أرشيف الوسم: الحياة

كيف تحفز نفسك للنهوض من سريرك وتتوجه إلى العمل

Prisoners-9420081718850

إذا صممنا أماكن العمل بطريقة تسمح للأشخاص بالوصول إلى معنى في أعمالهم، فإننا سنصنع طبيعة بشرية تقدر العمل ومنحه قيمته، هذا ماكتبه عالم النفس (بيري شوارتز) في تحقيقه المعنون بـ(ما الذي يحفزنا للعمل). ولكن الطبيعة البشرية نفسها ما هي إلا طبيعة بهيمية مزاجية. وجود أصغر عذر سيوقف الشخص عن العمل على الإطلاق“، هذا ما أسف عليه (جون ستينبيك) في مذكراته عن العملية الإبداعية و عن جهاده وكدحه في كتابة الرواية التي لم تلبث إلا وأوصلته إلى نيل جائزة بولتيزر، كما أصبحت حجر الأساس في ربحه لجائزة نوبل بعد عقدين. من المؤكد أن للعمل معنى مختلف تمام الإختلاف في العمق عند الفنان عن ما يعنيه لذلك الشخص المجبور على العمل في مكان عمل لمدة تترواح بين التسع والخمس سنوات،بالرغم من كون هؤلاء محظوظين بما فيه الكفاية حيث يدفعهم شعور عميق بهدف النداء الداخلي للعمل الذي يؤكد أن مهنهم ومعاشهم يمكن أن تخضع لفترة موسمية أو ربما حتى متكررة من الشلل المتعلق باحتمالية وجود يوم عمل آخر.

إذًا كيف يمكننا أن نتصرف في مثل هذه الأيام عندما نفشل ببساطة بإيجاد حافز يدفعنا للنهوض من أسرتنا؟

منذ حوالي ألفين عام و في عصر كان معظم الأشخاص يعملون في مهن ليست مصدرًا للأهداف أو المعنى سوى كونها معنى أساسيًا للرزق المُكتسب من عمل صعب، قدم الإمبراطور الروماني العظيم والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس جوابًا ثابتًا في مذكراته الأولية التي كانت ترافقه المعروفة بـ(التأملات)، تلك المفعمة بحكم ثابتة في مواضيع مثل: كيف يمكن أن نبدأ كل يوم بسلامة عقلية متفائلة و مفتاح عيش الحياة بكل ما للكلمة من معنى.

الإمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس انطونيوس (١٢١-١٨٠)، حكم الإمبراطورية الرومانية بين الأعوام ١٦١م حتى ١٨٠م، إلا أن شهرته كفيلسوف فاقت شهرته كإمبراطور يحكم امبراطورية مترامية الأطراف. عُرف (اوريليوس) رجلا وفيلسوفا دمثا وودودا، ومع أن منهجه الفلسفي وسم قناعاته التي مالت نحو التسامح والتعاطف، إلا أن واجباته كإمبراطور قادته لطريق مغاير مال نحو الحزم والشدة. بهذا يمثل (اوريليوس) مفارقة الفيلسوف-الملك الذي يطبق القانون ويدير النظام، لكنه في الوقت ذاته يرنو نحو نظرة كونية للعالم تستصغر البلابل السياسية التافهة.

كتب (أوريليوس):

عند بزوغ الشمس وعندما تواجه صعوبة في النهوض من السرير أخبر نفسك: يجب علي أن أذهب على العمل ككائن بشري. لماذا يجب علي أن أتبرم شاكيًا إذا كنت سأتبع ما ولدت لأجله، الأشياء التي وُجدت في هذا العالم لأجلها؟ أم أنني خُلقت لهذا؟ التكوم تحت البطانية والإبقاء على الشعور بالدفىء؟

ولطبيعة العقل المحتجة بكون التكوم تحت البطانية هو ببساطة ألطف يرد (أوريليوس) بحجة معاكسة:

إذًا هل ولدنا لنشعر بـ“ما هو لطيف؟” عوضًا عن فعل الأشياء وتجربتها؟ ألا ترى النباتات، الطيور، النمل والعناكب والنحل متجهة إلى مهامها الشخصية لتجعل العالم منتظمًا قد ما تستطيع؟ وأنت غير قادر على تأدية عملك ككائن بشري؟ لماذا لا تركض لتلبية حاجاتك الطبيعية؟

كما يؤكد على أن طبيعتنا هي عيش حياة الخدمة في مساعدة الآخرين والمساهمة في العالم،وأي مقاومة لهذا الغرض الفطري ما هو إلا معارضة لطبيعتنا وفشل في حبنا لذواتنا. كتب أيضًا:

أنت لن تحب نفسك كفاية ما لم تحب طبيعتك أيضًا وما تطلبه منك.

قبل قرون عديدة من تعريف علماء النفس لتجربة “التيار” في العمل الإبداعي،أخذ (ماركوس) بعين الاعتبار الميزة الأساسية للأشخاص الذين يحبون ما يعملون:

عندما يتملكهم شغف ما يقومون به فعلًا  فإنهم سيفضلون الامتناع عن الأكل والنوم عن التوقف عن ممارسة فنونهم.

