أرشيف الوسم: الرواية

مأزق أن تنتهي من رواية رائعة

سادي شتاين، هي محررة مساهمة في صحيفة (پاريس ريڤيو) الشهيرة، والغنية باللقاءات الصحفية والمقالات المهمة. كما تعمل مراسلة في ذات الصحيفة.

في التاسع من نوفمبر في عام 2015، قامت (سادي) بنشر مقالة في صحيفة (پاريس ريڤيو)، تتحدث فيها عن مأزق الانتهاء من رواية عظيمة، نترجمها لكم بشكل حصري. تقول في مقالتها:

أنا بين الكتب مرةً أخرى. وياله من مكان غير مُريح بالكامل، فبعد الانتهاء من كتاب جيد ومثير للتفكير، ما سيحدث هو أنك لا تريد أن تذهب سريعاً عنه، أو حتى تبتعد، لتتناول كتاب آخر وتبدء فيه. يحدث أنك تُريد أن تجلس بجانب النهاية، وتهدأ قليلاُ وأنت تندب خسارة ولهفة ما فقدته من راحة ذلك الكتاب.

سَتفتقد حتماً لأجواء الشخصيات، ستشعر بالتنافر، والبعد، والتخلي عنهم لمجرد كونك تُفكر في فتح رواية جديدة والبدء فيها.

“رواية غير مضمونة وسَتستهلك مُجدداً ذهنك وروحك بالكامل”.

من ناحية أخرى، وبعد وقت كافي من الخيبة، يُمكنك أن تُصاب بالاضطراب، وتبدء فيك الرغبة في الفرار، والتنازل. فالقدرة على الصمود والتحفزّ للقراءة، لا يساعدك عليها سوى كتاب مُلهم.

لتبدأ عندها بالتساؤل؛ عمّا إذا كان بإمكانك أن تشعر مرةٍ أخرى؛ بمتع ودوافع ما انتهيت من قراءته من أيام فقط؟

ستكون هناك ردّات فعل نفسية، وبطبيعة الحال، بسبب اكتشافك الكتب السخيفة و التي تأخذ الكثير من الوقت، وتعطيك أقل رؤية وإحساس. ستكون هناك بدايات خاطئة، وتلك هي الأسوأ. وهناك أيضاً محاولاتك المُستمرة، بأمل تكرار متعة والهام تجربة القراءة السابقة.

وفي الجزء الأهم من المشكلة سيكون هناك الضغوط، ضغوط القراءة، وذلك الصوت المُلح لإنهاء الأولويات؛ من كتب كلاسيكية يجب عليك قراءتها، إلى كتب الأصدقاء المُهداة، إلى الكتب الموصى بها لك، تلك الكتب التي بانتظار فتحها إلى الآن، ولكن ماذا إذا لم تُعجبك؟ وطالما أنك لم تحاول حتى، أو لم تفشل فيها بعد. ذلك أنه في حالة كل كتاب غير مقروء حولك، هناك احتمال وقدر من النقاء المُلقى حولها وغير المحسوب أيضاً. ويمكن له أن يغير حياتك.

وأخيراً، هناك ذلك النوع من الشلل والعجز، والذي يُمكن أن يُحدد بالخبرة، وتلك أخطر اللحظات، هل مررت بها؟ هل شعرت بها وأنت تتسكع هائماً في المكتبات، باحثاً عن كتب مثالية تُشبه تجربتك السابقة؟ تلك اللحظات وأنت تتلمس عمود الكتب هذا، وتتابع بعينيِك العناوين الأخرى هناك. متفحصاً بحذر، تأخذ الكتاب بيديِك بتردد، لتُرجعه مكانه، قبل أن تتسرع وتقتنيه.

“حافظ على ذلك المعنى الخطر”

انه من المُطمئن لك أن تكون خائفاً! ولا تزال بعد كل ذلك الوقت، وحتى بعد عدد الكتب التي قرأتها، لن يغير شيء من ذلك الشعور، ذلك المعنى الجازم من الخوف المُبدع و الذي يبقى حولك، وبين الكتب دائماً.


