أرشيف الوسم: العلوم

مواقع ومجلات علمية عربية لابد من متابعتها

قد يشتكي البعض بسبب قلة المجلات والمواقع العلمية باللغة العربية مقارنة باللغات الأخرى، وفي الحقيقة هذا الكلام فيه كثير من الصحة إلا أن هناك عدد من المجلات والمدونات العلمية العربية التي لم تنل حظها من التسويق والنشر والتي قد تغطي نقصاً كبيراً في المحتوى العربي. أدناه قائمة بتلك القنوات وسنقوم على تحديثها باستمرار.

عبدالكريم سروش، عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم

عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث د. (سروش) عن الفروقات بين العالم الحديث والقديم، مبتدئًا حديثه يتبيين الفكرة السائدة عن كلٍ من العالمين:

غالبًا ما ينظر الناس من الحداثة إلى ثمارها، وقلما يتبصرون في جذورها وأرضيتها. والسبب واضح: الناس عقولهم في عيونهم، كما يقول المثل. عامة الناس لا يجنحون إلى تحري الأصول إلا بصعوبة، وفي أطوار متأخرة أي إنسان تسألونه: ما هو العالم الحديث؟ سيقول لكم هو الطائرات، والكمبيوترات، والكهرباء، والسكك الحديدية، والأدوية الحديثة، والمستشفيات عالية التجهيز، والقنابل الكيمياوية، والبرلمانات، والأحزاب، والصحف، والجامعات، والبنوك، ودور السينما، ..إلخ. أي أنهم ينسبون إلى الحداثة، ما يشاهدونه اليوم مما لم يكن في السابق، هم لا يعدون الأشجار والسماء والأرض من العالم الحديث، بل هي من وجهة نظرهم تنتمي للعالم القديم. مرض السل أيضًا ينتمي للعالم القديم من منظارهم، رغم أن طريقة معالجته قد يعتبرونها من خصائص العالم الحديث. وكذا الحال بالنسبة لأساليب حل المسائل الرياضية.

 بنظرة أدق، يضع د. (سروش) على الإجابة الأصح برأيه حول السمة الأساسية للعصر:
فبنظرة أعمق نستطيع القول أن ما يميز العالم الحديث عن العالم القديم ويرسم بينهما حدودًا دقيقة هو وجود وعدم وجود العلم الحديث. العلم ولا سيما العلوم الطبيعية، حصيلة عصرية لم يمض على ولادتها أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون. مثل هذا المخلوق وبهذه السمات لم يكن قد ظهر إلى مسرح الحياة في العالم القديم. إذا عدنا عن التقنية وهي ثمرة العلم، إلى الوراء قليلًا، سنصل إلى العلم ذاته، وبوسعنا اعتباره مؤقتًا السمة الأبرز للعالم الحديث.
 ثم يتحدث عن كون أغلب الاكتشافات والنظريات العلمية كانت وليدة الصدفة:
أن تعزو هذه الفوارق إلى الصدفة جواب ناقص، يترك في الواقع العديد من الأمور بلا جواب. إذا اعتبرنا هذا العلم بكل عظمته وليد عدد من الحوادث المتفرقة التي لا تحكمها أي حسابات أو ضوابط، نكون قد ضاعفنا عدد الأسئلة على أنفسنا قبل أن نجيب عن أي سؤال. لذا سيكون سؤالنا اللاحق: إذا كان العلم الحديث أبرز نتائج وعلامات العصر الحديث، فما هو مرد ظهور هذا المخلوق، وهذه النتيجة؟ إذا كانت الإجابة على هذا السؤال عصية عليكم فلا تلوموا أنفسكم، لأنها ما انفكت عصية على جميع العلماء والفلاسفة. إنه سؤال جد رهيب ومشكل.
 يعود مرة أخرى للحديث عن العلم الحديث، فيبيّن أقسامه:
إن ما يوجد اليوم ولم يكن بالأمس، وقد حاز في الوقت الحاضر أهمية محورية ومركزية، بحيث تعزى إليه الكثير من وقائع العالم الحديث، إنما هو عنصر مهم يدعى العلم التجريبي. بوسعنا الاعتراف بهذا العنصر كسمة وخصيصة مميزة إلى جانب التقنية والصناعة الحديثة.
يمكننا إدراج منجزات العلوم التجريبية، سواء كانت اجتماعية أو طبيعية تحت عناوين أربعة، هي باختصار: الوسائل، الغايات، المفاهيم (التصورات)، القبليات (التصديقات أو المسلمات).
 أما القسم الآخر للعلم الحديث والذي لا يقل أهمية عن الأول فهو:
كنت أشدد إلى الآن على العلم الطبيعي، وهو علم واضح التعريف والخصائص. لكنني لم أتطرق إلى العلوم الاجتماعية. وأضيف هنا، أن العلوم التجريبية الطبيعية لم تكن وحدها التي غابت عن لائحة عناصر العالم القديم ومكوناته، بل والعلوم الاجتماعية أيضًا كانت غائبة هي الأخرى. لم يكن في الماضي علم اجتماع أو علم نفس، أو علم اقتصاد، أو علم إنسان، بالمعنى الحديث للكلمة، ولم يكن ثمة معارف قريبة من هذه العلوم العصرية بشكل أو بآخر.

