أرشيف الوسم: السعادة

هانا أرندت العمل والبحث عن السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

إن إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني على الصعيد الحياة عامة، قد يكونان إلى حد بعيد من المواريث الثمينة الذي خلفه لنا العصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تمامًا.

ما هو مفهوم السعادة على أية حال؟ أمر لا يمكن لمسه، مجرد نفس، أو أثر زائل. تساءل (والت ويتمان) في مذكراته بعد مائة عام بالضبط  من قيام الآباء المؤسسون بنسج السعي خلف أثر زائل في قماش، وهو ما أسماه (وايتمان)؛ “آفاق أمريكا الديموقراطية”.

إن فكرة “البحث عن السعادة” لازمتنا منذ زمن حتى أصبح أمرًا معتادًا، ليس فقط كبند في الدستور الأمريكي، بل كمفهوم ثقافي شعبي غزى العالم بأشكال لا حصر لها. وحتى كهدف سياسي، فإننا غير متأكدين من مدى فهمنا له، فهو أمر غير مألوف، ونادر أيضا، مع غرابة التمييز بين الفكر العبقري من الساذج وغير متأكدين أي واحد منها قابل للإدراك.

تمت دراسة أصل وتداعيات هذا المفرد الغريب تاريخيًا من قبل المنظرة السياسية الألمانية (هانا آردنت) [1906 – 1975] في مقالة صدرت عام 1960 بعنوان “العمل والسعي لتحقيق السعادة” وجدت مقتطفات منها في (التفكير بلا عوائق؛ مقالات في الفهم 1953-1975). بعد وفاتها كتبت (آرندت) وهي لاجئة:

من بين عدة مفاجآت تخبؤه هذه الدولة للمواطنين الجدد هناك اكتشاف مدهش أكدته وثيقة الاستقلال أن “السعي لتحقيق السعادة”، هي أحد حقوق الإنسان الغير القابلة للنقاش، وبقيت هذه العبارة حتى يومنا هذا أكثر بكثير من مجرد جملة لا معنى لها في الحياة العامة والخاصة للجمهورية الأمريكية. إلى درجة وجود شيء مثل الإطار العقلي الأمريكي، الذي تأثر بشكل عميق للأفضل أو الأسوأ بحقوق الإنسان التي من الصعب نيلها، والذي على حد تعبير (هوارد مومفورد جونز) يخول الرجال بـ“امتيازات شنيعة لمواصلة واحتضان الوهم”

في الجهة المقابلة، بحثت (أرندت) قبل سنتين من أطروحتها التاريخية؛ (الدوافع السياسية لتطبيع الشر)، في كتابها أصل هذا الوعد الأمريكي للخير المطلق، وحق الإنسان الأساسي في السعادة: 

إن عظمة بيان الاستقلال … تنشأ من كونها الطريقة المثلى لأن تظهر الأفعال في كلمات. وبما أننا نتعامل هنا مع الكلمة المكتوبة وليس المنطوقة، فإننا نواجه إحدى اللحظات الاستثنائية التي تكون فيها قوة العمل كبيرة بما يكفي لإقامة نصب تذكاري خاص.

ومايصدق على بيان الاستقلال ينطبق بشكل أكبر على كتابات الرجال الذين صنعوا الثورة. كان ذلك عندما توقف عن التكلم بشكل عام وذلك أثناء تحدثه أو كتابته وفقا للأحداث الماضية أو المستقبلية، حيث كان (جيفرسون) أقرب شخص إلى تقدير العلاقة الحقيقية بين العمل والسعادة.

مثل (ويتمان)، الذي يعتقد أن الأدب هو أساس الديمقراطية، فقد استلهم الآباء المؤسسون في عصر النهضة  إلى حد كبير من الأدب والفلسفة، وخاصة من قبل “رجال المعرفة” في فرنسا في القرن الثامن عشر. تتبع (أرندت) بقولها سلسلة النفوذ الإيديولوجي عبر الزمن والمكان والثقافة، للثورة الفرنسية ونموذجها المثالي “للسعادة العامة” هو الذي استند إليه (جيفرسون). أصدر مقال قبل إعلان الاستقلال بسنتين، ناقش فيها أن الأسلاف الذين تركوا أوروبا إلى أمريكا قد جعلوا “على الأرجح الحق الذي أعطته الطبيعة للرجال لتأسيس مجتمعات جديدة بموجب القوانين والأنظمة المتعلقة بهم ، لتعزيز السعادة العامة”. ثم أدرج هذا الإصرار على السعادة بشكل واضح الى بيان الاستقلال الذي عدل سريا بطريقة ما، وتغيير صياغة الحقوق الغير قابلة للنقاش من “الحياة والحرية والملكية” إلى “الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة”. إن مثل هذا التعديل الدقيق للكلمة الواحدة في اللغة يمكن أن تؤثر بشكل عميق على ثورة أيديولوجية قد تكون غريبة، ولكنها ليس غريبة كما أشارت (أرندت)، كونها لم تكن ذو تأثير في حياة (جيفرسون) وفقدت دون أن يلاحظها أحد فقد كانت تعيد توجيه الأخلاق الوطنية بأكملها على مر القرون التي تلت ذلك.

وبتركيزها على الثورة الفرنسية والمثل الذي أثرى وألهم (جيفرسون)، اكتفشت كيف أن القرن الثامن عشر كان قد فهم شكل الاستبداد والحرية السياسية واعتبار إصرار على السعادة سلعة عامة او خاصة.

وفقا للفهم القديم والنظرية السابقة لمصطلح الاستبداد، فهي الحكومة التي يحتكر فيها الحاكم لنفسه حق العمل ويحرم المواطنين من الفضاء العام الى اطار خصوصية الأسرة حيث من المفترض أن يهتموا بأعمالهم التجارية الخاصة. وبعبارة أخرى، فإن الاستبداد يحرم الرجال من السعادة والحرية العامة دون التعدي بالضرورة على المصالح الشخصية والحقوق الخاصة التي يتمتع بها. الاستبداد، وفقا للنظرية التقليدية، هو شكل من أشكال الحكم الذي يستبعد فيه الحاكم بمحض إرادته ويسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، وبالتالي التعدي على الرفاهية الخاصة والحريات الشخصية لمواطنيه.

عندما تم التحدث عن الاستبداد و الطغيان في القرن الثامن عشر فإنه لم يكن يميز بين هاذين المصطلحين وقد تعلم حدة التمييز بين القطاعين الخاص والعام وبين السعي دون عائق للمصالح الخاصة والتمتع بالحرية العامة أو السعادة العامة، و خلال الثورات، جاء هذان المفهومان اللذان اصبحا في صراع مع بعضهما البعض.

واستنادا إلى النسب بين الثقافات وبناء على كتاباتها السابقة على أن العمل كشكل لا يمحى الفكر، وسلطت (أرندت) الضوء على العلاقة الظاهرة بين العمل والسعادة:

سيتعين على كل نظرية سياسية حديثة أن تتعامل مع الحقائق التي تم تسليط الضوء عليها أثناء الاضطرابات الثورية التي حدثت خلال المائتي عام الماضية، وتختلف هذه الحقائق بالطبع إلى حد كبير عن ما تريد الإيديولوجيات الثورية منا أن نصدقه.

[…] قد تكون إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني في الفضاء العام للحياة من أثمن المواريث الذي ورثناه للعصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تماما.

في المجمل أن (التفكير بلا عوائق) قراءة مبهجة فكريا، حيث يستكشف تقاطع السياسة والحياة الإنسانية من زوايا متنوعة مثل الخيال، وجرائم الحرب، وإرث (إيمرسون)، ومعنى الثورة، والعلاقة بين الحقوق الخاصة والمصلحة العامة. واستكمل هذا الجزء بالذات بشأن السعادة كواجب أخلاقي مع إليزابيث باريت براوننج، ثم تناولت (أرندت) كيفية استخدام الطغاة للعزلة كسلاح للاضطهاد، والكذب في السياسة، وقوة كونك دخيلًا، وحياة العقل، وتسليط الضوء على حالة البشر من الناحية الفنية والعلمية وكيفية التفريق بينهما.


[المصدر]

المثالية وأوهام الحب والسعادة لدى كيركيغارد

“إننا نصف أيقاظ مقارنةً بما يجب أن نكون عليه”، كما كتب (ويليام جيمس) في مفكرته (كيف نكون أشخاص إسثنائيين.)، “إننا  نستخدم جزءًا صغيرًا من مواردنا العقلية والبدنية الممكنة“. قبل قرن ونصف وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، جابه رائد من رواد العقول البشرية النيرة (سورين كيركيجارد) صراعاً مع المشكلة الأزلية المتمثلة في استغلال هذه  الموارد كاملة في تحقيق المثل العليا للفرد.

كتب (سورين كيركيجارد) في مذكرته والتي نشرت لاحقًا بإسم (مذكرات سورين كيركيجارد)، والتي فسر فيها الفيلسوف الدنماركي العظيم سبب كراهية الأعداء وهيمنة الأقليات وعن الخلاص من مرارة الألم الملازمة للإبداع. إذ يعتبر كيركيجارد أن العظمة متجسدة في الأفكار الموازية للطموح والتواضع.

وفي مدخل مقاله (يوميات نوفمبر 1846) كتب مايلي:

أدركت أكثر وأكثر أنني جُبلت لدرجة أنني لن أنجح في تحقيق مُثُلِي العليا، ومن منظور آخر، وتحديداً من منظورٍ إنساني، فإنني سأتخطى

الكثير من مثلي العليا. في حين يهدف معظم الناس عادة إلى تحقيق ُمثُل عليا، إسثنائية وعظيمة لن يبلغوها أبدًا. إذ أنني أشعر بالأسى والحزن الشديد لأن مُثُلي لم تشبعني يوماً. وإنني متأكد من أن الآخرين سيسخرون من مُثُلي تلك. لقد كان أسماها الزواج وتكريس حياتي لها.

وهأنذا، بعدما يئست من بلوغ هذا الهدف وصرت وحيدًا، وصرت مؤلفًا أيضًا، ومن يدري لربما أصير مؤلفًا مرموقًا.

لقد كنت قانعاً بإعتباري نصف مجنون، رغم أن هذا ليس سوى قالب سلبي بإعتباري جزءاً خارجاً عن المألوف، وقد يظل هذا القالب الأساسي يلازمني وبذلك لن أحقق شيئاً لكوني جزءًا ساكنًا وصغير جدًا.

إن ما جعل (كيركيجارد) استثنائيًا، على الرغم من رفضه لهذه الفكرة، هو قدرته على تحويل هذه الاستقلالية إلى قوة إحياء ومنح كلتا اعبائه؛ مثاليته الجامحة، وحزنه القاتل، بالمضي معه قدمًا وباتزان.

في مقال آخر بعنوان “كيف فهمت نشاطي ككاتب“، جسد (كيركيجارد) هذه الحالة بشكل جميل بوصفه:

لقد تصورت نفسي معتزمًا بالدفاع عما هو معتاد، في زمنٍ كهلٍ ومخيبٍ للآمال، وجعل إدراك هذا شيئًا مرغوبًا ومتاحًا لأخوتي في البشرية، ولأن الزمن قد يضلهم بالسعي وراء الأشياء النادرة والإستثنائية. فإنني فهمت أن مهمتي هي أن أكون هذا الشخص التعيس الذي لم يستطع إسعاد نفسه، والذي يحب جميع البشر ويرغب بمساعدتهم على وجه التحديد في تحقيق السعادة.

ويحذر (كيركيجارد) من جعل الجهد المبذول في إسعاد الآخرين مجرد وسيلةً لإرضاء الذات النرجسية:

لقد كنت شديد الحذر من أن تدنس جهودي بالغرور الساعي إلى تحقيق الذات. لقد خدمت الفكر والحقيقةر.. خدمت الحقيقة قبل كل شيء، فلم ابتغِ منها أي مقاصد علمانية أو دنيوية. لذا عملت بما أملاه علي ضميري.

