أرشيف الوسم: الفلسفة

كيف تعزّينا الفلسفة بشأن الإحباط ؟

آلان دي بوتون

آلان دو بوتون (مواليد 1969)، هو فيلسوف بريطاني، من مواليد سويسرا. نشر عددًا من الكتب، التي تتناول أمورًا مختلفة، مرتبطة كلها بحياتنا اليومية.

في كتاب (عزاءات الفلسفة: كيف تساعدنا الفلسفة على الحياة) لـ(آلان دو بوتون) الذي قام بترجمته الأستاذ يزن الحاج، أورد فصلاً بعنوان “العزاء بشأن الإحباط”، وفي هذا الفصل كان يتحدث عن الفيلسوف الروماني (سينيكا) الذي قاسى مآسٍ شخصية، وشهد وواجه كوارثًا هائلة محيطة به.4ebf6bf8-8440-4f8e-a3c8-81d461423731

أدين بحياتي للفلسفة، وهذا أقل التزاماتي حيالها.

وكيف يمكن لرؤية السينيكيّة أن تعزّينا في الغضب، القلق، أخطاء الحُكم؟


الغضب:

يرى (سينيكا) أن الغضب لا ينجم عن انفجار جامح للمشاعر، بل عن خطأ بسيط (قابل للتصحيح) في التفكير.

لو رُشقنا بماء بارد، لن يكون أمام أجسادنا سوى الارتعاش؛ لو وُجّهت أصابع إلى أعيننا، لابدّ أن نرمش. ولكنّ الغضب لا يندرج تحت تصنيف الحركة الجسديّة اللاإراديّة، إذ إنه لا ينطلق إلا على إثر أفكار محدّدة متبنّاة عقلانياً؛ ولن نغير نزوعنا إلى الغضب ما لم نغيّر هذه الأفكار.

وبحسب الرؤية السينيكيّة، إن ما يدفعنا إلى الغضب أفكار تفاؤلية على نحو خطير بشان ماهية العالم و الناس الاخرين.

لابد من تطويع أنفسنا مع اللا-اكتمالية المتلازمة مع الوجود: هل من المفاجئ أن يقوم الشرير بتصرفات شريرة، أو  أن تُصدم بحقيقة أن عدوك سيؤذيك أو أن صديقك سيزعجك، أو أن ابنك سيخطئ؟

سنقلع عن الغضب حالما نقلع عن كوننا مفعمين بآمال كبيرة.

القلق:

حالة من الهياج بشأن وضع مُربك يتمنى المرء أن تكون نتيجته مفرحة ويخشى أن تكون سيئة. وعادة ما يترك من يعانون منه عاجزين عن الاستمتاع بالنشاطات المبهجة المفترضة، ثقافيّة كانت أم جنسية أم اجتماعية.

في شباط/فبراير عام 63، عرف صديق (سينيكا)، (لوسيليوس)، الذي يعمل مسؤولاً مدنيًا في صقلية، أن ثمة دعوى قضائية ضدّه قد تنهي عمله و تشوه اسمه إلى الأبد. فكتب إلى (سينيكا). رد الفيلسوف: “قد تتوقع أنني سأضحك بتخيل نتيجة سعيدة، وأن تستسلم لإغراءات الأمل، ولكنني سأدلك إلى راحة بال عبر طريق اخر” – ويمكن تلخيص هذا في نصيحة:

لو أردت نفض كل القلق، تخيل أن ما تخشى وقوعه سيقع فعلاً.

ولكن الطمأنينة قد تكون الترياق الأقسى للقلق. إذ إن توقعاتنا الوردية تترك الشخص القلِق غير مهيأ للأسوأ، و تضمر على نحو غير متعمد أن الوضع سيكون كارثيًا لو حلت النتيجة السيئة. ويطلب (سينيكا) منا بحكمة توقع أن الأمور السيئة قد تحدث، ولكنه يضيف أن من الأرجح أنها لن تكون أسوأ  مما توقعنا.

أخطاء الحُكم:

“لم يقابلني فلان اليوم مع أنّه قابل اخرين”، “نفر بعجرفة أو سخر بصراحة من كلامي”.

