أرشيف الوسم: الفلسفة

الإخفاقات الثلاثة للتفكير، كما يذكرها (جون لوك)

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في مقدمة مقالته، التي حملت عنوان (في مسلك الفهم): 

الملاذ الأخير الذي يلوذ به الإنسان، في سلوكه ذاته، إنما هو فهمه. إذ رغم أننا نميز ملكات العقل، ونعطي المركز الأعلى للإرادة، كما نعطيه للوكيل المفوض، إلا أن الحقيقة هي أن الإنسان الذي يعد هو الوكيل، يقرر بنفسه هذا العمل أو ذاك بشكل طوعي، بناءً على معرفة سابقة ما، أو مظهر من مظاهر المعرفة في الفهم.

يبتدئ بعد ذلك (لوك) أحد أجزاء مقالته، والتي حملت عنوان “التفكير”، بافتتاحية بسيطة عن إخفاقات الناس في التفكير، فيقول:

إضافة إلى الحاجة للأفكار المبتوت بها، وإلى الحكمة والممارسة لدى اكتشاف الأفكار الوسيطة وترتيبها، هناك ثلاثة إخفاقات يقع فيها الناس، فيما يتعلق بتفكيرهم، حيث إن هذه الملكة تعاق لديهم وتُمنع من تقديم الخدمة التي يمكن أن تقدمها، والتي صُممت من أجل تقديمها. ثم من يفكر بأعمال وأقوال البشر سيجد نقائص غالية جدًا وملحوظة جدًا من هذا النوع.

بعد ذلك، يبدأ (لوك) بسرد هذه النقائص والإخفاقات، فيقول عن اختيار التبعية، كأولى النقائص:

أولى هذه النقائص أن هناك أناسًا لا يفكرون بالمطلق، بل يعملون ويتبعون نموذج الآخرين، سواء أكان هؤلاء آباءهم، أو جيرانهم، أو رجال دينهم أو أي أشخاص آخرين يختارونهم لإيمانهم الضمني بهم، وبذلك يوفرون على أنفسهم مشقة التفكير وإزعاجات التمعن العميق بأنفسهم.

يتطرق بعد ذلك (لوك) إلى ثاني النقائص، فيقول:

النوع الثاني هو أولئك الذين يضعون العاطفة موضع العقل، ويصممون على أن يحكموا بذلك على أفعالهم وحججهم، من دون أن يستخدموا عقولهم، ولا يستمعون لعقول الناس الآخرين، أكثر مما يناسب مزاجهم، ومصلحتهم أو جماعتهم، ومن الممكن أن يلاحظ المرء عمومًا أن هؤلاء يرضون بكلام ليس فيه أفكار مميزة بالنسبة لهم، رغم أنهم في قضايا أخرى، يطرقونها بحيادية لا تحيز فيها، كما لا تعوذهم القدرات على الكلام وسماع العقل، حيث لا تكون لديهم نية ضمنية تعيقهم عن تتبع طريقها.

أما آخر النقائص، ، فيقول (لوك):

النوع الثالث هو أولئك الذين يتبعون العقل بكل جاهزية وإخلاص، لكن لحاجتهم لذلك الذي يمكن أن ندعوه حسًا واسعًا، سليمًا كامل الدائرة، لا تكون لديهم نظرة كاملة لكل ما يتعلق بالمسألة، ويمكن بالتالي أن يتخذوا قراراتهم بلحظة. إننا جميعًا قصار النظر، وغالبًا جدًا لا نرى إلا جانبًا واحدًا من المسألة، كما تقصّر نظرتنا عن الإحاطة بكل ما يتعلق بها. هذا العيب لا يخلو منه إنسان على ما أعتقد، فنحن جميعًا نرى الأمور جزئيًا كما نعرف جزئيًا، لذلك لا عجب أن لا نستنتج الصحيح من نظرتنا الجزئية.