[المصدر]

 

المصدر/ http://www.theparisreview.org/blog/2015/11/09/between-books/

لماذا لم يقم شينوا أتشيبي بتدريس الكتابة الإبداعية؟

شينوا أتشيبي

تشينوا أتشيبي (1930 – 2013)، روائي نيجيري من قومية الإغبو، وهو أول روائي بارز من القارة السوداء كتب بالإنجليزية. تتناول كتاباته المخلّفات المأساوية للإمبريالية البريطانية على المجتمعات الإفريقية. حلّل أتشيبي العلاقات الأسلوبية بين الأدبين الأفريقي والإنجليزي. وقد استحوذت أعماله على اهتمامات النقد الأدبي. وُلد أتشيبي في أوجيدي في شرقي نيجيريا، وتلقَّى تعليمه بالكلية الحكومية في أومواهيا وبكلية إبادان الجامعية، وعمل بالإذاعة والخدمة المدنية أيضًا. وعمل مؤخرًا بالتدريس في الجامعات النيجيرية، وجامعات الولايات المتحدة الأمريكية.

في حوار صحفي له مع صحيفة Paris Review الشهيرة، والذي ترجمته الأستاذة (لطفية الدليمي) في كتابها (فيزياء الرواية)، سُئل (أتشيبي): هل قمت يومًا بتدريس الكتابة الإبداعية؟”، فأجاب بالنفي. مما جعل الصحفي يسأله: “ولم لا؟”، فكان جوابه:

لأنني لا أعرف كيف يمكن إنجاز هذا العمل، وأنا أعني كلامي. أنا حقًا لا أعرف. كل ما أقوله هو أن هذه المفردة “الكتابة الإبداعية” توفر عملًا  للكاتب. لا تضحك لملاحظتي هذه، فهي شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من الكتّاب يحتاجون عملًا  آخرًا يعتاشون منه في هذه الأوقات العصيبة وغير المستقرة اقتصاديًا. لا أعلم كيف يمكن للمناهج في مادة الكتابة الإبداعية أن تكون مفيدة للطالب، ولا أقصد بهذا أنها عديمة الفائدة، ولكن أقصد بالتحديد أنني لم أرغب يومًا في أن أرى أحدًا يعلمني كيف أكتب، فتلك ذائقتي الخاصة بي حصريًا.

ثم سأله الصحفي بعد ذلك: “إلى أيّ مدى يمكن للكتّاب كما ترى أن يزجّوا أنفسهم في خضم الموضوعات العامة؟ فكان الجواب:

لست أريد هنا أن أضع قانونًا عامًا ملزمًا للجميع، ولكنني أعتقد أن الكتّاب هم في ذات الوقت مواطنون، وهم في أغلب الأحوال بالغون ومدركون لتفاصيل الأمور. كان موقفي على الدوام، أن الفن الجيد والجاد وجد دومًا لأجل خدمة الإنسانية، لا لإدانتها، ولا أعرف كيف يمكن للفن أن يُدعى “فنًا” إذا ما تسبب في إحباط الإنسانية وقهرها.

عن طريقة مردوخ في الكتابة

مردوخ

أيريس مردوخ (1919-1999)، هي روائية وفيلسوفة وأستاذة جامعية بريطانية. عُرفت برواياتها السيكولوجية التي تحتوي على عناصر فلسفية مشوبة بنكهة هزلية، وتركّز (آيريس) في أعمالها على جوانب الخير والشر، والعلاقات الجنسية، ونظم الأخلاقيات، وقوة التجربة اللاواعية في حياتنا البشرية. وقد اختيرت روايتها الأولى المعنونة (في المصيدة) في عام 1998 كواحدة من أفضل مئة رواية إنجليزية في القرن العشرين. كما صنّفتها مجلة التايمز في المرتبة الـ(12) من قائمة تضم (50) من أعظم الكاتبات البريطانيات منذ عام 1945. ولا زالت تحظى باهتمام كبيرٍ بعد مرور أكثر من عقد على وفاتها عام 1999 متأثرة بتداعيات مرض الزهايمر الذي ظهرت أعراضه عليها منذ عام 1994.

نقتبس هنا شيئًا من أجوبتها في اللقاء الصحفي المطوّل الذي أجرته مع مجلة (پاريس ريڤيو) في عام 1990. من ترجمة الأستاذة (لطفية الدليمي)، والذي جعلته في كتابها (فيزياء الرواية).

أخبرينا قليلًا  عن طريقتك في السرد وكيف تفكرين أثناء كتابة رواية.

