أرشيف الوسم: السياسة

إتيان دو لابوَيسي وحديثه عن العبودية

 

إتيان دو لابويَسي (1530 – 1563) كاتب وقاضٍ فرنسي، كتب مقالة طويلة بعنوان “العبودية المختارة” بعمر السادسة عشر أو الثامنة عشر، ولم تنشر إلا عندما توفي بعمر الثاني والثلاثين. نشرها صديقه في كتاب يحمل عنوان المقالة.

يرى (إتيان دو لابويَسي) أن السبب الأول لقبول الناس بالعبودية طواعيةً هو أنهم يولدون مستعبدين وينشأون على ذلك.

إن طبيعة الإنسان أن يكون حرًا، وأن يرغب في أن يكون حرًا، غير أن من طبيعته أيضًا أن يتطبع بما تربّى عليه. من أجل ذلك كانت العادة هي السبب الأول للعبودية المختارة.

يذكر (دو لابويسَي) في مقالته أن ضعف البشر وخدمتهم للطاغية من جملة الأسباب أيضًا، يقول:

إن نقطة الضعف فينا، نحن البشر، هي أنه يتوجب علينا في معظم الأحيان أن نخضع للقوة، وأن نُسّوف، وأننا لا نستطيع أن نكون الأقوياء دائمًا.

ويقول آيضًا:

الشعوب هي التي تُسلس القياد لمضطهدها لأنها لو كفت عن خدمته لضمنت خلاصها.

ويتابع:

إن الشعب هو الذي يَسْترق نفسه بنفسه، وهو الذي يذبح نفسه بيده إذ لمّا كان يملك الخيار بين أن يكون عبدًا أو يكون حرًا، تخلى عن حريته ووضع القيد في عُنقه، إرضاء للطاغية. إن الشعب هو الذي رضى ببؤسه، لا بل يسعى وراءه.

ويشرح كيف يكون الانغماس في الفن والترفيه سببًا في سقوط الشعوب في فخ العبودية:

إن المسارح، والألعاب، والمساخر، والمشاهد، والبهائم الغريبة، والأوسمة، واللوحات والأشياء الأخرى من هذا القبيل كانت أشكالاً من الطعوم لإبقاء الشعوب القديمة في فخ العبودية، وثمن حريتها، وأدوات الطغيان. وكان الطغاة القدامى يمتلكون هذه الوسيلة، وهذه الممارسة، وهذه المغريات، لتنويم رعاياهم تحت النير، وكانت الشعوب المخبّلة، وقد أعجبتها هذه التسالي، واستمتعت بلذة تافهة تمرّر أمام أعينها تألف الخدمة بسذاجة الأطفال الذين تبهرهم الكتب المصورة فيحاولون قراءة أحرفها ولكن على نحو أسوأ.

ويرى أن الحرية فطرة إنسانية في البشر وهي من أعظم حقوقه لذا يضحي الإنسان من أجلها بأغلى مايملك في سبيل كسر أغلال الاستعباد، يقول:

الناس جميعًا، مادام لديهم شيء من الإنسان لا يستسلمون للعبودية على وجه التحقيق إلا في حالة من اثنتين: إما أن يكونوا مُكرهين وإما مخدوعين.

وفي موضع آخر، يقول:

البعض لو اضمحلّت الحرية عن وجه الأرض ولم يبق منها أثر لتخيّلوها وأحسّوا بها في عقولهم، والتذوا بتذوقها، ولما استساغوا طعم العبودية مهما زُيّنت لهم.

تحليل الإعلام عند نعوم تشومسكي

أفرام نعوم تُشُومِسْكِي (1928 – الآن). هو أستاذ لسانيات وفيلسوف أمريكي، إضافة إلى أنه عالم إدراكي وعالم بالمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. إلى جانب. صُوت له كـ“أبرز مثقفي العالم” في استطلاع للرأي عام 2005. يوصف (تشومسكي) أيضاً بأنه “أب علم اللسانيات الحديث”. اشتهر بنقده للسياسة الخارجية للولايات المتحدة ورأسمالية الدولة ووسائل الإعلام الإخبارية العامة.

في كتابه (السيطرة على الإعلام)، والذي ترجمته الأستاذة (أميمة عبد اللطيف)، يعرض (تشومسكي) الإعلام كآلة توظّفها الدولة لتوجيه آراء العامة بشكل رئيسي، ممهدةً بذلك أرضية أكثر مرونة لقبول وتبنّي القرارات والإجراءات التي سيتم اتباعها لاحقاً من الدولة في الإدارة.

يستهل (تشومسكي) كتابه بالتفريق بين مفهومي الديموقراطية الرئيسيين؛ فأحدهما نظرية كلاسيكية لا يتم تطبيقها نسبياً، والآخر مفهوم نظري له تطبيقاته العملية المتجذرة في التاريخ والاكثر شيوعاً.

يدفعنا الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في شؤون السياسة المعاصرة إلى طرح تساؤلات حول ماهية العالم والمجتمع الذي نرغب في العيش به، وعلى وجه الخصوص في أي صورة من الديموقراطية نريد لهذا المجتمع أن يكون ديموقراطياً. لنبدأ أولاً بطرح مفهومين أو تعريفين مختلفين للديموقراطية. المفهوم الأول يعتبر أن المجتمع الديموقراطي هو الذي يملك فيه العامة، الجمهور، الوسائل اللازمة للمشاركة الفعالة في إدارة شؤونهم، وأن تكون وسائل الإعلام منفتحة وحرة. إذا بحثت عن المعنى اللغوي لكلمة الديموقراطية قي القاموس، فستجد ذات التعريف. أما المفهوم الآخر للديموقراطية، فهو أن يُمنع العامة من إدارة شؤونهم وكذا من إدارة وسائل الإعلام التي يجب أن تظل تحت السيطرة المتشددة. وقد يبدو هذا مفهوماً مستهجناً أو شاذاً للديموقراطية، ولكن من المهم بمكان فهم أن ذلك هو المفهوم الحاكم. وفي واقع الأمر هو ليس فقط المفهوم المعمول به فعلياً لفترات طويلة ولكنه أيضاً له أساس من الناحية النظرية.

ويعرض تطبيق تاريخي المفهوم الثاني؛ وهو أول عملية دعائية حكومية “البروباغندا”في العصر الحديث، والتي تعمل في الوقت نفسه كوجه ديموقراطي؛ حيث تم مأسسة الإعلام كأداة فاعلة في توجيه العامة والتلاعب بهم، ودورها المهم في إعادة عجن وصياغة الآراء حسبما تقتضيه الحاجة؛ حاجة مؤسسة رجال الأعمال التي تملك القوة.

سأوضح كيف تطورت فكرة الديموقراطية وكيف نقدّم مشكلة وسائل الإعلام والتضليل المعلوماتي ضمن هذا السياق؟ لنبدأ أولاً بالإشارة إلى أول عملية دعائية حكومية في العصر الحديث، حيث كانت أثناء إدارة الرئيس (وودرو ويلسون) الذي انتخب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1916م، وفق برنامج انتخابي بعنوان “سلام بدون نصر”، وكان ذلك في منتصف الحرب العالمية الأولى.

في تلك الأثناء كان المواطنون مسالمين لأقصى الدرجات، ولم يروا سبباً للانخراط والتورط في حرب أوروبية بالأساس. بينما كان على إدارة (ويلسون) التزامات تجاه الحرب، ومن ثم كان عليها فعل شيء ما حيال هذا الأمر. فقامت الإدارة بإنشاء لجنة للدعاية الحكومية أطلق عليها “لجنة كريل” وقد نجحت هذا اللجنة خلال ستة أشهر في تحويل المواطنين المسالمين إلى مواطنين تتملكهم الهيستيريا والتعطش للحرب، والرغبة في تدمير كل ما هو ألماني وخوض حرب وإنقاذ العالم!

كان هذا الأمر بمثابة إنجاز هائل، وقد أدى بدوره لإنجاز آخر؛ ذلك أنه بعد أن وضعت الحرب أوزارها، تم توظيف ذات التكتيك لإثارة هيستيريا ضد الرعب الشيوعي. كما كان يطلق عليه. وقد نجحت إلى حد كبير في تدمير الاتحادات العمالية والقضاء على بعض المشكلات الخطيرة، مثل حرية الصحافة وحرية الفكر السياسي، وكان هناك تأييد قوى من قبل وسائل الإعلام، وكذلك من قبل مؤسسة رجال الأعمال التي نظمت بل وشجعت جل هذا العمل، وكان بصفة عامة نجاحاً عظيماً.

