أرشيف الوسم: الصحافة

جلال أمين وقصة الصحف والصحافة

Professor of economics, new cairo campus, january 2010, provost lecture speaker

جلال الدين أحمد أمين عالم اقتصاد وأكاديمي وكاتب مصري، تعد سلسلة “ماذا حدث للمصريين” من أشهر كتبه وأكثرها انتشارًا. في كتابه (عصر الجماهير الغفيرة) تحدث عن عدد من التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم ككل وفي العالم العربي ومصر على وجه التحديد، فبتدئ كلامه ناقمًا:

ليس هناك أي قانون طبيعي أو وضعي يفرض علينا أن نقرأ صحيفة في صباح كل يوم. وإنما حدث الأمر تدريجيًا نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية معينة، حتى تمكنت منا هذه العادة الغريبة، وشاعت حتى شملت نسبة كبيرة من الناس، خصوصًا في المجتمعات المسماة بالراقية، واستمرت حتى تحولت العادة إلى إدمان.

يقول جلال أمين بأن الصحف المطبوعة لم تظهر إلا في أوائل القرن السابع عشر في بعض البلاد الأوروبية كبداية، مثل ألمانيا والنمسا وإيطاليا. وكان ظهور الصحف يلتزم شرطين أساسيين:

ظهور المطبعة، وهذا تطور تكنولوجي بحث، ووجود عدد كاف من الناس الذين يعرفون القراءة والكتابة ولديهم القدرة على دفع تكاليف كتابة وطباعة هذه الصفحات.

ثم يكمل حديثه عن ظهور الصحف، فيقول:

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فلم يظهر أي شيء يمكن عده صحيفة منتظمة الصدور إلا في أواخر ذلك القرن 1690، عندما ظهرت صحيفة في مدينة (بوسطن) تحمل هذا الاسم الطويل: “الأحداث العامة، خارجية ومحلية” وتصف نفسها بأنها: “تصدر مرة واحدة في الشهر ما لم يحدث من الأحداث ما يستوجب ظهورها أكثر من ذلك”. لم تكن هذه الصحيفة الأمريكية الأولى تتكون من أكثر من أربع صحفات طولها لا يزيد عن 30 سم وعرضها 15 سم، ملئت ثلاث صحفات منها بالأخبار القصيرة، بينما تركت الصفحة الرابعة بيضاء لكي يستخدمها القارئ لمراسلاته الشخصية. على أي حال فإنه لم يصدر من هذه الصحيفة إلا عدد واحد فقط، إذ أصدر حاكم المنطقة أمرًا بإغلاقها بعد أربعة أيام من صدورها. أما الصحف اليومية فقد تأخرت عن ذلك ينحو قرن من الزمان. فلم تظهر أول صحيفة يومية بريطانية إلا في أوائل القرن الثامن عشر 1702، وأول صحيفة يومية أمريكية إلا بعد ثمانين عامًا 1783، ولم تكن هذه الأخيرة تتكون من أكثر من صفحتين.

ويستأنف عن الصحف الأمريكية:

بل قيل إن الصحف اليومية في أمريكا لم تظهر إلا لمنافسة المقاهي التي كانت تعلّق على جدرانها آخر الأخبار عن حركة التجارة. نعم، سرعان ما أضيفت الأخبار السياسية المهمة والتعليقات عليها، ولكن ظلت الصحف في الأساس صحف “الطبقة الوسطى”، منذ ظهورها في أوائل القرن السابع عشر وحتى أوائل القرن العشرين: تنشر ما يهم هذه الطبقة معرفته، وتستجيب لأذواق هذه الطبقة ومعاييرها الأخلاقية، وتتجنب ما يؤذيها أو يجرح حسّها الأخلاقي أو الجمالي.

