أرشيف الوسم: الرواية

آدم كيرش مدافعًا عن الرواية العالمية

آدم كيرش (مواليد 1976) هو صحفي أمريكي، وناقد أدبي.

نشر (آدم كيرش) مقالة بعنوان (دفاعًا عن الروائي العالمي)، في صحيفة (فاينانشال تايمز) في ٧ أبريل ٢٠١٧. وقد قامت الأستاذة (لطفية الدليمي) بترجمتها، ونشرها في كتاب (اكتمال العالم) مع عدة مقالات أخرى.

يقوم (آدم) معرفًا للرواية العالمية:

إن الرواية العالمية هي الثورة الأحدث التي لا محيد عنها في النوع الأدبي الذي لطالما سعى دومًا للتعامل السردي الخلاق مع الطريقة التي نحيا بها اليوم، وإذا ما بلغت الرواية العالمية أفضل مرتقياتها الإبداعية فستكون حينئذ قادرة على الارتقاء بالخيال الخلاق الذي يتطلبه التعامل مع عالم معولم بالغ الاختلاف كالعالم الذي نعيش فيه.

ثم يشرح أفكاره بشكل أكبر، متخذًا من أحد روايات (أورهان باموك) أنموذجًا:

لكن الرواية يمكن أن تكون عالمية في مخيالها السردي حتى لو كان مجالها مقيدًا في حدود بلدة محلية، وهذا هو ما يحصل مع رواية (أورهان باموك) المسماة (ثلج) المنشورة عام 2002 والتي تجري وقائعها خلال بضعة أيام وحسب في بلدة تركية حدودية تدعى (كارس). تروي رواية (ثلج) حكاية شاعر تركي يدعى (كا) عاد للتو من منفاه السياسي في ألمانيا ليستقر في بلدة (كارس) التي انقطعت بها السبل عن العالم الخارجي بعد وصوله بفعل عاصفة ثلجية.

“لا بد من التنويه هنا أن مفردة ثلج بالتركية هي (كار)؛ الأمر الذي لن يخفى على القارئ ويجعله يستشعر منذ البداية أن هذه الرواية هي ملعبة كلمات “كار”، “كا”، “كارس”، وتحيل موضوعة عدم إمكانية الترجمة الحرفية لهذه المفردات الثلاث إلى الملامة الشديدة التي يختص بها (باموك) فكرة الروائي العالمي الذي يعتقد بضرورة تطهير لغته من كل المفردات ذات الدلالات الخصوصية غير القابلة للنقل أو الترحيل إلى ثقافات جديدة.”

يكمل (آدم) بعد ذلك في مقالته:

يحصل في هذه الفترة الفاصلة من حياة البلدة أن يشهد الناس فيها انقلابًا مدبرًا من قِبل جماعة علمانية لا تتورع عن ممارسة قمع دموي تجاه السكان المسلمين، وهذا ما يشير بوضوح بأن هذه الرواية تدور في مدار السياسات المحلية، وبالكاد ستكون ذات مغزى مقبول لكل قارئ غير ملمّ بشيء من المعرفة المسبقة بالمجتمع والتاريخ التركيين؛ لكن برغم ذلك فإن واحدة من الموضوعات الأثيرة في هذه الرواية والتي تشكل مصدرًا من مصادر الكوميديا “الملهاة” فيها هي الطريقة التي يتلهف بها كل من الفرقاء المتصارعين في بلدة (كارس) لسرد حكايته الخاصة عن مجريات الوقائع التي حصلت في البلدة للعالم الخارجي الواسع وبخاصة الغرب منه.

إن هذه الحاجة الملحة للفوز بفهم الغربيين يتم وصفه من قبل (باموك) على أنه جزء مركّب الشعور بالدونية المتأصلة في الروح القومية التركية: “ليس الأوروبيون هم من يسعون للتقليل من شأننا معظم الوقت”، هذا ما يقوله (بلو) وهو قائد إسلامي، ثم يردف: “إن ما يحصل عندما ندقق في سلوك الأوروبيين هو أننا نحن من نقلل من قدرنا ونستصغر شأننا”، وبهذا تتمكن رواية (ثلج) من أن تكون حكاية رمزية بشأن العلاقة بين أوروبا والعالم الإسلامي من جهة، وبين الحداثة والدين من جهة أخرى، وهي الموضوعات الأكثر أهمية وراهنية في اللحظة العالمية السائدة من غير الاضطرار لمغادرة السياق المحلي لوقائع الحكاية.

تم حظر الرواية في فرنسا ودول عديدة، ووصل الأمر إلى حرقها علناً، ولكن لم يكن ثمة شيء يمكن أن يوقفها عن الانتشار؛ لوليتا .. حلم (نابوكوف) القديم

بعد مرور أكثر من ستة عقود على نشر رواية (لوليتا) للكاتب الروسي- الأميركي (فلاديمير نابوكوف) (1977-1889) ما يزال الإهتمام كبيراً بهذه الرواية، حيث تصدر بين حين وآخر طبعات جديدة منها بشتى لغات العالم، وكأن (نابوكوف) لم يكتب 16 رواية أخرى، والعديد من المجاميع القصصية، والدواوين الشعرية، والمسرحيات، والدراسات الأدبية، فقد كان كاتبا وشاعرا غزير الإنتاج.

كتب (نابوكوف) رواية (لوليتا) في اثناء قيامه برحلات الى بعض انحاء الولايات المتحدة الاميركية، خلال العطلات في أواخر الأربعينات، عندما كان استاذا في جامعة هارفارد، يحاضر عن النماذج العالمية في الأدبين الروسي والأميركي.

و(لوليتا) هي الرواية الثانية عشر لـ(نابوكوف)، والثالثة التي يكتبها بالإنجليزية. وكان حتى ذلك الحين، كاتبا معروفا في الأوساط الأدبية الروسية في المهجر، دون أن يحظى باهتمام كبير من جانب دور النشر والصحافة الأدبية الغربية. وكانت أعماله الأدبية محظورة في الإتحاد السوفيتي، شأنه في ذلك شأن كل الكتّاب والشعراء الروس المهاجرين إلى الدول الغربية هربا من النظام البلشفي.

ولم يتوقع (نابوكوف) أبدا، أن (لوليتا) ستحتل صدارة لائحة الروايات العالمية إلى جانب (مدام بوفاري) و(أوليسيس)، (عشيق الليدي تشاترلي)  و(مدار السرطان). وأن الرواية ستجابه فور نشرها بالشجب والإدانة، ثم الحظر، الذي سيؤدي إلى الرغبة المتزايدة في قراءتها وترجمتها إلى اللغات الاخرى وذيوعها في أنحاء العالم.

كانت فكرة الحب المحرم بين رجل في منتص العمر وصبية على مشارف المراهقة، لا تفارق خيال (نابوكوف) لسنوات طويلة، ويعود إليها بين حين وآخر في قصائده ورواياته. تظهر صورة فتاة جذابة جنسيا لأول مرة في قصيدة (نابوكوف) “ليليث”، التي كتبها في برلين عام 1928:

صبية عارية وقفت بالباب فجأة،

مع زنابق نهرية في ضفائرها.

لمعت شقرة ابطها،

وهي تحجب أشعة الشمس بيدها.

رشيقة كامرأة، ونهداها يزهران بلطف،

وتذكرتُ ربيع الوجود الدنيوي.

كما نجد فكرة الرواية في الفصل الثالث من رواية (نابوكوف) المعنونة (الهدية)، والصادرة في عام 1937، ضمن قصة مثيرة يسردها (شيغوليف) أحد ابطال الرواية.

تخيّل القصة التالية؛ كلب قديم، ولكنه لا يزال قويا، متقد العاطفة، ويتلهف للسعادة. يتعرّف على أرملة لديها طفلة، لم تظهر ملامح الأنوثة عليها بعد، لكنها تمشي بطريقة تصيبك بالجنون. شاحبة الوجه، خفيفة الحركة، مع هالات زرقاء تحت عينيها. وهكذا لم يتردد في الزواج من الأرملة. وعاش ثلاثتهم معا. وبطبيعة الحال لم تكن الصبية تعير الرجل أي اهتمام .. ما العمل إذن؟

هنا يمكنك أن تصف إلى ما لا نهاية؛ الإغواء، والتعذيب الأبدي، والحكة، والأمل المجنون، وكل هذا سوء تقدير. الزمن يمر سريعا، وهو يتقدم في العمر، وهي تزداد جمالا. أحيانا تمر بقربه وتلقي عليه نظرة ازدراء. آه! هل تشمّ هنا رائحة مأساة (دوستويفسكي)؟

لم يكن (نابوكوف) يطيق (دوستويفسكي)، وفي كل فرصة سعى إلى وخزه؛ وخاصة بسبب “دموع الطفل” و”الجمال الذي سينقذ العالم”. وفعل ذلك عن طريق كتابة قصة حب لرجل في العقد الرابع من عمره وفتاة حديثة السن.

و في عام 1939 كتب قصة (الساحر)، وهي ذات حبكة مماثلة لحبكة رواية (لوليتا). ولكن الدافع المباشر لكتابة (لوليتا)، كانت أعمال الطبيب الإنجليزي (هنري هافلوك أليس) الذي يعد الرائد المؤسس للـ(سيكسولوجيا)، أو ما يعرف بعلم الجنس، حيث نشر موسوعة من سبعة مجلدات عن هذا العلم. ويتضمن المجلد السادس من الطبعة الفرنسية للموسوعة ملحقا عن اعترافات (فيكتور ايكس)، وهو رجل من نبلاء اوكرانيا يعيش في الغرب، ويتحدث بصراحة عن حياته الجنسية، بما في ذلك مجموعة متنوعة من الممارسات، بضمنها العلاقة الحميمة مع فتيات يافعات.

ومن المعروف أن (نابوكوف) عندما كان منهمكا في كتابة (لوليتا) في عام 1948، طلب من صديقه، الكاتب الأمريكي (إدموند ويلسون)، أن يرسل له كتاب (أليس)، واستجاب (ويلسون) لطلبه، وأرسل إلى (نابوكوف) المجلدات السبعة مع الملحق. ومن يقارن اعترافات (فيكتور) مع نص رواية (لوليتا) سيكتشف تشابها كبيرا بينهما من حيث الحبكة والمضمون.

بعد الانتهاء من كتابة رواية (لوليتا) انتاب (نابوكوف) إحساس بالرهبة والرعب من أحداثها. وظل فترة من الزمن يفكر في ما ينبغي عمله بصدد الرواية؛ هل يحرق المخطوطة، أم ينشرها بإسم مستعار؟ وبعد تردد طويل، كتب رسالة الى مؤسس دار نشر “نيو دايريكشنس” (جيمس لافلين)، يقول فيها: “هل انت مهتم بالقنبلة الموقوتة التي انتهيت للتو من كتابتها؟”، ولكن الناشر اصيب بصدمة منذ الصفحات الأولى للرواية، ورقض على نحو قاطع نشرها.

كما تم رفض المخطوطة من قبل العديد من دور النشر الأميركية، التي اعتبرت (لوليتا) رواية إباحية. وكما قال صاحب دار نشر “فايكنغ بريس” (باسكال كوفيشي): “فإن نشرها سيؤدي بنا جميعا إلى السجن”. وعندما يئس (نابوكوف) من نشر الرواية في أمريكا، قام بإرسالها إلى دار نشر “أوليمبيا بريس” الفرنسية، التي كانت متخصصة في نشر الكتب الإيروتيكية الخفيفة.

صدر الكتاب في السادس من حزيران عام 1955 في طبعتين منفصلتين؛ الإنجليزية والفرنسية، في آن واحد. أثارت الرواية ضجة كبيرة، وقال (غراهام غرين) في مقابلة صحفية انها أفضل رواية نشرت خلال تلك السنة.

ومع ذلك، سرعان ما تم حظر الرواية في فرنسا ودول عديدة. ووصل الأمر في النمسا إلى حرقها علناً .. ولكن لم يكن ثمة شيء يمكن أن يوقفها عن الانتشار في جميع أنحاء العالم؛ فالثمرة المحرمة حلوة المذاق. أثار أحد النواب في مجلس العموم البريطاني مسالة حظر الرواية في انجلترا. وعندما كان يتحدث عن هذا الموضوع قال له نائب آخر باستحياء:

– أردنا أن نتحدث عن أزمة السويس

رد النائب الأول بغضب:

– لا تقاطعني من اجل هذا الهراء!

ولم تنشر الرواية في أميركا، إلّا بعد ثلاث سنوات من نشرها في فرنسا، حيث قامت دار نشر “بوتنام” الأميركية بطباعة ونشر الدفعة الأولى من الرواية بمائة ألف نسخة في 12 حزيران/ يونيو عام 1958، وسرعان ما نفد الكتاب من السوق. وفرك الناشر يديه فرحا، ولكن أعضاء المجالس المدرسية والكهنة أصيبوا بالهستريا. وكان العنوان الرئيسي لإحدى المقالات النقدية عن الرواية: “القارة العجوز الفاجرة تفسد أمريكا الشابة النقية”.

احتلت (لوليتا) صدارة الكتب الأكثر مبيعا حتى نهاية عام 1958. وأزاحت جانبا رواية (ذهب مع الريح) التي كانت تتصدر لائحة أكثر الكتب مبيعًا في ذلك الوقت. وظلت (لوليتا) في الصدارة حتى نهاية العام أي لمدة خمس وعشرين أسبوعا.

ومن المفارقات، أنه تم دفع (لوليتا) إلى المركز الثاني، حيث تصدرت رواية (بوريس باسترناك) (دكتور زيفاغو) لائحة الكتب الأكثر رواجا في الولايات المتحدة الأميركية وفي العديد من دول العالم، إثر الضجة العالمية التي أثيرت حول قيام النظام السوفيتي بإرغام (باسترناك) على رفض جائزة نوبل في الآداب لعام 1958.

وبطبيعة الحال كان من العسير ترجمة ونشر الرواية في الإتحاد السوفيتي لسببين:

  • أولهما: أن (نابوكوف) كان هاربا من بلاده ولاجئا في المانيا [1922- 1937]، وفي فرنسا [1937 – 1940] ثمّ في أميركا [1940- 1962] وأخيراً في سويسرا [1962 الى وفاته في عام 1977]
  • وثانيهما: أن النظام السوفيتي كان متزمتا جدا. لم تكن ثمة مشاهد ساخنة في الأفلام، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات، فكيف برواية عن العلاقة الحميمة بين رجل أربعيني وفتاة صغيرة في بداية سن المراهقة!

ويبدو ان (نابوكوف) أدرك بنظرته الثاقبة، أن الرواية ستترجم إلى اللغة الروسية يوما ما، وسيتلاعب بها مترجم مطيع حسب تعليمات الرقيب، لذا فقد احتاط للأمر مسبقا، وترجم الرواية بنفسه إلى الروسية في منتصف الستينات، وصدرت عن دار نشر “فيدرا” في نيويورك في عام 1967. ولم تكن النسخة الروسية ترجمة للأصل الأنجليزي، بل صياغة جديدة للرواية، يبلغ حجمها ضعف حجم النص الأنجليزي. ولم تنشر الرواية في الإتحاد السوفيتي إلا في عام 1989. ويكاد يجمع النقاد والباحثون على أن (لوليتا) هي أفضل روايات (نابوكوف) وإحدى الروائع الأدبية في القرن العشرين.

البروفيسور روبرت إيغليستون يشرح أنواع الرواية المعاصرة

البروفيسور روبرت إيغلستون (مواليد ١٩٦٨). أكاديمي وكاتب بريطاني، يعمل أستاذًا للأدب والفكر المعاصر في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة لندن.

في كتابها (الروايات التي أحب)، ترجمت الأستاذة (لطفية الدليمي) حوارًا معه، ورد فيه شرح لأنواع الرواية الحديثة، يقول فيه:

إنه لأمر غاية الصعوبة أن تحدد نوع الموضوعات التي تتمحور حولها الرواية المعاصرة، أو المواصفات الفنية التي تعتمده هذه الرواية؛ فهي مثل الحياة باتت تتناول أي شيء وكل شيء.

يكمل بعد ذلك بطريقة أكثر تفصيلًا فيقول:

منذ نشأت الرواية كشكل أدبي كانت على الدوام مسكونة بالنزعة الواقعية، وما الواقعية سوى سلسلة من القناعات أو الموضوعات التي حصل اتفاق بشأنها في كيفية تمثيل العالم، ويمكنك التفكير في هذه الموضوعة على السياق التالي: يمكنك تصور أن الرواية هي شيء شبيه بنافذة تطل منها على الناس الماكثين في الطرف الآخر، أو هي لوحة تستطيع النظر فيها فحسب. الواقعية ترمي لتأكيد حقيقة وجود أناس حقيقيين على الجانب الآخر منك، وعنما تقتنصنا شباك رواية مافإننا نقرأ عن شخصيات حقيقية عاشت في زمن (ديكنز) مثلًا.

لطالما كانت الروايات مغرمة بهذه النزعة الواقعية الصارمة ؛ ولكن في الوقت ذاته الذي شاعت فيه هذه الواقعية الصلبة كان ثمة تيار مضاد لها لم يفتأ يسائلها ويضعها على محك التمحيص والتقييم ؛ بل وحصل أن سخر منها في بعض الأحيان! ويمكن للمرء أن يفكر بهذا التيار المضاد للواقعية في سياق المفردات التي جاءت مع تطور الحركات الأدبية المعروفة. على سبيل المثال، في بواكير تأريخ الرواية، نشأت حركة قوطية Gothic مؤثرة، وكثيرًا ما نشهد في الروايات القوطية الكثير من الأشياء والحوادث التي يستحيل وقوعها في الواقع (مثل عمالقة وأشباح وقرود غريبة الشكل، إلى آخره)، ومن المهم ملاحظة أن مثل هذه العناصر الروائية الغريبة قد أدخلت في الرواية في بشكل متزامن مع شيوع الرواية الواقعية التي تحكي عن أشخاص عاديين يعيشون حيوات عادية في زمان ومكان عاديين أيضًا.

ينتقل بعد ذلك في حديثه إلى بواكير القرن العشرين، فيقول:

حلّت الحداثة مع بواكير القرن العشرين، ومن هنا راح كُتاب من أمثال (جيمس جويس) و(فيرجينيا وولف) يحاولون أن يكونوا أكثر واقعية من الواقعية السائدة في الرواية آنذاك ؛ فعلى سبيل المثال عندما نتحدث مع الناس يمكن لعقولنا أن تفكر بطريقة استرجاعية في الماضي أو بطريقة رغائبية في المستقبل، وربما نكون نفكر في ما عسانا سنتناول في الغذاء. حاول الكُتاب الحداثيون عكس هذه الحقيقة في رواياتهم التي بدت -نوعًا ما- عصيّة على الفهم وتحفل بالكثير من الأفكار الاستنبطانية الذاتية.

بعد الحداثة حلّت حقبة ما بعد الحداثة، وساءل فيها كتّاب من أمثال (سلمان رشدي) و(أنجيلا كارتر) النزعة الواقعية -مثلما فعل أسلافهم الحداثيون- ولكن هذه المرة باستخدام المعارضة الأدبية ؛ إعادة سرد الحكايات من زوايا نظر مختلفة مع الاحتفاظ بالمرجعية الذاتية في كل ما يحدث، وقد بدأت هذه النزعة الروائية ما بعد الحداثية تفقد طاقتها في تسعينات القرن العشرين.

يبقى السؤال هنا، عمّا إذا كان هناك حركة أدبية كبرى أعقبت ما بعد الحداثة، يجيب (إيغلستون) بالنفي. فيقول بأن هناك ثلاثة اتجاهات تحدد معالم الرواية الحديثة، لكن لا يمكن أن توصف بالحراك الأدبي:

الاتجاه الأول هو في استخدام الكتاب المعاصرين لبعض الحيل والملاعبات ما بعد الحداثية، غير أنهم يستخدمون هذه الملاعبات بطريقة أخف وطأة في المغامرات التجريبية التي أثقلت بها الروايات ما بعد الحداثية، وهذا النزوع المعاصر يسمى أحيانًا “ما بعد – بعد الحداثة”. رواية (سحابة أطلس) التي كتبها (ديفد ميتشيل)، هي مثال جيد لما أعنيه في هذا الشأن.

أما الاتجاه الثاني فهو العودة لتوظيف بعد التقنيات الحداثية، وثمة روائيون وروائيات مثل (آلي سميث) التي أنتجت بعضًا من أجمل وأعقد الروايات التي نلمح فيها أصوات (فيرجينيا وولف) و(جيمس جويس) بطريقة ذاتية واعية تمامًا.

وأما الاتجاه الثالث، الذي يتعدى نطاق الرواية ليشمل المسرح والسينما والتلفاز، فهو القصدية الواضحة في خلق أعمال تستجيب لمتطلبات الواقع التي باتت تدعى “الجوع إلى الواقع”، وفي الرواية تُرجم هذا الاتجاه بالميل الطاغي نحو كتابة روايات باتت أكثر واقعية بكثير جدًا من الروايات الحداثية وما بعد الحداثية.

المضمون الظاهر والكامن في الرواية

0703_writing_cog

برنار فاليت. حامل شهادة في الأدب الحديث، ودكتوراه في الأدب الفرنسي، ومحاضر في جامعة باريس 7 (Paris VII).

في كتابه (الرواية؛ مدخل إلى مناهة التحليل الأدبي وتقنياته)، والذي ترجمته الأستاذة (سمية الجراح) إلى اللغة العربية، تحدث عن الرواية بوصفها “عملًا مفتوحًا”. فيقول:

يمكننا القول، إذا استندنا إلى جمالية إعلامية، إن العمل الروائية هو رسالة منجزة بشكل صوري إلا أنها جزئية. ليس للرواية أي بنية محددة مسبقًا، وهي قد تخلصت من أي منظورية. إلا أنها، كي تكون مفهومة، عليها أن تحترم عددًا من الزخارف، أو أن تخلق عادات تؤسس معايير جديدة للمقروئية. تدين بحداثتها المستمرة إلى التوازن، المتقلّب دائمًا والمستقر بين ترقب المتلقي وأصالة المرسل.

وفي ذات الفصل، تابع حديثه قائلًا:

إن العمل المغلق هو أحادي الدلالة ويفرض وجود تفسير أدبي. يرتكز كل عمل فقه اللغة على إنشاء فهم أحادي المعنى للنص. أما العمل المفتوح فهو متعدد القيم، ويفلت من كاتبه، ويتخطى العصر وإطار المجتمع الذي تم تأليفه فيه وقد يأخذ على عاتقه دلالات جديدة، غير قابلة للبت، وفي بعض الأحيان معارضة بشكل كلي للتصميم البدائي لمبدعه. وُلد المعنى المتناقض من ازدواجية الإشارات، وهو بذاته خصب.

ثم تحدث عن الرسالة المتضمنة في الروايات، بفصل أسماه “المضمون الظاهر والمضمون الكامن”، والذي يقول فيه:

يمكن اعتبار الملفوظ الروائي، ما تقوله الرواية، مكانًا للخطاب المزدوج؛ الواحد ذو نمط إخباري بحت، مفهومي؛ والآخر الذي يقتبس من الحكاية إغراءات المتخيّل، يكون سرديًا حصرًا. تتوافق دراسة كل من هذه السجلات مع توجه محدد. فبينما يسعى تحليل المضمون إلى الإمساك بالعناصر المناسبة على مستوى الأفكار فقط ولا يمتنع عن القراءة بين السطور كي يكتشف دلالة عميقة، ماذا يريد النص أن يقول، على العكس من ذلك، ما يعتبره التحليل البنيوي أساسًا هو منطق السرد. ما يهم بالنسبة إلى الإثنوغرافيين، كما بالنسبة لأولئك المدعوين بالشكلانيين الروس، بالنسبة إلى أي محاولة تحليل وثائقي، مكنن أو معلّم، لمدونة سردية، هو فقط الأفعال أو وفقًا لمصطلحية (بروب)، الوظائف. من بين الأوائل، أعتقد (ليفي-ستراوس) أنه بالإمكان الملاحظة:

“لا توجد ماهية الأسطورة في الأسلوب ولا في طريقة السرد ولا في علم النحو لكن في القصة المروية”.

كذلك يبدو أن الرواية تقدم خطابًا سطحيًا، أو معنى ظاهريًا، ومضمونًا كامنًا، أو معنى عميقًا، ويمكننا منذ الآن ملاحظة أنها تتطابق بالنسبة للبعض مع نواتها الدلالية؛ قال (لا فونتين): “لا يجب تقديم درس أخلاقي سوى الملل، أما الحكاية فهي تمرر التعليم الأخلاقي معها”. وبالنسبة إلى الآخرين، تتطابق الرواية مع بنيتها السردية، القصصية أو العاملية.

عمرو منير دهب، وحديث عن الروائي الجبان

عمرو منير دهب

عمرو منير دهب كاتب سوداني ولد في الخرطوم، كتب بالعديد من الصحف السودانية منذ منتصف التسعينيات متنقلاً من صحيفة الإنقاذ إلى صحيفة الأنباء، ثم جريدة الصحافة وصحيفة الأحداث، وبعدها إلى جريدة السوداني، ثم صحيفة الصيحة. وله العديد من الكتابات، آخرها كتابه (تبًا للرواية؛ عن حظوة فنون الكتابة)، والذي تحدث فيه عن “الروائي الجبان”، كما أسماه. فقال:unnamed

مقولة “المترجم خائن” تهمة مفتراة إذا أُخِذت على إطلاقها، لكنها لا تخلو من الدلالة العميقة ببعض التقييد، فالمترجم خائن بغير قصد منه لأنه لا يستطيع نقل المعنى من لغة إلى أخرى بأمانة كاملة وإن سعى إلى ذلك بصدق كامل، وهو خائن عمداً حينما ينهمك في نقل المعنى بتصرّف مراعاةً لمقتضيات كل لغة وثقافتها، ذلك أن التطابق الحرفي بين لغتين أو ثقافتين مستحيل بطبيعة الحال. كل هذا باعتبار توافر النية الحسنة في المترجم، ولكن بغيابها تصبح تهمة الخيانة ثابتة في حق المترجم جملةً وبتفاصيل متراوحة من حالة إلى حالة.

على ذات القياس يمكن افتراع تعبير “الروائي جبان” كمشروع مقولة، ربما بما يحتمل استفاضة أوسع في التأويل ولا يقتضي حرجاً كبيراً بالتالي عند القذف بالتعبير المفترَع إلى أسواق الأدب. 

الروائي جبان لأنه يستتر خلف قصة مختلقة للتعبير عن رأيه، وهو في هذا يقف على مسافة بعيدة خلف الشاعر الذي يصدع بما يرى على لسانه وليس على أي لسان مستعار. وعندما يكون المقصود هو الشاعر العربي الغنائي تحديداً فإن المسافة التي تفصل ما بين الاثنين، الشاعر والروائي، في جرأة التعبير  كلٍّ على لسانه  تبلغ أقصى مدى ممكن.

المدهش أن الروائي لا يستتر خلف شخصية واحدة ليقول ما لا يجرؤ على قوله بلسانه، بل يحشد ما يشاء من الشخصيات ليقول على ألسنتها ليس فقط ما يعجز عن الجهر به على لسانه الخاص وإنما ما يشتهيه من الأقوال (والأفعال) المتناقضة.

ليس مطلوباً من الروائي بطبيعة الحال أن يضمِّن روايته ملحقاً يبيِّن فيه تعقيبه على كل كلمة نبست بها شفتا كل شخصية في الرواية بما يعكس رأيه الشخصي في هذا الموقف وذاك، ولكن في المقابل لا يمكن تجاهل السعادة التي تغمر الروائي للطبيعة الفنية لعمله التي تغدق عليه متسعاً للتعبير عمّا يجيش في صدره دون الحاجة إلى أن ينسب أيّاً مما قال (وفعل) لنفسه سوى بعد أن يأمن العاقبة فيغدو كل ذلك مدعاة إلى الفخر بالسبق إلى جراءة التعبير واقتحام الأماكن المحظورة من مسلّمات أفكار المجتمع.

على هذا الصعيد يحق للشاعر الغنائي العربي أن يهنأ بمكانة منقطعة النظير، فقد تحمّل من سياط النقد الحديث ما تحمّل لجريرة أنه ظل عاجزاً عن مغادرة متردَّم المدح والهجاء والرثاء والفخر والغزل، وربما آن له أن يعتدّ بأنه جاهر في كل تلك الأغراض بآرائه الصريحة، إذا كان مقام التفاخر الأدبي هو السبق إلى الجهر بالصريح من الرأي دون مواربة. 

وإذا كانت المواربة مما يقوم عليه الفن، فلا ريب أن المقصود المواربة في التعبير سعياً وراء القيمة الأدبية والمتعة الجمالية وليس خوفاً من الوقوع في براثن سلطة قضائية من أي قبيل. والأمر كذاك، بإمكاننا أن نرى بوضوح أن المواربة في التعبير عن المعاني بما يخدم القيمة الأدبية والمتعة الجمالية لم تكن مسألة تنقص الشعر الغنائي العربي بحال ولا مما تعيب محترفيه من الشعراء تبعاً لذلك، بل هم فوق ما سبق جديرون بأن يفاخروا بأنهم خاتلوا فنيّاً وجمالياً في الوقت الذي صدعوا فيه بالقول في مقام المواجهة بالرأي على ألسنتهم وليس نسبةً إلى ألسنة غيرهم من الحيوانات أو بني آدم كما ظل يصنع أندادهم من محترفي فنون السرد قديماً وحديثاً.

والشاعر الغنائي العربي إذا كان قد وقع على مدى تاريخه في جملة من الأخطاء الأخلاقية في المقابل، إذْ كذب مراراً ونافق تكراراً، فإنه قد تحمّل شجاعة أن ينسب كل ذلك لنفسه لا أن يُجرِيَه على لسان غيره أيّاً كان ويجلس بعدها في مقابلة احتفائية يخاتل في التعبير عن موقفه الشخصي من جملة آراء تضمّنها عمله الخاص، بحجة أن التعبير الصريح عن الموقف الشخصي للكاتب مما يفسد بهجة العمل ويغلق في وجوه الآخرين الأبواب المشرعة أمام كل تأويل ممكن للعمل بخلاف ما قاله صاحبه.    

في المقابل، لم يخلُ محترفو الفن القصصي من الشجاعة في التعبير عن الرأي الخاص أمام الملأ، ولكن يجب الانتباه إلى أن ذلك كان يحدث باستمرار بعيداً عن أعمالهم الفنية أو على هوامشها (في محفل عام أو ندوة تتناول واحداً من أعمالهم على سبيل المثال) وليس في متن أيٍّ من تلك الأعمال كما أسلفنا مراراً، وذلك صنيع لا يمكن إغفاله على صعيد المقارنة بإزاء الشعراء، والشعراء الغنائيين تحديداً.

والحال كما نرى أعلاه، يبدو أن إقحام الرأي الشخصي في ثنايا العمل الفني سمة/مقدرة فريدة لن نقول بأنه لا يجرؤ عليها كل أديب وفنان وإنما لا يتحمّل استيعابها الجنسُ الأدبي نفسه في أغلب الحالات، وعليه فإنها سِمة جديرة بتقدير أكبر مما حظيت به، بل  بالتعبير الأدق  جديرة بالتقدير على نقيض ما حظيت به.

يصح أن نؤكِّد أن تقريراً جنائياً على سبيل المثال ينبغي ألّا تكتنفه الآراء الشخصية لكاتبه، لكن لا أعلم كيف يمكن أن يصح ذلك التعميم في وصف قطعة أدبية، فللقصة والمسرحية والرواية جماليّاتها الخاصة لجملة من الأسباب الفنية ليس من بينها خلوّها الكامل من أراء مبدعيها الخاصة، فآراء مبدعيها متضمّنة على كل حال ولكن بمخاتَلة كما ألمحنا من قبل. غير أن الأهم هنا أن اشتمال العمل الأدبي على الرأي الخاص لمبدعه يسوقه صراحةً ليشمل كافة أبياته (في حال القصيدة العمودية مثلاً) ليس مما يعيب ذلك العمل، كما لا يُعدّ في المقابل عيباً يصِم غيره من الأعمال الأدبية إذا خلا منه إلّا عندما يكون مقام المقابلة هو الشجاعة في التعبير عن رأي المبدع صراحةً في متن العمل وليس مخاتلةً في ثناياه وتقلُّباً بين الصراحة والمخاتلة على هوامشه في الصحف والمنتديات الأدبية.

والأمر كذلك، يبدو الحديث عن الروائي الجريء قولاً تنقصه الدقة بشكل واضح إذا كان مناط الجرأة المقصودة اقتحام مسلّمات المجتمع وليس إقحام أشكال جديدة للتعبير في بنية العمل الأدبي، فالأجدر إذا تضمّنت الرواية عرضاً لمحظور مجتمعي أن يقال “رواية جريئة” وليس “روائي جريء”

وإذا جاز للشاعر الغنائي كما أسهبنا أن يتفوّق على الكاتب الروائي (وكاتب القصة والمسرحية والدراما التلفزيونية وهلم جرّا) في باب الجرأة الشخصية، فإن الأحق بالانفراد ببطولة مسابقات الجرأة الأدبية بلا منازع هو كاتب السيرة الذاتية عندما يتحدّث عن نفسه بلا قيود. 

ولكن لأن الجرأة وحدها لا تكفي لصنع أدب جيد وجميل، فإن الأوْلى بالنظر على صعيد تقفِّي الأعمال الأدبية الجديرة بالتقدير هو التناول مجرّداً من أية ادّعاءات (دعائية كانت أم غير ذلك) بالجراءة في اقتحام المسلّمات، حتى إذا كانت مقتضيات سوق الأدب تغري باللهاث خلف تلك الادعاءات في هذا الزمان وذاك.  

مأزق أن تنتهي من رواية رائعة

سادي شتاين، هي محررة مساهمة في صحيفة (پاريس ريڤيو) الشهيرة، والغنية باللقاءات الصحفية والمقالات المهمة. كما تعمل مراسلة في ذات الصحيفة.

في التاسع من نوفمبر في عام 2015، قامت (سادي) بنشر مقالة في صحيفة (پاريس ريڤيو)، تتحدث فيها عن مأزق الانتهاء من رواية عظيمة، نترجمها لكم بشكل حصري. تقول في مقالتها:

أنا بين الكتب مرةً أخرى. وياله من مكان غير مُريح بالكامل، فبعد الانتهاء من كتاب جيد ومثير للتفكير، ما سيحدث هو أنك لا تريد أن تذهب سريعاً عنه، أو حتى تبتعد، لتتناول كتاب آخر وتبدء فيه. يحدث أنك تُريد أن تجلس بجانب النهاية، وتهدأ قليلاُ وأنت تندب خسارة ولهفة ما فقدته من راحة ذلك الكتاب.

سَتفتقد حتماً لأجواء الشخصيات، ستشعر بالتنافر، والبعد، والتخلي عنهم لمجرد كونك تُفكر في فتح رواية جديدة والبدء فيها.

“رواية غير مضمونة وسَتستهلك مُجدداً ذهنك وروحك بالكامل”.

من ناحية أخرى، وبعد وقت كافي من الخيبة، يُمكنك أن تُصاب بالاضطراب، وتبدء فيك الرغبة في الفرار، والتنازل. فالقدرة على الصمود والتحفزّ للقراءة، لا يساعدك عليها سوى كتاب مُلهم.

لتبدأ عندها بالتساؤل؛ عمّا إذا كان بإمكانك أن تشعر مرةٍ أخرى؛ بمتع ودوافع ما انتهيت من قراءته من أيام فقط؟

ستكون هناك ردّات فعل نفسية، وبطبيعة الحال، بسبب اكتشافك الكتب السخيفة و التي تأخذ الكثير من الوقت، وتعطيك أقل رؤية وإحساس. ستكون هناك بدايات خاطئة، وتلك هي الأسوأ. وهناك أيضاً محاولاتك المُستمرة، بأمل تكرار متعة والهام تجربة القراءة السابقة.

وفي الجزء الأهم من المشكلة سيكون هناك الضغوط، ضغوط القراءة، وذلك الصوت المُلح لإنهاء الأولويات؛ من كتب كلاسيكية يجب عليك قراءتها، إلى كتب الأصدقاء المُهداة، إلى الكتب الموصى بها لك، تلك الكتب التي بانتظار فتحها إلى الآن، ولكن ماذا إذا لم تُعجبك؟ وطالما أنك لم تحاول حتى، أو لم تفشل فيها بعد. ذلك أنه في حالة كل كتاب غير مقروء حولك، هناك احتمال وقدر من النقاء المُلقى حولها وغير المحسوب أيضاً. ويمكن له أن يغير حياتك.

وأخيراً، هناك ذلك النوع من الشلل والعجز، والذي يُمكن أن يُحدد بالخبرة، وتلك أخطر اللحظات، هل مررت بها؟ هل شعرت بها وأنت تتسكع هائماً في المكتبات، باحثاً عن كتب مثالية تُشبه تجربتك السابقة؟ تلك اللحظات وأنت تتلمس عمود الكتب هذا، وتتابع بعينيِك العناوين الأخرى هناك. متفحصاً بحذر، تأخذ الكتاب بيديِك بتردد، لتُرجعه مكانه، قبل أن تتسرع وتقتنيه.

“حافظ على ذلك المعنى الخطر”

انه من المُطمئن لك أن تكون خائفاً! ولا تزال بعد كل ذلك الوقت، وحتى بعد عدد الكتب التي قرأتها، لن يغير شيء من ذلك الشعور، ذلك المعنى الجازم من الخوف المُبدع و الذي يبقى حولك، وبين الكتب دائماً.


[المصدر]

 

المصدر/ http://www.theparisreview.org/blog/2015/11/09/between-books/

لماذا لم يقم تشينوا أتشيبي بتدريس الكتابة الإبداعية؟

تشينوا أتشيبي (1930 – 2013)، روائي نيجيري من قومية الإغبو، وهو أول روائي بارز من القارة السوداء كتب بالإنجليزية. تتناول كتاباته المخلّفات المأساوية للإمبريالية البريطانية على المجتمعات الإفريقية. وتحليلاً للعلاقات الأسلوبية بين الأدبين الأفريقي والإنجليزي. وقد استحوذت أعماله على اهتمامات النقد الأدبي.

في حوار صحفي له مع صحيفة Paris Review الشهيرة، والذي ترجمته الأستاذة (لطفية الدليمي) في كتابها (فيزياء الرواية)، سُئل (أتشيبي): هل قمت يومًا بتدريس الكتابة الإبداعية؟”، فأجاب بالنفي. مما جعل الصحفي يسأله: “ولم لا؟”، فكان جوابه:

لأنني لا أعرف كيف يمكن إنجاز هذا العمل، وأنا أعني كلامي. أنا حقًا لا أعرف. كل ما أقوله هو أن هذه المفردة “الكتابة الإبداعية” توفر عملًا للكاتب. لا تضحك لملاحظتي هذه، فهي شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من الكتّاب يحتاجون عملًا آخرًا يعتاشون منه في هذه الأوقات العصيبة وغير المستقرة اقتصاديًا.

لا أعلم كيف يمكن للمناهج في مادة الكتابة الإبداعية أن تكون مفيدة للطالب، ولا أقصد بهذا أنها عديمة الفائدة، ولكن أقصد بالتحديد أنني لم أرغب يومًا في أن أرى أحدًا يعلمني كيف أكتب، فتلك ذائقتي الخاصة بي حصريًا.

ثم سأله الصحفي بعد ذلك: “إلى أيّ مدى يمكن للكتّاب أن يزجّوا أنفسهم في خضم الموضوعات العامة؟

 فكان جوابه:

لست أريد هنا أن أضع قانونًا عامًا ملزمًا للجميع، ولكنني أعتقد أن الكتّاب هم في ذات الوقت مواطنون، وهم في أغلب الأحوال بالغون ومدركون لتفاصيل الأمور. كان موقفي على الدوام، أن الفن الجيد والجاد وجد دومًا لأجل خدمة الإنسانية، لا لإدانتها، ولا أعرف كيف يمكن للفن أن يُدعى “فنًا” إذا ما تسبب في إحباط الإنسانية وقهرها.

عن طريقة مردوخ في الكتابة

مردوخ

أيريس مردوخ (1919-1999)، هي روائية وفيلسوفة وأستاذة جامعية بريطانية. عُرفت برواياتها السيكولوجية التي تحتوي على عناصر فلسفية مشوبة بنكهة هزلية، وتركّز (آيريس) في أعمالها على جوانب الخير والشر، والعلاقات الجنسية، ونظم الأخلاقيات، وقوة التجربة اللاواعية في حياتنا البشرية. وقد اختيرت روايتها الأولى المعنونة (في المصيدة) في عام 1998 كواحدة من أفضل مئة رواية إنجليزية في القرن العشرين. كما صنّفتها مجلة التايمز في المرتبة الـ(12) من قائمة تضم (50) من أعظم الكاتبات البريطانيات منذ عام 1945. ولا زالت تحظى باهتمام كبيرٍ بعد مرور أكثر من عقد على وفاتها عام 1999 متأثرة بتداعيات مرض الزهايمر الذي ظهرت أعراضه عليها منذ عام 1994.

نقتبس هنا شيئًا من أجوبتها في اللقاء الصحفي المطوّل الذي أجرته مع مجلة (پاريس ريڤيو) في عام 1990. من ترجمة الأستاذة (لطفية الدليمي)، والذي جعلته في كتابها (فيزياء الرواية).

أخبرينا قليلًا  عن طريقتك في السرد وكيف تفكرين أثناء كتابة رواية.

أعتقد أن من المهم للغاية وضع خطة تفصيلية قبل أن تشرع في كتابة الجملة الأولى. أنا أخطط لكل شيء بالتفصيل قبل أن أشرع في الكتابة، لديّ مخطط عام وكومة ملاحظات، حتى أن ترتيب الفصول أخطط له منذ البدء، وكذلك الحوارات. هذه هي المرحلة أولية وفي غاية الأهمية، ومخيفة بذات الوقت في كتابة أية رواية، لأنك تكون بعدها ملتزمًا تمامًا بمخطط عملك الذي وضعته، أعني بالضبط أن الرواية عمل طويل مجهد وإذا ما كانت نقطة الشروع غير موفقة فستنتهي إلى نهاية غير سعيدة حتمًا. المرحلة الثانية في كتابة الرواية هي أنك ينبغي أن تجلس بهدوء وتدع الأشياء تكتشف نفسها: منطقة في الخيال تقود لأخرى، تفكر مثلًا في حدث ما ثم يقتحم شيء غير متوقع أجواءك، وبعدها ترى أن المسائل الجوهرية التي يحوم حولها العمل تكشف عن نفسها وتترابط مع بعضها. حتى ليمكن القول أن الأفكار تتطاير معًا وتولد أفكارًا جديدة، والشخصيات تولد شخصيات.

ما الذي يلحّ عليكِ أولًا: الشخصيات أم عقدة الرواية؟

أعتقد أن الاثنين يبدءان في الاشتغال معًا: فثمة دومًا اثنان أو ثلاث شخصيات في علاقة من نوع ما، وأن مشكلة من نوع ما تنتابهم، ثم هناك قصة، ومحن، وصراعات، وحراك من الوهم إلى الحقيقة. لا أظن أن لديّ ميول لإسقاط سيرتي الذاتية على ما أكتب.

كيف تختارين أسماء شخصياتك الروائية؟

ينبغي لهم أن يختاروا أسماءهم بأنفسهم، وليس بوسع المرء سوى الانتظار. إذا ما حصل خطأ ما في الاختيار فمن الممكن أن يكون أمرًا خطيرًا. ينبغي للشخصية أن تعلن عن اسمها الشخصي. أعمل في العادة قوائم بالأسماء، ويمكن لي أن أخترع الأسماء أيضًا. حدث مرة أن اخترعت اسمًا لشخصية أسميتها Gavender وظننت أن لا يمكن لأحد أن يتسمى بهذا الاسم، وبعدها تلقيت رسالة من أحد الأشخاص في الولايات المتحدة يكتب فيها لي: “كيف عرفت ما حدث لعائلتنا؟”. إن اختراع الأسماء لشخصيات روائية عمل مسل للغاية.

ما هي المشكلة التقنية الأكثر صعوبة في العادة التي تعترضك عند كتابة رواية؟

هي ذات المشكلة التي أشرت إليها سابقًا: كيف تبدأ الرواية، ومتى تقوم بهيكلتها، وتحديد السرعة التي تتحرك بها الشخصيات. إنها عملية تماثل الانتقال من حرية كاملة إلى قفص ضيق، إذ عليك أن تقرر بأية سرعة تتحرك، ومتى تقرر ما ستؤول إليه الثيمات الرئيسية في الرواية.

إذا لم تكن شخصياتك الروائية تعود لشخصيات واقعية في معظم الأحيان على عكس الحالة السائدة عند أغلب الروائيين مثل (همنغواي) و(لورنس)، فكيف تخلقينهم إذًا؟

أجلس وأنتظرهم فحسب. أمقت كثيرًا فكرة ضخ شخصيات حقيقة في جسم الرواية، ليس بسبب أن ذلك سيكون موضع تساؤل أخلاقي لكن لكونه سيكون مملًا أيضًا كما أرى. أريد اختراع شخصية لم توجد من قبل، ثم تبدأ سمات الشخصية بالنمو مع تقدم العمل. الصورة الأولى للشخصية تكون في العادة ضبابية: تعلم مثلًا  أن (فلانًا) في الرواية مواطن صالح، أو ذو ميول دينية، وقد يكون بيوريتانيا Puritanical، وينبغي لي منذ البدء أن أملك فكرة ما عن المشكلات التي ستواجهه وعلاقاته مع الشخصيات الأخرى، لكن التفاصيل الخاصة التي تعتمد عليها الرواية، مظهره، سماته الخاصة، خصوصياته، مزاجه، كلها تفاصيل تأتي لاحقًا.

ميلان كونديرا في حديثه عن الذاكرة والنسيان

Milan-Kundera-006

(ميلان كونديرا)، روائي وفيلسوف تشيكي لديه العديد من الروايات العالمية المشهورة مثل (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه (الستارة) حيث يحكي مستفتحًا:

أتذكر لقائي مع بعض زملائي في الثانوية بعد عشرين عامًا من البكالوريا؛ يخاطبني (ج) بفرح: “ما زلت أراك تقول لأستاذنا في الرياضيات: تبًا يا سيدي الأستاذ”، والحال فإن اللفظ التشيكي لكلمة “تبًا” نفّرني على الدوام، وكنتُ على ثقة تامة بأنني لم أقل ذلك، لكن الجميع من حولنا انفجروا ضاحكين، متظاهرين بأنهم تذكروا تصريحي الظريف. أدركتُ أن تكذيبي وإنكاري لن يقنع أحدًا، فابتسمت بتواضع دون احتجاج لأنه، وأُضيف هذا إلى خجلي، سرَّني أن أرى نفسي وقد تحوّلت إلى بطل يطلق كلامًا بذيئًا في وجه الأستاذ الملعون.

عاش الجميع مثل هذه الحكايا. عندما يستشهد أحدهم بما قُلته في محادثة، فإنك لن تتعرف أبدًا على نفسك؛ تغدو عباراتك في أحسن الأحوال مبسطة على نحوٍ فظ وأحيانًا مشوّهة -عندما يُؤخذ تهكمكم على محمل الجد- وغالبًا غير منسجمة البتة مع ما سبق لك أن قلته أو فكرت به. وينبغي أن لا تدهش أو تسخط، لأن هذه بديهية البديهيات: الإنسان منفصل عن الماضي -الماضي القديم كما الماضي القريب جدًا منذ بضع ثوانٍ- بقوتين تباشران العمل وتتعاضدان: قوة النسيان، التي تمحي، وقوة الذاكرة، التي تُحوِّر.

هذه بديهية البديهيات، لكن من الصعب قبولها لأنه، عندما نفكر فيها حتى النهاية، ماذا ستصبح كل الشهادات التي يستند إليها التأريخ، ماذا تصبح يقينياتنا عن الماضي، وماذا يصبح التاريخ نفسه الذي نرجع إليه يوميًا بسذاجة وحسن نية وعفوية؟ خلف بطانة المُسلّم به الرقيقة -ليس ثمة شك أن (نابليون) خسر معركة (واترلو)- يَنتشر فضاءٌ لا نهائي، فضاء التقريب والاختلاق والتشويه والتبسيط والمبالغة وسوء الفهم، فضاءٌ لا نهائي من اللا حقائق التي تتكاثر كالفئران وتَتَخلَّد.

ويكمل بعد ذلك فيقول:

يعطي النشاط الدائم للنسيان لكل واحد من تصرفاتنا طابعًا شجيًا وغير حقيقي وضبابي .. ماذا تغذينا قبل البارحة؟ ماذا روى لي صديقي بالأمس؟ وحتى: بماذا فكرت منذ ثلاث ثواني؟ كل هذا يُنسى، وما هو أسوأ بكثير، لا يستحق شيئًا آخر. ومقابل عالمنا الواقعي الزائل والجدير بالنسيان في حد ذاته، تنتصب الأعمال الفنية كعالم آخر، عالم مثالي وراسخ، لكل تفصيل فيه أهميته ومعناه، وكل ما يوجد فيه، كل كلمة، كل جملة، تستحق ألا تُنسى وأن تُفهم كما هي.

مع ذلك لا يُفلت الإدراك الحسي للفن أيضًا من سلطة النسيان. وبهذه الدقة، يوجد كل فن من الفنون في موقع مختلف إزاء النسيان. من وجهة النظر هذه، الشِعر محفوظ. مَن يقرأ نشيد (بودلير)، لا يسعه أن يقفز فوق كلمة واحدة منه. وإذا أحبه، سيقرؤه عدة مرات وربما بصوت مرتفع. وإذا أحبه إلى درجة الجنون، سيحفظه عن ظهر قلب. فالشعر الغنائي هو معقل الغناء.

أما الرواية، بالعكس، هي قصر محصّن بردائة إزاء النسيان. وعندما أخصص ساعة لقراءة عشرين صفحة، فإن رواية من أربعمئة صفحة ستأخذ مني عشرين ساعةولنقل إذًا أسبوعًا. ونادرًا ما أجد أسبوعًا بكامله فارغًا. وعلى الأرجح ستخلل جلسات القراءة انقطاعات لعدة أيام، سيقيم خلالها النسيان ورشته على الفور، لكن النسيان لا يعمل في فترات الانقطاع فقط، بل يشترك في القراءة بشكل مستمر، بلا أي توقف، وأنا أقلب الصفحة أنسى ما قرأته توًا؛ ولا أحتفظ منه إلا بنوع من المختصر الضروري لفهم ما يليه، بينما تُمحى جميع التفاصيل والملاحظات الصغيرة والعبارات المثيرة للإعجاب. وذات يوم بعد سنوات، ستراودني الرغبة في التحدث إلى صديق عن الرواية، عندئذ ستتأكد أن ذاكرتينا اللتين لم تحتفظا من القراءة إلا ببعض المقتطفات، أعادتا بناء كتابين مختلفين لدى كل واحد منا.

ومع ذلك، يكتب الروائي روايته كما لو كان يكتب نشيدًا. انظروا إليه، إنه مذهول بالتأليف الذي يراه يرتسم أمامه؛ أدنى تفصيل مهم بالنسبة له، يحوّله إلى موتيف -موضوع فني أو أدبي صغير- وسيعيده في تكرارات عديدة وتنويعات وتلميحات كما في مقطوعة الفوغ -تنويع موسيقي تتكرر أجزاؤه. لهذا السبب هو لأنه واثق من أن الجزء الثاني من روايته سيكون أجمل وأقوى من الأول، لأنه كلما تقدم في قاعات هذا القصر، تضاعفت أصداء الجمل الملفوظة والثيمات المعروضة سابقًا، وبعد أن تتجملع في تناغم، ترن في كل الأجاء.

