أرشيف الوسم: الشعر

الشجاعة في أن تكون نفسك: كامينجز عن الفن و الحياة

eecummings_edwardweston

كتب الفيلسوف الألماني (نيتشة) عندما كان عمره ثلاثين سنةلا يستطيع أحد سواك أن يبني ذلك الجسر الذي تعبر فوقهأنت ولا أحد غيركنهر الحياة. و يقول الشاعر الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1995 (شيموس هيني) وهو يوجه المشورة إلى الشباب: الطريق الحقيقي و الأصيل يمرّ عبر التجارب مُشترطاً صدق المرء مع عزلته، و إخلاصه لخِبرته الذاتية.

كُلّ جيلٍ صاعد يعتقد أن عليه أن يُجابه ضغوطاً لم يسبق لها مثيل للأِمتِثال والإنِخراط في السياق الاجتماعي السائد. و أن عليه أن يُكافح أكثر من الأجيال السابقة ليحمي مَصدر نزاهته: خِبرته الذاتية. إلا أن هذا الإعتقاد نابعٌ من الغرور المُعتاد للثقافة التي لا تُبصر تحيّزاتِها الخاصّة، و تجهل نظائِرها في السياقات التاريخية. وفي الواقع فإن أغلب مايحدث حولنا هو إنعكاس للظروف التي خلقناها و نستمِر في تعزيزها عبر النظام الإعلامي الإيكولوجي الحالي؛ نظام بافلوفي من ردود الفعل الشرطيّة، حيث تُكافأ الآراء الشائِعة السطحية، وتُهاجم الأصوات المتفرِّدة مِن قِبل الغوغاء.

وقف قِلّة من الناس في وجه هذا الإكتساح الثقافي للفردية، ومن أكثرهم ثباتا و شجاعة إي. إي. كامينجز (1894 – 1962)؛ الفنان الذي لم يخش كونه متفرداً و لاتقليدياً. والذي وُصف مِن قِبل أحد أكثر كتّاب سيرته الذاتية دقّة بأنه كانيزدري الخوف، ويعيش حياته في تمردٍ على كلّ من يحاول أن يحكُمها.

في عنوان مقارب للكتاب الصغير الذي يضجّ بالحكمة للشاعر الألماني (رينير ماريه ريلكه) (رسائل إلى شاعر شاب)، نشرت صحيفة محليّة تصدر في ولاية ميشيغن نصّاً قصيراً لـ(كامينجز) بُعيد عيد ميلاده التاسع والخمسين تحت عنوان: نصيحة من شاعر إلى الطلاب. يُخاطب فيه أولئك الطامحين في أن يكونوا شعراءوبطبيعة الحال يتّسع المعنى ليضُمّ جميع الفنانين النابهين الذين يمتلكون الشجاعة لِحدس الحقيقة الإنسانية:

إن الشاعر هو امرؤٌ يتعمّق في المشاعر، ويطوّعها ليصوغها في كلمات.

وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو عملاً يسيراً، بيد أنه ليس كذلك.

فالكثير من الناسيُفكرأويعتقدأويعرفأنّه يشعُر، إلا أن ذلك كله ليس “شعوراً” في الحقيقة. وقرضُ الشعر في لبّه وصميمه خبرةٌ عميقة بالمشاعر، و ما أعنيه هو أنه ليس معرفة” و لا اعتقاد” ولا تفكير”.

و أي إنسان يمكنه أن يتعلّمكيف يُفكر، أوكيف يعتقد أوكيف يعرف، ولكن لا يُمكن لأيّ كان أن يتعلّمكيف يشعُر. تسائلني لماذا؟ لأنك حينتفكّرأوتعتقدأوتعرفتستبطِنُ آراء الآخرين: إلا أنه في اللّحظة التي تغمُرك بها المشاعر وتكوّن خبرة ذاتيه عميقة فلستَ أيّاً سوى نفسُك

و أن لا تكون سوى نفسك، في عالم يبذُل قُصارى جُهده ليلاً ونهاراً، لأن يجعل منك نسخةً مكررةً لمن حولك يعنى أن تجاهد أصعب معركة يخوضها -ولا يتوقف عن خوضها- المرء. 