أعتقد أن من المهم للغاية وضع خطة تفصيلية قبل أن تشرع في كتابة الجملة الأولى. أنا أخطط لكل شيء بالتفصيل قبل أن أشرع في الكتابة، لديّ مخطط عام وكومة ملاحظات، حتى أن ترتيب الفصول أخطط له منذ البدء، وكذلك الحوارات. هذه هي المرحلة أولية وفي غاية الأهمية، ومخيفة بذات الوقت في كتابة أية رواية، لأنك تكون بعدها ملتزمًا تمامًا بمخطط عملك الذي وضعته، أعني بالضبط أن الرواية عمل طويل مجهد وإذا ما كانت نقطة الشروع غير موفقة فستنتهي إلى نهاية غير سعيدة حتمًا. المرحلة الثانية في كتابة الرواية هي أنك ينبغي أن تجلس بهدوء وتدع الأشياء تكتشف نفسها: منطقة في الخيال تقود لأخرى، تفكر مثلًا في حدث ما ثم يقتحم شيء غير متوقع أجواءك، وبعدها ترى أن المسائل الجوهرية التي يحوم حولها العمل تكشف عن نفسها وتترابط مع بعضها. حتى ليمكن القول أن الأفكار تتطاير معًا وتولد أفكارًا جديدة، والشخصيات تولد شخصيات.

ما الذي يلحّ عليكِ أولًا: الشخصيات أم عقدة الرواية؟

أعتقد أن الاثنين يبدءان في الاشتغال معًا: فثمة دومًا اثنان أو ثلاث شخصيات في علاقة من نوع ما، وأن مشكلة من نوع ما تنتابهم، ثم هناك قصة، ومحن، وصراعات، وحراك من الوهم إلى الحقيقة. لا أظن أن لديّ ميول لإسقاط سيرتي الذاتية على ما أكتب.

كيف تختارين أسماء شخصياتك الروائية؟

ينبغي لهم أن يختاروا أسماءهم بأنفسهم، وليس بوسع المرء سوى الانتظار. إذا ما حصل خطأ ما في الاختيار فمن الممكن أن يكون أمرًا خطيرًا. ينبغي للشخصية أن تعلن عن اسمها الشخصي. أعمل في العادة قوائم بالأسماء، ويمكن لي أن أخترع الأسماء أيضًا. حدث مرة أن اخترعت اسمًا لشخصية أسميتها Gavender وظننت أن لا يمكن لأحد أن يتسمى بهذا الاسم، وبعدها تلقيت رسالة من أحد الأشخاص في الولايات المتحدة يكتب فيها لي: “كيف عرفت ما حدث لعائلتنا؟”. إن اختراع الأسماء لشخصيات روائية عمل مسل للغاية.

ما هي المشكلة التقنية الأكثر صعوبة في العادة التي تعترضك عند كتابة رواية؟

هي ذات المشكلة التي أشرت إليها سابقًا: كيف تبدأ الرواية، ومتى تقوم بهيكلتها، وتحديد السرعة التي تتحرك بها الشخصيات. إنها عملية تماثل الانتقال من حرية كاملة إلى قفص ضيق، إذ عليك أن تقرر بأية سرعة تتحرك، ومتى تقرر ما ستؤول إليه الثيمات الرئيسية في الرواية.

إذا لم تكن شخصياتك الروائية تعود لشخصيات واقعية في معظم الأحيان على عكس الحالة السائدة عند أغلب الروائيين مثل (همنغواي) و(لورنس)، فكيف تخلقينهم إذًا؟

أجلس وأنتظرهم فحسب. أمقت كثيرًا فكرة ضخ شخصيات حقيقة في جسم الرواية، ليس بسبب أن ذلك سيكون موضع تساؤل أخلاقي لكن لكونه سيكون مملًا أيضًا كما أرى. أريد اختراع شخصية لم توجد من قبل، ثم تبدأ سمات الشخصية بالنمو مع تقدم العمل. الصورة الأولى للشخصية تكون في العادة ضبابية: تعلم مثلًا  أن (فلانًا) في الرواية مواطن صالح، أو ذو ميول دينية، وقد يكون بيوريتانيا Puritanical، وينبغي لي منذ البدء أن أملك فكرة ما عن المشكلات التي ستواجهه وعلاقاته مع الشخصيات الأخرى، لكن التفاصيل الخاصة التي تعتمد عليها الرواية، مظهره، سماته الخاصة، خصوصياته، مزاجه، كلها تفاصيل تأتي لاحقًا.

ميلان كونديرا في حديثه عن الذاكرة والنسيان

Milan-Kundera-006

(ميلان كونديرا)، روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه (الستارة) حيث يحكي مستفتحًا:

أتذكر لقائي مع بعض زملائي في الثانوية بعد عشرين عامًا من البكالوريا؛ يخاطبني (ج) بفرح: “ما زلت أراك تقول لأستاذنا في الرياضيات: تبًا يا سيدي الأستاذ”، والحال فإن اللفظ التشيكي لكلمة “تبًا” نفّرني على الدوام، وكنتُ على ثقة تامة بأنني لم أقل ذلك، لكن الجميع من حولنا انفجروا ضاحكين، متظاهرين بأنهم تذكروا تصريحي الظريف. أدركتُ أن تكذيبي وإنكاري لن يقنع أحدًا، فابتسمت بتواضع دون احتجاج لأنه، وأُضيف هذا إلى خجلي، سرَّني أن أرى نفسي وقد تحوّلت إلى بطل يطلق كلامًا بذيئًا في وجه الأستاذ الملعون.

عاش الجميع مثل هذه الحكايا. عندما يستشهد أحدهم بما قُلته في محادثة، فإنك لن تتعرف أبدًا على نفسك؛ تغدو عباراتك في أحسن الأحوال مبسطة على نحوٍ فظ وأحيانًا مشوّهة -عندما يُؤخذ تهكمكم على محمل الجد- وغالبًا غير منسجمة البتة مع ما سبق لك أن قلته أو فكرت به. وينبغي أن لا تدهش أو تسخط، لأن هذه بديهية البديهيات: الإنسان منفصل عن الماضي -الماضي القديم كما الماضي القريب جدًا منذ بضع ثوانٍ- بقوتين تباشران العمل وتتعاضدان: قوة النسيان، التي تمحي، وقوة الذاكرة، التي تُحوِّر.

هذه بديهية البديهيات، لكن من الصعب قبولها لأنه، عندما نفكر فيها حتى النهاية، ماذا ستصبح كل الشهادات التي يستند إليها التأريخ، ماذا تصبح يقينياتنا عن الماضي، وماذا يصبح التاريخ نفسه الذي نرجع إليه يوميًا بسذاجة وحسن نية وعفوية؟ خلف بطانة المُسلّم به الرقيقة -ليس ثمة شك أن (نابليون) خسر معركة (واترلو)- يَنتشر فضاءٌ لا نهائي، فضاء التقريب والاختلاق والتشويه والتبسيط والمبالغة وسوء الفهم، فضاءٌ لا نهائي من اللا حقائق التي تتكاثر كالفئران وتَتَخلَّد.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يعطي النشاط الدائم للنسيان لكل واحد من تصرفاتنا طابعًا شجيًا وغير حقيقي وضبابي .. ماذا تغذينا قبل البارحة؟ ماذا روى لي صديقي بالأمس؟ وحتى: بماذا فكرت منذ ثلاث ثواني؟ كل هذا يُنسى، وما هو أسوأ بكثير، لا يستحق شيئًا آخر. ومقابل عالمنا الواقعي الزائل والجدير بالنسيان في حد ذاته، تنتصب الأعمال الفنية كعالم آخر، عالم مثالي وراسخ، لكل تفصيل فيه أهميته ومعناه، وكل ما يوجد فيه، كل كلمة، كل جملة، تستحق ألا تُنسى وأن تُفهم كما هي.

مع ذلك لا يُفلت الإدراك الحسي للفن أيضًا من سلطة النسيان. وبهذه الدقة، يوجد كل فن من الفنون في موقع مختلف إزاء النسيان. من وجهة النظر هذه، الشِعر محفوظ. مَن يقرأ نشيد (بودلير)، لا يسعه أن يقفز فوق كلمة واحدة منه. وإذا أحبه، سيقرؤه عدة مرات وربما بصوت مرتفع. وإذا أحبه إلى درجة الجنون، سيحفظه عن ظهر قلب. فالشعر الغنائي هو معقل الغناء.

أما الرواية، بالعكس، هي قصر محصّن بردائة إزاء النسيان. وعندما أخصص ساعة لقراءة عشرين صفحة، فإن رواية من أربعمئة صفحة ستأخذ مني عشرين ساعةولنقل إذًا أسبوعًا. ونادرًا ما أجد أسبوعًا بكامله فارغًا. وعلى الأرجح ستخلل جلسات القراءة انقطاعات لعدة أيام، سيقيم خلالها النسيان ورشته على الفور، لكن النسيان لا يعمل في فترات الانقطاع فقط، بل يشترك في القراءة بشكل مستمر، بلا أي توقف، وأنا أقلب الصفحة أنسى ما قرأته توًا؛ ولا أحتفظ منه إلا بنوع من المختصر الضروري لفهم ما يليه، بينما تُمحى جميع التفاصيل والملاحظات الصغيرة والعبارات المثيرة للإعجاب. وذات يوم بعد سنوات، ستراودني الرغبة في التحدث إلى صديق عن الرواية، عندئذ ستتأكد أن ذاكرتينا اللتين لم تحتفظا من القراءة إلا ببعض المقتطفات، أعادتا بناء كتابين مختلفين لدى كل واحد منا.

ومع ذلك، يكتب الروائي روايته كما لو كان يكتب نشيدًا. انظروا إليه، إنه مذهول بالتأليف الذي يراه يرتسم أمامه؛ أدنى تفصيل مهم بالنسبة له، يحوّله إلى موتيف -موضوع فني أو أدبي صغير- وسيعيده في تكرارات عديدة وتنويعات وتلميحات كما في مقطوعة الفوغ -تنويع موسيقي تتكرر أجزاؤه. لهذا السبب هو لأنه واثق من أن الجزء الثاني من روايته سيكون أجمل وأقوى من الأول، لأنه كلما تقدم في قاعات هذا القصر، تضاعفت أصداء الجمل الملفوظة والثيمات المعروضة سابقًا، وبعد أن تتجملع في تناغم، ترن في كل الأجاء.

الجيل الضائع في الأدب الروسي الحديث

dstofsky

الأدباء الشباب ضحايا الأدب المستعاد:

بعد تخفيف الرقابة على المطبوعات في فترة البيريسترويكا (إعادة البناء)، شهدت روسيا بين عامي (1986 – 1989) انفجاراً ثقافياً حقيقياً، تمثلت في نشر كم هائل من الأعمال الأدبية والفكرية المحظورة طيلة الحقبة السوفيتية السابقة لطائفة كبيرة من اشهر الكتاب الروس الذين ينتمون الى عدة اجيال متعاقبة. والكثير من هذه الأعمال تم كشف النقاب عنها لأول مرة. وهذه ظاهرة فريدة، اطلقت عليها إسم الأدب المستعاد الذي أقبل عليه القاريء الروسي بنهم شديد، لنهل النصوص الإبداعية التي تكشف الحقيقة عن ثورة اكتوبر 1917 والحرب الاهلية واحداثهما الدراماتيكية، والأساليب التي اتبعها البلاشفة لبناء “العالم الجديد” المزعوم .
وقد تسابقت المجلات الأدبية المركزية -التي يسميها الروس بـالمجلات السميكة– في نشر الأدب المستعاد، وامتنعت تماماً عن نشر نتاجات الجيل الجديد من الكتاب والشعراء الروس. وقد يستغرب القاريء إذا قلنا ان تلك المجلات هي التي تقرر مصير أي موهبة أدبية جدبدة في روسيا، بصرف النظر عن النظام القائم، هكذا كان الأمر في كل العهود منذ صدور أول مجلة من هذا النوع في روسيا وهي مجلة (بيبليوتيكا دليا جتينيا) أو “مكتبة للقراءة في عام 1834 .
إن نشر اي نص إبداعي في مجلة أدبية مركزية يعد إشهارا للمبدع الناشيء، واعترافا بموهبته في الوسط الأدبي والثقافي، ولدى دور النشر، أما النشر في المجلات الهامشية فإن مصيره الإهمال والنسيان، وان كان المبدع ذا موهبة. هذا تقليد أدبي راسخ في روسيا. كل الكتّاب الكلاسيكيين الروس، والكتاب السوفيت ظهروا لأول مرة على صفحات مثل هذه المجلات.
 سجلت المجلات “السميكة” أرقاماً قياسية في مبيعاتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر بلغ عدد النسخ المطبوعة من مجلة (يونست) في تلك الفترة حوالي خمسة ملايين نسخة. وهذا رقم قياسي في تاريخ الصحافة الأدبية الروسية والعالمية. كانت هذه المجلة المتخصصة في نشر أعمال الأدباء الشباب، المنبر الرئيسي دائماً لنشر وإشهار الأعمال الأدبية المتميزة للجيل الجديد، من الكتّاب والشعراء والنقاد. اما في فترة “البيريسترويكا” فقد توقفت تماما عن نشر مثل هذه الاعمال، وكرست صفحاتها لـالأدب المستعاد“. وربما كانت المجلة محقة في ذلك. فقد كان القاريء الروسي متشوقا لقراءة الروائع الأدبية، التي دفع مبدعوها حياتهم من أجلها، وليس الاطلاع على نتاجات الأدباء  الشباب الذين يحاولون شق طريقهم في عالم الادب.
