أرشيف الوسم: الشك

عن المفكّر أو المثقف، على طريقة سيوران

إميل سيوران
في كتابه (المياه كلها بلون الغرق)، الذي يُعد أحد أشهر كتب إميل سيوران (1911-1995)، وأول كتاب تُرجم كاملًا  إلى اللغة العربية، تحدث (سيوران) في عدة مواضع عن المعالم الأساسية للمثقف أو المفكّر كما يراها، أو نصائحه الشخصية في ظل رؤيته وفكره. مثلًا  كانتقاده لأولئك الذين ينمقون الكلمات، فباعتقاده أن منمقي النصوص لا يجدون ما يقولونه، أو على وجه الدقة، يقول:
لا أسلوب مع اليقين.
الانشغال بتجويد القول من مميزات الذين لا ينامون على عقيدة. إنهم يتعلقون بالكلمات، تلك الشبيهة بالواقع، في غياب الأرضية الصلبة، فيما الآخرون الأقوياء بقناعتهم يهزؤون بمظهر الكلمات ويسترخون في الارتجال.
ويقول أيضًا عن هذه الخدعة في الأسلوب والتنميق:
خدعة الأسلوب: إعطاء الهموم اليومية مجرى غير مألوف، تجميل المتاعب التافهة، تأثيث الخواء، تحقيق الوجود بواسطة “الكلمة”، بواسطة شقشقة الشكوى أو الاستهزاء.
وبالانتقال إلى أحد نصائحه الأخرى، يقول (سيوران):
وحدها العقول السطحية تتقدم من الفكرة بلطف.
فالأكثر أثرًا أو عمقًا بين المثقفين، هم أولئك الذين يتناولون الأفكار بعنف. يقول:
إذا أمكن لـ(نيتشه)، (بروست)، (بودلير) أو (رامبو)، أن يتصدوا لتقلبات الموضة، فإنهم مدينون بذلك إلى وحشيتهم اللامبالية، إلى جراحتهم الشيطانية، إلى سخائهم بالسم .. ما من شيء يجعل أثرًا يدوم ويمنعه من التقادم سوى شراسته. تأكيد غير مبرر؟ انظروا إلى مجد الإنجيل، أليس الكتاب العدواني والمسموم بامتياز؟
 ويقول أيضًا في هذه النقطة، ساخرًا من المفكرين الإنسانيين:
الجمهور يتهافت على ما يسمى بالكتّاب الإنسانيين. هو واثق بأنه لا يخشى منهم شيئًا. إنه يعرف أنهم قد توقفوا – مثله – في منتصف الطريق، سيقترحون عليه صلحًا مع المستحيل، رؤية منسجمة للفوضى.
 أما المَعْلم الثالث، والأهم والأشد تكرارًا في كتاباته، فهو الشك. يقول:
لا شيء يصيب العقل بالجفاف مثل نفوره من تصوّر أفكار مبهمة.
 فالشكوك تحول بين فتور العقل، وهي الرياضة بالنسبة للعقل من أن يفقد قدرته على التفكير السليم. وعلى الرغم من الحيرة التي تصيب المرء عندما يشك في كل شيء، إلا أن الشكوكية ضرورية، وعلامة مهمة على النزاهة، يقول:
في ترددنا علامة على نزاهتنا، أما يقيننا فلا يدل إلا على دجلنا. يُعرَف المفكر الغشاش من حصيلة الأفكار “الدقيقة” التي يدافع عنها.
 ويقول أيضًا:
الخوف من العقم يدفع الكاتب إلى أن يُنتج فوق طاقته، وأن يضيف إلى الأكاذيب المعيشة أكاذيب أخرى لا تُحصى يستلفها أو يختلقها اختلاقًا. تحت كل “أعمال كاملة” يقبع دجال.
 ويقول في موضع آخر:
الشكوكية هي منهج الحضارات الفتيّة، وخجل الحضارات الهرمة.
 فالحضارات الفتية، تعمل بجد لتنال نهضتها، بينما الحضارات الهرمة تسعى للدفاع عن سمعتها، بغض النظر عن حقيقة هذه السمعة أو صوابها. وعن بشاعة التأكد من فهمنا لكل شيء، يقول:
اللحظة التي تُسوّل لنا أننا فهمنا كل شيء، تمنحنا هيئة القتلة. 
ولا ينكر (سيوران) أن للشكوكية حيرتها وعذابتها، بل إنه يقرّ ذلك في مقولته:
يتمنى الشكّاك لو أنه يتعذب مثل سائر البشر من أجل الأوهام التي تمنح القدرة على الحياة. لكنه لا يفلح في ذلك: إنه شهيد التفكير السليم.
كل ذلك يهيّئ الأرضية الثابتة للنقطة الرابعة، يقول (سيوران) عن أجدى منابع الكتابة:
لا مصادر للكاتب أفضل من أسباب إحساسه بالعار. الكاتب الذي لا يكتشف في ذاته أسبابًا للشعور بالخزي أو يتهرب من هذه الأسباب، ليس أمامه إلا السرقة أو النقد.
 ويقول أيضًا:
من لم يذق الإهانة لا يعرف معنى الوصول إلى آخر مراحل الذات.
وأخيرًا، يقول:
من السهل أن يكون المرء عميقًا، يكفي أن يستسلم لفيض ثغراته الخاصة.
 وتتمثل النقطة الخامسة، في التحرر من التحيزات. يقول:
الفكر الذي يتحرر من كل تحيز، هو فكرٌ يتفكك محاكيًا تناثر الأشياء التي يريد الإمساك بها ومحاكيًا عدم انسجامها. بأفكار “سائلة” نحن “نتمدد” على الواقع ونعانقه دون أن نفسره. هكذا ندفع غاليًا ثمن “النظام” الذي لم نرغب به.
ويقول أيضًا:

واجب الوعي: الوصول إلى يأس لائق.

 ونختتم المقالة بمقولة أخيرة، بعد أن وضعنا خمس علامات بالطريق للمثقفين والمفكرين، على طريقة (سيوران):
إنه لمَساس بالفكرة أن نعمقها: ذلك يعني أن ننتزع منها سحرها وربما حياتها.

منهج ديكارت الفلسفي

ديكارت

رينيه ديكارت (1596 – 1650) هو فيلسوف، ورياضي، وفيزيائي فرنسي، يلقب بـ”أبو الفلسفة الحديثة”، وكثير من الأطروحات الفلسفية الغربية التي جاءت بعده، هي انعكاسات لأطروحاته، والتي ما زالت تدرس حتى اليوم. و(ديكارت) هو صاحب المقولة الشهيرة: “أنا أفكر، إذن أنا موجود“. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) قام (ويليم كيلي رايت) بوصف منهج (ديكارت) الفلسفي. فيقول بداية بأن لمنهج (ديكارت) أربع قواعد أساسية، ذُكرت في الجزء الثاني من كتاب (مقال عن المنهج)، وهي:

1. “لا أقبل شيئًا على أنه حق، ما لم أعرف بوضوح أنه كذلك، أي يجب أن أتجنب التسرع وألا أتشبث بالأحكام السابقة، وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل لعقلي في وضوح وتميز يزول معهما كل شك”.

2. “أن أقسم كل واحدة من المشكلات التي أبحثها إلى أجزاء كثيرة بقدر المستطاع، وبمقدار ما يبدو ضروريًا لحلها على أحسن الوجوه”.

3. “أن أرتب أفكاري، فأبدأ بالأمور الأكثر بساطة وأيسرها معرفة، حتى أصل شيئًا فشيئًا، أو بالتدريج، إلى معرفة أكثرها تعقيدًا، مفترضًا ترتيبًا، حتى لو كان خياليًا، بين الأمور التي لا يسبق بعضها بعضًا”.

4. “أن أعمل في جميع الأحوال من الاحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئًا”.

يعقب بعد ذلك (ويليم كيلي رايت) بأن طريقة (ديكارت) الفلسفية تتشابه مع الإجراءات المتبعة في حل المشكلات الرياضية. ثم يشرح ذلك بطريقة أكبر قائلًا:

إن قبول شيء على أنه حق من عدمه، بالنسبة لـ(ديكارت)، يعني أن القضية يجب أن تكون واضحة CLEAR بالكامل، ومتميزة DISTINCT أيضًا في تفصيلاتها وعلاقاتها. ويفهم العقل القضايا الواضحة والمتميزة بالطريقة الحدسية، مثلما يفهم بديهيات الهندسة، مثلًا، إذ لا شيء تدركه الحواس بصورة مباشرة يكون واضحًا ومتميزًا بهذه الطريقة، فالحدس، وليس الإحساس، هو المصدر الأول للمعرفة.

أما عن الأفكار وفطريتها، فيقول:

ولما كانت الأفكار الواضحة والمتميزة التي تقوم عليها كل معرفة يقينية، لا يتم التوصل إليها عن طريق الملاحظة الحسية، فإن مصدرها لابد أن يوجد في الأفكار الفطرية. […] إن الأفكار الفطرية عند (ديكارت) لا تكون في العقل منذ الميلاد، ولكنها “تكون فطرية بالمعنى الذي نقول فيه أن الكرم فطري في عائلات معينة، بينما تكون أمراض معينة مثل النقرس والحصبة فطرية في عائلات أخرى”. […] ولا يقدم (ديكارت) قائمة بالأفكار التي يُنظر إليها على أنها فطرية. فهي تتضمن بصورة واضحة بديهيات الرياضيات، وقوانين الفكر، وقضايا أخرى ينظر إليها على أنها واضحة بذاتها؛ مثل الفكرة التي تقول إن العلة يجب أن تمتلك من الحقيقة الواقعية أكثر من معلولها، ومثل يقين المرء بوجوده الخاص.

ثم يقول عن مصدر الخطأ في أحكامنا وطرقنا في البرهنة:

وينشأ الخطأ في نظر (ديكارت) من الإرادة. فالفكرة أيًا كانت لا تكون صادقة أو كاذبة حتى يتم إصدار حكم عليها […] ومن ثم إذا حصرنا أحكامنا فيما هو واضح ومتميز بصورة برهانية أو بصورة حسية، فإننا لا نقع مطلقًا في الخطأ. لكن إذا جرفتنا الانفعالات والأهواء أو أفكار غامضة، فسمحنا لإرادتنا أن تنتصر علينا ونصل إلى أحكام لا يكون لدينا عنها دليل كاف، فإننا نقع في الخطأ.

ثم يتطرق إلى الشك في فكر (ديكارت)، فيقول:

وذلك ما فعله (ديكارت) بطريقة بارعة، إذ أنه شرع في الشك في كل شيء يمكن الشك فيه، لكي يكتشف ما هو على يقين منه بصورة مطلقة ؛ لأنه لا يستطيع أن يشك فيه دون أن يفترض وجوده (وهذا هو مذهبة الشكي الأول أو المنهجي، كما يطلق عليه أحيانًا، أي أنه نوع خالص من الإجراء ؛ وهذا يعني أن (ديكارت) لم يكن في الواقع شاكًا. لقد وجد أن الحواس يمكن أن تخدع المرء باستمرار، ولذلك فمن الأفضل عدم الثقة بها. […] ولذلك وجد (ديكارت) أنه من الممكن نظريًا الشك في شهادة حواسه، وذاكرته، وأفكاره، ووجود العالم الخارجي، وحتى في صدق الرياضيات. ومع ذلك فقد وجد شيئًا لا يمكن الشك فيه، وهو واقعة وجوده الخاص: “أنا أفكر، إذًا أنا موجود”.