أرشيف الوسم: الحياة

الخوف والمخاطرة عند فان غوخ

فان غوخ

فينسنت فيليم فان غوخ (1853 – 1890) كان رساماً هولندياً، مصنف كأحد فناني الانطباعية. تتضمن رسومه بعضًا من أكثر القطع شهرة وشعبية وأغلاها سعراً في العالم. عانى من نوبات متكررة من المرض العقلي -توجد حولها العديد من النظريات المختلفة- وأثناء إحدى هذه الحوادث الشهيرة، قطع جزءاً من أذنه اليمنى. كان من أشهر فناني التصوير التشكيلي. اتجه للرسم التشكيلي للتعبير عن مشاعره وعاطفته. في آخر خمس سنوات من عمره رسم ما يفوق 800 لوحة زيتية.
في الثاني من شهر أكتوبر عام 1884 كتب (فان غوخ) لشقيقه (ثيو) رسالة، نترجمها لكم بشكل حصري، يقول فيها:

إذا أراد الإنسان أن يكون حيًا فعليه في بعض الأحيان الا يخاف من اقتراف الأخطاء؛ ألا يخاف من السقوط. يعتقد الكثيرون أن عدم إقتراف الأخطاء هو سبيلهم الوحيد ليكونوا أخيارًا، وهذا غير صحيح .. فهذا يؤدي بهم إلى الجمود والاعتيادية. عندما ترى أمامك لوح رسم فارغ  يحدق تجاهك بشكلًا  أبله، فقط لطخه بأي .شكلٍ كان

أنت لا يوجد لديك فكرة عن قدر هذا الشعور بالعجز، هذه الحالة من التحديق في لوح رسم فارغ يخبر الرسام بأنه غير قادر على فعل أي شيء. لوح الرسم لديه نظرة بلهاء يؤثر على بعض الرسامين ويحولهم إلى أغبياء.

يخاف الكثير من الرسامين من لوح الرسم الفارغ، لكن لوح الرسم الفارغ أشد خوفًا من الرسام صادق الشغف الذي جرؤ وكسر سابقًا تعويذة “لا أستطيع“.

على نفس النمط تنحرف الحياة ذاتها إلى جانب تافه ومحبط وفارغ من كل شيئ مثل لوح رسم فارغ.

 لكن مهما بدت الحياة تافهة وفارغة وجامدة، إلى أن الإنسان المؤمن المليء بالحيوية والدفء لا يترك نفسه ضحية للاستسلام بهذا الشكل بل يتدخل ويفعل شيئًا ما ويتمسك به، باختصار هو يكسر القيود، ويرتكب الأخطاء!


Continue Reading →

عن سر السعادة عند ألفريد هتشكوك

هتشكوك

السير ألفريد جوزيف هتشكوك (13 أغسطس 1899 – 29أبريل 1980) منتج ومخرج أفلام إنجليزي، كان رائداً في العديد من التقنيات والتشويق والإثارة النفسية في الأفلام، بعد نجاحه في السينما البريطانية في كلٍ من الأفلام الصامتة والأفلام الصوتية في وقت مبكر عُرف بكونه أفضل مخرج إنجليزي، انتقل إلى هوليود عام 1939 ،وأصبح مواطنا أمريكيا في عام 1955.

هي تلك الأشياء الخلّاقة .. أما الكره، فطاقة مُهدرة.

ما برحَ الكشفُ عن سرّ السعادة وأهدافها يكون الرغبةَ الأسمى، فلا زلنا نتعقبها بحماسة غير منقطعة بالبحث في علومها وخصائصها وتطبيقاتها العملية.
وفي هذا المقطع القصير المليء بالحكمة والفصاحة والذي كان خلال مقابلة مؤرشفة، يعرّف (هيتشكوك) العظيم السعادة بتعريف خاص، تعريفٌ لامس قلبي شخصيا، وهو يدعو الأذهان إلى نوع من التأمل في وجود التسامح وعدمه.
وفي هذه التوليفة الرائقة التي  تجمع بين المشاعر الحساسة والإيمان الراسخ المستحقِّ لكل احترام، يقول:

هي أفقٌ واضح. لا شيء فيها يدعو للارتياب، فهي كل الأشياء الخلاقة البناءة.
لا طاقة لي بالخصام، ولا يمكنني تحمّل ذلك الإحساس، وأعتقد أن الكره طاقة مهدرة، وبلا جدوى. أنا إنسان حساس جدا، إذ بإمكان أي كلمة قاسية تُقال – خاصة إن كانت من شخص قريب لقلبي- أن تجرحني لأيام.
وإنني أعلم يقينًا أننا لسنا سوى بشر نمرُّ بهذه المشاعر المختلفة التي يسمونها “المشاعر السلبية“، ولكنكَ فور عبورها، ستكون متطلعاً، سيتضح أمامك الطريق ، وعندها سوف تحقق شيئا ما، وإنني أؤمن أن تلك اللحظة هي أقصى سعادة يمكن أن تكون عليها على الإطلاق.