كان البلاشفة في العهد القيصري ينادون بحرية التعبير والعدالة الاجتماعية، ولكنهم بعد وصولهم الى السلطة شرعوا تدريجياً بالقضاء على كل الحريات العامة والخاصة، ومنها حرية التعبير عن الرأي بشتى أشكاله، وفرضوا رقابة صارمة على المطبوعات، التي أصبحت كلها حزبية وحكومية، بعد إلغاء دور النشر والصحف والمجلات الخاصة، ومنعوا نشر أو عرض أي نتاج إبداعي لا يتوافق مع الأيديولوجية الشيوعية. الرقابة البلشفية كانت أكثر قسوة بكثير من الرقابة القيصرية.
أثارت الأساليب البلشفية المتطرفة في استئصال “البورجوازية” ومصادرة أموالها وممتلكاتها، استياء معظم الكتّاب والشعراء المعروفين، وقد فضّل الكثير منهم الهجرة إلى العواصم الغربية. أما الأدباء الذين ظلوا في داخل روسيا، فقد انقسموا بين مؤيد ورافض للنظام البلشفي. وأدرك  الرافضون بعد حين، إن ما يكتبونه قد لا يرى النور قي روسيا أبداً. وصدق ظنهم، فقد امتنعت المجلات “السميكة” ودور النشر السوفيتية عن نشر نتاجاتهم، أو ظلت حبيسة الأدراج المخفية عن أنظار المخبرين لدى الأقارب أو الأصدقاء الحميمين أو تم تهريبها لنشرها في الخارج. وكان كل عمل أدبي روسي ينشر في الخارج، يعتبر عملاً معاديا للثورة، و للنظام الجديد في نظر قيادة الحزب الحاكم، ويحظر نشرها أو تداولها في داخل البلاد.
يتضمن الأدب المستعادعدداً كبيراً من الأعمال الإبداعية، لطائفة من خيرة الأدباء الروس من كتاب وشعراء، الذين أعدموا أو سجنوا لسنوات طويلة ، بعد انتزاع اعترافات كاذبة عنهم وإدانتهم في محاكمات صورية بتهم ملفقة. وكان الحكم عليهم ينص ايضاً على إزالة أسمائهم ومؤلفاتهم أينما وردت، في الموسوعات والكتب والبحوث والمقالات، ومنع أي إشارة إليهم في المناسبات الثقافية. وكانت “جريمتهم” أنهم لم يكونوا يكتبون كما يشتهي القسم الأيديولوجي في الحزب، بل يكتبون الحقيقة ، ويصورون الواقع فنيا دون تزييف أو تلميع. ومن هؤلاء (إسحاق بابل) (1894- 1941)  . وتعد مجموعة قصص (حكايات اوديسا) [1925]، ورواية (فرقة الخيالة) [1931]، من أهم أعماله الإبداعية. وبعد اعتقاله في عام 1939 اختفت اعماله وكتاباته، ومات في المعتقل في ظروف غامضة.
أما أعمال (أندريه بلاتونوف) (1899 – 1951) الروائية بأجوائها التشاؤمية،  فقد ظلت ممنوعة من النشر حتى عام 1987. ومنها  (الحفرة) و(تشيفنغور)، و(صبايا البحر) التي تعد من أهم أعماله الإبداعية.
تروي (الحفرة) [1931] قصة عمل فريق من العمال في اقامة مبنى سكني يخصص للبروليتاريا، وكان هؤلاء العمال يتوجهون بين فترات العمل الى القرية المجاورة لتطهيرها من الفلاحين الأغنياء أو الملاكين ثمّ يرمون جثامينهم في عرض البحر. هكذا يصور المؤلف بداية العمل الجماعي في روسيا.
لم ينجز من المشروع سوى الحفرة، التي تحولت في نهاية المطاف الى مقبرة جماعية. ومعنى القصة واضح وهو استحالة بناء الجنة الشيوعية على معاناة الضحايا الابرياء.
أما الشاعر (أوسيب ماندلشتام) ( 1891- 1938 ) -وهو أحد أعظم الشعراء الروس في القرن العشرين- فقد ضحّى بنفسه من أجل قصيدة تهكمية بستالين بعنوان جبلي الكرملينلم تر النور الا في في عام 1986، وترجمت على الفور الى عشرات اللغات الأجنبية من قبل شعراء غربيين معروفين. وهي أشهر قصيدة تهكمية في القرن العشرين.
 
أما (ميخائيل بولغاكوف) (1891 – 1940)  فقد شجب الثورة في روايته القصيرة (قلب الكلبالتي كتبها في عام 1925، ونشرت في الخارج في الستينات، بعد وفاة الكاتب بحوالي عشرين عاماً، ولم تنشر في روسيا الا في عام  1987، فقد كان من الكتّاب المغضوب عليهم، ومنع من النشر تماماً في السنوات الأخيرة من حياته. القاريء يعرف (بولغاكوف) من خلال روايته الرائعة (المعلم ومرغريتا)، المترجمة الى اللغة العربية . ومن أهم أعماله الأخرى رواية (الحرس الأبيضو مسرحية (أيام آل توربين) وهو يعد من أهم الكتاب الروس في النصف الأول من القرن العشرين.
لم يقتصر الحظر والتضييق على هؤلاء المبدعين فقط، بل شمل مبدعين روس آخرين من ألمع الشعراء والكتّاب، ومنهم اهم شاعرتين روسيتين في القرن العشرين وهما (تسفيتايفا) و(أخماتوفا) اللتان منعتا من نشر العديد من  أعمالهما، والشاعر (بوريس باسترناك) الذي تم حظر نشر روايته (دكتور زيفاكو) في داخل روسيا حتى عام 1987. وشمل الحظر حتى بعض أعمال (مكسيم غوركي). والقائمة طويلة. ولا نرى جدوى من ذكر أسماء الكتّاب والشعراء، الذين تعرّضوا للأضطهاد، ممن لم يترجم أي عمل من أعمالهم الإبداعية إلى اللغة العربية.  

أدب المعتقلات:

ثمة العديد من أهل الفكر والقلم، الذين قضوا سنوات طويلة في معتقلات العمل القسري الشاق، لعل أشهرهم (فارلام شالاموف) (1907- 1982)، الذي صور بعمق معاناة المعتقلين في مجموعته القصصية  الشهيرة (حكايات كوليما). وكوليما شبه جزيرة تقع في اقصى حدود سيبيريا قضى فيها (شالاموف) سبعة عشر عاما ( 1936-1953). وقد لقيت (حكايات كوليما) عند نشرها لأول مرة خلال فترة “البيريسترويكا” رواجاً عظيما. (شالاموف) يعتقد أن الظروف اللاإنسانية في تلك المعتقلات الرهيبة لا تطهّر الإنسان، بل تفقده آدميته، وتحوله إلى كائن آخر فاقد لكل ما يميز الإنسان من قيم.
 أما (ألكسندر سولجينيتسن) (1918- 2008) فقد حكم عليه بالسجن ثمان سنوات مع الأشغال الشاقة، بتهم مفبركة، ولم تشفع له ميداليات الشجاعة التي نالها في حينه عن اشتراكه في معارك الحرب الوطنية العظمى ضد الجيش الهتلري. وأعيد إليه الاعتبار بعد وفاة (ستالين) حيث، عمل مدرسا، وكتب روايته الشهيرة (يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفيج)، التي يصف فيها يوما واحدا من حياة بطل الرواية في المعتقل. وقد تدخل (خروشوف) شخصيا للسماح له بنشر الرواية. اما رواياته اللاحقة ومنها رواية (أرخبيل غولاغ) فقد كتبها وبسرية تامة، ولم تنشر الا في عام 1987. وكان (سولجينيتسن) على النقيض من (شالاموف) يرى أن المعتقل يسهم في تطهير الانسان من النوازع الدنيوية، وقد دخل في سجال طويل مع (شالاموف) حول هذا الموضوع.

نتاجات الروس المهاجرين والأجانب :