هل مساعدة الآخرين أقل قيمة ونفع لك؟ لا يستحق الأمر مجهودك؟

يعاود الحديث عن هذا الأمر في إحدى تأملاته الأخرى فيقول:

عندما تواجه صعوبة في النهوض من سريرك في الصباح تذكر ميزتك الشخصية،ما عرف هويتك ككائن بشري إنه العمل مع الآخرين، حتى الحيوانات تعرف كيف تنام، إنه النشاط المميز الأكثر طبيعية والأكثر قربًا من الفطرة والأكثر منحًا للشعور بالرضا.


[المصدر]

د. عادل مصطفى عن علاقة الفن والحياة

philosophy

الدكتور عادل مصطفى طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة .. فى كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الاستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن) والذي يعتمد فيه بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل)، بقول متحدثًا عن علاقة الفن بالحياة:

مهما تكن علاقته بالحياة، فالفن غير الحياة. صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من تربة الحياة؛ إلا أنه –شأن كل كيان انبثاقي- مستقل عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن “رده” إلى عناصره الأولى. فلو كان الفن مجرد رهافة حسية إنسانية وتوقّد وجداني حياتي لكانت أي فتاة مراهقة نزقة هي أشعر الناس. ولو كان الفن مجرد تأثر بالطبيعة أو بأحداث الحياة لانتفت الحقيقة التي نراها جميعًا من أن المدرسة الأولى للفنانين هي مدرسة الفن لا مدرسة الحياة، وأن نقطة البداية في حياتهم هي التأثر بزعمال غيرهم من الفنانين العظام لا التأثر بمناظر العالم الخارجي، وهي المشاركة في عالم الفن لا المشاركة في عالم الطبيعة.

ثم يقول مشددًا على ذلك:

الفن فن والحياة حياة. ومَن يتعامل مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه بمعايير الحياة يقع في مغالطة “خلط المقولات” أو ما صار يسمى “الخطأ المقوليcategory mistake.

ويتابع قائلًا:

فمن الخطأ الفادح أن نحاول فهم الموضوع الاستطيقي بإدخاله في إطاراتنا الذهنية المعتادة. فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص. ولا سبيل إلى فهمه إلا على أرضه، وبلوائحه وشروطه.

ويختم جملته باقتباس عن (كلايف بل) من كتابه (الفن):

“ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعَليه أن يتضع أمامه. أما الذين يرون أن الأهمية الرئيسية للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو النفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدّروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه. وأيًا ما كان عالَم التأمل الاستطيقي فهو ليس عالَم المشاغل والأهواء البشرية. إنه عالمٌ لا تسمع فيه لغوَ الوجود المادي وصخبه. أو تسمعه مجرد صدى لتوافُق آخر أكثر جوهرية”.

ويختتم حديثه بكلمات عن ضرورة الفن وفائدته، فيقول:

والفن بوظيفته المعرفية […] يفتح لنا مغاليق العالم الوجداني. فإلى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري من العالم، فإن الفن يزيد من تمكننا الإدراكي والانفعالي. فبفضل كُتّاب من طراز (شكسبير) و(بروست) أمكننا أن نفطن إلى دقائق سيكلوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها. وبفضل مصوّرين من طراز (سيزان) و(مانيه) تعلّمنا كيف ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف ننتشي بالتحامنا بالوجود والتقائنا بماهية الأشياء. ومهما أمدنا العلم من معرفة عن حقائق العالم الخارجي، سنبقى بحاجة إلى الفن لكي يزودنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات أعماقنا السحيقة.

عن التأني ولذة البطء عند كونديرا

ميلان كونديرا

ميلان كونديرا، هوكاتب وفيلسوف فرنسي من أصول تشكية ، ولد في عام 1929. كتب في روايته (البطء) عن التأني والرويّة في مقارنة مع زمن السرعة عبر قصتي حب كل منهما حدثت في زمن، فيتساءل في حنين لتلك الأزمنة على لسان آحدى الشخصيات:

لماذا اختفت لذة البطء؟ أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكُسالى، أولئك المتسكعون الذين يجرون أقدامهم بتثاقل من طاحونة إلى آخرى، وينامون في العراء، هل أختفوا باختفاء الدروب الريفية والواحات وفجاج الغابات، وباختفاء الطبيعة؟ ثمة مثل تشيكي يحدد خمولهم الوديع بالاستعارة الآتية: أنهم يتأملون نوافد الإله، ومن يتأمل نوافد الإله لا يسأم بل يكون دوماً سعيداً، لقد تحول الخمول في عالمنا إلى البطالة، التي هي شيْ آخر تماما، العاطل خلافاً للخامل محروم ومستاء، هو في بحث دائم عن الحركة التي يفتقدها.

يعني (كونديرا) في تمجيده للبطء هو لذة المتعة وارتشاف الذاكرة للحظات، حيث يربط البطء بالتذكر والسرعة بالنسيان فيقول:

ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان، لنذكر بهذا الصدد وضعية قد تبدو عادية للغاية: رجل يسير في الشارع، ثم فجأة يريد تذكر أمرٍ ما، لكن الذاكرة لا تسعفه، في تلك اللحظة بطريقة آلية يتمهل في الخطو، أما من يسعى إلى نسيان طارئ شاق وقع له تواً، على العكس يسرع لا شعورياً في مشيته، كما لو أنه يروم الابتعاد عن طارئ ما زال من حيث الزمن قريباً جداً منه.

في الرياضيات الوجودية، تأخذ هذة التجربة شكل معادلتين أوليتين، تقوم الاولى على تناسب درجة البطء مع حدة الذاكرة، والثانية على درجة السرعة مع حدة النسيان.

الخوف والمخاطرة عند فان غوخ

فان غوخ

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.
في الثاني من شهر أكتوبر عام 1884 كتب (فان غوخ) لشقيقه (ثيو) رسالة، نترجمها لكم بشكل حصري، يقول فيها:

إذا أراد الإنسان أن يكون حيًا فعليه في بعض الأحيان الا يخاف من اقتراف الأخطاء؛ ألا يخاف من السقوط. يعتقد الكثيرون أن عدم إقتراف الأخطاء هو سبيلهم الوحيد ليكونوا أخيارًا، وهذا غير صحيح .. فهذا يؤدي بهم إلى الجمود والاعتيادية. عندما ترى أمامك لوح رسم فارغ  يحدق تجاهك بشكلًا  أبله، فقط لطخه بأي .شكلٍ كان

أنت لا يوجد لديك فكرة عن قدر هذا الشعور بالعجز، هذه الحالة من التحديق في لوح رسم فارغ يخبر الرسام بأنه غير قادر على فعل أي شيء. لوح الرسم لديه نظرة بلهاء يؤثر على بعض الرسامين ويحولهم إلى أغبياء.

يخاف الكثير من الرسامين من لوح الرسم الفارغ، لكن لوح الرسم الفارغ أشد خوفًا من الرسام صادق الشغف الذي جرؤ وكسر سابقًا تعويذة “لا أستطيع“.

على نفس النمط تنحرف الحياة ذاتها إلى جانب تافه ومحبط وفارغ من كل شيئ مثل لوح رسم فارغ.

 لكن مهما بدت الحياة تافهة وفارغة وجامدة، إلى أن الإنسان المؤمن المليء بالحيوية والدفء لا يترك نفسه ضحية للاستسلام بهذا الشكل بل يتدخل ويفعل شيئًا ما ويتمسك به، باختصار هو يكسر القيود، ويرتكب الأخطاء!


Continue Reading →

عن سر السعادة عند ألفريد هتشكوك

هتشكوك

السير ألفريد جوزيف هتشكوك (13 أغسطس 1899 – 29أبريل 1980) منتج ومخرج أفلام إنجليزي، كان رائداً في العديد من التقنيات والتشويق والإثارة النفسية في الأفلام، بعد نجاحه في السينما البريطانية في كلٍ من الأفلام الصامتة والأفلام الصوتية في وقت مبكر عُرف بكونه أفضل مخرج إنجليزي، انتقل إلى هوليود عام 1939 ،وأصبح مواطنا أمريكيا في عام 1955.

هي تلك الأشياء الخلّاقة .. أما الكره، فطاقة مُهدرة.

ما برحَ الكشفُ عن سرّ السعادة وأهدافها يكون الرغبةَ الأسمى، فلا زلنا نتعقبها بحماسة غير منقطعة بالبحث في علومها وخصائصها وتطبيقاتها العملية.
وفي هذا المقطع القصير المليء بالحكمة والفصاحة والذي كان خلال مقابلة مؤرشفة، يعرّف (هيتشكوك) العظيم السعادة بتعريف خاص، تعريفٌ لامس قلبي شخصيا، وهو يدعو الأذهان إلى نوع من التأمل في وجود التسامح وعدمه.
وفي هذه التوليفة الرائقة التي  تجمع بين المشاعر الحساسة والإيمان الراسخ المستحقِّ لكل احترام، يقول:

هي أفقٌ واضح. لا شيء فيها يدعو للارتياب، فهي كل الأشياء الخلاقة البناءة.
لا طاقة لي بالخصام، ولا يمكنني تحمّل ذلك الإحساس، وأعتقد أن الكره طاقة مهدرة، وبلا جدوى. أنا إنسان حساس جدا، إذ بإمكان أي كلمة قاسية تُقال – خاصة إن كانت من شخص قريب لقلبي- أن تجرحني لأيام.
وإنني أعلم يقينًا أننا لسنا سوى بشر نمرُّ بهذه المشاعر المختلفة التي يسمونها “المشاعر السلبية“، ولكنكَ فور عبورها، ستكون متطلعاً، سيتضح أمامك الطريق ، وعندها سوف تحقق شيئا ما، وإنني أؤمن أن تلك اللحظة هي أقصى سعادة يمكن أن تكون عليها على الإطلاق.

Continue Reading →