أرشيف الوسم: السياسة

عندما تَفسُد السياسة، يظهر الشَّعر

 

أدريانا ريتش

“وحده  الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة”. (أدريان ريتش).

سآخذ بمقولة (بالدوين): “إن الشعراء  هم الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون حقيقتنا. ليس الجنود. ولا حتى الدولة تفعل ذلك. ليس الكهنة. ولا زعماء الاتحادات. الشعراء فقط” .. كيف يكملنا الشعر؟ ويعطينا شكل لخبراتنا من خلال اللغة، وبالتالي منحنا فعاليتنا، كرامتنا، وصلاحية حياتنا، الشعر ببساطة هو توسيع قدراتنا للوصول إلى إنسانيتنا.

بلا شك يفعل الشعر ذلك، ولكن ليست كل القصائد، وهذه هي الحيرة التي لازمتني كمتسائلة منذ زمن.

الجواب، أو على الأقل جزء من إجابة، وصلتني كشرارات، كومضة من نصف حلم، ونصف ذاكرة، عندما كنت أنجرف إلى النوم في إحدى الليالي الهادئة. تذكرت فجأة شيئا كنت قد قرأته منذ فترة طويلة، منذ وقت طويل شيء يبدو أنه أصبح  كالخبايا والرموز في أعماق عقلي اللاواعي، كان ذلك؛ (ملاحظات عن الشعر والسياسة) للشاعرة (أدريان ريتش). واحدة من أعظم الشاعرات وأنبّه العقول في القرن الماضي.

تماماً بعد ثلاثين عاماً بالضبط من خطاب الرئيس (جون كينيدي) الأشهر على الأطلاق ومقولته: “عندما تفسد السياسة ، يظهر الشعر” فكرت حينها (أدريان ريتش) وكتبت ما يلي:

إذا أستخدمت القصيدة كوسيلة وردّة فعل سياسية فورية فسيكون الأمر خاطئاً وكأنك تحاول إعلان مظاهرة احتجاجية على الفور، أو صنع خط طارئ  للاعتصام.

[…]

أريد ذلك النوع من الشعر الذي لا يكلف نفسه عناء إمّا الثناء على القادة والأحزاب وإمّا لعنهم. ولكني أريده أن يكتشف من نحن – داخليا وخارجياً – من نحن؟ في ظل ظروف حياتية تعيسة وسوء استخدام للقوة من السلطة الفاسدة . كيف يكشف مفاوضاتنا الخاصة مع أنفسنا، عبر تأرجح آلامنا، وكدماتنا النفسية.  كيف نصنع الحب – بأكبر قدر من الحميمية وبأوسع معنى – كيف؟ (بكل معنى هذا التساؤل) كيف نشعر؟ وكيف نحاول أن نصنع الشعور؟

الشاعرة التي أمضت جل حياتها تفكر في العلاقة بين الفن والرأسمالية، وأصبحت أول شاعرة –وما زالت الوحيدة- في رفض الميدالية الوطنية للفنون احتجاجاً على  نقاط الضعف في تلك العلاقة معتبرة الشعر كوعد منفرد و وحيد وسط غابة ثقافة جديدة مشغولة البال ومخدّرة أمام  الرأسمالية المتفشية قائلة:

وحده الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة.

[…]

لم يسبق لي أن أعتقدت أن الشعر هو هروب من التاريخ، وأنا لا أعتقد أنه أقل ضرورة من الغذاء والمأوى والصحة والتعليم وظروف العمل اللائقة- الشعور ضروري.

[…]

كل قرار سياسي له مبرره الخاص في موازين الربح الرأسمالية المشتركة، الشعر يقلق هذه الطريقة في العيش، وليس من خلال  أيديولوجية، ولكن من خلال تواجده الذاتيّ وطرق بقائه، إنه تجسيد  لمملكاته الخاصة من الحنين والرغبة.

وبعد تسليع المشاعر في الثقافة المعاصرة تكتب:

سنرى اليأس عندما تخرج الغطرسة الاجتماعية واللامبالاة من نفس الشخص, مع الرغبة في العيش في مستويات مدمرة من السطحية والتسطيح الذاتي … اليأس، عندما لا يكون الرد على الهزيمة المادية والمعنوية المطلقة، مثل قوة الحرب، وفشل المُخيلة .

وفي واحدة من أقوى ملاحظاتها عن دور الشعر في تجربة المهاجرين, ورحلات القهر:

الشعر هو تدفق مياه العالم السرية، هو صوت الماء عندما يرتديه الحجر.

لن يهم إذا نزح الشاعر إلى الغربة، وهاجر داخل روحه، شاعراً سيعتاد على ظروف العمل الرهيبة التي تقوم عليها الثروة الرأسمالية، شاعراً من منطلق وجوده الخاص، شاعراً كشخص مُدان، أو أرستقراطي، كعاشق أو عدو؛ كل أعمالنا عانت وتمزقت من الخيال الوطني المزعزع للاستقرار، ومن توهمنا المختبئ في التاريخ.

وأخيراً الشعر في مواجهة الظلم تقول:

لا أحد يحب الحياة و الشعر، يمكن له أن يحسد الظروف التي يعيش بها بعض الشعراء في أنحاء العالم، شعراء يكتبون بينما اجراءات الحبس الانفرادي، والتعذيب، والنفي تلاحقهم، شعراء يكتبون بحظر كبير، دون نشر، دون صوت عالي سوى في سرهم. وإذا حسدت ظروفهم فذلك يعني أنني أحسد موهبتهم، شجاعتهم، إيمانهم العنيد في قوة كلماتهم، تلك الرغبة لدي في استبدال ظروفهم الطارئة بظروفنا المستقرة هنا في أمريكا الولايات المتحدة، أن نتبادل شعورهم بالمأزق، والتحدي، والمطاردة!


[المصدر]

عن السياسة عند نعوم تشومسكي

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقابلة مع (نعوم تشومسكي) سألت اللسانية الفرنسية (ميتسو رونا) قائلة: “للمفارقة ، تبدو كتاباتك السياسية وتحليلاتك للأيديولوجيا الإمبرالية الأمريكية معروفة في فرنسا تمامًا كما في الولايات المتحدة، أكثر من منهجك الذي صنعته : النحو التوليدي. هذا يطرح سؤالاً: هل تعتقد أن هناك رابطًا بين نشاطاتك العلمية – دراسة اللغة – ونشاطاتك السياسية؟ في مناهج التحليل على سبيل المثال؟”

فكان جواب (تشومسكي) على ذلك:

إن كان هناك رابط، فهو بالأحرى على المستوى المجرَّد. أنا لا أملك مدخلاً لأي مناهج تحليل غير اعتيادية، والمعرفة الخاصة التي لدي والتي تتعلق باللغة ليس لها علاقة مباشرة بالموضوعات السياسية والاجتماعية. كل شيء كتبته عن هذه الموضوعات كان من الممكن أن يكتبه شخص آخر. لا توجد أي صلة مباشرة بين نشاطاتي السياسية، الكتابة وخلافه، والعمل المتعلق ببنية اللغة، على الرغم من أنهما بمعيار ما ربما مستخرجان من افتراضات شائعة محددة ومواقف متعلقة بالجوانب الأساسية من الطبيعة البشرية. التحليل النقدي في الساحل الأيدولوجية يبدو لي مسألة مستقيمة جدًا بالمقارنة مع المقاربة التي تتطلب مستوى من التجريد المفهومي. بالنسبة إلى تحليل الأيدولوجيا الذي يسيطر عليّ كثيرًا، يكفي بشكل عام أن يكون لديك القليل من انفتاح العقل، والذكاء العادي والتشكك الصحي.

على سبيل المثال خذ السؤال عن دور النخبة في مجتمع مثل مجتمعنا؛ هذه الطبقة الاجتماعية التي تضم المؤرخين والدارسين، الصحفيين، المعلقين السياسيين… إلخ، تأخذ على عاتقها تحليل صورة ما للواقع الاجتماعي وتقديمها. وهم بسبب تحليلاتهم وتفسيراتهم، يعملون وسطاء بين الحقائق الاجتماعية ومجموع البشر: إنهم يخلقون تبريرًا إيدولوجيًا للممارسة الاجتماعية. انظر إلى عمل المتخصصين في الشؤون المعاصرة وقارن تفسيرهم للأحداث، قارن ما يقولونه بعالم الحقيقة. ستجد عادة تشعبًا نسقيًا كبيرًا. بالتالي يمكنك أن تخطو خطوة أخرى وتحاول أن تفسر هذه التشعبات، واضعًا، في الاعتبار الموقف الطبقي للنخبة.

إن لمثل هذه هذا التحليل بعض الأهمية على ما أعتقد، ولكن المهمة ليست صعبة جدًا، والمشكلات التي تثار لا يبدو لي أنها تطرح الكثير من التحدي الفكري. بقليل من الدراسة والمتابعة، يمكن لأي أحد يرغب في تحرير نفسه من نسق الايدولوجيا المشتركة والبروباجندا أن يكون مستعدا فعليًا لأن يرى أحوال التشوه التي تطورها القطاعات المهيمنة من النخبة. كل الناس قادرين على فعل ذلك. إن كان هذا التحليل يمضي بشكل محدود، فهذا بسبب – وهو سبب شائع – أن التحليل الاجتماعي والسياسي أُنتج ليدافع عن المصالح الخاصة أكثر منه ليسرد الأحداث الحقيقية. بالضبط بسبب هذا الميل ، على المرء أن يحذر من الانطباع الذي يقول إن المثقفين المؤهلين بتدريب خاص هم وحدهم القادرون على مثل هذا العمل التحليلي، هذا الشيء خاطئ في كل الأحوال. في الحقيقة هذا ما تريد النخبة منا أن نظنه غالباً: إنهم يتظاهرون بأنهم في مجتمع غامض لا يمكن ان يدخله الناس البسطاء. ولكن هذه العلوم الاجتماعية بشكل عام ،وتحليل الشؤون المعاصرة بشكل خاص، يمكن أن تكون مفهومة لأي أحد يود أن يهتم بهذه المسائل. التعقيد والعمق والغموض المزعومين لهذه الاسئلة هي جزء من الوهم الذي يشيعه نسق التحكم الايدولوجي، الذي يستهدف جعل هذه الموضوعات تبدو بعيدة عن عموم الجماهير، وأن يقنعهم بعدم قدرتهم على تنظيم شؤونهم الخاصة أو فهم العالم الاجتماعي الذي يعيشون فيه دون معلمين ووسط. لهذا السبب وحده على المرء أن يكون حريصا على ألا يربط تحليل المسائل الاجتماعية بالموضوعات العلمية التي بدورها تتطلب تدريباً خاصاً ومعرفة بالتقنيات، وبهذا الإطار الفكري المرجعي الخاص ، قبل أن يتم العمل عليها بشكل جدي.

في تحليل المسائل الاجتماعية والسياسية يكفي أن تواجه الحقائق وأن تكون مستعداً لأن تتبع المسار العقلي للجدل. أنت تحتاج فقط الى الحس المشترك الديكارتي الموزع بتساوٍي… إن كان الأمر كذلك يمكنك أن تفهم الرغبة في النظر إلى الحقائق بذهن مفتوح ، وأن تضع افتراضات بسيطة تحت الاختبار، وأن تُتبع الحجج إلى نتائجها. ولكن وراء ذلك لا يتطلب الأمر معرفة سرية خاصة لاستكشاف هذه الأعماق غير الموجودة.

آلان باديو، بين الفلسفة والواقع

آلان باديو

آلان باديو، من مواليد 1937، كان ناشطًا سياسيًا منذ وقت مبكر من حياته، وهو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الموحد في فرنسا. ومع بداية الثمانينات قدّم نفسه في الكتابات الفلسفية، وكتب عدة كتب مهمة، منها؛ (نظرية في الذات)، وكتابه المرجعي الأهم (الكينونة والحدث).

في كتابه المشترك مع (سلافوي جيجك)، والذي حمل اسم (الفلسفة في الحاضر)، والذي كان عبارة عن محاضرة ألقاها في فيينا 2004، تحدث عن الفلسفة ومعانيها.

تساءل بداية، ملخصًا الأسئلة التي تدور حولها محاضرته: إلى أي حدٍّ تتدخل الفلسفة في الحاضر، في المسائل التاريخية والسياسية؟ وفي نهاية الأمر، ما هي طبيعة هذا التدخل؟ لمَ يجب استدعاء الفيلسوف للتدخل في مسائل تخصّ الحاضر؟

يقول بعد ذلك مبتدئًا حديثه عن فكرة الفيلسوف:

ثمة فكرة ابتدائية زائفة تحتاج الإلغاء، وهي أن بمقدرة الفيلسوف التحدث في كل شيء. تتمثل هذه الفكرة بفيلسوف التلفزيون؛ فهو يتحدث عن مشاكل المجتمع، ومشاكل الحاضر، وما إلى ذلك. لم هذه الفكرة زائفة؟ لأن الفيلسوف يُنشئ مشكلاته، هو مبتكر مشاكل، ولذلك فإنه ليس الشخص الذي يمكن أن يُسأل في التلفزيون، ليلةً إثر أخرى، عن رأيه بما يجري. والفيلسوف الأصيل هو من يحدد بنفسه المشكلات الهامة، هو شخصٌ يطرح مشكلات جديدة أمام الجميع. فالفلسفة تعني أولًا وقبل كل شيء: ابتكار مشكلاتٍ جديدة. ويلي ذلك تدخل الفيلسوف في لحظةٍ ما في الوضع – سواء كان تاريخيًا، أو سياسيًا، أو فنيًا، أو عشقيًا، أو علميًا .. – ثمة أشياء تتبدى له بشكل إشارات، إشاراتٌ تحتم ابتكار مشكلة جديدة.

عند هذه النقطة يتساءل مرة أخرى: “ضمن أية شروط يجد الفيلسوف، في هذا الوضع، الإشارات لمشكلة جديدة، لفكرٍ جديد؟” ثم يتساءل مرة أخرى عن فكرة (الوضع الفلسفي)، فبين كل الأحداث بالعالم، فبعض الأمور قد يُطلق عليها هذا المسمى، وبعضها لا، فيسأل ثانية: “أي وضع هو ذاك الذي يكون، فعليًا، وضعًا فلسفيًا؟“.

يتشكل الوضع الفلسفي في اللحظة التي يتم فيها تفسير الخيار. خيار الوجود أو خيار الفكر.

ثم يتطرق بعد ذلك إلى واجبات الفلسفة فيما يخص الأوضاع، فيقول:

بإمكاننا الآن تلخيص واجبات الفلسفة بما يخص الأوضاع.

أولًا، أن تلقي ضوءًا على الخيارات الجوهرية للفكر. وفي المرحلة الأخيرة، مثل هذه الخيارات تكون دومًا بين ما هو متأثر وما هو غير متأثر.

ثانيًا، أن تلقي ضوءًا على المسافة بين التفكير والسُلطة، بين حقائق الفكر والدولة. أن تدرس هذه المسافة. أن تعلم إذا ما كانت قابلة للعبور أم لا.

ثالثًا، أن تلقي ضوءًا على قيمة الاستثناء. قيمة الحدث. قيمة الانقطاع. وأن تفعل هذا بمواجهة استمرارية الحياة، وبمواجهة التحفظ الاجتماعي.

هذه هي الواجبات العظيمة الثلاثة للفلسفة؛ التعامل مع الاختيار، والتعامل مع المسافة، والتعامل مع الاستثناء. على الأقل إذا ما كانت الفلسفة ذات معنى للحياة، يجب أن تكون أكثر من مجرد فرع معرفي أكاديمي.

يقول بعد ذلك:

تخبرنا أعمق المفاهيم الفلسفية شيئًا كالآتي: “لو إردت لحياتك أن يكون لها معنى، عليك تقبل الحدث، عليك البقاء على مسافة من السلطة، وعليك أن تكون حازمًا في قرارك

ويتطرق بعد ذلك إلى دور الفلسفة وعلاقتها بالأحداث والوقائع، فيقول:

إذًا، يمكننا القول بأن الفلسفة، التي هي الفكر، لا تترافق مع الموجود، بل مع ما هو ليس موجود، مهتمة بالعلاقات التي ليست علاقات.

قال (أفلاطون) مرةً إن الفلسفة إيقاظ. وكان يعلم يقينًا بأن الإيقاظ يتضمن انقطاعًا صعبًا مع النوم. بالنسبة لـ(أفلاطون) الآن، وفي أي وقت، الفلسفة هي الفهم من خلال الفكر عما سينقطع مع نوم الفكر. إذًا يحق لنا التفكير بأن الفلسفة يمكن أن تحدث في كل مرة توجد فيها علاقة قائمة على المفارقة، أي، علاقة هي ليست علاقة، وضعٌ يتضمن تمزقًا ما.

أنا أصر على هذه النقطة، ليس بسبب وجود “شيء” توجد الفلسفة. فالفلسفة ليست انعكاسًا لأي شيء مطلقًا. هناك فلسفة، ويمكن أن تكون هناك فلسفة، لأن ثمة علاقات مبنية على المفارقة، لأن ثمة انقطاعات، قرارات، مسافات، وأحداث.

ويختتم محاضرته بالحديث عن حالة الغربة التي تصاحب الفيلسوف، أو حالة الأجنَبَة، كما اختار تسميتها:

أعتقد بأن من المهم أن نفهم الآتي: يقوم الالتزام الفلسفي الأصيل، في أوضاع ما، بخلق أَجْنَبَة. في الحالة العامة، هي تكون أجنبية. وحين تكون عمومية ببساطة، حينما لا تمتلك تلك الأجنبة، حينما لا تكون مغمورة بهذه المفارقة، ستكون حينئذ التزامًا سياسيًا، التزامًا أيدلوجيًا، التزام مواطن، ولكنه ليس التزامًا فلسفيًا بالضرورة. فالالتزام الفلسفي يتحدد بأجنبته الداخلية.

فالفيلسوف غريبٌ دومًا، يرتدي أفكاره الجديدة. وهذا يعني بأن يطرح أفكارًا جديدة ومشاكل جديدة. وهو يكتسب المزيد من الحراب، في طرق الصمت. هذا يعني بأنه قادرٌ على جذب عدد كبير من الناس إلى هذه المشكلات الجديدة، لأنه أقنعهم بأن هذه المشكلات كونية. والأمر المهم هو أن أولئك الذين يخاطبون الفيلسوف مقتنعون، بداية، من خلال صمت الاقتناع وليس عبر بلاغة الخطاب.

أحاديث كامو حول الحرية والسياسة

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالسياسة والأحزاب السياسية، وكل ما يدور حول الحرية والعدالة، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه:

يؤاخذني البعض على كتاباتي التي تطرق للجانب السياسي. ما يعنونه حقًا ؛ أنهم يريدونني أن أتناول حياة الأحزاب السياسية. لكنني أنا لا أتناول إلا حياة الفرد الإنسان في مواجهته لآلة الدولة. وأنا أعي جدًا ما أكتب. [١٩٤٧]

ثم يقول عن الخطابات السياسية:

في كل مرة أستمع فيها إلى خطاب سياسيًا، أو أقرأ فيها تصريحًا لأحد قادتنا، ينتابني شعور بالخوف، لعدم سماعي ما ينبئ بأن تلك الأصوات بشرية بعد. هي دومًا ذات الكلمات التي تضمر ذات الأكاذيب. تهدف إلى أن يعتادها الناس، وألا يكفوا عن كونهم مجرد دمىً متحركة، وهذا هو الدليل -بنظري- على أن البشر لا يولون أي اهتمام لحكوماتهم، إنهم فقط يقامرون، أجل يقامرون حقًا على الوجه السياسي القادم، مضحين بجزء كامل من حياتهم، ومن مصالحهم الحياتية على حد قولهم. [١٩٣٧]

ثم يصف السياسيين بعد ذلك قائلًا:

إن السياسة ومصير البشر، صنيعة أناس لا مُثل لهم، ولا عَظمة تُترتجى فيهم. فالعظماء حقًا لا يتعاطون السياسة. هكذا هي الحال. لكن المسألة تتعلق الآن ببعث الإنسان فينا من جديد ؛ بجعل كل الأناس الفاعلين أناسَ مُثل وشعراء صناعيين ؛ بأن نعيش أحلامنا وأن نحققها. كنا سابقًا نتخلى عن أحلامنا أو نتوه فيها، والمفترض ألا نتوه فيها ولا نتخلى عنها. [١٩٣٨]

أما الأحزاب السياسية فيقول عنها:

إن الحزب السياسي ينفي الاختيار الحر لدى الفرد، وفي نفس الوقت، يطالبه بالتخلي الإرادي عن حريته في الاختيار. كأن ينفي حرية الفرد في الاختيار بين حَلَّين، وفي ذات الوقت، يطالبه بالاختيار الأفضل بنظرب الحزب. كأن ينفي قدرة المرء على التمييز بين الخير والشر، ويخاطبه أيضًا بنبرة مثيرة للشفقة عن الشعور بالذنب والخيانة. [١٩٤٦]

وأخيرًا يتحدث عن الحضارة المدنية الحديثة:

من خلال القضاء على جمال الطبيعة، وتغطيته بمساحات شاسعة من النفايات الصناعية. ولّدت الحضارة الحديثة حاجاتٍ اصطناعية واستحثتها. فجعلت معيشة الفقراء وتحملها مستحيلين. [١٩٦٥]

هذه الحضارة اصطنعت مجدًا مبنيًا على المتعة لفئة قليلة، على حساب الكثير:

البلدان التي تؤوي الجمال هي الأصعب في الدفاع عنها، لشدة رغبتنا في تحييدها. وبالتالي فعلى الشعوب الفنانة أن تكون الضحية المفضلة للشعوب الجاحدة. حتى لو لم يكن حب الحرية مقدمًا على حب الجمال في قلوب البشر. إنها حكمة غريزية، لأن الحرية هي مصدر الجمال. [١٩٤٣]

لا تنفصل السلطة عن الظلم. السلطة الجيدة هي الإدارة السليمة والحذرة للظلم. [١٩٥٨]

ينبغي للشهداء أن يختاروا بين أن يتم نسيانهم أو استغلالهم. [١٩٥٣]

فقد وُجدت الحضارة الحديثة على المتعة البشرية المحضة، وتلبية لرغباتها:

انحطاط الحضارة: رغبة الإنسان بالثروة. عمى! [١٩٣٦]

لا وقت لدينا لأن نبحث عن ذواتنا. لا وقت لدينا إلا لأن نكون سعداء. [١٩٣٧]

لا تكمن الحضارة في ارتفاع درجة الرفاهية. وإنما في الوعي المشترك لكامل الشعب. وهذا الوعي ليس رفاهية. [١٩٣٦]

ما الحل إذًا في مواجهة هذه الحالة القبيحة ؟

الثورة أمرٌ جيد، وإنما لماذا؟ يجب أن تكون لدينا فكرة واضحة عن الحضارة التي نريد ابتكارها. إن القضاء على المُلكية والرغبة بالثروة ليست هدفًا .. إنما وسيلة. [١٩٥٦]

يقول مجيبًا على هذا السؤال، بتعريف بسيط للثقافة:

الثقافة: صرخة البشر أمام قدرهم. [١٩٣٦]

يفصل بعد ذلك في الثقافة والفكر قائلًا:

الفكر متقدمٌ دائمًا. فهو ينظر إلى ما هو أبعد من هذا الجسد المتفاني في الحاضر فقط. إلغاء الرجاء هو إعادة الفكر إلى الجسد. وعلى الجسد أن يفنى. [١٩٣٨]

العفة في الفكر، هي منع الرغبات من الضلال، والفكر من التشتت. [١٩٤٠]

كلما كان الإنسان عظيمًا أكثر، كانت الفلسفة أصدق. [١٩٣٧]

وعن حالة الثقافة الحالية، وحال المثقفين في عصر المادة الذي نعيشه:

الحاجة لأن نكون على حق دائمًا، تلك هي سمة النفس المبتذلة. [١٩٣٦]

ويتبع كلماته قائلًا:

نحن نحيا في عالمٍ عليك الاختيار فيه بين أن تكون ضحية للجلاد أو جلادًا، وما من خيار آخر. ليس هذا الخيار سهلًا. إذ لطالما بدا لي أنه لا يوجد جلادون في الحقيقة، وإنما فقط ضحايا. في نهاية المطاف طبعًا. لكنها حقيقة غير منتشرة. لدي ميل قوي إلى الحرية، وبالنسبة إلى كل مثقف، تتماهى الحرية في نهاية المطاف مع حرية التعبير. لكني مدرك تمامًا أن هذا الهاجس ليس الشاغل الأول لشريحة كبيرة جدًا من الأوروبيين، فالعدالة وحدها كفيلة بمنحهم الحد المادي الأدنى الذي يحتاجونه، ولأنهم، عن خطأ أو عن صواب، قد يضحون عن طيب خاطر بالحرية من أجل تلك العدالة الأساسية. أني مدرك لذلك منذ زمن بعيد. وإن كان الدفاع عن التوفيق ما بين العدالة والحرية ضروريًا، فلأن الأمل الأخير للغرب يكمن ها هنا برأيي. بيد أن التوفيق هذا لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ معيّن يظهر لي اليوم غير بعيد عن الطوبائية.

فهل ينبغي التضحية بواحدة أو بأخرى من هاتين القيمتين؟ ما الذي يجب تفكيره؟ يتأتى الأمر كله عن كون المكلفين بالكلام عن الشعب لا يملكون ولم يملكوا أبدًا هاجس الحرية الحقيقي. وهم يفاخرون بكونهم عكس ذلك حتى عندما يكونون صادقين. إنما يكفي هاجس بسيط .. وبالتالي، فإن أولئك الذين سيعيشون مع هذا الهاجس، وهم ندرة، أن يهلكوا ذات يوم (هناك عدة سبل للموت بهذا الصدد). وإذا ما كانوا فخورين، فهم لن يفعلوا ما لم يكونوا قد ناضلوا. ولكن، كيف لهم أن يناضلوا ضد إخوتهم والعدالة بأكملها؟ هم سوف يشهدون، هذا بكل ما في الأمر. ونحن سنتفرج كل ألفي عام على تكرار التضحية بـ(سقراط). [١٩٤٥]

ليست الحرية سوى أمنية بعض النفوس. العدالة أمنية الأكثرية، والأكثرية تخلط ما بين الحرية والعدالة. لكن، سؤال: هل تساوي العدالة المطلقة السعادة المطلقة؟ نصل إلى تلك الفكرة القائلة بوجوب الاختيار ما بين التضحية بالحرية من أجل العدالة، أو بالعدالة من أجل الحرية. بالنسبة إلى الفنان، يوازي الأمر في بعض الظروف، الاختيار ما بين فنه وسعادة البشر. أيستطيع الإنسان وحده ابتكار قيمه الخاصة؟ تلك هي المعضلة كلها، [١٩٤٣]

يجب التفريق أولًا ما بين العدالة والحرية، فالهدف الذي يجب أن نصبو إليه هو الحرية أولًا وأخيرًا:

تخلو السياسة من المشاعر. فالمساواة هي عدوة الحرية أحيانًا. في اليونان، كان هناك رجال أحرار بسبب وجود العبيد. [١٩٤١]

ويقول نهاية في كلمتين بسيطتين:

ليست الحرية هي أمل المستقبل. وإنما الحاضر والتوافق مع الكائنات والعالم في الحاضر. [١٩٥٦]

ليست الديموقراطية حكم الأكثرية، ورنما حماية الأقلية. [١٩٥٩]

فالواجب علينا في مواجهة هذا العالم البشع، أن نبحث عن حريتنا أكثر. وأن نخلق مجالًا حرًا يرقى بنا، وبفكرنا وفلسفتنا، كما يعبر الفيلسوف (ألبير كامو) عن ذلك.

الأخلاق والسياسة عند توماس هوبز

توماس هوبز

توماس هوبز (1588 – 1679) هو عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي. يعد (هوبز) أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة خصوصا في المجال القانوني، حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيها قانونيا ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي. كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دورًا كبيرًا ليس فقط على مستوى النظرية السياسية، بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، حاول الأخير تلخيص وتبسيط أفكار (هوبز) حول السياسة وعلاقتها بالأخلاق. يقول في بداية حديثه:

يرى (هوبز) أن كل إنسان، في الحالة الطبيعية، تلك الحالة السابقة على تكوين الدولة السياسية، كان يبحث عن البقاء، وإشباع رغباته الخاصة بلذات أنانية، مثل المغنم والمجد. ولا وجود للأخلاق كما نعرفها. ولكل واحد الحق الكامل فيما يستطيع الحصول عليه والمحافظة عليه. لا وجود لشيء لشيء مثل القانون أو الظلم. والنتيجة الحتمية لذلك هي “حرب الكل ضد الكل” ؛ لأن الناس إما أن يكونوا في حالة حرب فعلية بصورة مستمرة، أو يكونوا في خوف دائم من أن يهاجم بعضهم بعضًا. لأن الحرب لا تكمن فقط في القتال، بل تكمن أيضًا في الخوف الدائم والاستعداد للصراع ؛ “وكما أن طبيعة الطقس الممطر العاصف لا تتمثل في وابل المطر ينزل مرة أو مرتين، بل في استمرار سوء الطقس لعدة أيام، فكذلك الأمر بالنسبة للحرب لا تتمثل في القتال الفعلي، بل في الميل للقتال في جميع الأوقات التي لا يكون العكس فيها مضمونًا“، ليس هناك معنى للأمان، وليس هناك حافز على الصناعة. الكل في خوف وفقر دائمين. ولابد أن تكون الحياة البشرية “منعزلة، فقيرة، بدائية، وحشية، وقصيرة الأمد“. أما ما إذا كان (هوبز) يعتقد أن تلك الحالة كانت موجودة بالفعل، وأنها حالة تاريخية، فذلك أمر مشكوك فيه، فهو يقول من المحتمل أنها لم تكن عامة أبدًا. ولكنه يعتقد بأنها حالة قريبة من حالة الطبيعة يمكن ملاحظتها بين الهمج، ولكنها متضمنة في سلوك الإنسان المتمدين.

وجود مثل هذه الحالة من الصراع الدائم، أمرٌ مرهق في النهاية، يقول:

إن الناس يرغبون بصورة طبيعية في السلام والأمن، والهروب من البؤس والفزع من حالتهم الطبيعية. فدفعهم ذلك إلى تأسيس دولة تقوم على رضى متبادل، يوافق فيها كل فرد على طاعة أوامر صاحب السيادة، الذي يكون رجلًا واحدًا وخلفاؤه (النظام الملكي)، أو مجموعة من الناس (الارستقراطية أو الديموقراطية، وفقًا لحجم المجموعة). وكان صاحب السيادة في إنجلترا شخصًا واحدًا. وسلطة صاحب السيادة مطلقة، وهو لا يمكن أن يرتكب خطأ يمكن أن يخضع بسببه للمساءلة من الناحية القانونية ؛ فهو ليس مسؤولًا إلا أمام الله وضميره. ويتعهد الآخرون بطاعته، وهو لم يتعهد لهم بشيء. بل له سلطة سن القوانين، وتعيين القضاة، وإعلان الحرب والسلم، وتوقيع العقوبات، وتحديد دين الدولة. وجميع رعاياه تطيعه، وإلا كان هناك صراع، وحرب، وعودة إلى بؤس الحالة الطبيعية. ولما كانت الدولة قد تكونت بوصفها مصلحة أنانية فردية، فإن “خضوع الرعايا لصاحب السيادة يجب أن يفهم على أنه يدوم ما دام يملك من القوة المستمرة ما يمكنه من حمايتهم وليس أطول من ذلك“، فإذا فقد قوته وهزمه صاحب سيادة آخر، وخضع له، فإن خضوع رعاياه يتحول إلى المنتصر.

بذلك يمكن تلخيص الركيزة الأساسية للسياسة عند (هوبز)، بأنها:

تقوم على مذهبي الأنانية واللذة تمامًا. فالناس يسلكون ويجب أن يسلكوا وفقًا لمصالحهم الخاصة فحسب.

ثم يكمل بعد ذلك، فيُعرّف القوانين الطبيعية:

فالقانون الطبيعي هو فكرة أو قاعدة عامة، يكتشف الإنسان عن طريق عقله أن من مصلحته طاعتها، ومن ثم فهو مُلزم بأن يفعل ذلك (فالمصلحة والواجب الأخلاقي هما شيء واحد في هذا المذهب الطبيعي الأخلاقي).

يشرع بعد ذلك في تبسيط القوانين الطبيعية والأساسية، فيقول:

القانون الطبيعي والأساس الأول هو أن الناس ينبغي عليهم أن “يبحثوا عن السلام ويتبعوه“.

وينتج عن ذلك القانون الثاني وهو “ينبغي أن يكون لدى الإنسان الرغبة في السلام، عندما يكون لدى الآخرين نفس هذه الرغبة، وأن تكون لديه الرغبة في الدفاع عن نفسه عندما يجد أنه لابد أن يفعل ذلك، وأن يتنازل عن هذا الحق (الطبيعي) في ملكيته لجميع الأشياء، وأن يقنع بذلك القدر من الحرية إزاء الآخرين الذي يسمح به للآخرين إزاءه“.

أما القانون الثالث فيقول: “ينبغي أن يلتزم الناس بتنفيذ ما يبرمونه من عقود” التي بدونها تصبح العقود، بالطبع، عديمة الجدوى.

ثم يتبع ذلك عشر قوانين طبيعية أخرى، وهي:

1. الالتزام بالإرادة الخيرة.

2. التكيف المتبادل.

3. العفو عن التائب.

4. العقوبات لا تكون إلا من أجل إصلاح المعتدين أو ردع الآخرين، وليس من أجل الانتقام.

5. الامتناع عن ازدراء أو كراهية الآخرين.

6. الاعتراف بأن جميع الناس متساوون.

7. امتناع الإنسان عن الاحتفاظ بأي حقوق لنفسه دون غيره، أي أن ينبغي على المرء ألا يرضى لنفسه أن يحتفظ بأي حق لا يرضى أن يحتفظ به كل إنسان آخر لنفسه.

8. التوزيع العادل أو النسب الصحيحة للخيرات التي تكون ملكًا للجميع.

9. السلوك الآمن.

10. حل المنازعات عن طريق الجهة القضائية.

ختامًا، يقول (هوبز) عن هذه القوانين الطبيعية التي وضعها:

وقوانين الطبيعة تلك قوانين ثابتة وأبدية ؛ لأن الظلم، ونكران الجميل، والتكبر، والكبرياء، والبغي، والمحاباة، وغيرها، لا يمكن أن تكون على الإطلاق أمورًا مشروعة وقانونية. لأنه لا يمكن مطلقًا القول بأن الحرب يمكن أن تحافظ على الحياة، وأن السلام يدمرها.