كما يقول (لوك) أيضًا في أحد أجزاء مقالته، بعدما قام بسرد جميع النقائص:

فملكة التفكير نادرًا ما تخدع، أو لا تخدع البتة أولئك الذين يثقون بها، كما أن نتائجها، مما تتبني عليه، تكون واضحة وأكيدة، لكن ذلك الذي يضللنا في الأغلب هو أن المبادئ التي نستخلص منها الأسس التي نبني عليها تفكيرنا، تكون جزئية، لذلك تهمل شيئًا ما خلفها لا يدخل في حساباتنا، لكي نتخذ القرار الصحيح بالضبط.

حديث (إيريك فروم) عن الحياة الامتلاكية والحياة الوجودية

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

كتب (فروم) عددًا من الكتب، كان من أواخرها كتاب (الامتلاك أو الوجود؛ الأسس النفسية لمحتمع جديد)، من ترجمة الأستاذ (حميد لشهب)، والذي كتب فيه عن أسلوبين للحياة؛ هما أسلوب الحياة الامتلاكية، وأسلوب الحياة الوجودية. يقول في أحد أجزاء الكتاب عن الحاجة إلى الامتلاك:

إن عدم القيام بأي خطوة للأمام، والبقاء حيث يوجد المرء، باختصار الاعتماد على ما يمتلكه المرء هو غرور؛ ذلك أن المرء يعرف ما يملكه ويشعر بالأمان في الشعور بهذه المعرفة ويمكنه التشبث بها. نخاف القيام بخطوة في المجهول، في غير الآمن، ولهذا السبب فإننا نتجنبه، وحتى وإن كانت الخطوة التي علينا القيام بها غير خطيرة، بعد القيام بها، فإنها تظهر لنا كما تظهر لنا عواقبها قبل القيام بها خطيرة وتعبة. فالقديم هو وحده الذي يكون آمنًا أو على الأقل يظهر هكذا. فكل خطوة جديدة تخبئ خطر الإخفاق، ويُعدّ هذا من أسباب خوف الإنسان من الحرية.

ويتابع بعد ذلك:

على الرغم من الأمن المضمون عن طريق الامتلاك فإننا نعجب بالناس الذين لهم رؤية لما هو جديد ويُعبِّدون طرقًا جديدة ولهم الشجاعة للسير قُدمًا. ويجسد البطل في الميثولوجيا نمط الحياة هذا. فالبطل هو الإنسان الذي تكون له الشجاعة على مغادرة ما عنده – وطنه، عائلته، ممتلكاته – والهجرة إلى الخارج، ليس من دون خوف، بل من دون الخضوع إلى هذا الخارج.

[…] نُعجب بهؤلاء الأبطال، لأننا نشعر في قرارة أنفسنا بأنه يجب أن يكون طريقهم طريقنا – لو كان بإمكاننا المشي عليه. ولكن بما أننا نخاف فإننا نعتقد بأننا لا نستطيع القيام بهذا وبأن الوحيد الذي يمكنه الإقدام عليه هو البطل. وهكذا يصبح البطل مثالًا نقتديه، نُصعد عليه كفاءاتنا للتقدم إلى الأمام، لكننا نبقى نحن في الواقع لأننا لسنا أبطالًا.

ويصف بعد ذلك معيارًا للحياة الامتلاكية، فيقول:

يمكن للمرء أن يقرأ رد الفعل في وجوه الناس في بعض الأحيان. […] غالبًا ما يمكن ملاحظة البهجة من دون الرغبة في الامتلاك في السلوك تجاه الأطفال الصغار. أعتقد أن الأمر يتعلق هنا كذلك بجزء وافر من خداع الذات، بحيث إننا نرى أنفسنا في دور صديق للطفل. وعلى الرغم من هذا الشك، فإنني أعتقد أن رد الفعل العفوي والحقيقي تجاه الأطفال يوجد بما فيه الكفاية. قد يكون سبب هذا هو أن غالبية الناس لا تخاف من الأطفال، بالمقارنة بالشباب والراشدين. وغياب هذا الخوف هو الذي يسمح لنا بأن نحب ما لا يمكننا أن نحبه إذا كان الخوف أمامنا.