في سيرته الذاتية بعنوان (مسار حياتي) الذي نشر عام 1852، كتب (كيركيجارد):

المثل الفضلى ليست بالفهم فحسب بل بالعمل، وتتضمن هذه تحمل جميع الأعباء المنطوية عليها.


[المصدر]

كيركيغارد، في المصدر الأكبر لانعدام السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كتبت (آني ديلارد) متأملةً في لماذا يهم التواجد في اللحظة الحالية أكثر من الإنتاجية فيها “إن الطريقة التي نمضي بها أيامنا هي بالتأكيد الطريقة التي نقضي بها حياتنا”. كما يؤكد (هنري ميلر) في تأمله المذهل في فن الحياة قائلًا: “يعتمد فشل أو إثمار لحظةٍ ما على الكيفية التي يضع الشخص نفسه فيها.” ولكننا مازلنا نقضي حياتنا هروبًا من اللحظة الحالية، نشغل أنفسنا باستمرار في المبالغة في التخطيط للمستقبل أو في نوبات من القلق خوفًا من عدم استقراره، وهكذا نسلب من أنفسنا الحياة باستمرار.

استعرض المفكر الدنماركي المؤثر سورن كيركيغارد -والذي يعد أول فيلسوف وجودي فعلي، (1813-1843) في فصل من فصول مجموع أطروحاته الهامة 1843: (إما أو: نبذة عن الحياة)، استعرض بدقة كيف يمكن لهروبنا المتكرر من الواقع أن يكون المصدر الأكبر لتعاستنا. (كيركغارد) -البالغ من العمر ثلاثون عامًا حينها- بدأ في مراقبة الجدول الزمني لليوم وسط ثقافة “الانشغال كوسام شرف”:

من بين كل الأشياء التافهة، الأمر الأشد تفاهة بالنسبة لي أن تكون منشغلًا. أن يكون الرجل مستعجلًا فيما يتعلق بطعامه وعمله.

لابد أن نتذكر هنا أنّ “الانشغال هو قرار” نتخذه بشكل متكرر، ودائمًا ما نضر أنفسنا به.

في الفصل الأخير والذي بعنوان “الإنسان غير السعيد” عاد إلى الموضوع من خلال بُعد أعمق:

الشخص غير السعيد هو الشخص الذي لديه مثاليته الخاصة وجوهر لحياته تشبّع وعيه بهما، جوهر وجوده حيًّا وبطريقة ما خارج نفسه. الشخص غير السعيد هو غائب عن نفسه دائمًا، غير متواجد فيها. لكن بالطبع يمكن للشخص أن يكون غائبًا إما في الماضي أو المستقبل. وهذا يحدد بشكل كافي منطقة السعادة في الوعي.

يعتقد أن طريقة بناء اللغة تخلّد ملَينا للغياب:

الشخص غير السعيد غائب. لكن لا يمكن أن يكون الشخص غائبًا إلا عندما يعيش في الماضي أو المستقبل. أسلوب التعبير مهم -كدليل- فكما يعملنا علم اللغة التاريخي المقارن أن هنالك زمن يعبر عن التواجد في الماضي وزمن آخر يعبر عن التواجد في المستقبل، إلا أنه يعلمنا أيضًا أن هناك زمن الماضي التام والذي لا يمكن التواجد فيه، كما أن هناك المستقبل التام مثله في الصفات. تلك هي أمل الأشخاص وذكرياتهم. طالما هناك إما أمل فقط أو ذاكرة فقط، فإنها بالتأكيد بشكلٍ ما تجعل الأشخاص غير سعداء. ولو نظرنا للعكس سيكون الشخص السعيد هو الشخص الحاضر في اللحظة. على كل حال، لا يمكن قطعًا لشخصٍ ما أن يطلق على آخر أنه غير سعيد إذا كان هذا الشخص حاضرًا في آماله أو في ذاكرته. ما يجب علينا إدراكه هو أن هذا الشخص ما يزال متواجدًا بنفسه في إحدى هذه الحالات. مما يمكننا أن نرى في صدمة واحدة، هي أن تكون ثقيلةً جدًا لايمكنها أن يجعل شخصًا ما غير سعيد على الإطلاق. إحدى هذه الصدمات قد تجعل الشخص إما أن يفقد الأمل ويتخلى عن ذاكرته، أو أن يفقد ذكرياته ويتخلى عن أمله.

