أرشيف الوسم: الفلسفة

سلافوي جيجيك و عودة المعرفة المرحة

يقول الفيلسوف وعالم اللسانيات البريطاني (لودويغ فيتغنشتاين): “إنه من الممكن كتابة عمل فلسفي يتكوّن بشكل كامل من النّكات“.

وإن يبدو لنا هذا الزعم مبالغا فيه للوهلة الأولى، فإن الكثير من الفلاسفة قد اقتربوا بصفات متفاوتة من جوهر هذه المقولة من خلال أساليب في التفكير والكتابة سعت إلى كسر الأصنام التي لا تعترف سوى بصرامة العمل الفكري بكونه يتطلب أعلى درجات الجدّية والالتزام تفاديا لأي انزلاقات من شأنها أن تقلل من أهمية أي منتوج منطقي عقلاني.

وبالعودة إلى تاريخ الفلسفة الغربية، نجد أن عددا من الفلاسفة قاموا بمحاولات جادة لنزع القداسة والتجهّم عن الفلسفة، لعل من أهم أولئك كان الألماني (فريدريك نيتشه) الذي أعمل مطرقته في هذا الاتجاه من خلال العديد من أعماله، و خاصة في كتابه (المعرفة المرحة) الذي ظهر سنة 1882 وفيه هاجم الأخلاق المسيحية والفلسفة الكانطية التي تحرّمنا علينا مبادئها كل أشكال الفرح والاستمتاع بالحياة. فالفيلسوف إذن من وجهة نظر (نيتشه) مطالب بالاقبال على الحياة بجوانبها وتقلباتها الدائمة حيث يقول:

الحياة هي عالم من المخاطر و الانتصارات، عالم تستطيع فيه الأحاسيس البطولية أن تمارس رقصتها ومرحها .. الحياة كمبدأ تتطلب أن نحيا بشجاعة، بل كذلك أن نحيا بمرح ونضحك بمرح.

في هذا الإطار يتنزل حديثنا عن مفكر آخر معاصر، و هو السلوفيني (سلافوي جيجيك)، فيلسوف ومنظر سياسي وناقد سينمائي وثقافي من مواليد سنة 1949م.

زاول (جيجيك) تعليمه في سلوفينيا وتحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لوبلانا، ثم درس التحليل النفسي في جامعة باريس الثامنة، و تأثر بمعلمه السلوفيني (بوجيدار ديبينياك) الذي قدم لسلوفينيا الفلسفة المثالية الألمانية وفكر مدرسة فرانكفورت، كما أخذ عنه تناوله المتفرد للإرث الماركسي والفرويدي والهيغلي من وجهة نظر لاكانية، نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي (جاك لاكان).

برز نجم (جيجيك) في العقد الأخير كأحد الأكاديميين السوبرستار مستفيدا من الشهرة التي اكتسبها بفضل أدوات التواصل الحديثة كتويتر ويوتيوب حيث نُشر عدد كبير من محاضراته، حواراته المصورة والأفلام الوثائقية التي تتناول حياته ومسيرته وأفكاره.

كل ذلك جعل (جيجيك) يكتسب شهرة محترمة ويلقى قبولا وإقبالا حتى في أوساط غير أكاديمية وبين الشرائح الشبابية، حيث يعود الفضل في ذلك إلى الطريقة الطريفة التي يقدم بها أفكاره، وحضوره الملفت للانتباه بالإضافة إلى روح الدعابة التي يتحلّى بها حتى عند حديثه في أكثر القضايا جدّية، فضلا عن أفكاره الراديكالية التي لا يتردد في التعبير والدفاع عنها بأكثر الأساليب عامّية أو حتى سوقيّة في بعض الأحيان.

بالإضافة إلى العدد الكبير من الكتب التي ألفها (جيجيك) في تفسير الهيغلية و الماركسية، و عن التنظير السينمائي والتحليل النفسي، فإننا نراه دائم الحضور على المنابر المتلفزة وعلى موقع يوتيوب للحديث في المواضيع الراهنة مثل هيمنة الرأسمالية مابعد الكولونيالية والنظام الاستهلاكي و مسألة  العنصريّة واللاجئين، حيث لا يتردد مثلا في تحميل المسؤولية للغرب في إيجاد الحلول الجذرية لتدفق اللاجئين، الذين هم في نظره السبب الأول في نزوحهم من خلال التراخي أو التقاعس وأحيانا التواطؤ في دعم عدم الاستقرار في البلدان التي يأتي هؤلاء منها. كما يندد (جيجيك) باستمرار بالوصاية المباشرة والضمنية للبلدان الغربية (الأوروـ أمريكية) على العالم الثالث والسعي الدائم إلى تحويل كل ما يحدث فيه ليخدم مصالحها.

