أرشيف الوسم: الغرب والعالم

بين الشرق والغرب، في حوارات (بهاء طاهر) مع زوجته (ستيفكا)

محمد بهاء الدين طاهر [مواليد عام 1935م] أو كما يُعرف بـ(بهاء طاهر)؛ مؤلف روائي وقاص ومترجم مصري ينتمي إلى جيل الستينيات، منح الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008 عن روايته (واحة الغروب) حصل على (ليسانس الآداب) في التاريخ عام 1956 من جامعة القاهرة، ودبلوم الدراسات العليا في الإعلام، شعبة إذاعة وتلفزيون سنة 1973.

تنوعت إنتاجات (بهاء طاهر) بين الروايات؛ مثل روايته (الحب في المنفى) و(قالت ضحى) و(خالتي صفية والدير)، أو القصص القصيرة؛ مثل مجموعة (أنا الملك جئت) و(لم أعرف أن الواويس تطير) و(الخطوبة)، أو الكتب الفلسفية والنقدية؛ مثل (أبناء رفاعة) و(في مديح الرواية) و(10 مسرحيات مصرية)، وأخيرًا سيرته الذاتية (السيرة في المنفى)، والتي حكى فيها عن بدايات زواجه بـ(ستيفكا)، ونقاشاته معها.

[…] كانت مترجمة في القسم الروسي، ومتخصصة في الأدب الروسي، ققلت لها:

– أحب الأدب الروسي جدًا، لكنني أقرؤه إما بالعربية، أو بلغة وسيطة كالفرنسية أو الإنجليزية، فأنا لا أقرأ ولا أتحدث الروسية.

ضحكت، شعرت بالقرب مع ضحكتها، لا أعرف، هل كانت تنتظر هذه المصادفة كي تمنحني حيوية ضحكتها وعبق هذا الجمال؟

ظللنا نتحدث عن الأدب الروسي، ظللنا لساعات، انقضت الليلة ولم نشعر بها.

ويكمل حديثه في موضع آخر: 

امتدت بيننا اللقاءات والمحادثات، كنا نتقابل ونحتسي القهوة كل صباح، نتحدث كثيرًا، في الحياة، في الفن والسينما والأدب، في كل شيء، غالبًا لم نترك شيئًا إلا وتطرقنا للحديث فيه.

[…] حكيت لها عن أبي، الرجل الأزهري الذي علمني أصول الدين، واندهشت كثيرًا عندما عبّرت لها عن التزامي الديني، قالت:

– غريب أنا يقول هذا مثقف مثالي واعٍ مثلك هذا الكلام؟

– وما الغريب؟

– أظن أن الدين في مجمله قيدٌ كبير، وإنما لا بأس، يمكنني أن أصدّق هذا، خصوصًا أن مصر في غالب ثقافتها دينية بطبعها.

اعتدلت وقلت:

– على الإطلاق، لا أحد يمكنه أن يزعم هذا. لك أن تتصوري أن مصر غير قابلة إطلاقًا لأن تتحول إلى دولة دينية، ولا ثقافتها، أنت لا تعرفين الشعب المصري في أصله، شعب معتدل، ولا تعرفين مصر في حقيقتها، الكل منسجم فيها ولا مجال للتشدد ولا للتطرف ولا للانحراف.

هزت كتفيها وابتسمت ابتسامة إما أقرب للامبالاة الممزوجة بالدهشة، وإنما أقرب لاتهامي بالسخافة، أو ربما رغبت أن تتجاوز هذه النقطة في الحوار، لعلها ظنت أننا لن نلتقي على رؤية متجانسة.

لكنها بعد قليل مالت عليّ بمكر وقالت وهي تفكر:

– لكن، ألا تجد أن أكبر مظاهر الثقافة الدينية في مصر هو اعتناق الأضرحة والتعصب والعنصرية؟ كم كنيسة أحرقت في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة؟

قلت:

– العنصرية والتعصب موجودان في مصر قطعًا، في الشرق كله، لكننا نجدهما بشكل أوضح وأشمل في الغرب، أليس كذلك؟

– بمعنى؟

– حسنًا، وعلى سبيل المثال، لننظر إلى علاقات الاستعمار والقوة وفرض السيطرة والهيمنة، إذا كان الغرب أقوى فهو يفعل ذلك بدون النظر إلى فكرة الحياد وعدم التعصب، والعكس صحيح طبعًا، لكننا لا ننكر أن الغرب أقوى اليوم، ويفرض سيطرته على الشرق بشكل واضح! بعيدًا عن موضوع الكنائس في مصر طبعًا، فالكنائس من الطبيعي أن يكون لها في الغرب بديل ثقافي.

– لعلك غفلت عن الجوانب الإنسانية في المجتمعات الغربية، هي الجوهر في الغالب.

– ليكن، (كبلنج) يقول: “الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا”، ربما وبشكل ما هذا المنظور صحيح، لكني ومن باب المثقف الفاعل، والحائر أحيانًا، والعاجز عن ترجمة الكثير من توجهات الغرب أيضًا، أبحث بشكل جادّ عن أوجه التشابه بين الشرق والغرب، العنصرية والتعصب وجهان حقيقيان وبارزان لهذا التشابه، وإن بدا هذا في الغرب بصورته الأكثر قبحًا، رغم تفاوت الحضارات والأزمنة وتطور مجتمعات الغرب اقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا، لكن لا شيء استطاع أن يقتلع العنصرية كمفهوم راسخ في التعامل مع الآخر، تحديدًا الشرق.

– بالعكس، الغرب يتعامل مع هذا المنظور تحديدًا من منطلق الإخوة، هل تنكر؟

– قال (دوستويفسكي): “إن الغرب يفهم الإخوة باعتبارها قوة كبيرة محركة للإنسانية دون أن تخطر بباله أنه لا يستطيع أخذها من مكان إذا هي لم توجد في الواقع، وأن أساس الحضارة الغربية هو الفردية مقابل الطبيعة والمجتمع كله، ولا يمكن أن تنشأ الإخوة من تعارض كهذا!”.

– زمن (دوستويفسكي) ولّى والمجتمع في الغرب اليوم مؤمن بكل مبادئ الاشتراكية.

– رغم تطبيق الاشتراكية في الغرب، وبعد موت (دوستويفسكي) بعشرات السنين، لم يفلحوا في نزع العنصرية، العنصرية موجودة وحاضرة بقوة.

– الصورة ليست قاتمة هكذا (بهاء)!

– أتفق معك في هذا، كل يوم في الغرب تخوج جماعات وكيانات مناهضة للعنصرية بكل أشكالها، تدافع عن حقوق العالم الثالث بإيمان وإخلاص، ولكن صوتها خافت وعاجز وواهن مقابل الجماعات والأحزاب السياسية التي ما زالت ترفع شعارات العنصرية.

– مبادئ الإخوة هي الأبرز في المشهد السياسي الغربي.

– ظاهريًا فقط، يقول (دوستويفسكي): “من أجل أن تطبخ طبخة بلحم الأرنب فلا بد أولًا من أرنب، ولكن الأرنب غير موجود، أي لا وجود لطبيعة مؤهلة للإخوة”. 

– متأثر أنت بـ(دوستويفسكي) (بهاء) .. لو سايرت وجهة نظرك .. هل يمكن أن تطرح حلولًا لمواجهة هذا؟

– أكيد، أن تتضامن المجتمعات الشرقية التي يعاملها المجتمع الغربي بعنصرية ضد العنصرية الغربية نفسها، أن تكون فاعلة، بل أن تحارب العنصرية الغربية بمضامينها السياسية والاقتصادية التي تؤثر على المجتمعات الشرقية، لا يعني ذلك أن ندير ظهورنا للغرب، أو أن نقاطعه، فنحن – أقصد العالم الثاالث – والذي يتحتم عليه أن يعيش في مواجهة وتعارض مع الغرب، لا نستطيع أن نغلق الباب دونه، وإلا كنا نحن الخاسرين، أعني بذلك على وجه التحديد حضارة الغرب وعلمه، يتحتم علينا أن نعيش هذه المعادلة المتناقضة من المواجهة والاتصال، إذا كنا نريد أن نتقدم بالفعل، وعلى سبيل المثال اليابان والصين، استطاع كلًا من البلدين وفق طريقته أن يجابه الغرب وأن يستفيد منه، حضاريًا وثقافيًا، وحين وجد طريق خلاصه شفى الغرب من عنصريته، لو أدركنا نحن فقط كيف نحقق تلك المعادلة على طريقتنا فسنشفى أنفسنا والغرب معنا.

– لا تنس أن الغرب يخشى ما يخشى أن تفترسه الهجرات الشرعية وغير الشرعية!

– في النهاية لعلنا نشعر بحق أنه متفوق علينا، لذا نلجأ إلى الهجرة إليه، كطموح كل شرقي، ودعينا لا ننسى أن الشرق لم يزل يعتبر الغرب مستعمرًا، لم تزل تخالجه هذه الهواجس؛ إن فرضنا أنها هواجس.

– أوف .. نظرية المؤامرة (بهاء) .. أنتم الشرقيون .. أسمعها كثيرًا.

– السياسة الدولية (ستيفكا) فيها جانب كبير من التآمر، ومن لم يؤمن بنظرية المؤامرة عبر هذا التاريخ الطويل، قد يكون هو نفسه متآمرًا، أنا أراقب عن كثب ما يدور، عاصرت تجربة السنغالي (أحمد مختار إمبو)، الذي انتُخب مديرًا عامًا لمنظمة (اليونيسكو)، لعلّك عاصرت مثلي هذه التجربة المريرة، عندما وقفت أمريكا ضده، وهو مثقف كبير، ووصلت إلى حد الانسحاب من المنظمة وإلغاء اشتراكها الذي كان يمثل ربع ميزانية المنظمة عقابًا له ولمنظمة (اليونيسكو) التي تصدّت وقتها لمحاولات تهويد القدس من الجانب الأثري.

– لكن (أحمد مختار إمبو) انتُخب دورتين، وتبنى هذه القضية وساندتته بعض الدول العربية بتعويض الفرق الناتج عن سحب ميزانية أمريكا من (اليونيسكو).

– في النهاية انسحبت أمريكا عدّة سنوات عقابًا له وللمنظمة.

– المهم من انتصر في النهاية.

– عندما يكون هناك شخص صاحب قضية أو مؤمن بها يحارب حتى النهاية من أجل قضيته، مهما كانت قوة الخصم الذي يواجهه، بل يستطيع أن يكسب متى أحسن قراءة الواقع المحيط به.

الفيلسوف رينيه غينون، بين الشرق والغرب

رينيه غينون أو الشيخ عبدالواحد يحيى (1886-1951) هو علم معروف في البلاد الغربية، حصل على البكالوريا عام ١٩٠٤ قسم الرياضيات، وبدأ عام ١٩٠٦ دراسة الغيبيات، وحصل على الليسانس في الآداب قسم الفلسفة من جامعة السوربون عام ١٩١٥، ثم بدأ للإعداد لرسالة الدكتوراة حول “ليبنز والحساب التفاضلي” وفي عام ١٩١٨ بدأ يعد لدرجة الأجريجاسيون في الفلسفة.

أثّر في العديد من الكتّاب والأعلام في عصره وبعد عصره، انتقل من فرنسا ليعيش في مصر الروحانية والإسلام، رضيَ بالعُزلة والابتعاد عن الأضواء وتفرّغ للكتابة والبحث.

تتلخّص رؤيته الفكريّة في أن الغرب قد تاهَ منذ أن وصم نفسه عن ذلك الخيط التراثي الإيماني، وغاص في الماديّات وأن هذا الخيط قد تواصل في الشرق ولازال. ومن هنا يأتي كتابه (شرق وغرب) وهو دراسة للأوهام الغربيّة من خلال الحضارة والتقدم والعلم والمخاطر الحقيقية.

ويتعرّض كتابه: حكم الكمّ لمختلف الصراعات التي أدّت إلى التدهور الحالي الذي يعيشه الغرب، وذلك من خلال استعراضه للعلوم التراثية القديمة.

يرى (غينون) أن العوامّ يتّسمون دوماً بخوف تلقائي حيال كل مالايفهمونه، والخوف يولّد الكراهية بسهولة حتى حينما يجاهد المرء للإفلات منها بنفيها أو بإنكار الحقيقة التي لايفهمها. وكم من عمليات إنكار لاتُشبه صيحات الغضب الشديد من قبيل تلك التي يُطلقها  اللادينيون حيال كل مايتعلّق بالدين.

واختصاراً يُمكن القول بأن العقليّة  الحديثة مركّبة بحيث لايُمكنها احتمال أي سرّ ولاتقبل أي تحفظ. ومثل هذه الأمور لاتبدو لها إلا “مميّزات” أُقيمت لصالح بعض الأفراد، وهي عقلية لايُمكنها احتمال تفوّق أيّ فرد عليها. وإذا ماحاول شخص أن يشرح لهذه العقلية الحديثة أن هذه المميزات، كما تقول عنها، لها أسسها الراسخة في طبيعة الكائنات، فإن ذلك سيكون عبثاً لأنها عقلية ترفض بعناد تحت زعم المساواة، فهي لاتتباهى بإلغاء كل أنواع الغموض عن طريق العلم والفلسفة العقلانيّة التي وضعتها في متناول الجميع، بل كل مافي هذه العبارة من مغالطة، إلا أن عداءها للغموض قد شمل كل المجالات وامتدّ إلى مايُطلق عليه الحياة العادية.

تناول في كتابه (أزمة العالم الحديث) الدورات الكبرى التاريخية للحياة موضّحاً كيف أن الشرق بفلسفته العريقة قائم على المعرفة، بينما يقوم الغرب على الحركة الدائبة، الأمر الذي أدّى به إلى عدم التوازن الحالي.  

وحول التعارض بين الشرق والغرب يقول (غينون):

إن إحدى السمات الخاطئة بالعالم الحديث هي الانقسام بين الشّرق والغرب؛ هناك دائماً حضارات مختلفة ومتعدّدة تطوّرت كل منها بطريقتها الخاصّة وباتّجاه مايتلاءم مع استعدادات هذا الشعب  أو ذلك العرق؛ لكن التمييز لايعني تعارضاً، فيُمكن أن يكون هناك نوع من التكافؤ بين حضارات مختلفة الأشكال، إذ أنها كلها ترتكز على المبادئ الأساسيّة نفسها التي تُمثلها فقط تطبيقات مشروطة بظروف مختلفة. تلك هي حالة كلّ الحضارات التي يُمكن أن نسمّيها عادية أو تقليدية، إذ ليس بينها أيّ تعارض جوهريّ؛ والاختلافات إذا وُجدت ليست سوى ظاهريّة أو سطحيْة.

بالمقابل، إن حضارة لاتعترف بأيّ مبدأ أسمى، وليست مؤسسة في الواقع سوى على إنكار المبادئ هي منزوعة من أيّ وسيلة للتفاهم مع الآخرين، لأن هذا التفاهم لكي يكون فعّالاً وعميقاً لايُمكن أن يأتي إلا من أعلى. أيّ وبالتحديد ممّا ينقص هذه الحضارة المنحرفة وغير الطبيعية. وفي الحالة الرّاهنة للعالم لدينا، من جهة، كل الحضارات التي بقيَت أمينة للفكر التقليدي، وهي الحضارات الشرقيّة، ومن جهة أخرى، حضارة معادية للتقليد بشكل جليّ، هي الحضارة الغربيّة الحديثة.

مع ذلك، فإنّ البعض ذهب إلى حد رفض أن يكون تقسيم الإنسانيّة نفسه إلى قسمين، شرقاً وغرباً، مطابقاً للواقع؛ لكن هذا الأمر، على الأقل بالنسبة للعصر الحالي، لايبدو أنه يُمكن أن يكون موضع شكّ بشكل جديّ، أولاً، إن وجود حضارة غربية مشتركة بين أوروبا وأميركا، هو واقع يجب أن يكون العالم كله متفقاً حوله، مهما كان الحكم الذي يُمكن أن نطلقه على قيمة هذه الحضارة.

بالنسبة إلى الشرق، الأمور أكثر تعقيداً، بسبب عدم وجود حضارة واحدة عملياً بل عدّة حضارات شرقيّة؛ لكن يكفي أن تمتلك بعض السمات المشتركة وهي تلك التي تميّز ماأطلقنا عليها حضارات تقليديّة، وأن هذه السّمات لاتوجد في الحضارة الغربيّة لكي يكون التمييز وحتى التعارض بين الشرق والغرب مبرراً بشكل كامل. ومع ذلك هذه هي الحال في الواقع، والطابع التقليدي هو بالفعل مشترك بين كل الحضارات الشرقيّة.

إن التعارض بين الشرق والغرب لم يكن له من مبرّر لمّا كان لاتزال توجد في الغرب حضارات تقليدية؛ فالتعارض ليس له معنى إلا عندما يتعلق الأمر بالغرب الحديث، لأن هذا التعارض هو تعارض عقليّ أكثر من كونه تعارضاً بين كيانين جغرافيين متفاوتيّ التحديد.


للاستزادة:

  • مقالات من رينيه جينون، أ.د. زينب عبدالعزيز، دار الأنصار، ١٩٩٦م.
  • أزمة العالم الحديث، رينيه غينون، ترجمة: عدنان نجيب الدين، جمال عمّار، ٢٠١٦م.
  • الفيلسوف المسلم عبدالواحد يحيى، بقلم الإمام الأكبر عبدالحليم محمود، كنز ناشرون، ٢٠١٧م.

مخاطر العقلانية من وجهة نظر إدوارد سعيد

Edward_Said

إدوارد وديع سعيد (1935 – 2003) مُنظر أدبي فلسطيني وحامل للجنسية الأمريكية. كان أستاذا جامعيا للغة الإنكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية ومن الشخصيات المؤسسة لدراسات ما بعد الكولونيالية. كما كان مدافعا عن حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، وقد وصفه (روبرت فيسك) بأنه أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية.

20152809212815

تحدث كتاب (إدوارد سعيد من تفكيك المركزية الغربية إلى فضاء الهجنة والاختلاف) عن دراسة تحدثت عن أحد أمثلة مخاطر العقلانية التي تحدث عنها (إدوارد سعيد) وكان “الاستشراق” موضوعها بأنها:

يتميز تمثيل الشرق الذي نقله مجمل الإنتاج العلمي للمستشرقين في القرن التاسع عشر بتماسكه وعقلانيته كما يقول (سعيد). بفضل الوضعية العلمية، أصبح العالم الشرقي الغريب والفوضوي مفهوماً للقارئ الغربي، ووفر لرجال السياسة لغة جعلت خطابهم ممكناً وذا مصداقية. هذا الترابط المنطقي، يقول (سعيد)، بأنه وهمي واستيهامي. ليس هذا الترابط المنطقي سوى نتيجة لتأثير أنتجه أسلوب التصنيف، هذا النظام المغلق الذي يُعطي الشعور بالاكتمال والموضوعية العلمية، لكنه يخفي المحتوى الأيدلوجي للخطاي الاستشراقي والثغرات والتحيز الذي يستند إليه. إن كتاب (المكتبة الشرقية) للمستشرق (هيرلبوت) الذي نشر في 1697، والذي سيكون بمثابة نموذج لكتاب وصف مصر يقدم، حسب (سعيد)، مثالاً على هذه المعرفة التي تخفي عقلانيتها وتنظيمها الأبجدي “أساطير إيديولوجية“.

في كتاب علمي مثل (المكتبة الشرقية) الذي هو نتيجة لدراسات وبحوث منهجية، يفرض المؤلف نظاماً على المادة التي اشتغل عليها، بالإضافة إلى ذلك، يريد أن يفهم القارئ جيداً بأن هذا الكتاب عند طباعته يمثل حكما منظماً ومنضبطاً عن هذه المادة “الشرق“. ماينقله كتاب (المكتبة الشرقية) هو الفكرة القائلة بأن قوة الاستشراق وفعاليته تذكر القارئ في أي مكان أنه من الآن فصاعداً لكي يفهم كنه الشرق، يجب عليه أن يمر عبرالخطابات والرموز الثقافية التي قدّمها المستشرق الأوروبي.

هكذا، خلق الاستشراق ، حسب منظور (سعيد)، تحت ستار التبحر العلمي الممنهج، نظاماً ممن التمثيلات الوهمية عن واقع قائم أساساً على وحدة جغرافية وثقافية ولغوية وإثنوغرافية، في حين أن هذا التقليد الأوروبي “الاستشراق” يستند إلى تشظي وتقسيم تعسفي لهذه الوحدات. بسبب وهم الترابط المنطقي لظاهرة الاستشراق والسعي إلى فهم فوضى الشرق، سيطر الغرب على الشرق، لكن هذا الشرق لم يكن في غالب الأحيان سوى تسلية واستجمام للمستشرقين لأن محتوى الدراسات الاستشراقية يستند حسب منظور (إدوارد سعيد) إلى “أساطير إيديولوجية“. لدعم وجهة نظره، يستند (سعيد) إلى أمثلة التعامل مع اللغة العربية وتمثيل (النبي محمد) الذي اعتاد كتاب (المكتبة الشرقية) إنتاج صورته كدجال على شاكلة الصورة التي كانت موجودة من قبل العصور الوسطى أو العمل الشهير (الكوميديا الإلهية) للكاتب الإيطالي (دانتي).

في هذا المستوى من التحليل أيضاً، من الواجب التلويح بعدد من التحفظات. يخص التحفظ الأول مرة أخرى الطابع المنهجي لتحليلات (سعيد) الذي لاتميل إلى المتون العلمية الغزيرة التي اشتغل عليها فيه إلى إبراز الاختلافات والفروق الدقيقة لفكر الكتّاب، بل تسعى إلى إثبات تواطؤ لغتهم والنفاق الواعي أو المستتر لنواياهم. على شاكلة العلماء الذين كان إنتاجهم موسوعياً وغزيراً، تبنى علماء اللغة مثل (إرنست رينان)، وعلماء النحو مثل (سيلفستر دو ساسي)، نظام تصنيف، يؤكد (سعيد) أنه فتّت المعرفة وأصابها بالتشظي، وخلق بالتالي فجوات ملائمة لتطوير الأساطير الايديولوجية.

إذا كانت أعمال المؤلفين الذين تم الاستشهاد بهم تنقل صورة سلبية عن الإسلام والشرق -وهو المناسبة ليس الشيء نفسه، لكنه يتطابق عن قصد في منظور (سعيد)- فإن هذه الصور لا تنشأ بالضرورة من هذا الوعي بالتفوق الغربي واحتقار الآخر والايدولوجيا الاستعمارية. إن أراء (دانتي) و(سلفستر دو ساسي) و(إرنست رينان)، إذا كانت تطلق أحكاماً سيئة عن الدين الإسلامي أو الثقافة الشرقية، فهذا لا يعني بالضرورة أن تفكيرهم تهيمن عليه إيديولوجية قديمة تحصرهم في اجترار الخطاب نفسه والأحكام نفسها واستنساخهما.

إن التصور الذي نملك،على سبيل المثال، العبودية والعنصرية والاستعما، لم يعد يخضع للمعايير نفسها. إذا فشل المستشرقون في التخلص من الايديولوجيا الاستعمارية التي تبقى موضع تساؤل، فإن العمل الهائل الذي قاموا به، وبعيداً عن خلق صورة وهمية خيالية عن الإنسان الشرقي، قدّم لهذا الأخير مجموعة هائلة من المعلومات تسمح له بتشكيل تاريخه وثقافته. هل في وسع المرء اليوم أن يُنكر إسهام (شارل أندري جوليان) و(جاك بير) في البحث التاريخي في المنطقة المغاربية؟ ماهي المواد العلمية التي  استخدمها (ادوارد سعيد) عن الشرق، إن لم تكن كما يبين ذلك جيداً كتابه سوى أعمال المستشرقين؟

ومع ذلك، إذا كان كتاب (ادوار سعيد) كان قد خلق ضجة في أوساط المستشرقين وأتاح للأوروبين تغيير نظرتهم للشرق، فإنه عزز لدى المثقفين العرب رفض الآخر، ورسخ بشكل عميق الكولونيالي، ومنح قاعدة فكرية للأفكار الأصولية؛ باعتماد لغة جدلية في حدتها، وتقييد حقل الدراسة في غايات إيديولوجية.

الهويّات المتعدّدة عند طارق رمضان

 

في كتابه (الإسلام والحرّية) والذي تُرجم مؤخراً طرح المفكر الإسلامي (طارق رمضان) الكثير حول تجربته كمثقف مسلم يعدّ نفسه جزءاً من الثقافة الغربيّة ومسلماً ملتزماً في الوقت نفسه. يشرح بلغة سهلة قريبة المتناول رؤيته لحضور الإسلام والمسلمين في الغرب، ودعوته إلى ضرورة أن ينظر المسلمون إلى أنفسهم كمواطنين غربيين يدينون بالإسلام، وأن يتعامل معهم الغربيون “الأصليون” على أساس من المواطنة لا بالنظر إلى كونهم آخرين يدينون بالإسلام وشكلون خطراً على الهويّة الغربية وعلى التجانس السكاني.

ومما خطّه مقالاً حول الهويّات المتعددة جاء فيه:

العولمة، الهجرة، النفي، التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة، كل هذه الظواهر تثير الخوف والقلق والتوتر. تبدو العلامات التي كان يستهدى بها، وكأنها من زمنٍ فات وعاجزة عن بثّ السكينة: من نحن في قلب هذا الجيشان؟ تنبع قضية الهوية من هذه الاضطرابات العميقة. وعندما لايعود الناس، المحيطون بنافي مجتمعاتنا ذاتها وبهذه الكثرة، مشابهين لنا، وعندما يبدون مختلفين لهذه الدرجة، يكون من الطبيعي أن تنشأ لدينا الحاجة لإعادة تعريف أنفسنا. وبالمثل فإن خبرة الانقلاع، خبرة النفي الاقتصادي والسياسي، تؤدي إلى البحث عن الهويّة في قلب بيئةٍ ليست بيئتنا الطبيعيّة. رد الفعل يمكن فهمه، لكن ما يتعيّن التأكيد عليه هنا هو أنه فوق كل شيء، رد فعل إزاء بيئة نشعر باغترابٍ عنها. وهكذا يحدد المرء هويته برد الفعل، بالتمايز، بمعارضة ما ليس هو، بل وحتى بأن يكون ضد الآخرين. والسياق سياق طبيعي والطبيعي بالقدر ذاته هو أن تصبح المقاربة ثنائية وأن تنشأ بالتالي “هوية” يتم تركيبها، على نحو أو آخر، ضد هوية أخرى، ثم إسقاطها على “الآخر” أو “المجتمع”. والهويّات التي تتحدد على هذا النحو، الهويات القائمة على رد الفعل، هي في جوهرها فريدة وإقصائيّة، بسبب الضرورة التي نشأت عنها: النقطة المهمة هي أن يعرف المرء ماهيّته بوضوح، وأن يعرف ما يُخالفها.
يطرح تساؤلاً بقوله: ما إذا كان المرء “مسلماً”، “استرالياً”، “فرنسياً”، “هولندياً”، أو “كندياً “؟
في عالم الدين والفلسفة، ذلك الذي يعطي معنى للحياة، الإنسان هو، أولاً وقبل كل شيء، إما ملحد او بوذي أو يهودي أو مسيحي أو مسلم: فجواز السفر أو الجنسيّة ليس بوسعهما الإجابة عن السؤال الوجودي. وعندما يتعيّن على فرد أن يصوّت لمرشّح في الانتخابات، فإنه “هو أو هي” أولاً مواطن أمريكي، أو إيطالي، أو فرنسي أو برسطاني منغمس في الشؤون الوطنية. ووفقاً لمجال النّشاط، أو لحقله، يُقدّم المرء هويّةً أخرى، وليس هناك من تناقض.
وفي كلمةٍ ألقاها (طارق رمضان) في اليونان عبّر الاقتصادي (أمارتيا سين) عن موافقته لفكرة (طارق) حيث وضّح ذلك بقوله:
افترض أنك شاعرٌ ونباتيّ: فإن كنت ضيفاً على العشاء فهذا ليس مجال إصرارك على هويّتك كشاعر، ولا هو وقته، في حين أنك عندما تتواجد في حلقة شعريّة، فمن المؤكّد أنك لن تقدّم نفسك كنباتيّ، وإلا بدوت غريب الأطوار. وبتعبير آخر، فلديك أكثر من هويّة. وأنت تقدّم هوية على الأخرى، بحسب البيئة أو الحالة، دون أن يؤثر ذلك على نسق من أنساق الانتماء أو سواه. فالشّاعر الذي يقول، أثناء تناول الطعام، إنه نباتي، لاتنزل درجته كشاعر!
يُعقّب (رمضان) على ذلك بقوله:
يتعيّن على المرء أن يقاوم غواية اختزال هويته في بُعد واحد، تكون له الأولوية على كل ماعداه. من المؤكد أن هذا يمكن أن يكون باعثاً على الطمأنينة لكنه، فوق كل شيء يفقر الشخصية ويمكن في زمن التأزّم والتوتّر أن يؤدي إلى الرّفض، والعنصريّة والصراعات الكامنة أو المتأجّجة حول الهويّة، أو الثقافة، أو “الحضارة“. لا بدّ لنا من التوصّل إلى رؤية أوسع لأنفسنا ولمواطنينا: لكل واحدٍ منّا هويّات متعدّدة يتعيّن عليه القبول بها، وإنعاشها، وتنميتها. ولطالما كررت على مسامع المسلمين وعلى مسامع مواطنيّ أني سويسري بالجنسيّة، مصري بالذاكرة، مسلم بالديانة، أوروبي بالثقافة، عالمي بالمبدأ، ومغربي وموريشيوسي بالاكتساب.
تعدد الهويّات ليس إشكالاً عند (طارق رمضان) يقول:
أنا أعيش مع هذه الهويّات، وقد تتخذ هذه الهويّة أو تلك موقع الصدارة، حسب السياق أو المناسبة !

د. سروش يتحدث عن تحول التكنولوجيا من وسيلة إلى غاية

 عبد الكريم سروش مفكر وفيلسوف إيراني -صاحب نظرة فريدة إلى الحياة– يتسم بباع كبير في العِلم التجريبي كما في الفلسفة الدينية. كتب عدداً من الكتب التي أثارت وما زالت تثير كثيراً من الجدل والحوار. في أحد محاضراته التي نشرها د. (عبدالجبار الرفاعي) في كتاب (تمهيد لدراسة فلسفة الدين)، تحدث عن الغاية والوسيلة، وعن وجود رابطة بين الاثنين:
ما أريد مناقشته هو نقطة أخرى، تقول إن ثمة صلة بين الغاية والوسيلة، ويجب أن نقتنع على الأقل بتعذر الوصول إلى أي غاية بأية وسيلة كانت. أخال أن الجميع متفقون على هذا الرأي. القدر المتيقن هنا أنه لا يمكن لأية وسيلة أن تبلغ بالإنسان أية غاية. بالتسليم لهذه الفكرة نطل في ما يلي على العالم الحديث.
 ثم تحدث عن التنولوجيا، وعن مسببات وجودها:
أوجد العالم الحديث العديد من الوسائل المتنوعة، بل إن مهمة التكنولوجيا هي التفكير في ابتداع وسائل. ولكن هنا قضية على جانب من الأهمية هي أن غايات معينة سترشح عن وجود هذه الوسائل. في مثل هذه الظروف لن نستطيع القول إن غاياتنا من الحياة محددة ومعلومة، ونحن نوظف هذه الوسائل والأدوات لنصل إلى غاياتنا الحياتية. ليس الأمر كذلك، لأن الوسائل تخلق غايات معينة. إنها وسائل تقوم بأعمال معروفة، لها قدرات خاصة، وتضعنا إزاء خيارات جد عجيبة وعظيمة. وبذا تترك تلقائيًا بصمتها على غاياتنا في الحياة، فتغير معنى الحياة وغاياتها في وجداننا. قد لا نشعر نحن بالمسألة ولكن حينما تتوفر لنا الوسيلة فسوف تسوقنا إلى مقاصد معينة. لا يستطيع أحد القول إنني أعرف الغاية التي أتوخاها بدقة، فأنبذ الوسائل التي لا توصلني إلى غايتي، وأبقي على التي تساعدني في الوصول. ليس الأمر على هذه الشاكلة. الوسيلة ليست طيعة عديمة المفعول كما قد نتوهم. الأدوات لا تخدمنا وتطيع دساتيرنا مائة بالمائة.
 فللتكنولوجيا أثرها الملحوظ على غاياتنا من الحياة، بل إن التكنولوجيا قد تكون غاية في ذاتها بعض الأحيان، يقول:
فهل تعرفون ضيفًا ثقيلًا وأكثر مشاكسة وشيطنة من التقنية؟ مثل هذا المخلوق الهائل دخل حياة الإنسان وعالمه بكل ما له من تعقيدات، ولهذا نراه يغير ذهنية الإنسان ونمط حياته، وعلاقاته، ووضعه الروحي، والأهم من كل ذلك غايته من الحياة. دونت بحثًا أسميته (الصناعة والقناعة) يمكن أن تساعد مطالعته على فهم أعمق لما أطرحه هنا، ويغنيني في هذا المقام عن ذكر بعض النقاط. أوضحت هناك ماهية الصناعة والتقنية وخصائصهما وما تفعلانه بنا. ببيان أبسط وأكثر عصرية، تحمل السيارة معها ثقافة، تأخذنا إلى كافة الناس سواء كانوا مثقفين أو غير مثقفين، وتفرض عليهم صبغتها. لـ(ماركس) عبارة في غاية الذكاء، يقول عن البرجوازية: “إنها حولت العالم كله إلى صورتها”. لقد أطلق (ماركس) فكرته هذه في القرن التاسع عشر. إذا كانت هذه العبارة صادقة في حق البرجوازية، فهي أصدق بالتأكيد في حق التقنية. لقد حوّلت التقنية العالم كله إلى صورتها، بمعنى أنها حيثما رحلت أخذت معها أشياء لم يستطع أرباب الآلات ومخاطبو التقنية بعد ذلك العيش من دونها، أي أن ثقافة التقنية وغاياتها فرضت عليهم، وأرغموا هم على قبولها. إنني في الوقت الحاضر لا أرمي إلا لميزة واحدة من مميزات التقنية وهي صنع الغايات. لقد غيرت الآلات والتقنيات غاياتنا من الحياة. ربما كان من الصعب على من عاش داخل مناخ التقنية ونشأ في أحضانها، وباع كل ذهنه لها وأنا لا ألومه على ذلك اكتشاف البون بين ذهنية تقنية وأخرى غير تقنية. كالسمكة التي تعيش بالماء وهو يحيط بها من كل الجهات دائمًا فإنها تعجز عن تكوين أي تصور عن عالم البر. الماء حاجز لا يسمح للأسماك بالخروج إلى البر، ولا يجيز لمن هم في داخل البر الدخول إلى أعماق البحر. كلّ يخوض في عالمه الخاص. من هنا كان الأسلوب الأمثل لاكتشاف قصة التقنية، وذهنية الإنسان الحديث، مراجعة التاريخ، فما لم نعد إلى تاريخ الإنسان، وتاريخ الحضارة، وتاريخ العلم، سيبقى وعينا للتقنية ناقصًا أحادي الاتجاه، وهذا ما سيترك بطبيعة الحال تأثيره على أحكامنا، بمراجعة تاريخ الإنسان، الفكري والعقلي تتجلى لنا معالم هذه القصة أكثر.