أما عن موضوعات الصحف، وعلاقتها بالمثقفين والكُتّاب:

لم يكن غريبًا بالمرة إذًا، أن تجد هذه الصحف مقالات لكبار كُتّاب العصر أو قصصًا وروايات تُنشر في حلقات لبعض الروائيين العِظام. فالصحف البريطانية اليومية الأولى، التي ظهرت في النصف الأول من القرن الثامن عشر نشرت قصصًا مسلسلة لـ(دانييل ديفو)، صاحب قصة (روبينسون كروز) الشهيرة، وعُدّ أولمن اتبع هذه الطريقة في نشر قصصه، كما كان كاتب المقالة الأساسية في إحداها هو (جونثان سويفت)، صاحب كتاب (رحلات غوليفر) الشهير أيضًا. ولم تكن هذه إلا بداية لمساهمة بعض من أعظم الأدباء والكتاب السياسيين بالكتابة في الصحف، من (صامويل جونسون) و(ديكنز) و(ثاكرى) في إنجلترا، إلى (غوته) و(شيلر) في ألمانيا، إلى (مارك توين) في أمريكا.

وكان التغيير الأول في موضوع ومادة الصحف في بداية القرن العشرين:

في سنة 1900 كانت معرفة القراءة والكتابة والقدرة الشرائية قد انتشرتا إلى حد سمح لجريدة مثل (ديلي ميل) البريطانية Daily Mail أن تطبع وتوزع مليون نسخة يوميًا، الأمر الذي جعل أذهان بعض الأذكياء تتفق على الفكرة الآتية: إن القدرة على تعبئة مثل هذا الطلب الواسع على الصحف (بسبب تحقق القدرة على القراءة والقدرة على الشراء في الوقت نفسه) يمكن أن تكون مصدر ربح وفير لمن يستطيع أن يخاطب هذه الجماهير الواسعة بالطريقة التي تحب أن تخاطب بها. فما هذه الطريقة؟ إن من السهل علينا الآن ونحن ننظر إلى ما حدث بعد مرور قرن من الزمان على بدايته، أن نحدد ما الذي يعجب هذه الجماهير، ولكن لابد أن الأمر في البداية كان اكتشافًا عبقريًا من جانب مصَدّري الصحف: الجماهير تفضّل الجرائد ذات العناوين المثيرة والمكتوبة بخط كبير، والجماهير تحب أن ترى الصور أكثرر مما تحب أن تقرأ الكلام، والجماهير تحب، إذا كان المقال في موضوع علمي، أن يكون المقال مبسطًا للغاية، وإذا كان في السياسة أن يكون مثيرًا وحماسيًا. أما الأخبار، فالأفضل هو ا تعلق بالفضائح وأسرار الناس، وأما القصص فأفضلها قصص الحب والجنس.

فكان التحول كما يصفه بعد ذلك في موضع آخر:

كان من أوائل الصحف الأمريكية التي اكتشفت هذا الاكتشاف صحيفتان تصدران في نيويورك هما (الجريدة) Journal و(العالم) World، وقد دخلتا في منافسة حادة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر في جذب جماهير القراء، فنشرت إحداهما قصة مسلسلة ومصورة بعنوان (الطفل الأصفر) The Yellow Kid حققت نجاحًا جماهيريًا باهرًا، وسرعان ما قلدتها الأخرى، ثم انتشرت الموضة الجديدة إلى صحف خارج نيويورك، ثم خارج الولايات المتحدة، اعتمدت هي الأخرى على الإثارة، وعرفت منذ ذلك الحين، بسبب قصة (الطفل الأصفر) باسم (الصحافة الصفراء).

وقد دخل الطلب والعرض، فيما يتعلق بالصحافة الصفراء، كما دخلا في أمور كثيرة، في حلقة مفرغة: زيادة عدد القراء، الناجمة عن زيادة الطلب على الصحف، وزيادة حجم الطلب تؤدي إلى الاستجابة إلى القاسم المشترك الأعظم بين القراء، وهو حب كل ما هو مثير وسهل وسريع، ومن ثم يزيد المعروض من مواد الصحافة الصفراء، ولكن بزيادة المعروض من هذه المواد يضاعف من حجم الطلب، الذي يضاعم بدوره حجم العرض.. إلخ

وهكذا، ما إن بلغنا منتصف القرن العشرين، حتى وجدنا أرقام التوزيع لبعض الصحف اليومية في بريطانيا تبلغ بضعة ملايين، فبلغ توزيع ديلي ميل في سنة 1950 مليونين من النسخ يوميًا، وديلي ميرور 3.7 مليون نسخة، وديلي إكسبريس أربعة ملايين.

وأخيرًا يلخص ما حدث، وما أضحت عليه الصحف والصحافة، فيقول:

عندما بلغ عدد القراء هذا الحجم، كان من الطبيعي أن تحدث الخطوة الخطيرة التالية، وهي أنه، بدلًا من أن تقوم الصحيفة ببيع أخباراها ومقالاتها وصورها للقراء، بدأت الصحيفة في (بيع قرائها للمعلنين). قد يبدو التعبير قاسيًا ومبالغًا فيه، ولكنه لا يبعد كثيرًا عن الحقيقة. فالصحيفة عندما يبلغ مستوى انتشارها حدًا معينًا يمكنها أن تعتمد في تحقيق الربح ليس على قارئ الجريدة كقارئ، وإنما كمشرٍ لسلع أخرى كثيرة. ومن ثم فهي الآن قادرة على تقديم خدمة أعلى ثمنًا وأكثر ربحًا بكثير من الخدمة التي قامت في الأصل لتقديمها وهي الإعلام والتثقيف. هذه الخدمة الجديدة هي الإعلان، وهذا هو المقصود من قولنا إن الصحف تقوم الآن ببيع القراء بدلًا من بيع الأخبار. فالمشتري المهم الآن، في نظر الصحيفة، ليس هو قارئ الصحيفة بل هو منتج السلعة الراغب في الإعلان عنها، والشيء المباع ليس هو كمية من الأخبار أو المقالات بل القرّاء أنفسهم.

يعقوب صنوع وبدايات الكوميديا الساخرة في العالم العربي

370

ليس من السهل أنْ أروي قصة مسرحي، ذلك المسرح الذي كان في الواقع يستدر دموع الفرح من عيني، غير أنها كانت في الغالب مصحوبة بالألم. وُلِدَ هذا المسرح في مقهى كبير، كانت تعزف فيه الموسيقى في الهواء الطلق، وذلك في وسط حديقتنا الجميلة (الأزبكية) في ذلك الحين، أي في سنة 1870، كانت ثمة فرقة فرنسية قوية تتألَّف من الموسيقيِّين والمطربين والممثلين، وفرقة تمثيلية إيطالية، وكانتا تقومان بتسلية الجاليات الأوروبية في القاهرة، وكنت أشترك في جميع التَّمثيليات التي تُقَدَّمُ في ذلك المقهى… وإذا كان لا بد لي من أنْ أعترف، فلأقل إذن إنَّ الهزليات والملاهي والغنائيات والمسرحيات العصرية التي قُدِّمت على ذلك المسرح هي التي أوحت إليَّ بفكرة إنشاء مسرحي العربي. – يعقوب صنّوع

كان القرن التاسع عشر يشرف على نهايته حين ظهرت لأول مرة محاولات جادة لتأسيس قاعدة للفن الغنائي المسرحي العربي والخروج من عادة تخصيص الغناء لإحياء الأفراح والموالد والملاهي .. وكان أغلب أصحاب هذه المحاولات -أمثال جورج أبيض ومارون النقاش– ممن زاروا أوروبا وفتنوا بفن المسرح الغنائي هناك، فاقتصرت محاولاتهم على ترجمة الأعمال المسرحية الغربية مثل : أوديب الملك وشارل السادس وعطيل، وتمثيل بعض القصص الكلاسيكية العربية مثل: هارون الرشيد، وصلاح الدين الأيوبي.. ولأن طبيعة تلك المسرحيات كانت بعيدة جدًا عن مستوى تذوق الفرد العربي للفن، وبعيدة كل البعد عن طبيعة حياته ومعاناته، فلم يستطع العرب تشرّبها ومن ثم التغنّي بها وإعدادها وسيلةً للتعبير!

وفي تلك الفترة أيضًا ظهر بمصر يعقوب صنوع، الذي يُعد من قِبل الكثير من الباحثين هو المؤسس الحقيقي للمسرح العربي، لأنه قدّم للجمهور المصري مسرحيات تتعلق بمشاكلهم الاجتماعية والسياسية، واستخدم فيها اللغة العامية وأيضًا الأغاني والرقصات الشعبية.. فكانت إحدى مسرحياته -مثلًا- تتحدث عن تعدد الزوجات أسماها “الضرّتين”، وتتكون هذه المسرحية من فصل واحد مختوم بالجملة الغنائية:

اللي بده يعيش عيشة مرّة، يدخّل على أم ولاده ضرّة.. أما اللي يعيش فرحان، ما يعملوش قلادة من النسوان..

image

وهكذا حاول “صنوع” لأول مرة صناعة الفن المسرحي والغنائي بالعالم العربي، وبالطبع كانت مهمته ثقيلة لأبعد حدّ إن لم تكن تعجيزية، فكان يعقوب يقوم كل مرة بشرح فكرة “فن التمثيل المسرحي” و فكرة “فن الغناء” للجمهور قبل أن تبدأ المسرحية! لأنهم ببساطة لم يعلموا شيئًا عن المسرح بعد… ولم يكن لديه أي ممثلين أو ملحنين أو مغنين في بادئ الأمر، لأنه لم يوجد هناك أحد ليمثل أو يلحّن بمصر.. فاشتغل هو أيضًا باكتشاف المواهب التمثيلية والغنائية، واضطر لأن يعطي أدوار النساء والفتيات لصبيان يافعي العمر في البداية، حتى وجد فتاتين متشردتين فاستطاع إقناعهن أن يشاركن بالتمثيل والغناء..

بهذه الطريقة كوّن يعقوب جوقته وقدم مسرحياته وذاع صيته حتى سمع به حاكم مصر “الخديوي اسماعيل” واستقطبه لآداء المسرحيات بقصره، وظل على هذا الحال سنوات قليلة إلى أن نُفي من مصر في آواخر القرن التاسع عشر بعد أن قدم مسرحية ساخرة باسم “الوطن والحرية” والتي سخر فيها من فساد القصر والنظام الحاكم (ويمكن اعتبار هذه المسرحية فاتحة فن الكوميديا الساخرة بالعالم العربي).. إلا أن فكرة المسرح العربي لم تُنف مع يعقوب صنوع.. بل استشْرت، وأخذت الجوقات المسرحية تتكاثر في بداية القرن العشرين، فظهرت جوقة سلامة حجازي وجوقة منيرة المهدية وجوقة علي الكسار و نجيب الريحاني.. وكانت جميع هذه الجوقات تؤدي ما يسمى بـ”الرواية” الملحّنة، وهي مسرحية غنائية قصيرة تؤدى على المسرح الذي كان يسمى آن ذاك بالـ”تياترو” (التسمية الإيطالية للمسرح).. لكن مواضيع تلك الروايات ومستواها الفني لم يرتقي لجذب جميع فئات الشعب واستقطابها إلى أن جاء “السيد درويش” في العقد الثاني من القرن العشرين، حاملًا معه التغيير على كافة الأصعدة والمستويات الغنائية والمسرحية.

للاستزادة: يعقوب صنوع في ويكيبيديا / يعقوب صنوع في موقع المعرفة / تقرير الجزيرة نت / موقع اللغة والثقافة العربية / موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية