أرشيف الوسم: الفلسفة الإسلامية

فلسفة الوصال عند ابن حزم

من قرأ رسالة (طوق الحمامة)، لعدّ صاحبها من فلاسفة الحب، فقد ضمّن المفكر والفقيه (ابن حزم) [994-1064] تلك الرسالة ملاحظات نفسية دقيقة وآراء فلسفية عميقة، فضلا عن تناوله أدبيا وشعريا، وقد استخلص (زكريا إبراهيم) خاتمة كتابه (مشكلة الحب) كثيرا من أفكاره. وننقل فلسفة (ابن حزم) في الوصال، فيقول:

لولا أن الدنيا دار ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره؛ لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني ومنتهى الأراجي. ولقد جرّبت اللذات على تصرّفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف، ولا التروّح بعد المال، من الموقع في النفس ما للوصل…وما أصناف النبات بعد غِبّ القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السجسج [أي المعتدل]، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تأنّق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر؛ بأحسن من وصل حبيب قد رُضيت أخلاقه، وتقابلت بالحسن أوصافه.

‏ومن الناس من يقول: ‏“إن دوام الوصل يُودي بالحب”
‏وهذا هجين من القول، إنما ذلك لأهل المَلَل، بل كلما زاد وصلًا زاد اتصالًا…
‏‏ولقد بلغتُ من التمكّن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى، فما وجدتني إلا مستزيدا، ولقد طال بي ذلك، فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة.
وما في الدنيا حالة تعدل محبّين إذا عُدما الرقباء، وأمنا الوشاة، وسلما من البين، ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل، وفقدا العذّال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لهما رزقا دارّا وعيشا قارّا، وزمانا هاديا، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحال.

الإلهيات النظرية عند طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن (مواليد 1944)، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

يُعتبر كتاب (العمل الديني وتجديد العقل) من أبرز المؤلفات لدى الدكتور (طه عبدالرحمن)، مبيّنا فيه تجربة دينية مؤسسة على مشروع فكري، تساهم في في تقويم اليقظة الدينية، ولنأخذ طرفا عن وجهة نظره في الإلهيات النظرية وموقفنا منها:

أعلم أن العقل المجرد عُرف عند علماء الإسلام باسم “النظر“. فالنظر عندهم، بصفة عامة، عبارة عن الفعل الإدراكي الذي يطلب شيئا معينا، ويسلك إليه طرقا محددة، مع الاعتقاد بأن هذه الطرق قادرة على الظفر بهذا الشيء المطلوب.
وهذه الحدود تقوم في الأوصاف التالية:
أ- الوصف الرمزي: لما كان أهل العقل المجرد من المتكلمين همهم الأول هو العلم بالوجود بعينه، وليس مجرد العلم بتصور هذا الوجود، فإن توسلهم باللغة التي هي مجموعة من الرموز تسد مسدها أية مجموعة أخرى، سواء ورد هذا التوسل على صورة “تسميات” أو على صورة “عبارات“، ما كان ليمدهم بأكثر من تصورات عن هذا الوجود تبقى حبيسة الأذهان، ولا تُدخلهم أبدا إلى عالم التحقق والعيان، إذ أننا نُسْأَل عن معرفة هذا الوجود وقد لا نُسأل عن غيره، أدركنا أن يكون استعمال الرموز اللغوية أبعد عن الوفاء بحاجتنا من المعرفة الإلهية من بعده عن الوفاء بحاجتنا من معرفة غيرها.
ب- الوصف الظني: ما فتئ أهل العقل المجرد من النظار ينشئون الأدلة لبلوغ مرادهم في البرهنة على الوجود الإلهي، لكن أدلتهم هاته تقع فيما يخرج صورتها عن صورة البرهان؛ فالتصورات التي تقوم عليها معالمها غير محددة، وطريقة تحصيلها غير مضبوطة، وصفتها الإجرائية غير معلومة. وحتى لو فرضنا أن أدلة النظار خلت من هذه التصورات المضطربة، وسلكت طريقا سليما في التركيب والترتيب، ما كان ذلك ليجعلها كافية ولا ضرورية لإفادة اليقين بالوجود الإلهي. وما كثرة الأدلة التي ينصبها هؤلاء على الوجود الإلهي إلا شاهد على عدم حصولهم على برهان يفيد اليقين، كأنما يبتغون درء تعذر البرهان بتعدده.
ج- الوصف التشبيهي: إن المتكلمين وإن بدوا، بنزعتهم العقلانية التجريدية، أكثر استعدادا لطلب الحقائق الموصوفة بالتنزيه من غيرهم، فإنهم، أحبوا أم كرهوا، واقعون في التشبيه بصنفيه: “التشبيه الاضطراري” الذي لا تنفعهم معه حيلة، للميل الطبيعي للعقل النظري إلى القياس على المعلوم من الأشياء، و “التشبيه الاختياري” الذي يسوقهم إلى الخوض المتكلف والشنيع في حقائق لطيفة تستلزم من الأدب والتعظيم ما لا يطيقه العقل المجرد.

ثم يكمل حديثه قائلًا:

وهكذا يتبين أن الطريق إلى إدراك الحقائق الإلهية بواسطة العقل المجرد ذي الأوصاف الثلاثة: الوصف الرمزي والظني والتشبيهي، طريق مسدود أو على الأقل طريق محدود.
أما أهل النظر الذوقي الذين التزموا التجربة الحية ودليل المحبة، فدليل الوجود الصحيح عندهم ليس الدليل على وجود الله، وإنما الدليل على وجود العبد؛ ليس إثبات الربوبية وإنما إظهار العبودية؛ ليس البحث في أفعال الألوهية وصفاتها وذاتها، وإنما البحث في أفعال العبد وأوصافه وماهيته، هذا البحث وحده الكفيل بأن يُجدد الإيمان ويخرج الحظوظ من النفس، فيقبل العبد على حقوق ربه إقبال العارف بالله على الله.

رأي طه عبدالرحمن عن فلاسفة الإسلام

طه عبدالرحمن

طه عبد الرحمن (مواليد 1944)، فيلسوف مغربي، متخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق. حاصل على رسالتي الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية. ويعد أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين.

في محاضرة للدكتور (طه) حملت عنوان “الاشتغال بفقه الفلسفة ضرورة علمية، لا خيار فكري”، يقول:

معلوم أن المسلمين اشتغلوا، منذ القرن الثاني من الهجرة، بالفلسفة، ترجمة وتأليفا، على اعتبار أن الفلسفة تشمل مختلف المعارف المحصَّلة، علمية كانت أو فكرية؛ وقد اتخذ هذا الاشتغال الإسلامي بالفلسفة اتجاهين اختلفا باختلاف هذه المعارف، فاتَّسم أحدهما بالعطاء والإبداع، وذلك في مجال المعارف ذات الصبغة العلمية مثل “الرياضيات” و”الطبيعيات” و”الطب”؛ في حين اتَّسم الاتجاه الثاني بالتقليد والتبعية، وذلك في مجال المعارف ذات الصبغة الفكرية مثل “ما بعد الطبيعة” و”علم الأخلاق” و”علم السياسة”؛ وفي هذا مفارقة واضحة، حيث إن الأصل في المعرفة الإسلامية أن لا تقل فيها مكنونات المجال الفكري عن ممكنات المجال العلمي، بحكم صلتها بدين جديد جاء للعالمَين بمبادئ وقيم مُميَّزة تفتح للفكر الإنساني آفاقا غير مسبوقة.

وفي كتابه (حوارات من أجل المستقبل)، يقول:

وظل الاشتغال بالفلسفة مَبْعث الشبهات ومثار الاعتراضات؛ فعلى مستوى العقيدة، حاول بعض الفلاسفة، بحجة الاستناد إلى المنطق البرهاني، إثبات أفكار تخالف الشرع الإسلامي، أما على مستوى اللغة، فقد سلك بعضهم مسالك في التعبير تَخْرُج عن عادات العرب في البيان والإيجاز؛ وأما على مستوى المعرفة، فقد تكلم بعضهم في أمور ليس تحتها عمل ولا وراءها منفعة ولا تستند إلى أصول الشرع.

أما في كتابه (بؤس الدهرانية)، فقال فيه:

فهؤلاء الفلاسفة على غزارة علمهم وسعة عطائهم، لم يخوضوا إلا بحر “الفلسفة اليونانية” التي تقوم على عقلانية التجريد، واكتفوا من قضايا الإسلام بمناقشة التوفيق بين بعض إشكالات هذه الفلسفة وبين الدين الإسلامي، قبولا أو ردّا؛ لذلك، فإن إطلاق اسم “الفلسفة الإسلامية” على مجموع إنتاجهم، على فائدته بالنسبة لعموم الثقافة التي احتضنها المجتمع الإسلامي، لا يستقيم على الأصول الإسلامية لهذه الثقافة، إلا أن يكون من باب التجوُّز، اعتبارا لكون أرباب هذا الانتاج من المسلمين حتى ولو أشربت قلوبهم بفلسفة غير إسلامية.

المنطق واللوغوس عند طه عبدالرحمن

طه عبدالرحمن
يبدع الدكتور (طه عبدالرحمن) في بيانه، وصف عبارته وتحقيقه في توضيح معنى المنطق واللوغوس فيقول في كتابه (سؤال العمل) [بتصرف]:
لقد اعتبر مفهوم النطق مرادفاً لمفهوم العقل، ذلك أن العرب لمّا باشروا ترجمة الفلسفة اليونانية، وجدوا بين أيديهم لفظاً يونانيّا يجمع بين مدلولين يفرق بينهما التداول العربي، وهذا اللفظ هو اللوغوس إذ يدل على معنى العقل ومعنى القول في آن واحد، ولمّا تعذر على المترجمين أن يظفروا في اللسان العربي بلفظ يستعمله الجمهور في المعنيين المذكورين، قرروا – وقرر فلاسفة الإسلام في أثرهم – أن يستعملوا لفظ النطق في مقابل اللوغوس بحيث جعلوه يفيد ما يفيد، أي الجمع بين العقل والقول؛ ومن هنا كان نقلهم لتعريف الإنسان الذي وضعه (أرسطوطاليس) كالتالي “الإنسان حيوان ناطق” والمقصود هو أن الإنسان حيوان قائل عاقل، غير أن هذه الترجمة ولو أنها تجديد في الاصطلاح وتوسيع في اللغة ، فإنها لم تزد مفهوم العقل إلا استغلاقاً على استغلاق، وبيان ذلك من الوجوه الآتية:
[١] إذا صار العقل مقترنا بتحريك اللسان، فإن في عمل العقل وعمل اللسان لَبْس صريح. فإذا كان اليوناني يقصد بهذا الاقتران أن العقل واللسان وجهان لحقيقة واحدة، بل أنهما حقيقة واحدة، فإن العربي يتبادر إلى فهمه أن العقل والقول حقيقتان مختلفتان، بل حقيقتان متضادتان، ويتجلى هذا التضاد في كون عمل العقل يقوم بالذات في ضبط عمل اللسان، حتى لا يقع في آفات الكلام المعلومة، مثل فضول الكلام والكذب وما إليها.
[٢] الواقع أن لفظة المنطق هي نفسها صرفوها عن معناها الأصلي إلى معناهم الاصطلاحي، إذ كان يجري استعمالها في معنى الكلام كما في الآية الكريمة؛ “وورث سليمان داوود، وقال يأيها الناس علّمنا منطق الطير”، أي كلام الطير. ولو أن هؤلاء المتفلسفة سلكوا طريقاً آخر في الاصطلاح، وهذا الطريق هو أن يشقوا من فعل عَقَلَ اسم العلم الذي ينظر في قوانين العقل على نفس الصيغة التي وضع عليها مصطلح المنطق، ويقولوا المَعقل.
[٣] اقتران العقل بالقول، يشعر بوجود تلازم بينهما من جانبين، بحيث لا قول بغير عقل، ولا عقل بغير قول، وكلا الأمرين لا يصح، فمن الأقوال ما ليس فيه مسكة من عقل، حتى يكون أشبه بالمكاء والتصدية، كما أن من دقيق المدركات العقلية لا يقدر على أن توفي به العبارة وصريح القول، حتى يكون أشبه بالمعاني الروحية الخفية، فيكتفى في حقه بالإشارة والتلميح.
[٤] ليس العقل أولى بالاقتران بالقول منه بالعمل، فإذا اقترن في التداول اليوناني بالقول، فيبدو أن اقترانه بالعمل أقرب إلى التداول الإسلامي، بل قد يكون أصلاً من أصوله الأساسية، ذلك أن العقل يعدّ عند جمهور المسلمين علامة على تحصيل العلم الذي يصحبه التغلغل في العمل، عبادة أو معاملة أو تجربة، فهذا (الفارابي) يقول : “إن هؤلاء – أي جمهور المسلمين – إنما يعنون بالعاقل من كان فاضلاً وجيد الروية في استنباط ما ينبغي أن يُؤثر من خير أو يُتجنب من شر ، ويمتنعون أن يوقعوا هذا الاسم على من كان جيد الروية في استنباط ما هو شر ، بل يسمونه داهية”.
كما أن (الغزالي) ألحّ في إحصائه لمعاني العقل على على هذا الجانب العملي، إذ يقول: “وقد يطلق العقل على من جمع بين العلم والعمل ، حتى إن المفسد ، وإن كان في غاية الكياسة ، يُمنع من تسميته عاقلاً”.
أما المقابل للكلمة “اللوغوس” فيقول في كتابه (فقه الفلسفة؛ القول الفلسفي المفهوم والتأثيل):
إن المقابل العربي الأمثل للكلمة اليونانية الجامعة logos هو بالذات لفظ “البيان” وقد توصلنا إلى هذه الحقيقة غير طريق (هيدغر) الطويل؛ ويتمثل طريقنا في ملاحظة أمرين اثنين، أحدهما دلالي، إذ استعمل في المدلولين اللذين اشتهر بهما لفظ اللوغوس وهما : العقل والقول، فقد سمّيت العبارة المنطقية بياناً كما سمّيت العبارة اللغوية بياناً؛ والثاني تداولي، فقد كانت شهرة “البيان” في المجال التداولي الإسلامي العربي تضاهي شهرة “اللوغوس” في المجال التداولي اليوناني كما كان اقتران “البيان” بالمسألة الدينية الكلامية في المجال الإسلامي لا يقل اقتران “اللوغوس” بالمسألة الوجودية الإلهية في المجال الإغريقي.
 ولذا، لا بدع أن يحذف (ابن حزم) لفظ المنطق عند تعريفه لموضوع كتابه (التقريب لحد المنطق) وعند رده على من ينكر الاشتغال بالمنطق، فقد اتضح أنه يُنزل تعريفه للبيان منزلة تعريف للمنطق، ويجعل لفظ “البيان” مرادفاً للفظ “المنطق”.

في تلاقي الدين بالفلسفة، نديم الجسر يكتب

الشيخ نديم الجسر (1897 – 1980)، رجل دين وسياسي لبناني، ينحدر من أسرة مصرية الأصل، في كتابه (قصة الإيمان: بين الفلسفة والعلم والقرآن) ينقل قصة (حيران بن الأضعف) مع شيخه الموزون في عزلته الواقعة في مسجد مبني عند ضريح الأمام البخاري رضي الله عنه.

يقول حيران بن الاضعف:

لما كنت اطلب العلم في جامعة بيشاور كانت النفس الطلعة مشوقة، بفطرتها، إلى المعرفة : تستشرف كل غيب، وتشرئب إلى كل مجهول، فتبحث عن أصل كل شيء، وكهنه، وسببه وعلته، وسره وحكمته، فكان دأبي وديدني أن اسأل الشيوخ والرفاق عن هذا العالم، ما هو، ومتى خلق، ومم خلق، ومن الذي خلقه، وكيف خلقه ؟ فلا أقابل على هذه الأسئلة إلا بالزجر، ولا أجاب عليها إلا بالسخر، فيقول المشايخ عني : هذا ليس بطالب علم ولا دين .. إن هو إلا متفلسف سخيف.

ثم يقول كيف زاده هذا التهكم و الزجر إصرارا وشكاً:

وزادني هذا التهكم إصرارا وشكاً، حتى وقر في نفسي أن الحقائق التي انشدها، لا تدرك ولا تعلم، إلا من طريق الفلسفة، وان العقل والدين لا يجتمعان، ولو لا ذلك ما نفر مشايخي من الفلسفة، ولا تهربوا من الخوض معي، وفي كل جدل عقلي، حول سر الوجود، فأهملت دروس الدين، وأخذت ابحث عن كتب الفلسفة.

وتلا ذلك أن تم طرده من الجامعة و محاولة والده نصحه بترك الفلسفة والانصراف إلى علم الدين حتى ينتهي منه ثم ينكب على الفلسفة انكباباً صحيحا يقول حيران عن والده:

وقال لي في آخر حديثه: يا (حيران) لقد مرت في مثل الذي أنت فيه، فمالت نفسي إلي الفلسفة وأوغلت في الشك والحيرة لكن استأذنا الأكبر العارف بالله  الشيخ (أبو النور الموزون السمرقندي)، الذي كان فقيهاً كبيراً، وعالماً جليلاً، وفيلسوفاً عظيماً، نصحني، يومئذ، بمثل ما أنصحك به اليوم وقال لي: “إن الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ  في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه”

دله والده على مكان الشيخ (الموزون)، دون أن يعلم أنه دله على طريق الفرار من الجامعة، رحل (حيران) إلى سمرقند حيث مال (الموزون)  في شيخوخته، إلى الزهد والانقطاع لله، في مسجد مبني عند ضريح الأمام البخاري رضي الله عنه. فيقص كيف كان لقاءه فيه فيقول:

وفي الصباح الباكر حملت جونة الشيخ، وأمر كبير القرية، رجلا، أن يدلني على البستان الذي يسرح الشيخ فيه. فسار بي حتى أوصلني إلى المسجد، ثم دلني على البستان، وعلى المكان الذي جرت عادته أن يضع فيه الطعام، فدنوت من سياج  البستان، ووضعت الجونة في مكانها و ثم علقت بحرفها ورقة صغيرة كتبت فيها هذه الكلمات:

ما ..؟ ومن ..؟ ومم..؟

وكيف …؟ وأين …؟ ومتى…؟

توارى (حيران) خلف  الشجرة متشابكة الأغصان، انتظر حتى دنا الشيخ من السياج واقبل نحو الجونة، فلما تناولها وقعت عيناه على الورقة، وقرأ ما فيها، يقص (حيران) كيف تأثر الشيخ بما في هذه الورقة فيقول:

اخذ يتلفت يمنه ويسره، ثم ترنح وسقط مغشياً عليه. فعودت نحوه، وفعلت كل ما أمكن حتى أنعشه. فلما أفاق من غشيته، فتح عينيه، ونظر إلي نظرة طويلة ثم تمتم قائلاً: لا تخف ساعدني على النهوض، فساعدته حتى دخلت به البستان، فجلس على حرف الساقية، فغسل وجهه، واستسلم إلى  السكون، وهو مغمض العينين. وبعد صمت طويل سمعته يقول، بصوت بحة الباكي: لا حول ولا قوة إلا بالله، يكررها ثلاثا .. ثم التفت إلى وقال: يا بني. لقد أزعجتني، وأفسدت علي لذة استغراقي في ذلي وانكساري إلى لله، وذكرتني بشر ما كانت تعانيه النفس من غصص الحيرة والشك .. سامحك الله . من أنت يا ولدي ؟ 

 قلت: أنا حيران بن عبد لله الأضعف، تلميذك البنجابي القديم.

قال: أهلا بك. كيف حال أبيك ؟ قلت: بخير.

قال: أراك وقعت في مثل ما وقع فيه أبوك من قبل ؟

قلت: نعم، وهو الذي دلني عليك وأرشدني إليك يا مولاي.

فنظر إلي الشيخ نظرة طويلة، ثم حول وجهه إلى الماء وأطال النظر فيه، واغرورقت عيناه بالدموع، ثم قال: وراحمتاه لكم يا شباب هذا الجيل. انتم المخضرمون بين مدرسة الإيمان عن طريق النقل، ومدرسة الإيمان عن طريق العقل. تلوكون قشوراً من الدين، وقشوراً من الفلسفة، فيقوم في عقولكم، أن الإيمان والفلسفة لا يجتمعان، وأن العقل والدين لا يأتلفان، وأن الفلسفة سبيل الإلحاد. وما هي كذالك يا والدي، بل هي سبيل لأيمان با لله، من طريق العقل. 

 طلب منه الشيخ أن يحضر له فراش لينام في المسجد، ودفتر كبير، ليكتب فيه، وخصص الليل لدرس والنهار لعزلته في الانقطاع لله.

وفيما يخص الأسئلة التي كتبها (حيران) على الورقة يقول الشيخ:

أسئلتك هذه. هي التي شغلت عقول الفلاسفة، بل عقول الناس كافة، منذ بدأ الإنسان يفكر . والفلسفة هي التي تحاول أن تجد لها جواباً. أما أنها وجدت الجواب الصحيح، على كل سؤال، أو لم تجده، فهذا شيء سوف تعرفه أذا بلغت الغاية. فالفلسفة تريد أن تعرف يا (حيران)، حقيقة كل شيء وكنهه، وأصله، وغايته، ولا تكتفي بالظواهر بل تريد النفوذ إلى البواطن، ولا تكتفي بهذا العالم المحسوس، بل تريد أن تعرف ما وراءه، وما كان قبله، وتريد أن تعرف من الذي خلقه ومن أي شيء خلقه، ومتى خلقه، وتريد أن تعرف ما هو هذا الخالق وما كنه ذاته، وحقيقة صفاته، وما هو هذا الإنسان، وما حقيقته، وما هو عقله، وكيف يتم إدراكه، وما مبلغ هذا الإدراك من الصحة، وما هو الخير، وما هو الجمال، ولم كان الخير خيرا، والجميل جميلاً إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تنتهي، سعياً وراء معرفة المبادئ الأولى لكل شيء . لذلك قالوا في تعريف الفلسفة: أنها النظر في حقيقة الأشياء، وقالوا: أنها علم المبادئ الأولى، وقالوا غير ذلك أما أنا، فاني أعرفها لك، بأنها محاولة العقل أدراك كنه جميع المبادئ الأولى، وسوف ترى أن كنت على حق في هذا التعريف.

وفي الفرق بين العلم والفلسفة يقول الشيخ:

أن العلم يكتفي بدرس ظواهر هذا الكون، ونظمه، ونواميسه، أما الفلسفة فتبحث في أصل الكون وعلته، وحقيقته. 

ويقول في جوهر الفلسفة:

فالفلسفة كانت وما زالت، في جوهرها، عبارة عن البحث عن الله.

ويرى أن الفلاسفة اليونان:

أخذوا يبحثون عن الإله الحق، الذي ليس كمثله شيء من حيث لا يشعرون.

وعن اجتماع الدين والفلسفة في قلب المؤمن يقول: أن نتاج الفلسفة الصحيح لا يتنافى أبداً مع الدين الحق، في إثبات وجود الله ووحدانيته، بل يؤيد هذا الإثبات الذي جاء به الوحي بالنظر العقلي الخالص. فهذا ما أرشد أليه الشيخ، وخبره بنفسه.

وفي إمكانية الجمع بين الفلسفة والدين والتقائهما في الحق ينقل عن (ابن مسكويه) هذا القول:

بأن الإنسان نفسه لا يزال يرتقي ويزداد ذكاء، وصحة في التفكير، وجودة في الحكم، حتى يبلغ الأفق الأعلى الذي يتعرض به لأحدى منزلتين؛ إما أن يديم النظر في الموجودات ليتناول حقائقها، فتلوح له الأمور الآلهية، وإما  أن تأتيه تلك الأمور من الله تعالى، من غير سعي منه. وصاحب المنزلة الأولى هو “الفيلسوف”، وصاحب المنزلة الثانية هو “النبي” الذي يتلقى فيضاً من الله تعالى. فإذا التقى من وصل من أسفل بالتفلسف، ومن تلقى من أعلى بالفيض، أتفق رأيهما وصدق أحدهما الآخر، بالضرورة، لاتفاقهما في تلك الحقائق .

وهو في ذلك إنما أراد التلاقي على الحق في شيء واحد الأيمان بوجود الله. وليس التساوي في القيمة والقدر والعلم والعصمة.

وفي كراهية العلماء السلفيون الذين يكرهون هذا التعمق الفلسفي في الاستدلال على وجود الله يقول:

أنهم كانوا على حق قبل أن تعم البلوى، فقد كان المسلمون في العصر الأول من الإسلام لا يعرفون هذا الجدل الفلسفي حول وجود الله وصفاته، وأما بعد أن ترجمت الفلسفة اليونانية، وخاض كثير من علماء المسلمين فيها و ألفوا، وانتشرت بين الناس شبه الفلاسفة واشتهرت وعمت البلوى، وانبرى كثير من علماء الدين على الرد، على تلك الشبه، فقد أصبح الخوض في الفلسفة أمراً لابد منه، بل أصبح الاطلاع عليها واجباً على علماء الدين بوجه أخص ليتمكنوا من حسن الدعوة إلى الإيمان بالله.

يقول (الغزالي): أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كهنه، رد في عماية. ولهذا رأى أن يطلع على آراء الفلاسفة الآلهيين اطلاعاً تاماً قبل أن يرد عليهم فوضع كتابه (مقاصد الفلاسفة)، ثم وضع كتبه الشهير (تهافت الفلاسفة).

وعن  الشبهات التي ترمي بعض فلاسفة المسلمين بزندقة  وتشكيك بإيمانهم فبشأن (الرازي)، و(الفاربي) و(ابن سينا) يقول:

أنهم من أعظم المؤمنين بالله، ومن أصدقهم برهانا على وجود الله، وكيف لا يكونون كذلك، وهم كغيرهم من فلاسفة المسلمين، قد جمعوا إلى أيمان الوحي الصادق، وإيمان العقل السليم، نورا على نور. ولكن هؤلاء أخذوا بترهات الأفلاطونية الحديثة وخيالاتها في مراتب الخلق و وسائطه، وأختلط عليهم الأمر فحسبوها من كلام (أرسطو)، وحال إجلالهم للمعلم الأول، دون تمحيصها، لذلك كان على من يكتب عن هؤلاء أن يمحص أقوالهم ويميز بين ما فيها من الحق النير والباطل المظلم، وهذا ما لم يفعله الذين كتبوا عنهم، أما عجزاً عن التميز، أو زهداً في نصرة الأيمان، أو كيداً للإيمان.

هل القران لم يترك شيئاً من العلوم إلا وأشار إليه؟ يقول الشيخ في ذلك:

كلا هؤلاء الذين يقولون ذلك ليسوا بعلماء ولا عقلاء ولا أذكياء، فالقران ليس بدائرة معارف علمية. ولا من مقاصده أرشاد الناس، إلى العلوم الكونية، من باب التعليم. ولكن ما ورد فيه من الآيات، التي تشير إلى حقائق كونية كشفها العلم. إنما ورد بقصد التنبيه إلى ما في خلق العالم من آثار الإرادة، والقدرة، والعلم والحكمة، والإتقان، والاتزان، الدالة على وجود الله، والنافية لتكوين بالمصادفة، ولم يقصد به تقرير العلوم الكونية لأن القران خاطب البشر بلغة البشر، والله أحكم من أن يخاطب الناس بأمور لا يعرفون أسمائها، فضلا عن أسرارها، ولكنه أشار إلى دلائل وجوده، وقدرته وإرادته، وعلمه، وحكمته، ببيان عجيب يفهمه، على ظاهره، البدوي الساذج في القرن السابع عشر. ويفهم أسراره رجل العلم في القرن العشرين.

خاتمة الكلام يقول (حيران):

وبعد أن قضيت في ضيافته شهراً كاملاً، استأذنته، في السفر، والعودة إلى بلادي، وذكرت له عذري، وارتباطي بالأمير فقال لي: يا أبا النور! هذه الأيام المعدودات التي سمعت بها الدروس لا تكفيك، ولكني أنصحك أن تكثر من قراءة الفلسفة، حتى لا تترك منها شياً، وتكثر من قراءة علوم الطبيعة، وتكثر من قراءة القران.

قلت: كيف أكثر من قراءة الفلسفة وهذا الشك ما أتاني  إلا منها ؟

قال: يا ولدي أبا النور ؛ أن الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه. فاقرأها يا أبا النور، بصبر وأناة، ولا تترك شيئاً مما قاله الفلاسفة عن وجود الله وأحاديته. ثم اجمع أقوالهم، وقارن بينها ووازن، ثم اجمع من القران كل الآيات الدالة على وجود الله، واقرأها بتدبر، على ضوء ما قرأت من الفلسفة والعلم. وارجع، في التوفيق بين العلم والدين، إلى تحكيم العقل. وسوف تجد نفسك، بعد ذلك، في أحضان الإيمان واليقين. وأكثر، يا أبا النور، من قراءة سورة الضحى وسورة الأنبياء. ولا تقنط من رحمة الله ولسوف يعطيك ربك فترضى. ولسوف يصلح بالك. ويهديك إلى طيب القول، وإلى صراط مستقيم.