  ثم يتساءل: هل يجعل العلم الحديث، من هذا العصر أفضل وأذكى من العصور السابقة؟

يستشف أن العالم الحديث وجد لنفسه عيونًا ونظارات لم تكن لدى السلف. ومع ذلك ينبغي علينا ألا نفاخرهم، فقد كانت لديهم عيونًا ونظارات، أهّلتهم لبعض الاكتشافات، فأبصروا أشياء لم يمر بها المعاصرون ولا يرونها. لذلك نلاحظ أن القادمين من قلب العالم القديم، حاملين معهم منه بضائع طازجة (أو هذا ما يدعونه على الأقل) تلاقي طروحاتهم إقبالًا وترحيبًا وتبجيلًا، لاسيما في أوساط العالم الدنيوي الغربي الغارق في المادة.

لماذا عجزت عقول الأقدمين عن اكتشاف بعض الأمور البديهية، كالجاذبية مثلًا، ألا يُعد الموضوع في منتهى البساطة؟

العديد من الأسئلة التي تتفاعل اليوم في الأذهان مردها إلى أن الإنسان يرى أسلوب حياته بديهيًا، لذلك يسأل: لماذا لم يفكر الماضون بهذه الطريقة؟ نحن عمومًا ميالون إلى اعتبار واقعنا الحياتي بديهيًا. وتشتد هذه الميول فينا إلى درجة تترك الأحوال والظروف الأخرى عجيبة جدًا في أنظارنا. لذا نستفهم دائمًا: لماذا كان الماضون سيئي الفهم إلى هذه الدرجة، فلم يتوصلوا إلى أمور بديهية، يدركها عقلنا المعاصر بكل يسر؟ والمقصود من الماضين هنا ليس عامة الناس فقط، بل حتى العلماء والنوابغ العظام، الذين لم يكتشفوا من بديهياتنا شيئًا.
 يجيب عن ذلك، فيقول:
إن لكل عصر بديهياته التي لا يطالها الشك، في ذلك العصر، ولا تخضع للنقاش والمساءلة، ولهذا تسمى بديهيات. بكلام آخر، لكل عصر عقلانيته المقبولة المسلّم لها، والتي لا يجادل أحد فيها خلال ذلك العصر. الإنسان في كل عصر يتفرج على عقلانية العصور الأخرى وبديهياتها من زاوية عقلانية وبديهيات عصره، فتستغرقه الحيرة إلى هامته. خذ للمثال قضية حقوق المرأة، ففي عصرنا ثمة بديهيات على صعيد حقوق الإنسان، رجلًا  كان أو امرأة، يذهل المعاصرون حقًا لعدم تنبه السلف إليها. على أن هذا ليس بالمنهج السليم في تحليل التاريخ. إذا أردنا دراسة التاريخ برمته من منظار زماننا سوف ننأى عن الصواب كثيرًا، ولن نوفّق لاستيعاب ذهنية الأسلاف إطلاقًا. بغية أن نفهم الأحداث الماضية بنحو أصح، علينا استخدام نظارات السلف، وفي ما عدا ذلك سنكيل التهم والوصمات لهم بأنهم كانوا يعيشون فترة طفولة خلافًا لإنسان العصر الحاضر الذي بلغ رشده ونضجه، وغدت كل آرائه صادقة سليمة بالبداهة.
 ثم يتحدث عن أحد سلبيات العلم التجريبي أو العالم الحديث، بأنه ينظر إلى كل شيء وكأنه مادة للاستهلاك، بعد أن كانت عقليات الأقدمين ترى بأنها مشاركة على هذه الأرض، وليست مسيطرة كما ترى العقلية المعاصرة:
على صعيد آخر، نلاحظ أن من خصائص النظرة العصرية للعالم، أنها تعتبر كل شيء خزانًا للطاقة وظهرًا يمكن أن يُركب، بل يجب أن يركب ويستفاد منه. العلم والثقافة الحديثة لا ينظران للعالم كنهر يجري، ويجب أن نجلس على جرفه، ونكتفي بالتفرج عليه، واستلهام العبر منه. لقد كوّن الإنسان المعاصر تصورات جديدة عن العالم تملي عليه لعب دور فيه. يؤكد الإنسان الحديث أنه يريد النزول إلى ساحة العمل، والتدخل في صياغة الحياة وتشكيلها. لا بأس أن نتذكر هنا عبارة (ماركس) الشهيرة: “أن الفلاسفة قاموا لحد الآن بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغيير العالم”.