تناول أيضاً (تشومسكي) واحدة من أشهر النظريات التي أسسها (ليپمان)، وهو عميد الصفحيين الأمريكيين وواحد من أهم محللي السياسة الخارجية ومنظري اللليبرالية، وهي نظرية “الثورة في فن الديموقراطية.

…كما وأن (ليپمان) كان منخرطاً في لجان الدعاية واعترف بإنجازاتها. وذكر ما أسماه بالثورة في فن الديموقراطية يمكن تطويعه لخدمة ما وصفه بتصنيع الإجماع؛ بمعنى جعل الرأي العام يوافق على أمور لا يرغبها بالأساس عن طريق استخدام وسائل دعائية. كما وأن (ليپمان) رأى بأن هذه فكر جيدة بل وضرورية. وكانت كذلك لأن-من وجهة نظره- المصالح العامة كفيلة تماماً بخداع الرأي العام، ويمكن فهمها وإدارتها فقط بواسطة “طبقة متخصصة” من الرجال المسؤولين الذين يتمتعون بدرجة من الذكاء تتيح لهم فهم وإدراك الأمور. هذه النظرية تؤكد أن نخبة صغيرة من مجتمع المفكرين الذي أشار إليه أصحاب (دبوى) من قبل – فقط بإمكانها فهم وإدراك ماهية المصالح العامة، ومن ثم تقرير الأمورالتي من شأنها أن تعنينا جميعاً، وأن يروا بأن هذه الأمور من شأنها أن تضلل الرأي العام. وجهة النظر تلك لست بجديدة، فهي تعود لمئات السنين، وهي كذلك وجهة نظر لينينية بحتة. وفي حقيقة الأمر هي مطابقة لمبدأ (لينين) القائل بأن طلائع المفكرين الثوريين لا بد وأن تستولي على السلطة عن طريق توظيف ثورات شعبية كإحدى الوسائل التي من شأنها أن تدفع بهم إلى سدة الحكم، ثم دفع الجماهير الغبية الدهماء باتجاه مستقبل غير قادرين أو مؤهلين لفهمه، أو وضع تصور له “لشدة غبائهم وعدم أهليتهم لفعل ذلك”.

ووفقاً لهذه النظرية يوضح مهام ووظائف كل طبقة تبعاً لمكانها في دائرة القرارات

وقد دعم (ليپمان) هذا التجاه بتقديم نظرية مفصلة عن الديمقراطية التقدمية، حيث يفتر بأنه في مناخ ديموقراطي سليم، يصنف المواطنين إلى طبقات. فهناك أولاً طبقة من المواطنين لا بد وأن تقوم بدور فعال في إدارة شؤون العامة، هذه هي الطبقة المتخصصة وهم الذين يحللون وينفذون ويصنعون القرارات ويديرون الأمور في النظم السياسية والاقتصادية والايدولوجية، وهي نسبة ضئيلة من السكان، وبطبيعة الحال فإن الشخص الذي من شأنه أن يضع تلك الأفكار لا بد وأن يكون عضواً في تلك المجموعة الصغيرة وهم يتناقشون عما يمكن فعله مع “تلك البقية الأخرى” “أولئك الأخرين”.وهؤلاء الآخرون هم من ليسوا في زمرة المجموعة الصغيرة، وهم الغالبية العظمى من السكان والذين يصفهم (ليپمان) بأنهم “القطيع الحائر أو الضال” ويقول بأننا يجب أن نحمي أنفسنا من وقع أقدام وزئير هذا القطيع. إذن هناك وظيفتان في النظم الديموقراطية: الوظيفة الأول منوط بها الطبقة المتخصصة، الرجال المسؤولون يقومون بالتفكير وفهم التخطيط لمصالح العامة، ثم هناك أيضاً القطيع الضال! بيد أنه وفق ذلك التحليل، فإن هذا القطيع أيضاً يتمتع بوظيفة ما في النظام الديموقراطي، تلك الوظيفة -حسب تصور (ليپمان)- تتمثل في كونهم مشاهدين وليسوا مشاركين في الفعل. هناك وظيفة أخرى بالإضافة لتلك المشاهدة من قبل القطيع؛ نظراً لأنه نظام ديموقراطي في التحليل النهائي، فمن وقت لآخر يُسمح لهذا القطيع بتأييد أحد أفراد الطبقة المتخصصة، بمعنى آخر يسمح لهم بالقول “نحن نريدك قائداً لنا” ذلك لأنها ديموقراطية وليست نظاماً شمولياً، وهذا ما يُطلق عليه “الانتخابات”، ولكن بعد أن يلقوا بثقلهم خلف عضو أو آخر، من الطبقة المتخصصة، ومن المفترض أن يعودوا أدراجهم على الفور ويصبحوا مشاهدين لا مشاركين للأفعال. هذا ما يجب أن يحدث في نظام ديموقراطي سليم!

أما عن العلاقات العامة فيقول:

العاملون في مجال العلاقات العامة ليسوا هناك للترفيه. هم يقومون بعمل جاد، ذلك أنهم يحاولون تلقين القيم الصحيحة –وفق رؤيتهم هم. بل في واقع الأمر لديهم تصور عما يجب أن تكون عليه الديموقراطية، حيث يجب أن تكون نظاماً يُسمح فيه للطبقة المتخصصة بالتدرب للعمل في خدمة السادة- أي أولئك الذين يملكون المجتمع- أما بقية المجتمع فيجب حرمانه من أي صورة من صور التنظيم، لأن التنظيم يثير المشاكل؛ حيث يجب أن يجلسوا بمفردهم أمام شاشات التلفزيون وأن يلقنوا رسالة مفادها أن القيمة الأساسية في الحياة هي أن يتوافر لديك أكبر كمية من السلع، أو أن تعيش مثل الطبقة الغنية المتوسطة التي تشاهدها، وأن تتبنى قيماً لطيفة مثل التناغم والهوية الأمريكية، هذا ما كل ما هنالك في الحياة.

وعن تشتيت العامة أو ما تم اعتباره سابقاً بالقطيع الضال عن قضايا ومشاكلية داخلية تمسّ حياتهم، فتم ابتكار تقنية يوجّه من خلالها انتباه العامة إلى فانتازيا من تأليف النخبة، التي تخطط و تنفذ:

بدلاً من الحديث عن الحرب الأخيرة فلنتحدث عن الحرب القادمة، لأنه أحياناً من المفيد أن تكون مستعداً بدلاً من أن تكون في حالة ردة الفعل، وهناك تطور متميز يحدث حالياً في الولايات المتحدة، وهي ليست أول دولة في العالم التي تمر بذلك، فهناك مشاكل محلية واقتصادية واجتماعية متزايدة، وربما في حقيقة الأمر ليست مشاكل وظغنما كوارث، ولا يوجد أحد في السلطة لديه حتى النية لعمل شيء ما حيال هذه المشاكل… وفي مثل هذه الظروف عليك أن تشتت القطيع الضال؛ لأنهم لو لاحظوا الأمر ربما لا يعجبهم بما أنهم هم الذين يعانون وربما أن مشاهداتهم لمباراة الدوري والمسلسلات القصيرة ليست بالأمر الكافي، عندئذ لا بد من إخافتهم من الأعداء.

العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، برأي حليم بركات

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، تطرّق إلى أنواع العلاقات الممكنة بين الكاتب والسلطة، أو المثقف والسلطة. فيقول مبتدئًا حديثه:

يمكننا، كما أرى، أن نميز العلاقات والمواقف التالية على الأقل:

(1) علاقة اللامبالاة: قد تسود في مجتمع ما علاقة اللا علاقة بين الكاتب والسلطة. في هذه الحالة لا تهتم السلطة بالكاتب، ولا يبدو أن الكاتب يقوم بمحاولات جادة لردم الهوة الفاصلة بينه وبين السلطة أو حتى لإقامة جسر بينه وبينها، فتقتصر علاقتهما على النواحي الثانوية وبطريقة غير مباشرة.

[…] يتمثل هذا النوع من العلاقة إلى حد بعيد بموقف الدولة اللبنانية من الكتابة ويتجاوب الكاتب اللبناني مع هذا الموقف. لا تهتم السلطات اللبنانية بشؤون الكتابة وقضاياها ولا تتأثد بها، ولا تتدخل بشؤونها. ويشعر الكاتب نتيجة ذلك أن بإمكانه أن يعبر عن آرائه بحرية ودون أي ضغط مصطنع. المجال فسيح أمامه للتحدث حول القضايا التي يريد. وإذا ما تدخلت السلطة بشؤونه يكون ذلك بضغط من إرادة خارج إرادتها. في الحالات القليلة التي تعرضت فيها الدولة اللبنانية للمفكرين أو لإنتاجهم، كما حدث تجاه (عبدالله القصيمي) و(صادق العظم) و(ليلى بعلبكي)، لم تكن الدولة هي المبتدئة بل إنها فعلت ذلك بضغط من فئات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها.

بعد ذلك ينتقل (حليم بركات) إلى النوع الثاني من العلاقة:

(2) علاقة الاضطهاد: هذه العلاقة هي عكس علاقة اللامبالاة في كثير من اتجاهاتها ومناحي تصرفها. إنها علاقة تصادم بين الكتّاب والسلطة تجعل هذه الأخيرة تلجأ إلى ممارسة الاضطهاد عن طريق السجن والنفي ومراقبة الكتاب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعرض مع أفكار الدولة.

[…] وإنني أميل إلى الاعتقاد أن الاضطهاد، ولا سيما ذلك النوع العنيف المباشر، يمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية كما سنرى في القسم اللاحق من هذه الدراسة. إن الدول الرجعية أكثر ميلًا إلى استعمال الاضطهاد المباشر لأسباب عديدة من أهمها أن هذه الدول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية. والسبب الأهم هو كون المفكرين أكثر الفئات إمكانية على التحرر من مصالح الطبقات التي ينتمون إليها وأشدها رغبة في تغيير المجتمع ومساندة الحركات اليسارية.

وفي حديثه عن هذا الشكل من العلاقة، ذكر نقطة مهمة:

من مميزات الكتابة في الدول العربية المحافظة، وخاصة في العراق في الخمسينات، أن الكتّاب يلجؤون إلى الرمز في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويميلون إلى تأليه الشعب والكتابة عن آلامه وحرمانه. لذلك بلغ أدب العراق في تلك الفترة درجة فنية رفيعة، وليس صدفة أن الشعر العربي الحديث انطلق بزخم من أرض العراق على أيدي أدباء عانوا الاضطهاد كـ(بدر شاكر السياب) و(عبدالوهاب البياتي) و(بلند الحيدري).

ثم ينتقل إلى النوع الثالث من العلاقات، والذي تمت الإشارة إليه مسبقًا:

(3) علاقة الوصاية: فيما تمارس الدول العربية الرجعية الاضطهاد، تمارس الدول العربية التقدمية الوصاية إزاء معظم الكتّاب وخاصة أولئك الذين يؤيدونها أو يشاركونها في أهدافها كما تمارس الاضطهاد في حالات نادرة إزاء الكتّاب الذين يناهضونها والذين ينتمون إلى أحزاب تعمل سرًا لتعديل الحكم أو تقويضه. لكن الطابع العام للعلاقة القائمة في الدول العربية التقدمية كمصر وسوريا والجزائر والعراق، هو طابع الوصاية.

[…] طبعًا، لم تتمكن الدول العربية التقدمية من أن تقيم وصايتها على جميع الكتّاب فيها. هناك الذين اختاروا النفي إلى الخارج، والذين اختاروا العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنّهم، والذين اختاروا الصمت والموت البطيء، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة والاتجاهات السائدة سرًا فكان مصير بعضهم الاضطهاد المباشر العنيف واللامباشر النفسي.

وأخيرًا، يتحدث عن الشكل الأخير للعلاقة، فيقول:

(4) علاقة المشاركة: هناك أخيرًا علاقة المشاركة الحرة التي يمارس فيها الكاتب دوره الفعال في تقرير مصير المجتمع وفي إنماء طاقاته الفنية دون رهبة من قصاص أو اعتداء على حقوقه المدنية. قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد. هناك، بكلام آخر، مناخ عام يساعد على قيام حوار حر دائم بين السلطة والكاتب. والدولة ليست لا مبالية تجاه الثقافة والفكر، بل ترى من مهماتها الأساسية رفع مستوى الثقافة العامة ونشر العلم ومساعدته عن طريق توفير المدارس والجامعات ومؤسسات الأبحاث وتسهيل التبادل الثقافي مع المجتمعات الأخرى. كذلك ترى من واجباتها توفير مجالات الاتصال الدائم بالتيارات الفكرية والاستفادة من آرائها، والمحافظة على حقوق المفكرين وحريتهم أكانوا مؤيدين أم معارضين.

التعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا

راسل جاكوبي

ظهر مصطلح التعددية الثقافية في الولايات المتحدة خلال الثمانينيات للإشارة إلى مجتمع مثالي مبني على ثقافات متنوعة قائمة على الاعتراف والتعايش فيما بينها. المفكر الأميركي (راسل جاكوبي) 1945. أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا. في كتابه (نهاية اليوتيوبيا) يقول أن اختفاء الإيمان الطوباوي يفسد الحياة الشخصية والسياسية. في فصل خرافة التعددية الثقافية يقول:

إن التعددية الثقافية تقوم أيضاً بسد ثغرة ثقافية، فالليبراليون واليساريون قد جُردوا من اللغة الراديكالية، والأمل اليوتيوبي، وتراجعوا باسم أنهم يتقدمون للاحتفال بالتنوع. ولأن لديهم أفكار قليلة حول الكيفية التي يتشكل بها المستقبل، فقد احتضنوا كل الأفكار، زمن ثم يصبح التعدد هو السلة التي تحتوي كل شيء بداية الفكر السياسي ونهايته، وحين يلبس ثياب التعددية الثقافية يصبح أفيون المثقفين الواهمين، أيديولوجية عصر بلا أيديولوجية.
والمسألة ليست التعددية الثقافية ذاتها، فأفكار التنوع، وأقاربها: التعددية، والاختلاف، والكثرة الثقافية، والتعددية الثقافية، ليست أفكارا خاطئة ولا هي محل اعتراض، على العكس، هي أفكار صحيحة وذات جاذبية، والاختلاف والتنوع يميزان العوالم الطبيعية والفيزيقية والثقافية، ونحن عادة ما نبتهج للاختلافات أكثر من التماثل، ومعظم الناس، وربما معظم الفلاسفة كذلك، يفضلون التعدد والاختلاف على الكلية والإطلاقية.

ويبين إشكالية المصطلح فيقول:

من السهل أن تفقد التعددية الثقافية مدلولاتها. مدفوعة بفهم تجريدي “للثقافة” وفهم “شكلاني” للتعدد، تؤدي التعددية الثقافية إلى نشوء برامج وأفكار تقع بعيداً كل البعد وراء التطورات الاجتماعية والاقتصادية. مئات المقالات عن “الهوية الثقافية” تطرح إحالات إلى (دريدا) و(فوكو)، ومردودها محدود حول موضوعها، ومناقشات لا تنتهي حول التعددية الثقافية تنطلق من افتراض يفتقد الإثبات بإن ثقافات عدة متميزة تكوِّن المجتمع الأمريكي.
وقلة من المؤرخين والمراقبين فقط هم الذين يفكرون بأن العكس يمكن أن يكون صحيحا، بإن العالم والولايات المتحدة يمضون من دون توقف نحو التماثل الثقافي، لا الاختلاف. وعلى التفكير الجاد في قضية التعدد الثقافي أن يضع في اعتباره -على الاقل- تلك القوى التي تدفع -دون هوادة- نحو التجانس الثقافي، وأن يطرح الأسئلة “كيف يمكن أن يوجد التعدد في إطار التماثل؟”، “ما إمكان قيام ثقافات متعددة داخل مجتمع استهلاكي واحد؟” وأن تطرح السؤال يعني -جزئياً- أن تجيب عنه، لأن من الممكن أن يكون التنوع الثقافي والتجانس الاجتماعي مرتبطين على نحو معكوس. وقد تنشأ الدعوة إلى الهوية الثقافية كردة فعل لانطفائها.
أعان المفهوم المرن للثقافة على تقويض التعصب والتركز حول العنصر […] لكن الجدوى الاجتماعية لا تعادل الحقيقة. وثمة صك نظري لم يُدفع، وعلى مر السنين تصاعدت تكلفته. إن الرجوع إلى مفهوم تراتبي للثقافة أمر غير مطلوب، لكن التقدم نحو شيء من الدقة والتحديد قد يكون مطلوبا. مالم نضع في الاعتبار ما يميز ثقافة عن اخرى، سيهوي الحديث عن التعددية إلى مهاوي الخرافات والأوهام، وإذا كنا لا نستطيع أن نحدد ما يميّيز ثقافة ما، فكيف يمكننا أن نفهم العلاقة بين ثقافتين أو أكثر، أو التعددية الثقافية؟ ولنضع الأمر على وجهه الصريح: إن التعددية الثقافية تقوم على أصل ثقافي، هو الرفض أو العجز عن تحديد ما الذي يشكل الثقافة.
في ظل هذه الهزيمة النظرية، اتسمت الثقافة بطابع ذاتي أو شخصي، أصبحت الثقافة هي ما تريد أي جماعة أو أي باحث أن تكون. ولا أحد يجادل في أي جماعة من الناس تشكل ثقافة مستقلة. في الوقت ذاته، فإن الرطانة حول التنوع الثقافي تؤدي إلى تعتيم الحقائق الاجتماعية والاقتصادية، بإن تجعلها إما غير ذات دلالة وإما غير مهمه. فالقائلون بالتعددية الثقافية ينظرون إلى الثقافة وحدها، ولا يكادون يلقون بالا للحاجات والشؤون الاقتصادية. وكيف يمكن للثقافة أن تتغذى وتبقى بعيدا عن العمل وإنتاج الثروة؟ وإذا كان هذا غير ممكن: كيف يمكن فهم الثقافة دون أن نضع في الإعتبار تشابكها والحقائق الاقتصادية؟
إذا وضع الهيكل الاقتصادي للثقافة على الطاولة فربما توقفت الثرثرة حول التنوع، فسوف يتضح أن الثقافات المتنوعة تعتمد على البنية التحتية نفسها. فماذا يعني أن ثقافتين مختلفتين تتشاركان في أنشطة اقتصادية متطابقة؟ وما الذي يعنيه أن تكون نفس الوظائف والمساكن والمدارس وطرائق الترفية والحب تغذي ثقافتين في غياب التعدد الاقتصادي؟
إن البناء الاقتصادي للمجتمع الصناعي المتقدم او الرأسمالي أو القائم على اقتصاد السوق، هو العامل الثابت غير المتغير، فقلة هم القادرون على تخيل مشروع اقتصادي آخر، والموافقة الصامتة على هذا تقول الكثير عن التعددية الثقافية، وليس ثمة رؤية سياسية أو اقتصادية أخرى تغذي التنوع الثقافي. من أكثر المدافعين صلابة عن الأفارقة، إلى أكثر المدافعين صلابة عن حقوق المرأة، كل الفرقاء لديهم معتقدات متشابهة فيما يتعلق بالعمل والمساواة والنجاح. إن سر التنوع الثقافي كامن في التماثل السياسي والاقتصادي. والمستقبل مثل الحاضر مع مزيد من الاختيارات، والتعددية الثقافية تعني موت اليوتوبيا.

ويقول بما أن التعددية الثقافية مصطلح يمكن توجيهه من أيا كان في خدمة مصالحهم فإنها قوة سياسية لا تعني التعايش بل الهيمنة أو الانصهار ضمن ثقافة مهيمنة. ومدى الدمج السياسي الذي يتجاوز الحدود الوطنية ومن اشكال عولمة الاقتصاد.

واضح أن التعددية الثقافية شأن سياسي، ولكن… كيف على وجه التحديد؟ بشكل أساسي، وكما ذكر الراديكاليون والأكاديميون، فإن السياسة -ببساطة- سلسلة من الشعارات حول التهميش والسلطة والخطاب والتمثيل. هذه المصطلحات تشير إلى مشكلات حقيقية، ولكنها تفشل في تحديد أي سياسات معينة. الجماعات الهامشية والمهمشة تطالب بالسلطة أو التمثيل، ولكن كيف يعكس هذا الأمر اختلافا ثقافيا أو رؤية بديلة؟

كيف تعرّف تودوروف على الشر؟

تودوروف

تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فيلسوف ومنظِّر أدبي  بلغاري – فرنسي، طلب اللجوء السياسي في فرنسا أثناء دراسته فيها وأقام ولا زال ، له كتب مهمة مشهورة في النظرية الأدبية والنظرية الثقافية و مثل (مقدمة الشاعرية) و(الأدب في خطر) و (روح الأنوار) و(الخوف من البرابرة).

في كتابه (نحن والآخرون) والذي ترجمته الأستاذة (ربى حمود) إلى اللغة العربية، تحدّث (تودوروف) في مقدمة الكتاب عن تعرّفه على الشر. فيقول:

تعرّفت على الشر خلال الجزء الأول من حياتي، عندما كنت أقيم في بلد خاضع للنظام الستاليني. تعرُّف تدريجي، ففي السنوات الأولى التي تلت الحرب، كنت أصغر من أن أفهم جيدًا نبأ الاختفاء المفاجئ لقريب ما أو صديق للعائلة، نبأ إقامته القسرية في مدينة صغيرة من مدن الأرياف أو نبأ التخفيض المباغت لموارده المالية. وبعد ذلك أيَّدت عائلتي بدايات هذا النظام وانتمت إلى المنتفعين منه. اختلطت الأمور في نهاية العام ١٩٤٨ عندما وجد بعض أصدقاء أهلي، والمنتمين إلى محيطهم ذاته، أنفسهم في السجن، أو عندما كان يُشهّر بهم في الصحف، التي كنت قادرًا على قراءتها آنذاك. أو عندما بدأ أبي يلاقي متاعب في عمله. غير أنني بقيت رائدًا متحمسًا للستالينية حتى عام ١٩٥٢. كان موت (ستالين) بعد ذلك واكتشافي تدريجيًا، أثناء تقدمي في مرحلة المراهقة، لفراغ الخطاب الرسمي الذي كنت أحتك به يوميًا.

لم أكن أبدًا ضحية مباشرة للنظام، إذ إن ردة فعلي، كردة فعل كثير من مواطنيّ على كل حال، لم تكن في الاعتراض، أو الانخراط بنزاع، وإنما بالتحلّي بشخصيتين؛ إحداهما علنيّة وخاضعة طيّعة، والأخرى خاصة لا تفعل إلا ما يروق لها. غير أني وبمعنى آخر للكلمة كنت فعلًا ضحية رغم كل شيء، تمامًا كأي قاطن لبلدي، إذ لم تكن شخصيتي الخاصة، كما كنت أتخيل، نتاجًا صرفًا لإرادتي، فقد كانت تتشكل كردة فعل على ما كان يحيط بي. وبهذا تعرّفت على الشر. كان يكمن في الاختلاف الصارخ بين الجمل التي كان ممثلو السلطة يحيطون أنفسهم بها والحياة التي كانوا يعيشونها من جهة، وتلك التي كانوا يحملوننا على عيشتها والتي كانت على ما يبدو مستوحاة بالتحديد من مبادئ مختلفة تمامًا؛ كان يكمن في الإجبار على التصريح علنًا على تأييد هذه المذاهب الرسمية وفي الفقدان الذي ينتج عن ذلك لمعنى الكلمات الأكثر نبلًا ؛ حرية، مساواة أو عدالة. وكانت هذه الكلمات تُستخدم في تغطية القمع والمحسوبية والتباينات الصارخة في طريقة معاملة الأفراد، وكان يكمن في التأكيد الذي يستوجب أن يكون على كل موضوع موقف جيد وجيد، وفي الإثبات الذي كان يُقام على أن هذا الموقف كان محددًا من قِبل ولمصلحة المتنفذين في ذلك الوقت. فلا تكون “الحقيقة” إلا نتيجة القوة ؛ ويكمن في السلطة اللامحدودة والاعتباطية التي كان يُشعر بها موضوعة بين أيدي الشرطة وأجهزة الأمن من الحزبيين والمسؤولين والموظفين الإداريين القادرين في كل لحظة على تجريدة من عملك، من منزلك، من أصدقائك أو من حريتك ؛ يكمن في التحريض على الخضوع والوضاعة، في نظام الوشاية المُنشأ على كافة المراتب، والذي كان قد أصبح في الوقت ذاته الوسيلة الأسرع لشق طريق في الحياة ؛ يكمن في الخوف من الخوف. العقبات المادية، نقص المواد الاستهلاكية أو الطوابير الطويلة للتسوق، لم تكن شرًا بحد ذاتها، ولكنها كانت تصبح شرًا بمقدار ما كانت تنتج بوضوح عن الصفات الأخرى للنظام وتبدو كشعارات له. لم يكن هذا الشر واحدًا في كل الميادين طبعًا وإلا كانت الحياة مستحيلة ؛ كنت لا أزال ألتقي بأناس مدهشين أو أستفيد من البوادر المذهلة لأناس لم يكونوا دومًا على هذا النحو. وفي غياب حياة علنية لائقة، كانت الحياة الخاصة على أشدّها، حتى لو لم أكن قد تنبهت إلى ذلك آنذاك ؛ كانت العلاقات العاطفية، الصداقات، الاهتمامات الفكرية أو الفنية حادة.

عندما تَفسُد السياسة، يظهر الشَّعر

 

أدريانا ريتش

“وحده  الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة”. (أدريان ريتش).

سآخذ بمقولة (بالدوين): “إن الشعراء  هم الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون حقيقتنا. ليس الجنود. ولا حتى الدولة تفعل ذلك. ليس الكهنة. ولا زعماء الاتحادات. الشعراء فقط” .. كيف يكملنا الشعر؟ ويعطينا شكل لخبراتنا من خلال اللغة، وبالتالي منحنا فعاليتنا، كرامتنا، وصلاحية حياتنا، الشعر ببساطة هو توسيع قدراتنا للوصول إلى إنسانيتنا.

بلا شك يفعل الشعر ذلك، ولكن ليست كل القصائد، وهذه هي الحيرة التي لازمتني كمتسائلة منذ زمن.

الجواب، أو على الأقل جزء من إجابة، وصلتني كشرارات، كومضة من نصف حلم، ونصف ذاكرة، عندما كنت أنجرف إلى النوم في إحدى الليالي الهادئة. تذكرت فجأة شيئا كنت قد قرأته منذ فترة طويلة، منذ وقت طويل شيء يبدو أنه أصبح  كالخبايا والرموز في أعماق عقلي اللاواعي، كان ذلك؛ (ملاحظات عن الشعر والسياسة) للشاعرة (أدريان ريتش). واحدة من أعظم الشاعرات وأنبّه العقول في القرن الماضي.

تماماً بعد ثلاثين عاماً بالضبط من خطاب الرئيس (جون كينيدي) الأشهر على الأطلاق ومقولته: “عندما تفسد السياسة ، يظهر الشعر” فكرت حينها (أدريان ريتش) وكتبت ما يلي:

إذا أستخدمت القصيدة كوسيلة وردّة فعل سياسية فورية فسيكون الأمر خاطئاً وكأنك تحاول إعلان مظاهرة احتجاجية على الفور، أو صنع خط طارئ  للاعتصام.

[…]

أريد ذلك النوع من الشعر الذي لا يكلف نفسه عناء إمّا الثناء على القادة والأحزاب وإمّا لعنهم. ولكني أريده أن يكتشف من نحن – داخليا وخارجياً – من نحن؟ في ظل ظروف حياتية تعيسة وسوء استخدام للقوة من السلطة الفاسدة . كيف يكشف مفاوضاتنا الخاصة مع أنفسنا، عبر تأرجح آلامنا، وكدماتنا النفسية.  كيف نصنع الحب – بأكبر قدر من الحميمية وبأوسع معنى – كيف؟ (بكل معنى هذا التساؤل) كيف نشعر؟ وكيف نحاول أن نصنع الشعور؟

الشاعرة التي أمضت جل حياتها تفكر في العلاقة بين الفن والرأسمالية، وأصبحت أول شاعرة –وما زالت الوحيدة- في رفض الميدالية الوطنية للفنون احتجاجاً على  نقاط الضعف في تلك العلاقة معتبرة الشعر كوعد منفرد و وحيد وسط غابة ثقافة جديدة مشغولة البال ومخدّرة أمام  الرأسمالية المتفشية قائلة:

وحده الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة.

[…]

لم يسبق لي أن أعتقدت أن الشعر هو هروب من التاريخ، وأنا لا أعتقد أنه أقل ضرورة من الغذاء والمأوى والصحة والتعليم وظروف العمل اللائقة- الشعور ضروري.

[…]

كل قرار سياسي له مبرره الخاص في موازين الربح الرأسمالية المشتركة، الشعر يقلق هذه الطريقة في العيش، وليس من خلال  أيديولوجية، ولكن من خلال تواجده الذاتيّ وطرق بقائه، إنه تجسيد  لمملكاته الخاصة من الحنين والرغبة.

وبعد تسليع المشاعر في الثقافة المعاصرة تكتب:

سنرى اليأس عندما تخرج الغطرسة الاجتماعية واللامبالاة من نفس الشخص, مع الرغبة في العيش في مستويات مدمرة من السطحية والتسطيح الذاتي … اليأس، عندما لا يكون الرد على الهزيمة المادية والمعنوية المطلقة، مثل قوة الحرب، وفشل المُخيلة .

وفي واحدة من أقوى ملاحظاتها عن دور الشعر في تجربة المهاجرين, ورحلات القهر:

الشعر هو تدفق مياه العالم السرية، هو صوت الماء عندما يرتديه الحجر.

لن يهم إذا نزح الشاعر إلى الغربة، وهاجر داخل روحه، شاعراً سيعتاد على ظروف العمل الرهيبة التي تقوم عليها الثروة الرأسمالية، شاعراً من منطلق وجوده الخاص، شاعراً كشخص مُدان، أو أرستقراطي، كعاشق أو عدو؛ كل أعمالنا عانت وتمزقت من الخيال الوطني المزعزع للاستقرار، ومن توهمنا المختبئ في التاريخ.

وأخيراً الشعر في مواجهة الظلم تقول:

لا أحد يحب الحياة و الشعر، يمكن له أن يحسد الظروف التي يعيش بها بعض الشعراء في أنحاء العالم، شعراء يكتبون بينما اجراءات الحبس الانفرادي، والتعذيب، والنفي تلاحقهم، شعراء يكتبون بحظر كبير، دون نشر، دون صوت عالي سوى في سرهم. وإذا حسدت ظروفهم فذلك يعني أنني أحسد موهبتهم، شجاعتهم، إيمانهم العنيد في قوة كلماتهم، تلك الرغبة لدي في استبدال ظروفهم الطارئة بظروفنا المستقرة هنا في أمريكا الولايات المتحدة، أن نتبادل شعورهم بالمأزق، والتحدي، والمطاردة!


[المصدر]

عن السياسة عند نعوم تشومسكي

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقابلة مع (نعوم تشومسكي) سألت اللسانية الفرنسية (ميتسو رونا) قائلة: “للمفارقة ، تبدو كتاباتك السياسية وتحليلاتك للأيديولوجيا الإمبرالية الأمريكية معروفة في فرنسا تمامًا كما في الولايات المتحدة، أكثر من منهجك الذي صنعته : النحو التوليدي. هذا يطرح سؤالاً: هل تعتقد أن هناك رابطًا بين نشاطاتك العلمية – دراسة اللغة – ونشاطاتك السياسية؟ في مناهج التحليل على سبيل المثال؟”

فكان جواب (تشومسكي) على ذلك:

إن كان هناك رابط، فهو بالأحرى على المستوى المجرَّد. أنا لا أملك مدخلاً لأي مناهج تحليل غير اعتيادية، والمعرفة الخاصة التي لدي والتي تتعلق باللغة ليس لها علاقة مباشرة بالموضوعات السياسية والاجتماعية. كل شيء كتبته عن هذه الموضوعات كان من الممكن أن يكتبه شخص آخر. لا توجد أي صلة مباشرة بين نشاطاتي السياسية، الكتابة وخلافه، والعمل المتعلق ببنية اللغة، على الرغم من أنهما بمعيار ما ربما مستخرجان من افتراضات شائعة محددة ومواقف متعلقة بالجوانب الأساسية من الطبيعة البشرية. التحليل النقدي في الساحل الأيدولوجية يبدو لي مسألة مستقيمة جدًا بالمقارنة مع المقاربة التي تتطلب مستوى من التجريد المفهومي. بالنسبة إلى تحليل الأيدولوجيا الذي يسيطر عليّ كثيرًا، يكفي بشكل عام أن يكون لديك القليل من انفتاح العقل، والذكاء العادي والتشكك الصحي.

على سبيل المثال خذ السؤال عن دور النخبة في مجتمع مثل مجتمعنا؛ هذه الطبقة الاجتماعية التي تضم المؤرخين والدارسين، الصحفيين، المعلقين السياسيين… إلخ، تأخذ على عاتقها تحليل صورة ما للواقع الاجتماعي وتقديمها. وهم بسبب تحليلاتهم وتفسيراتهم، يعملون وسطاء بين الحقائق الاجتماعية ومجموع البشر: إنهم يخلقون تبريرًا إيدولوجيًا للممارسة الاجتماعية. انظر إلى عمل المتخصصين في الشؤون المعاصرة وقارن تفسيرهم للأحداث، قارن ما يقولونه بعالم الحقيقة. ستجد عادة تشعبًا نسقيًا كبيرًا. بالتالي يمكنك أن تخطو خطوة أخرى وتحاول أن تفسر هذه التشعبات، واضعًا، في الاعتبار الموقف الطبقي للنخبة.

