أرشيف الوسم: السعادة

قوة الفرح؛ في أن تتوافق مع نفسك ومع العالم

من لا يرغب في الفرح؟ القوة التي تهزنا والانفعال الذي يمدنا بالحيوية لتذوق الوجود.

في كتابه (قوة الفرح) يحاول الفيلسوف الفرنسي (فريدريك لونوار) أن يفسر هذا الشعور. ويتحدث عن مسارين مهمين لبلوغه: طريق يقطعه المرء نحو ذاته، وطريق يتجه صوب الآخر. على المرء أن يهيء نفسه لتلقي الفرح بالانتباه والحضور، وبالثقة والعطاء والتواصل مع العالم بطريقة صحيحة.

تشغلنا في الأغلب آلاف الهموم وهكذا يختنق ذهننا ولا نعود منتبهين بحال من الأحوال لحياتنا.

[…] وهكذا لو كنا ننظر إلى منظر طبيعي بديع ونحن نفكر في نموذج التأمين الاجتماعي الذي لم نملأه بعد، فليس ثمة فرصة كبيرة ليصادفنا الفرح.

وعن الحضور يقول أنه مرحلة تأتي بعد الانتباه، بحيث يشمل وجودنا كله:

الكثير من الناس يعيشون بقلوب مصفحة، أو يحيطونها بغشاء يحميها من المعاناة لكنه قد يعيق وصول الفرح والمشاعر العميقة إليهم.الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

لكي ينفتح قلبك لابد أن تثق بالحياة.

[…] إن الفرح لا ينمو في الظلام، لكنه ينتشر في نور الصباح.

نعيش رهن عالم متسارع مليء بالخيارات لكننا مقيدين بضيق الوقت وكثرة المشاغل، فنميل دائما لكل مايعود علينا بالنفع.

لكي يتفتح الفرح لا يتعين البقاء رهن هذا البعد النفعي الموجود باستمرار والذي يحول بيننا وبين الانفتاح ويحول دون حضورنا الدائم. يأتي الفرح في الغالب في أوقات لا نتوقعها، ولانتوقع أن نجني منه شيئا.

المسار الثاني للفرح هو مسار حب ومشاركة وخلق الروابط الصحيحة والحقيقية. حيث يوضح:

يختار الأصدقاء والرفقاء الحقيقيون بعضهم بعضا. وهذه العلاقة ليست محتومة أو مفروضة، لكنها تتطلب خيارا ولابد من رعايتها كي تزدهر.

[…] الحب الحقيقي لا يقيّد بل يحرر. ولا يخنق الآخر بل يعلمه أن يتنفس على نحو أفضل. يعلم أن الآخر لا ينتمي اليه لكن يمنح نفسه له بحريته.

هانا أرندت العمل والبحث عن السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

إن إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني على الصعيد الحياة عامة، قد يكونان إلى حد بعيد من المواريث الثمينة الذي خلفه لنا العصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تمامًا.

ما هو مفهوم السعادة على أية حال؟ أمر لا يمكن لمسه، مجرد نفس، أو أثر زائل. تساءل (والت ويتمان) في مذكراته بعد مائة عام بالضبط  من قيام الآباء المؤسسون بنسج السعي خلف أثر زائل في قماش، وهو ما أسماه (وايتمان)؛ “آفاق أمريكا الديموقراطية”.

إن فكرة “البحث عن السعادة” لازمتنا منذ زمن حتى أصبح أمرًا معتادًا، ليس فقط كبند في الدستور الأمريكي، بل كمفهوم ثقافي شعبي غزى العالم بأشكال لا حصر لها. وحتى كهدف سياسي، فإننا غير متأكدين من مدى فهمنا له، فهو أمر غير مألوف، ونادر أيضا، مع غرابة التمييز بين الفكر العبقري من الساذج وغير متأكدين أي واحد منها قابل للإدراك.

تمت دراسة أصل وتداعيات هذا المفرد الغريب تاريخيًا من قبل المنظرة السياسية الألمانية (هانا آردنت) [1906 – 1975] في مقالة صدرت عام 1960 بعنوان “العمل والسعي لتحقيق السعادة” وجدت مقتطفات منها في (التفكير بلا عوائق؛ مقالات في الفهم 1953-1975). بعد وفاتها كتبت (آرندت) وهي لاجئة:

من بين عدة مفاجآت تخبؤه هذه الدولة للمواطنين الجدد هناك اكتشاف مدهش أكدته وثيقة الاستقلال أن “السعي لتحقيق السعادة”، هي أحد حقوق الإنسان الغير القابلة للنقاش، وبقيت هذه العبارة حتى يومنا هذا أكثر بكثير من مجرد جملة لا معنى لها في الحياة العامة والخاصة للجمهورية الأمريكية. إلى درجة وجود شيء مثل الإطار العقلي الأمريكي، الذي تأثر بشكل عميق للأفضل أو الأسوأ بحقوق الإنسان التي من الصعب نيلها، والذي على حد تعبير (هوارد مومفورد جونز) يخول الرجال بـ“امتيازات شنيعة لمواصلة واحتضان الوهم”

في الجهة المقابلة، بحثت (أرندت) قبل سنتين من أطروحتها التاريخية؛ (الدوافع السياسية لتطبيع الشر)، في كتابها أصل هذا الوعد الأمريكي للخير المطلق، وحق الإنسان الأساسي في السعادة: 

إن عظمة بيان الاستقلال … تنشأ من كونها الطريقة المثلى لأن تظهر الأفعال في كلمات. وبما أننا نتعامل هنا مع الكلمة المكتوبة وليس المنطوقة، فإننا نواجه إحدى اللحظات الاستثنائية التي تكون فيها قوة العمل كبيرة بما يكفي لإقامة نصب تذكاري خاص.

ومايصدق على بيان الاستقلال ينطبق بشكل أكبر على كتابات الرجال الذين صنعوا الثورة. كان ذلك عندما توقف عن التكلم بشكل عام وذلك أثناء تحدثه أو كتابته وفقا للأحداث الماضية أو المستقبلية، حيث كان (جيفرسون) أقرب شخص إلى تقدير العلاقة الحقيقية بين العمل والسعادة.

مثل (ويتمان)، الذي يعتقد أن الأدب هو أساس الديمقراطية، فقد استلهم الآباء المؤسسون في عصر النهضة  إلى حد كبير من الأدب والفلسفة، وخاصة من قبل “رجال المعرفة” في فرنسا في القرن الثامن عشر. تتبع (أرندت) بقولها سلسلة النفوذ الإيديولوجي عبر الزمن والمكان والثقافة، للثورة الفرنسية ونموذجها المثالي “للسعادة العامة” هو الذي استند إليه (جيفرسون). أصدر مقال قبل إعلان الاستقلال بسنتين، ناقش فيها أن الأسلاف الذين تركوا أوروبا إلى أمريكا قد جعلوا “على الأرجح الحق الذي أعطته الطبيعة للرجال لتأسيس مجتمعات جديدة بموجب القوانين والأنظمة المتعلقة بهم ، لتعزيز السعادة العامة”. ثم أدرج هذا الإصرار على السعادة بشكل واضح الى بيان الاستقلال الذي عدل سريا بطريقة ما، وتغيير صياغة الحقوق الغير قابلة للنقاش من “الحياة والحرية والملكية” إلى “الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة”. إن مثل هذا التعديل الدقيق للكلمة الواحدة في اللغة يمكن أن تؤثر بشكل عميق على ثورة أيديولوجية قد تكون غريبة، ولكنها ليس غريبة كما أشارت (أرندت)، كونها لم تكن ذو تأثير في حياة (جيفرسون) وفقدت دون أن يلاحظها أحد فقد كانت تعيد توجيه الأخلاق الوطنية بأكملها على مر القرون التي تلت ذلك.

وبتركيزها على الثورة الفرنسية والمثل الذي أثرى وألهم (جيفرسون)، اكتفشت كيف أن القرن الثامن عشر كان قد فهم شكل الاستبداد والحرية السياسية واعتبار إصرار على السعادة سلعة عامة او خاصة.

وفقا للفهم القديم والنظرية السابقة لمصطلح الاستبداد، فهي الحكومة التي يحتكر فيها الحاكم لنفسه حق العمل ويحرم المواطنين من الفضاء العام الى اطار خصوصية الأسرة حيث من المفترض أن يهتموا بأعمالهم التجارية الخاصة. وبعبارة أخرى، فإن الاستبداد يحرم الرجال من السعادة والحرية العامة دون التعدي بالضرورة على المصالح الشخصية والحقوق الخاصة التي يتمتع بها. الاستبداد، وفقا للنظرية التقليدية، هو شكل من أشكال الحكم الذي يستبعد فيه الحاكم بمحض إرادته ويسعى لتحقيق مصالحه الخاصة، وبالتالي التعدي على الرفاهية الخاصة والحريات الشخصية لمواطنيه.

عندما تم التحدث عن الاستبداد و الطغيان في القرن الثامن عشر فإنه لم يكن يميز بين هاذين المصطلحين وقد تعلم حدة التمييز بين القطاعين الخاص والعام وبين السعي دون عائق للمصالح الخاصة والتمتع بالحرية العامة أو السعادة العامة، و خلال الثورات، جاء هذان المفهومان اللذان اصبحا في صراع مع بعضهما البعض.

واستنادا إلى النسب بين الثقافات وبناء على كتاباتها السابقة على أن العمل كشكل لا يمحى الفكر، وسلطت (أرندت) الضوء على العلاقة الظاهرة بين العمل والسعادة:

سيتعين على كل نظرية سياسية حديثة أن تتعامل مع الحقائق التي تم تسليط الضوء عليها أثناء الاضطرابات الثورية التي حدثت خلال المائتي عام الماضية، وتختلف هذه الحقائق بالطبع إلى حد كبير عن ما تريد الإيديولوجيات الثورية منا أن نصدقه.

[…] قد تكون إعادة اكتشاف العمل ونشوء عالم علماني في الفضاء العام للحياة من أثمن المواريث الذي ورثناه للعصر الحديث ونحن على وشك الدخول الى عالم جديد تماما.

في المجمل أن (التفكير بلا عوائق) قراءة مبهجة فكريا، حيث يستكشف تقاطع السياسة والحياة الإنسانية من زوايا متنوعة مثل الخيال، وجرائم الحرب، وإرث (إيمرسون)، ومعنى الثورة، والعلاقة بين الحقوق الخاصة والمصلحة العامة. واستكمل هذا الجزء بالذات بشأن السعادة كواجب أخلاقي مع إليزابيث باريت براوننج، ثم تناولت (أرندت) كيفية استخدام الطغاة للعزلة كسلاح للاضطهاد، والكذب في السياسة، وقوة كونك دخيلًا، وحياة العقل، وتسليط الضوء على حالة البشر من الناحية الفنية والعلمية وكيفية التفريق بينهما.


[المصدر]

المثالية وأوهام الحب والسعادة لدى كيركيغارد

“إننا نصف أيقاظ مقارنةً بما يجب أن نكون عليه”، كما كتب (ويليام جيمس) في مفكرته (كيف نكون أشخاص إسثنائيين.)، “إننا  نستخدم جزءًا صغيرًا من مواردنا العقلية والبدنية الممكنة“. قبل قرن ونصف وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، جابه رائد من رواد العقول البشرية النيرة (سورين كيركيجارد) صراعاً مع المشكلة الأزلية المتمثلة في استغلال هذه  الموارد كاملة في تحقيق المثل العليا للفرد.

كتب (سورين كيركيجارد) في مذكرته والتي نشرت لاحقًا بإسم (مذكرات سورين كيركيجارد)، والتي فسر فيها الفيلسوف الدنماركي العظيم سبب كراهية الأعداء وهيمنة الأقليات وعن الخلاص من مرارة الألم الملازمة للإبداع. إذ يعتبر كيركيجارد أن العظمة متجسدة في الأفكار الموازية للطموح والتواضع.