قد تكون ثمة أسباب بريئة. لم يقابلني اليوم لأنه كان يفضّل رؤيتي الأسبوع القادم. بدا وكأنّه يسخر مني، ولكن كان ذاك مجرد تقلص في الوجه، ليست هذه هي التفسيرات الأولى التي ترد الى أذهاننا عندما نكون ذليلي الروح.

لابد أن نسعى كي نحيط انطباعاتنا الأولى بحاجز حماية، و أن نرفض التصرف تبعا لنتائجها فوراً. لابد أن نسأل أنفسنا، لو لم يرد شخص ما على رسالة، ما إذا كان يفعل هذا ليزعجنا بالضرورة، وما إذا كانت المفاتيح الضائعة قد سرقت بالضرورة.

تودوروف، وحديث مبسط عن فكر الأنوار

Tzvetan_Todorov-Strasbourg_2011_(3)

تزفيتان تودوروف (1939-2017) فيلسوف فرنسي-بلغاري، وُلِد في مدينة صوفيا البلغارية. وعاش في فرنسا منذ 1963 وحتى وفاته، ويكتب عن النظرية الأدبية، تاريخ الفكر، ونظرية الثقافة.

في كتاب قدّمه الأستاذ (محمد الجرطي)، حمل عنوان (تزفيتان تودوروف: نحو رؤية جديدة لحوار الحضارات)، حمل الكتاب عدة لقاءات صحفية مع (تودوروف)، بالإضافة إلى عدد من المقالات التي كتبها، والتي كُتبت عن فكره.

في مقالة كتبها (تودوروف)، حملت عنوان “لماذا نحن دومًا بحاجة إلى فكر الأنوار؟”، يقول (تودوروف) مستفتحًا:

إن فكر الأنوار المتعدد والمتناقض في كثير من الأحيان، ليس حركة فكرية متواطئة. بغض النظر عن البلد الأصلي لفكر الأنوار، فإنه ساهم في استقلال الفرد ضد السلطة والدين، ودافع عن فكرة الصالح العام والكونية. المبادئ التي ما زالت هشة ومهددة.

ثم يقول:

هل يٌعرّف فكر الأنوار بكلمات قليلة؟ تتضح التجربة من خلال المراهنة. في الواقع، دامت هذه الحركة أكثر من قرن، وهي تتطور في عدة دول بشكل خاص، وتواجه عدة آراء متناقضة.

ويتابع بعد ذلك حديثه عن فكر الأنوار:

يشكل هذا التعقيد الفكري الخاصية الأولى المميزة لسمة الأنوار، وعلى العكس مما يُفهم في أغلب الأحيان على أنه من الاختزال أن نتكلم عن فكر الأنوار وكأنه تيار فكري أحادي الجانب.

في الواقع، يحيل فكر الأنوار على عصر التأليف والتركيب الأصيل بشكل خالص، ويتشرب فكر الأنوار الإرث الفكري الذي ظهر في أوروبا منذ نهاية القرن العصر الوسيط، حيث ترسخت مقوماته خلال عصر النهضة والقرن السابع عشر. يستثمر فكر الأنوار العقلانية والنزعة التجريبية على حد سواء، عن طريق الفصل وليس الجمع. ويشيد بمعرفة القوانين الخالدة، كما هو الشأن لشعوب التاريخ. ويؤكد أيضًا على تعدد الثقافات، بدلًا من وحدانية الحضارة. في الوقت نفسه، يدافع فكر الأنوار عن العقل والأهواء، والجسد والروح، والفنون والعلوم، والاصطناعي والطبيعيو متشربًا كل مجالات الإبداع الفكري؛ من الفلسفة إلى العلوم مرورًا بالآداب والقانون والرسم.

[…]

والنتيجة، لا يمكن تعريف فكر الأنوار إلا على حساب العديد من الاختزالات التبسيطية؛ وأيًا كان التعريف الذي يتم إقراره، فسيكون في مقدورنا أن نعارضه على الدوام باستثناءات.

ما هو منشأ فكر الأنوار؟ يجيب (تودوروف) في جزء من مقالته:

يعتقد الفرنسيين في غالب الأحيان أن فكر الأنوار من صنيعتهم، ولكن الأمر ليس كذلك! في بادئ الأمر، تطورت الأفكار في ما وراء بحر المانش أو في إيطاليا، ثم تعمقت ونضجت في وقت لاحق في ألمانيا. بكل بساطة، كانت فرنسا صندوق الصدى الذي أتاح لهذه الأفكار الانتشار في ربوع العالم بفضل إشعاع العقل الفرنسي، وبفضل مفكرين من الطراز الأول على غرار (ڤولتير) أو جماعة الموسوعيين التي نتاجهلها أحيانًا في حين ظهرت كرد فعل على الموسوعة الإنجليزية التي نُشرت في وقت سابق. وبالتالي، فالوطن الحقيقي لفكر الأنوار هو أوروبا.

هل يمكن اختصار فكر الأنوار في كلمة واحدة؟

إذا أردنا أن نختزل إرث فكر الأنوار الثقافي إلى نواة صغيرة، فما الذي يجب تسليط الضوء عليه؟ فكرة الاستقلالية: إمكانية التحرر من الوصاية التي تفرض على كل فرد طريقة أحادية للتفكير والإحساس.

لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ جون هورجان يجيب

جون هورغان

جون هورجان (مواليد 1953)، هو كاتب أمريكي، اشتهر عام 1996 بكتابه (نهاية العلم). نشر العديد من المقالات في عدة صحف شهيرة، منها (ناتشيونال جيوغرافيك)، (نيويورك تايمز)، وغيرها. يدير (هورجان) مركز كتابات العلوم في معهد ستفينسونز التكنولوجية.

في مقالة نشرتها مجلة (Scientific American) العلمية الشهيرة، بعنوان “لماذا ندرس العلوم الإنسانية؟ حديثي مع الطلبة في كلية الهندسة”، نقدمها بترجمة حصرية لدى ساقية، تحدث (هورجان) عن أهمية العلوم الإنسانية، فيقول مستفتحًا:

ما أهمية العلوم الإنسانية ؟ ما الذي سنجنيه من دراسة الفلسفة والتاريخ والأدب و العلوم الناعمة كعلم النفس والسياسة؟ هذا ما حاولت لجنة الانسانيات والعلوم الاجتماعية التي تتكون من مجموعة من كبار الأكاديميين والسياسين والعاملين في قطاع الشركات و الترفيه الإجابة عليه في تقرير مطول تم تقديمه إلى الكونجرس الأمريكي. يهدف التقرير إلى دعم و مواجهة القصور في الاقبال على الإنسانيات، حيث يتنامى انطباع يرى هذه التخصصات كماليات لا يستطيع الطلاب تحمل عناء تكلفتها كما أشارت إلى ذلك صحيفة النيويورك تايمز.

يقول التقرير الذي عُنْوِنَ بـ(جوهر القضية): “في سعينا الجاد لصناعة خطاب عام أكثر مدنية، وقوى عاملة أكثر إبداعاً وقدرة على التكيف، وأمة أكثر أمناً، تقع الإنسانيات والعلوم الإجتماعية في جوهر هذه القضية. حيث تحافظ هذه العلوم على الدولة من خلال كونها مصدراً للقوة المدنية والذاكرة الوطنية والتفاهم الثقافي والقيمة الفردية والمُثل التي نتشاركها جميعاً. كل هذه الأمور تعتبر حساسة وحاسمة للمجتمع الديموقراطي ومن هنا فإن هذه العلوم تحتاج إلى دعمنا.”