إن لمثل هذه هذا التحليل بعض الأهمية على ما أعتقد، ولكن المهمة ليست صعبة جدًا، والمشكلات التي تثار لا يبدو لي أنها تطرح الكثير من التحدي الفكري. بقليل من الدراسة والمتابعة، يمكن لأي أحد يرغب في تحرير نفسه من نسق الايدولوجيا المشتركة والبروباجندا أن يكون مستعدا فعليًا لأن يرى أحوال التشوه التي تطورها القطاعات المهيمنة من النخبة. كل الناس قادرين على فعل ذلك. إن كان هذا التحليل يمضي بشكل محدود، فهذا بسبب – وهو سبب شائع – أن التحليل الاجتماعي والسياسي أُنتج ليدافع عن المصالح الخاصة أكثر منه ليسرد الأحداث الحقيقية. بالضبط بسبب هذا الميل ، على المرء أن يحذر من الانطباع الذي يقول إن المثقفين المؤهلين بتدريب خاص هم وحدهم القادرون على مثل هذا العمل التحليلي، هذا الشيء خاطئ في كل الأحوال. في الحقيقة هذا ما تريد النخبة منا أن نظنه غالباً: إنهم يتظاهرون بأنهم في مجتمع غامض لا يمكن ان يدخله الناس البسطاء. ولكن هذه العلوم الاجتماعية بشكل عام ،وتحليل الشؤون المعاصرة بشكل خاص، يمكن أن تكون مفهومة لأي أحد يود أن يهتم بهذه المسائل. التعقيد والعمق والغموض المزعومين لهذه الاسئلة هي جزء من الوهم الذي يشيعه نسق التحكم الايدولوجي، الذي يستهدف جعل هذه الموضوعات تبدو بعيدة عن عموم الجماهير، وأن يقنعهم بعدم قدرتهم على تنظيم شؤونهم الخاصة أو فهم العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه دون معلمين ووسط. لهذا السبب وحده على المرء أن يكون حريصا على ألا يربط تحليل المسائل الاجتماعية بالموضوعات العلمية التي بدورها تتطلب تدريباً خاصاً ومعرفة بالتقنيات، وبهذا الإطار الفكري المرجعي الخاص ، قبل أن يتم العمل عليها بشكل جدي.

في تحليل المسائل الاجتماعية والسياسية يكفي أن تواجه الحقائق وأن تكون مستعداً لأن تتبع المسار العقلي للجدل. أنت تحتاج فقط الى الحس المشترك الديكارتي الموزع بتساوٍي… إن كان الأمر كذلك يمكنك أن تفهم الرغبة في النظر إلى الحقائق بذهن مفتوح ، وأن تضع افتراضات بسيطة تحت الاختبار، وأن تُتبع الحجج إلى نتائجها. ولكن وراء ذلك لا يتطلب الأمر معرفة سرية خاصة لاستكشاف هذه الأعماق غير الموجودة.

آلان باديو، بين الفلسفة والواقع

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه المشترك مع (سلافوي جيجك)، والذي حمل اسم (الفلسفة في الحاضر)، والذي كان عبارة عن محاضرة ألقاها في فيينا 2004، تحدث عن الفلسفة ومعانيها.

تساءل بداية، ملخصًا الأسئلة التي تدور حولها محاضرته: إلى أي حدٍّ تتدخل الفلسفة في الحاضر، في المسائل التاريخية والسياسية؟ وفي نهاية الأمر، ما هي طبيعة هذا التدخل؟ لمَ يجب استدعاء الفيلسوف للتدخل في مسائل تخصّ الحاضر؟

يقول بعد ذلك مبتدئًا حديثه عن فكرة الفيلسوف:

ثمة فكرة ابتدائية زائفة تحتاج الإلغاء، وهي أن بمقدرة الفيلسوف التحدث في كل شيء. تتمثل هذه الفكرة بفيلسوف التلفزيون؛ فهو يتحدث عن مشاكل المجتمع، ومشاكل الحاضر، وما إلى ذلك. لم هذه الفكرة زائفة؟ لأن الفيلسوف يُنشئ مشكلاته، هو مبتكر مشاكل، ولذلك فإنه ليس الشخص الذي يمكن أن يُسأل في التلفزيون، ليلةً إثر أخرى، عن رأيه بما يجري. والفيلسوف الأصيل هو من يحدد بنفسه المشكلات الهامة، هو شخصٌ يطرح مشكلات جديدة أمام الجميع. فالفلسفة تعني أولًا وقبل كل شيء: ابتكار مشكلاتٍ جديدة. ويلي ذلك تدخل الفيلسوف في لحظةٍ ما في الوضع – سواء كان تاريخيًا، أو سياسيًا، أو فنيًا، أو عشقيًا، أو علميًا .. – ثمة أشياء تتبدى له بشكل إشارات، إشاراتٌ تحتم ابتكار مشكلة جديدة.

عند هذه النقطة يتساءل مرة أخرى: “ضمن أية شروط يجد الفيلسوف، في هذا الوضع، الإشارات لمشكلة جديدة، لفكرٍ جديد؟” ثم يتساءل مرة أخرى عن فكرة (الوضع الفلسفي)، فبين كل الأحداث بالعالم، فبعض الأمور قد يُطلق عليها هذا المسمى، وبعضها لا، فيسأل ثانية: “أي وضع هو ذاك الذي يكون، فعليًا، وضعًا فلسفيًا؟“.

يتشكل الوضع الفلسفي في اللحظة التي يتم فيها تفسير الخيار. خيار الوجود أو خيار الفكر.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى واجبات الفلسفة فيما يخص الأوضاع، فيقول:

بإمكاننا الآن تلخيص واجبات الفلسفة بما يخص الأوضاع.

أولًا، أن تلقي ضوءًا على الخيارات الجوهرية للفكر. وفي المرحلة الأخيرة، مثل هذه الخيارات تكون دومًا بين ما هو متأثر وما هو غير متأثر.

ثانيًا، أن تلقي ضوءًا على المسافة بين التفكير والسُلطة، بين حقائق الفكر والدولة. أن تدرس هذه المسافة. أن تعلم إذا ما كانت قابلة للعبور أم لا.

ثالثًا، أن تلقي ضوءًا على قيمة الاستثناء. قيمة الحدث. قيمة الانقطاع. وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، وبمواجهة التحفظ الاجتماعي.

هذه هي الواجبات العظيمة الثلاثة للفلسفة؛ التعامل مع الاختيار، والتعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء. على الأقل إذا ما كانت الفلسفة ذات معنى للحياة، يجب أن تكون أكثر من مجرد فرع معرفي أكاديمي.

يقول بعد ذلك:

تخبرنا أعمق المفاهيم الفلسفية شيئًا كالآتي: “لو إردت لحياتك أن يكون لها معنى، عليك تقبل الحدث، عليك البقاء على مسافة من السلطة، وعليك أن تكون حازمًا في قرارك

ويتطرق بعد ذلك إلى دور الفلسفة وعلاقتها بالأحداث والوقائع، فيقول:

إذًا، يمكننا القول بأن الفلسفة، التي هي الفكر، لا تترافق مع الموجود، بل مع ما هو ليس موجود، مهتمة بالعلاقات التي ليست علاقات.

قال (أفلاطون) مرةً إن الفلسفة إيقاظ. وكان يعلم يقينًا بأن الإيقاظ يتضمن انقطاعًا صعبًا مع النوم. بالنسبة لـ(أفلاطون) الآن، وفي أي وقت، الفلسفة هي الفهم من خلال الفكر عما سينقطع مع نوم الفكر. إذًا يحق لنا التفكير بأن الفلسفة يمكن أن تحدث في كل مرة توجد فيها علاقة قائمة على المفارقة، أي، علاقة هي ليست علاقة، وضعٌ يتضمن تمزقًا ما.

أنا أصر على هذه النقطة، ليس بسبب وجود “شيء” توجد الفلسفة. فالفلسفة ليست انعكاسًا لأي شيء مطلقًا. هناك فلسفة، ويمكن أن تكون هناك فلسفة، لأن ثمة علاقات مبنية على المفارقة، لأن ثمة انقطاعات، قرارات، مسافات، وأحداث.

ويختتم محاضرته بالحديث عن حالة الغربة التي تصاحب الفيلسوف، أو حالة الأجنَبَة، كما اختار تسميتها:

أعتقد بأن من المهم أن نفهم الآتي: يقوم الالتزام الفلسفي الأصيل، في أوضاع ما، بخلق أَجْنَبَة. في الحالة العامة، هي تكون أجنبية. وحين تكون عمومية ببساطة، حينما لا تمتلك تلك الأجنبة، حينما لا تكون مغمورة بهذه المفارقة، ستكون حينئذ التزامًا سياسيًا، التزامًا أيدلوجيًا، التزام مواطن، ولكنه ليس التزامًا فلسفيًا بالضرورة. فالالتزام الفلسفي يتحدد بأجنبته الداخلية.

فالفيلسوف غريبٌ دومًا، يرتدي أفكاره الجديدة. وهذا يعني بأن يطرح أفكارًا جديدة ومشاكل جديدة. وهو يكتسب المزيد من الحراب، في طرق الصمت. هذا يعني بأنه قادرٌ على جذب عدد كبير من الناس إلى هذه المشكلات الجديدة، لأنه أقنعهم بأن هذه المشكلات كونية. والأمر المهم هو أن أولئك الذين يخاطبون الفيلسوف مقتنعون، بداية، من خلال صمت الاقتناع وليس عبر بلاغة الخطاب.

أحاديث كامو حول الحرية والسياسة

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالسياسة والأحزاب السياسية، وكل ما يدور حول الحرية والعدالة، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه:

يؤاخذني البعض على كتاباتي التي تطرق للجانب السياسي. ما يعنونه حقًا ؛ أنهم يريدونني أن أتناول حياة الأحزاب السياسية. لكنني أنا لا أتناول إلا حياة الفرد الإنسان في مواجهته لآلة الدولة. وأنا أعي جدًا ما أكتب. [١٩٤٧]

ثم يقول عن الخطابات السياسية:

في كل مرة أستمع فيها إلى خطاب سياسيًا، أو أقرأ فيها تصريحًا لأحد قادتنا، ينتابني شعور بالخوف، لعدم سماعي ما ينبئ بأن تلك الأصوات بشرية بعد. هي دومًا ذات الكلمات التي تضمر ذات الأكاذيب. تهدف إلى أن يعتادها الناس، وألا يكفوا عن كونهم مجرد دمىً متحركة، وهذا هو الدليل -بنظري- على أن البشر لا يولون أي اهتمام لحكوماتهم، إنهم فقط يقامرون، أجل يقامرون حقًا على الوجه السياسي القادم، مضحين بجزء كامل من حياتهم، ومن مصالحهم الحياتية على حد قولهم. [١٩٣٧]

ثم يصف السياسيين بعد ذلك قائلًا:

إن السياسة ومصير البشر، صنيعة أناس لا مُثل لهم، ولا عَظمة تُترتجى فيهم. فالعظماء حقًا لا يتعاطون السياسة. هكذا هي الحال. لكن المسألة تتعلق الآن ببعث الإنسان فينا من جديد ؛ بجعل كل الأناس الفاعلين أناسَ مُثل وشعراء صناعيين ؛ بأن نعيش أحلامنا وأن نحققها. كنا سابقًا نتخلى عن أحلامنا أو نتوه فيها، والمفترض ألا نتوه فيها ولا نتخلى عنها. [١٩٣٨]

أما الأحزاب السياسية فيقول عنها:

إن الحزب السياسي ينفي الاختيار الحر لدى الفرد، وفي نفس الوقت، يطالبه بالتخلي الإرادي عن حريته في الاختيار. كأن ينفي حرية الفرد في الاختيار بين حَلَّين، وفي ذات الوقت، يطالبه بالاختيار الأفضل بنظرب الحزب. كأن ينفي قدرة المرء على التمييز بين الخير والشر، ويخاطبه أيضًا بنبرة مثيرة للشفقة عن الشعور بالذنب والخيانة. [١٩٤٦]

وأخيرًا يتحدث عن الحضارة المدنية الحديثة:

من خلال القضاء على جمال الطبيعة، وتغطيته بمساحات شاسعة من النفايات الصناعية. ولّدت الحضارة الحديثة حاجاتٍ اصطناعية واستحثتها. فجعلت معيشة الفقراء وتحملها مستحيلين. [١٩٦٥]

هذه الحضارة اصطنعت مجدًا مبنيًا على المتعة لفئة قليلة، على حساب الكثير:

البلدان التي تؤوي الجمال هي الأصعب في الدفاع عنها، لشدة رغبتنا في تحييدها. وبالتالي فعلى الشعوب الفنانة أن تكون الضحية المفضلة للشعوب الجاحدة. حتى لو لم يكن حب الحرية مقدمًا على حب الجمال في قلوب البشر. إنها حكمة غريزية، لأن الحرية هي مصدر الجمال. [١٩٤٣]

لا تنفصل السلطة عن الظلم. السلطة الجيدة هي الإدارة السليمة والحذرة للظلم. [١٩٥٨]

ينبغي للشهداء أن يختاروا بين أن يتم نسيانهم أو استغلالهم. [١٩٥٣]

فقد وُجدت الحضارة الحديثة على المتعة البشرية المحضة، وتلبية لرغباتها:

انحطاط الحضارة: رغبة الإنسان بالثروة. عمى! [١٩٣٦]

لا وقت لدينا لأن نبحث عن ذواتنا. لا وقت لدينا إلا لأن نكون سعداء. [١٩٣٧]

لا تكمن الحضارة في ارتفاع درجة الرفاهية. وإنما في الوعي المشترك لكامل الشعب. وهذا الوعي ليس رفاهية. [١٩٣٦]

ما الحل إذًا في مواجهة هذه الحالة القبيحة ؟

الثورة أمرٌ جيد، وإنما لماذا؟ يجب أن تكون لدينا فكرة واضحة عن الحضارة التي نريد ابتكارها. إن القضاء على المُلكية والرغبة بالثروة ليست هدفًا .. إنما وسيلة. [١٩٥٦]

يقول مجيبًا على هذا السؤال، بتعريف بسيط للثقافة:

الثقافة: صرخة البشر أمام قدرهم. [١٩٣٦]

يفصل بعد ذلك في الثقافة والفكر قائلًا:

الفكر متقدمٌ دائمًا. فهو ينظر إلى ما هو أبعد من هذا الجسد المتفاني في الحاضر فقط. إلغاء الرجاء هو إعادة الفكر إلى الجسد. وعلى الجسد أن يفنى. [١٩٣٨]

العفة في الفكر، هي منع الرغبات من الضلال، والفكر من التشتت. [١٩٤٠]

كلما كان الإنسان عظيمًا أكثر، كانت الفلسفة أصدق. [١٩٣٧]

وعن حالة الثقافة الحالية، وحال المثقفين في عصر المادة الذي نعيشه:

الحاجة لأن نكون على حق دائمًا، تلك هي سمة النفس المبتذلة. [١٩٣٦]

ويتبع كلماته قائلًا:

نحن نحيا في عالمٍ عليك الاختيار فيه بين أن تكون ضحية للجلاد أو جلادًا، وما من خيار آخر. ليس هذا الخيار سهلًا. إذ لطالما بدا لي أنه لا يوجد جلادون في الحقيقة، وإنما فقط ضحايا. في نهاية المطاف طبعًا. لكنها حقيقة غير منتشرة. لدي ميل قوي إلى الحرية، وبالنسبة إلى كل مثقف، تتماهى الحرية في نهاية المطاف مع حرية التعبير. لكني مدرك تمامًا أن هذا الهاجس ليس الشاغل الأول لشريحة كبيرة جدًا من الأوروبيين، فالعدالة وحدها كفيلة بمنحهم الحد المادي الأدنى الذي يحتاجونه، ولأنهم، عن خطأ أو عن صواب، قد يضحون عن طيب خاطر بالحرية من أجل تلك العدالة الأساسية. أني مدرك لذلك منذ زمن بعيد. وإن كان الدفاع عن التوفيق ما بين العدالة والحرية ضروريًا، فلأن الأمل الأخير للغرب يكمن ها هنا برأيي. بيد أن التوفيق هذا لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ معيّن يظهر لي اليوم غير بعيد عن الطوبائية.

فهل ينبغي التضحية بواحدة أو بأخرى من هاتين القيمتين؟ ما الذي يجب تفكيره؟ يتأتى الأمر كله عن كون المكلفين بالكلام عن الشعب لا يملكون ولم يملكوا أبدًا هاجس الحرية الحقيقي. وهم يفاخرون بكونهم عكس ذلك حتى عندما يكونون صادقين. إنما يكفي هاجس بسيط .. وبالتالي، فإن أولئك الذين سيعيشون مع هذا الهاجس، وهم ندرة، أن يهلكوا ذات يوم (هناك عدة سبل للموت بهذا الصدد). وإذا ما كانوا فخورين، فهم لن يفعلوا ما لم يكونوا قد ناضلوا. ولكن، كيف لهم أن يناضلوا ضد إخوتهم والعدالة بأكملها؟ هم سوف يشهدون، هذا بكل ما في الأمر. ونحن سنتفرج كل ألفي عام على تكرار التضحية بـ(سقراط). [١٩٤٥]

ليست الحرية سوى أمنية بعض النفوس. العدالة أمنية الأكثرية، والأكثرية تخلط ما بين الحرية والعدالة. لكن، سؤال: هل تساوي العدالة المطلقة السعادة المطلقة؟ نصل إلى تلك الفكرة القائلة بوجوب الاختيار ما بين التضحية بالحرية من أجل العدالة، أو بالعدالة من أجل الحرية. بالنسبة إلى الفنان، يوازي الأمر في بعض الظروف، الاختيار ما بين فنه وسعادة البشر. أيستطيع الإنسان وحده ابتكار قيمه الخاصة؟ تلك هي المعضلة كلها، [١٩٤٣]

يجب التفريق أولًا ما بين العدالة والحرية، فالهدف الذي يجب أن نصبو إليه هو الحرية أولًا وأخيرًا:

تخلو السياسة من المشاعر. فالمساواة هي عدوة الحرية أحيانًا. في اليونان، كان هناك رجال أحرار بسبب وجود العبيد. [١٩٤١]

ويقول نهاية في كلمتين بسيطتين:

ليست الحرية هي أمل المستقبل. وإنما الحاضر والتوافق مع الكائنات والعالم في الحاضر. [١٩٥٦]

ليست الديموقراطية حكم الأكثرية، ورنما حماية الأقلية. [١٩٥٩]

فالواجب علينا في مواجهة هذا العالم البشع، أن نبحث عن حريتنا أكثر. وأن نخلق مجالًا حرًا يرقى بنا، وبفكرنا وفلسفتنا، كما يعبر الفيلسوف (ألبير كامو) عن ذلك.

الأخلاق والسياسة عند توماس هوبز

توماس هوبز

توماس هوبز (1588 – 1679) هو عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي. يعد (هوبز) أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة خصوصا في المجال القانوني، حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيها قانونيا ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي. كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دورًا كبيرًا ليس فقط على مستوى النظرية السياسية، بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، حاول الأخير تلخيص وتبسيط أفكار (هوبز) حول السياسة وعلاقتها بالأخلاق. يقول في بداية حديثه:

يرى (هوبز) أن كل إنسان، في الحالة الطبيعية، تلك الحالة السابقة على تكوين الدولة السياسية، كان يبحث عن البقاء، وإشباع رغباته الخاصة بلذات أنانية، مثل المغنم والمجد. ولا وجود للأخلاق كما نعرفها. ولكل واحد الحق الكامل فيما يستطيع الحصول عليه والمحافظة عليه. لا وجود لشيء لشيء مثل القانون أو الظلم. والنتيجة الحتمية لذلك هي “حرب الكل ضد الكل” ؛ لأن الناس إما أن يكونوا في حالة حرب فعلية بصورة مستمرة، أو يكونوا في خوف دائم من أن يهاجم بعضهم بعضًا. لأن الحرب لا تكمن فقط في القتال، بل تكمن أيضًا في الخوف الدائم والاستعداد للصراع ؛ “وكما أن طبيعة الطقس الممطر العاصف لا تتمثل في وابل المطر ينزل مرة أو مرتين، بل في استمرار سوء الطقس لعدة أيام، فكذلك الأمر بالنسبة للحرب لا تتمثل في القتال الفعلي، بل في الميل للقتال في جميع الأوقات التي لا يكون العكس فيها مضمونًا“، ليس هناك معنى للأمان، وليس هناك حافز على الصناعة. الكل في خوف وفقر دائمين. ولابد أن تكون الحياة البشرية “منعزلة، فقيرة، بدائية، وحشية، وقصيرة الأمد“. أما ما إذا كان (هوبز) يعتقد أن تلك الحالة كانت موجودة بالفعل، وأنها حالة تاريخية، فذلك أمر مشكوك فيه، فهو يقول من المحتمل أنها لم تكن عامة أبدًا. ولكنه يعتقد بأنها حالة قريبة من حالة الطبيعة يمكن ملاحظتها بين الهمج، ولكنها متضمنة في سلوك الإنسان المتمدين.

وجود مثل هذه الحالة من الصراع الدائم، أمرٌ مرهق في النهاية، يقول:

إن الناس يرغبون بصورة طبيعية في السلام والأمن، والهروب من البؤس والفزع من حالتهم الطبيعية. فدفعهم ذلك إلى تأسيس دولة تقوم على رضى متبادل، يوافق فيها كل فرد على طاعة أوامر صاحب السيادة، الذي يكون رجلًا واحدًا وخلفاؤه (النظام الملكي)، أو مجموعة من الناس (الارستقراطية أو الديموقراطية، وفقًا لحجم المجموعة). وكان صاحب السيادة في إنجلترا شخصًا واحدًا. وسلطة صاحب السيادة مطلقة، وهو لا يمكن أن يرتكب خطأ يمكن أن يخضع بسببه للمساءلة من الناحية القانونية ؛ فهو ليس مسؤولًا إلا أمام الله وضميره. ويتعهد الآخرون بطاعته، وهو لم يتعهد لهم بشيء. بل له سلطة سن القوانين، وتعيين القضاة، وإعلان الحرب والسلم، وتوقيع العقوبات، وتحديد دين الدولة. وجميع رعاياه تطيعه، وإلا كان هناك صراع، وحرب، وعودة إلى بؤس الحالة الطبيعية. ولما كانت الدولة قد تكونت بوصفها مصلحة أنانية فردية، فإن “خضوع الرعايا لصاحب السيادة يجب أن يفهم على أنه يدوم ما دام يملك من القوة المستمرة ما يمكنه من حمايتهم وليس أطول من ذلك“، فإذا فقد قوته وهزمه صاحب سيادة آخر، وخضع له، فإن خضوع رعاياه يتحول إلى المنتصر.

بذلك يمكن تلخيص الركيزة الأساسية للسياسة عند (هوبز)، بأنها:

تقوم على مذهبي الأنانية واللذة تمامًا. فالناس يسلكون ويجب أن يسلكوا وفقًا لمصالحهم الخاصة فحسب.

ثم يكمل بعد ذلك، فيُعرّف القوانين الطبيعية:

فالقانون الطبيعي هو فكرة أو قاعدة عامة، يكتشف الإنسان عن طريق عقله أن من مصلحته طاعتها، ومن ثم فهو مُلزم بأن يفعل ذلك (فالمصلحة والواجب الأخلاقي هما شيء واحد في هذا المذهب الطبيعي الأخلاقي).

يشرع بعد ذلك في تبسيط القوانين الطبيعية والأساسية، فيقول:

القانون الطبيعي والأساس الأول هو أن الناس ينبغي عليهم أن “يبحثوا عن السلام ويتبعوه“.

وينتج عن ذلك القانون الثاني وهو “ينبغي أن يكون لدى الإنسان الرغبة في السلام، عندما يكون لدى الآخرين نفس هذه الرغبة، وأن تكون لديه الرغبة في الدفاع عن نفسه عندما يجد أنه لابد أن يفعل ذلك، وأن يتنازل عن هذا الحق (الطبيعي) في ملكيته لجميع الأشياء، وأن يقنع بذلك القدر من الحرية إزاء الآخرين الذي يسمح به للآخرين إزاءه“.

أما القانون الثالث فيقول: “ينبغي أن يلتزم الناس بتنفيذ ما يبرمونه من عقود” التي بدونها تصبح العقود، بالطبع، عديمة الجدوى.

ثم يتبع ذلك عشر قوانين طبيعية أخرى، وهي:

1. الالتزام بالإرادة الخيرة.

2. التكيف المتبادل.

3. العفو عن التائب.

4. العقوبات لا تكون إلا من أجل إصلاح المعتدين أو ردع الآخرين، وليس من أجل الانتقام.

5. الامتناع عن ازدراء أو كراهية الآخرين.

6. الاعتراف بأن جميع الناس متساوون.

7. امتناع الإنسان عن الاحتفاظ بأي حقوق لنفسه دون غيره، أي أن ينبغي على المرء ألا يرضى لنفسه أن يحتفظ بأي حق لا يرضى أن يحتفظ به كل إنسان آخر لنفسه.

8. التوزيع العادل أو النسب الصحيحة للخيرات التي تكون ملكًا للجميع.

9. السلوك الآمن.

10. حل المنازعات عن طريق الجهة القضائية.

ختامًا، يقول (هوبز) عن هذه القوانين الطبيعية التي وضعها:

وقوانين الطبيعة تلك قوانين ثابتة وأبدية ؛ لأن الظلم، ونكران الجميل، والتكبر، والكبرياء، والبغي، والمحاباة، وغيرها، لا يمكن أن تكون على الإطلاق أمورًا مشروعة وقانونية. لأنه لا يمكن مطلقًا القول بأن الحرب يمكن أن تحافظ على الحياة، وأن السلام يدمرها.