أرشيف الوسم: الشعر

الشجاعة في أن تكون نفسك: كامينجز عن الفن و الحياة

eecummings_edwardweston

كتب الفيلسوف الألماني (نيتشة) عندما كان عمره ثلاثين سنةلا يستطيع أحد سواك أن يبني ذلك الجسر الذي تعبر فوقهأنت ولا أحد غيركنهر الحياة. و يقول الشاعر الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1995 (شيموس هيني) وهو يوجه المشورة إلى الشباب: الطريق الحقيقي و الأصيل يمرّ عبر التجارب مُشترطاً صدق المرء مع عزلته، و إخلاصه لخِبرته الذاتية.

كُلّ جيلٍ صاعد يعتقد أن عليه أن يُجابه ضغوطاً لم يسبق لها مثيل للأِمتِثال والإنِخراط في السياق الاجتماعي السائد. و أن عليه أن يُكافح أكثر من الأجيال السابقة ليحمي مَصدر نزاهته: خِبرته الذاتية. إلا أن هذا الإعتقاد نابعٌ من الغرور المُعتاد للثقافة التي لا تُبصر تحيّزاتِها الخاصّة، و تجهل نظائِرها في السياقات التاريخية. وفي الواقع فإن أغلب مايحدث حولنا هو إنعكاس للظروف التي خلقناها و نستمِر في تعزيزها عبر النظام الإعلامي الإيكولوجي الحالي؛ نظام بافلوفي من ردود الفعل الشرطيّة، حيث تُكافأ الآراء الشائِعة السطحية، وتُهاجم الأصوات المتفرِّدة مِن قِبل الغوغاء.

وقف قِلّة من الناس في وجه هذا الإكتساح الثقافي للفردية، ومن أكثرهم ثباتا و شجاعة إي. إي. كامينجز (1894 – 1962)؛ الفنان الذي لم يخش كونه متفرداً و لاتقليدياً. والذي وُصف مِن قِبل أحد أكثر كتّاب سيرته الذاتية دقّة بأنه كانيزدري الخوف، ويعيش حياته في تمردٍ على كلّ من يحاول أن يحكُمها.

في عنوان مقارب للكتاب الصغير الذي يضجّ بالحكمة للشاعر الألماني (رينير ماريه ريلكه) (رسائل إلى شاعر شاب)، نشرت صحيفة محليّة تصدر في ولاية ميشيغن نصّاً قصيراً لـ(كامينجز) بُعيد عيد ميلاده التاسع والخمسين تحت عنوان: نصيحة من شاعر إلى الطلاب. يُخاطب فيه أولئك الطامحين في أن يكونوا شعراءوبطبيعة الحال يتّسع المعنى ليضُمّ جميع الفنانين النابهين الذين يمتلكون الشجاعة لِحدس الحقيقة الإنسانية:

إن الشاعر هو امرؤٌ يتعمّق في المشاعر، ويطوّعها ليصوغها في كلمات.

وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو عملاً يسيراً، بيد أنه ليس كذلك.

فالكثير من الناسيُفكرأويعتقدأويعرفأنّه يشعُر، إلا أن ذلك كله ليس “شعوراً” في الحقيقة. وقرضُ الشعر في لبّه وصميمه خبرةٌ عميقة بالمشاعر، و ما أعنيه هو أنه ليس معرفة” و لا اعتقاد” ولا تفكير”.

و أي إنسان يمكنه أن يتعلّمكيف يُفكر، أوكيف يعتقد أوكيف يعرف، ولكن لا يُمكن لأيّ كان أن يتعلّمكيف يشعُر. تسائلني لماذا؟ لأنك حينتفكّرأوتعتقدأوتعرفتستبطِنُ آراء الآخرين: إلا أنه في اللّحظة التي تغمُرك بها المشاعر وتكوّن خبرة ذاتيه عميقة فلستَ أيّاً سوى نفسُك

و أن لا تكون سوى نفسك، في عالم يبذُل قُصارى جُهده ليلاً ونهاراً، لأن يجعل منك نسخةً مكررةً لمن حولك يعنى أن تجاهد أصعب معركة يخوضها -ولا يتوقف عن خوضها- المرء. 

لا يتحدّث (كامنجز) من فراغ، فقبل أربع سنوات و عقِب منحه الزمالة المرموقة لأكاديمية شعراء الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد خاض معركة وتحمّل النقد القاسي الذي وجّه له من الشعراء التقليديين الذين طوقوه بالكراهية نظير شجاعته في كسر التقاليد و كونه في فنّه ”لا أحد سوى نفسهوهكذا بنظرة مُتفحّصة لتلك النزاهة الخلّاقة المنيعة، تعززها أخلاقيات عمل صارمة، يُضيف:

أمّا بالنسبة لأن تنظِم كلمات تعبّر بدقّة عن أعماقك – ولا أحد سواك – فإن ذلك يعني أن تبذل جهداً أكبر من أن يمكن تصوّره لأي شخص لا يُمارس قرض الشعر. تُسائلني لِماذا؟ لأنه لا أيسر من استعمال الكلمات المستهلكه. وهذا مانفعله جميعاً معظم الوقت و لا نكون شعراء حينها.

أمّا إذا وَجدت نفسك، بإنتهاء أوّل عشرة أو خمسة عشر عاماً من الكِفاح و العمل و الإستغراق في المشاعر، قد كتبت سطراً من قصيدة وحيدة، فإعلم أنك محظوظ جداً

وهكذا فإن نصيحتي لجميع الشباب الذين يرغبون في أن يُصبحوا شعراء هي: مارِِسوا عملاً أيسر مثلَتعلّم كيفية تفجير العالم، إلا إذا ماكنّتم متطلّعين – لا مجرّد مستعدّين –للإستغراق في المشاعر، و الكفاح والعمل حتى الموت.

هل يَبدو ذلك لكم مُغمّا؟  ليس كذلك.

إنّها أروع حياة على وجه الأرض.

على الأقلّ هذا ما أشعُر به.


[المصدر]

 

غنائية أطلانتس المفقودة- إيفان بولاند

exam11012014eavanboland_large

إيفان بولاند، شاعرة إيرلندية ولدت في عام ١٩٤٤. نشأت الشاعرة الإيرلندية في “نيويورك” و”لندن” قبل أن تعود لموطنها الأم لإكمال دراستها الثانوية والجامعية هناك. نشرت (بولاند) مجموعة قصائدها الأولى في عام ١٩٦٢ تحت عنوان “٢٣ قصيدة”. وبالرغم من أن أغلب النساء لم يكنّ شاعرات -في ذلك الوقت- فقد كان هذا الأمر بمثابة التحدي لها.

الثيمة الأساسية لأعمال (بولاند) الشعرية تدور حول الحب، والأساطير، والتاريخ، والتي اجتمعت كلها في قصيدتها: “غنائية أطلانتس المفقودة”، والتي أقدّم لها ترجمة حصرية لموقع ساقية.

بحق الأرض كيف تم هذا؟!

اعتدتُ سؤال قناطر المدينة، وأروقتها، وأعمدتها

بيد أنّي لم أسل كائناتها ولا مركباتها

هل صير يومكم سيئا؟

قلتُ في نفسي: أظن أن العالم كان صغيرًا

أظن حقًا أنّا فقدنا جوهر مدينتنا العظيمة

واشتقنا لأطلال المدينة

تحتَ السماء، وحول نافذة البيت، التقيتُ بك

ولجنا إلى المنزل، وأكلنا الطعام والحلوى

ربما ما حدث أن بذل حكّاؤو الخرافات جهدهم ليخبرونا:

بأن ما ذهب قد ذهب، أبد الدهر. وآنذاك؛ كانت تقاليد قومنا:

بأن يعطوا حزنهم اسمًا

ثم يغرقونه في الماء.


المصدر 

أودري لورد: الشعر ليس ترفاً.

51_PORT_1

أودري جيرالدين لورد (1934-1992)، كاتبة أميريكية كاريبية، شاعرة وناشطة. معاصرة لمثيلاتها من الشاعرات النسويات (سيلفيا بلاث) و(أدريانا ريتش) اللاتي كنّ يسعين نحو تغيير تقاليد النثر والشعر لأن تكون كسيرة ذاتية أكثر، كانت (لورد) جامعةً الأنواع كلها، كانت الحياة بالنسبة لها نصاً فصار كل شيئ أشبه بالسيرة الذاتية فعلاً.

ركزت (لورد) في قضاياها على الإختلاف بين جماعات النساء وبين الأفراد كذلك، كما قالت مرة: أنا أُعرّف بكل جماعة كنت جزءًا فيها، كما عرّفت عن نفسها “سلسلة متصلة من النساء” و“مهرجانٍ من الأصوات”، قائلة: كل ماهو دخيل علينا، هو في آن الوقت نقطة ضعفٌ وقوة؛ ولكن بدون المجتمع لا تتحقق الحرية، لا مستقبل، فقط هدنة ركيكة ومؤقتة بيني وبين القمعوكما قال عنها النقاد أيضاً، بأن التعددية الثقافية في ذاتها، كانت منعكسة عليها في نصوصها. في حين ان الثقافات الفردية هي كياناتٌ لم تعد منفصلة ومستقله لكنها تنصهر في دوائر أكبر دون أن تفقد أهميتها الفردية. رفْضُ لورد لأن تصنّف إجتماعياً وأدبياً، كان بمثابةِ سمة تميزها كفرد بعيداً جداً عن الصور النمطية.

هنا في هذه المقالة تحت عنوان Poetry is not a Luxury (الشعر ليس ترفًا) التي نُشرت لأول مرة في مجلة Charysails العدد الثالث (١٩٧٧)، ثم جُمعت فيما بعد في كتاب (Sister Outsiderالذي حوى عدداً من مقالاتها وخطاباتها الخالدة. أنقلها لكم بترجمة حصرية.

تتحدث (لورد) الشاعرة النسوية، عن بالغ أهمية الشعر في كونه الكلمة الأعلى والمسموعة للوصول إلى التغيير، في كونه لغة عميقة رقيقة تترجم مطالب حقيقية. تحدثت لورد عن قدرة القصيدة الخارقة، على تسمية أفكارنا وتصنيفها. حاثّة على أن يكون صوت الأفكار عالياً، فلطالما كان صوت (لورد) عالياً، في مواجهة الصمت السائد والقمع.

جودة الضوء الذي نستشف به حيواتنا تنعكس على ثمرة مانعيشه، وعلى جميع التغييرات التي نتمنى استمطارها، من خلال هذه الحيوات، وعبر هذا الضوء الذي نشكّل به أفكارنا، سعياً وراء هذا السحر وتحقيقه. هذا هو ضوء الشعر، الشعر الذي من خلاله نطلق التسميات على تلك الأفكار التي قبل أن تكون قصيدة، لا إسم لها ولا شكل، كانت على وشك الولادة وهاهي تتنفس الآن. استمطار الخبرات هذا الذي يولد الأفكار من ينبوع الشعر الحقيقي، كمفهوم ولادة الحلم، والشعور بولادة الفكرة، وولادة المعرفة التي تسبق الفهم. كما تُعلمنا استيعاب حميمية هذا التبصر واستقراءه، واستخدام ثمرة هذا التبصر للسيطرة على حياتنا، حتى تفقد هذه المخاوف التي تتحكم في حياتنا وتشكّل صمتنا سيطرتها علينا.

الشعر في داخل كل منّا، هنا بداخل مكامن قوتنا التي هي بداية كل التغيير، فقالت (لورد):

نحن معشر النساء، هناك بقعة داكنة تختبئ داخل كل واحدة منا وتنمو حتى تسمو بروحها، قوية جميلة في مواجهة كوابيس الضعف والوهن. هذه القدرات في دواخلنا داكنة ومختبئة، وهاهي تنجو وتكبر لتصبح أقوى عبر الظلام. هذه المكامن العميقة في كل واحدة منا هي مدخَرٌ عظيم من القوة والإبداع، مدخر عظيم من مشاعر وانطباعاتٍ لم تُختبر ولم تُسجل بعد. مكمن القوة في داخل كل واحدة منا ليس أبيضاً ولا طافياً على السطح، بل داكن وعريق وعميقٌ جداً. عندما ننظر للحياة في طابع أوروبي فقط كمشكلة يمكن حلها، فإننا نعتمد فقط على أفكارنا لتحررنا، لذا كان قيماً وثميناً جداً ماقاله لنا الآباء البيض . ولكننا حينما أصبحنا على مقربة شديدة من عراقتنا، هذا الوعي الغير أوروبي للحياة كوضعٍ مجرب تم التفاعل معه؛ فإننا نتعلم أكثر وأكثر كيف نثمّن ونقدر هذه المشاعر حق قدرها، وكيف نحترم مكامن قوانا الداخلية التي من خلالها تكون المعرفة الحقة والأفعال الرنانة. وفي هذا الوقت من الزمان، فإنني أؤمن بأننا النساء نحمل في ذواتنا القدرة على الإلتحام والربط بين هذين الأسلوبين الضروريين للنجاة، وها نحن الآن نقترب من هذا المزيج في قصائدنا.  أنا أتحدث هنا عن الشعر كاستمطارٍ إلهامي للتجارب، لا كمفردة عابثة عقيمة أحياناً، كما شوه الآباء البيض مفردة الشعر لتؤدي بمعناها إلى تغطية يائسة للخيال دون تبصر.

قيمة الشعر الحقيقية، آلية القصيدة في منح التصور الفعلي الصحيح للأشياء:

بالنسبة لنا نحن النساء، فالشعر ليس رفاهية ولا كماليّ، الشعر ضرورة محضة لوجودنا. الشعر يشكل جودة الضوء الموجه نحو آمالنا وطموحاتنا للنجاة والتغيير، لغة ثم فكرة ثم أفعال ملموسة. الشعر هو الوسيلة لتسمية اللامسمى ليكون فكرة. القصيدة هي رتق لآفاق آمالنا ومخاوفنا البعيدة التي نحتتها تجاربنا الصلدة في الحياة اليومية. ها وقد أصبح أمر الإستجلاء الصادق لمشاعرنا متعارفٌ عليه ومقبولٌ، كالأرض الخصبة المحرمة لتَوالُد أكثر الأفكار جرأة وراديكالية؛ أصبحت هذه المشاعر باختلافاتها الملاذ الآمن للتغيير وتصوّر أي عمل هادف. الآن، أستطيع على الأقل تسمية عشرة أفكار قد أجدها مبالغٌ بها أو غير قابلة للنقاش ومريبة، ولكن فقط إن ظهرت بعد حلم أو قصيدة. هذا الأمر ليس خيالاً فاسداً أو فارغاً، بل تنبؤ منضبط وواعٍ إلى المعنى الحقيقي لـنعم، هذا الأمر يناسبني. إننا نستطيع تدريب ذواتنا لتحترم مشاعرنا وتترجمها إلى لغة لتصبح في متناول العالم، وعلى اعتبار أن هذه اللغة لم توجد بعد، فإن هذا هو دور الشعر للمساهمة في رواجها. الشعر ليس فقط أحلاماً ورؤىً، إنه هيكل بناء حياتنا، هو الأساس لمستقبل التغيير، والجسر لعبور مخاوفنا التي لم توجد بعد. سواء كانت قدراتنا لحظية أو أبدية، فليس من السهل الحفاظ على الإعتقاد بفعاليتها. نستطيع أحياناً أن نعمل بجد للبدء بمَدّ جسرٍ للمقاومة الحقيقة في سبيل كل الموتات التي ظننا أننا سنعيشها يوماً. ولكن ما إن يواجه الجسر هذا تهديداً أو قمعاً من قبل فرضيات مفرطة في السخف، كنا قد عايشناها حتى الخوف، أو حتى بسبب الإنسحاب من تلك الاتفاقات التي كنا نُحذّر منها لحفظ سلامتنا.  نرى أنفسنا قلصنا وخففنا من الإتهامات زوراً، في حق الشمولية، القابلية للتغير، والشهوانية.

الاحتياج للتغيير في حياتنا هو محفز القصيدة الأول، ومطوّعٌ لطريق السعي وراء الحرية:

ومن هو صاحب السؤال: هل أراني أغير هالتك؟ أفكارك؟ أحلامك؟ أم أنني محضاً أجرك إلى تلك الأعمال الإنتقالية الفاعلة؟ وبالرغم من أن هذا الأخير لا يعني المهمة بحد ذاتها، فإنه أمر كان ولابد من ظهوره في السياق بسبب الاحتياج للتغيير الحقيقي في كل أساس من أسس حياتنا. “أنا أفكر إذن أنا موجود” كالمرأة السوداء فيما بيننا، تلك الشاعرة التي تهمس في أحلامنا أنا أشعر، إذن أنا حرة”. تجعلنا نوقن بأن الشعر يجمع اللغة للتعبير وتوثيق هذا الاحتياج الثوري، السعي الحفيف وراء الحرية.

على كلٍ، فالخبرات علمتنا بأن الأفعال الحتمية هي ضرورة دائماً. أبناؤنا لن يحلمون إلا إن عاشوا، ولن يعيشوا إلا بالغذاء، ومن يستطيع أن يغذيهم بالطعام الحقيقي الذي لا يجعل أحلامهم باختلافٍ بالغٍ عن أحلامنا؟ ويصيح طفلٌ: إن كنت تريدنا أن نغير العالم يوماً، فإننا يجب أن نعيش كفاية للننضج”.

سطوة مواصلة تخيل أفكار جديدة على الطرق التي نحددها -عبر الشعر- لتجديد أفكارنا الساكنة قديماً في رؤوسنا، تلك الأفكار التي آلمتنا يوماً وعبرتنا وكان الشعر هو بلسمها الوحيد:

أحياناً نكبل أنفسنا بإحلامٍ لأفكار جديدة، وتكون نجاتنا هنا في الرأس، العقل وحده هو من يضمن لنا الحرية، ولكن ليس هنالك أي أفكار جديدة تنتظرنا على جناحٍ من الريح لتنقذنا نحن النساء، نحن البشر. هنالك فقط، أفكار قديمة تناساها الجميع، وبتكوين جديد واستقراء وإدراك من ذواتنا جنباً إلى جنب سننجح في محاولةٍ إظهارها. ويجب علينا تشجيع أنفسنا وبعضنا الآخر في محاولة تجنب هرطقة الأفعال التي تمليها علينا أحلامنا، والكثير من وضاعة أفكارنا القديمة. وفي طليعة تحركنا نحو التغيير، لا يوجد هنالك سوى الشعر كتلميح لاحتمالٍ حقيقي. قصائدنا هي من تعيد تشكيل مضامين ذواتنا، ومانشعره ونخشى جعله حقيقة، مخاوفنا، آمالنا، ورهبتنا الأعز. لم تكن مشاعرنا تهدف للنجاة، عبر أشكال الحياة التي تحددها المعيشة من قبل قوة خفية، والتجريد المؤسسي من الإنسانية، بل تم الحفاظ عليها هنا، في حين إعتقادنا بأنه من غير الممكن تجنب تنامياتها أو نشوة عهودها السابقة، هذه المشاعر التي أعتُقِد بأنها قد تركع للأفكار كما اعتُقِد يوماً بأن تركع النساء للرجال. لكن المرأة تنجو بحياتها، والشاعرة كذلك، فلا آلام جديدة، فقد عبرتنا كلها قبلاً، خبأناها في ذات المكان الذي خبأنا بهِ قوتنا. طفت على سطح أحلامنا، وكانت أحلامنا هي من تضع النقاط على حروف الحرية، هذه الأحلام صارت مفهومة عبر قصائدنا التي تمدنا بالقوة وتشجعنا لنرى، لنشعر، لنتحدث ونتجرأ.

(لورد) تختم هنا بجعل الشعر التزاماً وليس رفاهية، التزاماً تجاه أفكارنا ومستقبل التغيير:

ما نحتاجه لنحلم هو أن نرحل بأرواحنا إلى أعمق نقطة مباشرة نحو الالتزام، الذي لم يكن يوماً رفاهية، ولو استسلمت شرارة قوتنا، فإننا نستسلم عن صنع مستقبل لعالمنا. وإن غابت الأفكار المتجددة، فهنالك طرق جديدة لجعلنا نشعر بها، باختبار هذا الفكرة كيف ستكون شعوراً يُعاش في الساعة السابعة من صباح الأحد، بعد تناول الغداء، وخلال حبٍّ غامر ، نصنع حرباً وولادة، نبعث حياةً في موتانا، بينما نعاني من أشواق قديمة، ونتعارك مع محاذير قديمة ومخاوف من الصمت والعجز والوحدة، بينما نتذوق طعم القوة والإمكانيات الجديدة.

لانغستون هيوز يغني “وأنا أيضًا”

هيوز

لانغستون هيوز (1902-1967)، كاتب صحفي ومسرحي وروائي وشاعر وناشط اجتماعي أمريكي. ينحدر (لانغستون هيوز) من اعراق مختلفة فهو من اصول أفريقية واسكوتلاندية واوربية يهودية وكذللك جذر من الهنود الأمريكان.

ولد (لانغستون هيوز) في ولاية ميسوري، وهو الابن الثاني لأسرة هجرها ربها هربا من العنصرية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة انذاك. في 22 أيار عام 1967 توفّي (هيوز) في مدينة نيويورك على أثر تعقيدات حصلت بعد عملية جراحية.

وهنا نقدّم لكم ترجمة حصرية لأحد قصائده، والتي كان عنوانها “وأنا أيضًا”، يتحدث فيها عن وطنيته بالرغم من اختلاف عرقه عن البلاد التي يدعوها الوطن. يقول في قصيدته:

وأنا أيضاً أغني أمريكا

أنا الشقيق الأسمر

يرسلوني للمطبخ لآكل

عندما تحضر الشركة

ولكني أضحك

وأتناول الطعام بشكل جيّد

وأكبر بشكلٍ قويّ

غداً..

سأكون في الجدول

عندما تحضر الشركة

عندها لا أحد سيجرؤ

أن يقول لي

تناول الطعام في المطبخ

ثم..

إلى جانب ذلك

سوف يرون كم أنا جميل

وسيخجلون..

أنا أيضاً أمريكي.

عندما تَفسُد السياسة، يظهر الشَّعر

 

أدريانا ريتش

“وحده  الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة”. (أدريان ريتش).

سآخذ بمقولة (بالدوين): “إن الشعراء  هم الأشخاص الوحيدون الذين يعرفون حقيقتنا. ليس الجنود. ولا حتى الدولة تفعل ذلك. ليس الكهنة. ولا زعماء الاتحادات. الشعراء فقط” .. كيف يكملنا الشعر؟ ويعطينا شكل لخبراتنا من خلال اللغة، وبالتالي منحنا فعاليتنا، كرامتنا، وصلاحية حياتنا، الشعر ببساطة هو توسيع قدراتنا للوصول إلى إنسانيتنا.

بلا شك يفعل الشعر ذلك، ولكن ليست كل القصائد، وهذه هي الحيرة التي لازمتني كمتسائلة منذ زمن.

الجواب، أو على الأقل جزء من إجابة، وصلتني كشرارات، كومضة من نصف حلم، ونصف ذاكرة، عندما كنت أنجرف إلى النوم في إحدى الليالي الهادئة. تذكرت فجأة شيئا كنت قد قرأته منذ فترة طويلة، منذ وقت طويل شيء يبدو أنه أصبح  كالخبايا والرموز في أعماق عقلي اللاواعي، كان ذلك؛ (ملاحظات عن الشعر والسياسة) للشاعرة (أدريان ريتش). واحدة من أعظم الشاعرات وأنبّه العقول في القرن الماضي.

تماماً بعد ثلاثين عاماً بالضبط من خطاب الرئيس (جون كينيدي) الأشهر على الأطلاق ومقولته: “عندما تفسد السياسة ، يظهر الشعر” فكرت حينها (أدريان ريتش) وكتبت ما يلي:

إذا أستخدمت القصيدة كوسيلة وردّة فعل سياسية فورية فسيكون الأمر خاطئاً وكأنك تحاول إعلان مظاهرة احتجاجية على الفور، أو صنع خط طارئ  للاعتصام.

[…]

أريد ذلك النوع من الشعر الذي لا يكلف نفسه عناء إمّا الثناء على القادة والأحزاب وإمّا لعنهم. ولكني أريده أن يكتشف من نحن – داخليا وخارجياً – من نحن؟ في ظل ظروف حياتية تعيسة وسوء استخدام للقوة من السلطة الفاسدة . كيف يكشف مفاوضاتنا الخاصة مع أنفسنا، عبر تأرجح آلامنا، وكدماتنا النفسية.  كيف نصنع الحب – بأكبر قدر من الحميمية وبأوسع معنى – كيف؟ (بكل معنى هذا التساؤل) كيف نشعر؟ وكيف نحاول أن نصنع الشعور؟

الشاعرة التي أمضت جل حياتها تفكر في العلاقة بين الفن والرأسمالية، وأصبحت أول شاعرة –وما زالت الوحيدة- في رفض الميدالية الوطنية للفنون احتجاجاً على  نقاط الضعف في تلك العلاقة معتبرة الشعر كوعد منفرد و وحيد وسط غابة ثقافة جديدة مشغولة البال ومخدّرة أمام  الرأسمالية المتفشية قائلة:

وحده الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع  المناطق المخدرة إلى الشعور، وإعادة شحن الرغبة.

[…]

لم يسبق لي أن أعتقدت أن الشعر هو هروب من التاريخ، وأنا لا أعتقد أنه أقل ضرورة من الغذاء والمأوى والصحة والتعليم وظروف العمل اللائقة- الشعور ضروري.

[…]

كل قرار سياسي له مبرره الخاص في موازين الربح الرأسمالية المشتركة، الشعر يقلق هذه الطريقة في العيش، وليس من خلال  أيديولوجية، ولكن من خلال تواجده الذاتيّ وطرق بقائه، إنه تجسيد  لمملكاته الخاصة من الحنين والرغبة.

وبعد تسليع المشاعر في الثقافة المعاصرة تكتب:

سنرى اليأس عندما تخرج الغطرسة الاجتماعية واللامبالاة من نفس الشخص, مع الرغبة في العيش في مستويات مدمرة من السطحية والتسطيح الذاتي … اليأس، عندما لا يكون الرد على الهزيمة المادية والمعنوية المطلقة، مثل قوة الحرب، وفشل المُخيلة .

وفي واحدة من أقوى ملاحظاتها عن دور الشعر في تجربة المهاجرين, ورحلات القهر:

الشعر هو تدفق مياه العالم السرية، هو صوت الماء عندما يرتديه الحجر.

لن يهم إذا نزح الشاعر إلى الغربة، وهاجر داخل روحه، شاعراً سيعتاد على ظروف العمل الرهيبة التي تقوم عليها الثروة الرأسمالية، شاعراً من منطلق وجوده الخاص، شاعراً كشخص مُدان، أو أرستقراطي، كعاشق أو عدو؛ كل أعمالنا عانت وتمزقت من الخيال الوطني المزعزع للاستقرار، ومن توهمنا المختبئ في التاريخ.

وأخيراً الشعر في مواجهة الظلم تقول:

لا أحد يحب الحياة و الشعر، يمكن له أن يحسد الظروف التي يعيش بها بعض الشعراء في أنحاء العالم، شعراء يكتبون بينما اجراءات الحبس الانفرادي، والتعذيب، والنفي تلاحقهم، شعراء يكتبون بحظر كبير، دون نشر، دون صوت عالي سوى في سرهم. وإذا حسدت ظروفهم فذلك يعني أنني أحسد موهبتهم، شجاعتهم، إيمانهم العنيد في قوة كلماتهم، تلك الرغبة لدي في استبدال ظروفهم الطارئة بظروفنا المستقرة هنا في أمريكا الولايات المتحدة، أن نتبادل شعورهم بالمأزق، والتحدي، والمطاردة!


[المصدر]