فرانسيس بيكون ومقالته حول الأوهام

36798فرانسيس بيكون (1561 – 1626) فيلسوف ورجل دولة وكاتب إنجليزي شهير، معروف بقيادته للثورة العلمية عن طريق فلسفته الجديدة القائمة على الملاحظة والتجريب. من الرواد الذين انتبهوا إلى غياب جدوى المنطق الأرسطي الذي يعتمد على القياس. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويلم كلي رايت)، قام الأخير بتلخيص أفكار (بيكون) حول الأوهام، يقول بداية وعن الفلسفة التجريبية:

لقد اعتقد (بيكون) – بوصفه فيلسوفًا تجريبيًا – أن المعرفة البشرية تبدأ بالتجربة الحسية، ويمكن أن تتسع عن طريق ملاحظات وتجارب دقيقة. ومن هنا لابد أن تبدأ الاستدلالات ببطء وبعناية ؛ فلا ينبغي أن نقفز فجأة من وقائع قليلة إلى تعميم سريع. ولا ينبغي أن نترك شيئًا دون أن نضعه في الاعتبار.

يستكمل حديثه بعد ذلك قائلًا  عن علاقة (بيكون) بالتراث الفلسفي:

لقد رأى (بيكون) أن الفلسفة لابد أن تُبنى على أسس صلبة، مثل الأسس التي يمكن للعلم الطبيعي وحده أن يقدمها، ورأى أن المنطق يحدد الطريق الذي يستطيع العلماء أن يصلوا بواسطته إلى اكتشافات، ويمدوا الفلسفة بمادة التأويل والتفسير.

ولما كان (بيكون) قد ظهر في في هذا العصر، فقد اهتم ببيان أخطاء الماضي، وأصرَّ على أنه يجب البدء من جديد بطريقة جديدة تمامًا. وكما سيحدث باستمرار في حالة الرجال الذين يفعلون ذلك، كان أحيانًا حادًا للغاية في الحكم على السابقين، أي في الحكم على الفلاسفة القدماء وفلاسفة العصور الوسطى. مع أنه في حالات أخرى أبقى بصورة لاشعورية على كثير جدًا من وجهات نظر مضت كان قد رفضها ونبذها.

وقد قام (بيكون) بتقسيم الأوهام التي تسيطر على عقول البشر، وتمنع تقدمهم إلى أربعة أنواع، قام (ويليم رايت) بتلخيصها كالتالي:

أول هذه الأوهام هي أوهام القبيلة، التي يشترك فيها الجنس البشري كله، وتلازم طبيعة البشر الخالصة. ومن هذه الأوهام الميل إلى افتراض وجود نظام واطراد في العالم أكثر مما هو موجود بالفعل، ولذلك اعتقد العلماء أن الأجرام السماوية تتحرك في دوائر كاملة، وأن نسبة كثافة ما يسمى بالعناصر تساوي عشرة إلى واحد. ومن هذه الأوهام أيضًا إذا تبنينا رأيًا ما، فإننا قد لا ننتبه إلا إلى الدليل المؤيد له، ونهمل الدليل المناقض له. وذلك يفسر اعتقاد الإنسان في الطالع، والأحلام، والتنجيم، وخرافات أخرى. […] إن “الذهن البشري ليس موضوعيًا غير متحيز” بل “تخيم عليه” سحب الانفعالات والرغبات، حتى إن الناس لديهم استعداد لأن يعتقدوا فيما يرغبونه، ولذلك يستعجلون ولا يتأنون في البحث، ويندمون بالتالي على وقائع حقيقية توجد وراء آمالهم، ويأسفون عندما يناقض نور التجربة كبرياءهم وغرورهم. ويعوق الذهن البشري، علاوة على ذلك “بلادة الحواس، وعجزها، وخداعها“، حتى أن ما يمكن رؤيته مباشرة يفوق المبادئ غير المرئية التي تستنبط من استدلال قائم على التجارب.

أما عن النوع الثاني من الأوهام، فيقول:

وثاني هذه الأوهام، أوهام الكهف، وهي خاصة بكل إنسان فرد. وهي لأن كلًا منا يعيش في كهف صغير، أو يعيش في مغارته الخاصة، وله طريقته الخاصة في التفكير، ترجع إلى الوراثة، والتربية، والعادات، والظروف. ولذلك يغالي بعض الناس عادة في التشابهات بين الأشياء، بينما يغالي بعضهم في الاختلافات بينها، ويحب بعضهم القديم بإفراط ويحترمون السابقين، في حين أن بعضهم أسرى لما هو جديد من كل نوع.

ويستكمل حديثه حول النوع الثالث من الأوهام:

وثالث هذه الأوهام، وهي أكثر الأوهام إثارة للمشكلات، وهي أوهام السوق، حيث يتقابل الناس معًا، ويتفاهمون عن طريق اللغة. ولأن الكلمات يكون أصلها في عقل الإنسان العادي، فكثير ما لا تكون مناسبة لبحث علمي دقيق، فتكون النتيجة أن الناس يتجادلون حول كلمات يعجزون عن تعريفها بطريقة مناسبة. فبعض الكلمات الموروثة من آراء غامضة من الماضي، ويمكن تجنبها عن طريق رفض النظريات التي أدت إليها، مثل الحظ، والمحرك الأول، وعنصر النار.

أما النوع الأخير من الأوهام، فيقول عنه:

وآخر هذه الأوهام، أوهام المسرح، تلك “التي تتسرب إلى عقول الناس من معتقدات الفلسفات المختلفة، ومن قوانينها البرهان الخاطئ أيضًا“. فجميع المذاهب التي وصلت إلى عصر (بيكون) لم تكن في رأيه سوى “مسرح كبير جدًا يمثل عوالم من خلق (أناس) على غرار نموذج غير واقعي وخيالي“. وتحت هذا النوع من الأوهام يدين (أرسطو)، من حيث أنه ممثل للفلاسفة العقليين؛ لأنه حاول أن يضع العالم في مقولات من اختراعه الخاص دون أن يرجع أولًا إلى الطبيعة ويلاحظ الوقائع الفعلية، بل حدد من البداية بنتائجه، ثم عاد بعد ذلك إلى التجارب ليؤكد ما قرر مسبقًا. وهناك ما هو أشد سوءًا فيما يقول (بيكون) وهو أنه حتى الفلاسفة التجريبيين السابقين عليه كان ينقصهم منهجه، إذ كانوا يقومون بعملية التعميم من تجارب ضئيلة جدًا، تاركين خيالهم يجمح.

يقول (ويليم كيلي رايت) معقبًا على هذا التقسيم للأوهام:

وعندما نراجع الأنماط الأربعة من الأوهام عند (بيكون)، ندرك أنه بيّن بحق مصادر أربعة مختلفة للخطأ لابد من تجنبها في تفكيرنا. مع ذلك نجزع في البداية عندما نفكر في أن تلك الأوهام هي أيضًا المصادر الرئيسية لمعرفتنا. فنحن لا نستطيع أن نلاحظ إلا عندما نستخدم المصادر الذهنية المشتركة للبشرية، أو باستفادتنا من أي مواهب استثنائية قد نكون محظوظين بدرجة كافية بامتلاكها كأفراد. إننا لا نستطيع أن نستدل، إلا في المجالات المجردة الخالصة للرياضيات والمنطق الرمزي، بدون استعمال الكلمات، وإذا أراد الفيلسوف أن يفهمه الناس، يجب عليه استخدام الكلمات في صورتها الشائعة، ولا يخترع رطانة أعجمية خاصة به. ولا يستطيع إنسان حديث أن يرفض تمامًا كل ما أنجزته الفلسفة في الماضي وأن يحاول أن يبدأ بداية جديدة تمامًا، كما فعل (طاليس) في العصور القديمة في الفلسفة الطبيعية، وكما فعل (سقراط) في الفلسفة الاجتماعية. إننا مضطرون إلى أن نلفت النظر إلى المصادر الأربعة كلها – التي عندما يُساء استخدامها – تسبب الأوهام.

الأسس الأخلاقية في العصر الحديث عند تشومسكي

تشومسكي

 

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في حوار أجراه (جون بريكمان) مع (تشوميسكي) حول رهان باسكال، تم نشره بالعربية ككتاب بعنوان (العقل ضد السلطة)، انتقينا منه السؤال التالي:

على أي أساس تقوم أخلاقياتك ؟ فأنت كثيرًا ما تقول أن الناس مسؤولون عن العواقب المتوقعة لأفعالهم. لكن كيف تقيّم هذه العواقب ؟ وما الذي يجعلها حسنة أو سيئة ؟ وكيف تقيّم ذلك بصورة موضوعية ؟ هل تستند إلى المبادئ النفعية (أكبر سعادة لأكبر عدد) ؟ وتتحدث أحيانًا عن جوانب أساسية في الطبيعة البشرية، لكنك تشدد كذلك على أننا لا نعرف شيئًا ذا بال في هذا الموضوع. فكيف يكون في الإمكان توظيف الطبيعة البشرية في إصدار أحكام أخلاقية ؟

والذي أجاب عنه (تشومسكي) بعد ذلك:

لا ينبغي أن يساورنا شك كثير في وجود طبيعة بشرية صميمة، وأن هذه الطبيعة تشتمل على (كفاءة أخلاقية) للأسباب التي عبّر عنها (هيوم) بكثير من الوضوح. وهي أسباب أصبحنا اليوم نفهمها بشكل أفضل مما كُنا من قبل. لكن حتى وإن كنت تفهم كل شيء في هذا الموضوع، فإن ذلك لن يقدم إليك الأساس للأحكام الأخلاقية، والذي يتطلبه السؤال. والواقع إن الأمر يتعلق بشرط بالغ القوة، حتى على العلم. وقد كان المؤرخ المرموق للعلم (ريتشارد بوبكين) على صواب حين قال إنه “منذ أن وقعت الأزمة التشكيكية في القرن السابع عشر والناس يدركون أنه لا يمكننا أن نقيّم معارفنا على أسس يقينيّة مطلقة“، وإن قصارى ما يمكننا أن نأمل في استعمال وتجويد “معاييرنا لتقييم حقيقة ما اكتشفنا بشأن العالم ومدى قابليته للتطبيق” أي “أن نقبل بالمعرفة نفسها، ونزيد في التوسيع منها“، مع الإقرار بأن “أسرار الطبيعة وأسرار الأشياء في حد ذاتها، قد احتجبت عنا إلى الأبد“. والتحولات التي وقعت في ما بعد لم تزد على أن زينت هذا التفسير. وإن من الخَرَق أن تطلب أحكامًا أخلاقية في شيء من اليقين لا يمكن أن ننتظره من العلم.

إننا ننحو في أحكامنا الأخلاقية على الطريقة نفسها التي تجري في العلوم: فنحن نسعى بأفضل ما نستطيع لنُعمل معاييرنا في التقييم ونشذبها من خلال التجربة، واستكشاف طبيعتنا الأخلاقية. وقد عرفت معاييرنا تحسنًا كبيرًا على مر الزمن – من وجهة نظرنا. واتسع نطاق الأحكام الأخلاقية لتشمل النساء، والمجتمعات الأخرى، والأطفال والحيوانات. والمواد المكونة للإعلام العالمي لحقوق الإنسان – الذي ليس هو بـ(البناء الغربي) بخلاف الخرافة الشائعة – ليست منزّهة بأي حال عن أي نقد، لكنها كانت انعكاسًا في فترة معينة من التاريخ، للقدرة على بناء معايير أخلاقية مقنعة على أساس من الحدس والتجربة.

ونحن نعرف جميعًا أن في العلوم مهما بلغت  كثرة البراهين التي بين أيدينا، فسيكون هنالك على الدوام ما لا عد له من النظريات المتمايزة يمكنها أن تُحيطنا بالواقع. إن المناهج التي نتوسلها إلى انتقاء النظريات – ما كان يدعوه (شارلز ساندرس بيرس) بـ”السيرورة الافتراضية” – لا تجد الكثير ممن يفهمونها. والوصف الذي جاء به (بوبكين) لكيفية العمل في المجال العلمي يبدو شيئًا صحيحًا. فالأحكام الأخلاقية تنبني على أقرب من هذا المنوال. فهذه الأحكام لا تُختزل في القدح والطعن في الذات. ويمكن أن يؤتى ببحث عقلاني في الأسس المشتركة ودراسة ممحصة لمختلف الوضعيات. وهو أمر لن يؤدي بالضرورة إلى اتفاق، لكن يمكن أن يتحقق به تقدم، وبذلك يصير في الإمكان أن يتحقق تلاقٍ في المستقبل. ذلك هو الشرط الإنساني. فنحن مخلوقات عضوية، ولسنا ملائكة. ولا يمكننا أن نخرج عن أجسادنا، أو نخرق سقف قدراتنا المعنوية والمعرفي، التي لها أهميتها، ولها حدودها الذاتية – ثم إن الاثنتين على اقتران وثيق.

 

 

معاني الثقافة عند إليوت

إليوت

توماس ستيرنز إليوت (1888-1065) هو شاعر ومسرحي وناقد أدبي. حائز على جائزة نوبل في الأدب في عام 1948. افتتح كتابه (ملاحظات حول تعريف الثقافة) بتحديد المعاني الملتصقة بلفظة الثقافة. فيقول بداية:

تختلف ارتباطات كلمة “الثقافة” بحسب ما نعنيه من نمو الفرد، أو نمو فئة أو طبقة، أو نمو مجتمع بأسره. وجزء من دعواي أن ثقافة الفرد تتوقف على ثقافة فئة أو طبقة، وأن ثقافة الفئة أو الطبقة تتوقف على ثقافة المجتمع كله، الذي تنتمي إليه تلك الفئة أو الطبقة. وبناء على ذلك فإن ثقافة المجتمع هي الأساسية، ومعنى كلمة “ثقافة” بالنسبة إلى المجتمع كله هو المعنى الذي يجب بحثه أولًا.

وحين تستعمل كلمة “الثقافة” للدلالة على التصرف في كائنات حية دنيا – كما هي الحال في عمل البترويولوجي أو الزراعي – فإن المعنى يكون واضحًا إلى درجة كافية، لأننا نجد اتفاقًا تامًا في الرأي بالنسبة إلى الغايات التي يراد الوصول إليها، ويمكننا أن نتفق إذا وصلنا إليها أو لم نصل. أما حين تُستعمل لترقية العقل البشري والروح البشرية، فإن احتمال اتفاقنا على ما هي الثقافة يكون أقل. وتاريخ الكلمة باعتبارها دالة على شيء يقصد إليه قصدًا واعيًا في أمور البشر، ليس بالتاريخ الطويل. وكلمة “الثقافة” بمعنى شيء يتوصل إليه بالجهد المقصود، تكون أقرب إلى الفهم حين نتكلم عن تثقيف الفرد، الذي ننظر إلى ثقافته منسوبة من ثقافة الفئة والمجتمع.

ماهي الثقافة إذًا؟ وكيف تُكتسب؟ من هو المثقف؟

قد نفكر في تهذيب السلوك أو الذوق أو الأدب، وفي هذه الحالة نفكر أولًا في طبقة اجتماعية، وفي الفرد الممتازعلى أنه ممثل لخير ما في هذه الطبقة. وقد نفكر في العلم والمعرفة الوثيقة بذخائر حكمة الماضي، وفي هذه الحالة يكون ذو الثقافة هو العالم. وقد نفكر في الفلسفة بأعم معانيها -أي الاهتمام بالأفكار المجردة، مع شيء من القدرة على معالجتها- وفي هذه الحالة قد نعني من يمسمى بالمثقف (مع ملاحظة أن هذه الكلمة تستخدم الآن استخدامًا مطاطًا جدًا، بحيث تشمل أشخاصًا كثيرين لا يتميزون بثقافة العمل). وقد نفكر في الفنون، وفي هذه الحالة نعني الفنان والهاوي.

ولكننا قلما نعني هذه الأشياء كلها مجتمعة. فنحن لا نجد مثلًا أن لفهم الموسيقى أو الرسم مكانًا ظاهرًا في وصف الرجل المثقف، ومع ذلك فلا أحد ينكر أن لاكتسابهما دورًا في الثقافة. وإذا نظرنا إلى مناشط الثقافة المختلفة التي أوردناها في الفقرة السابقة فيجب أن نستنتج أن الكمال في أي واحدة منها من دون الأخريات لا يمكن أن يسبغ الثقافة على أحد. فنحن نعلم بأن السلوك المهذب دون تعليم أو فكر أو حساسية للفنون يجنح بالمرء إلى آلية مجردة، وأن العلم بدون سلوك مهذب أو حساسية إنما هو حذلقة، وأن القدرة الفكرية مجردة من الصفات الأكثر إنسانية لا تستحق الإعجاب إلا كما يستحقه طفل معجزة في لعب الشطرنج، وأن الفنون بدون إطار فكري زيف وخواء.

وإذا كنا لا نجد الثقافة في أي واحدة من هذه الكمالات بمفردها، فإننا كذلك يجب ألا نتوقع في أي فرد واحد أن يكون كاملًا في جميعها، وإذن نستنتج أن الفرد الكامل الثقافة هو محض خيال، ونبحث عن معنى الثقافة لا في فرد أو جماعة من الأفراد، بل في نطاق أوسع وأوسع، وتنتهي أخيرًا بأن نجدها في هيئة المجتمع ككل.

ثم يكمل بعد ذلك فيقول:

وإذا كان من الظاهر أن تقدم المدنية يستتبع ازدياد الفئات الثقافية المتخصصة، فإننا يجب ألا ننتظر خلو هذا التطور من المخاطر. فقد بأتي التفكك الثقافي على آثار التخصص الثقافي، وهو أقصى ما يمكن أن يعانيه مجتمع من تفكك جذري.

ويتبع ذلك بإيضاحه عن التفكك الثقافي، الذي يقود إلى التفكك الجذري للمجتمع فيقول:

والتفكك الثقافي يوجد عندما تنفصل مرحلتين تاريخييتين أو أكثر بحيث يصبحان في الواقع ثقافتين متيزتين، وكذلك عندما تنقسم الثقافة في مستوى الفئة العليا أقسامًا يمثل كل منها منشطًا واحدًا من المناشط الثقافية.

وإذا لم أكن مخطئًا فثمة الآن في المجتمع الغربي تفكك يحدث للطبقات التي تبلغ الثقافة فيها، أو ينبغي أن تبلغ، أعلى درجات نموّها، كما أن هناك انفصالًا بين المراحل التاريخية في المجتمع. فالتفكير الديني والعادات الدينية، والفلسفة والفن، كلها تميل إلى أن تصبح مناطق منعزلة تتعهدها فئات لا صلة بين بعضها البعض. والحساسية الفنية تصاب بالفقر لفصلها عن الحساسية الدينية، والحساسية الدينية تصاب بالفقر لفصلها عن الحساسية الفنية وإثارة “السلوك المهذب” تترك لقلة متبقية من طبقة آخذة في الاختفاء، قلة لم يصقل الدين أو الفن حساسيتها، ولم تزد عقولها بمادة المحادثة الذكية، ولذلك فإن حياتهم ليس لها سياق يجعل لسلوكهم قيمة. والانتكاس في المستويات العليا لا يعني الجماعة التي يصيبها فحسب، بل يعني الشعب كله.

كلمة أخيرة مختصرة، عن ماهية الثقافة:

إن الثقافة يمكن أن توصف وصفًا مختصرًا بأنها ما يجعل الحياة تستحق أن تُحيا. وهي التي تجعل الشعوب والأجيال على حق حين تقول وهي تتأمل آثار مدينة بائدة: إن هذه المدينة كانت تستحق أن توجد.