في الحقيقة فإني أجد هذا الدفاع عن العلوم الإنسانية فيه من التكلف والغموض الكثير.  خلال السنوات الماضية استطعت أن أصيغ دفاعي الخاص عن الإنسانيات وذلك أثناء تدريسي مقرر جديد للطلبة المستجدين في معهد ستفينسونز التكنولوجية. اشتملت الخطة الدراسية على وجوه الفكر والفلسفة والأدب في الحضارة الغربية كـ(سوفوكليس)، (أفلاطون)، (ثيودوروس)، (شكسبير) و(ديكارت) و(هوبز)، (لوك)، (كانط)، (مِل)، (ماركس) و(نيتشه)، و(ليم جيمس)، (فرويد)، (كينز)، (إليوت). شخصياً، أحب تدريس هذا المقرر، ولكن أعلم بأن أغلب الطلبة لا يودون دراسته. ولذلك قمت بسؤال التلاميذ “كم شخص يود تجاوز هذا المقرر في حال أنه لم يكن مقرر عليهم إجبارياً؟” وبعد طمأنتي بأنهم لن يؤذوا مشاعري ارتفعت كل الأيدي.

وعندما حاولت استقصاء أصل الإشكال، علل الطلاب مجيئهم للجامعة برغبتهم دراسة الهندسة وعلوم الحاسوب والفيزياء والطب والاقتصاد وانتاج الموسيقى الرقمي وما إلى ذلك من تخصصات.  فلا حاجة لهم بدراسة هذه العلوم التي لن تفيدهم بشيء في مسيرتهم المهنية مستقبلاً.


ولطالما كانت الإجابة عن سؤال “هل يعرفون سبب فرض هذا المقرر عليهم؟”  إجابة متحاذقة ومتعجرفة على النحو الآتي “إرادة الجامعة بأن تكون دراستنا أكثر توازناً وشمولاً”. هذه الإجابة أثارت حفيظتي واستغرابي دوماً، فلم أجد لها معنى. فليس الهدف أن تكون قادراً على الثرثرة عن (شكسبير) أو غيره في المناسبات للتباهي إن كان هذا ما تعنيه جملة “أكثر توازناً وشمولاً”. كنت أعقب هذا الحوار بكلمة عن المقرر أقول فيها: “نحن نعيش في زمن أصبح فيه العلم مسيطراً على كل شيء. هذا أمر جيد، فأنا أصبحت كاتب علمي لأنني أرى أن العلوم هي أكثر الأمور حيوية ونشاطاً وتشويقا في الثقافة البشرية، ولذلك أردت أن اكون جزءاً من هذا .”

بالإضافة إلى ذلك، فإن اثنان من أطفالي في عمر الجامعة ولا أخفيكم بأنني سوف أشعر بسعادة غامرة إذا ما قررا أن يكملا مسيرتهم المهنية في علوم كالهندسة أو الطب. وسوف أحثهم على تعلم المزيد من العلوم والرياضيات بقدر استطاعتهم لأن هذه المهارات سوف تزيد من فرص حصولهم على عمل ذو قيمة رفيعة الشأن. إلا أنه وبسبب قوة ونفوذ العلوم نحتاج الإنسانيات الآن أكثر مما مضىى؛ أكثر ما نتلقاه في محاضرات الرياضيات والهندسة من حقائق وإجابات ومعارف تصاغ من قبل المعلم على أنها قطعية وإلزامية غير قابلة للشك. ما تقوم به العلوم الإنسانية هو على النقيض تماماً من هذا، فهي تمنحك القدرة على التشكيك ومسائلة يقينياتك. إن الإنسانيات تقوض دعاوى كل من الدين والعلوم والسياسة، فهي تنزع السلطة والقدسية عنهم. فالقدرة على التشكيك مزية هامة جداً حينما نتحدث عن كل ما هو إنساني، عندما نتسائل من نحن، ومن أين أتينا، وما الذي ينبغي علينا أن نكون عليه. حل العلم مكان الدين في الإجابة عن هذه المسائل فهو يخبرنا بالكثير عن أصولنا ويمنحنا المزيد من المعرفة.


ولكن الإنسانيات دائماً ما تذكرنا بأننا نتملك قدرة هائلة على مخادعة أنفسنا. فهي تركز على الفرد وتمنحه ما يستحقه من الأهمية. هذا الفرد المميز الذي يصعب التنبؤ بتصرفاته وقدرته على التغير. مجتماعاتنا تتغير باستمرار بسبب العلوم والتكنولوجية، ورغم هذا ما زال البشر يقاومون ما تقدمه العلوم من إيضاحات وشروح. الإنسانيات تهتم بشكل أكبر بالتساؤل وتمنحه الأفضلية على الإجابات. ولذلك سوف نتعارك في هذا المقرر مع أسئلة بدهية كبيرة. كماهية الحقيقة؟ كيف نعرف أن ما نفعله صحيح أم خاطئ؟، لماذا نعتقد بأن بعض الأمور صحيحة والأخرى خاطئة ولا يجب فعلها على المستوى الفردي أو الاجتماعي؟

بالإضافة إلى أسئلة، كمعنى الحياة ؟ وما الهدف منها؟ هل يفترض أن نسعى إلى السعادة وأن نجعل منها هدفاً في الحياة؟ إن كانت الإجابة بنعم، فما هي السعادة؟ وهل السعادة هي في ذاتها المنتهى أم أنها مجرد عرض جانبي لأهداف أسمى؟ كحيازة المزيد من المعرفة أو التقليل من معاناة الآخرين؟

يجب أن يجد كلٌ منكم نسخته الخاصة من الإجابة عن هذه التساؤلات. لقد اعتقد (سقراط)، وهو أحد الفلاسفة الذين سوف نتدارسهم معاً، الحكمة هي أن تعرف مدى جهلك وقلة ما تعرفه.

إن استطعت تأدية عملي على أكمل وجه، يجب أن تكونوا قادرين على مسائلة كل من يفرض نفسه عليكم كسلطة معرفية. سوف تُساؤلون كل ما اُملِّي عليكم حول طبيعة الحقيقة، والغاية من الحياة، ومعنى أن تكون إنساناً جيداً. وهذه هي فحوى العلوم الإنسانية وغايتها، فهي تحفظنا من سعينا الدائم نحو الدوغمائية.


[المصدر]

فريدريك لونوار، وكلماته في أن نصبح أحرارًا

فريدريك لونوار

 

فريدريك لونوار (مواليد 1962)، فيلسوف وكاتب وعالم اجتماع فرنسي له، العديد من الكتب والراويات.

في مؤلفه الرائع (فن الحياة) يكتب تحت عنوان “أن نصبح أحرارًا” مفهومه الخاص للحرية والتي استلهم جزء منها من فلاسفة وحكماء يأتي على ذكرهم فيها، فيقول مبتدئًا الحديث:

كلنا مولعون بالحرية، ولكن هل نقدر قيمة الاستقلال الذاتي الذي ننعم به ونستخدمه بمعرفة تامة، وهو شرط ملزم للتعبير عن ذاتيتنا؟

كانت الحرية الفردية، حتى فترة زمنية قريبة نسبياً، تعيقها بشدة قوة الروابط الاجتماعية و العائلية، و وطأة التقاليد والطابع السلطوي للأنظمة الأساسية . أما اليوم فنحن نتمتع في الغرب بحظ خارق يتجلى في القدرة على تحقيق خياراتنا في الوجود. فباستطاعتنا البت في قضية مهنتنا ومكان إقامتنا، تغيير المدينة أو البلد، اختيار شريك حياتنا، وتحمل مسؤولية تأسيس عائلة أو عدم إنجاب أطفال. ويحق لنا بالطريقة ذاتها, وبحرية وصدق أن نتبنى القيم تبدو لنا  أشد صوابية لتوجيه حياتنا. وبإمكاننا اختيار دين نلزم أنفسنا به أو لا نلزمها، وأن نسلك هذا الطريق الروحي أو ذاك. كل ذلك يبدو أمراً مبتذلاً، ولكن لا ننسى مع ذلك أن الدين والمعايير الأخلاقية، في كثير من البلدان، وحتى إلى اليوم، تفرضها السلطات السياسية والدينية عبر توحيد جهودهما. فمن ينتهكها، أو ما هو أسوأ أيضاً، من يرفض تبنيها باسم حرية المعتقد أو قناعاته العقائدية، يعاقبه القانون وقد يتعرض لعقوبة الموت.

على أن حرية الاختيار والمعتقد، أياً كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لجعلنا أحراراً تماماً. فثمة في الواقع شكل آخر من الاستلاب (انتقاص الحقوق) يتبدى في العبودية الداخلية، وأقصد به انقيادنا واستسلامنا لأهوائنا، ولرغباتنا الواعية أو اللاواعية، ولروابطنا الداخلية المكبوتة. هذا الاستلاب يجعل منا أسرى ذواتنا، فلنتمهل في مراقبة أنفسنا. فئة قليلة منا ستعترف بكل نزاهة أنها نجحت في حيازة حريتها الباطنية كاملة. إننا جميعاً، متأثرون بأحكام مسبقة وحاجات ورغبات أو حالات نفور غاية في العنف بحيث إنها تجتاح أحياناً فضاء حريتنا. ولنا جميعاً، وبدرجات متفاوتة، عادات سيئة بتنا عبيداً لها، وهي تحول دون تحقيق ذواتنا بصورة تامة وبدون إقامة علاقات طيبة مع الآخرين. هذه العوائق الباطنية هي قيود غليظة أشبه بالقيود التي كانت، في الأنظمة الشمولية، تجعل الناس سجناء بالجسد.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى حديث أعمق عن مفهوم “الحرية الداخلية”، التي تطرق إليها قبلًا، فيقول، مستشهدًا بتعاليم (بوذا) و(سقراط) و(يسوع):

أراد معلمو الحكمة الثلاثة هؤلاء تحرير الفرد من قيود الجماعة وعبء التقاليد، فلم يكن ذلك بهدف جعله مستقلاً سياسياً وحسب، بل لتمكينه من شق طريق له قيوده إلى التحرر الباطني. ففي نظر (بوذا)، الحرية الحق هي الحرية التي يتوجب على كل كائن بشري أن ينالها بمقاومة أهوائه ورغباته وشهواته، والتي تشكل في الواقع قيوداً تربطه بعجلة “سمسار” ويقوم كل تعليمه على بضع حقائق حول العطش إلى الشهوات والتعلق بها، توثق الفرد بدورة التجسدات الجهنمية. أما في رأي (سقراط)، فالجهل هو علة كل الشرور؛ علة الخطأ، الظلم، الخبث والحياة الفاسقة، أي علة كل  شيء يسيء إلى الآخرين، وبخاصة إلى الإنسان نفسه. فالناس بجهلهم إجمالاً، يلحقون الأذى بأنفسهم. وبمعرفة أنفسهم وطبيعة الأشياء الحقيقية يتحررون من الرذيلة والشقاء. فمن توصل إلى معرفة الحق والعدل والخير لا يسعه إلا أن يكون إنساناً طيب القلب فاضلاً.

وجاءت رسالة (المسيح) متناغمة مع رسالتي (سقراط) و(بوذا)، وهو الذي وعد مستمعيه قائلاً: “إن ثبتم في كلامي، كنتم تلاميذي حقاً تعرفون الحق، والحق يحرركم”. وأضاف: “كل من يرتكب الخطيئة يكون عبداً للخطيئة”.

إذاً يتفق (بوذا) و(سقراط) و(يسوع) ليؤكدوا أن الإنسان لا يولد حراً بل يصبح كذلك عندما يخرج من الجهل، ويتعلم تميز الحق من الباطل، والخير من الشر، والعدل من الظلم، ويتعلم كذلك أن يعرف نفسه، ويتحكم بها، ويتصرف بحكمة ورحمة.

من مفهوم الـ “أنا” عند جوديث بتلر

judith-butler-foto-540x304

جوديث بتلر (مواليد 1956)، هي فيلسوفة أمريكية، لها إسهامات في مجالات الفلسفة النسوية، الفلسفة السياسية، والأخلاق. وهي أستاذ في قسم الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا – بركلي. حصلت بتلر على دكتوراة الفلسفة من جامعة يال عام 1984، وكان لها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية. في كتابها الشهير (الذات تصف نفسها) تقول:

أحاول أن أبدأ قصة عن نفسي، أبدأها من مكان ما وأحدد الزمن في محاولة للشروع في متتالية أقدم بها روابط سببية  أو بنية سردية في الأقل. أسرد، وأقيد نفسي في أثناء السرد، أصف نفسي، أقدم وصفي إلى آخر على شكل قصة يمكن لها أن تلخص كيف ولماذا أنا ما أنا عليه أيضًا.
لكن جهدي في تلخيص الذات يخفق، وهو يخفق بالضرورة، لأن ال”أنا” التي أقدمها منذ السطر الأول بوصفها صوتًا سرديًا تعجز عن تقديم وصف للكيفية التي أصبحت بها “ أنا “ يمكن أن تروي نفسها أو تروي هذه القصة على وجه خاص. وبينما أنا أصنع تتابعًا وأربط حدثًا بآخر، مقدمة حوافز تنير المسار، مستجلبة النماذج المتواترة، مؤشرة إلى بعض الأحداث أو لحظات الإدراك بوصفها ذات أهمية محورية ، بل ومحددة نماذج متكررة معينة أعدها أساسية، لا أعمل بذلك على توصيل شيء عن الماضي، بالرغم من أن ذلك جزء مما أفعل دون شك.أنا أعيد تمثيل الذات التي أحاول وصفها؛ هناك إعادة تكوّن لل “ أنا “ السردية في كل لحظة يستحضرها السرد نفسه. أي أنني، بكلمات أخرى، أستخدم تلك ال “أنا “ – أتوسع في تقديمها وأقيم علاقة بينها وبين جمهور واقعي أو متخيل – استخدامًا يختلف عن رواية قصة عنها، بالرغم من أن الرواية تبقى جزدًا مما أفعل. أيّ أجزاء “ الرواية” يقوم بمهمة التأثير على الآخر وإنتاج ال “ أنا من جديد؟.

ثم تكمل حديثها قائلة:

كما أن فعلاً تمثيليًا وخطابيًا تؤديه هذه الـ”أنا“، فإن هنالك حدًا لما تستطيع الـ”أنا” المباشرة بسرده. هذه الـ”أنا” مقولة وملفوظ بها، وبالرغم مما يبدو من أنها تمثل الأرضية الثابتة للسرد، فهي أشد اللحظات بعدًا عن الأرض الثابتة في السرد. أما القصة التي لا تستطيع الـ”أنا” روايتها فهي قصة نشوئها بوصفها أنا لا تتكلم حسب بل تتقدم بوصف لذاتها. بهذا المعنى يتواصل سرد القصة، لكن الـ”أنا” التي تروي القصة والتي يمكن أن تظهر فيها بوصفها الراوي بضمير المتكلم، تمثل نقطة عتمة تقطع التتابع، وتتسبب في انقطاع أو انفجار في وسط القصة لما يتعذر على السرد استيعابه. لذلك فقصة ذاتي التي أرويها، القصة التي تقدم الـ”أنا” التي هي أنا على الواجهة، وتدرجها في تتابع مناسب لشيء يسمى حياتي، تخفق في تقديم وصف لنفسي في لحظة تقديمي لها. في الواقع ماهو موجود يقدمني بوصفي شخصًا لا وجود أو إمكانية لتقديم وصف له. أنا أقدم وصفًا لذاتي، ولكني أحار في الوصف عندما يتعلق الأمر بتشكل الـ”أنا” المتكلمة القادرة على سرد نفسها. كلما زاد ما أرويه تعزز الدليل على تضاؤل قدرتي على الوصف. إن الـ”أنا” تدمر قصتها الخاصة، على الضد من كل نواياها.

لا تستطيع الـ”أنا” أن تقدم وصفًا نهائيًا وكافيًا لذاتها لأنها لا تستطيع أن تعود إلى مشهد المخاطبة الذي أطلقها، وهي لا تستطيع أن تروي كل الأبعاد البلاغية لبنية المخاطبة الذي يحدث الوصف نفسه في نطاقها. لا يمكن أن ترد هذه الأبعاد البلاغية لمشهد المخاطبة إلى سرد. وهو أمر يتضح في سياق التحويل، أو بالأحرى في نموذج التواصل الذي يوفره التحويل، فهنا يكون المرء متلقيًا للكلام بين حين وآخر، كما أنه يتكلم، وهو مايتم على شكل مخاطبة مباشرة أو غير مباشرة على الدوام.