارجي، وهي المشاركة في عالم الفن لا المشاركة في عالم الطبيعة.

ثم يقول مشددًا على ذلك:

الفن فن والحياة حياة. ومَن يتعامل مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه بمعايير الحياة يقع في مغالطة “خلط المقولات” أو ما صار يسمى “الخطأ المقوليcategory mistake.

ويتابع قائلًا:

فمن الخطأ الفادح أن نحاول فهم الموضوع الاستطيقي بإدخاله في إطاراتنا الذهنية المعتادة. فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص. ولا سبيل إلى فهمه إلا على أرضه، وبلوائحه وشروطه.

ويختم جملته باقتباس عن (كلايف بل) من كتابه (الفن):

“ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعَليه أن يتضع أمامه. أما الذين يرون أن الأهمية الرئيسية للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو النفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدّروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه. وأيًا ما كان عالَم التأمل الاستطيقي فهو ليس عالَم المشاغل والأهواء البشرية. إنه عالمٌ لا تسمع فيه لغوَ الوجود المادي وصخبه. أو تسمعه مجرد صدى لتوافُق آخر أكثر جوهرية”.

ويختتم حديثه بكلمات عن ضرورة الفن وفائدته، فيقول:

والفن بوظيفته المعرفية […] يفتح لنا مغاليق العالم الوجداني. فإلى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري من العالم، فإن الفن يزيد من تمكننا الإدراكي والانفعالي. فبفضل كُتّاب من طراز (شكسبير) و(بروست) أمكننا أن نفطن إلى دقائق سيكلوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها. وبفضل مصوّرين من طراز (سيزان) و(مانيه) تعلّمنا كيف ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف ننتشي بالتحامنا بالوجود والتقائنا بماهية الأشياء. ومهما أمدنا العلم من معرفة عن حقائق العالم الخارجي، سنبقى بحاجة إلى الفن لكي يزودنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات أعماقنا السحيقة.

عن التأني ولذة البطء عند كونديرا

ميلان كونديرا

ميلان كونديرا، هوكاتب وفيلسوف فرنسي من أصول تشكية ، ولد في عام 1929. كتب في روايته (البطء) عن التأني والرويّة في مقارنة مع زمن السرعة عبر قصتي حب كل منهما حدثت في زمن، فيتساءل في حنين لتلك الأزمنة على لسان آحدى الشخصيات:

لماذا اختفت لذة البطء؟ أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكُسالى، أولئك المتسكعون الذين يجرون أقدامهم بتثاقل من طاحونة إلى آخرى، وينامون في العراء، هل أختفوا باختفاء الدروب الريفية والواحات وفجاج الغابات، وباختفاء الطبيعة؟ ثمة مثل تشيكي يحدد خمولهم الوديع بالاستعارة الآتية: أنهم يتأملون نوافد الإله، ومن يتأمل نوافد الإله لا يسأم بل يكون دوماً سعيداً، لقد تحول الخمول في عالمنا إلى البطالة، التي هي شيْ آخر تماما، العاطل خلافاً للخامل محروم ومستاء، هو في بحث دائم عن الحركة التي يفتقدها.

يعني (كونديرا) في تمجيده للبطء هو لذة المتعة وارتشاف الذاكرة للحظات، حيث يربط البطء بالتذكر والسرعة بالنسيان فيقول:

ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان، لنذكر بهذا الصدد وضعية قد تبدو عادية للغاية: رجل يسير في الشارع، ثم فجأة يريد تذكر أمرٍ ما، لكن الذاكرة لا تسعفه، في تلك اللحظة بطريقة آلية يتمهل في الخطو، أما من يسعى إلى نسيان طارئ شاق وقع له تواً، على العكس يسرع لا شعورياً في مشيته، كما لو أنه يروم الابتعاد عن طارئ ما زال من حيث الزمن قريباً جداً منه.

في الرياضيات الوجودية، تأخذ هذة التجربة شكل معادلتين أوليتين، تقوم الاولى على تناسب درجة البطء مع حدة الذاكرة، والثانية على درجة السرعة مع حدة النسيان.

الخوف والمخاطرة عند فان غوخ

فان غوخ

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.
في الثاني من شهر أكتوبر عام 1884 كتب (فان غوخ) لشقيقه (ثيو) رسالة، نترجمها لكم بشكل حصري، يقول فيها:

إذا أراد الإنسان أن يكون حيًا فعليه في بعض الأحيان الا يخاف من اقتراف الأخطاء؛ ألا يخاف من السقوط. يعتقد الكثيرون أن عدم إقتراف الأخطاء هو سبيلهم الوحيد ليكونوا أخيارًا، وهذا غير صحيح .. فهذا يؤدي بهم إلى الجمود والاعتيادية. عندما ترى أمامك لوح رسم فارغ  يحدق تجاهك بشكلًا  أبله، فقط لطخه بأي .شكلٍ كان

أنت لا يوجد لديك فكرة عن قدر هذا الشعور بالعجز، هذه الحالة من التحديق في لوح رسم فارغ يخبر الرسام بأنه غير قادر على فعل أي شيء. لوح الرسم لديه نظرة بلهاء يؤثر على بعض الرسامين ويحولهم إلى أغبياء.

يخاف الكثير من الرسامين من لوح الرسم الفارغ، لكن لوح الرسم الفارغ أشد خوفًا من الرسام صادق الشغف الذي جرؤ وكسر سابقًا تعويذة “لا أستطيع“.

على نفس النمط تنحرف الحياة ذاتها إلى جانب تافه ومحبط وفارغ من كل شيئ مثل لوح رسم فارغ.

 لكن مهما بدت الحياة تافهة وفارغة وجامدة، إلى أن الإنسان المؤمن المليء بالحيوية والدفء لا يترك نفسه ضحية للاستسلام بهذا الشكل بل يتدخل ويفعل شيئًا ما ويتمسك به، باختصار هو يكسر القيود، ويرتكب الأخطاء!


Continue Reading →

عن سر السعادة عند ألفريد هتشكوك

هتشكوك

السير ألفريد جوزيف هتشكوك (13 أغسطس 1899 – 29أبريل 1980) منتج ومخرج أفلام إنجليزي، كان رائداً في العديد من التقنيات والتشويق والإثارة النفسية في الأفلام، بعد نجاحه في السينما البريطانية في كلٍ من الأفلام الصامتة والأفلام الصوتية في وقت مبكر عُرف بكونه أفضل مخرج إنجليزي، انتقل إلى هوليود عام 1939 ،وأصبح مواطنا أمريكيا في عام 1955.

هي تلك الأشياء الخلّاقة .. أما الكره، فطاقة مُهدرة.

ما برحَ الكشفُ عن سرّ السعادة وأهدافها يكون الرغبةَ الأسمى، فلا زلنا نتعقبها بحماسة غير منقطعة بالبحث في علومها وخصائصها وتطبيقاتها العملية.
وفي هذا المقطع القصير المليء بالحكمة والفصاحة والذي كان خلال مقابلة مؤرشفة، يعرّف (هيتشكوك) العظيم السعادة بتعريف خاص، تعريفٌ لامس قلبي شخصيا، وهو يدعو الأذهان إلى نوع من التأمل في وجود التسامح وعدمه.
وفي هذه التوليفة الرائقة التي  تجمع بين المشاعر الحساسة والإيمان الراسخ المستحقِّ لكل احترام، يقول:

هي أفقٌ واضح. لا شيء فيها يدعو للارتياب، فهي كل الأشياء الخلاقة البناءة.
لا طاقة لي بالخصام، ولا يمكنني تحمّل ذلك الإحساس، وأعتقد أن الكره طاقة مهدرة، وبلا جدوى. أنا إنسان حساس جدا، إذ بإمكان أي كلمة قاسية تُقال – خاصة إن كانت من شخص قريب لقلبي- أن تجرحني لأيام.
وإنني أعلم يقينًا أننا لسنا سوى بشر نمرُّ بهذه المشاعر المختلفة التي يسمونها “المشاعر السلبية“، ولكنكَ فور عبورها، ستكون متطلعاً، سيتضح أمامك الطريق ، وعندها سوف تحقق شيئا ما، وإنني أؤمن أن تلك اللحظة هي أقصى سعادة يمكن أن تكون عليها على الإطلاق.

Continue Reading →

اسمح لأطفالك بارتكاب الأخطاء _ إيكارت تول

Eckhhart_Tolle_frontإيكارت تول (مواليد 1948)، كاتب ألماني، ومعلم روحي شهير، أطلقت عليه جريدة (نبويورك تايمز) لقب: “المعلم الروحي الأشهر في عصره”، ألهمت كتبه الكثيرين ونال كتابه (قوة الآن) شهرة عظيمة.

يدعو (إيكارت تول) لأرض جديدة تشاد على قيم السلام والحضور والسكون والوعي واليقظة، ويفرق في فلسفته الروحانية بين الجوهر “الكينونة” والمظهر “الهوية والأنا“، وبين الذكاء intellegent  والبراعة clever، وبين الدين والروحانية، وفي تعاليمه لا يسعى لإقناع أحد بأفكار جديدة أو إضافة معارف ومعلومات، ولكن الوعي واليقظة هو ما يركز عليه ويصبو إليه ويرى أن الوجود أعمق بكثير من الوجود الفيزيائي والفسيولوجي. وعلى صعيد التربية يرى أن مساحة الحرية  لازمة للأطفال في طريقهم للنضج، قائلًا  في كتابه (أرض جديدة):
كتاب أرض جديدة

 إذا كان لديك أولاد يافعون، فقدم لهم العون والإرشاد والحماية قدر ما تستطيع، لكن أهم من ذلك كله إمنحهم المساحة، المساحة لكي يحققوا أنفسهم، لقد جاؤوا إلى العالم من خلالك، لكنهم ليسوا “ملكك“، وقد تكون فكرة “أنا أدرى بصالحك” صحيحة في طفولة الأولاد، لكن كلما كبروا، قلت صحة هذا الإفتراض.

وعن أهمية هذه المساحة رغم الأخطاء والأخطار التي قد تحملها وبسببها، ينبه الآباء أن لا يتقمصوا دور (الواعظ/ الحامي من التجارب) وأن يتركوا لأطفالهم فرصة للنضوج،يقول :

قد يرتكب الأطفال الأخطاء من منظورك أنت فحسب، فما قد تعتبره خطأ هو بالضبط ما يحتاج أولادك إلى فعله أو إختباره، قدم لهم قدر ما تستطيع من العون والإرشاد، لكن فلتدرك أنك قد تضطر أحيانًا إلى السماح لهم بارتكاب الأخطاء، لاسيما حين يبدأون ببلوغ سن النضوج، أحيانًا قد تضطر أيضًا إلى أن تدعهم يعانون، قد يعانون الألم بلا أي سبب محدد وقد يكون هذا الألم نتيجة أخطائهم هم.

ويتساءل البعض : “ألن يكون رائعًا أن توفر على أولادك كافة أشكال الألم؟”  فيجيب (إيكارت): لا، هذا ليس برائع، ففي هذه الحال لن يتطوروا كبشر وسيبقون سطحيين، متماهين مع الشكل الخارجي للأشياء، أما الألم فيأخذك أعمق.

يركز (إيكارت) في تعاليمه على “الحضور” فالحياة رقصة ولا بد أن ندعها تمر عبرنا وأن نعيشها بأصالة ووعي حاضر،  والأمر لا يختلف بالنسبة لتربية الأطفال، وعن ذلك يقول:

كثير من الأطفال يكتمون غضبًا وامتعاضًا خفيين تجاه ذويهم وغالبًا ما يكون السبب هو عدم صدق العلاقة ولا أصالتها، فالطفل لديه شوق عميق لكي يكون والده موجودًا وحاضرًا ككائن بشري لا كدور، بصرف النظر عن النية التي ترافق لعب هذا الدور، فقد تفعل كل ما هو مناسب وصحيح لطفلك، لكن حتى فعل الأفضل ليس بكاف، في الحقيقة فإن الفعل ليس بكاف على الإطلاق إذا ما أهملت الكينونة.