في ما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يتخذ (جيجيك) كالعادة موقفا جدليّا، فإن كان هاجم بشدة الأفكار المعادية للسامية في العالم والعالم العربي وثقافته، خاصة في كتابه (مرحبا في صحراء الواقع) فإننا نراه يعود لينتقد وبشدّة السياسات الاستيطانية لدولة اسرائيل وإرهاب الدولة الذي تمارسه و تواطئها مع عقلية التطهير العرقي التي يسلكها المستوطنون والعصابات الصهيونية، و يطالب (جيجيك) بمنح الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم.

كذلك كان (جيجيك) مساندا دائما للأصوات الحرة في العالم رغم ما جلبه له ذلك من نبذ وإقصاء كان متعوّدا عليه منذ بداية مسيرته حتى من قبل التيار الماركسي نفسه الذي يحسب عليه، فكان و لا يزال أحد أكبر المساندين لـ(جوليان أسانج) باعث موقع ويكيليكس، الذي تلاحقه الادارة الأمريكية و البريطانية منذ سنوات بسبب نشره  لفضائح اقترفتها حكوماتها خلال حربها في العراق وأفغانستان وغيرها من البقاع راح ضحيتها مدنيون وأبرياء.

وبالعودة للحديث عن الكاريزما والأسلوب المرح والممتع الذي يتمتع به، قال (جيجيك) في إحدى محاضراته أن طريقته تلك هي سلاح ذو حدّين، فبقدر ما ساهمت في قسط كبير من شهرته والتعريف به وبفكره في الأوساط الأكاديمية وغيرها، فإن الكثيرين من أعدائه يحاولون استثمار هذه الميزة للتقليل من أهمّيته كمفكر صاحب فلسفة ومواقف جادّة:

أعتقد أن ما يحصل معي الآن هو أن جعلي مشهورا هو بمثابة المقاومة في وجه أخذي على محمل الجد. أعتقد أن من واجبي في هذه الحالة أن أقوم بعمليّة قتل لنفسي ككوميديّ مشهور.

في أبريل الماضي استجاب (جيجيك) أخيرا للدعوات المكثفة التي حثته على خوض مناظرة فكرية مع فيلسوف شهير آخر وهو المحلل النفسي الكندي د. (جوردن بيترسن) الذي تباع كتبه بملايين النسخ في الولايات المتحدة خاصة، وقد وضع (جيجيك) منذ البداية شروطا صارمة لمشاركته، وهي الاحترام القسري للوقت المخصص لكل طرف، وتواجد منشط يدير الحوار، ثم فسح المجال أخيرا للجمهور لطرح الأسئلة.

ويبدو أن أسباب تلك الشروط كانت واضحة، ربما رغبة منه ألا يتحول لقاء فكري إلى ساحة للجدال الشخصي أو التناطح العبثي وسط تهليل الجماهير الغفيرة التي من البديهي ألا تكون في أغلبها من النخبة الأكاديمية الواعية تماما بمتطلبات المناظرات الفكرية. وهو الشيء الذي عبر عنه مساء مناظرة القرن، كما اعتبرها البعض، التي أقيمت في تورنتو الكندية، عندما هتف له “أنصاره” بعد المقدمة التي قرأها، فما كان منه إلا أن طلب منهم بلطف ألا “يفعلوا هذا” لأنه ليس في مصارعة مع (بيترسون).

بالنسبة للقارئ العربي تبقى الترجمة، بالاضافة إلى الشح في البرامج والسياسات التي تعرف بالفكر الغربي الجاد، هي إحدى أكبر العوائق أمام اطلاعه على أعمال مهمة في الفلسفة، كما في الأدب وغيره من المجالات، فبعد قرابة الثلاث عقود من ظهور (سلافوي جيجيك) كأحد المفكرين المشاهير في العالم، لازالت ترجمات كتبه إلى العربية لا تتجاوز الكتابين أو ثلاثة من أصل عشرات المؤلفات التي نشرها، لتبقى مصادر الباحث العربي مقتصرة على بعض المقالات المنشورة على الانترنت أو فيديوهات اليوتيوب التي وإن كانت مهمة، لكنها لا ترقى إلى ما يمكن للكتاب المطبوع أن يوفره من معرفة أصيلة و خالية من أي تسطيح أو تلاعب.

و نختم مع ما قاله عنه د. (جميل خضر) و هو أحد الباحثين العرب المهتمين بفكره:

يشار إلى (جيجيك) في الإعلام الجماهيري على أنه “(إلفيس بريسلي) النظرية الثقافية” و“نجم الروك الثقافي”. و لكن (جيجيك) فيلسوف و منظر سياسي أكثر جدية مما تدل عليه التسميات المستهينة … هو واحد من أهم الفلاسفة الأحياء اليوم وأفكاره أصيلة، رغم كونها جدلية، إلا أنها متبصّرة و ثورية، و على الرغم من أن (جيجيك) ربما لا يقدم إجابات مقنعة لكل مشكلات العالم، فأعماله بالتأكيد تقدم لنا الأدوات النقدية التي نحتاجها لتطوير تحليلنا عن العالم.