وفي مدخل مقاله (يوميات نوفمبر 1846) كتب مايلي:

أدركت أكثر وأكثر أنني جُبلت لدرجة أنني لن أنجح في تحقيق مُثُلِي العليا، ومن منظور آخر، وتحديداً من منظورٍ إنساني، فإنني سأتخطى

الكثير من مثلي العليا. في حين يهدف معظم الناس عادة إلى تحقيق ُمثُل عليا، إسثنائية وعظيمة لن يبلغوها أبدًا. إذ أنني أشعر بالأسى والحزن الشديد لأن مُثُلي لم تشبعني يوماً. وإنني متأكد من أن الآخرين سيسخرون من مُثُلي تلك. لقد كان أسماها الزواج وتكريس حياتي لها.

وهأنذا، بعدما يئست من بلوغ هذا الهدف وصرت وحيدًا، وصرت مؤلفًا أيضًا، ومن يدري لربما أصير مؤلفًا مرموقًا.

لقد كنت قانعاً بإعتباري نصف مجنون، رغم أن هذا ليس سوى قالب سلبي بإعتباري جزءاً خارجاً عن المألوف، وقد يظل هذا القالب الأساسي يلازمني وبذلك لن أحقق شيئاً لكوني جزءًا ساكنًا وصغير جدًا.

إن ما جعل (كيركيجارد) استثنائيًا، على الرغم من رفضه لهذه الفكرة، هو قدرته على تحويل هذه الاستقلالية إلى قوة إحياء ومنح كلتا اعبائه؛ مثاليته الجامحة، وحزنه القاتل، بالمضي معه قدمًا وباتزان.

في مقال آخر بعنوان “كيف فهمت نشاطي ككاتب“، جسد (كيركيجارد) هذه الحالة بشكل جميل بوصفه:

لقد تصورت نفسي معتزمًا بالدفاع عما هو معتاد، في زمنٍ كهلٍ ومخيبٍ للآمال، وجعل إدراك هذا شيئًا مرغوبًا ومتاحًا لأخوتي في البشرية، ولأن الزمن قد يضلهم بالسعي وراء الأشياء النادرة والإستثنائية. فإنني فهمت أن مهمتي هي أن أكون هذا الشخص التعيس الذي لم يستطع إسعاد نفسه، والذي يحب جميع البشر ويرغب بمساعدتهم على وجه التحديد في تحقيق السعادة.

ويحذر (كيركيجارد) من جعل الجهد المبذول في إسعاد الآخرين مجرد وسيلةً لإرضاء الذات النرجسية:

لقد كنت شديد الحذر من أن تدنس جهودي بالغرور الساعي إلى تحقيق الذات. لقد خدمت الفكر والحقيقةر.. خدمت الحقيقة قبل كل شيء، فلم ابتغِ منها أي مقاصد علمانية أو دنيوية. لذا عملت بما أملاه علي ضميري.

في سيرته الذاتية بعنوان (مسار حياتي) الذي نشر عام 1852، كتب (كيركيجارد):

المثل الفضلى ليست بالفهم فحسب بل بالعمل، وتتضمن هذه تحمل جميع الأعباء المنطوية عليها.


[المصدر]

كيركيغارد، في المصدر الأكبر لانعدام السعادة

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

كتبت (آني ديلارد) متأملةً في لماذا يهم التواجد في اللحظة الحالية أكثر من الإنتاجية فيها “إن الطريقة التي نمضي بها أيامنا هي بالتأكيد الطريقة التي نقضي بها حياتنا”. كما يؤكد (هنري ميلر) في تأمله المذهل في فن الحياة قائلًا: “يعتمد فشل أو إثمار لحظةٍ ما على الكيفية التي يضع الشخص نفسه فيها.” ولكننا مازلنا نقضي حياتنا هروبًا من اللحظة الحالية، نشغل أنفسنا باستمرار في المبالغة في التخطيط للمستقبل أو في نوبات من القلق خوفًا من عدم استقراره، وهكذا نسلب من أنفسنا الحياة باستمرار.

استعرض المفكر الدنماركي المؤثر سورن كيركيغارد -والذي يعد أول فيلسوف وجودي فعلي، (1813-1843) في فصل من فصول مجموع أطروحاته الهامة 1843: (إما أو: نبذة عن الحياة)، استعرض بدقة كيف يمكن لهروبنا المتكرر من الواقع أن يكون المصدر الأكبر لتعاستنا. (كيركغارد) -البالغ من العمر ثلاثون عامًا حينها- بدأ في مراقبة الجدول الزمني لليوم وسط ثقافة “الانشغال كوسام شرف”:

من بين كل الأشياء التافهة، الأمر الأشد تفاهة بالنسبة لي أن تكون منشغلًا. أن يكون الرجل مستعجلًا فيما يتعلق بطعامه وعمله.

لابد أن نتذكر هنا أنّ “الانشغال هو قرار” نتخذه بشكل متكرر، ودائمًا ما نضر أنفسنا به.

في الفصل الأخير والذي بعنوان “الإنسان غير السعيد” عاد إلى الموضوع من خلال بُعد أعمق:

الشخص غير السعيد هو الشخص الذي لديه مثاليته الخاصة وجوهر لحياته تشبّع وعيه بهما، جوهر وجوده حيًّا وبطريقة ما خارج نفسه. الشخص غير السعيد هو غائب عن نفسه دائمًا، غير متواجد فيها. لكن بالطبع يمكن للشخص أن يكون غائبًا إما في الماضي أو المستقبل. وهذا يحدد بشكل كافي منطقة السعادة في الوعي.

يعتقد أن طريقة بناء اللغة تخلّد ملَينا للغياب:

الشخص غير السعيد غائب. لكن لا يمكن أن يكون الشخص غائبًا إلا عندما يعيش في الماضي أو المستقبل. أسلوب التعبير مهم -كدليل- فكما يعملنا علم اللغة التاريخي المقارن أن هنالك زمن يعبر عن التواجد في الماضي وزمن آخر يعبر عن التواجد في المستقبل، إلا أنه يعلمنا أيضًا أن هناك زمن الماضي التام والذي لا يمكن التواجد فيه، كما أن هناك المستقبل التام مثله في الصفات. تلك هي أمل الأشخاص وذكرياتهم. طالما هناك إما أمل فقط أو ذاكرة فقط، فإنها بالتأكيد بشكلٍ ما تجعل الأشخاص غير سعداء. ولو نظرنا للعكس سيكون الشخص السعيد هو الشخص الحاضر في اللحظة. على كل حال، لا يمكن قطعًا لشخصٍ ما أن يطلق على آخر أنه غير سعيد إذا كان هذا الشخص حاضرًا في آماله أو في ذاكرته. ما يجب علينا إدراكه هو أن هذا الشخص ما يزال متواجدًا بنفسه في إحدى هذه الحالات. مما يمكننا أن نرى في صدمة واحدة، هي أن تكون ثقيلةً جدًا لايمكنها أن يجعل شخصًا ما غير سعيد على الإطلاق. إحدى هذه الصدمات قد تجعل الشخص إما أن يفقد الأمل ويتخلى عن ذاكرته، أو أن يفقد ذكرياته ويتخلى عن أمله.

يكمل كيركيغارد مستعرضًا هذان المفتاحان لأشكال الهروب من الواقع، عبر الطموح أو عبر الذاكرة:

لننظر أولًا للأشخاص الذين يلجأون للأمل. عندما يكون شخص متعلق بالأمل (وبالتأكيد غير سعيد) غير متواجد في اللحظة يصبح غير سعيد بشكل أكثر حدة. بالنسبة للأشخاص الذين يأملون بحياة أبدية، بالطبع هم بشكلٍ ما غير سعداء للحد الذي يجعلهم يتخلون عن اللحظة الحالية. لكن مع ذلك، هم ليسوا غير سعداء تمامًا لأنهم حاضرون في ذواتهم عبر الأمل والذي لا يتعارض مع لحظةٍ ما محدودة. لكن عندما لا يصبح الشخص متواجدًا في الأمل، كونه قد فقده، ثم يعود للأمل مجددًا وهكذا، عندها يصبح الشخص غائبًا عن ذاته ليس فقط في اللحظة الحالية، بل حتى في المستقبل وهكذا يصبح لدينا نموذج الشخص غير السعيد. على أية حال، فإن الأشخاص أصحاب الأمل لا يأملون بأشياء غير واقعية بالنسبة لهم، بل هم يأملون بأشياء يعرفون بأنها لا يمكن استيعابها. عندما يفقد الشخص الأمل وبدلًا من أن يكون غارقًا في الذاكرة يصرّ على البقاء في الأمل في هذه الحالة يصبح لدينا هذا النوع.

وبالمثل يكون الأشخاص أصحاب الذاكرة. عندما يجد نفسه حاضرًا في الماضي، ليس بالضرورة أن يكون غير سعيد، لكن إذا لم يستطع فعل هذا الأمر وبقي غائبًا عن نفسه في الماضي عندها يصبح لدينا هذا النوع من عدم السعادة.

إن الذاكرة هي بدون شك هي العنصر الفعلي لعدم السعادة، كما ترى الطبيعة الماضي بأنه يعبر عمّا ولّى، والمستقبل ما سيأتي ولذا يمكن القول بأن المستقبل بشكلٍ ما أقرب للحاضر من الماضي. إن المستقبل بالنسبة للأشخاص أصحاب الأمل يعني أن تكون حاضرًا في أمور غالبًا سوف تصبح حقيقية، أو بإمكانها أن تكون حقيقية. أما الماضي فهو بالنسبة للأشخاص أصحاب التذكّر هو أن يكونوا حاضرين في تلك اللحظات التي قد حدثت لهم. لكن عندما يصبح لأصحاب الأمل مستقبل لا يحتوى على واقعهم أو أن يكون لأصحاب الذاكرة ماضٍ لا يوجد فيه واقعهم عندها سوف يصبح لدنيا أشخاص غير سعداء. الأشخاص غير السعداء هم الذين لا يرغبون بأن يكون لديهم ألم كما لدى أصحاب الذاكرة. أما أصحاب الأمل فهم الأشخاص الذين لديهم المزيد من الخيبات المُرضية لهم. لذا يكون دائمًا الشخص الأقل سعادة بين أصحاب الذاكرة التعساء.


[المصدر

الألم .. في فن اللامبالاة عند مارك مانسون

مارك مانسون هو مؤلف ومدوِّن أمريكي مواليد 1984. له ثلاثة كتب Models: Attract Women through Honest و فن اللامبالاة وأيضاً خراب: كتاب عن الأمل.

بدأ مارك مانسون أول مدونة له في عام 2009 كقناة تسويقية لأعماله في مجال استشارات المواعدة (dating advice business)، ثم انتقل بعد ذلك إلى العمل المستقل.

مما يميز كتابي مارك مانسون الأخيرين -والذَين حققا مبيعات كبرى-، هو كتابة مارك مانسون الصريحة والواقعية، فبالرغم من تكرار مواضيع تطوير الذات والسعادة التي يكتب عنها مانسون والتي كُتب عنها من قبل، إلا أن مانسون يذكرنا بها بطريقة فريدة ويعيد تركيب المشهد لترى الصورة بشكل أوضح.

ظل يُقال لنا طيلة عشرات السنوات إن التفكير الإيجابي هو المفتاح إلى حياة سعيدة ثرية. لكن (مارك مانسون) يشتم تلك “الإيجابية” ويقول: “فلنكن صادقين، السيء سيء وعلينا أن نتعايش مع هذا”.

لا يتهرّب (مانسون) من الحقائق ولا يغفلها بالسكّر، بل يقولها لنا كما هي: “جرعة من الحقيقة الفجِّة الصادقة المنعشة هي ما ينقصنا اليوم”.

في كتاب (فن اللامبالاة) المترجم إلى العربية بإخراج ّالحارث النبهانّ. وتحديدًا في الفصل الثاني بعنوان: السعادة مشكلة. يروي (مانسون) قصة قصيرة تخصه، فيبدأها متسائلًا: السؤال الذي يلفت النظر أكثر ويجعلك تفكر، السؤال الذي لا ينتبه إليه أكثر الناس، هو: “ما الألم الذي تريده في حياتك؟ وما الذي تظن أنك مستعد للكفاح من أجله؟”إن ما يقرر نجاحك ليس “ما تريد أن تستمتع به؟” بل إن السؤال الصحيح هو: “ما الألم الذي أنت راغب في تحمله أو قادر على تحمّله؟”

إن الطريق إلى السعادة دربٌ مفروشة بالأشواك والخيبات.عليك أن تختار شيئًا! لا يمكنك أن تحظى بحياة لا ألم فيها. لا يمكن أن تكون الحياة كلها مفروشة بالورود طيلة الوقت: السعادة هي السؤال السهل! وتكاد الإجابة على هذا السؤال تكون متماثلة عندنا جميعًا.السؤال الأكثر إثارة للإهتمام هو سؤال الألم.

ما الألم الذي أنت راغب في عيشه؟ هذا هو السؤال الصعب الذي له أهمية، السؤال الذي سيوصلك إلى مكانٍ ما في حقيقة الأمر. إنه السؤال الذي يمكنه تغيير نظرتك، وتغيير حياتك.إنه السؤال الذي يجعلني ما أنا عليه ويجعلك ما أنت عليه. إنه يحددنا ويحدد الفروق بيننا وما يجمعنا معًا في آخر المطاف.

خلال معظم فترة مراهقتي وشبابي، كنت أحلم بأن أكون موسيقيًا .. نجمًا من نجوم الروك تحديدًا. وكلما سمعت أغنية جيدة على الغيتار، كنت أغمض عيني وأتخيل نفسي واقفًا على المسرح أعزف الغيتار أمام جمهور يزعق جنونًا، أمام أناس فقدوا عقولهم تمامًا وهم يستمعون إلى الروعة التي تخلقها أصابعي من تلك الأوتار. كان من الممكن أن يجعلني هذا الحلم أتمرَّن على عزف الغيتار ساعات لا نهاية لها. وفي نظري، لم يكن مطروحًا أبدًا السؤال عما إذا كنت سأقف على المسرح يومًا ما وأعزف أمام ذلك الجمهور المذهول، بل متى يحدث ذلك.

ويكمل (مانسون):  

على الرغم من أحلامي كلها التي استمرت نصف فترة حياتي تقريبًا لم تثمر تلك الأحلام شيئًا في الواقع. ثم كان لا بد لي من وقت طويل وصراع كثير حتى أتوصل إلى السبب: أنا لا أريد هذا في حقيقة الأمر!

كنت أعيش “حالة حب” مع النتيجة التي أتخيلها؛ صورتي على خشبة المسرح، والناس يهللون لي، وأنا أعزف وأسكب قلبي في ما أعزفه. لكني لم أكن أعيش حالة الحب نفسها مع العملية التي يمكن أن توصلني إلى تلك النتيجة. وقد فشلت لهذا السبب.

فشلت مرة بعد مرة. بل إنني لم أكد أبذل في تلك المحاولات جهدًا كافيًا لأن أعتبر ما حدث لي فشلًا. حقيقة الأمر هي أنني لم أحاول محاولة جدّية أصلًا !سوف تخبرني الأدبيات الثقافية الشائعة بأنني خذلت نفسي على نحو ما، وبأنني شخص منسحب أو فاشل، وبأنني “لا أملك ما يلزم” للأمر، وبأنني تخليت عن حلمي.. ربما لأنني تركت نفسي أرضخ أمام ضغط المجتمع.

لكن الحقيقة مدهشة مثيرة للاهتمام أكثر من هذه التفسيرات كلها.الحقيقة هي: ظننت أنني أريد شيئًا، لكن اتضح لي أنني لا أريده. انتهت الحكاية. لقد أردت النتيجة ولم أرد الصراع من أجلها. أردت النتيجة ولم أرد العملية المفضية إليها.

لم أكن واقعًا في حب الكفاح من أجل تلك الغاية، بل كنت أحب النصر فقط. لا تسير الحياة على هذه الشاكلة.

تتحدد الإجابة على السؤال “من أنت؟” بما أنت مستعد للصراع من أجله. فالناس الذي يستمتعون بالصراع في ميادين التمرينات الرياضية هم الأشخاص القادرون على المشاركة في المسابقات الثلاثية، الجري والسباحة وركوب الدراجات، والذي يمتلكون أجسامًا منحوتة نحتًا، يستطيعون رفع أثقال ضخمة. كما أن الناس يستمتعون بساعات العمل الطويلة وبسياسات السلم الوظيفي في المؤسسات، هم الأشخاص الذين يطيرون إلى أعلى ذلك السلم طيرانًا. والناس الذين يستمتعون بتوترات الحياة الفنية وحالات الجوع وعدم اليقين فيها هن من يعيشونها حقًا ويتوصلون إلى النجاح فيها آخر الأمر.

لا علاقة لهذا الكلام بقوة الإرادة ولا بالمثابرة والجَلَد. وما أقوله هنا ليس نصيحة جديدة من نوع “لا فوز من غير مشقة”. هذه أبسط مكوّنات الحياة وأكثرها أساسية: صراعاتنا تحدد نجاحاتنا. ومشاكلنا تلد سعادتنا، وإلى جانبها تلد أيضًا مشكلات أفضل قليلًا.إنه مسار حلزوني صاعد لا ينتهي. وإذا ظننت في أي نقطة من ذلك المسار أن في وسعك أن تتوقف عن تسلقه، فأخشى أنك لم تفهم شيئًا.

أقول هذا لأن المتعة الحقيقية كامنة في التسلق نفسه.  

ختامًا؛ يرى (مانسون) أن الألم بإختصار هو سر الوجود.
فإن كنت تتألم لآجل شيءِ ما .. إذاّ أنت موجود!

عن سر السعادة عند ألفريد هتشكوك

هتشكوك

السير ألفريد جوزيف هتشكوك (13 أغسطس 1899 – 29أبريل 1980) منتج ومخرج أفلام إنجليزي، كان رائداً في العديد من التقنيات والتشويق والإثارة النفسية في الأفلام، بعد نجاحه في السينما البريطانية في كلٍ من الأفلام الصامتة والأفلام الصوتية في وقت مبكر عُرف بكونه أفضل مخرج إنجليزي، انتقل إلى هوليود عام 1939 ،وأصبح مواطنا أمريكيا في عام 1955.

هي تلك الأشياء الخلّاقة .. أما الكره، فطاقة مُهدرة.

ما برحَ الكشفُ عن سرّ السعادة وأهدافها يكون الرغبةَ الأسمى، فلا زلنا نتعقبها بحماسة غير منقطعة بالبحث في علومها وخصائصها وتطبيقاتها العملية.
وفي هذا المقطع القصير المليء بالحكمة والفصاحة والذي كان خلال مقابلة مؤرشفة، يعرّف (هيتشكوك) العظيم السعادة بتعريف خاص، تعريفٌ لامس قلبي شخصيا، وهو يدعو الأذهان إلى نوع من التأمل في وجود التسامح وعدمه.
وفي هذه التوليفة الرائقة التي  تجمع بين المشاعر الحساسة والإيمان الراسخ المستحقِّ لكل احترام، يقول:

هي أفقٌ واضح. لا شيء فيها يدعو للارتياب، فهي كل الأشياء الخلاقة البناءة.
لا طاقة لي بالخصام، ولا يمكنني تحمّل ذلك الإحساس، وأعتقد أن الكره طاقة مهدرة، وبلا جدوى. أنا إنسان حساس جدا، إذ بإمكان أي كلمة قاسية تُقال – خاصة إن كانت من شخص قريب لقلبي- أن تجرحني لأيام.
وإنني أعلم يقينًا أننا لسنا سوى بشر نمرُّ بهذه المشاعر المختلفة التي يسمونها “المشاعر السلبية“، ولكنكَ فور عبورها، ستكون متطلعاً، سيتضح أمامك الطريق ، وعندها سوف تحقق شيئا ما، وإنني أؤمن أن تلك اللحظة هي أقصى سعادة يمكن أن تكون عليها على الإطلاق.

Continue Reading →

راسل: ألا تزال السعادة ممكنة؟

برتراند راسل

يطرح برتراند راسل (1872-1970) الفيلسوف وعالم منطق ورياضي، المؤرخ والناقد الاجتماعي البريطاني. هذا السؤال في الجزء الثاني “مسببات السعادة” من كتابه (انتصار السعادة)، والذي ترجمه إلى العربية (محمد قدرى عمارة).

فيقول (راسل):

السعادة نوعان رغم أنه بالطبع توجد درجات وسطى، النوعان اللذان أقصدهما يمكن تميزهما على أحدهما بسيط والآخر وهمي، أو أن أحدهما حيواني والآخر روحاني، أو أن أحدهما للقلب والآخر للرأس.

ولعل أبسط طريق لوصف الفرق بين النوعين من السعادة هو القول بأن نوعاً منهما متاح لأي إنسان بينما النوع الآخر متاح للذين يمكنهم القراءة والكتابة فقط، فعندما كنت صبياً عرفت رجل كان يتفجر سعادة وكان عمله هو حفر الآبار، ولقد كان طويلا جداً وله عضلات غير معقولة، ولم يكن يستطيع القراءة أو الكتابة، وعندما سمح له في عام 1885 بالإدلاء بصوته في انتخابات البرلمان علم لأول مرة بوجود مثل هذه المؤسسات. لم تعتمد سعادته على مصادر فكرية، ولم ترتكز على الاعتقاد في القانون الطبيعي، أو كمال الأنواع أو ملكية العامة للمنافع العامة أو الانتصار الحتمي للسبتيين أو لأي من الطوائف الأخرى، وهى الأمور التي يعتبرها المفكرون ضرورية لاستمتاعهم بالحياة، كانت سعادته تعتمد على القوة البدنية، والكفاية من العمل، وفي التغلب على العقبات غير المنيعة في صورة صخرة.

فمتع الإنجاز تتطلب صعوبات تجعل النجاح يبدو في البداية أمراً مشكوكاً فيه رغم أنه عادة ما يتم الوصول إليه في النهاية.

وفي إمكانية السعادة بين رجل العلم والفنان والأديب يقول:

أكثر القطاعات المتعلمة تعليماً راقياً في المجتمع إحساساً بالسعادة هم رجال العلم. فكثير من رجال العلم البارزين بسطاء عاطفياً ويحصلون من عملهم على إشباع يكون عميقاً لدرجة أنهم يستطيعون أن يجدوا متعة في الطعام وحتى في الزواج. والفنانون والأدباء يعتبرون أنه من المؤكد ألا يكووا سعداء في زواجهم بينما رجال العلم فعادة ما يظلوا قادرين على الاستمتاع بنعمة الحياة العائلية قديمة الطراز.

وتتحقق كل شروط السعادة في حياة رجل العلم، فلديه النشاط الذى يستغل طاقاته بكاملها، ويصل إلى نتائج تبدو مهمة ليس له فقط ولكن للجمهور العام حتى لو لم يتمكن من فهمها بأدنى درجة، وهو في ذلك يعد أكثر حظا من الفنان، فعندما لا يفهم أفراد الجمهور لوحة أو قصيدة، يقررون أنها لوحة أو قصيدة رديئة، أما عندما لا يفهمون النظرية النسبية فإنهم يستنتجون -صواباً- أن تعليمهم لم يكن كافياً.

وليس العلماء الأفذاذ فقط هم الذين يستمدون المتعة من العمل، ولا رجال الدولة القياديين فقط هم الذين يستمدون المتعة من دفاعهم عن قضية ما. فمتعة العمل متاحة لكل فرد يستطيع تنمية مهارة متخصصة بشرط أن يستطيع الحصول على الإشباع من ممارسة مهارته دون الرغبة في حصول على الاستحسان العام.

ويعد الإيمان بقضية ما من مصادر السعادة لأعداد كبيرة من الناس. أنا لا أفكر فقط في الثوريين أو الاشتراكيين أو الوطنيين فى الدول المقهورة ومن على شاكلتهم ولكنى أفكر أيضاً في كثير من المعتقدات الأقل تواضعاً.

وليست التقليعات والهوايات في كثير، وربما أغلب الحالات، مصدراً للسعادة الأصلية، وإنما وسائل للهروب من الواقع والنسيان للحظات لبعض الألم الذى تعصب مواجهته. أما السعادة الأصلية فتعتمد أكثر من أي شىء آخر  على ما يسمى بالاهتمام الودى بالأشخاص وبالأشياء.

الاهتمام بالآخرين وحبّهم شكل من أشكال السعادة:

فالاهتمام الودى بالأشخاص شكل من أشكال المحبة ولكنه ليس بالشكل المتثبت والمستحوذ والذى يتطلب دائماً الاستجابة الملفتة. فهذا الشكل الأخير كثيرا جداً ما يكون مصدرا للتعاسة. أما الطراز الذى يؤدى إلى السعادة، فهو الطراز الذى يحب مراقبة الناس ويجد المتعة في تتبع صفاتهم الفردية، ويرغب فى توفير مجال الاهتمامات وسرور أولئك الذين يصبح على علاقة بهم دونما أن يطلب اكتساب سلطة عليهم أو تحقيق إعجابهم الحماسي به.

فالاهتمام بالآخرين وحبهم عند راسل: “يجب أن يكون كل ذلك طبيعياً وألا ينبثق من فكرة التضحية بالذات التي يحتمها  الإحساس بالواجب. فالإحساس بالواجب يكون مفيداً في العمل ولكنه يكون عدائياً في العلاقات الشخصية. فالناس يرغبون في أن يكونوا محبوبين وليسو محتملين باستسلام صبور، وربما كان حب كثير من الناس تلقائياً وبدون مجهود أعظم مصادر السعادة الشخصية”.

سر السعادة هو الآتى:

اجعل اهتماماتك واسعة قدر الإمكان واجعل ردود أفعالك ودودة لا عدائية بأقصى درجة ممكنة تجاه الأشياء والأشخاص الذين يهمونك.

فالشخص غير السعيد، كقاعدة عامة، سوف يتبنى عقيدة غير سعيدة بينما الشخص السعيد سيتبنى عقيدة سعيدة، وكل منهما يرجع سعادته أو تعاسته إلى معتقداته بينما يكون المسبب الحقيقى هو عكس ذلك، فلا غنى عن أمور معينة لسعادة معظم الناس وإن كانت أمور بسيطة: الغذاء والمأوى، الصحة، الحب، العمل الناجح واحترام الفرد لقومه.

هل يُعارض العقل العاطفة؟ راسل يتساءل

برتراند راسل

برتراند أرثر ويليام راسل (1872 – 1970) إيرل راسل الثالث، فيلسوف وعالم منطق ورياضي ومؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في كتابه (انتصار السعادة)، وبعدما سرد عدة مسببات للسعادة، ومثلها للتعاسة، بدأ في التساؤل الشهير، عمّا إذا كان العقل معارضًا للقلب، أو أن العقلانية تحارب العاطفة. يقول مجيبًا:

يوجد في كثير من الناس كراهية للعقلانية، وأينما وجدت هذه الكراهة فستبدو الأمور التي تحدثت عنها عديمة الصلة بالموضوع وعديمة الأهمية. هناك الاعتقاد بأنه إذا سُمح للعقلانية أن تعمل بحرية فستقتل العواطف العميقة كلها. هذا الاعتقاد يبدو لي راجعًا إلى التصور الخاطئ تمامًا لوظيفة العقل في الحياة الإنسانية، فدور العقل ليس هو إنتاج العواطف، رغم أن اكتشاف الطرق التي تمنع هذه العواطف من أن تكون عقبة في سبيل رفاهية الإنسان قد يعد جزءًا من وظيفته. فإيجاد الطرق الكفيلة بتقليص الحقد والحسد إلى حدهما الأدنى هو بلا شك جزء من وظيفة السيكلوجية العقلانية. ولكن من الخطأ افتراض أنه بتقليص هذه الأحاسيس فإن قوة العواطف التي لا يرفضها العقل ستقل هي الأخرى. ففي الحب الملتهب، وفي المشاعر الأبوية، وفي الصداقة، وفي الإحسان، وفي الولاء للعلم أو الفن عواطف لا يوجد بينها ما يرغب العقل في تقليصه. فالرجل الرشيد عندما يحس بأي من هذه العواطف سيكون سعيدًا لإحساسه بها، ولن يفعل ما يقلل من قوتها لأن كل هذه العواطف تعد من مكونات الحياة الطيّبة، تلك الحياة التي نسعى فيها لإسعاد النفس والآخرين. فلا يوجد ما هو غير عقلاني في العواطف بصفة عامة، فكثير من اللاعقلانيين يحسون بأكثر العواطف تفاهة. ولا يجب أن يخشى أية إنسان من أنه عندما يجعل نفسه عقلانيًا فإنه قد يجعل بذلك حياته كئيبة. فعلى العكس، فلأن العقلانية تتكون أساساً من الانسجام الداخلي، فالفرد الذي يصل إليها يكون أكثر حرية في تصوراته عن العالم، وفي استخدامه لطاقاته في الوصول إلى الأغراض الخارجية، عن الإنسان الذي تعوقه دائمًا الصراعات الداخلية. فلا شيء أكثر كآبة من أن يتحوصل الإنسان في ذاته، ولا شيء أكثر إبهاجًا من توجيه الاهتمامات والطاقة إلى الخارج.

الألم مُحفز للتغيير، برأي أندرو ماثيوز

Andrew Mathews

(أندرو ماثيوز) كاتب ومحاضر في مجال تطوير الذات ورسام كاريكتير محترف. درس في (رابطة طلاب الفنون الجميلة) بنيويورك. تتميز كتبه بالبساطة وتقديم الحلول العملية، كما أنها تحتوي على العديد من الرسوم الكاريكاتيرية التي تجعلها أكثر جاذبية ومتعة. حققت كتبه أفضل مبيعات في أمريكا وأروبا وأستراليا، كما تُرجمت إلى 42 لغة. في كتاب (كن سعيدا ً) قدم ماثيوز بلغة سهلة نصائح حياتية شاملة ومتنوعة تتخللها أمثلة وقصص واقعية تُساعد القارئ على فهم نفسه وتوجيهها، حتى يرى الأمور بطريقة إيجابية أكثر.

Being Happy

أحد المواضيع التي تحدث عنها ماثيوز في كتابه (كن سعيدا ً) هو الألم. وهو شعور لابد أن يتعرض له الانسان في حياته، وسواء كان الألم عضوي أو عاطفي فإن له جانب إيجابي. نظرة الانسان الى الألم وطريقته في التعامل معه تختلف من شخص الى أخر والتنبه الى الجانب الإيجابي من الألم هو أمر صعب.

إذا كنت تتحاور مع (جون براون) بعد أن أمضى الساعة ونصف الساعة عند طبيب الأسنان وقلت له: “أليس الألم شيئا ً رائعا ً” فربما يشك جون وقتها في أنك مجنون. وبنفس الطريقة، إذا كنت في المطبخ وحرقت إصبعك فربما يكون من الصعب أن تُقَدر مدى إيجابية هذا الألم.

ولكن دعنا نفترض أنك لم تشعر بالألم على الإطلاق فمن الممكن أن تستند إلى سطح ساخن لمدة عشرين دقيقة ولا تشعر بذلك إلا بعد أن تستدير وترى أن ذراعك قد أصبحت متفحمة. فإذا لم تكن تشعر بالألم فمن الممكن أن تصل الى البيت من العمل وعند انحنائك لتخلع حذاءك تقول: “يا إلهي! لقد فقدت نصف قدمي اليسرى. لابد أنها قطعت في مكان ما. هل فقدتها عند باب المصعد أم أن هذا له علاقة بكلب جاري (الدوبر مان)؟ اعتقد أني لم أكن أمشي بطريقتي المعتادة هذا المساء“.
إن الألم العضوي له ناحية إيجابية. فهو تغذية استرجاعية مستمرة؛ لتخبرنا بما يجب أن نفعله وما لا يجب أن نفعله.
فعندما نفرط في تناول الطعام أو لم نستطع أخذ قسط كافٍ من النوم أو إذا كنا نشعر ببعض الإرهاق أو 11أصبنا بكسر ونحتاج إلى الراحة. فإن نظامنا الذاتي الرائع سوف يطلق جرس إنذار لندرك ذلك.
وينطبق هذا على تجاربنا العاطفية المؤلمة. فإذا جُرحت عواطفنا؛ تَصلنا رسالة معلنة عن حاجتنا لتغيير مسارنا أو حاجتنا لرؤية الأشياء من منظور مختلف. وإذا جُرحت مشاعرنا، وخذلنا شخص ما مقرب لنا في الحياة فقد تكون الرسالة وقتها: “أحب هؤلاء الأشخاص في حياتك دون أن تنتظر منهم شيئا ً، وتقبلهم على حالهم، ولتأخذ منهم فقط ما يريدون إعطاءك إياه دون اعتراض أو طلب المزيد“. وقد تكون الرسالة البديلة لهذه: “لا تدع تصرفات الأخرين تؤثر على تقديرك لذاتك.

التعلم من التجارب المؤلمة هو طريق للتغيير الإيجابي.

إذا احترق منزلك أو سرق أحدهم سيارتك فسوف تشعر بأحاسيس مزعجة. فهذا أمر طبيعي ويشعر به البشر كافة. وإذا اخترت أن تتعلم من الموقف فستعرف جيدًا أنه يمكنك أن تحيا في سعادة دون هذه الأشياء التي كنت مرتبطًا بها للغاية؛ فمثل هذه التجارب العاطفية يمكن ان تعيد ترتيب أولوياتك في الحياة. ولا أعني بذلك أنه يجب أن نعيش بلا منازل أو بلا سيارات. ولكن ما أريد قوله هو أن الأشخاص الناجحين هم الذين يتعلمون من مثل هذه التجارب، ويعيدون ترتيب أنفسهم ليتماشى ذلك مع الوضع الجديد، وبهذا تصبح الشدائد أقل ألمًا.

الخلاصة

2

إن الألم يجعلنا نتأمل ونفكر، فهو يغير اتجاهانا ويحثنا على أن ننظر للأمور بشكل مختلف. فالألم العاطفي مثله مثل الألم الجسدي، فإذا تصرفنا بشكل غير لائق باستمرار، سوف نعرض أنفسنا بشكل مستمر للإيذاء. يمكن أن تقول: “حسنًا، لا يجب أن أتأثر بهذا، فأنا لا أريد أن أتأذى بذلك الأمر” ولكنه شيء مؤذ بالفعل. فهناك من يؤذون أنفسهم أربعًا وعشرين ساعة في اليوم وثلاثمائة وخمسة وستين يومًا في السنة. فهم لا يدركون أبدًا أنه قد حان الوقت ليبعدوا أيديهم عن هذه النيران التي تحرقهم.