[…] يمكن القول بصفة عامة بأن العلاقة بين البشر، عندما تكون محكومة بتوجه امتلاكي، تكون مطبوعة بالمنافسة والتضاد والخوف. ويكمن عنصر التضاد في مثل هذه العلاقة في خاصية الامتلاك نفسه؛ عندما يكون الامتلاك أساسًا شعوريًا بهويتي، “لأنني أمتلك”، فإن الرغبة في المزيد من الامتلاك هي التي تقود المرء.

ويتابع قائلًا:

لا نجد هذه الأهمية الكبيرة للامتلاك، الملكية الخاصة، في نمط الحياة الوجودية، فلا أحتاج امتلاك شيء ما لكي أتمتع به أو أستعمله. يمكن لأكثر من شخص، بل لملايين الناس، في الواقع، الفرحة باستعمال شيء، ولا يكون من الضروري امتلاك هذا الشيء من طرف شخص واحد، للتمتع به. ولا يُجنب هذا الأمر الفعلي الخصام، لكنه يُمكن من تقاسم أعمق مُعاش إنساني للسعادة، يعني تقاسم فرحة ما.

وأخيرًا يبدأ في وصف أسلوب الحياة الوجودي، فيقول:

يتميز النشاط الوجودي بشروط أساسية وهي الاستقلال والحرية وحضور العقل النقدي. أما سمته الأساسية فتتمثل في النشاط / الحيوية، والإيجابية والفعل، لا بمعنى النشاط الظاهري / الخارجي، أي الانشغال بشخص أو شيء ما، بل المقصود هو النشاط الداخلي، يعني الاستعمال المثمر للطاقة الإنسانية. أن يكون الإنسان نشيطًا يعني التعبير عن الملكات والقدرات والمواهب الذاتية، يتمتع كل كائن بشري بقدر منها، حتى وإن اختفت مقاديره. ويعني نشاط الإنسان العثور على ذاته والنمو والتطور والتدفق والحب وتجاوز حدود سجن الذات المعزولة لذاتها وبذاتها والشغف بما يشتغل عليه ومن أجله ويحسن الإصغاء للذات وللآخرين ويكون معطاء مع نفسه ومع الآخرين.

فلسفة الوصال عند ابن حزم

من قرأ رسالة (طوق الحمامة)، لعدّ صاحبها من فلاسفة الحب، فقد ضمّن المفكر والفقيه (ابن حزم) [994-1064] تلك الرسالة ملاحظات نفسية دقيقة وآراء فلسفية عميقة، فضلا عن تناوله أدبيا وشعريا، وقد استخلص (زكريا إبراهيم) خاتمة كتابه (مشكلة الحب) كثيرا من أفكاره. وننقل فلسفة (ابن حزم) في الوصال، فيقول:

لولا أن الدنيا دار ممر ومحنة وكدر، والجنة دار جزاء وأمان من المكاره؛ لقلنا إن وصل المحبوب هو الصفاء الذي لا كدر فيه، والفرح الذي لا شائبة ولا حزن معه، وكمال الأماني ومنتهى الأراجي. ولقد جرّبت اللذات على تصرّفها، وأدركت الحظوظ على اختلافها، فما للدنو من السلطان، ولا المال المستفاد، ولا الوجود بعد العدم، ولا الأوبة بعد طول الغيبة، ولا الأمن بعد الخوف، ولا التروّح بعد المال، من الموقع في النفس ما للوصل…وما أصناف النبات بعد غِبّ القطر، ولا إشراق الأزاهير بعد إقلاع السحاب الساريات في الزمان السجسج [أي المعتدل]، ولا خرير المياه المتخللة لأفانين النوار، ولا تأنّق القصور البيض قد أحدقت بها الرياض الخضر؛ بأحسن من وصل حبيب قد رُضيت أخلاقه، وتقابلت بالحسن أوصافه.

‏ومن الناس من يقول: ‏“إن دوام الوصل يُودي بالحب”
‏وهذا هجين من القول، إنما ذلك لأهل المَلَل، بل كلما زاد وصلًا زاد اتصالًا…
‏‏ولقد بلغتُ من التمكّن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى، فما وجدتني إلا مستزيدا، ولقد طال بي ذلك، فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة.
وما في الدنيا حالة تعدل محبّين إذا عُدما الرقباء، وأمنا الوشاة، وسلما من البين، ورغبا عن الهجر، وبعدا عن الملل، وفقدا العذّال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لهما رزقا دارّا وعيشا قارّا، وزمانا هاديا، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحال.

سلافوي جيجيك و عودة المعرفة المرحة

يقول الفيلسوف وعالم اللسانيات البريطاني (لودويغ فيتغنشتاين): “إنه من الممكن كتابة عمل فلسفي يتكوّن بشكل كامل من النّكات“.

وإن يبدو لنا هذا الزعم مبالغا فيه للوهلة الأولى، فإن الكثير من الفلاسفة قد اقتربوا بصفات متفاوتة من جوهر هذه المقولة من خلال أساليب في التفكير والكتابة سعت إلى كسر الأصنام التي لا تعترف سوى بصرامة العمل الفكري بكونه يتطلب أعلى درجات الجدّية والالتزام تفاديا لأي انزلاقات من شأنها أن تقلل من أهمية أي منتوج منطقي عقلاني.

وبالعودة إلى تاريخ الفلسفة الغربية، نجد أن عددا من الفلاسفة قاموا بمحاولات جادة لنزع القداسة والتجهّم عن الفلسفة، لعل من أهم أولئك كان الألماني (فريدريك نيتشه) الذي أعمل مطرقته في هذا الاتجاه من خلال العديد من أعماله، و خاصة في كتابه (المعرفة المرحة) الذي ظهر سنة 1882 وفيه هاجم الأخلاق المسيحية والفلسفة الكانطية التي تحرّمنا علينا مبادئها كل أشكال الفرح والاستمتاع بالحياة. فالفيلسوف إذن من وجهة نظر (نيتشه) مطالب بالاقبال على الحياة بجوانبها وتقلباتها الدائمة حيث يقول:

الحياة هي عالم من المخاطر و الانتصارات، عالم تستطيع فيه الأحاسيس البطولية أن تمارس رقصتها ومرحها .. الحياة كمبدأ تتطلب أن نحيا بشجاعة، بل كذلك أن نحيا بمرح ونضحك بمرح.

في هذا الإطار يتنزل حديثنا عن مفكر آخر معاصر، و هو السلوفيني (سلافوي جيجيك)، فيلسوف ومنظر سياسي وناقد سينمائي وثقافي من مواليد سنة 1949م.

زاول (جيجيك) تعليمه في سلوفينيا وتحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لوبلانا، ثم درس التحليل النفسي في جامعة باريس الثامنة، و تأثر بمعلمه السلوفيني (بوجيدار ديبينياك) الذي قدم لسلوفينيا الفلسفة المثالية الألمانية وفكر مدرسة فرانكفورت، كما أخذ عنه تناوله المتفرد للإرث الماركسي والفرويدي والهيغلي من وجهة نظر لاكانية، نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي (جاك لاكان).

برز نجم (جيجيك) في العقد الأخير كأحد الأكاديميين السوبرستار مستفيدا من الشهرة التي اكتسبها بفضل أدوات التواصل الحديثة كتويتر ويوتيوب حيث نُشر عدد كبير من محاضراته، حواراته المصورة والأفلام الوثائقية التي تتناول حياته ومسيرته وأفكاره.

كل ذلك جعل (جيجيك) يكتسب شهرة محترمة ويلقى قبولا وإقبالا حتى في أوساط غير أكاديمية وبين الشرائح الشبابية، حيث يعود الفضل في ذلك إلى الطريقة الطريفة التي يقدم بها أفكاره، وحضوره الملفت للانتباه بالإضافة إلى روح الدعابة التي يتحلّى بها حتى عند حديثه في أكثر القضايا جدّية، فضلا عن أفكاره الراديكالية التي لا يتردد في التعبير والدفاع عنها بأكثر الأساليب عامّية أو حتى سوقيّة في بعض الأحيان.

بالإضافة إلى العدد الكبير من الكتب التي ألفها (جيجيك) في تفسير الهيغلية و الماركسية، و عن التنظير السينمائي والتحليل النفسي، فإننا نراه دائم الحضور على المنابر المتلفزة وعلى موقع يوتيوب للحديث في المواضيع الراهنة مثل هيمنة الرأسمالية مابعد الكولونيالية والنظام الاستهلاكي و مسألة  العنصريّة واللاجئين، حيث لا يتردد مثلا في تحميل المسؤولية للغرب في إيجاد الحلول الجذرية لتدفق اللاجئين، الذين هم في نظره السبب الأول في نزوحهم من خلال التراخي أو التقاعس وأحيانا التواطؤ في دعم عدم الاستقرار في البلدان التي يأتي هؤلاء منها. كما يندد (جيجيك) باستمرار بالوصاية المباشرة والضمنية للبلدان الغربية (الأوروـ أمريكية) على العالم الثالث والسعي الدائم إلى تحويل كل ما يحدث فيه ليخدم مصالحها.

في ما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يتخذ (جيجيك) كالعادة موقفا جدليّا، فإن كان هاجم بشدة الأفكار المعادية للسامية في العالم والعالم العربي وثقافته، خاصة في كتابه (مرحبا في صحراء الواقع) فإننا نراه يعود لينتقد وبشدّة السياسات الاستيطانية لدولة اسرائيل وإرهاب الدولة الذي تمارسه و تواطئها مع عقلية التطهير العرقي التي يسلكها المستوطنون والعصابات الصهيونية، و يطالب (جيجيك) بمنح الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم.

كذلك كان (جيجيك) مساندا دائما للأصوات الحرة في العالم رغم ما جلبه له ذلك من نبذ وإقصاء كان متعوّدا عليه منذ بداية مسيرته حتى من قبل التيار الماركسي نفسه الذي يحسب عليه، فكان و لا يزال أحد أكبر المساندين لـ(جوليان أسانج) باعث موقع ويكيليكس، الذي تلاحقه الادارة الأمريكية و البريطانية منذ سنوات بسبب نشره  لفضائح اقترفتها حكوماتها خلال حربها في العراق وأفغانستان وغيرها من البقاع راح ضحيتها مدنيون وأبرياء.

وبالعودة للحديث عن الكاريزما والأسلوب المرح والممتع الذي يتمتع به، قال (جيجيك) في إحدى محاضراته أن طريقته تلك هي سلاح ذو حدّين، فبقدر ما ساهمت في قسط كبير من شهرته والتعريف به وبفكره في الأوساط الأكاديمية وغيرها، فإن الكثيرين من أعدائه يحاولون استثمار هذه الميزة للتقليل من أهمّيته كمفكر صاحب فلسفة ومواقف جادّة:

أعتقد أن ما يحصل معي الآن هو أن جعلي مشهورا هو بمثابة المقاومة في وجه أخذي على محمل الجد. أعتقد أن من واجبي في هذه الحالة أن أقوم بعمليّة قتل لنفسي ككوميديّ مشهور.

في أبريل الماضي استجاب (جيجيك) أخيرا للدعوات المكثفة التي حثته على خوض مناظرة فكرية مع فيلسوف شهير آخر وهو المحلل النفسي الكندي د. (جوردن بيترسن) الذي تباع كتبه بملايين النسخ في الولايات المتحدة خاصة، وقد وضع (جيجيك) منذ البداية شروطا صارمة لمشاركته، وهي الاحترام القسري للوقت المخصص لكل طرف، وتواجد منشط يدير الحوار، ثم فسح المجال أخيرا للجمهور لطرح الأسئلة.

ويبدو أن أسباب تلك الشروط كانت واضحة، ربما رغبة منه ألا يتحول لقاء فكري إلى ساحة للجدال الشخصي أو التناطح العبثي وسط تهليل الجماهير الغفيرة التي من البديهي ألا تكون في أغلبها من النخبة الأكاديمية الواعية تماما بمتطلبات المناظرات الفكرية. وهو الشيء الذي عبر عنه مساء مناظرة القرن، كما اعتبرها البعض، التي أقيمت في تورنتو الكندية، عندما هتف له “أنصاره” بعد المقدمة التي قرأها، فما كان منه إلا أن طلب منهم بلطف ألا “يفعلوا هذا” لأنه ليس في مصارعة مع (بيترسون).

بالنسبة للقارئ العربي تبقى الترجمة، بالاضافة إلى الشح في البرامج والسياسات التي تعرف بالفكر الغربي الجاد، هي إحدى أكبر العوائق أمام اطلاعه على أعمال مهمة في الفلسفة، كما في الأدب وغيره من المجالات، فبعد قرابة الثلاث عقود من ظهور (سلافوي جيجيك) كأحد المفكرين المشاهير في العالم، لازالت ترجمات كتبه إلى العربية لا تتجاوز الكتابين أو ثلاثة من أصل عشرات المؤلفات التي نشرها، لتبقى مصادر الباحث العربي مقتصرة على بعض المقالات المنشورة على الانترنت أو فيديوهات اليوتيوب التي وإن كانت مهمة، لكنها لا ترقى إلى ما يمكن للكتاب المطبوع أن يوفره من معرفة أصيلة و خالية من أي تسطيح أو تلاعب.

و نختم مع ما قاله عنه د. (جميل خضر) و هو أحد الباحثين العرب المهتمين بفكره:

يشار إلى (جيجيك) في الإعلام الجماهيري على أنه “(إلفيس بريسلي) النظرية الثقافية” و“نجم الروك الثقافي”. و لكن (جيجيك) فيلسوف و منظر سياسي أكثر جدية مما تدل عليه التسميات المستهينة … هو واحد من أهم الفلاسفة الأحياء اليوم وأفكاره أصيلة، رغم كونها جدلية، إلا أنها متبصّرة و ثورية، و على الرغم من أن (جيجيك) ربما لا يقدم إجابات مقنعة لكل مشكلات العالم، فأعماله بالتأكيد تقدم لنا الأدوات النقدية التي نحتاجها لتطوير تحليلنا عن العالم.

روسو: أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر!

جان جاك روسو (1712-1778) هو كاتب وأديب وفيلسوف من سويسرا، يعد من أهم كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب، وألهمت أجيالًا من الإصلاحيين لإحداث تغييرات في النظم السياسية لبلدانهم. 

في كتابه (عقيدة قس جبال السافوا) أو (دين الفطرة)، تحدث بصيغة خطاب “يلقيه قس من جبال السافوا على مسامع شاب فقد الإيمان وكاد يتحول إلى صعلوك زنديق بسبب المآسي التي عاشها“.

عرض (روسو) في كتابه “ثنائية الخير والشر”، وكيف أن من طبيعة الإنسان أن يكون في حالة تذبذب بين عنصرين مختلفين “الخير والشر“، فهو إما مقيدٌ بأغلال الشهوات، أو حرٌ طليق بانجذابه لصوت الضمير:

أتأمل طبيعة الإنسان أنه ينطوي على عنصرين مختلفين. أحدهما يجذبه نحو الحقائق الأزلية، يدعوه إلى حب العدل والفضيلة، إلى اقتحام العالم العلوي الذي يبهج قلب الحكيم، والثاني يربطه بذاته السفلى، يجعله أسير حواسّه، مطاوعًا لأدواتها، أي الشهوات، معاكسًا بذلك كل مايلهمه العنصر الأول.
كنت أقول في نفسي وأنا أشعر بتجاذب وتصارع هاتين الحركتين المتعاكستين: لا وحدة في الإنسان، أريد ولا أريد، أشعر في آن أني حرّ وأني مقيّد، أرى الخير، أحبّه ثم أفعل الشرّ، متحمس نشيط عندما أنصت للعقل، متخاذل ضعيف عندما انصاع للشهوة. وما يحزّ في قلبي عند الانزلاق هو أني أعلم أني كنت قادرًا على الصمود.

يذكر (روسو) الحكمة الإلهية في أن يكون للإنسان حرية الإختيار بين طريق الشر أو الخير بكامل إرادته:

من يتذمر من أن الرب لايثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفًا وتكريمًا، إذ بها ندبه إلى التحلّي بالفضيلة. وضعنا فوق هذه الأرض أحرارًا لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها.
ولأن منع الشر لايتم إلا بنفي حرية الشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختارًا.

وعن أصل الشر يقول (روسو):

أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا ما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتمًا عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة، بل جرّه الإنسان على نفسه.
من يدّعي أنه ارتكب الجريمة مُكرهًا كذاب بقدر ماهو شرير. هلا رأى أن الضعف الذي يشكو منه متأصل فيه، أن مبدأ السوء من الجسد الفاني الذي هو مصدرها.

يتساءل (روسو) بعد ذلك” كيف تتوقف نفوسنا عن مواصلة الشر؟ ويجيب:

حيثما تتوقف حاجاتنا الزائلة، حيثما تختفي تطلعاتنا السخيفة، تضمحلّ فينا الشهوات، وتنعدم الجرائم.
النفوس الزكية هل يحتمل أن يلحقها انحراف من أي نوع كان؟ لا ينقصها شيء، فلماذا ترتكب الشر ؟ بعد أن تُجرد النفس من الحواس الخسيسة، وتعود سعادتها تتلخص في تأمل الكائنات، لم تعد تتطلع إلا للخير.
حتى أحقق الغاية من إيجادي على الأرض تماشيًا مع مشيئة من أسكنني فيها. أستشير قلبي في كل نازلة: ما استشعرته خيرًا فهو خير و مابدا لي شرًا فهو شر. أصدق دليلٍ  هو الضمير. الضمير هو صوت الروح والشهوة صوت الجسد. أي عجب أن يتعارض الاثنان؟ إلى أيهما يجب أن نصغي؟ كثيرًا ما يخدعنا العقل، فوجب الاحتراز منه، أما الضمير فلا يخدع أبدًا. هو الدليل الأمين. مقامه من النفس مقام الغريزة من الجسد. من يستنير به يطيع الطبيعة، ولا يخاف أبدًا أن يتيه.

الخير غريزة فطرية في ذات الإنسان، تغريه ولا شيء يحجب ضميره عنها، غير أنه يحتاج إلى جهد لتذوق حلاوتها:

هل تعتقد أنه يوجد في الدنيا فرد فاسد الخلق إلى حدّ أنه لم يغرِه قط فعل الخير؟ هذا الإغراء فطري حلو إلى درجة أن لا أحد يصمد له في كل مناسبة، واللذة التي يخلفها في النفس فعل الخير تكفي للإغراء به مرة بعد أخرى.
الصعوبة كلها في الاستجابة له أول مرة. هناك ألف عارض يمنع من الإصغاء لنداء القلب. حذرٌ خادع يحصر مفهوم الخير في نطاق الذات فيلزم القيام بألف جهد شاق لتجاوز هذا الحاجز. متعةُ الإحسان في إتيانه. لا يتذوقها إلا المحسن بعد أن يكون يستحقها. لا شيء أحبّ إلى النفس من الفضيلة، لكن لا يحبها إلا من تحلّى بها.

لنلق نظرة على شعوب الأرض ولنتصفح أخبارهم.
كم مختلفة شعائرهم الدينية! بعضها وحشي صادم. كم متباينة أعرافهم وعاداتهم! رغم هذا نجد عند الجميع وفي كل مكان، المفاهيم نفسها عن العدل والمرؤة، التعريف نفسه للخير والشر.