روسو: أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر!

جان جاك روسو (1712-1778) هو كاتب وأديب وفيلسوف من سويسرا، يعد من أهم كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب، وألهمت أجيالًا من الإصلاحيين لإحداث تغييرات في النظم السياسية لبلدانهم. 

في كتابه (عقيدة قس جبال السافوا) أو (دين الفطرة)، تحدث بصيغة خطاب “يلقيه قس من جبال السافوا على مسامع شاب فقد الإيمان وكاد يتحول إلى صعلوك زنديق بسبب المآسي التي عاشها“.

عرض (روسو) في كتابه “ثنائية الخير والشر”، وكيف أن من طبيعة الإنسان أن يكون في حالة تذبذب بين عنصرين مختلفين “الخير والشر“، فهو إما مقيدٌ بأغلال الشهوات، أو حرٌ طليق بانجذابه لصوت الضمير:

أتأمل طبيعة الإنسان أنه ينطوي على عنصرين مختلفين. أحدهما يجذبه نحو الحقائق الأزلية، يدعوه إلى حب العدل والفضيلة، إلى اقتحام العالم العلوي الذي يبهج قلب الحكيم، والثاني يربطه بذاته السفلى، يجعله أسير حواسّه، مطاوعًا لأدواتها، أي الشهوات، معاكسًا بذلك كل مايلهمه العنصر الأول.
كنت أقول في نفسي وأنا أشعر بتجاذب وتصارع هاتين الحركتين المتعاكستين: لا وحدة في الإنسان، أريد ولا أريد، أشعر في آن أني حرّ وأني مقيّد، أرى الخير، أحبّه ثم أفعل الشرّ، متحمس نشيط عندما أنصت للعقل، متخاذل ضعيف عندما انصاع للشهوة. وما يحزّ في قلبي عند الانزلاق هو أني أعلم أني كنت قادرًا على الصمود.

يذكر (روسو) الحكمة الإلهية في أن يكون للإنسان حرية الإختيار بين طريق الشر أو الخير بكامل إرادته:

من يتذمر من أن الرب لايثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفًا وتكريمًا، إذ بها ندبه إلى التحلّي بالفضيلة. وضعنا فوق هذه الأرض أحرارًا لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها.
ولأن منع الشر لايتم إلا بنفي حرية الشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختارًا.

وعن أصل الشر يقول (روسو):

أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا ما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتمًا عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة، بل جرّه الإنسان على نفسه.
من يدّعي أنه ارتكب الجريمة مُكرهًا كذاب بقدر ماهو شرير. هلا رأى أن الضعف الذي يشكو منه متأصل فيه، أن مبدأ السوء من الجسد الفاني الذي هو مصدرها.

يتساءل (روسو) بعد ذلك” كيف تتوقف نفوسنا عن مواصلة الشر؟ ويجيب:

حيثما تتوقف حاجاتنا الزائلة، حيثما تختفي تطلعاتنا السخيفة، تضمحلّ فينا الشهوات، وتنعدم الجرائم.
النفوس الزكية هل يحتمل أن يلحقها انحراف من أي نوع كان؟ لا ينقصها شيء، فلماذا ترتكب الشر ؟ بعد أن تُجرد النفس من الحواس الخسيسة، وتعود سعادتها تتلخص في تأمل الكائنات، لم تعد تتطلع إلا للخير.
حتى أحقق الغاية من إيجادي على الأرض تماشيًا مع مشيئة من أسكنني فيها. أستشير قلبي في كل نازلة: ما استشعرته خيرًا فهو خير و مابدا لي شرًا فهو شر. أصدق دليلٍ  هو الضمير. الضمير هو صوت الروح والشهوة صوت الجسد. أي عجب أن يتعارض الاثنان؟ إلى أيهما يجب أن نصغي؟ كثيرًا ما يخدعنا العقل، فوجب الاحتراز منه، أما الضمير فلا يخدع أبدًا. هو الدليل الأمين. مقامه من النفس مقام الغريزة من الجسد. من يستنير به يطيع الطبيعة، ولا يخاف أبدًا أن يتيه.

الخير غريزة فطرية في ذات الإنسان، تغريه ولا شيء يحجب ضميره عنها، غير أنه يحتاج إلى جهد لتذوق حلاوتها:

هل تعتقد أنه يوجد في الدنيا فرد فاسد الخلق إلى حدّ أنه لم يغرِه قط فعل الخير؟ هذا الإغراء فطري حلو إلى درجة أن لا أحد يصمد له في كل مناسبة، واللذة التي يخلفها في النفس فعل الخير تكفي للإغراء به مرة بعد أخرى.
الصعوبة كلها في الاستجابة له أول مرة. هناك ألف عارض يمنع من الإصغاء لنداء القلب. حذرٌ خادع يحصر مفهوم الخير في نطاق الذات فيلزم القيام بألف جهد شاق لتجاوز هذا الحاجز. متعةُ الإحسان في إتيانه. لا يتذوقها إلا المحسن بعد أن يكون يستحقها. لا شيء أحبّ إلى النفس من الفضيلة، لكن لا يحبها إلا من تحلّى بها.

لنلق نظرة على شعوب الأرض ولنتصفح أخبارهم.
كم مختلفة شعائرهم الدينية! بعضها وحشي صادم. كم متباينة أعرافهم وعاداتهم! رغم هذا نجد عند الجميع وفي كل مكان، المفاهيم نفسها عن العدل والمرؤة، التعريف نفسه للخير والشر.

 

مسألة الحياة في بداية القرن الواحد والعشرين .. مقالة مطولة

ميشال مورنج، هو كاتب وفيلسوف فرنسي، من مواليد عام 1950م. له عدد من الكتب والأبحاث، من أشهرها كتابه (تاريخ الأحياء الجزئية) وكتاب (تفسير الحياة).

نشر (مورنج) مقالة مطولة، ننقلها لكم من اللغة الفرنسية إلى العربية، بشكل حصري، تحدث فيها (مورنج) عن الحياة في القرن الواحد والعشرين. كما نحب أن نشكر الأستاذ السيد (ويليام العطوة) على مساهمته في تدقيق ومراجعة هذه المقالة.

يفتتح (مورنج) مقالته، فيقول:

بعد أن اختفى لعشرات من السنين من كتابات علماء الأحياء، طُرِح سؤال “ما هي الحياة؟” من جديد، في المجلات العلمية كما في المنشورات المبسّطة.

لقد قمنا بتحليل الصلة بين اختفائه المؤقت وبين تطور البيولوجيا الجزيئية في عدة منشورات. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء؛ لم يكن غياب هذا السؤال إلاّ موجزًا طوال تاريخ علوم الحياة. هل هذا يعني أنه لا توجد طريقة جديدة لطرح هذا السؤال في يومنا هذا؟ وهل أن وضعه – وهو الّذي يحوم فوق رؤوس جميع علماء الأحياء الّذين يجب عليهم الرد إن كانوا لا يرغبون برؤية دورهم يختفي لصالح التخصصات أخرى – لم يتغيّر كثيرًا؟

في هذه المقالة؛ نود تقديم فرضية أخرى: يعود السؤال بطريقة جديدة كلّيًا، حيث سيخوض معنى الحياة مجال العقلانية لأول مرة، وسيواجه عواقب فلسفية خطيرة.


ثلاث مشكلات مرتبطة

عند تسليط الضوء على تساؤل: “ماهي الحياة؟” سيكون مبهمًا، ولكن من الضروري تسليط الضوء في آن واحد على سؤالين آخرين مرتبطين به “كيف نشأت الحياة؟”، “وهل بالإمكان تغيير الكائنات الحية وخلقها من جديد؟”

ترتبط المشاكل الثلاث ارتباطًا وثيقًا : إن الردّ على سؤال “ماهي الحياة؟” معناه أيضًا افتراض سيناريو منطقي لظهور الحياة أو التحكم بها أو حتى لخلقها من العدم. فلقد ارتبط الفهم والفعل  ارتباطا وثيقًا خلال التطور التاريخي لكافة العلوم.

ولكن أتعلق الأمر بمسألة الأصل أو بسؤال الفعل، فالفترة الحالية تميزت بفرادتها.. فهي ليست كتلك السناريوهات عن نشأة الحياة، والتجارب التي تهدف لإعادة خلقها من جديد أو على الأقل محاولة محاكاتها في المختبر التي لم تُقترح منذ قرن تقريباً مع أول اختبارات البيولوجيا التخليقية في بداية القرن العشرين والنماذج التي اقترحها أوبارين وهالدان في عام ١٩٢٠ م. ولكن فحص جميع الأبحاث التي أجريت في وقتنا الحالي حول أصل الحياة يعطي صورة جديدة تمامًا، على الرغم من أن هذا الحقل لا يزال يتميز بتنوع كبير في الأساليب والافتراضات التجريبية مع وجود تناقضات حادة، ولا يزال يترك مجالًا لافتراضات “بعيدة المنال” لن تكون مقبولة بالنسبة لفروع العلوم الأخرى، ومع ذلك تم تنظيمها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لقد تحول إلى مجال تخصصّي جديرٍ بالاحترام. أصبحت مسألة نشأة الحياة مسألة علمية من الممكن حلها، إن لم تكن سهلة المنال،  في وجود استثمار علمي كافي.

وعلى نفس المنوال؛ قام الإنسان بدوره بتغيير الكائن الحيّ، فقد قام باتخاذ خطوة جلية في تطوير الهندسة الوراثية، ولم تكن محض تنبؤات يطمح بها بشكل مبالغ بعض أنصار التعديل الجيني. إن التعديلات الجينية محفوفة بالمصاعب؛ كبعض مشاريع إنتاج نباتات تستطيع التقاط النتروجين مباشرة من الغلاف الجوي فهي مجرد أحلام حتى الآن. النباتات الوحيدة المعدلة وراثيًا والمتاحة هي النباتات المقاومة للمبيدات الحشرية وتعتبر تعديلات بسيطة جذًا بالنظر إلى بقية التطلعات. بالمقابل؛ أكثر الكائنات المعدلة وراثيًا هي البكتيريا لإنتاج مركبات مفيدة للصناعات الكيماوية والأدوية.

وبالرغم من ذلك؛ أصبح اليوم من الممكن تغيير الحياة أو على الأقل التحكم بها من خلال إجراء محدد؛ ويجب عدم الاستهانة بأي خطوة يتم إجراءها. إن عودة مصطلح البيولوجيا التركيبية بعد اضمحلاله منذ بداية القرن العشرين يعكس مدى الوعي بهذه الإمكانيات الحديثة كالعمل على الحياة إلى الوصول إلى خلق أشكال جديدة لها.

وبالتالي فإنه في نفس مقدار التفاؤل يجري البحث عن نشأة الحياة، كما العمل على البيولوجيا التركيبية. قد تكون هذه الثقة بالمستقبل محض أوهام وفقاعة قد تنفجر في السنوات القادمة. ولكننا لا نعتقد ذلك لأن ثورة الأبحاث حول نشأة الحياة والنهوض بتقنيات الهندسة تُظهر لنا تطورًا في العلوم – وفي فلسفة العلوم- وعناصر إيجابية تحدث تغييرًا لا رجعة فيه في مسألة الحياة في المجال العلمي؛ فالعقبات قد اختفت، و يسمح النهج العلمي، الأقل تكبّرًا، لغنى تعددية الإختصاصات بأن تعمل بشكل كامل، وهذا ما هو ضروري بالنسبة لسؤال كسؤال الحياة.


عقباتٌ ابيستيمولوجية وفلسفية تمّ تجاوزها

نحن لسنا بحاجة إلى مراجعة علوم الحياة منذ ظهورها في العصور القديمة لفهم التغيرات الحديثة فيها، يمكننا أن نكتفي بالعلوم التي ظهرت بعد ظهور العلم الحديث على يدي غاليليو وديكارت في القرون الأخيرة. تراوحت علوم الحياة في منتصف القرن السابع عشر، بجانب دورها في جدولة الأشكال الحية، بين اتجاهين متعارضين ومتصادمين كذلك، أحدهما الإنكار؛ كما فعل الطب الفيزيائي في نهاية القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر الذي أنكر كل خصوصية للظواهر الحية و إختزال تعقّداتها بشكل فجّ إلى بعض الآليات الكيميائية الفيزيائية البسيطة، مع بعض النجاحات المحدودة،  والآخر الذي أثبت عدم قابليتها على الاختزال هذا من أجل أن يكون قادرًا على حصر دراسة الظواهر البيولوجية من خلال الأساليب الكيميائية الفيزيائية متى ما أثبتت انها مفيدة ، وتركت مسألة الحياة لميدان المعرفة العلمية إلى الأبد.

كان هذا موقف بعض الحيواتيين vitalistes  الفرنسيين مثل بوردينو . إنّ مبدأ الحياة المفترض وجوده وقتها لم يكن مختلفًا عن مبدأ الجاذبية الكونية كما عند نيوتن: “ما” يجب القبول به من أجل تفسير الظواهر الطبيعية.

قام علماء الأحياء الجزيئية في الستينيات باستكمال هذا الجهد دون حل أو تجاوز. وبالنسبة لكثير منهم، لم يكن هناك أسرار للحياة ـ أو لم يعد هناك أسرار-  لأن جميع الظواهر التي لوحظت في العالم كانت نتيجة للنشاط الفيزيائي الكيميائي؛ وفي الوقت ذاته، تميزت الكائنات الحية عن غير الحية بالمعلومات الوراثية والشفرات الجينية التي تستخدمها. سمح لنا الاستخدام غير المبرر لمصطلح المعلومات الوراثية بالحفاظ على غموض معين حول “طبيعة” خصوصية الأحياء.

لا يبدو لنا ذلك تحوّلاً داخليًا في علم الأحياء بقدر كونه تطورًا فلسفيًا و ابيستيمولوجيًا وعلميًا أوسع نطاقًا مكّن من التغلب على العقبة السابقة وتجنب هذا الخيار المحبِط. اقتحمت فكرتان شيئًا فشيئًا العقول وحررت المبادئ العلمية؛ الأولى هي قبول ضرورة تعدد التفسيرات في العلوم والثانية هي فكرة أن شيئًا جديدًا يمكن أن يظهر في النظام الطبيعي يمكن وصفه بشكلٍ جيّد. إن كل منهما ستحتاجان وقتًا طويلًا لدراستها، وسنطرح هنا بعض المعايير الأساسية فقط لهذه الدراسات و نعود الى بعض الأبحاث المتخصصة.

وجدت التفسيرات المتعددة فرصة في مساحة من الحرية في فشل المشروع الفيزيائي المادي لحلقة فيينا. وأثبتت أن إعادة بناء العلم على أسس سليمة، أي مبادئ الفيزياء، أنه مشروع مستحيل. لكن هذا الانفتاح لمجال الحرية الفلسفية لم يكن بالتأكيد كافياً بل ظهور علوم جديدة ومستقلة جزئياً عن تلك التي سبقتها، والتي أثبتت مع ذلك أنها فعالة بشكل ملحوظ في “معالجة” موضوعاتها، هو ما كان من شأنه أن يمتلك تأثيرًا كبيرًا.

إن التخصصات مثل فيزياء الجوامد أو المعلوماتية نجت من الخنق المنهجي للتخصصات الموجودة من قبل. من خلال أدواتها وأساليبها الخاصة، استطاعت أن تضع بصمتها على المشهد العام للتخصصات العلمية دون القلق المفرط حول علاقتها وتوافقها مع غيرها من التخصصات المُقاربة. هذا التغيير في الساحة العلمية لم يكن سهلاً، فقد واجهت المعلوماتية، على سبيل المثال، صعوبة للاعتراف بها كعلم مستقل وليس مجرد فرع من الرياضيات التطبيقية.

من جانب علوم الحياة؛ أظهرت مقاومة النظرية التركيبية للتطور الحاجة للتفسيرات المتعددة بشكل أقل من علم البيئة بسبب التأثير المنتشر للبيولوجيا الجزيئية. إن مقاومة هذا التوحيد القسري لم يستمر بدون صعوبات، فلم يرَ علماء البيولوجيا الجزيئية وجودًا لهذه التخصصات الأخرى، ولم يمتلكوا أي فكرة – مختلفة – عن طبيعة التفسيرات التي اقترحتها. ومع ذلك كانت النتيجة: جنبًا الى جنب المقاربة الجزيئية الإختزالية ، نمت ، وتطوّرت بطريقة بارعة، تخصصاتٌ امتلكت مبادىءَ تفسيرية مختلفة تمامًا.

في الثمانينيات من القرن الماضي، اندلع الجدال بين الفلاسفة حول إمكانية توحيد العلوم أو عدمها، إذا كان أصل هذا النقاش بالتأكيد موجودًا في تطور داخلي لفلسفة العلم؛ فهو بالتأكيد ليس غريبًا على التطور الموازي للمشهد العلمي للتخصصات العلمية. إن الزعزعة التدريجية، من خلال عمل محللي العلوم، من  كارل بوبر حتى علماء الاجتماع، لأسس المعرفة العلمية، جعل بلا شك هذا القبول للتفسيرات المتعددة أسهل.

بالنسبة لغالبية العلماء – وعلى ما يبدو أيضًا الفلاسفة – ليس من الواضح ما إذا كان المشهد المجزأ الحالي للتخصصات العلمية هو مجرد حالة مؤقتة قبل توحيد قادم، أو حقيقة لا مفر منها ستستمر في إثبات نفسها، حتى انّها سوف تتفاقم. ومع ذلك، فإن طبيعة الإجابة على هذا السؤال لا تغير الموقف الحالي تجاه هذا التنوع التفسيري، يجب أن تهدف الجهود إلى الحد منه من خلال تمفصل هذه المخططات التوضيحية المختلفة، وليس السعي – على الأقل الآن – إلى نظرية توحيد وهمية. لقد حلّلنا كذلك الأسباب المعرفية والاجتماعية على حد سواء التي تفترض هذا الاعتقاد المشترك على نطاق واسع اليوم من قبل الباحثين في علوم الحياة. سواء كان هذا الربطُ – أم لا – هو الخطوة الأولى في عملية التوحيد لا يغير شيئًا ممّا هو الهدف اليوم في علوم الحياة، ولكن أيضًا في العديد من التخصصات الأخرى. أصبح من الواضح أن التفسير العالمي للظواهر الحية يتطلب التعبير عن ثلاثة مخططات تفسيرية مختلفة على الأقل: كيميائية فيزيائية (جزيئية) وتطورية وفيزيائية. ويعد هذا صحيحًا عندما يحاول المرء أن يصف المراحل التي كانت يجب أن تسمح بتكوين الحياة وهي: تفسير الكيمياء الفيزيائية للتكوين التلقائي للجزيئات الأولى والجزيئات الكبيرة تتبعها تفسيرات تستدعي التنظيم الذاتي لهذه المكوّنات، تليها عملية (داروينية) لاختيار الجزيئات الأولى و / أو المجموعات الجزيئية الأولى. يُستخدم التمفصل، المؤقت هذه المرة، بين نفس المبادئ التفسيرية الثلاثة من أجل شرحِ أصل الحياة .

الحاجز الابيستيمولوجي الثاني الذي “قفز” مؤخرًا هو استحالة تفسير نشأة الجِدّة nouveauté  في انموذج توضيحي. إن التاريخ الفلسفي لمفهوم الإنبثاق l’émergence  قديم ومعقد، ولكن، كما أسلفنا؛ نعتقد أن الحدث الرئيسي الذي منحه مكانة معترف بها في فلسفة الحديثة للعلوم هو المكان الموجود بشكل شبه طبيعي في بعض العلوم من الكيمياء الفيزيائية حتى فيزياء الجوامد. هذا التطبيع naturalisation  للإنبثاق جعل من الممكن تصور أن الأنظمة المعقدة يمكن أن تكتسب خصائص جديدة – مثل الحياة– من خلال تجاوز الحد في عدد وطبيعة العلاقات بين المكونات الأولية المختلفة. يبقى استخدام مفهوم الإنبثاق خارج التخصصات التي وجد فيها مكانًا علميًا معترفًا به مجازيًا. ولا يهم إن كانت الاستعارة قوية بما فيه الكفاية أو لا، و الإحالة إلى استخدامه العلمي واضحةً كفاية، بحيث يتم قبول احتمال القفزات النوعية في أداء النظام.

مع هذين التحوّلين الابيستيمولوجيين؛ يمكن لدراسة الأحياء أن تتطور ، بشكل تام، كظاهرة علمية. لم يحن الوقت للتنبؤ بما تمنحه عودة السؤال “ما هي الحياة؟ والتوسع السريع في البحث عن اصولها. ومع ذلك؛ سنكون على استعداد للمراهنة على أنّ ابتذال مقولة الإنبثاق في المجال العلمي، وقبول تعدد التفسيرات اللازمة للظواهر الحية؛ سوف يؤدّي إلى إدخال دراسة “سؤال” الحياة في فترة من التقدم المستمر، وهو ما يمنعه حتى اللحظة البحث عن تفسيرٍ “أوحد” للحياة.


كيف سيصبح التساؤل الفلسفي عن الحياة و  عن الوعي؟

دعونا نعترف بأننا على صواب، وأن مسألة الحياة أصبحت بالتأكيد مسألة علمية. تكون كذلك من خلال قطع الصلة بين الحياة والفكر الواعي والخيط الوحيد الذي ما زال يربطهما مرة أخرى هو ببساطة مقولة الإنبثاق. إن ظهور الوعي المفكِّر سيكون أيضًا ظاهرة منبثقة، ولكن من طبيعة متمايزة تمامًا. وستكون هذه القطيعة حدثًا جديدًا تمامًا. حتى بالنسبة للبيولوجيا الجزيئية، التي اتهمت بأنها تسببت في “موت الحياة“، حافظت، بفضل مقولة المعلومة، على مقامٍ مشترك بين الحياة والفكر، وهو ما أظهر الفيلسوف جورج كانغيلهم ترسّخه في التقاليد الفلسفية. لا شيء من هذا القبيل في يومنا هذا، حيث فقدت مقولة المعلومة قوتها التوضيحية لصالح الآليات الكيميائية الفيزيائية. ماذا ستكون عواقب هذا القطيعة؟ وماهي المكانة التي سوف يتبوّأها فكرٌ فلسفيّ عن الحياة؟ سيكون ممكنًا تبني موقفين فلسفيين: التخلي النهائي عن سؤال الحياة لصالح العلماء، أو الحفاظ على فلسفة الحياة، وستكون المخاطر المتصّلة، على التواليّ، نضوب الفلسفة، أو انفصالها التام عن العلم.

هل هذه بداية لعملية مماثلة من “علمنة” scientificisation  الوعي؟ يمكن للعديد من الأعمال الراهنة، المتصّلة بأشكالٍ مختلفةٍ من التصوير الطبيّ، أن توحي بذلك. أو ربّما سوف يجعل قطع الصلة بين الحياة و الوعي من هذا الأخير، وبشكلٍ اوضح،  ليس شاهدًا على تعلّقٍ ماضويّ بالمقولات الميتافيزيقية، ولكن دليلاً فلسفيًا يستحيل اختزاله أبدًا الى معرفةٍ علمية؛ و ليس خطوةً قادمة من عملية تطبيع، و لكن، وفي روح الفينومينولوجيا، إستجوابًا لم تتوقف الفلسفة عن توجيهه للعلوم، و التي لم تتكمن يومًا من الردّ عليه.


[المصدر]

 

ما هي الفلسفة؟ برتراند راسل يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في لقاء تلفزيوني، سُئل (راسل) عن مفهوم الفلسفة. فابتدأ جوابه مستفتحًا:

لا أظن أن هناك فيلسوفان سيجيبانك بنفس الإجابة على هذا السؤال.

وجهة نظري هي أن الفلسفة هي فرضيات حول أمور لا يمكن الحسم فيها بطريقة نهائية من الناحية المعرفية، هذا جوابي وليس جواب أحد آخر.

سُئل بعد ذلك (راسل) عن الفارق بين الفلسفة والعلم، فأجاب:

يمكنك القول أن هذا يتلخص في عبارة “العلم هو ما نعلم، والفلسفة هي ما لا نعلم“، هذا التعريف المبسط. لأسئلة تمر باستمرار من الفلسفة إلى العلم، مع تطور العلم.

بعدها سُئل عن الفائدة من الفلسفة، فكان جوابه:

أظن أن للفلسفة فائدتين تقريبًا؛ أحدهما هو الإبقاء على التكهنات المتعلقة بالمسائل التي لا يستطيع العلم الآن أن يتطرق لها. المعرفة العلمية تغطي قسمًا صغيرًا جدًا من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب أن تهمه. هناك العديد من الأشياء التي لها أهمية كبيرة، التي يتكلم عنها العلم تمثيليًا. ولا أريد خيال الناس أن يكون محدودًا ومقتصرًا على ما نستطيع معرفته حاليًا. وأظن أن من فوائد الفلسفة إيساع نظرتكم عن العالم إلى مستوى الافتراض.

هناك فائدة أخرى أظنها على ذات القدر من الأهمية، وهي أن تري الناس أن هنالك أشياء ظننا أننا نعلمها ولكننا لا نعلمها، هي تمكننا من الاستمرار في التفكير في الأشياء التي قد نعلمها يومًا من جهة، ومن جهة أخرى تمكننا من البقاء متواضعين وواعيين بكم الأشياء التي كانت تبدو كمعرفة، وهي ليست كذلك.

الاستعارة عند جورج لايكوف

جورج لاكوف، الفليلسوف الأمريكي و عالم اللغويات المعرفية، ولد في 24 مايو 1941. عرف عنه أطروحته الشهيرة أن حياة الأفراد تتأثر بشكل كبير بالاستعارات المركزية التي يستخدمها الناس لشرح الظواهر المعقدة.

‏لطالما سيطرت النظرة التقليدية للاستعارة على اعتقادات غير دقيقة مثل:

‏١-الاستعارة تتعلق بالألفاظ، وليس بالفكر.

‏٢-اللغة الاستعارية مستعملة في الشعر والبلاغة فقط.

‏٣-اللغة الاستعارية منحرفة عن المعنى الحقيقي.

‏وغيرها من الاعتقادات.

‏يفنّدها (جورج لاكوف) و(مارك جونسون) في كتابيهما (الفلسفة في الجسد)، فيقول عن الأولى:

لو كانت الاستعارة أمرا مرتبطا بالألفاظ، فإن كل عبارة لُغويّة مختلفة ينبغي أن تكون استعارة مختلفة. وبذلك، فكل أمثلة الجُمل ينبغي أن تكون استعارات مختلفة تماما، بدون أن يجمع بينها جامع. يجب أن تكون جُملة “وصلت علاقتُنا إلى الطريق المسدود” مختلفة تماما ولا تربطها صلة بالجملة التالية “علاقتنا لا تبرح مكانها“، التي ينبغي أن تكون بدورها مختلفة وغير مرتبطة بجُملة “إننا نسير في اتجاهين متعارضين” و “علاقتنا في مفترق الطرق“، وما شابه ذلك. غير أن هذه العبارات الاستعارية ليست متباينة ومختلفة وغير مترابطة. إنها كلها أمثلة من استعارة تصوّرية واحدة. إن الاستعارة، في العمق، أمر مرتبط في الفكر، وليس بالألفاظ فحسب.

ويفنّد عن الثانية بقوله:

أخطأ (أرسطو) بخصوص اللغة الاستعارية حين اعتبرها ذات طبيعة شعرية وبلاغية فحسب، ولم يعتبرها جزءا من اللغة اليومية العادية. إن عبارات من قبيل “هذه العلاقة لا تتحرك” أو “علاقتنا في مفترق طرق” عبارات يومية عادية، وليست عبارات شعرية أو بلاغية جديدة. هذه العبارات جزء من لغتنا اليومية.

ويقول عن الاعتقاد الثالث:

إنّ الفكر الاستعاري عادي، وليس منحرفًا. وتصوّر الحب باعتباره رحلة هو إحدى طرقنا العادية في تصوّر الحب. وعبارة “علاقتنا في مفترق الطّرق الآن” عبارة عادية، وليست عبارة منحرفة.

إن عدم الصحة التجريبية لنظرية (أرسطو) لهو أمر لافت للنظر، ذلك أن النظرية اعتُبرت من المسلّمات لمدة طويلة حتى إنها اتُّخذت تعريفا وليس نظرية فحسب. فبالنسبة للعديد من الناس، كان مصطلح الاستعارة معرّفا بهذه الشروط. غير أن طبيعة الاستعارة ترتبط بالدراسة التجريبية، وليس بالتعريف القبلي.