أرشيف الوسم: الفلسفة الإسلامية

مفهوم الاستقلالية الفلسفي عند المفكر طه عبدالرحمن

مثلما أن الفلسفة بدأت بالدهشة وبطرح السؤال فكذلك مشروع (طه عبد الرحمن) الداعي إلى الاستقلال والإبداع الفلسفيين للأمة العربية والاسلامية بدأ بسؤال هو الآخر، سؤال طرحه (طه) بعد هزيمة الجيوش العربية 1967 بالشكل التالي: “أي عقل هذا الذي هزمنا ونحن أمة كثيرة بعددها، راسخة في تاريخها؟”[1] مما جعله يترك إلهامه الشعري نحو رسالته التي سيمضي مشواره الأكاديمي الزاخر في تأسيس مبادئها وأسسها ليتبعه جيل من الأكاديميين والمفكرين كتلاميذ وكمكملين لمنهجه المعرفي.

بالنسبة لـ(طه عبد الرحمن) فإن العقل الذي هزم المسلمين لم يكن عقلاً جباراً ولم يكن يحمل في آلياته المعرفية والمنطقية ما يؤهله للانتصار، بل بالعكس فقد كان عقلاً محدوداً وتلك المحدودية ناتجة من كون المنطقيات والعقليات نفسها التي تسيّر نمط تفكيره، والتي تخصص فيها (طه عبد الرحمن) دراسة وتدريساً، محدودة هي الأخرى، وكان بإمكان الأمة الاسلامية أن تقدّم عقلاً أوسع وأكثر انفتاحاً من العقل الذي هزمها لكنها لم تتحمل مسؤوليتها التاريخية والدينية.

فقد ظلت طيلة تاريخها منبهرة بهذا النظام المسمى فلسفة، لذا لم تستطع أن تقدّم فيه إلا تقليداً وتبعيةً سواء قديماً أو حديثاً، وإن كان المتقدمون يُعذرون في كون الفلسفة قد أتتهم على شكل علوم وفكر، وإن كانوا أبدعوا وطوّروا في الأول واكتفوا بالتقليد في الثاني، إلا أن المتأخرين لا يوجد لديهم عذر في الاستمرار بالتقليد والتبعية للغرب، فهذا الانبهار لم يمكنهم من الإبداع فيه بل يكاد يكون قاتلاً للإبداع الفلسفي وآن أوان إحيائه. ولا خيار أمام العرب الآن إلا أن يبدعوا فلسفة خاصة بهم تطرح أسئلتهم الخاصة، وتجيب أجوبتهم الخاصة، لذا فإن ردأ آفتيْ التقليد والتبعية والدعوة إلى الاستقلال والإبداع هما همّ المشروع الطهائي في كل كتبه ودراساته وأهمها مشروعه التأسيسي العظيم: فقه الفلسفة الذي صدر منه حتى الآن جزآن وبقيت منه ثلاثة أخرى.

ويقوم مشروع فقه الفلسفة على مجموعة أفكار أهمها محاولة اكساب العرب القدرة على الإنتاج الفلسفي والمستقل من خلال تجاوز الجمود الذي أصاب النصوص الفلسفية العربية المنقولة والمقلّدة، والتعامل مع القول الفلسفي على أنه قول خطابي موضوعي محكوم بواسطة قوانين معروفة، مثله مثل أي ظاهرة لغوية أخرى وبالتالي فإن المعاملة هنا تتخذ صيغة علمية صريحة، والصيغة العلمية تستدعي وجود علم خاص بالكشف على العلل المختلفة التي أدت إلى ظهور هذه الأغراض الفلسفية أو بتعبير أدق المقاصد الفلسفية، ففقه الفلسفة هو علم يعتمد موضوعه على أدوات وآليات إنتاج الفلسفة قولاً وفعلاً، ومنهجه يعتمد على مناهج ودراسات علوم الآلة من بلاغة ومنطق وحجاج وغيرها.. بالاضافة إلى فقه الفلسفة فإن المشروع الطهوي يرتكز على عدة مقوّمات أخرى منها منهجه التكاملي في الدراسات التراثية ودعوته للإبداع الفلسفي انطلاقاً من المجال التداولي العربي والاسلامي. ولعل كتاباه المعنوان بالحق العربي في الاختلاف الفلسفي[2] والحق الاسلامي في الاختلاف الفكري[2] من أهم ما كتب في مشواره بسبيل خلق فلسفة عربية مبدعة لا مقلّدة ولا تابعة.


الحق العربي في الاختلاف الفلسفي

لكي تستقل أمّة بإجابتها الخاصة ينبغي أن تستقل وتبدع في سؤالها الخاص، فقد كان السؤال اليوناني القديم  سؤالاُ فاحصاُ والسؤال الأوربي الحديث سؤالاً نقدياً وقد آن أوان تجاوز هذين الشكلين بشكل أحدث والذي سمّاه طه عبد الرحمن بـ“السؤال المسؤول” أي “سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه”[2] فالفيلسوف يسأل لأنه مسؤول عن كل أشكال أفعاله ومسؤول عن سؤاله نفسه فالمسؤولية هي التي تجعل من الواجب عليه أن يسأل عن ما يحيط به في الحياة والوجود من مخاطر تحدق به وبأمته، فهو بحسب (طه) يَسأل لأنه يُسأل، وبالتالي فينبغي أن يكون الأصل في الفلسفة هو المسؤولية لا السؤال بذاته، فالأولى تعطيه بعداً أخلاقياً ضرورياً فبنالسبة لطه فلا وجود لتفلسف بدون تخلّق، وتلك من أهم مسلمات مشروعه الفكري.

وما دامت الفلسفة أخلاقاً فلا ينبغي للفيلسوف العربي أن يجيب على كل سؤال يُطرح ولا أن يسأل أي سؤال من أجل التقليد فقط، بل إنه لا يجب عليه أن يسأل إلا السؤال الذي يلزمه وضعه ويلزمه الجواب عنه انطلاقاً من مجاله الثقافي والقومي، من هنا فإن من حق كل قوم أن يتفلسفوا انطلاقا من حاجياتهم ومقتضياتهم الثقافية الخاصة مع الاعتراف لغيرهم بممارسة نفس الحق مما يخلق تنوعاً فلسفياً لا تقليد ولا اتباع فيه لنمط واحد مهيمن، وكل ثقافة تدعو لنمط واحد مهيمن ماهي إلا ثقافة مستبدة أشبه هي بالعقيدة المتسلطة منها بفلسفة حرة، فلا وجود لمطلق في الفلسفة، حتى ولو كان العقل نفسه، فحق الاختلاف الثقافي والاختلاف الفلسفي ينبغي أن يتم الاقرار به لكل الأمم لا ينبغي أن تستأذن فيه أمة أمة أخرى.


دعاوى منع التفلسف

والعرب كأي أمة أخرى لا بد لها أن تسلك طريقها في طلب الاختلاف الفلسفي وأن يكونوا أحراراً في فلسفتهم، فلسفة مختلفة عن الفلسفات المطروحة والمفروضة عليهم، لذا وجب عليهم أن يقاوموا جميع الدعاوي التي تمنعهم من ممارسة حريتهم الفلسفية والطريق في ذلك يبدأ في النظر في تلك الدعاوي ولعل أولها هو القول بكونية الفلسفة وأنها معرفة عقلية تشمل الجميع بأسئلتها وأجوبتها، أفراداً كانوا أو أقواماً.

نقض القول بكونية الفلسفة: يحتمل مفهوم الكونية مدلولان عَبَرَا تاريخ الفلسفة بالتتابع فأولهما هو مدلول “الكلية” وقد ساد خلال الطور الإغريقي ويقول بأن قضايا الفلسفة تصدق على جميع البشر من حيث هي كائنات عاقلة، أي أن الكونية هنا تتخذ صبغة أنطولوجية أو بالتعبير الطهائي ذات صبغة “كيانية”، أما المدلول الثاني الذي ساد في الطور الأوربي الحديث فهو القول بـ“العالمية” أي أن القضايا الفلسفية تعم جميع أقطار الأرض القائمة. ويردّ طه عبد الرحمن على هذه الدعاوي بجملة اعتراضات أهمها ارتباط الفلسفة بالسياق التاريخي الاجتماعي الخاص بأمة ما فلا وجود لفلسفة بدون هذا  السياق الخاص، كما أن أي فلسفة هي مرتبطة بالسياق اللغوي، فبقدر تعدد اللغات كان هناك تعدد في الفلسفات كما أن الاختلاف الأدبي ينتج عنه اختلاف في قضايا الفلسفة فلكل لغة أشكال صرفية ومعاني لغوية وبلاغية لا تتطابق مع بقية لغات العالم وبالتالي فإن المقتضيات البنيوية والدلالية والبيانية ستختلف من فلسفة لأخرى، ثم إن هناك الاختلاف الفكري بين الفلاسفة أنفسهم وأنساقهم الفلسفية وأخيراً التصنيف القومي للفلسفة، فلا يكاد يخلو كتاب يصنف في تاريخ الفلسفة من تصانيف الفلسفات بحسب قوميتها، كالفلسفة الألمانية والفلسفة الانجليزية والفلسفة الفرنسية وغيرها.

فلا وجود إذن لما يقال أنه فلسفة كونية كليانية، فهذا القول باطل على حسب تعبير (طه)، وإذا انتفت صفة الكونية وجبت صفة الجزئية والقومية، فالفلسفة اليونانية كانت فلسفة قومية كما هو تاريخهم وأدبهم وأساطيرهم، وما منع المتقدمين من العرب من التفطن إلى هذه الخاصية هو كونها وصلتهم بسياق علمي مندمج مع كل المعارف من رياضيات وفلك ومنطق وطب وسياسة وغيرها، فما انطبق على هذه العلوم انطبق على الفلسفة نفسها بما هي تفكير نظري.

أما المحدثين من العرب فقد انبهروا بالدعوة الغربية إلى القول بالكونية السياسية للفلسفة وذلك منذ عصر التنوير بمفاهيمه الكبرى العالمية التي لا يرقى إلى كونيتها شك وقد ردّ (طه عبد الرحمن) على هذه الدعوى برد الفلسفة الحديثة إلى أوروبا ثم رد هذه الأخيرة إلى الفلسفة الألمانية ثم القول بأن هذه الأخيرة تم تهويدها من طرف الثقافة اليهودية منذ القرن الثامن عشر وتأثر كبار فلاسفة الألمان بفلاسفة اليهود كما كانوا يقتبسون بعضاً من مفاهيمهم المحورية من التوراة مباشرة وقد تم تسييس هذه الفلسفة اليهودية بما يخدم انتشار فكرة القومية اليهودية وشيئاً فشيئاً بدأ يتشكل فضاء فلسفي يهودي عالمي، يندمج فيه الجميع بما فيه غير اليهودي عن قصد أو عن غير قصد فبدلاً من تهويد الفلسفة الألمانية وحدها تم تهويد الفلسفة بشكل عام.

ولم ينج العرب من الدخول في هذه الدائرة فقد ظلوا يدورون فيها مناقشين نفس مسلماتها ونظرياتها فأصبح يتفلسف بما يخدم عدوه وهو لا يدري بذلك، وأصبح بالتالي يمارس التطبيع عن غير قصد أو وعي، بل أصبح يمارس هذا التطبيع من حيث يريد أن يقاومه، فبدلاً من التيه في الأرض الذي عوقب به اليهود، دخلنا نحن في تيه فكري وفلسفي بحسب طه عبد الرحمن. فلا بد إذن من نهضة فكرية وفلسفية تتيح للعرب وسائل مقاومة تغلغل هذا الفضاء الفلسفي المتهوّد المفروض بواسطة القوة المادية والهيمنة السياسية ويقترح (طه عبد الرحمن) مفهوماً جديداً لمواجهة هذا الفضاء وهو مفهوم: “القومية اليقظة” فهو مفهوم حركي لا متناهي يفرض نفسه بفضل القوة المعنوية والهمة الإنسانية عكس الأول، ويتميز بمجموعة خواص مشتقة منه مثل القيام المنسوب للجماعة التي تتحرك وتعمل لكي ينشأ بين أفراد الجماعة روابط راسخة تحفظ كيان الجماعة والقيام قيام جهادي يقوم في دفع التهديدات وقيام اجتهادي يقوم في جلب ما ينفع القوم، كما يتميز المفهوم بدلالات أخرى هي القوام والقومة التي يستعملها (طه عبد الرحمن) في مكان مفهوم الثورة؛ فالأخيرة لا تحصل إلا في المجال المادي، والقومة لا بد أن تنطلق من مبدأ أو من مسلمة جوهرية وهي أن الخطاب الفلسفي لا بد له أن يكون كلاماً تحته عمل موجّه أو بالتعبير الطهائي “كلاما ذا قيام” وذلك يستدعي وضع خطط واستراتيجيات تكون مناسبة لمواجهة التهويد اليهودي للفلسفة.

أولى تلك الخطط هي خطة المقاومة وتقوم على مبدأ الإعتراض على أي مفهوم منقول من الفضاء الفلسفي العالمي لم يقم أي دليل على صحته أو فائدته للمجال التداولي للفيلسوف العربي، فالمقاومة هنا هي مقاومة مفاهيم، ثم هناك خطة التقويم وتلك تعتمد على معنيين في قومتها وهما إزالة الإعوجاج والتزوّد بالقيّم وتقوم على مبدأ أن تتمتع المفاهيم الفلسفية بأكبر قدر ممكن من الحركية داخل مجال التداول الخاص بالعرب عن طريق وصلها بقيمه العملية، ثم أخيراً خطة الإقامة التي تدعو إلى عدم الاكتفاء بالنقد للمفاهيم الفلسفية وللأسئلة والقضايا المطروحة في الفضاء الفلسفي العالمي المتهوّد بل تسعى إلى إقامة فضاء فلسفي عربي على مبدأ أن نرتقي بالمعاني الطبيعية التي تدور في المجال التداولي العربي إلى رتبة المفاهيم الصناعية، مع الاستدلال عليها وبها لكي تصبح معاني ذات أساس إبداعي فتصبح الأمة قادرة على دخول المعركة الإصطلاحية لتوضيح ماهو متهوّد وما ليس كذلك، فقوة الاصطلاح لم تعد تقل ضرورة عن قوة السلاح، وخلق فضاء فلسفي عربي بخصوصية قومية هو الأولوية الآن.

“ونحن العرب نريد أن نكون أحراراً في فلسفتنا، وليس من سبيل إلى هذه الحرية إلا بأن نجتهد في إنشاء فلسفة خاصة بنا تختلف عن فلسفة أولئك الذين يسعون بشتى الدعاوى إلى أن يحولوا بيننا وبين ممارستنا لحريتنا الفكرية”[2].

ولدرء شبهة تعارض اعتبار العنصر القومي مع اعتبار العنصر الإسلامي يقدّم طه عبد الرحمن عدة أدلة تثبت فساد هذه الشبهة، فبحسبه فالقومية التي تم بناء هذا الفضاء الفلسفي فيها يؤيدها نص التنزيل فلا وحي بغير لسان، ولا رسالة إلا في قوم، وقوم خاتم الأنبياء هم العرب، ولسان هؤلاء هو العربية كما هو لسان الإسلام، فالإسلام لم يكن يوماً معارضاً للقومية بقدر ماهو معارض للقومانية، تلك التي تدعو إلى الجمود على مقومات عربية مخصوصة.


الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري

بعد أن بحث (طه عبد الرحمن) عن الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، وعن خصوصية السؤال العربي عن بقية الأسئلة في أطوار الفلسفة المختلفة، وأوضح أن الحق في الاختلاف يستدعي الحق في الاستقلال في النظرة إلى الأشياء وفي خصوصية استشكال القضايا وبالتالي يتطلب تحرراً فكرياً وتاريخياً، يأتي إلى الحق الاسلامي في تقديم الأجوبة عن أسئلة زمانه، فلكل زمان أسئلته الخاصة وواجب كل أمة أن تقدّم أجوبتها الخاصة عن تلك الأسئلة، أجوبة تتسم بالاستقلالية، والأمة المسلمة بصفتها أمة حاملة لرسالة خالدة وخاتمة لما سبقها وناسخة له، وإن كان الحال الآن لا يشي بذلك لما فيه الأمة من ضعف ووهن وعجز عن أداء الرسالة المنوطة بها ولما تتعرض له من سلب في خيراتها المادية ومن محوٍ لقيّمها الروحية من طرف أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحقوق والحريات في العالم. لكن يبقى للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن أسئلة زمانها فالفكر الطهائي ينظر إلى الأمة الإسلامية على أنها “مجموعة قيّم تسعى إلى أن تساهم في الأحداث المشهودة” وليس بالضرورة إلى أنها واقع متحقّق. ولأن الأسئلة التي تقتضي وجود جواب إسلامي أكثر من أن تحصى فإن طه استغنى عن تعداد تفاصيل هذا الجواب وبدلاً من ذلك ركّز على إبراز “الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي والتي تؤمن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى ولو كانت أشدّ منها بأساً، كما تدفع عنها ذرائع الذين يرومون حرمانها من هذا الحق ولو كانوا من بني جلدتها؛ ففي هذه الروح غناء عن هذه التفاصيل”[1]. وقد استخلص طه عبد الرحمن من هذه الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي مبدأين أساسيين:

  • الأول هو “مبدأ إختلاف الآيات”، وهو مبدأ مبنيٌ على اختلاف الآيات الكونية، وهنا يقيم طه عبد الرحمن تفريقاً جذرياً بين مفهوم الآية ومفهوم الظاهرة، فالأخيرة هي كل ما يظهر للعيان محدداً بزمان ومكان، أما الآية ف”هي الظاهرة منظوراً إليها من جهة المعنى الذي يزدوج بأوصافها الخارجية دالاً على الحكمة من وجودها”[2] فعالم المعاني هو مملكة الآيات  وعلى من يطلب تلك القيّم أن يعمل بمقتضاها. ونظرة المسلم إلى الأشياء في الأصل أنها نظرة تأمل في الآيات، أو بالتعبير الطهائي “نظرة ملكوتية” ولا يمكن أن تتحول إلى ملاحظة للظواهر أو بالتعبير الطهائي “نظرة مُلكية” إلا إذا قام دليل كالبحث عن قوانين الظاهرة السببية، فالنظر الأول هو بالنسبة لطه نظر أصلي يوصل الانسان إلى الإيمان أما النظر الثاني فهو نظر فرعي يوصله إلى العلم، والفرق بين المسلم وبين الآخر (الغربي خصوصاً) هو أن المسلم يؤسس نظره الأصلي على نظره الفرعي فيكسب الدارين، بينما فضّل الغرب وحداثته الإكتفاء بالنظر الفرعي وأصبح نظرهم متناهياً، لذا لا جدال أن النظر الإسلامي هو الأحق بالشرعية لأنه نظر لا متناهي ومتصل بالزمان المطلق.
  • ثم هناك المبدأ الثاني وهو “اختلاف الناس أنفسهم” وهذا مبنيٌ أساساً على اختلاف الأمم المثبت في محكم التنزيل، ويفرّق طه بين مفهوم الأمة ومفهوم المجتمع، فالمجتمع لا يربط بين أفراده سوى ما يجعلهم يتعاونون في سدّ الحاجيات وأداء الخدمات، وهذا ما أطلق عليه طه “العمل التعاوني” وهو ما دعى إليه القرآن لحفظ المجتمع، فالعمل التعاوني ضروري لحفظ هذه الروابط والعلاقات الاجتماعية المادية، أما الأمّة فهي المجتمع بعد أن يحمل قيّماً يكون مطالباً بايصالها للأمم والمجتمعات الأخرى في سبيل الرقي بالإنسان، فالعمل هنا أخلاقيّ لا ماديّ ولا أخلاق وقيّم أدعى للتبليغ من “قيم الخير” وهيّ قيّم تأمر بإتيان المعروف وترك المنكر، حيث يتعامل جميع أفراد الأمة الواحدة إلى التبليغ عن هذه القيّم من خلال التعامل مع الأشخاص المختلفين ومع أفراد الأمم الأخرى في سبيل هذا “العمل التعارفي” بالتعبير الطهائي، والأخير أسمى من “العمل التعاوني”.

من هنا يبني (طه عبد الرحمن) إذن أحقية الاختلاف الفكري ومشروعية الجواب الإسلامي من اختلاف النظر الملكي عن النظر غير الملكي واختلاف العمل التعارفي عن العمل التعاوني غير الإسلامي، وهذه النظرة وهذا التعامل لا يكتملان بالنسبة لطه إلا إذا استوفيا شرطين مهمين؛ وهما شرط ثبوت حصول الفائدة في الارتقاء بالإنسان في مراتب الكمال العقلي ثم شرط ثبوت حصول الفائدة في الإرتقاء بالإنسان في مراتب الكمال السلوكي، والعلاقة علاقة تأسيس فالنظر الملكي ينبغي أن يتأسس على النظر الملكوتي فالأخير هو وحده القادر على حسم كل نظر ملكي مثبتاً له حصول الفائدة من عدمها، ثم إن العمل التعاوني يتأسس على العمل التعارفي على نفس القاعدة في حصول الفائدة، والأمر هنا يتعلق بقاعدة أخلاقية لا تنكرها الفطرة الانسانية.

 إن روح الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان تظهر في حقيقتين اثنتين أولاهما الإيمان الذي يتم التوصل إليه بالنظر في مختلف الآيات أو النظر الملكوتي ثم وجود التخلّق الذي يتم التوصل إليه عن طريق التعامل مع مختلف الأمم والأشخاص أو كما سماه طه بالعمل التعارفي. فما يميّز الجواب الإسلامي إذن باختلافه الفكري هو “النقد الإيماني” ثم “التخلق التعارفي” وهما يتجاوزان النظرة المادية والتعاونية التي اتسمت بهما الكونية الجديدة. وهاتان الحقيقتان تحدّدان للجواب الإسلامي عدة خصائص أهمّها أنه جواب اختلافي واختلافيته ذات طابعين؛ إيماني وأخلاقي، ثم إن إيمانية الجواب الإسلامي تعتبر أشمل إيمانية لأنها تنطلق من الدين الخاتم الذي جمع ما في بقية الأديان من أسرار الإيمان وزاد عليها، وأخلاقيته أكمل أخلاقية انطلاقا من كون خاتم النبيين ما بعث إلا ليتتم مكارم الأخلاق.


مشروع الإستقلال الفكري مستمر..

إن الفلسفة الحق التي يدعو إليها الفكر الطهائي هي التي يرتبط فيها النظر بالعمل أو التي يرتبط فيها العقل بالأخلاق، والنقد الأخلاقي والإيماني هو صلب هذا الفكر، فالخصوصية الإسلامية خصوصية إيمانية وأخلاقية بالدرجة الأولى  لكنها تنبني على نظر كوني وتقوم على الحوارية والتعارف في مقابل للخصوصية الغربية التي تقوم على الإرغام وفقدان المضمون الأخلاقي، وقد اتخذ النقد الأخلاقي والإيماني في مجمل أعمال طه عبد الرحمن عدة أشكال، ففي نقد الحداثة كتب طه كتابين تأسيسيين هما سؤال الأخلاق وروح الحداثة وقدّم تصوّراً اختلافياً يفضي إلى تعدديّة متجاوزاً احتكارية النموذج الغربي الأحادي لها، فالحداثة برأيه دخلت مأزقاً ناتجاً عن إفلاسها القيمي ينبغي إنقاذها منه وهذا الحل ينبغي أن يميّز بين روح الحداثة وتطبيقاتها، فروحها هي مجموعة من المبادئ والقيّم والتي من الممكن أن تشترك فيها عدة مجالات تداولية مختلفة، أما تطبيقاتها فهي تحقيقات هذه المبادئ وتلك تختلف من مجال تداولي لآخر، فروح الحداثة تتميّز بمبادئ ثلاثة: مبدأ الرشد أي الخروج من تبعية الغير ومبدأ النقد ومبدأ الشمول فهذه المبادئ وإن كانت عامة ولها روح واحدة إلا أن تجلياتها خاصة ومتعددة.

أما الأشكال الأخرى لهذا النقد فقد تركّزت على نقد العولمة بصفتها ضرباً من العنف الخفي والجلي تحاول تحويل العالم إلى متجر واحد ثم تحويل البشرية إلى مجموعة مستهلكين، ثم يأتي نقد العلمانية وقد شغلت أساساً كتبه روح الدين، وبؤس الدهرانية، وشرود مابعد الدهرانية ، فالعلمانية بما هي فصل للدين عن السياسة تقع في ثلاثة محاذير: أولها ضيق الأفق، فهي تحصر الوجود الانساني في ما نراه من عوالم بينما الوجود أكثر اتساعاً مما نراه بحسب طه عبد الرحمن، بل أكثر فما لا نراه أكثر مما نراه، ثم هناك محذور المنطق المتناقض الذي تقع عليه، فبالنسبة لطه فكل منهج أو نظام مهما كان هو دين، فالدعوة إلى الخروج عن الدين هي دعوة إلى دين آخر وهذا تناقض بيّن، ثم المحذور الثالث وهو التأله، ففي طريق نزعها للسيّادة من الإله خلقت إلهاً جديداً هو الفرد نفسه. ثم يأتي الشكل الآخر للنقد الطهائي في نقد “الدهرانية” وقد وضع طه هذه الكلمة لتعني الدعوة التي تطالب بفصل الأخلاق عن الدين واهتم كتابه “بؤس الدهرانية” بهذا النقد مبيّنا فساد تصوراته عن علاقة الإنسان بالإله وعن بطلان دعوته لفصل الأخلاق عن الدين حتى لكأن الأولى دين مستقل وهو فصلٌ يؤدي إلى إلغاء الأخلاق نفسها، فأي دعوة للفصل هي دعوة إلى خلق أخلاق جامدة وفانية بلا روح.

تخليق الحداثة في المشروع الطهائي ماهو إلا دعوة صريحة لإقامة فلسفة إسلامية عربية تتخطى فرض تطبيقات الحداثة وأوهام العولمة وتبتعد عن التبعية والتقليد للفكر الغربي وذلك يستدعي رجوعاً للترّاث لا بصفته نصّا مفصولاً عن الهوية ولا مجرّد مدوّنة معرفية متاحة للقراءة والتأويل، بل التراث بصفته مضامين وآليات تسمح بخلق فيلسوف مرتبط بمجاله التداولي، فيلسوف قادر على تجديد الدين بنظرة تكاملية للتراث ونظرة غير تقديسية لتراث الآخر الفلسفي، فيلسوف قادر على تجاوز المبادئ التي قامت عليها روح الحداثة بحيث يكون قادراً على إكمالها وإتمامها ونقلها إلى مستوى أشمل وأكثر تخلقاً وأكثر ارتباطاً بدينه، وكل ذلك لا يمكن أن يتم بغير الانعطافة اللغوية واعتبار اللغة لا مجرد وسيلة تواصل بل آلية قادرة على أن تصل الفيلسوف بكينونته، وما تحمله من إمكانيات قادرٌ على أن يصل بالفيلسوف إلى أسباب النهوض. 


المصادر:

[1]  طه عبد الرحمن، الحوار أُفُقاً للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 2014.

[2]  طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2009.

الإلهيات النظرية عند طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن (مواليد 1944)، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

يُعتبر كتاب (العمل الديني وتجديد العقل) من أبرز المؤلفات لدى الدكتور (طه عبدالرحمن)، مبيّنا فيه تجربة دينية مؤسسة على مشروع فكري، تساهم في في تقويم اليقظة الدينية، ولنأخذ طرفا عن وجهة نظره في الإلهيات النظرية وموقفنا منها:

أعلم أن العقل المجرد عُرف عند علماء الإسلام باسم “النظر“. فالنظر عندهم، بصفة عامة، عبارة عن الفعل الإدراكي الذي يطلب شيئا معينا، ويسلك إليه طرقا محددة، مع الاعتقاد بأن هذه الطرق قادرة على الظفر بهذا الشيء المطلوب.
وهذه الحدود تقوم في الأوصاف التالية:
أ- الوصف الرمزي: لما كان أهل العقل المجرد من المتكلمين همهم الأول هو العلم بالوجود بعينه، وليس مجرد العلم بتصور هذا الوجود، فإن توسلهم باللغة التي هي مجموعة من الرموز تسد مسدها أية مجموعة أخرى، سواء ورد هذا التوسل على صورة “تسميات” أو على صورة “عبارات“، ما كان ليمدهم بأكثر من تصورات عن هذا الوجود تبقى حبيسة الأذهان، ولا تُدخلهم أبدا إلى عالم التحقق والعيان، إذ أننا نُسْأَل عن معرفة هذا الوجود وقد لا نُسأل عن غيره، أدركنا أن يكون استعمال الرموز اللغوية أبعد عن الوفاء بحاجتنا من المعرفة الإلهية من بعده عن الوفاء بحاجتنا من معرفة غيرها.
ب- الوصف الظني: ما فتئ أهل العقل المجرد من النظار ينشئون الأدلة لبلوغ مرادهم في البرهنة على الوجود الإلهي، لكن أدلتهم هاته تقع فيما يخرج صورتها عن صورة البرهان؛ فالتصورات التي تقوم عليها معالمها غير محددة، وطريقة تحصيلها غير مضبوطة، وصفتها الإجرائية غير معلومة. وحتى لو فرضنا أن أدلة النظار خلت من هذه التصورات المضطربة، وسلكت طريقا سليما في التركيب والترتيب، ما كان ذلك ليجعلها كافية ولا ضرورية لإفادة اليقين بالوجود الإلهي. وما كثرة الأدلة التي ينصبها هؤلاء على الوجود الإلهي إلا شاهد على عدم حصولهم على برهان يفيد اليقين، كأنما يبتغون درء تعذر البرهان بتعدده.
ج- الوصف التشبيهي: إن المتكلمين وإن بدوا، بنزعتهم العقلانية التجريدية، أكثر استعدادا لطلب الحقائق الموصوفة بالتنزيه من غيرهم، فإنهم، أحبوا أم كرهوا، واقعون في التشبيه بصنفيه: “التشبيه الاضطراري” الذي لا تنفعهم معه حيلة، للميل الطبيعي للعقل النظري إلى القياس على المعلوم من الأشياء، و “التشبيه الاختياري” الذي يسوقهم إلى الخوض المتكلف والشنيع في حقائق لطيفة تستلزم من الأدب والتعظيم ما لا يطيقه العقل المجرد.

ثم يكمل حديثه قائلًا:

وهكذا يتبين أن الطريق إلى إدراك الحقائق الإلهية بواسطة العقل المجرد ذي الأوصاف الثلاثة: الوصف الرمزي والظني والتشبيهي، طريق مسدود أو على الأقل طريق محدود.
أما أهل النظر الذوقي الذين التزموا التجربة الحية ودليل المحبة، فدليل الوجود الصحيح عندهم ليس الدليل على وجود الله، وإنما الدليل على وجود العبد؛ ليس إثبات الربوبية وإنما إظهار العبودية؛ ليس البحث في أفعال الألوهية وصفاتها وذاتها، وإنما البحث في أفعال العبد وأوصافه وماهيته، هذا البحث وحده الكفيل بأن يُجدد الإيمان ويخرج الحظوظ من النفس، فيقبل العبد على حقوق ربه إقبال العارف بالله على الله.

رأي طه عبدالرحمن عن فلاسفة الإسلام

طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن (مواليد 1944)، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

في محاضرة للدكتور (طه) حملت عنوان “الاشتغال بفقه الفلسفة ضرورة علمية، لا خيار فكري”، يقول:

معلوم أن المسلمين اشتغلوا، منذ القرن الثاني من الهجرة، بالفلسفة، ترجمة وتأليفا، على اعتبار أن الفلسفة تشمل مختلف المعارف المحصَّلة، علمية كانت أو فكرية؛ وقد اتخذ هذا الاشتغال الإسلامي بالفلسفة اتجاهين اختلفا باختلاف هذه المعارف، فاتَّسم أحدهما بالعطاء والإبداع، وذلك في مجال المعارف ذات الصبغة العلمية مثل “الرياضيات” و”الطبيعيات” و”الطب”؛ في حين اتَّسم الاتجاه الثاني بالتقليد والتبعية، وذلك في مجال المعارف ذات الصبغة الفكرية مثل “ما بعد الطبيعة” و”علم الأخلاق” و”علم السياسة”؛ وفي هذا مفارقة واضحة، حيث إن الأصل في المعرفة الإسلامية أن لا تقل فيها مكنونات المجال الفكري عن ممكنات المجال العلمي، بحكم صلتها بدين جديد جاء للعالمَين بمبادئ وقيم مُميَّزة تفتح للفكر الإنساني آفاقا غير مسبوقة.

وفي كتابه (حوارات من أجل المستقبل)، يقول:

وظل الاشتغال بالفلسفة مَبْعث الشبهات ومثار الاعتراضات؛ فعلى مستوى العقيدة، حاول بعض الفلاسفة، بحجة الاستناد إلى المنطق البرهاني، إثبات أفكار تخالف الشرع الإسلامي، أما على مستوى اللغة، فقد سلك بعضهم مسالك في التعبير تَخْرُج عن عادات العرب في البيان والإيجاز؛ وأما على مستوى المعرفة، فقد تكلم بعضهم في أمور ليس تحتها عمل ولا وراءها منفعة ولا تستند إلى أصول الشرع.

أما في كتابه (بؤس الدهرانية)، فقال فيه:

فهؤلاء الفلاسفة على غزارة علمهم وسعة عطائهم، لم يخوضوا إلا بحر “الفلسفة اليونانية” التي تقوم على عقلانية التجريد، واكتفوا من قضايا الإسلام بمناقشة التوفيق بين بعض إشكالات هذه الفلسفة وبين الدين الإسلامي، قبولا أو ردّا؛ لذلك، فإن إطلاق اسم “الفلسفة الإسلامية” على مجموع إنتاجهم، على فائدته بالنسبة لعموم الثقافة التي احتضنها المجتمع الإسلامي، لا يستقيم على الأصول الإسلامية لهذه الثقافة، إلا أن يكون من باب التجوُّز، اعتبارا لكون أرباب هذا الانتاج من المسلمين حتى ولو أشربت قلوبهم بفلسفة غير إسلامية.

المنطق واللوغوس عند طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن
يبدع الدكتور (طه عبدالرحمن) في بيانه، وصف عبارته وتحقيقه في توضيح معنى المنطق واللوغوس فيقول في كتابه (سؤال العمل) [بتصرف]:
لقد اعتبر مفهوم النطق مرادفاً لمفهوم العقل، ذلك أن العرب لمّا باشروا ترجمة الفلسفة اليونانية، وجدوا بين أيديهم لفظاً يونانيّا يجمع بين مدلولين يفرق بينهما التداول العربي، وهذا اللفظ هو اللوغوس إذ يدل على معنى العقل ومعنى القول في آن واحد، ولمّا تعذر على المترجمين أن يظفروا في اللسان العربي بلفظ يستعمله الجمهور في المعنيين المذكورين، قرروا – وقرر فلاسفة الإسلام في أثرهم – أن يستعملوا لفظ النطق في مقابل اللوغوس بحيث جعلوه يفيد ما يفيد، أي الجمع بين العقل والقول؛ ومن هنا كان نقلهم لتعريف الإنسان الذي وضعه (أرسطوطاليس) كالتالي “الإنسان حيوان ناطق” والمقصود هو أن الإنسان حيوان قائل عاقل، غير أن هذه الترجمة ولو أنها تجديد في الاصطلاح وتوسيع في اللغة ، فإنها لم تزد مفهوم العقل إلا استغلاقاً على استغلاق، وبيان ذلك من الوجوه الآتية:
[١] إذا صار العقل مقترنا بتحريك اللسان، فإن في عمل العقل وعمل اللسان لَبْس صريح. فإذا كان اليوناني يقصد بهذا الاقتران أن العقل واللسان وجهان لحقيقة واحدة، بل أنهما حقيقة واحدة، فإن العربي يتبادر إلى فهمه أن العقل والقول حقيقتان مختلفتان، بل حقيقتان متضادتان، ويتجلى هذا التضاد في كون عمل العقل يقوم بالذات في ضبط عمل اللسان، حتى لا يقع في آفات الكلام المعلومة، مثل فضول الكلام والكذب وما إليها.
[٢] الواقع أن لفظة المنطق هي نفسها صرفوها عن معناها الأصلي إلى معناهم الاصطلاحي، إذ كان يجري استعمالها في معنى الكلام كما في الآية الكريمة؛ “وورث سليمان داوود، وقال يأيها الناس علّمنا منطق الطير”، أي كلام الطير. ولو أن هؤلاء المتفلسفة سلكوا طريقاً آخر في الاصطلاح، وهذا الطريق هو أن يشقوا من فعل عَقَلَ اسم العلم الذي ينظر في قوانين العقل على نفس الصيغة التي وضع عليها مصطلح المنطق، ويقولوا المَعقل.
[٣] اقتران العقل بالقول، يشعر بوجود تلازم بينهما من جانبين، بحيث لا قول بغير عقل، ولا عقل بغير قول، وكلا الأمرين لا يصح، فمن الأقوال ما ليس فيه مسكة من عقل، حتى يكون أشبه بالمكاء والتصدية، كما أن من دقيق المدركات العقلية لا يقدر على أن توفي به العبارة وصريح القول، حتى يكون أشبه بالمعاني الروحية الخفية، فيكتفى في حقه بالإشارة والتلميح.
[٤] ليس العقل أولى بالاقتران بالقول منه بالعمل، فإذا اقترن في التداول اليوناني بالقول، فيبدو أن اقترانه بالعمل أقرب إلى التداول الإسلامي، بل قد يكون أصلاً من أصوله الأساسية، ذلك أن العقل يعدّ عند جمهور المسلمين علامة على تحصيل العلم الذي يصحبه التغلغل في العمل، عبادة أو معاملة أو تجربة، فهذا (الفارابي) يقول : “إن هؤلاء – أي جمهور المسلمين – إنما يعنون بالعاقل من كان فاضلاً وجيد الروية في استنباط ما ينبغي أن يُؤثر من خير أو يُتجنب من شر ، ويمتنعون أن يوقعوا هذا الاسم على من كان جيد الروية في استنباط ما هو شر ، بل يسمونه داهية”.
كما أن (الغزالي) ألحّ في إحصائه لمعاني العقل على على هذا الجانب العملي، إذ يقول: “وقد يطلق العقل على من جمع بين العلم والعمل ، حتى إن المفسد ، وإن كان في غاية الكياسة ، يُمنع من تسميته عاقلاً”.
أما المقابل للكلمة “اللوغوس” فيقول في كتابه (فقه الفلسفة؛ القول الفلسفي المفهوم والتأثيل):
إن المقابل العربي الأمثل للكلمة اليونانية الجامعة logos هو بالذات لفظ “البيان” وقد توصلنا إلى هذه الحقيقة غير طريق (هيدغر) الطويل؛ ويتمثل طريقنا في ملاحظة أمرين اثنين، أحدهما دلالي، إذ استعمل في المدلولين اللذين اشتهر بهما لفظ اللوغوس وهما : العقل والقول، فقد سمّيت العبارة المنطقية بياناً كما سمّيت العبارة اللغوية بياناً؛ والثاني تداولي، فقد كانت شهرة “البيان” في المجال التداولي الإسلامي العربي تضاهي شهرة “اللوغوس” في المجال التداولي اليوناني كما كان اقتران “البيان” بالمسألة الدينية الكلامية في المجال الإسلامي لا يقل اقتران “اللوغوس” بالمسألة الوجودية الإلهية في المجال الإغريقي.
 ولذا، لا بدع أن يحذف (ابن حزم) لفظ المنطق عند تعريفه لموضوع كتابه (التقريب لحد المنطق) وعند رده على من ينكر الاشتغال بالمنطق، فقد اتضح أنه يُنزل تعريفه للبيان منزلة تعريف للمنطق، ويجعل لفظ “البيان” مرادفاً للفظ “المنطق”.

في تلاقي الدين بالفلسفة، نديم الجسر يكتب

الشيخ نديم الجسر (1897 – 1980)، رجل دين وسياسي لبناني، ينحدر من أسرة مصرية الأصل، في كتابه (قصة الإيمان: بين الفلسفة والعلم والقرآن) ينقل قصة (حيران بن الأضعف) مع شيخه الموزون في عزلته الواقعة في مسجد مبني عند ضريح الأمام البخاري رضي الله عنه.

يقول حيران بن الاضعف:

لما كنت اطلب العلم في جامعة بيشاور كانت النفس الطلعة مشوقة، بفطرتها، إلى المعرفة : تستشرف كل غيب، وتشرئب إلى كل مجهول، فتبحث عن أصل كل شيء، وكهنه، وسببه وعلته، وسره وحكمته، فكان دأبي وديدني أن اسأل الشيوخ والرفاق عن هذا العالم، ما هو، ومتى خلق، ومم خلق، ومن الذي خلقه، وكيف خلقه ؟ فلا أقابل على هذه الأسئلة إلا بالزجر، ولا أجاب عليها إلا بالسخر، فيقول المشايخ عني : هذا ليس بطالب علم ولا دين .. إن هو إلا متفلسف سخيف.

ثم يقول كيف زاده هذا التهكم و الزجر إصرارا وشكاً:

وزادني هذا التهكم إصرارا وشكاً، حتى وقر في نفسي أن الحقائق التي انشدها، لا تدرك ولا تعلم، إلا من طريق الفلسفة، وان العقل والدين لا يجتمعان، ولو لا ذلك ما نفر مشايخي من الفلسفة، ولا تهربوا من الخوض معي، وفي كل جدل عقلي، حول سر الوجود، فأهملت دروس الدين، وأخذت ابحث عن كتب الفلسفة.

وتلا ذلك أن تم طرده من الجامعة و محاولة والده نصحه بترك الفلسفة والانصراف إلى علم الدين حتى ينتهي منه ثم ينكب على الفلسفة انكباباً صحيحا يقول حيران عن والده:

وقال لي في آخر حديثه: يا (حيران) لقد مرت في مثل الذي أنت فيه، فمالت نفسي إلي الفلسفة وأوغلت في الشك والحيرة لكن استأذنا الأكبر العارف بالله  الشيخ (أبو النور الموزون السمرقندي)، الذي كان فقيهاً كبيراً، وعالماً جليلاً، وفيلسوفاً عظيماً، نصحني، يومئذ، بمثل ما أنصحك به اليوم وقال لي: “إن الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ  في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه”

دله والده على مكان الشيخ (الموزون)، دون أن يعلم أنه دله على طريق الفرار من الجامعة، رحل (حيران) إلى سمرقند حيث مال (الموزون)  في شيخوخته، إلى الزهد والانقطاع لله، في مسجد مبني عند ضريح الأمام البخاري رضي الله عنه. فيقص كيف كان لقاءه فيه فيقول:

وفي الصباح الباكر حملت جونة الشيخ، وأمر كبير القرية، رجلا، أن يدلني على البستان الذي يسرح الشيخ فيه. فسار بي حتى أوصلني إلى المسجد، ثم دلني على البستان، وعلى المكان الذي جرت عادته أن يضع فيه الطعام، فدنوت من سياج  البستان، ووضعت الجونة في مكانها و ثم علقت بحرفها ورقة صغيرة كتبت فيها هذه الكلمات:

ما ..؟ ومن ..؟ ومم..؟

وكيف …؟ وأين …؟ ومتى…؟

توارى (حيران) خلف  الشجرة متشابكة الأغصان، انتظر حتى دنا الشيخ من السياج واقبل نحو الجونة، فلما تناولها وقعت عيناه على الورقة، وقرأ ما فيها، يقص (حيران) كيف تأثر الشيخ بما في هذه الورقة فيقول:

اخذ يتلفت يمنه ويسره، ثم ترنح وسقط مغشياً عليه. فعودت نحوه، وفعلت كل ما أمكن حتى أنعشه. فلما أفاق من غشيته، فتح عينيه، ونظر إلي نظرة طويلة ثم تمتم قائلاً: لا تخف ساعدني على النهوض، فساعدته حتى دخلت به البستان، فجلس على حرف الساقية، فغسل وجهه، واستسلم إلى  السكون، وهو مغمض العينين. وبعد صمت طويل سمعته يقول، بصوت بحة الباكي: لا حول ولا قوة إلا بالله، يكررها ثلاثا .. ثم التفت إلى وقال: يا بني. لقد أزعجتني، وأفسدت علي لذة استغراقي في ذلي وانكساري إلى لله، وذكرتني بشر ما كانت تعانيه النفس من غصص الحيرة والشك .. سامحك الله . من أنت يا ولدي ؟ 

 قلت: أنا حيران بن عبد لله الأضعف، تلميذك البنجابي القديم.

قال: أهلا بك. كيف حال أبيك ؟ قلت: بخير.

قال: أراك وقعت في مثل ما وقع فيه أبوك من قبل ؟

قلت: نعم، وهو الذي دلني عليك وأرشدني إليك يا مولاي.

فنظر إلي الشيخ نظرة طويلة، ثم حول وجهه إلى الماء وأطال النظر فيه، واغرورقت عيناه بالدموع، ثم قال: وراحمتاه لكم يا شباب هذا الجيل. انتم المخضرمون بين مدرسة الإيمان عن طريق النقل، ومدرسة الإيمان عن طريق العقل. تلوكون قشوراً من الدين، وقشوراً من الفلسفة، فيقوم في عقولكم، أن الإيمان والفلسفة لا يجتمعان، وأن العقل والدين لا يأتلفان، وأن الفلسفة سبيل الإلحاد. وما هي كذالك يا والدي، بل هي سبيل لأيمان با لله، من طريق العقل. 

 طلب منه الشيخ أن يحضر له فراش لينام في المسجد، ودفتر كبير، ليكتب فيه، وخصص الليل لدرس والنهار لعزلته في الانقطاع لله.

وفيما يخص الأسئلة التي كتبها (حيران) على الورقة يقول الشيخ:

أسئلتك هذه. هي التي شغلت عقول الفلاسفة، بل عقول الناس كافة، منذ بدأ الإنسان يفكر . والفلسفة هي التي تحاول أن تجد لها جواباً. أما أنها وجدت الجواب الصحيح، على كل سؤال، أو لم تجده، فهذا شيء سوف تعرفه أذا بلغت الغاية. فالفلسفة تريد أن تعرف يا (حيران)، حقيقة كل شيء وكنهه، وأصله، وغايته، ولا تكتفي بالظواهر بل تريد النفوذ إلى البواطن، ولا تكتفي بهذا العالم المحسوس، بل تريد أن تعرف ما وراءه، وما كان قبله، وتريد أن تعرف من الذي خلقه ومن أي شيء خلقه، ومتى خلقه، وتريد أن تعرف ما هو هذا الخالق وما كنه ذاته، وحقيقة صفاته، وما هو هذا الإنسان، وما حقيقته، وما هو عقله، وكيف يتم إدراكه، وما مبلغ هذا الإدراك من الصحة، وما هو الخير، وما هو الجمال، ولم كان الخير خيرا، والجميل جميلاً إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تنتهي، سعياً وراء معرفة المبادئ الأولى لكل شيء . لذلك قالوا في تعريف الفلسفة: أنها النظر في حقيقة الأشياء، وقالوا: أنها علم المبادئ الأولى، وقالوا غير ذلك أما أنا، فاني أعرفها لك، بأنها محاولة العقل أدراك كنه جميع المبادئ الأولى، وسوف ترى أن كنت على حق في هذا التعريف.

وفي الفرق بين العلم والفلسفة يقول الشيخ:

أن العلم يكتفي بدرس ظواهر هذا الكون، ونظمه، ونواميسه، أما الفلسفة فتبحث في أصل الكون وعلته، وحقيقته. 

ويقول في جوهر الفلسفة:

فالفلسفة كانت وما زالت، في جوهرها، عبارة عن البحث عن الله.

ويرى أن الفلاسفة اليونان:

أخذوا يبحثون عن الإله الحق، الذي ليس كمثله شيء من حيث لا يشعرون.

وعن اجتماع الدين والفلسفة في قلب المؤمن يقول: أن نتاج الفلسفة الصحيح لا يتنافى أبداً مع الدين الحق، في إثبات وجود الله ووحدانيته، بل يؤيد هذا الإثبات الذي جاء به الوحي بالنظر العقلي الخالص. فهذا ما أرشد أليه الشيخ، وخبره بنفسه.

وفي إمكانية الجمع بين الفلسفة والدين والتقائهما في الحق ينقل عن (ابن مسكويه) هذا القول:

بأن الإنسان نفسه لا يزال يرتقي ويزداد ذكاء، وصحة في التفكير، وجودة في الحكم، حتى يبلغ الأفق الأعلى الذي يتعرض به لأحدى منزلتين؛ إما أن يديم النظر في الموجودات ليتناول حقائقها، فتلوح له الأمور الآلهية، وإما  أن تأتيه تلك الأمور من الله تعالى، من غير سعي منه. وصاحب المنزلة الأولى هو “الفيلسوف”، وصاحب المنزلة الثانية هو “النبي” الذي يتلقى فيضاً من الله تعالى. فإذا التقى من وصل من أسفل بالتفلسف، ومن تلقى من أعلى بالفيض، أتفق رأيهما وصدق أحدهما الآخر، بالضرورة، لاتفاقهما في تلك الحقائق .

وهو في ذلك إنما أراد التلاقي على الحق في شيء واحد الأيمان بوجود الله. وليس التساوي في القيمة والقدر والعلم والعصمة.

وفي كراهية العلماء السلفيون الذين يكرهون هذا التعمق الفلسفي في الاستدلال على وجود الله يقول:

أنهم كانوا على حق قبل أن تعم البلوى، فقد كان المسلمون في العصر الأول من الإسلام لا يعرفون هذا الجدل الفلسفي حول وجود الله وصفاته، وأما بعد أن ترجمت الفلسفة اليونانية، وخاض كثير من علماء المسلمين فيها و ألفوا، وانتشرت بين الناس شبه الفلاسفة واشتهرت وعمت البلوى، وانبرى كثير من علماء الدين على الرد، على تلك الشبه، فقد أصبح الخوض في الفلسفة أمراً لابد منه، بل أصبح الاطلاع عليها واجباً على علماء الدين بوجه أخص ليتمكنوا من حسن الدعوة إلى الإيمان بالله.

يقول (الغزالي): أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كهنه، رد في عماية. ولهذا رأى أن يطلع على آراء الفلاسفة الآلهيين اطلاعاً تاماً قبل أن يرد عليهم فوضع كتابه (مقاصد الفلاسفة)، ثم وضع كتبه الشهير (تهافت الفلاسفة).

وعن  الشبهات التي ترمي بعض فلاسفة المسلمين بزندقة  وتشكيك بإيمانهم فبشأن (الرازي)، و(الفاربي) و(ابن سينا) يقول:

أنهم من أعظم المؤمنين بالله، ومن أصدقهم برهانا على وجود الله، وكيف لا يكونون كذلك، وهم كغيرهم من فلاسفة المسلمين، قد جمعوا إلى أيمان الوحي الصادق، وإيمان العقل السليم، نورا على نور. ولكن هؤلاء أخذوا بترهات الأفلاطونية الحديثة وخيالاتها في مراتب الخلق و وسائطه، وأختلط عليهم الأمر فحسبوها من كلام (أرسطو)، وحال إجلالهم للمعلم الأول، دون تمحيصها، لذلك كان على من يكتب عن هؤلاء أن يمحص أقوالهم ويميز بين ما فيها من الحق النير والباطل المظلم، وهذا ما لم يفعله الذين كتبوا عنهم، أما عجزاً عن التميز، أو زهداً في نصرة الأيمان، أو كيداً للإيمان.

هل القران لم يترك شيئاً من العلوم إلا وأشار إليه؟ يقول الشيخ في ذلك:

كلا هؤلاء الذين يقولون ذلك ليسوا بعلماء ولا عقلاء ولا أذكياء، فالقران ليس بدائرة معارف علمية. ولا من مقاصده أرشاد الناس، إلى العلوم الكونية، من باب التعليم. ولكن ما ورد فيه من الآيات، التي تشير إلى حقائق كونية كشفها العلم. إنما ورد بقصد التنبيه إلى ما في خلق العالم من آثار الإرادة، والقدرة، والعلم والحكمة، والإتقان، والاتزان، الدالة على وجود الله، والنافية لتكوين بالمصادفة، ولم يقصد به تقرير العلوم الكونية لأن القران خاطب البشر بلغة البشر، والله أحكم من أن يخاطب الناس بأمور لا يعرفون أسمائها، فضلا عن أسرارها، ولكنه أشار إلى دلائل وجوده، وقدرته وإرادته، وعلمه، وحكمته، ببيان عجيب يفهمه، على ظاهره، البدوي الساذج في القرن السابع عشر. ويفهم أسراره رجل العلم في القرن العشرين.

خاتمة الكلام يقول (حيران):

وبعد أن قضيت في ضيافته شهراً كاملاً، استأذنته، في السفر، والعودة إلى بلادي، وذكرت له عذري، وارتباطي بالأمير فقال لي: يا أبا النور! هذه الأيام المعدودات التي سمعت بها الدروس لا تكفيك، ولكني أنصحك أن تكثر من قراءة الفلسفة، حتى لا تترك منها شياً، وتكثر من قراءة علوم الطبيعة، وتكثر من قراءة القران.

قلت: كيف أكثر من قراءة الفلسفة وهذا الشك ما أتاني  إلا منها ؟

قال: يا ولدي أبا النور ؛ أن الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه. فاقرأها يا أبا النور، بصبر وأناة، ولا تترك شيئاً مما قاله الفلاسفة عن وجود الله وأحاديته. ثم اجمع أقوالهم، وقارن بينها ووازن، ثم اجمع من القران كل الآيات الدالة على وجود الله، واقرأها بتدبر، على ضوء ما قرأت من الفلسفة والعلم. وارجع، في التوفيق بين العلم والدين، إلى تحكيم العقل. وسوف تجد نفسك، بعد ذلك، في أحضان الإيمان واليقين. وأكثر، يا أبا النور، من قراءة سورة الضحى وسورة الأنبياء. ولا تقنط من رحمة الله ولسوف يعطيك ربك فترضى. ولسوف يصلح بالك. ويهديك إلى طيب القول، وإلى صراط مستقيم.

السيد عمر وآخرون، في حديثهم عن مفهوم المفهوم

كثيرة هي الكلمات التي نستخدمها بشكل يومي ودائم، وعندما نتأملها أو نحاول تعريفها بكلمات محددة ودقيقة نواجه صعوبة شديدة، سنحاول من خلال هذا المقال أن نسلط الضوء على كلمة تُستخدم بالأساس للوصول الى المعاني والتعريفات فعندما نسأل – ما هو مفهوم كذا أو كذا؟ نقصد الوصول الى تعريف أو معنى،  ولكن هل سألنا أنفسنا يوما عن معنى المفهوم نفسه، أي مفهوم المفهوم وماذا نقصد به؟

يقول الدكتور (السيد عمر) في مقدمة بحثه (خارطة المفاهيم القرآنية):eeca72a4-e219-4f99-99e5-2a53e5613961

المفهوم بنية فكرية تتبلور فيها ملامح تجربة إنسانية بكل ملامحها الفكرية والمعرفية والنظرية والفلسفية.

ولا يكتفي بذلك بل يوسع الإطار إلى اكبر حد فيقول:

المفاهيم مشروعات كبرى للمعاني والدلالات، وهي شبيه بالكائن الحي.

ويحاول مضيفا الى الكائن الحي حركة حياة بقوله: “

المفهوم وعاء معرفي له هوية كاملة وله سيرة وصيرورة.

وحتى لا يختلط علينا الأمر بين المفاهيم والمصطلحات قبل أن نغوص أكثر في عمق المفهوم نشير إلى كلام مهم يذكره الدكتور (طه جابر العلواني) في مقدمة بحثه (حاكمية القرآن):

المفاهيم تختلف عن المصطلحات ففي حالة دراسة مصطلح من المصطلحات قد يكفي الباحث أن يقوم بتحديد جذر المصطلح اللغوي والإلمام بمعانيه ثم الانطلاق نحو استخدامات أهل الاصطلاح له في جوانبه المختلفة لكن المفهوم يمثل جذرا فلسفيا وفكريا وثقافيا متشعب الفروع ومتعدد الاتجاهات، ومن الصعب أن لا يكون لمفهوم يتخذ شكل المفهوم حقيقة ومعنى.

ولا يكتفي بذلك بل يدعو الى تتبع امتداداته فيقول:

كذلك لا بد من تتبع آثار المفهوم ونتائجه ثم مصادر بنائه وموارده في مختلف جوانب الحياة الفكرية والثقافية.

ويبدو هنا من الطبيعي مع تتبع الآثار أن تتواصل المفاهيم ببعضها أحيانا وتتداخل أحيانا أخرى، يقول الدكتور (السيد عمر):

وليست المفاهيم وحدات معرفية منفردة بل هي وحدات متفاعلة متكاملة ومتناغمة ولا يمكن بناء أي مفهوم بمعزل عن المفاهيم الأخرى.

وفي ظل هذه التفاعلات والتناغم بين المفاهيم تبرز الحاجة لوضع أوزان لتلك المفاهيم ومدى حاجة كل منها للتكامل يقول الدكتور (السيد عمر):

ليست المفاهيم على درجة واحدة من القيمة فثمة مفاهيم تتعلق بنواة العمران الانساني تمثل مجامع لغيرها من المفاهيم.

من هذا المنطلق والمقدمة التي حاولت تعريفنا على مفهوم المفهوم، وكفائدة من طرح هذا الموضوع بالأساس، من الممكن أن نطرح السؤال التالي: هل نحن بحاجة الى إعادة بناء المفاهيم ؟ وكيف السبيل إلى ذلك؟

يطرح الدكتور (السيد عمر) رباعية مقترحة لإعادة البناء ورسم المنهجية، وهذه الرباعية هي :

أولا : رصد حالة المفاهيم الأساسية في الفكر الاسلامي

ثانيا : رسم معالم كبرى للطريق إلى تأصيلها وإعادة بنائها

ثالثا : رصد السيرة التاريخية للمفاهيم الغربية السائدة وتفكيكها

رابعا : البحث في ضرورة استبدالها والسبيل اليه

ولاشك أن هذه الرباعية بحاجة إلى شرح وتفصيل، بل ومشاركة فاعلة من المتخصصين والمهتمين في هذا المجال، وخاصة أن الجهود مازالت تتكامل للوصول الى منهجية واضحة لأعادة بناء المفاهيم.

يدافع الدكتور السيد عمر عن الرباعية المقترحة وعن أسباب وجودها بأن المفاهيم الراهنة تعاني من مجموعة من الإشكاليات الكبيرة، وقد يصل الأمر في بعضها الى ما يسمى بالتيه المفاهيمي وعن أسباب ذلك التيه يقول :

ومن أهم أسباب حالة تيه المفاهيم الراهنة التدليس على العامة بالاستخدام المراوغ للمفاهيم والإسراف في التعاطي غير المنضبط مع قاعدة لا مشاحة في الاصطلاح مما أدى الى فوضى المفاهيم وتقليص الوعي بحدود الاختلاف المشروع في عالمها، والذي لا مشاحة فيه هو الخلاف اللفظي مع وحدة المعنى المستفاد أما الخلاف في المعنى ففيه مساحة.

ورغم وجود بعض التبريرات لهذا التيه والتي لا تنفي وقوع المشكلة كما ذكر الدكتور (بليل عبدالكريم) في مقاله (المفاهيم ومشكلة المعنى):

ومصدر اللبس أن الأفكار وهي تنشأ نسيجها المنهجي الخاص بها، تضطر لاستخدام نفس المصطلحات، والمفردات الشائعة التداول؛ للتعبير عن دلالات مُعينة في مجال البحث، غير أن هذه الدلالات – وهنا مصدر اللبس – إنما ترتبط بالمضمون المعرفي للفلسفة، والفكر، والعقيدة الذي أنتَجَها، كذلك دلالات الألفاظ والمفردات، إنما ترتبط باللغة التي نشأتْ في أُطر حقلها الثقافي والتاريخي؛ أي إن دلالة الألفاظ ترتبط بتصوُّر ذهني معين للشيء المشار إليه، وليستْ مجرَّد علامة عليه وإشارة.

إذاً لا بد من إعادة البناء والتي لا بد لها أيضا كعملية شاملة من مقدمات تستطيع التمهيد لها لتجنب إنتاج نفس المشكلات بأشكال وألوان مختلفة، ومن هنا يطرح الدكتور (السيد عمر) رباعية أخرى تسبق إعادة البناء وهي :

أولا : وعي الأمة لتناقض المفاهيم الحالي

ثانيا : إزالة الجفوة مع اللغة العربية

ثالثا : تحقيق الانفتاح على علم الدلالة وتحليل المعنى

رابعا : نقد المفهوم ومراجعته

ومن ثم ننطلق لإعادة بناء نسأل الله أن نكون وإياكم ممن يشاركون به بفاعلية وفهم.

الفلسفة و الأخلاق من منظور د.طه عبدالرحمن

1329261627

طه عبد الرحمن، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة  والأخلاق. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في مجال التداول الإسلامي العربي منذ بداية السبعينات من القرن العشرين.

 

كيف ينظر الدكتور طه عبدالرحمن في مسألة الفلسفة والأخلاق من حيث أن الفلسفة هي في أصلها نظرية أقرب ماتوصف بأنها عمليه، وهذا قد لا ينطبق على الأخلاق من حيث أنها سلوك والسلوك أمر لا يفسر لمجرد النظر بل أقرب ما يكون بالعمل، يرد على ذلك قائلاً:

بدون شك هيمن على الفلسفة تصور ما، كان هذا التصور هو أن الفلسفة نظر استدلالي، بحيث لا نحتاج إلا لاستخدام العقل والنظر للوصول إلى الحقائق سواء بالكونيات أو الغيبيات أو السلوكيات. لكن لو نظرنا لهذا التصور، لوجدناه يخل بمقتضى منطقي وهو أن النظر المجرد لايمكن أن يحكم على السلوكيات، لأنه يحتاج أن يتحقق بخصائص السلوكيات لكي يتمكن من الحكم عليها. أي لابد للفسفة أن تكون مصحوبة بالعمل، حتى تفتح في العمل أفاق جديدة لم تكن فيه لما كانت الفلسفة نظراً مستقلاً عن العمل. لأن العمل يؤثر في النظر، من حيث أنه ينشئ استدلالاً جديداً في النظر واستشكالات في القضايا. وحين يكون النظر أخ العمل ولا ينفك عنه عند ذلك نقول أن الفيلسوف له الحق أن يحكم في السلوكيات وأن يحكم كذلك على الغيبيات.
لذلك لا نستغرب أن العالم الاسلامي لما تلقى الفلسفة أسماها الحكمة لأن الحكمة مخروطة بالعمل بشكل كامل بل تعد مرتبة،و ليست فقط مرتبة يتأطر فيها النظر بالعمل، بل يصبح العمل هو الذي يوجه النظر وليس العكس.
ونستطيع أن نقول بأن العمل هو ليس إلا جملة سلوكيات وهذه السلوكيات يمكن أن تكون موصوفة بالخير أو الشر أو الحسن أو القبح. وحين ذاك فإنها تعتبر داخلة في باب الأخلاق. إذن فكل سلوك يخضع أو يكون محط الحكم عليه بالخير أو الشر يعد خلقاً من الأخلاق. بمعنى آخر، أن الأفكار لابد أن تكون مصحوبة بالأخلاق حتى تحقق الفلسفة كما عاشها التراث الاسلامي، بل أقول أن بعض المدارس اليوناينة كالرواقيين كان تصورهم للفلسفة تصوراً عملياً، ونحن اليوم أحوج مانكون إلى استحضار هذا التصور العملي للفسفة لأسباب موضوعية موجودة في واقعنا، أي لايمكن أن ننشئ فلسفة بالنظر المجرد والواقع أمامنا يتحدانا بإشكالات وعوائق كبيرة ملموسة واقعية. بل نحتاج تجاوزها، ولايمكن تجاوزها بالفكر المجرد بل لابد من فكر قد انطبع وتشكل بالعمل تشكلاً كاملاً.

فالأخلاق على هذا الأساس ينبغي فيها مراجعة المسلمات التي بنيت عليها، لأن التصور للفلسفة كان تصوراً نظرياً والأخلاق كانت تعتبر لمحة نظرية، فإذا اعتبرنا أن الفلسفة من مقتضاها المنطقي أن تجمع بين العمل والنظر فمن الواجب مراجعة مسلماتها التي انبنت عليها الأخلاق، ومن هذه المسلمات:

أولاً: أن الأخلاق هي صفات كمالية يعني لا يضر فقدها الإنسان بل يمكن أن يستغنى عنها أحياناً بل هي بمنزلة ترف لا ننضر بعدم حصوله. ولكن الواقع ليس كذلك، لأن الأخلاق هي صفات ضرورية جوهرية يختل بفقدها ليس فقط نظام السلوك بل نظام الحياة، فلو تصورنا أن مجتمعا ليس فيه تمسك بالأخلاق والقيم سنعتبره مجتمع غير حي،أي لا حياة فيه.

ثانياً: تصور الأخلاق أنها صفات محدودة وأنها تشكل فقط جزء من السلوك الانساني، أن هناك أفعال نصفها بالأخلاق وأفعال لا نطبق عليها وصف الأخلاق وهذا كذلك غير مسلم ومعترض عليه. الأخلاق تشمل جميع أفعال الإنسان ابتداء من الفعل النظري; الفعل النظري فعل خلقي من حيث أنه يقتضي بموجب أن لنا بصر، فإذن يقتضي أن ننظر في المصلحة التي يجلبها لنا أو المفسدة التي يدفعها عنا، إنه بذلك الاعتبار يعتبر فعلا خُلقيا دافع للمصلحة.

كيف نستطيع أن نعتبر أفعال العقل هي أفعال خُلقية؟ يجب د. طه عبدالرحمن عن ذلك قائلا:

مادامت جميع أفعال الإنسان بما فيها أفعال العقل أفعال خلقية، فيلزم أن يكون العقل جزء من الأخلاق، بحيث يصبح العقل تابع للأخلاق. أي أن قابلية الأفعال النظرية والفكرية للتقويم الخُلقي هي مايجعل العقل تابعاً لمجال الأخلاق. بل أكثر من هذا، حيث أن التصرفات التي تعد تصرفات لا أخلاقية هي لا توصف على أنها تصرفات لاعقلانية بل توصف بأنها لا إنسانية، حين نقول بأنه تصرف لا أخلاقي فإنه يعتبر تصرف لا إنساني. أما حين نقول أنه تصرف لاعقلاني لا يلزم عنه أنه تصرف لا إنساني. فمثلا قد نقول هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا عقلانياً وليس هذا “إنسان” تصرف تصرفاً لا أخلاقياً. أي كلما زاد الإنسان أخلاقية اعتبرناه زيادة في انسانيته لكن لا نقول أنه كلما زاد في تقدم العقل زادت انسانيته، لأن زيادة تقدم العقل قد يضر بالإنسانية متى دمر هذا العقل الإنسان.

على ماذا يستند د.طه عبدالرحمن ليثبت أن الأصل في الأخلاق هو الدين، يجيب عن ذلك قائلاً:

أن ايمانويل كانت (كانط) علمن الأخلاق، أي فصلها عن الدين وأدخل عليها التعقيل -التحليل والتنظير- العقلي. وهذا لا يمنع أن الأصل في كثير من المفاهيم أن تكون دينية. ونحن نستطيع أن نجد ذلك -أي عقلنة الأخلاق- حياً اليوم في حياتنا مثلا: مفهوم ( التضامن) هو مفهوم أخلاقي ديني ولكنه الأصل فيه (الإحسان) عند المسيحين و (آلتراحم) عند المسلمين. فمبدأ (التراحم) أدخلت عليه الصفة العقلية ليصبح هو (التضامن). ومثال آخر: وهو مفهوم (المواطنة) هذا المفهوم هو علمنة لمفهوم (الأخوة). كانت هو في الحقيقة فصل الأخلاق عن الدين وهي موصولة أصلاً وفصلاً ليستجيب لمقتضى الحداثة و الأنوارية و مقتضى فكّر بنفسك ولا تنتظر وصاية أحد عليك. هي مسألة استيلاء العقل على أمور دينية وصرفها صرفاً عقلانياً.
لكن في الحقيقة هو أن الدين الأصل، لأن القيم الأخلاقية هي مُثل لاوجود لها في الواقع. لا هي وقائع ولا هي مجردات من الوقائع كما تجرد الكليات من الجزئيات. ولا أكتفي بالقول بأنها مُثل، بل هي معاني مشخصة في داخل الإنسان ليست مُثل في عالم خارج الواقع ومن هنا أقول بأن وظيفة الوحي كانت لخبرنا بوجود هذه المعاني وكيفية التصرف وفق هذه المعاني. ولماذا نقول أن هذه هي وظيفته بالضبط؟  لأن الوحي لم ينزل إلينا ليخبرنا عما يستطيع العقل أن يصير إليه مثلاً من حقائق كونية بل جاء ليخبرنا بالحقائق المعنوية التي فُطرنا عليها والتي ينبغي أن نسلك حياتنا وفقها، حيث أن وظيفته ليست التعريف بالكونيات -الملكيات- بل التعريف بالآيات -الملكوتيات- يعني القيم الأخلاقية التي هي آيات أُودعت في نفس الإنسان بإرادة الله سبحانه وتعالى.

للإستزادة:
مسارات:في الفلسفة والأخلاق
سؤال الأخلاق – طه عبدالرحمن

 

كانت أمة العرب في جاهليتها أمة أمية ندر فيها القارئ والكاتب، ولم يعرف عنهم أنهم بحثوا في علم ودونوه .. أحمد أمين يلخص تاريخ الفلسفة الإسلامية

الأديب-أحمد-أمين

الفلسفة، وتعني “حُب الحكمة” باليونانية، رُبما نشأت عن تساؤلات وحوارات داخلية، كلام يدور بين جنبات عقل الإنسان، تجعله يتأمل ويبحث ليصل إلى معرفةٍ جديدة تنقله لتساؤلات أعلى، تساؤلات عن الحياة، ماهية الإنسان، عن الكون، عن الوجود والكيان والأصل، عن الحب والجمال والفن.

عندما جاء الإسلام، كان الأمر الأول “اقرأ”، أمرٌ بالتمعن والمعرفة والبحث، ثم جاءت أوامر إلهية أخرى توصي بإعمال العقل في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وهكذا، لم يدعو الدين لفصل العقل عن العقيدة، بل جعل العقل -بالعمل على إثراءه وإعماله-  من صميم العقيدة، ومن هُنا تطورت قضايا الفكر ونجد في الحضارة الإسلامية تقاليد تدل على إعلاء قيمة الكلمة كمجالس الخلفاء العباسيين وأشهرها مجلس هارون الرشيد التي كان يتم فيها إلقاء الشعر والغناء إضافة إلى المناظرات والنقاشات والسجالات الكلامية، وهكذا، وبالتدريج نشأت الفلسفة الإسلامية.

وتُعد الفترة من القرن الثاني الهجري حتى القرن السادس الهجري هي الفترة الذهبية للفلسفة الإسلامية، والتي انتهت بوفاة ابن رشد واختفاء الفلسفة تدريجيًا من بلدان المغرب الإسلامي والأندلس.

أحمد أمين (1886-1954) هو أديب ومفكر ومؤرخ مصري كتب العديد من المؤلفات المهمة مثل ثلاثيته “فجر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”ظهر الإسلام”. في أواخر كتاب “مبادئ الفلسفة” الذي ترجمه عن رابوبيرت، أضاف فصلًا  عن تاريخ الفلسفة الإسلامية حيث يعتبر مدخلًا هامُا لكل من أحب أن يتعرف على أهم ملامحها.

كانت أمة العرب في جاهليتها أمة أمية ندر فيها القارئ والكاتب، ولم يعرف عنهم أنهم بحثوا في علم ودونوه، وهذا طبيعي في الأمم المتبدية، وإنما كانت لهم معارف أرشدتهم إليها التجارب والنظر ونوع المعيشة ؛ فمعيشة كثير منهم مثلًا في الصحراء حيث السماء صافية والجو مفتوح، وحاجتهم إلى الأمطار وهبوب الرياح، لفت نظرهم إلى السماء فعرفوا شيئًا عن النجوم والمنازل والأنواء. ولكنهم لم يبحثوا في ذلك بحثًا علميًا ولا دونوه كما تدون العلوم، ولم يكن لهم بالضرورة فلاسفة يدعون إلى مذاهب معينة، ولا يضعون مبادئ للسير عليها في الحياة كالذي رأيناه عند اليونان، ذلك لأن العلم والفلسفة لا يكونان إلا حيث تعظم المدنية، فيسهل تحصيل المعاش وتوفير أسباب العلم.

ثم جاء الإسلام ٦١٠م فوحد دينهم ولغتهم وأميالهم، وقد كانت متعددة، وملك الدين عليهم نفوسهم فكانت الحياة حياة دينية، وسياسة الحكومة سياسة دينية، والتشريع تشريعًا دينيًا. لذلك كان البحث في عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية إلى سنة ١٣٢هـ إنما كان بحثًا في الأمور الدينية وما يتعلق بها.

وفي آخر الدولة الأموية كانت لهم أبحاث دينية مما هو من أبحاث علم الكلام أو ما بعد الطبيعة، فبحثوا في حرية الإرادة وأن الإنسان مجبور أو مختار، وفي مرتكب الكبائر أمؤمن أم كافر، وفي خلق القرآن ونحو ذلك.

فلما جاءت الدولة العباسية ١٣٢-٦٥٦هـ عظمت حضارة المسلمين، وهضموا ما أخذوه بالفتح عن الفرس والروم والهند، ونقلوا علوم الأمم التي سبقتهم في المدنية ولا سيما الهند واليونان (…) فترجموا في القرن الثاني والثالث للهجرة كتب أفلاطون وأرسطو وأقليدس وبطليموس وجالينوس وغيرهم، وبحثوا فيها وتداولوها يشرحونها مرة ويختصرونها مرة، وخصص كثير من المسلمين حياتهم لدراسة الفلسفة وتفهمها فكانوا بعدُ فلاسفة.

مؤسسي الفلسفة عند العرب:

وكان أغلب مؤسسي الفلسفة عند العرب ومؤيديها أطباء وعلماء في الطبيعيات أكثر منهم رجال دين، وعلى العكس من ذلك فلاسفة الغرب في القرون الوسطى فقد كان أكثرهم قساوسة. […] غير أن ما ابتكروه من عند أنفسهم قليل إذا قيس بما نقلوه من اليونان.

نعم إنهم في بعض فروع العلم كالكيمياء وعلم المعادن والطب وعلم وظائف الأعضاء كان لهم أثرًا ظاهرًا، واستكشفوا من القوانين مالم يصل إليه اليونان قبلهم، ولكنهم في غير ذلك من فروع العلم كالمنطق والنفس والأخلاق كانوا نقلة أكثر منهم مبتكرين، وكانوا في طريقتهم العلمية ونظامهم في البحث وأنظارهم إلى العالم وترتيب فلسفتهم وقواعدهم متأثرين تأثرًا عظيمًا بفلسفة أرسطو والأفلاطونية الحديثة.

غير أنه يؤخذ على فلاسفة المسلمين أنهم لم ينظروا إلى الفلسفة اليونانية كما كان ينبغي أن ينظروا إليها – من أنها مجموعة أقوال ومذاهب قد يناقض بعضها بعضًا، وأنا ما يذهب إليه أرسطو في مسألة قد يكون مناقضًا ما يذهب إليه أفلاطون فيها، بل نظروا إليها كأنها حقيقة واحدة ملتئمة.

انتشار الفلسفة:

وقد كان انتشار الفلسفة بين المسلمين في القرن الثالث والرابع والخامس للهجرة سببًا في حركة جديدة قام بها المتكلمون – علماء الكلام – يريدون بها مقاومة تعاليم أرسطو وأفلاطون والأفلاطونية الحديثة المتعلقة بالإلهيات أو الرد عليها ودحضها. […] ولكن أحدًا منهم لم يخص الفلسفة بالطعن ولا رد عليها من جميع جهاتها حتى جاء الغزالي ٤٥٠-٥٠٥هـ فدرس الفلسفة اليونانية درسًا دقيقًا – كما يحدث هو عن نفسه – ثم حمل عليها حملة شديدة من جميع جهاتها.

هذا مجمل حال الفلسفة في الشرق؛ أما في المغرب أعني الأندلس وشمالي أفريقيا فقد ازدهرت الفلسفة حينًا أكثر من ازدهارها في الشرق. وكان فلاسفة الأندلس والمغرب أكثر ابتكارًا من فلاسفة المشرق

وقد تعاون المسلمون واليهود على الاشتغال بالفلسفة في الأندلس، ولم يلبث أن نبغ منهم كثيرون مع مقاومة العامة وأشياعهم مقاومة أشد من مقاومة المشارقة. ومن أشهرهم ؛ ابن ماجة، وأبوبكر بن طفيل، وابن رشد.

وبانتهاء القرن السادس الهجري تقريبًا وقف المسلمون عن البحث الفلسفي والنظر في العلوم الكونية ولم يكن العلم إلا نقلًا، فالمؤلف ينقل عمن قبله فحسب، حتى لا تكاد تجد في كتاب جملة ذات معنى جديد.