Continue Reading →

اسمح لأطفالك بارتكاب الأخطاء _ إيكارت تول

Eckhhart_Tolle_frontإيكارت تول (مواليد 1948)، كاتب ألماني، ومعلم روحي شهير، أطلقت عليه جريدة (نبويورك تايمز) لقب: “المعلم الروحي الأشهر في عصره”، ألهمت كتبه الكثيرين ونال كتابه (قوة الآن) شهرة عظيمة.

يدعو (إيكارت تول) لأرض جديدة تشاد على قيم السلام والحضور والسكون والوعي واليقظة، ويفرق في فلسفته الروحانية بين الجوهر “الكينونة” والمظهر “الهوية والأنا“، وبين الذكاء intellegent  والبراعة clever، وبين الدين والروحانية، وفي تعاليمه لا يسعى لإقناع أحد بأفكار جديدة أو إضافة معارف ومعلومات، ولكن الوعي واليقظة هو ما يركز عليه ويصبو إليه ويرى أن الوجود أعمق بكثير من الوجود الفيزيائي والفسيولوجي. وعلى صعيد التربية يرى أن مساحة الحرية  لازمة للأطفال في طريقهم للنضج، قائلًا  في كتابه (أرض جديدة):
كتاب أرض جديدة

 إذا كان لديك أولاد يافعون، فقدم لهم العون والإرشاد والحماية قدر ما تستطيع، لكن أهم من ذلك كله إمنحهم المساحة، المساحة لكي يحققوا أنفسهم، لقد جاؤوا إلى العالم من خلالك، لكنهم ليسوا “ملكك“، وقد تكون فكرة “أنا أدرى بصالحك” صحيحة في طفولة الأولاد، لكن كلما كبروا، قلت صحة هذا الإفتراض.

وعن أهمية هذه المساحة رغم الأخطاء والأخطار التي قد تحملها وبسببها، ينبه الآباء أن لا يتقمصوا دور (الواعظ/ الحامي من التجارب) وأن يتركوا لأطفالهم فرصة للنضوج،يقول :

قد يرتكب الأطفال الأخطاء من منظورك أنت فحسب، فما قد تعتبره خطأ هو بالضبط ما يحتاج أولادك إلى فعله أو إختباره، قدم لهم قدر ما تستطيع من العون والإرشاد، لكن فلتدرك أنك قد تضطر أحيانًا إلى السماح لهم بارتكاب الأخطاء، لاسيما حين يبدأون ببلوغ سن النضوج، أحيانًا قد تضطر أيضًا إلى أن تدعهم يعانون، قد يعانون الألم بلا أي سبب محدد وقد يكون هذا الألم نتيجة أخطائهم هم.

ويتساءل البعض : “ألن يكون رائعًا أن توفر على أولادك كافة أشكال الألم؟”  فيجيب (إيكارت): لا، هذا ليس برائع، ففي هذه الحال لن يتطوروا كبشر وسيبقون سطحيين، متماهين مع الشكل الخارجي للأشياء، أما الألم فيأخذك أعمق.

يركز (إيكارت) في تعاليمه على “الحضور” فالحياة رقصة ولا بد أن ندعها تمر عبرنا وأن نعيشها بأصالة ووعي حاضر،  والأمر لا يختلف بالنسبة لتربية الأطفال، وعن ذلك يقول:

كثير من الأطفال يكتمون غضبًا وامتعاضًا خفيين تجاه ذويهم وغالبًا ما يكون السبب هو عدم صدق العلاقة ولا أصالتها، فالطفل لديه شوق عميق لكي يكون والده موجودًا وحاضرًا ككائن بشري لا كدور، بصرف النظر عن النية التي ترافق لعب هذا الدور، فقد تفعل كل ما هو مناسب وصحيح لطفلك، لكن حتى فعل الأفضل ليس بكاف، في الحقيقة فإن الفعل ليس بكاف على الإطلاق إذا ما أهملت الكينونة.

 

 

ساراماغو واصفًا هذا العصر

ساراماغو

جوزيه ساراماغو (1922 – 2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

نشر (ساراماغو) في كتابه (المفكرة) مقالة قصيرة، يصف فيها العصر الحديث الذي نعيشه، فيقول:

في كل يوم تختفي أنواع من النباتات والحيوانات، مع اختفاء لغات ومهن. الأغنياء يزدادون غنى والفقراء دومًا يزدادون فقرًا. في كل يوم على حدة ثمة أقلية تعرف أكثر، وأخرى تعرف أقل. الجهل يتسع بطريقة مخيفة حقًا. في هذه الأيام نمر بأزمة حادة في توزيع الثروة. فاستغلال الفلزات وصل إلى نسب شيطانية، الشركات المتعددة الجنسية تسيطر على العالم. لا أعرف إذا ما كانت الظلال أم الخيالات تحجب الواقع عنا. ربما يمكننا مناقشة الموضوع إلى ما لا نهاية. ما هو واضح حتى الآن هو أننا فقدنا مقدرتنا النقدية على تحليل ما يحدث في العالم. إذ نبدو محبوسين بداخل كهف أفلاطون. لقد تخلينا عن مسؤوليتنا عن التفكير والفعل. فقد حولنا أنفسنا إلى كائنات خاملة غير قادرة على الإحساس بالغضب، وعلى رفض الانصياع، والقدرة على الاحتجاج التي كانت سمات قوية لماضينا الحديث – إننا نصل إلى نهاية حضارة ولا أرحب بنفيرها الأخير. برأيي، الليبرالية الجديدة هي شكل جديد من الشمولية [التوتاليتارية] المقنعة بقناع الديموقراطية التي لا تحتفظ بشيء منها سوى الشبه. إن مجمع التسوق (المول) هو رمز عصرنا. لكن لا يزال ثمة عالم مصغر ويختفي بسرعة، عالم الصناعات الصغيرة والحِرف. ففي حين أنه من الواضح أن كل شيء سيموت في النهاية، ثمة أشخاص كثيرون لا يزالون يأملون في بناء سعادتهم الخاصة، وهؤلاء آخذون في التقلص. إنهم يرحلون مثل المهزومين، لكن كرامتهم محفوظة، يعلنون فقط أنهم ينسحبون لأنهم لا يحبون هذا العالم الذي صنعناه لأجلهم.

راسل: ألا تزال السعادة ممكنة؟

برتراند راسل

يطرح برتراند راسل (1872-1970) الفيلسوف وعالم منطق ورياضي، المؤرخ والناقد الاجتماعي البريطاني. هذا السؤال في الجزء الثاني “مسببات السعادة” من كتابه (انتصار السعادة)، والذي ترجمه إلى العربية (محمد قدرى عمارة).

فيقول (راسل):

السعادة نوعان رغم أنه بالطبع توجد درجات وسطى، النوعان اللذان أقصدهما يمكن تميزهما على أحدهما بسيط والآخر وهمي، أو أن أحدهما حيواني والآخر روحاني، أو أن أحدهما للقلب والآخر للرأس.

ولعل أبسط طريق لوصف الفرق بين النوعين من السعادة هو القول بأن نوعاً منهما متاح لأي إنسان بينما النوع الآخر متاح للذين يمكنهم القراءة والكتابة فقط، فعندما كنت صبياً عرفت رجل كان يتفجر سعادة وكان عمله هو حفر الآبار، ولقد كان طويلا جداً وله عضلات غير معقولة، ولم يكن يستطيع القراءة أو الكتابة، وعندما سمح له في عام 1885 بالإدلاء بصوته في انتخابات البرلمان علم لأول مرة بوجود مثل هذه المؤسسات. لم تعتمد سعادته على مصادر فكرية، ولم ترتكز على الاعتقاد في القانون الطبيعي، أو كمال الأنواع أو ملكية العامة للمنافع العامة أو الانتصار الحتمي للسبتيين أو لأي من الطوائف الأخرى، وهى الأمور التي يعتبرها المفكرون ضرورية لاستمتاعهم بالحياة، كانت سعادته تعتمد على القوة البدنية، والكفاية من العمل، وفي التغلب على العقبات غير المنيعة في صورة صخرة.

فمتع الإنجاز تتطلب صعوبات تجعل النجاح يبدو في البداية أمراً مشكوكاً فيه رغم أنه عادة ما يتم الوصول إليه في النهاية.

وفي إمكانية السعادة بين رجل العلم والفنان والأديب يقول:

أكثر القطاعات المتعلمة تعليماً راقياً في المجتمع إحساساً بالسعادة هم رجال العلم. فكثير من رجال العلم البارزين بسطاء عاطفياً ويحصلون من عملهم على إشباع يكون عميقاً لدرجة أنهم يستطيعون أن يجدوا متعة في الطعام وحتى في الزواج. والفنانون والأدباء يعتبرون أنه من المؤكد ألا يكووا سعداء في زواجهم بينما رجال العلم فعادة ما يظلوا قادرين على الاستمتاع بنعمة الحياة العائلية قديمة الطراز.

وتتحقق كل شروط السعادة في حياة رجل العلم، فلديه النشاط الذى يستغل طاقاته بكاملها، ويصل إلى نتائج تبدو مهمة ليس له فقط ولكن للجمهور العام حتى لو لم يتمكن من فهمها بأدنى درجة، وهو في ذلك يعد أكثر حظا من الفنان، فعندما لا يفهم أفراد الجمهور لوحة أو قصيدة، يقررون أنها لوحة أو قصيدة رديئة، أما عندما لا يفهمون النظرية النسبية فإنهم يستنتجون -صواباً- أن تعليمهم لم يكن كافياً.

وليس العلماء الأفذاذ فقط هم الذين يستمدون المتعة من العمل، ولا رجال الدولة القياديين فقط هم الذين يستمدون المتعة من دفاعهم عن قضية ما. فمتعة العمل متاحة لكل فرد يستطيع تنمية مهارة متخصصة بشرط أن يستطيع الحصول على الإشباع من ممارسة مهارته دون الرغبة في حصول على الاستحسان العام.

ويعد الإيمان بقضية ما من مصادر السعادة لأعداد كبيرة من الناس. أنا لا أفكر فقط في الثوريين أو الاشتراكيين أو الوطنيين فى الدول المقهورة ومن على شاكلتهم ولكنى أفكر أيضاً في كثير من المعتقدات الأقل تواضعاً.

وليست التقليعات والهوايات في كثير، وربما أغلب الحالات، مصدراً للسعادة الأصلية، وإنما وسائل للهروب من الواقع والنسيان للحظات لبعض الألم الذى تعصب مواجهته. أما السعادة الأصلية فتعتمد أكثر من أي شىء آخر  على ما يسمى بالاهتمام الودى بالأشخاص وبالأشياء.

الاهتمام بالآخرين وحبّهم شكل من أشكال السعادة:

فالاهتمام الودى بالأشخاص شكل من أشكال المحبة ولكنه ليس بالشكل المتثبت والمستحوذ والذى يتطلب دائماً الاستجابة الملفتة. فهذا الشكل الأخير كثيرا جداً ما يكون مصدرا للتعاسة. أما الطراز الذى يؤدى إلى السعادة، فهو الطراز الذى يحب مراقبة الناس ويجد المتعة في تتبع صفاتهم الفردية، ويرغب فى توفير مجال الاهتمامات وسرور أولئك الذين يصبح على علاقة بهم دونما أن يطلب اكتساب سلطة عليهم أو تحقيق إعجابهم الحماسي به.

فالاهتمام بالآخرين وحبهم عند راسل: “يجب أن يكون كل ذلك طبيعياً وألا ينبثق من فكرة التضحية بالذات التي يحتمها  الإحساس بالواجب. فالإحساس بالواجب يكون مفيداً في العمل ولكنه يكون عدائياً في العلاقات الشخصية. فالناس يرغبون في أن يكونوا محبوبين وليسو محتملين باستسلام صبور، وربما كان حب كثير من الناس تلقائياً وبدون مجهود أعظم مصادر السعادة الشخصية”.

سر السعادة هو الآتى:

اجعل اهتماماتك واسعة قدر الإمكان واجعل ردود أفعالك ودودة لا عدائية بأقصى درجة ممكنة تجاه الأشياء والأشخاص الذين يهمونك.

فالشخص غير السعيد، كقاعدة عامة، سوف يتبنى عقيدة غير سعيدة بينما الشخص السعيد سيتبنى عقيدة سعيدة، وكل منهما يرجع سعادته أو تعاسته إلى معتقداته بينما يكون المسبب الحقيقى هو عكس ذلك، فلا غنى عن أمور معينة لسعادة معظم الناس وإن كانت أمور بسيطة: الغذاء والمأوى، الصحة، الحب، العمل الناجح واحترام الفرد لقومه.