لا يتحدّث (كامنجز) من فراغ، فقبل أربع سنوات و عقِب منحه الزمالة المرموقة لأكاديمية شعراء الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد خاض معركة وتحمّل النقد القاسي الذي وجّه له من الشعراء التقليديين الذين طوقوه بالكراهية نظير شجاعته في كسر التقاليد و كونه في فنّه ”لا أحد سوى نفسهوهكذا بنظرة مُتفحّصة لتلك النزاهة الخلّاقة المنيعة، تعززها أخلاقيات عمل صارمة، يُضيف:

أمّا بالنسبة لأن تنظِم كلمات تعبّر بدقّة عن أعماقك – ولا أحد سواك – فإن ذلك يعني أن تبذل جهداً أكبر من أن يمكن تصوّره لأي شخص لا يُمارس قرض الشعر. تُسائلني لِماذا؟ لأنه لا أيسر من استعمال الكلمات المستهلكه. وهذا مانفعله جميعاً معظم الوقت و لا نكون شعراء حينها.

أمّا إذا وَجدت نفسك، بإنتهاء أوّل عشرة أو خمسة عشر عاماً من الكِفاح و العمل و الإستغراق في المشاعر، قد كتبت سطراً من قصيدة وحيدة، فإعلم أنك محظوظ جداً

وهكذا فإن نصيحتي لجميع الشباب الذين يرغبون في أن يُصبحوا شعراء هي: مارِِسوا عملاً أيسر مثلَتعلّم كيفية تفجير العالم، إلا إذا ماكنّتم متطلّعين – لا مجرّد مستعدّين –للإستغراق في المشاعر، و الكفاح والعمل حتى الموت.

هل يَبدو ذلك لكم مُغمّا؟  ليس كذلك.

إنّها أروع حياة على وجه الأرض.

على الأقلّ هذا ما أشعُر به.


[المصدر]

 

غنائية أطلانتس المفقودة- إيفان بولاند

exam11012014eavanboland_large

إيفان بولاند، شاعرة إيرلندية ولدت في عام ١٩٤٤. نشأت الشاعرة الإيرلندية في “نيويورك” و”لندن” قبل أن تعود لموطنها الأم لإكمال دراستها الثانوية والجامعية هناك. نشرت (بولاند) مجموعة قصائدها الأولى في عام ١٩٦٢ تحت عنوان “٢٣ قصيدة”. وبالرغم من أن أغلب النساء لم يكنّ شاعرات -في ذلك الوقت- فقد كان هذا الأمر بمثابة التحدي لها.

الثيمة الأساسية لأعمال (بولاند) الشعرية تدور حول الحب، والأساطير، والتاريخ، والتي اجتمعت كلها في قصيدتها: “غنائية أطلانتس المفقودة”، والتي أقدّم لها ترجمة حصرية لموقع ساقية.

بحق الأرض كيف تم هذا؟!

اعتدتُ سؤال قناطر المدينة، وأروقتها، وأعمدتها

بيد أنّي لم أسل كائناتها ولا مركباتها

هل صير يومكم سيئا؟

قلتُ في نفسي: أظن أن العالم كان صغيرًا

أظن حقًا أنّا فقدنا جوهر مدينتنا العظيمة

واشتقنا لأطلال المدينة

تحتَ السماء، وحول نافذة البيت، التقيتُ بك

ولجنا إلى المنزل، وأكلنا الطعام والحلوى

ربما ما حدث أن بذل حكّاؤو الخرافات جهدهم ليخبرونا:

بأن ما ذهب قد ذهب، أبد الدهر. وآنذاك؛ كانت تقاليد قومنا:

بأن يعطوا حزنهم اسمًا

ثم يغرقونه في الماء.


المصدر 

لانغستون هيوز يغني “وأنا أيضًا”

هيوز

لانغستون هيوز (1902-1967)، كاتب صحفي ومسرحي وروائي وشاعر وناشط اجتماعي أمريكي. ينحدر (لانغستون هيوز) من اعراق مختلفة فهو من اصول أفريقية واسكوتلاندية واوربية يهودية وكذللك جذر من الهنود الأمريكان.

ولد (لانغستون هيوز) في ولاية ميسوري، وهو الابن الثاني لأسرة هجرها ربها هربا من العنصرية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة انذاك. في 22 أيار عام 1967 توفّي (هيوز) في مدينة نيويورك على أثر تعقيدات حصلت بعد عملية جراحية.

وهنا نقدّم لكم ترجمة حصرية لأحد قصائده، والتي كان عنوانها “وأنا أيضًا”، يتحدث فيها عن وطنيته بالرغم من اختلاف عرقه عن البلاد التي يدعوها الوطن. يقول في قصيدته:

وأنا أيضاً أغني أمريكا

أنا الشقيق الأسمر

يرسلوني للمطبخ لآكل

عندما تحضر الشركة

ولكني أضحك

وأتناول الطعام بشكل جيّد

وأكبر بشكلٍ قويّ

غداً..

سأكون في الجدول

عندما تحضر الشركة

عندها لا أحد سيجرؤ

أن يقول لي

تناول الطعام في المطبخ

ثم..

إلى جانب ذلك

سوف يرون كم أنا جميل

وسيخجلون..

أنا أيضاً أمريكي.

عندما تَفسُد السياسة، يظهر الشَّعر

 

أدريانا ريتش

“وحده  الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة”. (أدريان ريتش).

سآخذ بمقولة (بالدوين): “إن الشعراء  هم الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون حقيقتنا. ليس الجنود. ولا حتى الدولة تفعل ذلك. ليس الكهنة. ولا زعماء الاتحادات. الشعراء فقط” .. كيف يكملنا الشعر؟ ويعطينا شكل لخبراتنا من خلال اللغة، وبالتالي منحنا فعاليتنا، كرامتنا، وصلاحية حياتنا، الشعر ببساطة هو توسيع قدراتنا للوصول إلى إنسانيتنا.

بلا شك يفعل الشعر ذلك، ولكن ليست كل القصائد، وهذه هي الحيرة التي لازمتني كمتسائلة منذ زمن.

الجواب، أو على الأقل جزء من إجابة، وصلتني كشرارات، كومضة من نصف حلم، ونصف ذاكرة، عندما كنت أنجرف إلى النوم في إحدى الليالي الهادئة. تذكرت فجأة شيئا كنت قد قرأته منذ فترة طويلة، منذ وقت طويل شيء يبدو أنه أصبح  كالخبايا والرموز في أعماق عقلي اللاواعي، كان ذلك؛ (ملاحظات عن الشعر والسياسة) للشاعرة (أدريان ريتش). واحدة من أعظم الشاعرات وأنبّه العقول في القرن الماضي.

تماماً بعد ثلاثين عاماً بالضبط من خطاب الرئيس (جون كينيدي) الأشهر على الأطلاق ومقولته: “عندما تفسد السياسة ، يظهر الشعر” فكرت حينها (أدريان ريتش) وكتبت ما يلي:

إذا أستخدمت القصيدة كوسيلة وردّة فعل سياسية فورية فسيكون الأمر خاطئاً وكأنك تحاول إعلان مظاهرة احتجاجية على الفور، أو صنع خط طارئ  للاعتصام.

[…]

أريد ذلك النوع من الشعر الذي لا يكلف نفسه عناء إمّا الثناء على القادة والأحزاب وإمّا لعنهم. ولكني أريده أن يكتشف من نحن – داخليا وخارجياً – من نحن؟ في ظل ظروف حياتية تعيسة وسوء استخدام للقوة من السلطة الفاسدة . كيف يكشف مفاوضاتنا الخاصة مع أنفسنا، عبر تأرجح آلامنا، وكدماتنا النفسية.  كيف نصنع الحب – بأكبر قدر من الحميمية وبأوسع معنى – كيف؟ (بكل معنى هذا التساؤل) كيف نشعر؟ وكيف نحاول أن نصنع الشعور؟

الشاعرة التي أمضت جل حياتها تفكر في العلاقة بين الفن والرأسمالية، وأصبحت أول شاعرة –وما زالت الوحيدة- في رفض الميدالية الوطنية للفنون احتجاجاً على  نقاط الضعف في تلك العلاقة معتبرة الشعر كوعد منفرد و وحيد وسط غابة ثقافة جديدة مشغولة البال ومخدّرة أمام  الرأسمالية المتفشية قائلة:

وحده الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة.

[…]

لم يسبق لي أن أعتقدت أن الشعر هو هروب من التاريخ، وأنا لا أعتقد أنه أقل ضرورة من الغذاء والمأوى والصحة والتعليم وظروف العمل اللائقة- الشعور ضروري.

[…]

كل قرار سياسي له مبرره الخاص في موازين الربح الرأسمالية المشتركة، الشعر يقلق هذه الطريقة في العيش، وليس من خلال  أيديولوجية، ولكن من خلال تواجده الذاتيّ وطرق بقائه، إنه تجسيد  لمملكاته الخاصة من الحنين والرغبة.

وبعد تسليع المشاعر في الثقافة المعاصرة تكتب:

سنرى اليأس عندما تخرج الغطرسة الاجتماعية واللامبالاة من نفس الشخص, مع الرغبة في العيش في مستويات مدمرة من السطحية والتسطيح الذاتي … اليأس، عندما لا يكون الرد على الهزيمة المادية والمعنوية المطلقة، مثل قوة الحرب، وفشل المُخيلة .

وفي واحدة من أقوى ملاحظاتها عن دور الشعر في تجربة المهاجرين, ورحلات القهر:

الشعر هو تدفق مياه العالم السرية، هو صوت الماء عندما يرتديه الحجر.

لن يهم إذا نزح الشاعر إلى الغربة، وهاجر داخل روحه، شاعراً سيعتاد على ظروف العمل الرهيبة التي تقوم عليها الثروة الرأسمالية، شاعراً من منطلق وجوده الخاص، شاعراً كشخص مُدان، أو أرستقراطي، كعاشق أو عدو؛ كل أعمالنا عانت وتمزقت من الخيال الوطني المزعزع للاستقرار، ومن توهمنا المختبئ في التاريخ.

وأخيراً الشعر في مواجهة الظلم تقول:

لا أحد يحب الحياة و الشعر، يمكن له أن يحسد الظروف التي يعيش بها بعض الشعراء في أنحاء العالم، شعراء يكتبون بينما اجراءات الحبس الانفرادي، والتعذيب، والنفي تلاحقهم، شعراء يكتبون بحظر كبير، دون نشر، دون صوت عالي سوى في سرهم. وإذا حسدت ظروفهم فذلك يعني أنني أحسد موهبتهم، شجاعتهم، إيمانهم العنيد في قوة كلماتهم، تلك الرغبة لدي في استبدال ظروفهم الطارئة بظروفنا المستقرة هنا في أمريكا الولايات المتحدة، أن نتبادل شعورهم بالمأزق، والتحدي، والمطاردة!


[المصدر]

أيجب أن يعبر الشعر عن مشاكل المجتمع؟ نازك الملائكة تتساءل

3a-na-71192

نازك صادق الملائكة (1923 – 2007) شاعرة من العراق، ولدت في بغداد في بيئة ثقافية وتخرجت من دار المعلمين العالية عام 1944. دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن-ماديسون في أمريكا، وعينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت. عاشت في القاهرة منذ 1990 في عزلة اختيارية وتوفيت بها في 20 يونيو 2007 عن عمر يناهز 83 عاما.

في كتابها (قضايا الشعر العربي)، تستغرب ممن ينتقد على الشعر والفن بشكل عام انفصاله عن الواقع. تقول مستفتحة حديثها:

باتت الدعوة إلى اجتماعية الشعر نبرة عصبية تطغى على الصحافة العربية طغيانًا عاصفًا. فالقارئ يعثر على أصدائها في كل صحيفة يقرؤها، ويسمعها تتكرر في محطات الإذاعة، وتتسلل إلى أحاديث الأندية والمجتمعات حتى باتت في عنفها تشبه تيارًا جارفًا يريد أن يكتسح القيم كلها. ونحن لا نشكك في سلامة نية هذه الدعوة، وصدق إيمانها بغايتها، ومن المؤكد أنها لا تريد ضرًا بالشعراء، فهي على العكس تؤمن بالشعر إيمانًا متحمسًا يجعلها تنتظر منه أن يحقق المعجزات في سبيل إنقاذ هذه الأمة التي تعبر اليوم مرحلة متأزمة من حياتها. على أن سلامة النية لا تملك أن تعصم من الاندفاع العاطفي الذي نلمس آثاره في هذه الدعوة، ولذلك بات على الشعر المعاصر أن يواجه الموقف ويتخذ إزاءه قرارًا.

ثم تقول بعد ذلك:

أول ما يؤخذ على هذه الدعوة التي تذهب إلى أن الشعر يجب أن يكون “اجتماعيًا”، أنها تتسلح بمجموعة من التعابير المبهمة التي لا تحاول تحديدها من نحو قولهم “أبراج عاجية” و”المتهربون من الواقع” و”الأدب الشعبي” و”الشعراء الذاتيون”. وقد أدّى تداول جماهير الكتاب لهذه الألفاظ إلى اضطراب شديد في مدلولاتها وأكسبها من السطحية ما يجعل الناقد المثقف يتحرج من استعمالها محاولًا صياغة تعابير جديدة تؤدي معانيها الفنية والنظرية.

وترد على ذلك بقولها:

ويبدو لنا أن الدعوة قد نسيت حتى الآن أنها في مجال فنيّ، فهي تتحدث عن كل شيء آخر غير الشعر، مع أنها موجهة إلى الشعراء.

وتكمل حديثها مبيّنة مآخذ تلك الدعوة:

والدعوة بصورتها الحالية تحتمل نقدًا شديدًا من جهاتها كلها؛ فنيًا وإنسانيًا ووطنيًا وجماليًا. وأبرز مواطن الضعف فيها أنها -كما قلنا- لا ترتكز على أسس فنية، شعرية، ولم يحاول كاتب واحد بعد أن يحددها من وجهتها النظرية.

وتبدأ نقدها من الوجهة الفنية، فتقول:

أما من الوجهة الفنية، فيبدو لنا أن الدعوة حين تلحّ على أن الشعر يجب أن يكون اجتماعيًا، فإنما تتناول “الموضوع” وتجعله الغاية الوحيدة المقصودة في كل شعر. فهي لا تهتم بسائر مقومات القصيدة كالبناء والهيكل والصورة والانفعال والموسيقى والفكرة والمعاني الظاهرة والخفية، […] وهذا مخالف لمفاهيم الشعر البديهية، فلعل الموضوع في نظر النقد الأدبي أتفه مقومات الشعر وأقلها استحقاقًا للدراسة المنفصلة، وذلك لأن كل موضوع يصلح للشعر سواء أدار حول مشاكلنا القومية أو حول شجرة التوت أو معركة سباب في شارع ضيق، فالمهم على كل حال هو أسلوب الشاعر في معالجة الموضوع، ولذلك نجد الموضوع عينه ميتًا أو مغمى عليه عند شاعر، حيًا ينبض بالجمال المنفعل عند شاعر ثان. ومن هذا يبدو أن الدعوة تلح على العنصر الوحيد الذي ليس شعريًا في القصيدة.

ولا تقتصر هذه الدعوة على عزل الموضوع عن سائر عناصر القصيدة، وتضخيم قيمته الفنية هذا التضخيم الذي لا يشفع له شيء، وإنما تمضي في طغيانها الحسن النية، فتأبى إلا أن تحدد مجال هذا الموضوع تحديدًا صارمًا. فكل شعور لا يتعلق بالوطنية بأضيق معانيها يفوز لديها بنعوت عاطفية جارفة لا يصد اندفاعها شيء. وهكذا نجدها لا تكتفي بهدم سائر معالم القصيدة، وإنما تهدف إلى أن تتحكم حتى في العنصر الوحيد الذي أبقته وهو الموضوع.

ثم تنتقل بعد ذلك إلى الوجهة الاجتماعية، فتقول:

وإذا فحصنا الدعوة من الوجهة الاجتماعية وجدناها في صميمها تنزع إلى أن تجرد الشعر من العواطف الإنسانية. ذلك أن أشد سخطها واستنكارها ينهال على ما تسمّيه “المشاعر الذاتية” و”الهرب من الواقع” و”الانعزالية”، ولو فحصنا هذه التعابير لوجدناها تنتهي كلها إلى أن تنكر أن يكون شعور الفرد العادي من الناس موضوعًا للشعر، فهو لكي يستحق أن تدور حوله قصيدة، ينبغي أن يكون عملاقًا بلا مشاعر؛ فلا يحب الأزهار، ولا يضيع وقته في مراقبة مغرب الشمس على حقول الحنطة، ثم إنه لا يتألم لهمومه الخاصة، وهو يؤمن بأن الاستماع إلى الموسيقى في هذه الظروف إنما هو خيانة وطنية، ونحو هذا .. وليس أشد تناقضًا من هذا.

وأخيرًا إلى الوجهة الوطنية، تقول:

ولندرس الدعوة من وجهتها الوطنية. فماذا نجد؟ هنا أيضًا ستجبهنا أسس منهارة لا تستطيع أن تثبت للفحص طويلًا. والحق أن العنصر الوطني قائم، لو فكرنا، على فهم للوطنية يضيّق معناها تضييقًا شديدًا. فالدعوة عندما تؤكد أن انصراف الشاعر المعاصر إلى تصوير عواطفه الخاصة يدل على نقص في حسه الوطني -والدعوة تستعمل ألفاظًا أعنف غالبًا- إنما تفترض ضمنًا ثلاثة ضمونات غريبة تستوقف النظر. وسنحاول أن نناقشها هنا.

وتستغرب أن يكون ذلك معارضًا للشعور بالوطنية، وتنتقد وجهة نظر أولئك النقاد وفهمهم للوطن، فتقول:

أول هذه المضمونات أن الدعوة تفصل فصلًا  قاطعًا بين دائرة “المواطن” الصالح ودائرة “الإنسان”. فلكي يكون المرء مواطنًا صالحًا في نظرها ينبغي له أولًا  أن يتخلص من إنسانيته، فلا يحب قوس قزح، ولا ينفعل لمنظر الحصاد، ولا تطربه أغاني الحمامة بين النخيل في ظهيرة بغدادية، إلخ. فكل هذا إذا تغنّى به الشاعر، إنما يثبت “سلبيته” في نظر الدعوة.

وتكمل قائلة:

وأما ثاني المضمونات  الغريبة التي تختفي خلف هذا الحكم الذي تسوقه الدعوة، فهو ينتهي بنا إلى الحكم بأن “الوطنية” معنى مرادف للكفاح السياسي، وهذا مخالف للمعنى الحقيقي للوطنية، معنى حب الوطن العربي وحسب. أما الكفاح السياسي فهو وظيفة النخبة المثقفة من القادة والزعماء والاختصاصيين في كل أمة. ويبدو أن الدعوة تتغافل عن حقيقة أخرى مهمة هي أن الوظيفة العظمى للملايين من المواطنين في كل بلد هي إعالة أسرهم وتحسين أحوالهم الاجتماعية وتهذيب أبناءهم وانصرافهم انصرافًا مخلصًا إلى أعمالهم التي تؤهلهم لها إمكانياتهم العقلية والجسمية، فليس عملهم هذا بأقل قداسة ومكانة من عمل السياسي المناضل والزعيم الموجه.

وتختم حديثها بالنقطة الأخيرة في موضوع الوطنية، فتقول:

أما ثالث المضمونات، فهو الحكم بأن الشعر لا يملك قيمة ذاتية في المجتمع، وإنما هو واسطة لغايات أخرى. وهذا حكم يتجاهل القيم الحيوية التي يملكها الفن في حياتنا الإنسانية بمعزل عن موضوعه. وأول هذه القيم أن الفن شحذ لملكات معينة في الإنسان لا يعقل أن الطبيعة كانت عابثة عندما أوجدتها. وثانيها ما يراه الفيلسوف الفرنسي (جان ماري غويو) من أن الفنون كلها وسيلة لإنفاق الفائض من الطاقة الإنسانية الذي لا بد له أن ينفق، فإذا قضى المجتمع على الفن أدى ذلك إلى أن تختزل طاقة متفجرة في الذهن الإنساني دون أن يجد منفذًا، وهذا لا بد أن يؤدي إلى نوع من فقدان التوازن بين الحياتين الحركية والنفسية، وهو أمر مضر بالحياة.