الجيل الضائع في الأدب الروسي الحديث .. الأدباء الشباب، ضحايا الأدب المستعاد

بعد تخفيف الرقابة على المطبوعات في فترة البيريسترويكا (وهي كلمة روسية بمعنى إعادة الهيكلة، أو إعادة البناء)، شهدت روسيا بين عامي (1986 – 1989) انفجاراً ثقافياً حقيقياً، تمثّلت في نشر كم هائل من الأعمال الأدبية والفكرية المحظورة طيلة الحقبة السوفيتية السابقة لطائفة كبيرة من أشهر الكتّاب الرّوس الذين ينتمون إلى عدة أجيال متعاقبة. والكثير من هذه الأعمال تم كشف النقاب عنها لأول مرة. وهذه ظاهرة فريدة، أُطلِق عليها اسم “الأدب المستعاد” الذي أقبل عليه القاريء الروسي بنهم شديد، لنهل النصوص الإبداعية التي تكشف الحقيقة عن الثورة البلشفية (ثورة أكتوبر 1917) والحرب الأهلية وأحداثهما الدراماتيكية، والأساليب التي اتبعها البلاشفة لبناء “العالم الجديد” المزعوم .

وقد تسابقت المجلات الأدبية المركزية -التي يسميها الروس بـ”المجلات السميكة “- في نشر “الأدب المستعاد“، وامتنعت تماماً عن نشر نتاجات الجيل الجديد من الكتّاب والشّعراء الرّوس. وقد يستغرب القارئ إذا قلنا أن تلك المجلات هي التي تقرر مصير أي موهبة أدبية جديدة في روسيا، بصرف النظر عن النظام القائم، هكذا كان الأمر في كل العهود منذ صدور أول مجلة من هذا النوع في روسيا وهي مجلة (بيبليوتيكا دليا جتينيا) أو “مكتبة للقراءة” في عام 1834.

إن نشر أي نص إبداعي في مجلة أدبية مركزية يعد إشهارا للمبدع الناشيء، واعترافا بموهبته في الوسط الأدبي والثقافي، ولدى دور النشر، أما النشر في المجلات الهامشية فإن مصيره الإهمال والنسيان، وإن كان المبدع ذا موهبة. هذا تقليد أدبي راسخ في روسيا. كل الكتّاب الكلاسيكيين الروس، والكتاب السوفيت ظهروا لأول مرة على صفحات مثل هذه المجلات.

 سجلت المجلات “السميكة” أرقاماً قياسية في مبيعاتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر بلغ عدد النسخ المطبوعة من مجلة (يونست) في تلك الفترة حوالي خمسة ملايين نسخة. وهذا رقم قياسي في تاريخ الصحافة الأدبية الروسية والعالمية. كانت هذه المجلة المتخصصة في نشر أعمال الأدباء الشباب، والمنبر الرئيسي دائماً لنشر وإشهار الأعمال الأدبية المتميزة للجيل الجديد، من الكتّاب والشّعراء والنّقاد. أما في فترة “البيريسترويكا” فقد توقفت تماما عن نشر مثل هذه الاعمال، وكرّست صفحاتها لـ”الأدب المستعاد“. وربما كانت المجلة محقّة في ذلك. فقد كان القاريء الروسي متشوّقا لقراءة الروائع الأدبية، التي دفع مبدعوها حياتهم من أجلها، وليس الاطلاع على نتاجات الأدباء  الشباب الذين يحاولون شق طريقهم في عالم الأدب.

كان البلاشفة في العهد القيصري ينادون بحرية التعبير والعدالة الاجتماعية، ولكنهم بعد وصولهم إلى السّلطة شَرَعوا تدريجيّاً بالقضاء على كلِّ الحرِّيَّات العامَّة والخاصَّة، ومنها حرية التعبير عن الرأي بشتى أشكاله، وفرضوا رقابةً صارمةً على المطبوعات، التي أصبحت كلها حزبية وحكومية، بعد إلغاء دور النشر والصحف والمجلات الخاصة، ومنعوا نشر أو عرض أي نتاج إبداعي لا يتوافق مع الأيديولوجية الشيوعية. الرقابة البلشفية كانت أكثر قسوة بكثير من الرقابة القيصرية.

أثارت الأساليب البلشفية المتطرفة في استئصال “البورجوازية” ومصادرة أموالها وممتلكاتها، استياء معظم الكتّاب والشعراء المعروفين، وقد فضّل الكثير منهم الهجرة إلى العواصم الغربية. أما الأدباء الذين ظلوا في داخل روسيا، فقد انقسموا بين مؤيد ورافض للنظام البلشفي. وأدرك الرّافضون بعد حين، أن ما يكتبونه قد لا يَرى النور في روسيا أبداً. وصدق ظنهم، فقد امتنعت المجلات “السميكة” ودور النشر السوفيتية عن نشر نتاجاتهم، أو ظلت حبيسة الأدراج المخفية عن أنظار المخبرين لدى الأقارب أو الأصدقاء الحميمين أو تم تهريبها لنشرها في الخارج. وكان كل عمل أدبي روسي ينشر في الخارج، يعتبر عملاً معاديا للثورة، و للنظام الجديد في نظر قيادة الحزب الحاكم، ويحظر نشرها أو تداولها في داخل البلاد.

يتضمن “الأدب المستعاد” عدداً كبيراً من الأعمال الإبداعية، لطائفة من خيرة الأدباء الروس من كتّاب وشعراء، الذين أعدموا أو سجنوا لسنوات طويلة، بعد انتزاع اعترافات كاذبة عنهم وإدانتهم في محاكمات صورية بتهم ملفقة. وكان الحكم عليهم ينص أيضاً على إزالة أسمائهم ومؤلفاتهم أينما وردت، في الموسوعات والكتب والبحوث والمقالات، ومنع أي إشارة إليهم في المناسبات الثقافية. وكانت “جريمتهم” أنهم لم يكونوا يكتبون كما يشتهي القسم الأيديولوجي في الحزب، بل يكتبون الحقيقة، ويصوّرون الواقع فنيا دون تزييف أو تلميع. ومن هؤلاء (إسحاق بابل) (1894- 1941)  . وتعد مجموعة قصص (حكايات من أوديسا) [1925]، ورواية (سلاح الفرسان) [1931]، من أهم أعماله الإبداعية. وبعد اعتقاله في عام 1939 اختفت أعماله وكتاباته، ومات في المعتقل في ظروف غامضة.

أما أعمال (أندري بلاتونوف) (1899 – 1951) الروائية بأجوائها التشاؤمية،  فقد ظلت ممنوعة من النشر حتى عام 1987. ومنها  (الحفرة) و(تشيفنغور)، و(بحر الصبا) التي تعد من أهم أعماله الإبداعية.

تروي (الحفرة) [1931] قصة عمل فريق من العمّال في إقامة مبنى سكني يخصص للبروليتاريا، وكان هؤلاء العمّال يتوجّهون بين فترات العمل إلى القرية المجاورة لتطهيرها من الفلّاحين الأغنياء أو الملّاك ثمّ يرمون جثامينهم في عرض البحر. هكذا يُصوِّر المؤلِّف بداية العمل الجماعي في روسيا.

لم يُنجز من المشروع سوى الحفرة، التي تحوّلت في نهاية المطاف إلى مقبرة جماعية. ومعنى القصّة واضح وهو استحالة بناء الجنّة الشِّيوعيّة على معاناة الضحايا الأبرياء.

أمّا الشّاعر (أوسيب ماندلشتام) ( 1891- 1938 ) -وهو أحد أعظم الشُّعراء الرّوس في القرن العشرين- فقد ضحّى بنفسه من أجل قصيدة تهكّميّة بستالين بعنوان “جبلي الكرملين” لم تر النور إلا في في عام 1986، وترجمت على الفور إلى عشرات اللغات الأجنبية من قبل شعراء غربيين معروفين. وهي أشهر قصيدة تهكمية في القرن العشرين.

أما (ميخائيل بولغاكوف) (1891 – 1940)  فقد شجب الثورة في روايته القصيرة (قلب كلب) التي كتبها في عام 1925، ونشرت في الخارج في الستينات، بعد وفاة الكاتب بحوالي عشرين عاماً، ولم تنشر في روسيا إلا في عام  1987، فقد كان من الكتّاب المغضوب عليهم، ومنع من النشر تماماً في السنوات الأخيرة من حياته. القارئ يعرف (بولغاكوف) من خلال روايته الرائعة (المعلم ومرغريتا). ومن أهم أعماله الأخرى رواية (الحرس الأبيض)، و مسرحية (أيام آل توربين) وهو يعد من أهم الكتّاب الروس في النصف الأول من القرن العشرين.

لم يقتصر الحظر والتضييق على هؤلاء المبدعين فقط، بل شمل مبدعين روس آخرين من ألمع الشعراء والكتّاب، ومنهم أهم شاعرتين روسيتين في القرن العشرين وهما (تسفيتايفا) و(أخماتوفا) اللّتان منعتا من نشر العديد من  أعمالهما، والشاعر (بوريس باسترناك) الذي تمّ حظر نشر روايته (دكتور جيفاكو) في داخل روسيا حتى عام 1987. وشمل الحظر حتى بعض أعمال (مكسيم غوركي). والقائمة طويلة. ولا نرى جدوى من ذكر أسماء الكتّاب والشعراء، الذين تعرّضوا للاضطهاد، ممن لم يترجم أي عمل من أعمالهم الإبداعية إلى اللغة العربية.  

أدب المعتقلات:

ثَمَّة العديد من أهل الفكر والقلم، الذين قضوا سنوات طويلة في معتقلات العمل القسري الشاق، لعل أشهرهم (فارلام شالاموف) (1907- 1982)، الذي صوّر بعمق معاناة المعتقلين في مجموعته القصصية  الشهيرة (حكايات كوليما). وكوليما شبه جزيرة تقع في أقصى حدود سيبيريا قضى فيها (شالاموف) سبعة عشر عاما ( 1936-1953). وقد لقيت (حكايات كوليما) عند نشرها لأول مرة خلال فترة “البيريسترويكا” رواجاً عظيما. (شالاموف) يعتقد أن الظروف اللاإنسانية في تلك المعتقلات الرهيبة لا تطهّر الإنسان، بل تفقده آدميته، وتحوله إلى كائن آخر فاقد لكل ما يميز الإنسان من قيم.

 أما (ألكسندر سولجينيتسن) (1918- 2008) فقد حكم عليه بالسجن ثمان سنوات مع الأشغال الشاقة، بتهم مفبركة، ولم تشفع له ميداليات الشجاعة التي نالها في حينه عن اشتراكه في معارك الحرب الوطنية العظمى ضد الجيش الهتلري. وأعيد إليه الاعتبار بعد وفاة (ستالين) حيث، عمل مدرّسا، وكتب روايته الشهيرة (يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفيتش)، التي يصف فيها يوما واحدا من حياة بطل الرواية في المعتقل. وقد تدخل (خروتشوف) شخصيا للسماح له بنشر الرواية. أما رواياته اللاحقة ومنها رواية (أرخبيل غولاغ) فقد كتبها وبسريّة تامّة، ولم تنشر إلا في عام 1987. وكان (سولجينيتسن) على النقيض من (شالاموف) يرى أن المعتقل يسهم في تطهير الإنسان من النوازع الدنيوية، وقد دخل في سجال طويل مع (شالاموف) حول هذا الموضوع.

نتاجات الروس المهاجرين والأجانب:

كان  الإعلام السوفيتي يزعم أن الطاقة الإبداعية للكتاب والشعراء الروس المهاجرين قد خمدت، ولكن الحقيقة هي أنهم قد أبدعوا أعمالاً قيّمة نشرت في بلدان اللجوء، وظلّت محظورة في روسيا حتى منتصف الثمانينات من القرن العشرين. وعندما  أخذت أعمالهم طريقها إلى المجلّات الأدبية المركزية، أصيب القرّاء بدهشة كبيرة، حين اكتشفوا أنّ ثمّة أدباً روسيّاً في الخارج، متنوع الاتجاهات والأساليب، لا يقلّ روعة عن أعمال كبار الأدباء الروس المغضوب عليهم في الداخل. أعمال هؤلاء المبدعين المهاجرين سمحت بتكوين صورة كاملة للهزّات التّاريخيّة التي تعرّضت لها روسيا في النصف الأول من القرن العشرين. ونكتفي هنا بمثالين بارزين فقط من هذه الأعمال.

كتاب (الأيام الملعونة) لـ(أيفان بونين) (1870 – 1953) يتضمن يومياته عن أحداث عامي 1918- 1919، والكارثة القوميّة التي عصفت بروسيا في أعقاب ثورة 1917. وقد أجمعت الأوساط الثقافية في الدول الغربية على الإشادة بالكتاب عند نشره في باريس عام 1936، بل إن البعض من الباحثين الأجانب اعتبره ذروة إبداع (بونين).

كان  المثقّفون في الداخل يعرفون وجود هذا الكتاب. بعد أن ظهرت بعض التعليقات النابية عن الكاتب في الصحافة السوفيتية، ولكن الكتاب ظل ممنوعا من النشر والتداول في روسيا حتى عام 1987.

يصف (بونين) في هذا الكتاب الحياة المدمرة في المدن والقرى، حيث تركت الأراضي الزراعيّة مهملة ولم يزرع أو ينتج أي شيء طيلة خمس سنوات. ويتساءل الكاتب: “كم من النّاس يسيرون اليوم في ملابس منزوعة من جثامين الموتى؟”. (بونين) يصدر حكماً قاسياً ليس على الثوار فقط، بل على الشعب الروسي أيضاً، لأنه سمح لفئة من المتعصبين أن يتحكّموا في حياته ومصيره، وهو يندد في يومياته -التي كتبها  إثر الأحداث الساخنة يوماً بيوم-  باحتكار الحقيقة من قبل الثوار. ويصرخ: “نحن أيضاً بشر”، ويطالب بتطبيق معيار أخلاقي واحد على “نحن” و “هم” مدافعاً عن القيم الإنسانية المشتركة.

ويقول أن كل ما يقترفه الثّوّار من أفعال مسموح ومغفور لهم، في حين أنهم انتزعوا من “البيض” كل شيء: “الوطن، والآباء، والأخوات، والأقارب، والمهود، والمقابر”. لأنهم –حسب الثوار- ليسوا بشراً ولا يمكن أن يكون لهم رأي في ما يحدث في بلادهم.

في (الأيام الملعونة) يروي (بونين) قصة أثارت دهشته، حيث أقدم الثوار خلال نهب أحد المنازل، على نتف ريش الطواويس، وتركها مدماة تنتفض من الألم في الفناء. “الطاووس المسكين لم يكن يعرف أنه طير بورجوازي”.

ويصف كاتب مغترب آخر هو (ايفان شميليوف) في رواية (شمس الموتى) المجاعة الرهيبة في شبه جزيرة القرم، حيث كان هو شخصيا شاهداً وضحية لها. شخصيات الرواية أناس حقيقيون، من سكان مدينة (آلوشتا) الساحلية. ويمتد زمن الرواية عاماً واحداً، من الربيع إلى الربيع التالي. وهي وثيقة فنية–تأريخية مدهشة لتلك الحقبة.

في ظل النظام الجديد تحولت أراضي القرم الخصبة إلى صحراء محروقة. البلاشفة الذين نجحوا في انتزاع السلطة، لم يحاولوا تنظيم الناس للعمل المنتج، ولم يكن لهم همّ سوى فرض العقوبات على السكان، وسلب ما لديهم من مال وممتلكات. اسم الرواية يشير إلى الانتصار التام للموت على الحياة. الناس يترنحون من الجوع عند المشي. المجاعة دفعت الناس إلى أكل كل ما تقع في أيديهم من حيوانات وطيور ونباتات. السُلطة الجديدة لا تلتفت إلى معاناة السكان ولا تهتم بمصائرهم وتركتهم يموتون من الجوع. (شميليوف) يصور كيف أن الجوع يدمر أخلاق الإنسان. الجيران الآن يكره بعضهم البعض الآخر، وبوسعهم سرقة آخر قطعة خبز. إنه زمن الجنون بعينه.

ولم يقتصر الحظر في الحقبة الستالينية على الأدباء الروس المغضوب عليهم، بل شمل أيضاً نشر أو تداول الأعمال الأدبية والفكرية لعدد كبير من الكتاب والمفكرين والفلاسفة الأجانب، بذريعة أنها مضرة، وتتنافى مع الأيديولوجية الماركسية. ومنها نتاجات (جيمس جويس) و(أورويل) و(كافكا)، وكتب (فرويد)، و(نيتشه)، و(سارتر)، وغيرهم، التي اطلع عليها القارئ الروسي بعد عشرات السنين من صدورها.

ونرى على هذا النحو، كيف أن الحرية لها بعض الجوانب السلبية أحياناً، مثلما حدث في روسيا خلال سنوات البيريسترويكا، عندما حجب “الأدب المستعاد” النصوص الإبداعية للأدباء الشباب، وحرمتهم من النشر لسنوات عديدة. ولم تبدأ المجلات الأدبية المركزية ودور النشر بالاهتمام بإبداعاتهم إلا منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين.