أرشيف الوسم: الدين

فولتير: هل التسامح حق طبيعي أم إنساني؟

فولتير

فولتير (1694-1778)، واسمه الحقيقي (فرانسوا ماري آروويه). كاتب وفيلسوف فرنسي عـاش في عصر التنوير. عُرف بنقده الساخر، وذاع صيته بسبب سخريته الفلسفية الظريفة ودفاعه عن الحريات المدنية خاصة حرية العقيدة، والمساواة وكرامة الإنسان.

في كتابه الذي نشره في القرن الثامن عشر، والمُعنون بـ(قول في التسامح)، تحدث منتقدًا التعصب الديني، ومحاولة إرغام الآخرين على اقتناق قناعاتنا وأدياننا، مستشهدًا بالكثير من المجازر والوقائع البشعة التي طالت العالم، بسبب المتعصبين من مختلف الأديان، حتى الدين المسيحي الذي يعتنقه هو.

يتساءل (فولتير) عما إذا كان التسامح حق طبيعي أم حق إنساني، فيقول:

إن القانون الطبيعي هو القانون الذي تشير به الطبيعة إلى كل الكائنات الإنسانية. لقد ربّيتم ابنكم، فلكم حق الاحترام، كما هو الحق في الاعتراف بالأب والمحسن. لكم الحق في ما تنتجه الأرض التي زرعتموها بأيديكم. لقد منحتم وعدًا أو تلقيتموه، فعليكم الوفاء به.

لا يمكن للقانون الإنساني أن يتأسس، في أي حال من الأحوال، سوى استنادًا إلى الحق الطبيعي؛ والمبدأ الأسمى، المبدأ الكوني، في هذا وذاك، وهو ذاته في الأرض كلها: “لا تقم بما لا تود أن يقوم به الآخرون ضدك”. والحال أننا لا نعرف كيف يمكن لرجل، حسب هذا المبدأ، أن يقول لرجل آخر: “آمن بما أؤمن به، أو سأعرضك للهلاك”. هذا ما يُقال في البرتغال واسبانيا لـغُوا. إننا نكتفي الآن، في بلدان أخرى، بالقول: “آمن أو سأحقد عليك، آمن أو سأسيء إليك بما استطعت إليه سبيلًا، أيها الوحش، أنت لا تؤمن بديني، إذن لا دين لك: ستسيء إلى جيرانك ومدينتك وإقليمك”.

فإذا كان من الحق الإنساني أن يتصرف المرء بهذه الطريقة، فعلى الياباني إذن أن يكره الصيني، ويحكم بالإعدام على السيامي. فهذا الآخر يسير وراء الغانغاريديين الذين تسلطوا على سكان الهندوس، فكان المغولي ينتزع قلب أول ملاباري يصادفه، والمالاباري يمكن أن يذبح الفارسي، ويمكن للفارسي بدوره أن ينكّل بالتركي: وجميعهم يمكن أن ينقضّوا على المسيحي، هؤلاء الذين اقتتلوا طويلًا  في ما بينهم.

إن الحق في التعصب هو حق عبثي وهمجي: إنه قانون النمور، وهو رهيب حقًا، ذلك أن النمور لا تمزق فريستها إلا من أجل الأكل، ونحن نمزق بعضنا بعضًا من أجل فقرات من نصوص دينية.

فالتشدد أو التعصب لا يقود إلا إلى العنف والقتل، والتاريخ شاهد على ذلك:

فإن ما يقود إليه التشدد في الدين، كيفما كانت درجة قدسيته، هو ارتكاب الجريمة. وسيكون من مصلحة الإنسان أن يتأمل دينه ليعرف هل يجب أن يكون مصدر رحمة أم مصدرًا للهمجية.

ومن ثُم، فإن المضطهدين قد يقومون بالكثير لأجل اخفاء دينهم الحقيقي، خوفًا من البطش والتنكيل:

فبما أن الديانة المسيحية إلهية، فإن أمرها ليس بين يدي الإنسان؛ فإذا كانت من عند الله، فإن الله وحده سيحميها بدون عونكم. هل تعرفون أن التعصب لا يمكن أن ينتج سوى المنافقين أو المتمردين؟ يا له من بديل تافه. وأخيرًا هل تريدون أن تساندوا دين الله بجلادين يقوم جلادون آخرون بتدميرهم، هذا الدين الذي لم يدعُ إلا إلى اللين والصبر؟

ثم يفرد فصلًا  يقتبس عن غيره، بضع اقتباسات عن التسامح، اخترنا لكم منها:

“الإيمان يحصل بالاقتناع الذاتي، ولا يمكن أن يُفرض من الخارج”. [Flechier, eveque de Nimes, Letter 19]

“ما يصدق على الدين، يصدق على الحب: إن إرغام الناس على شيء لا يمكن أن يؤدي إلى أي شيء، أحرى أن يقوم بذلك الإكراه، فليس هناك أشد حرية من أن نحب وأن نؤمن”. [Amelot de La Houssaie, sur les Letters du cardinal d’Ossat]

“إن فرض دين ما بالقوم هو دليل واضح على أن العقل الذي يهدي إليه مناهض للحقيقة”. [Dirois, docteur de Sorbonne, liv. VI, chap. IV]

ويقول أيضًا:

لقد جاء الدين من أجل إسعادنا في هذه الحياة وفي الآخرة. فما شرط السعادة في الحياة الآتية؟ هو أن يكون المرء عادلًا.

فماذا على المرء القيام به لكي يكون عادلًا، وفق ما تسمح به طبيعته المحدودة؟ هو أن يكون متسامحًا.

ويقول عن المتشددين:

بل إنهم نذروا أنفسهم لكي يكرهوا إخوانهم، كما لو أننا نتوفر على ما يكفي من الدين لكي نكره ونضطهد، ولكننا لا نملك منه إلا القليل من أجل الحب وتقديم العون للآخرين.

ويختتم قائلًا:

وفي الأخير، يمكن القول إن التسامح لم يكن أبدًا مصدر حروبٍ أهلية. وقد غمر التعصب العالم بالتطاحن. ولنحكم اليوم بين هذين الخصمين: بين الأم التي تود أن تذبح ابنها، وتلك التي تتخلى عنه، لأنها فقط تريده أن يعيش.

لا أتحدث هنا إلا عن مصلحة الأمم، وأنا أحترم، كما يجب، اللاهوت، لا أود في هذا المقال إلا الخير المادي والأخلاقي للمجتمع. وأتوسل إليك أيها القارئ غير المتحيز أن تقيس الحقائق، وأن تعدّل منها وتنشرها. إن القراء الحذاق يمكن أن يذهبوا دائمًا أبعد مما يوده المؤلف.

 

 

بين الأديان والفلسفات، لوك فيري يتحدث

لوك فيري

لوك فيري، فيلسوف فرنسي، من مواليد 1952. شغل منصب وزير التربية والتعليم في فرنسا ما بين 2002 و2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد، الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، برموزها المعروفة أمثال (جاك دريدا) و(جاك لاكان) و(جيل دولوز) و(ميشال فوكو) وغيرهم، لاعتقادهم أنّ الفلسفة ضلت الطريق بتوغلها في مباحث فكرية ومعرفية عويصة ومعقدة لا يفهمها إلا خاصّة الخاصّة. في كتابه (أجمل قصة في تاريخ الفلسفة)، كتب عن التشابهات والفروقات بين الأديان والمذاهب الفلسفية. فهو يعتقد بأن كلا من الأديان والفلسفات تهدف إلى رسم “حياة طيّبة” كما اختار أن يعبّر. يقول مبتدئًا حديثه:

حين نبحث عما “ينقذ” الحياة البشرية من الموت، أو على الأقل يعطيها قيمة، لا شيء، حتى الموت، يستطيع أن يقوّضها، فنحن نفكر بكل تأكيد في الأجوبة التي بوسع الأديان تقديمها. لذا أعتقد بأن أنه جاء الوقت لنفسر في ماذا تختلف عنها الفلسفة.

فالأجوبة عن مسألة الحياة الطيّبة، تنقسم إلى قسمين رئيسيين:

ثمة صنفان من الأجوبة عن مسألة الحياة الطيّبة تلك، بالنسبة إلى البشر، الفانين: الأجوبة التي تمر بالإله وتقوم على الإيمان – وذلك شأن الأديان الكبرى – والأجوبة التي تسعى على العكس إلى أن تهتدي في صلب وجودنا على مجرد حِدة الفكر، وحتى على العقل، إلى منبع للقيم ليس بمقدور الموت ذاته أن يمحوه. وتلك هي الفلسفات الكبرى.

فالأديان تعتمد على فكرة “الخير الأسمى” المتمثل في التعاليم الإلهية، وتعتمد بشكل أساسي على التسليم للأوامر الإلهية وإن لم يسع العقل استيعابها:

أما الأديان الكبرى، فتمثل محاولات عظمى لتقديم حل لمسألة “الخير الأسمى” إلى البشر، الفانين، إذ يتعلق الأمر بإيجاد سبيل إلى بلوغ ما يسمية (القديس أغسطيونس) بـ”الحياة السعيدة“، في مقابل خضوع مضاعف مُنصب على العقل، وعلى الحرية الفردية تجاه القوة الخارجية الراجعة إلى التعالي الإلهي من جهة، وتجاه قوة الاعتقاد والإيمان الباطنية من جهة أخرى. فلابد للعقل أن ينحني في النهاية أمام حقائق الوحي.

ومن جهة أخرى، فالفلسفة تتشابه مع الأديان في هدفها الأسمى بالوصول للحياة الطيّبة، إلا أنها تختلف معها في اعتمادها بشكل كبير على العقل واستقلاليته، وعلى الوسائل المتاحة التي يمكن استنباطها بالعقل والوعي:

وأما الفلسفة، فهي تشاطر الدين في الغاية الرامية إلى تحديد شروط حياة طيّبة بالنسبة إلى البشر، الفانين، ولكنها على العكس من ذلك تريد بلوغ تلك الغاية من خلال استقلالية العقل وحِدّة لوعي، بالوسائل المتاحة وحدها – إن صح القول – وبفضل القدرات وحدها التي يمتلكها الكائن البشري بنفسه. وبالطبع، لا يمنع ذلك بعض الفلاسفة من إدراج فكرة الإله في مذهبهم، وحتى أحيانًا من إيلائها دورًا مركزيًا. ورغم كل شيء، يبقى مسعاهم، وإن في هذه الحالة، مختلفًا عن المقاربة الدينية بمعنى إسهامهم الفلسفي في حد ذاته لا يقوم على الإيمان ولا على سلطة النصوص المقدسة، وإنما على ممارسة الاستدلال الحرة.

وحتى الاعتماد على العقل وحده، لم يمنع بعض الفلاسفة من إثبات وجود الله، واعتباره محورًا مركزيًا لفلسفاتهم وأفكارهم.

ثم يتحدث بعد ذلك عن مجالات الفلسفة، فيقول:

تنقسم الفلسفة، بكل بداهة، إلى مجالات متعددة: المعرفة (ما الحقيقة؟)، الأخلاق والسياسة (ما العدل؟)، مسألة معايير الجمال، وأخيرًا مسألة الخلاص (ما الحياة الطيّبة؟). ولا أنسى أن الفلسفة تهتم أيضًا، وحتى في البداية، بما يجعل المعرفة الموضوعية ممكنة، وبالتفكير النقدي في تعريف ما هو عادل، وبالنظرية السياسية أو منابع الإحساس الجمالي. ولا أنسى كذلك أن بعض الفلاسفة، الذين تركوا بلا شك بصماتهم في تاريخ الأفكار، لم ينكبوا إلا على البعض من هذه الموضوعات، بل إن بعضهم لم يعالجوا إلا موضوعًا واحدًا.

ما هو سبب التعصب الديني المعاصر؟ جلال أمين يجيب

جلال أمين

جلال الدين أحمد أمين عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في الكتاب الأول من هذه السلسلة، تناول فيه إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع المصري بالخصوص، والمجتمع البشري ككل. من هذه التغيرات التي تطرق إلى كان التعصب الديني، والذي يقول بأنه كان ظاهرة فردية بالسابق، إلا أنه والآن صار ظاهرة مجتمعية تستحق الدراسة، ولذا أفرد فصلًا في كتابه للحديث عنها. يقول مبتدئًا حديثه:

إن مطلبًا أساسيًا من مطالب الإنسان، في كل زمان ومكان، وأيًا كان جنسه أو لونه أو سنّه، ومهما كانت درجة “تقدمه” أو “تخلفه“، الشعور بأنه “ذو قيمة” أو الشعور باحترام الذات. إنه مطلب يكاد يعادل إشباع حاجته الجنسية أو حاجته إلى الغذاء. وهو يبدو مستعدًا للذهاب إلى أبعد مدى لتحقيقه، وأن يضحي بأغلى الأشياء من أجله. وإنه قد يشقى العمر كله من أجل أن يشعر بأنه “ذو قيمة“، ومن أجل هذا الشعور، ولا لسبب غيره، قد يدخر الإنسان ويجمع الثروات، ويحرم نفسه من متع الحياة، ويسافر إلى أقصى أطراف الأرض، وقد يتزوج أو يمتنع عن الزواج بسببه، ينجب الأطفال أو يتبناهم، ويسعى لوظيفة أو يرفضها .. إلخ. ومن أجل هذا الشعور يرتدي الإنسان رداء دون غيره، ويتزين أو لا يتزين، ويبالغ في هذا أو لا يبالغ. بل إنه قد يضرب أو يقتل أقرب الناس إليه إذا كان هذا يقربه من الشعور بأنه “ذو قيمة“، وقد يلجأ إلى خلق الأوهام لنفسه وقد يعيش طول حياته في عالم موهوم تمامًا، لا علاقة له بالحقيقة، بل قد يجنّ ويفقد عقله كلية إذا فقد الشعور بأنه ذو قيمة، بل قد يكون الجنون نفسه هو وسيلته الوحيدة للحصول على هذا الشعور.

أما بالنسبة إلى هذا الشعور، فهو شعورٌ يعتمد على الآخر بشكل كبير، ويستمد وجوده من الآخرين بشكل كبير، يقول:

فالشعور بأني “ذو قيمة” يفترض وجود شخص واحد غيري على الأقل، أي وجود مجتمع (إذ نادرًا ما يعتمد الإنسان في الحصول على هذا الشعور على الحيوان، وإن كان تعلق البعض بحيواناتهم الأليفة وسرورهم الشديد بأن حيواناتهم تميّزهم عن بقية الناس وتفتقدهم وتسرّ برؤيتهم يستند على الأرجح إلى هذا الشعور نفسه). إني أستمد شعوري بأنني “ذو قيمة” من نظرة الناس إليّ، ورأيهم فيّ، وموقفهم مني، ومن ثم فنجاحي أو فشلي في الحصول على هذا الشعور يتوقف على نجاحي أو فشلي في إقناع الناس بأني ذو قيمة، ومن ثم يتوقف أولًا وأخيرًا على سلوك اجتماعي.

ينتقل بعد ذلك إلى محور حديثه الأساسي، ألا وهو التعصب الديني، فيتساءل بدايةً معلقًا على بعض الأحداث التي كانت في تلك الفترة:

ما الذي يجعل مجموعة من الناس تسير في الشوارع وهي تهتف بأن أفراد طائفة أخرى، مخالفة لها في الدين، هم “أعداء الله“؟ ثم يهاجمون دور العبادة لهذه الطائفة المخالفة فيشعلون فيها النار، ويبعثون الخوف في هؤلاء إلى درجة تدفع امرأة منهم إلى أن تلقي بنفسها من ارتفاع عشرة أمتار، أو أن يلقوا هم بها من هذا الارتفاع، كما روت بعض الصحف؟

الأمر يصل إلى درجة الهوس الحقيقي، وهو يحمل في طياته درجة لا يستهان بها من الغضب أو الحقد أو الكراهية المستمدة في رأيي من هذا الشعور الذي وصفته في البداية، تلك الحاجة الماسة لدى المرء إلى الشعور بأنه ذو قيمة: حاجة استبدت به إلى تأكيده أو خوف مستطير من أن يفقده.

يبتدئ هذا التعصب -كان دينيًا أو غير ذلك- من لغة الخطاب، وطريقة نظرة الإنسان إلى غيره، وتحول فكرته عن غيره من المخالفين. وبذلك يستمد الإنسان هويته وتقديره الذاتي من الانتقاص من غيره. يقول د. (جلال أمين):

قد يلجأ المرء لاكتساب هذا الشعور أو تأكيده، إلى ارتكاب كثير من الصغائر. فكثير جدًا من ميلنا إلى التقليل من شأن الآخرين، بما في ذلك الإمعان في انتقاد الناس من وراء ظهورهم، والمبالغة في تضخيم أخطائهم الصغيرة، والتغاضي عن حسناتهم، والميل إلى رؤية عيوب الآخرين بدلًا من حسناتهم، كل هذا يؤكد لنا شعورنا بأننا “ذو قيمة“، وذلك عندما يعز علينا أن نكتسب هذا الشعور من أي طريق آخر غير التقليل من قيمة الآخرين. قد يكون هذا بالضبط أحد المشاعر الأساسية وراء هذا الحماس المفرط لدى المتعصب لإهانة أفراد الطوائف الأخرى والتقليل من شأنهم، ووصفهم بأنهم “أعداء الله“، فهنا يستمد المتعصب شعوره بأنه ذو قيمة في الإمعان في تقليل قيمة الآخرين. والتجاؤه إلى ذلك هو التجاء اليائس إلى التعلق بآخر طوق للنجاة يمكن أن ينقذ به نفسه، إذ قد يبدو غريبًا أن يكون المصدر الأساسي أو الوحيد لشعور المرء بأنه ذو قيمة ليس التدين نفسه، ولا رؤية الآخرين له وهو “يتدين“، بل مجرد انتسابه اسمًا إلى دين يختلف عن دين بعض الناس الآخرين، مع أن مجرد انتسابه إلى هذا الدين لا يرجع إلى فضل خاص له هو شخصيًا، أو إلى أي جهد أو عمل قام به، بل لقد وُلد عليه لأن أباه كان كذلك.

يتساءل بعد ذلك: ما هي الظروف الاجتماعية التي قد تساعد على انتشار هذا التدني من محاولة إثبات الذات، ومحاولة اكتساب الرضا عن النفس عن طريق تحقير الآخرين وإذلالهم إلى هذا الحد؟

وبحكم تخصصه، فيميل تفسيره إلى الجانب الاقتصادي-الاجتماعي أكثر. فيقتبس د. (جلال أمين) بدايةً من دراسة اجتماعية عن الجماعات المتطرفة، قام بها د. (سعد الدين إبراهيم)، خلصت في النهاية إلى أنه “من الممكن أن نقول باطمئنان أن معظم أفراد هذه الجماعات المتطرفة ينتسبون إلى الطبقة الوسطى، أو المتوسطة الصغيرة“، كما تشير إلى أنه “من الواضح تمامًا أن المستوى التعليمي لأفراد هذه الجماعات هو أعلى من المستوى التعليمي الذي حققه آباءهم“، أي أنهم من الشرائح التي حققت درجة من الصعود الاجتماعي في غمار عملية الحراك الاجتماعي.

يعلق د. (جلال أمين) على تلك المقولات بنظرته الاجتماعية-الاقتصادية:

إن هذه الشرائح الاجتماعية من الطبقة المتوسطة، لا تتمتع بالرضا عن النفس الذي تتمتع به الطبقة الجالسة على قمة الهرم الاجتماعي، أو تلك الشرائح العليا من الطبقة الوسطى الفخورة بما حققته من صعود حديث، والسعيدة بما حققته من نجاح سريع، ولا تتمتع بشعور الطمأنينة والرضا الذي تشعر به الطبقات القابعة في أسفل السلم الاجتماعي لأنها تتطلع كثيرًا إلى أعلى، وتستمد رضاها عن نفسها من أشياء أخرى ليس من بينها تحقيق مركز نسبي معين في السلم الاجتماعي.

فالطبقة الغنية برأيه معتزة بغناها ومكانتها الاجتماعية، وعلى الجهة الأخرى فالفقراء لا يطيلون النظر فيما ليس بين يديهم. وفي النهاية، فالطبقة الوسطى في ظل العولمة والتسويق المبالغ فيه للأشياء وتوسيع دائرة الاحتياجات، هي الأسهل لأن تصاب بعدم الرضا عن النفس، نتيجة كل ما تعتقد بأنه ينقصها، ولذلك فهي الطبقة الأقل تماسكًا من هذه الناحية. يتابع كلامه عن الرضا الذاتي وعن علاقته بالتشدد، فيقول عن حال الفقراء والطبقة الوسطى مع الإيمان:

إن من بين مصادر الرضا عن النفس لدى تلك الطبقات الدنيا، التدين والإيمان بالله، وإني لأزعم أن تديّن هذه الطبقات الأخيرة هو أصدق وأكثر عمقًا وأقل نفاقًا، بصفة عامة، من تديّن الكثيرين من أفراد تلك الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى التي ارتكز الحديث عليها، والتي تشعر بسخط شديد على المجتمع وعلى نفسها في نفس الوقت لعجزها عن اللحاق بمن لا تعتبرهم أفضل منها، وتفزع أشد الفزع من احتمال سقوطها إلى مستويات دنيا كانت تطمح إلى تمييز نفسها عنها.

إني أزعم أن هذا الاهتزاز العميق للثقة بالنفس، والضعف الشديد الذي أصاب شعور المرء بأنه “ذو قيمة“، وما أصاب أعدادًا غفيرة من الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى من ذعر من أن يكونوا قد فقدوا أي اعتبار في نظر الآخرين، كما فقدوه في نظر أنفسهم، أزعم أن هذا قد يكون السبب الداخلي الأساسي وراء ما يُسمى في مصر بـ”الفتنة الطائفية“.

يختتم حديثه، باقتباس أخير عن الفيلسوف الفرنسي (باسكال)، يقول فيه:

إن هذا الإنسان إذ يود لو كان عظيمًا، ويرى نفسه ضئيلًا، ويود لو كان سعيدًا، ويرى نفسه شقيًا، ويود لو كان كاملًا، ويرى نفسه مليئًا بالنقائص، ويود لو حصل على حب الناس وتقديرهم، ويرى أن نقائصه وأخطاءه لا تستحق منهم إلا الامتعاض والاحتقار، يعاني الشعور بالإحباط والحرج مما يولّد فيه عواطف ومشاعر بها من الحقد والظلم والإجرام ما لا يمكن تخيله، إذ أنه يشعر بكراهية قاتلة إزاء تلك الحقيقة التي اكتشفها، والتي تخبره بأنه هو الملوم، والتي لا تفتأ تذكره بنقائصه.

 

الخبر الديني عند د.طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين. يتكلم في كتابه (سؤال الأخلاق) عن المنظومة الدينية فيقول:

حقيقة الدين أنه أشبه بالمؤسسة منه بالنظرية ، بل هو أصلاً مؤسسة ، ومقتضى المؤسسة أن تكون مجموعة أحكام ومعايير تحدد كيفيات العمل من أجل تلبية حاجات معينة.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى الخبر الديني، والمغزى من ورائه:

ليس الغرض من الخبر في الدين تبليغ معلوم معين بقدر ماهو الحث على الاعتبار بهذا المعلوم، أي ليس هو الدلالة على الشيء ذاته بقدر ماهو الاستدلال بهذا الشيء على ما سواه ، أو قل بإيجاز، إن الخبر الديني هو آية قبل أن يكون حكاية.

الخبر الديني ليس خبرًا علميًا وإنما هو خبر عملي ؛ ذلك أن الدين لم يأت لكي يُعلم الناس مايمكن أن يدركوه بآلاتهم وقدراتهم المختلفة التي خلقوا بها، ولا أتى على نسق نظرية علمية حتى يمكن أن تُجرى عليها وسائل التحقيق المعلومة وإنما أتى لكي يرشد الخلق إلى الطريق التي ينبغي أن يوجّهوا بها هذه الآلات والقدرات الإنسانية حتى يستطيعوا أن يحيوا حياة طيبة في العاجل وحياة سعيدة في الآجل ؛ وذلك لأن هذه الآلات والقدرات المختلفة، بالنظر إلى ذاتها، يجوز أن تطرق كل أبواب الإمكان وتأخذ في ممارساتها كل اتجاه، إذ ليس لها من ذاتها مايحملها على فعل هذا بعينه، أو فعل هذا دون فعل ضدّه ولا مطمع في توجيهها إلا بتعيين جملة من القيم التي ينبغي لها أن تطلبها، وهي التي يتولى الخبر الديني الإعلام بها أو الإشارة إليها، فإذن لا خبر في الدين بمعزل عن قيمة قريبة أو بعيدة.

آندرو نيوبيرج يوضح علاقة الدين بالتوتر

GB.AFG.06.0102

أندرو نيو بيرج -عالم الأعصاب ومؤلف “مبادئ العصبية العقائدية”- يشير إلى الأثر الحاسم للعقائد الدينية في جعل الفرد سلبياً أو إيجابياً في نظرته للعالم، ويدعو إلى تبني النظرات الأكثر إيجابية في تعاملها مع العالم ومع الآخرين.

لو نظرت إلى النصوص العالمية عن الأديان و العقائد الروحانية والعبادات وكيف ترتبط بصحة الإنسان، ترى أن الأغلبية العظمى من الدراسات تشير إلى الآثار الإيجابية حين يكون الناس مؤمنين أو روحانيين، حيث يميلون لأن يصبحوا في درجة متدنية من الضغط والتوتر ويميلون لأن يصبحوا في صحة أفضل في العموم. كما يتمكنون من التغلِّب على عديد من المسائل والمشاكل بفاعلية أكبر.

لكن في أحيانٍ أخرى من الممكن أن يكون الدين والروحانيَّة سلبيين، فعندما يكابد الناس من أجل عقائدهم الدينية والروحانية، وعندما تعصف بهم أفكار إقصائية تغذّي مشاعر الحنق والكره في الناس. هذه الحالات في الحقيقة ترفع مستوى الضغط والتوتر ، ومن الممكن أن تكون ضارةً بصحة الإنسان. إذن فواحدة من هذه الأشياء التي عادة أدفع الناس للتفكير بها هي أن ينظروا إلى معتقداتهم الدينية والروحانية التي تدفعهم للنظر إلى العالم والناس بطريقة أكثر شفقة. فهل معتقداتك تدفعك للشعور بالراحة أو بتوتر أقل أم تفعل بك العكس ؟ إذا كانت تجعلك تشعر بضغط و توتر أكبر و حنق وكرهٍ أكثر تجاه الناس ، فأظن أنه من المهم أن تعيد النظر في هذه المعتقدات.. وترى ما إذا كانت هناك معتقدات أكثر إيجابية يمكن أن تتبناها.

أظن أن هذه النصوص توضح أنه بمقدار ما يركز عقلك على العواطف الإيجابية والمشاعر الإيجابية من الشفقة والحبّ الشامل للآخرين، سيعمل عقلك بشكل أفضل، كما أن سلوكك الخارجي سيعمل بصورة أفضل. ولكنك إذا استمريت في التركيز على الجوانب السلبية من الدين -مثل فكرة أن الله غاضب عليك، أو أن أولئك الذين لا يتفقون معك في مخطئين بالكليّة كما أنهم أشراراً- هذه الأنواع من الأفكار ستؤدي بك بشكل مؤكد إلى الشعور بالكثير من التوتر والضغط. أحد الأهداف -بالنسبة لي- في بحث الإلهيّات العصبيّة (neurotheology) هو محاولة إيجاد وسائل لمعرفة الآثار السلبية والإيجابية، ومحاولة توجيه الناس لتبني نظرة إيجابية للأفكار الدينية والروحانية.

المصدر من موقع بيغ ثينك. كما يمكنك مشاهدة هذا الفيديو المترجم والمميز الذي يجيب فيه نيوبيرج عن قدرتنا الكامنة والمُبرمجة على أداء الممارسات الدينية والروحية، وعما إذا كان الإيمان بالله مغروس في تركيبة أدمغتنا البيولوجية.