أرشيف الوسم: الشعر

أيجب أن يعبر الشعر عن مشاكل المجتمع؟ نازك الملائكة تتساءل

3a-na-71192

نازك صادق الملائكة (1923 – 2007) شاعرة من العراق، ولدت في بغداد في بيئة ثقافية وتخرجت من دار المعلمين العالية عام 1944. دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن-ماديسون في أمريكا، وعينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت. عاشت في القاهرة منذ 1990 في عزلة اختيارية وتوفيت بها في 20 يونيو 2007 عن عمر يناهز 83 عاما.

في كتابها (قضايا الشعر العربي)، تستغرب ممن ينتقد على الشعر والفن بشكل عام انفصاله عن الواقع. تقول مستفتحة حديثها:

باتت الدعوة إلى اجتماعية الشعر نبرة عصبية تطغى على الصحافة العربية طغيانًا عاصفًا. فالقارئ يعثر على أصدائها في كل صحيفة يقرؤها، ويسمعها تتكرر في محطات الإذاعة، وتتسلل إلى أحاديث الأندية والمجتمعات حتى باتت في عنفها تشبه تيارًا جارفًا يريد أن يكتسح القيم كلها. ونحن لا نشكك في سلامة نية هذه الدعوة، وصدق إيمانها بغايتها، ومن المؤكد أنها لا تريد ضرًا بالشعراء، فهي على العكس تؤمن بالشعر إيمانًا متحمسًا يجعلها تنتظر منه أن يحقق المعجزات في سبيل إنقاذ هذه الأمة التي تعبر اليوم مرحلة متأزمة من حياتها. على أن سلامة النية لا تملك أن تعصم من الاندفاع العاطفي الذي نلمس آثاره في هذه الدعوة، ولذلك بات على الشعر المعاصر أن يواجه الموقف ويتخذ إزاءه قرارًا.

ثم تقول بعد ذلك:

أول ما يؤخذ على هذه الدعوة التي تذهب إلى أن الشعر يجب أن يكون “اجتماعيًا”، أنها تتسلح بمجموعة من التعابير المبهمة التي لا تحاول تحديدها من نحو قولهم “أبراج عاجية” و”المتهربون من الواقع” و”الأدب الشعبي” و”الشعراء الذاتيون”. وقد أدّى تداول جماهير الكتاب لهذه الألفاظ إلى اضطراب شديد في مدلولاتها وأكسبها من السطحية ما يجعل الناقد المثقف يتحرج من استعمالها محاولًا صياغة تعابير جديدة تؤدي معانيها الفنية والنظرية.

وترد على ذلك بقولها:

ويبدو لنا أن الدعوة قد نسيت حتى الآن أنها في مجال فنيّ، فهي تتحدث عن كل شيء آخر غير الشعر، مع أنها موجهة إلى الشعراء.

وتكمل حديثها مبيّنة مآخذ تلك الدعوة:

والدعوة بصورتها الحالية تحتمل نقدًا شديدًا من جهاتها كلها؛ فنيًا وإنسانيًا ووطنيًا وجماليًا. وأبرز مواطن الضعف فيها أنها -كما قلنا- لا ترتكز على أسس فنية، شعرية، ولم يحاول كاتب واحد بعد أن يحددها من وجهتها النظرية.

وتبدأ نقدها من الوجهة الفنية، فتقول:

أما من الوجهة الفنية، فيبدو لنا أن الدعوة حين تلحّ على أن الشعر يجب أن يكون اجتماعيًا، فإنما تتناول “الموضوع” وتجعله الغاية الوحيدة المقصودة في كل شعر. فهي لا تهتم بسائر مقومات القصيدة كالبناء والهيكل والصورة والانفعال والموسيقى والفكرة والمعاني الظاهرة والخفية، […] وهذا مخالف لمفاهيم الشعر البديهية، فلعل الموضوع في نظر النقد الأدبي أتفه مقومات الشعر وأقلها استحقاقًا للدراسة المنفصلة، وذلك لأن كل موضوع يصلح للشعر سواء أدار حول مشاكلنا القومية أو حول شجرة التوت أو معركة سباب في شارع ضيق، فالمهم على كل حال هو أسلوب الشاعر في معالجة الموضوع، ولذلك نجد الموضوع عينه ميتًا أو مغمى عليه عند شاعر، حيًا ينبض بالجمال المنفعل عند شاعر ثان. ومن هذا يبدو أن الدعوة تلح على العنصر الوحيد الذي ليس شعريًا في القصيدة.

ولا تقتصر هذه الدعوة على عزل الموضوع عن سائر عناصر القصيدة، وتضخيم قيمته الفنية هذا التضخيم الذي لا يشفع له شيء، وإنما تمضي في طغيانها الحسن النية، فتأبى إلا أن تحدد مجال هذا الموضوع تحديدًا صارمًا. فكل شعور لا يتعلق بالوطنية بأضيق معانيها يفوز لديها بنعوت عاطفية جارفة لا يصد اندفاعها شيء. وهكذا نجدها لا تكتفي بهدم سائر معالم القصيدة، وإنما تهدف إلى أن تتحكم حتى في العنصر الوحيد الذي أبقته وهو الموضوع.

ثم تنتقل بعد ذلك إلى الوجهة الاجتماعية، فتقول:

وإذا فحصنا الدعوة من الوجهة الاجتماعية وجدناها في صميمها تنزع إلى أن تجرد الشعر من العواطف الإنسانية. ذلك أن أشد سخطها واستنكارها ينهال على ما تسمّيه “المشاعر الذاتية” و”الهرب من الواقع” و”الانعزالية”، ولو فحصنا هذه التعابير لوجدناها تنتهي كلها إلى أن تنكر أن يكون شعور الفرد العادي من الناس موضوعًا للشعر، فهو لكي يستحق أن تدور حوله قصيدة، ينبغي أن يكون عملاقًا بلا مشاعر؛ فلا يحب الأزهار، ولا يضيع وقته في مراقبة مغرب الشمس على حقول الحنطة، ثم إنه لا يتألم لهمومه الخاصة، وهو يؤمن بأن الاستماع إلى الموسيقى في هذه الظروف إنما هو خيانة وطنية، ونحو هذا .. وليس أشد تناقضًا من هذا.

وأخيرًا إلى الوجهة الوطنية، تقول:

ولندرس الدعوة من وجهتها الوطنية. فماذا نجد؟ هنا أيضًا ستجبهنا أسس منهارة لا تستطيع أن تثبت للفحص طويلًا. والحق أن العنصر الوطني قائم، لو فكرنا، على فهم للوطنية يضيّق معناها تضييقًا شديدًا. فالدعوة عندما تؤكد أن انصراف الشاعر المعاصر إلى تصوير عواطفه الخاصة يدل على نقص في حسه الوطني -والدعوة تستعمل ألفاظًا أعنف غالبًا- إنما تفترض ضمنًا ثلاثة ضمونات غريبة تستوقف النظر. وسنحاول أن نناقشها هنا.

وتستغرب أن يكون ذلك معارضًا للشعور بالوطنية، وتنتقد وجهة نظر أولئك النقاد وفهمهم للوطن، فتقول:

أول هذه المضمونات أن الدعوة تفصل فصلًا  قاطعًا بين دائرة “المواطن” الصالح ودائرة “الإنسان”. فلكي يكون المرء مواطنًا صالحًا في نظرها ينبغي له أولًا  أن يتخلص من إنسانيته، فلا يحب قوس قزح، ولا ينفعل لمنظر الحصاد، ولا تطربه أغاني الحمامة بين النخيل في ظهيرة بغدادية، إلخ. فكل هذا إذا تغنّى به الشاعر، إنما يثبت “سلبيته” في نظر الدعوة.