يكمل كيركيغارد مستعرضًا هذان المفتاحان لأشكال الهروب من الواقع، عبر الطموح أو عبر الذاكرة:

لننظر أولًا للأشخاص الذين يلجأون للأمل. عندما يكون شخص متعلق بالأمل (وبالتأكيد غير سعيد) غير متواجد في اللحظة يصبح غير سعيد بشكل أكثر حدة. بالنسبة للأشخاص الذين يأملون بحياة أبدية، بالطبع هم بشكلٍ ما غير سعداء للحد الذي يجعلهم يتخلون عن اللحظة الحالية. لكن مع ذلك، هم ليسوا غير سعداء تمامًا لأنهم حاضرون في ذواتهم عبر الأمل والذي لا يتعارض مع لحظةٍ ما محدودة. لكن عندما لا يصبح الشخص متواجدًا في الأمل، كونه قد فقده، ثم يعود للأمل مجددًا وهكذا، عندها يصبح الشخص غائبًا عن ذاته ليس فقط في اللحظة الحالية، بل حتى في المستقبل وهكذا يصبح لدينا نموذج الشخص غير السعيد. على أية حال، فإن الأشخاص أصحاب الأمل لا يأملون بأشياء غير واقعية بالنسبة لهم، بل هم يأملون بأشياء يعرفون بأنها لا يمكن استيعابها. عندما يفقد الشخص الأمل وبدلًا من أن يكون غارقًا في الذاكرة يصرّ على البقاء في الأمل في هذه الحالة يصبح لدينا هذا النوع.

وبالمثل يكون الأشخاص أصحاب الذاكرة. عندما يجد نفسه حاضرًا في الماضي، ليس بالضرورة أن يكون غير سعيد، لكن إذا لم يستطع فعل هذا الأمر وبقي غائبًا عن نفسه في الماضي عندها يصبح لدينا هذا النوع من عدم السعادة.

إن الذاكرة هي بدون شك هي العنصر الفعلي لعدم السعادة، كما ترى الطبيعة الماضي بأنه يعبر عمّا ولّى، والمستقبل ما سيأتي ولذا يمكن القول بأن المستقبل بشكلٍ ما أقرب للحاضر من الماضي. إن المستقبل بالنسبة للأشخاص أصحاب الأمل يعني أن تكون حاضرًا في أمور غالبًا سوف تصبح حقيقية، أو بإمكانها أن تكون حقيقية. أما الماضي فهو بالنسبة للأشخاص أصحاب التذكّر هو أن يكونوا حاضرين في تلك اللحظات التي قد حدثت لهم. لكن عندما يصبح لأصحاب الأمل مستقبل لا يحتوى على واقعهم أو أن يكون لأصحاب الذاكرة ماضٍ لا يوجد فيه واقعهم عندها سوف يصبح لدنيا أشخاص غير سعداء. الأشخاص غير السعداء هم الذين لا يرغبون بأن يكون لديهم ألم كما لدى أصحاب الذاكرة. أما أصحاب الأمل فهم الأشخاص الذين لديهم المزيد من الخيبات المُرضية لهم. لذا يكون دائمًا الشخص الأقل سعادة بين أصحاب الذاكرة التعساء.


[المصدر

عن سر السعادة عند ألفريد هتشكوك

هتشكوك

السير ألفريد جوزيف هتشكوك (13 أغسطس 1899 – 29أبريل 1980) منتج ومخرج أفلام إنجليزي، كان رائداً في العديد من التقنيات والتشويق والإثارة النفسية في الأفلام، بعد نجاحه في السينما البريطانية في كلٍ من الأفلام الصامتة والأفلام الصوتية في وقت مبكر عُرف بكونه أفضل مخرج إنجليزي، انتقل إلى هوليود عام 1939 ،وأصبح مواطنا أمريكيا في عام 1955.

هي تلك الأشياء الخلّاقة .. أما الكره، فطاقة مُهدرة.

