أرشيف الوسم: العلوم

ثغرات العلوم كما يراها مصطفى ملكيان

مصطفى مليكان

مصطفى مليكان، من مواليد عام 1956، هو مفكر إيراني، وفيلسوف ومترجم، مهتم بمسائل الروحانية والعقلانية بشكل كبير. يقول في كتابه (العقلانية والمعنوية ؛ مقاربات في فلسفة الدين)، عن العلوم الحديثة وتطوراتها:

أن مفهوم ” تطور العلوم ” بحد ذاته يشير تلويحًا، بل تصريحًا، إلى أن العلوم كلها لا تخلو في أي حقبة طوال مسارها التاريخي وتطوراتها المستمرة، من ثغرات ونواقص، وإلا لما كان لتطور العلم من معنى. بيد أن هذا النقص ليس ماهويًا جوهريًا، إنما يعني فقط أن العلوم لم تبلغ غايتها، وربما لن تبلغها في أي وقت لاحق.

ثم يكمل حديثه بعد ذلك عن العلوم والنزعة العلموية:

العلم ذاته ولا تشوبه عيوب ونواقص جوهرية قاتلة. إنما يكمن العيب والنقص الجوهري ، أو بعبارة أفضل؛ يتجسد الخطأ الفكري العظيم في النزعة العلموية، والتي تعني تجاهل حدود العلم ومادياته الطبيعية ، وجعله رؤية كونية، ونظرية حياتية، وايديلوجيا شاملة. فالخبير العلمي الحق إذ يرصد قابليات العلم وكفاءاته، لا ينسى ثغراته وقيوده. وبذلك يحدد مكانة العلم ومنزلته، ويتفهم أن العلم عاطل عن أي نفي أو إثبات خارج نطاق تخومه الطبيعية. أما الذي لا يعرف حقيقة العلم، فقد يجره إلى خارج حدوده، ويراه مفتاح حل كل المعضلات،وعلاج كل المشاكل ، ويصنع منه ايديولوجيا ( علمية ) ليضحي بنفسه عند قدمي هذا الصنم الذي نحته بيديه. العلوم غير الدينية، عقلية كانت أم تجريبية أم تاريخية ، لم تخلق للإنسان العصري مشكلة أو معضلة، وهي من هذه الزاوية معصومة بريئة. أما العلة الأم لمعضلات الإنسان المعاصر ومتاعبه هي فهي العلموية، أي استخلاص نظرية شمولية من العلم ، والإيمان بايديولوجيا علمية. من هذا المنظار راح الإنسان العصري ضحية وثنيته. وهل الوثنية إلا عدم التفطن إلى قصور الموجود القاصر ؟!

الكواكبي يتحدث عن سبب كره المستبد للعلوم

s82012139117

عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902)، مفكر وعلامة سوري ورائد من رواد ما يعرف بحركة النهضة العربية، وكاتب ومؤلف ومحامي شهير. اشتهر بكتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” حيث حلل فيه الكثير من ظواهر الاستبداد في المجتمعات العربية كما يراها في وقته، ولا يزال الكتاب مؤثراً إلى يومنا هذا. يتساءل الكواكبي في كتابه المذكور عن سبب كره المستبدين للعلوم، فيقول :

وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد، لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة، وإنما يتلهى بها المتهوسون للعلم، فإذا نبغ فيهم البعض ونالوا شهرة بين العوام لا يعدم وسيلة لاستخدامهم في تأييد أمره بنحو سد أفواههم بلقيمات من فتات مائدة الاستبداد.

نعم ترتعد فرائض المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم، وسياسة المدنية، والتاريخ المفصل، والخطابة الأدبية، وغيرها من العلوم الممزقة للغيوم المبسقة الشموس المحرقة للرؤوس.

العلاقة بين العدالة والعلم عند الإمام محمد عبده

2012-634642986060260888-26_resized

يتحدث الإمام محمد عبده عن العلاقة بين العدالة والعلم، حيث يراها صنوان لا يفترقان متى سبق أحدهما تبعه الآخر. ربما يختلف الكثير مع رأيه مستحضرا العديد من الوقائع التي يكون للعِلم فيها دور كبير في تكريس الظلم ولكن يظل من المفيد أن نفكر أكثر في منابع الاستخدام السيء للعلم ومدى تأثيره على العدالة.

هذان الأساسان الجليلان (أعني العدالة والعلم) متلازمان في عالم الوجود متى سبق أحدهما إلى بلاد تبعه الآخر على الأثر، ومتى فارق واحد منعما جهة تعلق الثاني بغبار، فلا يكاد يرفع قدمه أو يضعها إلا وصاحبه يرافقه. بهذا ينبئنا التاريخ وتحدثنا سير الدول التي ارتفع بها منار العدل أو بزغت فيها شموس العلم، كيف تمتعت بالنورين، وطارت إلى أوج السعادة بهذين الجناحين حتى إذا أتت حوادث الدهر على أحد الأساسين فهدمه سقط الآخر بأسرع وقت وانحطت الدولة المصابة بفقده إلى أسفل الدركات فأغسق جوها بكثيف من الظلمات وغشيت أبصارها حجب من الجهالة..

وسر هذا جلي، فإن العلم إذا انتشر في قوم أضاء لهم السبل واتضحت المسالك وميزوا الخير من الشر والضار من النافع، فرسخ في عقولهم أن المساواة والعدالة هما العلة الأولى لدوام السعادة، فيطلبونهما بالنفس والنفيس، وأن الظلم والجور قرينان للخراب والشقاوة. وإذا رسخت قدم العدالة في أمة تمهدت لها طرق الراحة، وعرف كل ما له وما عليه، فتلهبت فيهم الأفكار وتلطف الإحساس وقويت قلوبهم على جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم فيدركون لأول وهلة ألا دوام لما وصلوا إليه ، ولا ثبات لما تحصلوا عليه، إلا إذا تأيد بينهم شأن المعارف الحقيقية، وعمت التربية سائر أفرادهم، فيقدمون بكليتهم على الأخذ بالأسباب المؤدية لانتشار العلوم وتعميمها في سائر الأنحاء.

المصدر: الأعمال الكاملة، محمد عبده.