وتكمل قائلة:

وأما ثاني المضمونات  الغريبة التي تختفي خلف هذا الحكم الذي تسوقه الدعوة، فهو ينتهي بنا إلى الحكم بأن “الوطنية” معنى مرادف للكفاح السياسي، وهذا مخالف للمعنى الحقيقي للوطنية، معنى حب الوطن العربي وحسب. أما الكفاح السياسي فهو وظيفة النخبة المثقفة من القادة والزعماء والاختصاصيين في كل أمة. ويبدو أن الدعوة تتغافل عن حقيقة أخرى مهمة هي أن الوظيفة العظمى للملايين من المواطنين في كل بلد هي إعالة أسرهم وتحسين أحوالهم الاجتماعية وتهذيب أبناءهم وانصرافهم انصرافًا مخلصًا إلى أعمالهم التي تؤهلهم لها إمكانياتهم العقلية والجسمية، فليس عملهم هذا بأقل قداسة ومكانة من عمل السياسي المناضل والزعيم الموجه.

وتختم حديثها بالنقطة الأخيرة في موضوع الوطنية، فتقول:

أما ثالث المضمونات، فهو الحكم بأن الشعر لا يملك قيمة ذاتية في المجتمع، وإنما هو واسطة لغايات أخرى. وهذا حكم يتجاهل القيم الحيوية التي يملكها الفن في حياتنا الإنسانية بمعزل عن موضوعه. وأول هذه القيم أن الفن شحذ لملكات معينة في الإنسان لا يعقل أن الطبيعة كانت عابثة عندما أوجدتها. وثانيها ما يراه الفيلسوف الفرنسي (جان ماري غويو) من أن الفنون كلها وسيلة لإنفاق الفائض من الطاقة الإنسانية الذي لا بد له أن ينفق، فإذا قضى المجتمع على الفن أدى ذلك إلى أن تختزل طاقة متفجرة في الذهن الإنساني دون أن يجد منفذًا، وهذا لا بد أن يؤدي إلى نوع من فقدان التوازن بين الحياتين الحركية والنفسية، وهو أمر مضر بالحياة.

نازك الملائكة، والشعر الحرّ في الثقافة العربية

3a-na-71192

نازك صادق الملائكة (1923 – 2007) شاعرة من العراق، ولدت في بغداد في بيئة ثقافية وتخرجت من دار المعلمين العالية عام 1944. دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن-ماديسون في أمريكا، وعينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت. عاشت في القاهرة منذ 1990 في عزلة اختيارية وتوفيت بها في 20 يونيو 2007 عن عمر يناهز 83 عاما.

في كتابها (قضايا الشعر العربي)، ذكرت في مقدمة الطبعة الخامسة، بأن الشعر الحرّ هو شعر موزون، وليس مجرد نثر كما يظن البعض. فتقول:

ما زال المتعصبون والمتزمّتون من أنصار الشطرين يدحرجون في طريق الشعر الحرّ صخورهم التي يظنونها ضخمة بحيث تقتل هذا الشعر وتزيحه من الوجود. مع أنها لا تزيد على أن تتدحرج من الجبل إلى الوادي ثم ترقد هناك دون أن تؤثر في مجرى نهر الشعر الحرّ الجارف الذي ينطلق يروي السهول الفسيحة وينتج أزهارًا وفاكهة ونخيلًا  وبساتين. وهؤلاء المتعصبون ما زالوا يرددون قولًا مضمونه أن الشعر الحرّ ولد غير شرعي فلا علاقة له بالشعر العربي.

ثم تستشهد بأبيات للشاعر الفلسطيني (محمود درويش)، يقول فيها:

وفوق سطوح الزوابع كل كلام جميل

وكل لقاء وداع

وما بيننا غير هذا اللقاء

وما بيننا غير هذا الوداع

وتعقب بعد ذلك:

ومع أن هذا الشعر حرّ طبيعيّ إلا من الممكن اعتباره شعر شطرين بمجرد تغيير شكل كتابته كما يلي:

وفوق سطوح الزوابع كلُّ .. كلام جميل وكل لقاء

وما بيننا غير هذا اللقاء .. وما بيننا غير هذا الوداع

وقد أسقَطتُ كلمة واحدة هي “وداع”، وهذا ما يجب أن يقنع اعتراضات المتزمتين. فإن الشعر الحر يمكن أن يعدَّ شعر شطرين اعتياديًا ما عدا أنه أوسع من أسلوب الشطرين وأرحب أفقًا. وليس معنى كلامنا هذا أننا نتخلى عن الشطرين ونرفضهما. فإن لهما مزايا وعيوبًا كما أن للشعر الحرّ مزايا وعيوبًا. وأنا حريصة عليهما معًا، محبة لهما كليهما، وكل ما أدعو إليه أن نقيم أسلوب الشعر الحرّ توأمًا جميلًا لأسلوب الشطرين فكلاهما طفل يلثغ بالأغاني الحلوة وليس لشاعر أن يرفض أيًا منهما.

وقد يقول البعض بأن هذا النوع من الشعر دخيلٌ على الثقافة العربية، وليس أصيلٌ فيها. ويراه آخرون وكأنه تأثر بالقصيدة الأعجمية ليس إلا. لكن (نازك) تورد في بداية كتابها قصيدة منسوبة إلى (ابن دريد) في القرن الرابع للهجرة، رغم أنها تشكك في صحة هذا النسب، لركاكة هذه الأبيات لغويًا برأيها:

ربّ أخ كنت به مغتبطًا

أشد كفّي بعرى صحبته

تمسكًا مني بالود ولا

أحسه يغير العهد ولا يحول عنه أبدًا

ما حل روحي وجسدي

فانقلب العهد به

فعدت أن أصلح ما أفسده

فاستصعب أن يأتي طوعًا متأنّيت أرجيه

فلما لج في الغي إباء

ومضى منهمكًا غسّلت إذ ذاك يدي منه

ولم آس على ما فات منه

وإذا لجّ بي الأمر الذي تطلبه فعد عنه

وتأتي غيره ولا تلج فيه فتلقى عنتًا و

جانب الغي وأهل الفند واصبر

على نائبة فاجأك الدهر بها

والصبر أحرى يذوي اللب وأربو بهمو

وقلَّ من صابر ما فاجأه الدهر به

إلا سيلقى فرجًا في يومه أو غده

كما أبياتًا أخرى، منسوبة إلى (أبي العلاء المعرّي):

أصلحك الله وأبقاك

لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم

إلى منزلنا الحالي

لكي نحدث عهدًا بك يا خير الأخلاء

فما مثلك من غيّر عهدًا أو غفل


ثم تتحدث عن بدايات هذا الشكل من الشعر في الثقافة العربية، فتقول:

أول قصيدة حرة الوزن تُنشر قصيدتي المعنونة “الكوليرا” […] نشرت هذه القصيدة في بيروت ووصلت نسخها بغداد في أول كانون الأول ١٩٤٧م. وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان (بدر شاكل السياب) (أزهار ذابلة) وفيه قصيدته حرة الوزن له من بحر الرمل عنوانها “هل كان حبًا” وقد علّق في الحاشية بأنها من “الشعر المختلف الأوزان والقوافي”. […] على أن ظهور هاتين القصيدتين لم يلفت نظر الجمهور، وكان تعليق مجلة (العروبة) على قصيدتي هو التعليق الوحيد على هذه النقلة في أسلوب الوزن. ومضت سنتان صامتتان لم تنشر خلالهما الصحف شعرًا حرًا على الإطلاق.

وفي صيف سنة ١٩٤٩م صدر ديواني (شظايا ورماد) وقد ضمنته مجموعة من القصائد الحرة، وقفت عندها في مقدمة الكتاب المسهبة وأشرت إلى وجه التجديد في ذلك الشعر، وبيّنت موضع اختلافه عن أسلوب الشطرين، ثم جئت بمثال من تنسيق التفعيلات، وعيّنت بعض البحور الخليلة التي تصلح لهذا الشعر.

وما كاد هذا الديوان يظهر حتى قامت له ضجة شديدة في صحف العراق، وأثيرت حوله مناقشات حامية في الأوساط الأدبية في بغداد. وكان كثير من المعلقين ساخطين ساخرين يتنبأون للدعوة كلها بالفشل الأكيد. غير أن استجابة الجمهور الكبير كانت تحدث في صمت وخفاء خلال ذلك، فما كادت الأشهر العصيبة الأولى من ثورة الصحف والأوساط تنصرم حتى بدأت تظهر قصائد حرة الوزن ينظمها شعراء يافعون في العراق ويبعثون بها إلى الصحف. وبدأت الدعوة تنمو وتتسع.

وفي آذار ١٩٥٠ صدر في بيروت ديوان أول لشاعر عراقي جديد هو (عبدالوهاب البياتي) وكان عنوانه (ملائكة وشياطين) وفيه قصائد حرة الوزن. تلا ذلك ديوان (المساء الأخير) لـ(شاذل طاقة) في صيف ١٩٥٠ ثم صدر (أساطير) لـ(بدر شاكر السياب) في أيلول ١٩٥٠م وتتالت بعد ذلك الدواوين، وراحت دعوة الشعر الحر تتخذ مظهرًا أقوى حتى راح بعض الشعراء يهجرون أسلوب الشطرين هجرًا قاطعًا ليستعملوا الأسلوب الجديد.

لكنها عادت لتستدرك في الطبعة الخامسة من الكتاب، عن الطبعة الأولى، لتقول:

عام ١٩٦٢م صدر كتابي هذا، وفيه حكمت أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي. ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدري أن شعرًا حرًا قد نظم في العالم العربي قبل سنة ١٩٤٧م، سنة نظمي لقصيدة “الكوليرا”. ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة ١٩٣٢م، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين لأنني لم أقرأ بعد تلك القصائد في مصادرها. وإذا أسماء غير قليلة ترد في هذا المجال منها اسم (علي أحمد باكثير) و(محمد فريد أبي حديد) و(محمود حسن إسماعيل) و(عرار) شاعر الأردن و(لويس عوض) وسواهم. ثم عثرت أنا نفسي على قصيدة منشورة قبل قصيدتي وقصيدة (بدر السياب) للشاعر (بديع حقي) وهذا مقطع منها:

أي نسمة

حلوة الخفق عليلة

تمسح الأوراق في لين ورحمة

تهرق الرعشة في طيات نغمة

وأنا في الغاب أبكي

أملًا ضاع وحلمًا ومواعيد ظليلة

والمنى قد هربت من صفرة الغصن النحيلة

فامحى النور وهام الظل يحكي

بعض وسواسي وأوهامي البخيلة

ثم تتساءل (نازك) عن النقطة التي يمكن اعتبارها منشأ الشعر الحرّ في الثقافة العربية:

هل يمكن أن نحكم بأن حركة الشعر الحرّ قد بدأت في العراق سنة ١٩٢١م؟ أو أنها بدأت في مصر سنة ١٩٣٢م؟ والواقع أننا لا نستطيع، فالذي يبدو لي أن هناك أربعة شروط ينبغي أن تتوافر لكي نعتبر قصيدة ما أو قصائد هي بداية هذه الحركة وسأدرجها فيما يلي:

أولًا: أن يكون ناظم القصيدة واعيًا إلى أنه قد استحدث بقصيدته أسلوبًا وزنيًا جديدًا سيكون مثيرًا أشد إثارة حين يظهر للجمهور.

ثانيًا: أن يقدم الشاعر قصيدته تلك -أو قصائده- مصحوبة بدعوة إلى الشعراء يدعوهم فيها إلى إستعمال هذا اللون في جرأة وثقة، شارحًا الأساس العروضي لما يدعو إليه.

ثالثًا: أن تستثير دعوته صدىً بعيدًا لدى النقاد والقراء فيضجون فورًا -سواءً أكان ذلك ضجيج إعجاب أم إستنكار- ويكتبون مقالات كثيرة يناقشون فيها الدعوة.

رابعًا: أن يستجيب الشعراء للدعوة ويبدؤون فورًا باستعمال اللون الجديد، وتكون الاستجابة على نطاق واسع يشمل العالم العربي كله.

ولو تأملنا القصائد الحرة التي ظهرت قبل عام ١٩٤٧م لوجدناها لا تحقق أيًا من هذه الشروط، فإنها مرّت ورودًا صامتة على سطح تيار، وجرفها الصمت فلم يعلّق عليها أحد، ولم يتقبلها شاعر واحد. […] وعلى هذا فإن القصائد الحرة التي نظمت قبل عما ١٩٤٧م قد كانت كلها “إرهاصات” تتنبأ بقرب ظهور حركة الشعر الحر. ،لأولئك الشعراء دورهم الذي نعترف به أجمل اعتراف، فإنهم كانوا مرهفين فاهتدوا إلى أسلوب الشعر الحرّ عرَضًا، وإن كانوا لم يشخصوا أهمية ما طلعوا به ولا هم صمدوا واستمروا ينظمونه. ولعل العصر نفسه لم يكن مهيأ لتقبل الشكل الجديد إذ ذاك، ولذلك جرف الزمن ما صنعوا وانطفأت الشعلة فلم تلتهب حتى صدر (شظايا ورماد) عام ١٩٤٩م وفيه دعوتي الواضحة إلى الشعر الحر.

وتختتم حديثها قائلة:

كذلك أحب أن أثبت، في ختام هذا الحديث، اعتقادي بأنني لو لم أبدأ حركة الشعر الحر، لبدأها (بدر شاكر السياب) يرحمه الله، ولو لم نبدأها أنا و(بدر) لبدأها شاعر عربي غيري رغيره، فإن الشعر الحرّ قد أصبح في تلك السنين ثمرة ناضجة حلوة على دوحة الشعر العربي بحيث حان قطافها، ولا بد من أن يحصدها حاصد ما في أية بقعة من بقاع الوطن العربي. لأنه قد حان لروض الشعر أن تنبثق فيه سنابل جديدة باهرة تغيّر النمط الشائع، وتبتدئ عصرًا أدبيًا جيدًا كله حيوية وخصب وانطلاق.

بورخيس في حديثه عن الشعر

بورخيس

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، وبرز أيضًا في الشعر والنقد. في خريف 1967، ألقى (بورخيس)  في جامعة (هارفارد) سلسلة مكونة من ست محاضرات عن الشعر، وخلال أكثر من ثلاثين عامًا، ظلّت هذه المحاضرات محفوظة على أشرطة ممغنطة في قبو صامت لإحدى المكتبات، منسيّة دون أن تجد طريقها إلى النشر، إلى أن رأت النور ضمن مطبوعات جامعة هارفارد عام 1970 مثبتة قيمتها الأدبية العالية، أن التأخر في النشر لا يعني دائمًا عدم الأهمية. فمحاضرات (بورخيس) ما زالت -في الأوساط الثقافية- تملك الأهمية ذاتها التي كانت لها حين ألقاها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

جُمعت هذه المحاضرات في كتاب، ومن ثم ترجمت إلى عدة لغات، منها العربية. وحملت عنوان (صنعة الشعر)، حسب ترجمة الأستاذ (صالح علماني). في محاضرته الأولى، والتي تحدث فيها عن الشعر، ابتدأ حديثه بقوله:

والحقيقة أنه لا وجود لديّ لأي كشف أقدمه. لقد أمضيت حياتي وأنا أقرأ، وأحلل، وأكتب، أو أحاول أن أكتب، وأستمتع. وقد اكتشفت أن هذا الأمر الأخير هو الأهم.

فالمهم بالنسبة لـ(بورخيس) في القراءة هو الاستمتاع، ومن ثم يتحدث عن “الكتاب”، في محاولة لتعريفه، فيقول:

فما هو هذا الكتاب بذاته؟ الكتاب بشيء مادي في عالم أشياء مادية. إنه مجموعة رموز ميتة. وعندما يأتي القارئ المناسب، تظهر الكلمات إلى الحياة – أو بعبارة أدق، يظهر الشعر الذي تخبئه الكلمات، لأن الكلمات وحدها ما هي إلا رموز محضة ، ونشهد عندئذ انبعاثًا للعالم.

فالقارئ الجيد، هو أيضًا جزء من معادلة الكتاب الجيد. ثم يقول:

أظن أن القراءة الأولى هي الحقيقية، وأننا في المرات التالية نخدع أنفسنا بالاعتقاد بأن الإحساس، الانطباع، يتكرر. ولكن، كما أقول، يمكن للأمر أن يكون محض وفاء، محض مصيدة من ذاكرتي، محض خلط بين عاطفتنا والعاطفة التي أحسسنا بها يومًا. وهكذا، يمكن القول إن الشعر هو، في كل مرة، تجربة جديدة. فكل مرة أقرأ فيها قصيدة ما، تحدث التجربة. وهذا هو الشعر.

ومن هنا، ينطلق في محاولة لتعريف الشعر، فيقول:

فإذا كان عليّ، على سبيل المثال، أن أُعرّف الشعر، وليس لدي الشعر كله، وكنت أشعر أنني غير متأكد، فإنني سأقول شيئًا من نوع: “الشعر هو التعبير عن الجمال بكلمات محبوكة بصورة فنية”. يمكن لهذا التعريف أن ينفع في معجم أو في كتاب تعليمي، أما نحن فيبدو لنا قليل الإقناع. فهناك شيء أكثر أهمية بكثير .. شيء لا يشجعنا فقط على مواصلة تجريب الشعر، وإنما الاستمتاع به كذلك والإحساس بأننا نعرف كل شيء عنه.

هذا يعني أننا نعرف ما هو الشعر. نعرف ذلك جيدًا إلى حد لا نستطيع معه تعريفه بكلمات أخرى، مثلما نحن عاجزون عن تعريف مذاق القهوة، واللون الأحمر أو الأصفر، أو معنى الغضب، الحب، الكراهية، الفجر، الغروب أو حب بلادنا. هذه الأشياء متجذرة فينا بحيث لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الرموز المشتركة التي نتداولها. وما حاجتنا إلى مزيد من الكلمات؟

لماذا يكتب محمود درويش الشعر؟

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب (أنا الموقع أدناه)، وهو لقاء صحفي مع الشاعر قامت به الصحفية (إيفانا مرشليان)، ونُشر بعد وفاة الشاعر بعدة سنوات، سألت الصحفية: “أستاذ محمود، لماذا الشعر؟ وماذا يبقى منك خارجه؟”

فكان جواب (درويش):

لماذا الشعر؟ لأني أستطيع أن أقول فيه وأن أفعل فيه ما لا أستطيع قوله أو فعله خارج الشعر.

فلو فعلنا وقلنا خارج الشعر ما نفعل ونقول داخله، لبدا الشعراء عصابة من المجرمين والمجانين.

تصوّري لو أنني مشيت عاريًا في الشارع، أو تصوّريني أقول لجرسون المقهى: “أعطني فنجانًا من القهوة تزغرد فيه مياه المزاريب”!

لا أستطيع في القصيدة إلا أن أكون حرًا. ولا أستطيع أن أكون حرًا إلا إذا كنت عاريًا تمامًا من الأقنعة، ومن الأهداف، ومن التقاليد، ومن الحرية ذاتها.

أما ما يبقى مني خارج الشعر فهو: القناع، والهدف، والموروث، وشرط الحرية.

وقد يكون ذلك أفضل.

ولكن اسمعي هذه النصيحة من إنسان يدخل إلى الشعر ويخرج منه: إن بعض الأسئلة المهووسة بالمفارقة، كسؤالك هذا – وهو سؤال جميل لأنه يريد أن يؤسس التناقض، أو التعارض، بين الداخل الشاعر وخارجه.

ولكن، علينا أن نتذكر دائمًا أو أحيانًا كما تشائين، أنه لا وجود للداخل من دون الخارج. ليس لي ما أجده داخل الشعر إذا لم أكن ممتلئًا بالخارج: بالواقع، بالناس، بالتاريخ، بالطبيعة وغيرها.

وللداخل أن يركب كيمياء داخله الخاص والسري، بطريقته التي نفهم آلية عملها، مع العناصر القادمة من الخارج والمكوّنة أيضًا لعلاقة الداخل بها.

أما كيف يتجلّى الداخل داخلًا  مستقلًا  عن عناصر تكوينه الخارجية، فتلك إحدى أسرار خصوصية كل واحد منا. من الطبيعي أن يخرج الداخل بعالمه الخاص، قصيدته، إلى الخارج مختلفًا عنه. ولكنه لو لم يكن منه اختلف عنه. وليس في وسع الشاعر أن يكون شاعرًا دائمًا.

إن ما يتبقى منا خارج الشعر هو قابليتنا المتوترة لتحويل الخارج إلى مادة يهضمها الداخل، أي إلى تحويل الواقع اللاشعري إلى حالة شعرية.

 

حسين البرغوثي: محاولة أخرى لتقديم نفسي

WdKO8U22

حسين جميل البرغوثي (1954- 2002) شاعر ومفكر فلسطيني. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت حتى عام 1997، وأستاذًا للنقد الأدبي والمسرح في جامعة القدس حتى عام 2000. وأثناء هذه الفترة كان عضوا مؤسسا لبيت الشعر الفلسطيني وعضوا للهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين ورئيسا لتحرير مجلة اوغاريت ومديرًا لتحرير مجلة الشعراء حتى رحيله في عام 2002 مريضًا بالسرطان.

تحدث حسين البرغوثي في نص (محاولة أخرى لتقديم نفسي) كتبه لمجلة مشارف (عدد ٢) بتاريخ ١ سبتمبر ١٩٩٥ عن الشعر وذاته كشاعر يقول فيه:

الشعر بالنسبة لي حوار مرعب، مستفز، وله نشوته. بين القمم والهاوية، بين الحلم واليقظة، بين الموت والحياة، بين الموجود والوجود.إنه حدس بأن كل الكون صدفة، وبأن الصدفة لاتفسره. وبأن العابر والمستقر وجهان للتفسير وليسا تفسيرًا.

مضيفًا على كلامه معنىً للشعر الحقيقي:

أعني بأن الشعر الحقيقي رؤيا تشبه رؤية العدم في قبضة من تراب. ورؤية الرب على أصغر برعم ورد. ذهول مطلق من الموجود والوجود. يظهر في محاولة دائمة لإزاحة كل تفسير وكل معنى وكل رابطة تستأنف الموجود والوجود وحتى إزاحة لهذه اللغة التي تسمح لنا بـ“تسمية الأشياء”، وبالتالي بالبحث الدائم عن “اللا مُسمَّى”.

قال أيضاً :

إن الشعر ليس إلا فتحة في الكون على الكون، والشاعر يوسع الدهليز داخلًا  أعماقًا لم يرها أحد من قبل. خارجًا نحو سطوح لم يرها هو من قبل، وكثيرا مايحتاج ليس للحياة فقط. بل لتحويل “التجربة الحية” إلى معرفة. معرفة تشبة اللذة، لذة الكشف ،لذة إعادة الصياغة ،لذة القوة، وإرادة تصور الوجود.

اعتباره بأن الشعر هو الحقيقة:

الشعر هو الحقيقة، لأن الحقيقة مثلما أشار (نيتشه) مجرد تشبيه منسي. الشاعر لا ينسى الوجود كتشبيه، ولكنه ينسى باستمرار أي تشبيه هو بالضبط! والبحث عن تشابيه بحث عن حقائق من جهة وتعرية لـ “الحقيقة المألوفة” من ذاتها لتسترجع توهجها كتشبيه أصلي. وهكذا نلاحق الوجود، نحفر أمكنة تشبه الأمكنة.