ما برحَ الكشفُ عن سرّ السعادة وأهدافها يكون الرغبةَ الأسمى، فلا زلنا نتعقبها بحماسة غير منقطعة بالبحث في علومها وخصائصها وتطبيقاتها العملية.
وفي هذا المقطع القصير المليء بالحكمة والفصاحة والذي كان خلال مقابلة مؤرشفة، يعرّف (هيتشكوك) العظيم السعادة بتعريف خاص، تعريفٌ لامس قلبي شخصيا، وهو يدعو الأذهان إلى نوع من التأمل في وجود التسامح وعدمه.
وفي هذه التوليفة الرائقة التي  تجمع بين المشاعر الحساسة والإيمان الراسخ المستحقِّ لكل احترام، يقول:

هي أفقٌ واضح. لا شيء فيها يدعو للارتياب، فهي كل الأشياء الخلاقة البناءة.
لا طاقة لي بالخصام، ولا يمكنني تحمّل ذلك الإحساس، وأعتقد أن الكره طاقة مهدرة، وبلا جدوى. أنا إنسان حساس جدا، إذ بإمكان أي كلمة قاسية تُقال – خاصة إن كانت من شخص قريب لقلبي- أن تجرحني لأيام.
وإنني أعلم يقينًا أننا لسنا سوى بشر نمرُّ بهذه المشاعر المختلفة التي يسمونها “المشاعر السلبية“، ولكنكَ فور عبورها، ستكون متطلعاً، سيتضح أمامك الطريق ، وعندها سوف تحقق شيئا ما، وإنني أؤمن أن تلك اللحظة هي أقصى سعادة يمكن أن تكون عليها على الإطلاق.

Continue Reading →

راسل: ألا تزال السعادة ممكنة؟

برتراند راسل

يطرح برتراند راسل (1872-1970) الفيلسوف وعالم منطق ورياضي، المؤرخ والناقد الاجتماعي البريطاني. هذا السؤال في الجزء الثاني “مسببات السعادة” من كتابه (انتصار السعادة)، والذي ترجمه إلى العربية (محمد قدرى عمارة).

فيقول (راسل):

السعادة نوعان رغم أنه بالطبع توجد درجات وسطى، النوعان اللذان أقصدهما يمكن تميزهما على أحدهما بسيط والآخر وهمي، أو أن أحدهما حيواني والآخر روحاني، أو أن أحدهما للقلب والآخر للرأس.

ولعل أبسط طريق لوصف الفرق بين النوعين من السعادة هو القول بأن نوعاً منهما متاح لأي إنسان بينما النوع الآخر متاح للذين يمكنهم القراءة والكتابة فقط، فعندما كنت صبياً عرفت رجل كان يتفجر سعادة وكان عمله هو حفر الآبار، ولقد كان طويلا جداً وله عضلات غير معقولة، ولم يكن يستطيع القراءة أو الكتابة، وعندما سمح له في عام 1885 بالإدلاء بصوته في انتخابات البرلمان علم لأول مرة بوجود مثل هذه المؤسسات. لم تعتمد سعادته على مصادر فكرية، ولم ترتكز على الاعتقاد في القانون الطبيعي، أو كمال الأنواع أو ملكية العامة للمنافع العامة أو الانتصار الحتمي للسبتيين أو لأي من الطوائف الأخرى، وهى الأمور التي يعتبرها المفكرون ضرورية لاستمتاعهم بالحياة، كانت سعادته تعتمد على القوة البدنية، والكفاية من العمل، وفي التغلب على العقبات غير المنيعة في صورة صخرة.

فمتع الإنجاز تتطلب صعوبات تجعل النجاح يبدو في البداية أمراً مشكوكاً فيه رغم أنه عادة ما يتم الوصول إليه في النهاية.

وفي إمكانية السعادة بين رجل العلم والفنان والأديب يقول:

أكثر القطاعات المتعلمة تعليماً راقياً في المجتمع إحساساً بالسعادة هم رجال العلم. فكثير من رجال العلم البارزين بسطاء عاطفياً ويحصلون من عملهم على إشباع يكون عميقاً لدرجة أنهم يستطيعون أن يجدوا متعة في الطعام وحتى في الزواج. والفنانون والأدباء يعتبرون أنه من المؤكد ألا يكووا سعداء في زواجهم بينما رجال العلم فعادة ما يظلوا قادرين على الاستمتاع بنعمة الحياة العائلية قديمة الطراز.

وتتحقق كل شروط السعادة في حياة رجل العلم، فلديه النشاط الذى يستغل طاقاته بكاملها، ويصل إلى نتائج تبدو مهمة ليس له فقط ولكن للجمهور العام حتى لو لم يتمكن من فهمها بأدنى درجة، وهو في ذلك يعد أكثر حظا من الفنان، فعندما لا يفهم أفراد الجمهور لوحة أو قصيدة، يقررون أنها لوحة أو قصيدة رديئة، أما عندما لا يفهمون النظرية النسبية فإنهم يستنتجون -صواباً- أن تعليمهم لم يكن كافياً.

وليس العلماء الأفذاذ فقط هم الذين يستمدون المتعة من العمل، ولا رجال الدولة القياديين فقط هم الذين يستمدون المتعة من دفاعهم عن قضية ما. فمتعة العمل متاحة لكل فرد يستطيع تنمية مهارة متخصصة بشرط أن يستطيع الحصول على الإشباع من ممارسة مهارته دون الرغبة في حصول على الاستحسان العام.

ويعد الإيمان بقضية ما من مصادر السعادة لأعداد كبيرة من الناس. أنا لا أفكر فقط في الثوريين أو الاشتراكيين أو الوطنيين فى الدول المقهورة ومن على شاكلتهم ولكنى أفكر أيضاً في كثير من المعتقدات الأقل تواضعاً.

وليست التقليعات والهوايات في كثير، وربما أغلب الحالات، مصدراً للسعادة الأصلية، وإنما وسائل للهروب من الواقع والنسيان للحظات لبعض الألم الذى تعصب مواجهته. أما السعادة الأصلية فتعتمد أكثر من أي شىء آخر  على ما يسمى بالاهتمام الودى بالأشخاص وبالأشياء.

الاهتمام بالآخرين وحبّهم شكل من أشكال السعادة:

فالاهتمام الودى بالأشخاص شكل من أشكال المحبة ولكنه ليس بالشكل المتثبت والمستحوذ والذى يتطلب دائماً الاستجابة الملفتة. فهذا الشكل الأخير كثيرا جداً ما يكون مصدرا للتعاسة. أما الطراز الذى يؤدى إلى السعادة، فهو الطراز الذى يحب مراقبة الناس ويجد المتعة في تتبع صفاتهم الفردية، ويرغب فى توفير مجال الاهتمامات وسرور أولئك الذين يصبح على علاقة بهم دونما أن يطلب اكتساب سلطة عليهم أو تحقيق إعجابهم الحماسي به.

فالاهتمام بالآخرين وحبهم عند راسل: “يجب أن يكون كل ذلك طبيعياً وألا ينبثق من فكرة التضحية بالذات التي يحتمها  الإحساس بالواجب. فالإحساس بالواجب يكون مفيداً في العمل ولكنه يكون عدائياً في العلاقات الشخصية. فالناس يرغبون في أن يكونوا محبوبين وليسو محتملين باستسلام صبور، وربما كان حب كثير من الناس تلقائياً وبدون مجهود أعظم مصادر السعادة الشخصية”.

سر السعادة هو الآتى:

اجعل اهتماماتك واسعة قدر الإمكان واجعل ردود أفعالك ودودة لا عدائية بأقصى درجة ممكنة تجاه الأشياء والأشخاص الذين يهمونك.

فالشخص غير السعيد، كقاعدة عامة، سوف يتبنى عقيدة غير سعيدة بينما الشخص السعيد سيتبنى عقيدة سعيدة، وكل منهما يرجع سعادته أو تعاسته إلى معتقداته بينما يكون المسبب الحقيقى هو عكس ذلك، فلا غنى عن أمور معينة لسعادة معظم الناس وإن كانت أمور بسيطة: الغذاء والمأوى، الصحة، الحب، العمل الناجح واحترام الفرد لقومه.