أرشيف الوسم: الحياة

ساراماغو واصفًا هذا العصر

ساراماغو

جوزيه ساراماغو (1922 – 2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

نشر (ساراماغو) في كتابه (المفكرة) مقالة قصيرة، يصف فيها العصر الحديث الذي نعيشه، فيقول:

في كل يوم تختفي أنواع من النباتات والحيوانات، مع اختفاء لغات ومهن. الأغنياء يزدادون غنى والفقراء دومًا يزدادون فقرًا. في كل يوم على حدة ثمة أقلية تعرف أكثر، وأخرى تعرف أقل. الجهل يتسع بطريقة مخيفة حقًا. في هذه الأيام نمر بأزمة حادة في توزيع الثروة. فاستغلال الفلزات وصل إلى نسب شيطانية، الشركات المتعددة الجنسية تسيطر على العالم. لا أعرف إذا ما كانت الظلال أم الخيالات تحجب الواقع عنا. ربما يمكننا مناقشة الموضوع إلى ما لا نهاية. ما هو واضح حتى الآن هو أننا فقدنا مقدرتنا النقدية على تحليل ما يحدث في العالم. إذ نبدو محبوسين بداخل كهف أفلاطون. لقد تخلينا عن مسؤوليتنا عن التفكير والفعل. فقد حولنا أنفسنا إلى كائنات خاملة غير قادرة على الإحساس بالغضب، وعلى رفض الانصياع، والقدرة على الاحتجاج التي كانت سمات قوية لماضينا الحديث – إننا نصل إلى نهاية حضارة ولا أرحب بنفيرها الأخير. برأيي، الليبرالية الجديدة هي شكل جديد من الشمولية [التوتاليتارية] المقنعة بقناع الديموقراطية التي لا تحتفظ بشيء منها سوى الشبه. إن مجمع التسوق (المول) هو رمز عصرنا. لكن لا يزال ثمة عالم مصغر ويختفي بسرعة، عالم الصناعات الصغيرة والحِرف. ففي حين أنه من الواضح أن كل شيء سيموت في النهاية، ثمة أشخاص كثيرون لا يزالون يأملون في بناء سعادتهم الخاصة، وهؤلاء آخذون في التقلص. إنهم يرحلون مثل المهزومين، لكن كرامتهم محفوظة، يعلنون فقط أنهم ينسحبون لأنهم لا يحبون هذا العالم الذي صنعناه لأجلهم.

راسل: ألا تزال السعادة ممكنة؟

برتراند راسل

يطرح برتراند راسل (1872-1970) الفيلسوف وعالم منطق ورياضي، المؤرخ والناقد الاجتماعي البريطاني. هذا السؤال في الجزء الثاني “مسببات السعادة” من كتابه (انتصار السعادة)، والذي ترجمه إلى العربية (محمد قدرى عمارة).

فيقول (راسل):

السعادة نوعان رغم أنه بالطبع توجد درجات وسطى، النوعان اللذان أقصدهما يمكن تميزهما على أحدهما بسيط والآخر وهمي، أو أن أحدهما حيواني والآخر روحاني، أو أن أحدهما للقلب والآخر للرأس.

ولعل أبسط طريق لوصف الفرق بين النوعين من السعادة هو القول بأن نوعاً منهما متاح لأي إنسان بينما النوع الآخر متاح للذين يمكنهم القراءة والكتابة فقط، فعندما كنت صبياً عرفت رجل كان يتفجر سعادة وكان عمله هو حفر الآبار، ولقد كان طويلا جداً وله عضلات غير معقولة، ولم يكن يستطيع القراءة أو الكتابة، وعندما سمح له في عام 1885 بالإدلاء بصوته في انتخابات البرلمان علم لأول مرة بوجود مثل هذه المؤسسات. لم تعتمد سعادته على مصادر فكرية، ولم ترتكز على الاعتقاد في القانون الطبيعي، أو كمال الأنواع أو ملكية العامة للمنافع العامة أو الانتصار الحتمي للسبتيين أو لأي من الطوائف الأخرى، وهى الأمور التي يعتبرها المفكرون ضرورية لاستمتاعهم بالحياة، كانت سعادته تعتمد على القوة البدنية، والكفاية من العمل، وفي التغلب على العقبات غير المنيعة في صورة صخرة.

فمتع الإنجاز تتطلب صعوبات تجعل النجاح يبدو في البداية أمراً مشكوكاً فيه رغم أنه عادة ما يتم الوصول إليه في النهاية.

وفي إمكانية السعادة بين رجل العلم والفنان والأديب يقول:

أكثر القطاعات المتعلمة تعليماً راقياً في المجتمع إحساساً بالسعادة هم رجال العلم. فكثير من رجال العلم البارزين بسطاء عاطفياً ويحصلون من عملهم على إشباع يكون عميقاً لدرجة أنهم يستطيعون أن يجدوا متعة في الطعام وحتى في الزواج. والفنانون والأدباء يعتبرون أنه من المؤكد ألا يكووا سعداء في زواجهم بينما رجال العلم فعادة ما يظلوا قادرين على الاستمتاع بنعمة الحياة العائلية قديمة الطراز.

وتتحقق كل شروط السعادة في حياة رجل العلم، فلديه النشاط الذى يستغل طاقاته بكاملها، ويصل إلى نتائج تبدو مهمة ليس له فقط ولكن للجمهور العام حتى لو لم يتمكن من فهمها بأدنى درجة، وهو في ذلك يعد أكثر حظا من الفنان، فعندما لا يفهم أفراد الجمهور لوحة أو قصيدة، يقررون أنها لوحة أو قصيدة رديئة، أما عندما لا يفهمون النظرية النسبية فإنهم يستنتجون -صواباً- أن تعليمهم لم يكن كافياً.

وليس العلماء الأفذاذ فقط هم الذين يستمدون المتعة من العمل، ولا رجال الدولة القياديين فقط هم الذين يستمدون المتعة من دفاعهم عن قضية ما. فمتعة العمل متاحة لكل فرد يستطيع تنمية مهارة متخصصة بشرط أن يستطيع الحصول على الإشباع من ممارسة مهارته دون الرغبة في حصول على الاستحسان العام.

ويعد الإيمان بقضية ما من مصادر السعادة لأعداد كبيرة من الناس. أنا لا أفكر فقط في الثوريين أو الاشتراكيين أو الوطنيين فى الدول المقهورة ومن على شاكلتهم ولكنى أفكر أيضاً في كثير من المعتقدات الأقل تواضعاً.

وليست التقليعات والهوايات في كثير، وربما أغلب الحالات، مصدراً للسعادة الأصلية، وإنما وسائل للهروب من الواقع والنسيان للحظات لبعض الألم الذى تعصب مواجهته. أما السعادة الأصلية فتعتمد أكثر من أي شىء آخر  على ما يسمى بالاهتمام الودى بالأشخاص وبالأشياء.

الاهتمام بالآخرين وحبّهم شكل من أشكال السعادة:

فالاهتمام الودى بالأشخاص شكل من أشكال المحبة ولكنه ليس بالشكل المتثبت والمستحوذ والذى يتطلب دائماً الاستجابة الملفتة. فهذا الشكل الأخير كثيرا جداً ما يكون مصدرا للتعاسة. أما الطراز الذى يؤدى إلى السعادة، فهو الطراز الذى يحب مراقبة الناس ويجد المتعة في تتبع صفاتهم الفردية، ويرغب فى توفير مجال الاهتمامات وسرور أولئك الذين يصبح على علاقة بهم دونما أن يطلب اكتساب سلطة عليهم أو تحقيق إعجابهم الحماسي به.

فالاهتمام بالآخرين وحبهم عند راسل: “يجب أن يكون كل ذلك طبيعياً وألا ينبثق من فكرة التضحية بالذات التي يحتمها  الإحساس بالواجب. فالإحساس بالواجب يكون مفيداً في العمل ولكنه يكون عدائياً في العلاقات الشخصية. فالناس يرغبون في أن يكونوا محبوبين وليسو محتملين باستسلام صبور، وربما كان حب كثير من الناس تلقائياً وبدون مجهود أعظم مصادر السعادة الشخصية”.

سر السعادة هو الآتى:

اجعل اهتماماتك واسعة قدر الإمكان واجعل ردود أفعالك ودودة لا عدائية بأقصى درجة ممكنة تجاه الأشياء والأشخاص الذين يهمونك.

فالشخص غير السعيد، كقاعدة عامة، سوف يتبنى عقيدة غير سعيدة بينما الشخص السعيد سيتبنى عقيدة سعيدة، وكل منهما يرجع سعادته أو تعاسته إلى معتقداته بينما يكون المسبب الحقيقى هو عكس ذلك، فلا غنى عن أمور معينة لسعادة معظم الناس وإن كانت أمور بسيطة: الغذاء والمأوى، الصحة، الحب، العمل الناجح واحترام الفرد لقومه.

قطار الليل إلى لشبونة

Mercier-Pascal

(قطار الليل إلى لشبونة) رواية كتبها الروائي والفيلسوف السويسري (باسكال ميرسيه)، تحكي قصة انقلاب عالم (رايموند موندوس غريغوريوس)، رجل في الخمسينيات من العمر يعمل أستاذًا للغات القديمة في كُلية برن في سويسرا، بعد أن يقرر ترك عالمه الرتيب وراءه فجأة ويستقل قطاراً ليلياً نحو لشبونة مقتفيا أثر كلمات ألهمته قرأها في كتاب نادر وجده صدفة يحمل عنوانا ساحرا: “صائغ الكلمات”. الكتاب النادر مؤلف من مجموعة مقالات وخواطر وذكريات بقلم الطبيب والثائر البرتغالي (أماديو دو برادو) نُشرت بعد وفاته. هذه الكلمات حركت شعلة كانت خامدة بداخل (رايموند) ودفعته في رحلة تنقيب عن حيوات مضت لأسباب غامضة لكن مُلحّة. (قطار الليل إلى لشبونة) عمل فلسفي يطرح تساؤلات مختلفة عن العالم، الحب، الثورة ضد الطغاة والظلم، العائلة، الصداقة، الولاء، الواجب، القرارات التي تُتخذ بحرية أو التي نُجبر على اتخاذها في الحياة، وسلطة الكلمة في تغيير العالم. تستهل الرواية أحداثها بالسطر التالي:

اليوم الذي انتهى باختلاف كل شيء في حياة (رايموند غريغوريوس)، بدأ كالعديد من الأيام.

يثير أحد أول المقاطع في كتاب (آماديو) داخل (غريغوريوس) أسئلة عن مغزى خوضه لرحلته الغريبة المفاجئة، في هذا المقطع يبحث (دو برادو) عن اللغز الكامن تحت الفعل البشري، وهل البشر هم ترجمة صادقة لأفعالهم:

كل فعل بشري فعل ناقص بشكل متطرف، تعبير يائس ومثير للسخرية عن حياة داخلية مختبئة في أعماق لا يمكن تخيلها تضغط نحو السطح دون أن تتمكن من الاقتراب منه.

في الرواية بحث عن معنى لحدوث التقلبات والتغييرات داخلنا وخارجنا، البحث عن مجهول معلوم، أو معلوم مجهول، البحث عن “آلاف الأشياء التي يجب فعلها، أشياء بلا أسماء لكنها ليست أقل إلحاحا، على العكس، إن الانتفاء الغريب لمسمياتها حولها إلى شؤون مستعجلة يجب القيام بها في الحال لمنع حدث سيئ، حدث لا يمكن تسميته.”

أما عن الماضي ورغباتنا الدفينة في استعادة ما لا يمكن استعادته، “فنكهته تفوح بالتناقض وغرابة المنطق. لأن الشخص الذي يتمنى استعادته لم يعد ذلك الذي لم يلامسه المستقبل بعد، ذلك الواقف على مفترق طرق. إن الشخص الذي يريد العودة للماضي هو الذي وسمه المستقبل الذي أصبح ماض، من أجل نقض مالا يمكن نقضه. وهل كان سيود نقضه لو أنه لم يقاسيه؟”

الماضي الذي يبدأ (رايموند) بتحرّيه لا يشمل على بُعدا واحدا، بل يشمل بُعدين آخرين هما المكان والإنسان. يقرأ (رايموند) في كتاب (أماديو):

نحن نترك شيئا من أنفسنا في المكان الذي نتركه خلفنا، نحن نبقى هناك حتى لو رحلنا. وهناك أشياء داخلنا لن نعثر عليها إلا إذا عدنا للمكان ذاته. نحن نذهب إلى أنفسنا، نسافر إليها، يحملنا صوت الدوران الرتيب للعجلات إلى المكان الذي احتل مسافة من حياتنا، مهما كانت هذه المسافة قصيرة….

لماذا نشعر بالأسى على من لا يتمكنون من السفر؟ لأن عدم قدرتهم على الامتداد خارجيا يحرمهم من التضاعف، وبالتالي هم محرومون من إمكانية القيام برحلات توسعية داخل أنفسهم، واكتشاف من وماذا يمكنهم أن يكونوا غير ما هم عليه.

بعد حياة حافلة بخيبات الأمل في العيش والحب قاساها (آماديو)، ورحلة مليئة باستعادة الأحلام المنسية واكتشاف أعماق جديدة داخل (موندوس)، يقرأ (موندوس) واحدة من أواخر المذكرات التي كتبها (آماديو) في حياته بعنوان: “رماد اللا جدوى”، يقول فيها:

الخوف من أن الحياة تبقى غير مكتملة، أن تكون مجرد جذع. أن تدرك بأنك لا يمكنك أن تصبح الشخص الذي طمحت أن تكونه. هذا تفسيرنا لمعنى الخوف من الموت. ولكني أتساءل كيف يمكن أن يخاف المرء من الاكتمال الضائع وانسجام الحياة عندما لا يتمكن أبدا من اختبار ما يعنيه ذلك حالما تصبح إمكانية ذلك الاختبار حقيقة لا يمكن عكسها؟ لماذا لا يمكنني تصفح مذكراتي السابقة؟ لماذا لا يمكنني أن أشاهدها؟ لماذا لا أريد معرفة ما فكرت فيه وما كتبته في زمن سابق؟ من أين جاءت هذه اللا مبالاة؟ وهل هذا عدم اكتراث أم أن الخسارة كانت أعظم وأعمق؟

حياتنا، التشكيلة العابرة من الرمال المتحركة، شكلتها هبة ريح، ونثرتها هبة ريح ثانية. تتبعثر صور اللا جدوى حتى قبل أن تتشكل كما ينبغي.

في النهاية يدرك (موندوس) ما الذي سحبه داخل دوامة قديمة لم ينج منها سوى صدى كلمات صادقة لحد خيبة الأمل خطها رجل عاش ومات في الكلمات ومعانيها، يدرك أن الجدية الشعرية التي آمن بها سحرته عندما وجد أنها كانت نمط حياة بأكملها لبشر آخرين. رواية (قطار الليل إلى لشبونة) هي بحد ذاتها تجسيد جميل لهذه الجدية الشعرية.

الرافعي عن وهم الحياة

الرافعي
مصطفى صادق الرافعي (1880 – 1937) ولد في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية في أول يناير وعاش حياته في طنطا. ينتمي إلي مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي. لُقّب بمعجزة الأدب العربي.
في الفصل الأول من كتاب (الرافعي)؛ (المساكين) كان حاملًا  عنوان “الشيخ علي”. وفي تعريف الرافعي عنه:
كان رجل تراه في ظاهره من الدنيا ؛ ولكن باطنه يلتحق بما وراء الطبيعة، كان ينبغي أن لا يقوم مثله على مسرح الخلق إلا مُمثّلًا وأن لا يمثِّل إلا الوجه المطلَق من الحياة.
يصفه بالجنون الهادئ ومنظره مثل عاصفة نائمة.
وأنه كان يردِّد: “اللهمَّ لم يبقَ من الإنسانية إلا حشاشة تسوق بنفسها وكل رجل من هؤلاء صورة مقلَّدة فأين الأصل؟”
نشر (الرافعي) في الكتب وصف لـ”الشيخ علي” الذي أُسنِد إليه الكلام، وجعله فيما استوحاه كمال قال:
كالخيط من شعاع السماء تهبِط عليه تلك المعاني التي خلد عليها جمال الخُلد.
فـ”الشيخ علي” هذا : هو رمز في كل دهر لثبات الجوهر الإنساني على تحوُّل الأزمنة في أشكالها المختلفة، ومن ثمَّ يعيش القارئ مع الإنسانية في معاني الكتاب ..
عن الحياة ؛ كان الرافعي يتساءل: ما الحياة ؟
قال الشيخ (علي):
الحياة .. إنها ليست طريقًا مسافته كذا ، ولا قِياسًا ذراعه كذا ولا وزنًا مبلغه كذا ، ولا شيئًا من هذه المعاني التي تضرب الأقلام والألسنة في مفاصِلها بل هي فيما وراء ذلك من عالٍ إلى بعيدٍ إلى غامض إلى مُبهم حتى تنتهي إلى منبع النور الذي تلتطم على ساحله موجةُ الأبد.
يكمل قوله في الناس:
ولستُ أعرفُ الناس قد غالوا بشيءٍ قطّ مغالاتهم في قيمة هذه الحياة ، فقد والله استجمعوا لها كل ما في الرغبة من الحرص ، وكل ما في الخوف من الحذر، وكل ما في الأمل من الترقُّب ، وكل ما في الحُبّ من الخيال ؛ واستجمعوا فوق ذلك تلك المعاني التي لا قرار لها في الأرض ولا في السماء ، معاني النظرات الوهمية التي يرسلها المخلوق من أرضه إلى عرض الله، كأنّه لا يجرؤ على أن يشك في نهاية الحياة إذ تنتهي على أعيُن الناس ولا أن يُجزم بهذه النهاية إذ هو لا يريد الموت وكأن الحياة لا تكفيه!
– ما الحياة ؟
أفلا ترانا نُخادع أنفسنا إذ سألنا عن الحقيقة التي يسوؤنا أن نعرفها ، فنحرِّف السؤال إلى جهة بعيدة لكيلا نرى الجواب الصحيح مُقبلًا علينا ولكن مُدبرًا عنَّا ؟
فما عسى أن تكون هذه الآمال وهذه المنافسات وهذا النزاع وهذه الأفراح وهذه الأتراح وكل ما إلى ذلك مما هو من مدلول الحياة ؛ إلّا باطلًا فنستمتع به قليلًا ثم يظهر أنه متاع الغرور؟
يختم كلماته الشيخ (علي):
خُذْ الحياة حقيقةً لا وهمًا ، وعملًا لا علمًا ، واسمع الحياة إن كنتَ تعرف لغتها ، أو اسمع للموت الذي يعرف كل إنسان لغته، فإن كل ذلك يُعلمك أن الرجل الحرّ لا يعرفُ على أي حالةٍ يعيش إلّا إذا قرَّر لنفسه على أي حالة يموت ..
فلا تسأل يا بُني ما هي الحياة ؟ ولكن سَلْ هؤلاء الأحياء: أيُّكم الحي ؟

الغفلة، كمَعلَم أساسي للعصر الحديث، في رأي د. سروش

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، سأل فيها د.(سروش) عن الهدف من الحياة:
أود أن أطرح هنا سؤالًا: (لماذا نعيش هذه الحياة؟) لا بد أن يمسك الإنسان يومًا بتلابيب نفسه ويسألها هذا السؤال: الكثيرون منا منهمكون في انشغالاتهم اليومية وغاياتهم الجاهزة التي يحقنونهم بها ويبيعونهم إياها، فيتلقونها كبديهيات متعالية على التفكير وإعادة النظر، إلى درجة تذهل فيها عن أية مراجعة لهذه الغايات والأهداف. إننا لا نفكر حتى في مدى ابتعادنا عن معنى الحياة.
ثم يبيّن بأن هذا التساؤل هو أحد أسباب الأزمات النفسية في الوقت الراهن. وبأن التساؤل عن ذلك يعد شيئًا من الفطنة:
الذين يصابون بأزمات نفسية، حينما يراجعون الأطباء النفسانيين، يتفطنون إلى توهم وجود شيء اسمه (معنى الحياة) لا تملأ فراغه أي من هذه الأدوات والوسائل والآلات والبهارج الدنيوية الظاهرية.
ثم يتحدث عن الحالة الفكرية العامة للعصر الحديث، ويقول بأن التغافل عن الأسئلة المهمة بحياتنا أضحت سمة أساسية للعصر الحديث:
لقد اكتسبت الحياة في العالم الحديث معنى جديدًا، وانعقدت نفوس الناس على غايات مختلفة. الغاية الحياتية التي تشيعها المظاهر ووسائل الإعلام بين الناس تنحصر في اللذة والمتعة. خلاصة ما يروج له كهدف للحياة هو أن نشعر بالنشوة والهياج، ونشتري أكثر، ونستهلك أكثر، ونلبس أفضل، ونغفل أكثر. من عجائب العالم الحديث أن الغفلة أمست من أركان الحياة ومحاورها الرئيسة. لو ألقينا نظرة إلى أسباب الترفيه وأدواته في العالم المعاصر، سنلاحظ أنها جميعًا تحاول صرف أذهاننا ولو لفترة قصيرة عن الوجه العابس الجاد للحياة إلى أمور أخرى. الغفلة أضحت اليوم أحد العناصر الرئيسة المكونة للحياة وغاياتها. الكثير من أنظمة التسلية في العالم الحديث، ومزاولة الأعمال، وإلقاء الخطب والمحاضرات، والألعاب الرياضية، إنما هي من سنخ الغفلة وتحقيقها. العبارة الغربية التي كثيرًا ما نسمعها اليوم من الأمريكيين: (نحن نعيش لمرة واحدة)، لذلك علينا أن نقضي هذه المرة الواحدة بالمرح والرفاه. غير أن هذه نتيجة خاطئة تستنتج من مقدمة صحيحة، نعم، الإنسان يعيش حياته الدنيا لمرة واحدة، ولهذا يجب أن يعيشها بشكل مدروس، لا أن يستهلكها بالغفلة واللامبالاة.
حينما تتأمل في الغفلة وصناعة الفغلة التي تنتجها وسائل المرح والترفيه الحديثة، سنرى كيف أن غاية الحياة قد تغيرت، وكيف يتهرب الناس من تفكيرهم في الهدف من الحياة، ولا يريدون حتى أن يخطر على بالهم.