كان  الإعلام السوفيتي يزعم أن الطاقة الإبداعية للكتاب والشعراء الروس المهاجرين قد خمدت، ولكن الحقيقة هي انهم قد أبدعوا اعمالاً قيمة نشرت في بلدان اللجوء، وظلت محظورة في روسيا حتى منتصف الثمانينات من القرن العشرين. وعندما  أخذت أعمالهم طريقها الى المجلات الأدبية المركزية، أصيب القراء بدهشة كبيرة، حين اكتشفوا أن ثمة أدباً روسياً في الخارج، متنوع الاتجاهات والأساليب، لا يقل روعة عن أعمال كبار الأدباء الروس المغضوب عليهم في الداخل. أعمال هؤلاء المبدعين المهاجرين سمحت بتكوين صورة كاملة للهزات التأريخية التي تعرضت لها روسيا في النصف الأول من القرن العشرين. ونكتفي هنا بمثالين بارزين فقط من هذه الأعمال.
كتاب (الأيام الملعونةلـ(أيفان بونين) (1870 – 1953) يتضمن يومياته عن أحداث عامي 1918- 1919، والكارثة القومية التي عصفت بروسيا في أعقاب ثورة 1917. وقد أجمعت الأوساط الثقافية في الدول الغربية على الإشادة بالكتاب عند نشره في باريس عام 1936، بل إن البعض من الباحثين الأجانب اعتبره ذروة إبداع (بونين).
كان  المثقفون في الداخل يعرفون وجود هذا الكتاب. بعد أن ظهرت بعض التعليقات النابية عن الكاتب في الصحافة السوفيتية، ولكن الكتاب ظل ممنوعا من النشر والتداول في روسيا حتى عام 1987.
يصف (بونين) في هذا الكتاب الحياة المدمرة في المدن والقرى، حيث تركت الاراضي الزراعية مهملة ولم يزرع أو ينتج أي شيء طيلة خمس سنوات. ويتساءل الكاتب: “كم من الناس يسيرون اليوم في ملابس منزوعة من جثامين الموتى؟”. (بونين) يصدر حكماً قاسياً ليس على الثوار فقط، بل على الشعب الروسي أيضاً، لأنه سمح لفئة من المتعصبين أن يتحكموا في حياته ومصيره، وهو يندد في يومياته -التي كتبها  إثر الأحداث الساخنة يوماً بيوم-  باحتكار الحقيقة من قبل الثوار. ويصرخ: “نحن أيضاً بشر”، ويطالب بتطبيق معيار أخلاقي واحد على “نحن” و “هم” مدافعاً عن القيم الإنسانية المشتركة.
ويقول أن كل ما يقترفه الثوار من أفعال مسموح ومغفور لهم، في حين أنهم انتزعوا من “البيض” كل شيء: “الوطن، والآباء، والأخوات، والأقارب، والمهود، والمقابر”. لأنهم –حسب الثوار- ليسوا بشراً ولا يمكن أن يكون لهم رأي في ما يحدث في بلادهم.
في (الأيام الملعونة) يروي (بونين) قصة أثارت دهشته، حيث أقدم الثوار خلال نهب منزل أحد الملاكين، على نتف ريش الطواويس، وتركها مدماة تنتفض من الألم في الفناء. “الطاووس المسكين لم يكن يعرف أنه طير بورجوازي”.
ويصف كاتب مغترب آخر هو (ايفان شميليوف) في رواية (شمس الموتى) المجاعة الرهيبة في شبه جزيرة القرم، حيث كان هو شخصيا شاهداً وضحية لها. شخصيات الرواية أناس حقيقيون، من سكان مدينة (آلوشتا) الساحلية. ويمتد زمن الرواية عاماً واحداً، من الربيع الى الربيع التالي. وهي وثيقة فنية–تأريخية مدهشة لتلك الحقبة.
في ظل النظام الجديد تحولت أراضي القرم الخصبة إلى صحراء محروقة. البلاشفة الذين نجحوا في انتزاع السلطة، لم يحاولوا تنظيم الناس للعمل المنتج، ولم يكن لهم همّ سوى فرض العقوبات على السكان، وسلب ما لديهم من مال وممتلكات. اسم الرواية يشير الى الانتصار التام للموت على الحياة. الناس يترنحون من الجوع عند المشي. المجاعة دفعت الناس إلى أكل كل ما تقع في أيديهم من حيوانات وطيور ونباتات. السُلطة الجديدة لا تلتفت إلى معاناة السكان ولا تهتم بمصائرهم وتركتهم يموتون من الجوع. (شميليوف) يصور كيف أن الجوع يدمر أخلاق الإنسان. الجيران الآن يكره بعضهم البعض الاخر، وبوسعهم سرقة آخر قطعة خبز. إنه زمن الجنون بعينه.
ولم يقتصر الحظر في الحقبة الستالينية على الأدباء الروس المغضوب عليهم، بل شمل أيضاً نشر أو تداول الأعمال الأدبية والفكرية لعدد كبير من الكتاب والمفكرين والفلاسفة الأجانب، بذريعة انها مضرة، وتتنافى مع الأيديولوجية الماركسية. ومنها نتاجات (جيمس جويس) و(أورويل) و(كافكا)، وكتب (فرويد)، و(نيتشه)، و(سارتر)، وغيرهم، التي اطلع عليها القاريء الروسي بعد عشرات السنين من صدورها.
ونرى على هذا النحو، كبف أن الحرية لها بعض الجوانب السلبية أحياناً، مثلما حدث في روسيا خلال سنوات البيريسترويكا، عندما حجب “الأدب المستعاد” النصوص الإبداعية للأدباء الشباب، وحرمتهم من النشر لسنوات عديدة. ولم تبدأ المجلات الأدبية المركزية ودور النشر بالإهتمام بإبداعاتهم الا منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين.