أرشيف الوسم: الفلسفة

لوك فيري يبحث في معنى السعادة والإرادة الحرة

نتيجة بحث الصور عن لوك فيري

في بحث الإنسان عن معنى الحياة وسعيه لإدراك النفس البشرية تتطور الاسئلة حول الشعور بالسعادة في مساعي من المُفكرين والفلاسفة لالتقاط هذا الشعور وإيجاد سُبل تحقيقه. وهذه الرفاهية الذهنية تتجاوز كافة الكائنات الحية فالحيوانات سعيدة باتباعها غرائزها الأساسية والتي تدفعها للشعور بالأمان والطمأنينة، بخلاف الإنسان فتلك التلقائية بعيدة عنه، وكما يقول (كانط): “لو أرادت العناية الإلهية لنا السعادة لما منحتنا الذكاء”.

نتيجة بحث الصور عن لوك فيري مفارقات السعادة

(لوك فيري) -وهو فيلسوف فرنسي مُعاصر- يبحث في كتابه (مفارقات السعادة)، ويقارن ويقارب بين مختلف أقوال الفلاسفة والكتّاب في شأن السعادة. فالسعادة هدف متقلب وأيضًا هش. فبقدر ما أنه شعور فردي إلا أنه لا يرتبط بالفرد وحدة، بعيدًا عن البيئة المحيطة والآخرين. ويفنّد قول أن السعادة تنبع من الداخل فقط وأنه ليس ثمه سعادة في مجتمع تعس. 

نلاحظ أولاً أن السعادة مؤقتة وهشّة في الوقت ذاته، لأنه وبعيدًا عن أن السعادة تتوقف على اشتغالنا على أنفسنا وعلى انسجامنا الداخلي المفترض، هي ترتبط بشكل وثيق، على الأقل لو لم نكن متمركزين حول ذواتنا، بموقف الآخرين وخاصة بالظروف التي يحيا فيها مَن نحبّهم، وعلى حالة العالم الخارجي كذلك. وبالنسبة لغير المؤمن تتقيّد السعادة بالضرورة بحقيقة فناء البشر، وبالحقيقة التي لا مجال لإنكارها بشأن حتمية الانفصال والموت. فمهما فعلنا، سننفصل في يوم أو آخر عمن نعزّهم، وعن كلّ ما تعلقّنا به، والتوصية لأجل تجنّب مثل هذا التمزق بعدم الارتباط بأيّ شيء وتطبيق فكرة”عدم التعلق” تشبة إلقاء أنفسنا في الماء كي نتجنب المطر. وليس المقصود نفي الفضائل المحتملة لـ”الاشتغال على الذات”، وللقيام بتحليل ما، ولفهم أفضل للنفس وللعالم عبر الفلسفة والعلوم والأدب والفن، فمن المحتمل جدًا بل حتى من المؤكّد أنّ ذلك ينتج فهما ووعيًا أكثر بالذات، ويُفضي إلى حالة من الصفاء، ولكن هل بوسعه أن يحقق السعادة؟ أشكّ كثيرًا.

ويقول أيضًا أن السعادة ليست بعيدة المنال لكنها متعلقه برغباتنا المتناقضة والمتغيّرة، فلا يمكن -في كل الأحوال- الاتفاق على تعريفها بطريقة مُرضية دائمًا. وقد ذكر أبرز سبع نشاطات يجد الناس السعادة من خلالها ويبحثها في ضوء خطابات متعددة وهي أن تُحب، وأن تعجب بشيء ما -الدهشة، وأن تتحرر، وأن يتسع أفقك، وأن تتعلم وتبدع، وأن تعمل.

وفي تفكيكه لـ”الإرادة الحرة” والتي لا تنافي القَدر بل هي ما يفعله الفرد بالهبات والإمكانيات التي حازها منذ بداية وجوده، يذكر هنا في تعبير لما قاله (كانط) في تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق

سيستحيل علينا تقريبًا التفكير في الهبات والمواهب الطبيعية بوصفها تحمل في ذاتها قيمة أخلاقية ما، كما لو أنّ حقيقة كونك ذكيًا، أو ضخمًا، أو قويًا، أو جميلًا، أو ماهرًا في ما يخص النشاطات الجسدية أو حتى الذهنية تمثل في حد ذاتها فضيلة، بغض النظر عن قدرة هذه الصفات على إغوائنا أحيانًا على مستوى لا يرتبط بالأخلاق، مثل الأنشطة الرياضية والعلوم والفنون على سبيل المثال. بالنسبة لنا، نحن الجمهوريين المحدثين بموقفنا النقدي من الأخلاق الأرستقراطية، لا علاقة لهذا الإغواء بالأخلاق لأنه يرتبط بمجالات أخرى. حجة كانط هنا، التي تشغل بعض السطور فقط، تعبر فعلًا عن قطيعة حقيقة مع أفكار العالم الأرستقراطي: من البديهي أن القوة والذكاء والجمال صفات محايدة، فهي ليست جيدة ولا سيئة في ذاتها، لأن كل واحد يقرّ، لو أعمل تفكيره لحظة، أنّ بوسع الجميع استخدامها في فعل الخير أو إتيان الشر! […] إذا ليست الصفات الطبيعية للإنسان ما يُمثل الفضيلة، لكن ترتبط الفضيلة بما نصنعه نحن بهذه الصفات، بالحرية والعمل، أو كما قال (كانط) عن حق في النص الذي سنشرع في ذكره بـ“الإرادة الخيّرة”. ولهذا السبب وحده توصف هذه الإرادة بأنها “خيّرة”.

الحرية والتي تعني إمكانية الاختيار بين بدائل متنوعة تُضلل الفرد كما لم يكن (كانط) متفائلًا بشأن علاقتها بالسعادة ومن بعده (فرويد) و(نيتشه)، فيقّرون بأن فكرة حرية الإرادة مُضللة وتتسبّب فعليًا في تعاستنا.

فبعيدًا عن أن تكون عنصرًا يساعد على تحقيق السعادة، لا تكف فكرة الحرية عن إفساد الحياة بداخلنا وتغمرنا باستمرار في ما أطلق عليه (سبينوزا) “الأهواء الحزينة”: الأسف، والندم، ومشاعر الحزن، والمخاوف، والإحساس بالذنب، وكل المشاعر المرتبطة بمفهوم المسؤولية، والاعتقاد أنّه كان بوسعنا وربّما كان علينا أن نفعل ما فعلناه لكن بشكل مختلف، واتّخاذ قرار آخر واختيار بدائل أُخرى طالما كنا أحرارًا وبالتالي مسؤولين عن أفعالنا. ومن هنا نرى كيف أنّ الشيء الذي بمقدوره أن يسعدنا، وهو في هذه الحالة تمتّعنا بالحرية، هو ما يُحيلنا تُعساء أيضًا -وهي الفكرة التي أعتبرها، كما تفهمون الآن، المنطق وراء كل تفكير جاد نوعًا ما في مسألة السعادة.

وأخيرًا يقول أن الحرية اختبارًا لمسؤولية الفرد وفي معنى أن يكون إنسانًا.

من هنا ربما نشرع في فهم أنّه لو كان الحرمان من الحرية شراً، فتطبيقها لا يضمن تحقيق السعادة، وهي الفكرة التي اقترحتها في الصفحات الأولى من هذه الكتاب. وأن تكون حراً يعني أن تتحمل مسؤولية اختياراتك، وأن تأخذها على محمل الجد، وأن تشعر أنك مسؤول أكثر مما تشعر أنك بريء، ويقودنا ذلك أحيانًا، وهو ماتتطلبه التراجيديا، إلى التضحية براحتنا باسم القيم التي تفوق السعادة: الكرامة الإنسانية، ومقاومة القمع، ومقاومة الشمولية، والبربرية أو حتى وببساطة الالتزام بالدفاع عمّن نحب. وكما هو واضح دومًا، ما يجعلنا سعداء بوسعه أن يحيلنا تعساء أيضًا – لهذا، تغرق فلسفات السعادة حتمًا في نهاية المطاف، في سلمية زائفة بسبب افتقادها الحس التراجيدي.

بقلم: زينب الحربي
مراجعة: أحمد بادغيش

مفهوم الاستقلالية الفلسفي عند المفكر طه عبدالرحمن

مثلما أن الفلسفة بدأت بالدهشة وبطرح السؤال فكذلك مشروع (طه عبد الرحمن) الداعي إلى الاستقلال والإبداع الفلسفيين للأمة العربية والاسلامية بدأ بسؤال هو الآخر، سؤال طرحه (طه) بعد هزيمة الجيوش العربية 1967 بالشكل التالي: “أي عقل هذا الذي هزمنا ونحن أمة كثيرة بعددها، راسخة في تاريخها؟”[1] مما جعله يترك إلهامه الشعري نحو رسالته التي سيمضي مشواره الأكاديمي الزاخر في تأسيس مبادئها وأسسها ليتبعه جيل من الأكاديميين والمفكرين كتلاميذ وكمكملين لمنهجه المعرفي.

بالنسبة لـ(طه عبد الرحمن) فإن العقل الذي هزم المسلمين لم يكن عقلاً جباراً ولم يكن يحمل في آلياته المعرفية والمنطقية ما يؤهله للانتصار، بل بالعكس فقد كان عقلاً محدوداً وتلك المحدودية ناتجة من كون المنطقيات والعقليات نفسها التي تسيّر نمط تفكيره، والتي تخصص فيها (طه عبد الرحمن) دراسة وتدريساً، محدودة هي الأخرى، وكان بإمكان الأمة الاسلامية أن تقدّم عقلاً أوسع وأكثر انفتاحاً من العقل الذي هزمها لكنها لم تتحمل مسؤوليتها التاريخية والدينية.

فقد ظلت طيلة تاريخها منبهرة بهذا النظام المسمى فلسفة، لذا لم تستطع أن تقدّم فيه إلا تقليداً وتبعيةً سواء قديماً أو حديثاً، وإن كان المتقدمون يُعذرون في كون الفلسفة قد أتتهم على شكل علوم وفكر، وإن كانوا أبدعوا وطوّروا في الأول واكتفوا بالتقليد في الثاني، إلا أن المتأخرين لا يوجد لديهم عذر في الاستمرار بالتقليد والتبعية للغرب، فهذا الانبهار لم يمكنهم من الإبداع فيه بل يكاد يكون قاتلاً للإبداع الفلسفي وآن أوان إحيائه. ولا خيار أمام العرب الآن إلا أن يبدعوا فلسفة خاصة بهم تطرح أسئلتهم الخاصة، وتجيب أجوبتهم الخاصة، لذا فإن ردأ آفتيْ التقليد والتبعية والدعوة إلى الاستقلال والإبداع هما همّ المشروع الطهائي في كل كتبه ودراساته وأهمها مشروعه التأسيسي العظيم: فقه الفلسفة الذي صدر منه حتى الآن جزآن وبقيت منه ثلاثة أخرى.

ويقوم مشروع فقه الفلسفة على مجموعة أفكار أهمها محاولة اكساب العرب القدرة على الإنتاج الفلسفي والمستقل من خلال تجاوز الجمود الذي أصاب النصوص الفلسفية العربية المنقولة والمقلّدة، والتعامل مع القول الفلسفي على أنه قول خطابي موضوعي محكوم بواسطة قوانين معروفة، مثله مثل أي ظاهرة لغوية أخرى وبالتالي فإن المعاملة هنا تتخذ صيغة علمية صريحة، والصيغة العلمية تستدعي وجود علم خاص بالكشف على العلل المختلفة التي أدت إلى ظهور هذه الأغراض الفلسفية أو بتعبير أدق المقاصد الفلسفية، ففقه الفلسفة هو علم يعتمد موضوعه على أدوات وآليات إنتاج الفلسفة قولاً وفعلاً، ومنهجه يعتمد على مناهج ودراسات علوم الآلة من بلاغة ومنطق وحجاج وغيرها.. بالاضافة إلى فقه الفلسفة فإن المشروع الطهوي يرتكز على عدة مقوّمات أخرى منها منهجه التكاملي في الدراسات التراثية ودعوته للإبداع الفلسفي انطلاقاً من المجال التداولي العربي والاسلامي. ولعل كتاباه المعنوان بالحق العربي في الاختلاف الفلسفي[2] والحق الاسلامي في الاختلاف الفكري[2] من أهم ما كتب في مشواره بسبيل خلق فلسفة عربية مبدعة لا مقلّدة ولا تابعة.


الحق العربي في الاختلاف الفلسفي

لكي تستقل أمّة بإجابتها الخاصة ينبغي أن تستقل وتبدع في سؤالها الخاص، فقد كان السؤال اليوناني القديم  سؤالاُ فاحصاُ والسؤال الأوربي الحديث سؤالاً نقدياً وقد آن أوان تجاوز هذين الشكلين بشكل أحدث والذي سمّاه طه عبد الرحمن بـ“السؤال المسؤول” أي “سؤال يسأل عن وضعه كسؤال بقدر ما يسأل عن موضوعه”[2] فالفيلسوف يسأل لأنه مسؤول عن كل أشكال أفعاله ومسؤول عن سؤاله نفسه فالمسؤولية هي التي تجعل من الواجب عليه أن يسأل عن ما يحيط به في الحياة والوجود من مخاطر تحدق به وبأمته، فهو بحسب (طه) يَسأل لأنه يُسأل، وبالتالي فينبغي أن يكون الأصل في الفلسفة هو المسؤولية لا السؤال بذاته، فالأولى تعطيه بعداً أخلاقياً ضرورياً فبنالسبة لطه فلا وجود لتفلسف بدون تخلّق، وتلك من أهم مسلمات مشروعه الفكري.

وما دامت الفلسفة أخلاقاً فلا ينبغي للفيلسوف العربي أن يجيب على كل سؤال يُطرح ولا أن يسأل أي سؤال من أجل التقليد فقط، بل إنه لا يجب عليه أن يسأل إلا السؤال الذي يلزمه وضعه ويلزمه الجواب عنه انطلاقاً من مجاله الثقافي والقومي، من هنا فإن من حق كل قوم أن يتفلسفوا انطلاقا من حاجياتهم ومقتضياتهم الثقافية الخاصة مع الاعتراف لغيرهم بممارسة نفس الحق مما يخلق تنوعاً فلسفياً لا تقليد ولا اتباع فيه لنمط واحد مهيمن، وكل ثقافة تدعو لنمط واحد مهيمن ماهي إلا ثقافة مستبدة أشبه هي بالعقيدة المتسلطة منها بفلسفة حرة، فلا وجود لمطلق في الفلسفة، حتى ولو كان العقل نفسه، فحق الاختلاف الثقافي والاختلاف الفلسفي ينبغي أن يتم الاقرار به لكل الأمم لا ينبغي أن تستأذن فيه أمة أمة أخرى.


دعاوى منع التفلسف

والعرب كأي أمة أخرى لا بد لها أن تسلك طريقها في طلب الاختلاف الفلسفي وأن يكونوا أحراراً في فلسفتهم، فلسفة مختلفة عن الفلسفات المطروحة والمفروضة عليهم، لذا وجب عليهم أن يقاوموا جميع الدعاوي التي تمنعهم من ممارسة حريتهم الفلسفية والطريق في ذلك يبدأ في النظر في تلك الدعاوي ولعل أولها هو القول بكونية الفلسفة وأنها معرفة عقلية تشمل الجميع بأسئلتها وأجوبتها، أفراداً كانوا أو أقواماً.

نقض القول بكونية الفلسفة: يحتمل مفهوم الكونية مدلولان عَبَرَا تاريخ الفلسفة بالتتابع فأولهما هو مدلول “الكلية” وقد ساد خلال الطور الإغريقي ويقول بأن قضايا الفلسفة تصدق على جميع البشر من حيث هي كائنات عاقلة، أي أن الكونية هنا تتخذ صبغة أنطولوجية أو بالتعبير الطهائي ذات صبغة “كيانية”، أما المدلول الثاني الذي ساد في الطور الأوربي الحديث فهو القول بـ“العالمية” أي أن القضايا الفلسفية تعم جميع أقطار الأرض القائمة. ويردّ طه عبد الرحمن على هذه الدعاوي بجملة اعتراضات أهمها ارتباط الفلسفة بالسياق التاريخي الاجتماعي الخاص بأمة ما فلا وجود لفلسفة بدون هذا  السياق الخاص، كما أن أي فلسفة هي مرتبطة بالسياق اللغوي، فبقدر تعدد اللغات كان هناك تعدد في الفلسفات كما أن الاختلاف الأدبي ينتج عنه اختلاف في قضايا الفلسفة فلكل لغة أشكال صرفية ومعاني لغوية وبلاغية لا تتطابق مع بقية لغات العالم وبالتالي فإن المقتضيات البنيوية والدلالية والبيانية ستختلف من فلسفة لأخرى، ثم إن هناك الاختلاف الفكري بين الفلاسفة أنفسهم وأنساقهم الفلسفية وأخيراً التصنيف القومي للفلسفة، فلا يكاد يخلو كتاب يصنف في تاريخ الفلسفة من تصانيف الفلسفات بحسب قوميتها، كالفلسفة الألمانية والفلسفة الانجليزية والفلسفة الفرنسية وغيرها.

فلا وجود إذن لما يقال أنه فلسفة كونية كليانية، فهذا القول باطل على حسب تعبير (طه)، وإذا انتفت صفة الكونية وجبت صفة الجزئية والقومية، فالفلسفة اليونانية كانت فلسفة قومية كما هو تاريخهم وأدبهم وأساطيرهم، وما منع المتقدمين من العرب من التفطن إلى هذه الخاصية هو كونها وصلتهم بسياق علمي مندمج مع كل المعارف من رياضيات وفلك ومنطق وطب وسياسة وغيرها، فما انطبق على هذه العلوم انطبق على الفلسفة نفسها بما هي تفكير نظري.

أما المحدثين من العرب فقد انبهروا بالدعوة الغربية إلى القول بالكونية السياسية للفلسفة وذلك منذ عصر التنوير بمفاهيمه الكبرى العالمية التي لا يرقى إلى كونيتها شك وقد ردّ (طه عبد الرحمن) على هذه الدعوى برد الفلسفة الحديثة إلى أوروبا ثم رد هذه الأخيرة إلى الفلسفة الألمانية ثم القول بأن هذه الأخيرة تم تهويدها من طرف الثقافة اليهودية منذ القرن الثامن عشر وتأثر كبار فلاسفة الألمان بفلاسفة اليهود كما كانوا يقتبسون بعضاً من مفاهيمهم المحورية من التوراة مباشرة وقد تم تسييس هذه الفلسفة اليهودية بما يخدم انتشار فكرة القومية اليهودية وشيئاً فشيئاً بدأ يتشكل فضاء فلسفي يهودي عالمي، يندمج فيه الجميع بما فيه غير اليهودي عن قصد أو عن غير قصد فبدلاً من تهويد الفلسفة الألمانية وحدها تم تهويد الفلسفة بشكل عام.

ولم ينج العرب من الدخول في هذه الدائرة فقد ظلوا يدورون فيها مناقشين نفس مسلماتها ونظرياتها فأصبح يتفلسف بما يخدم عدوه وهو لا يدري بذلك، وأصبح بالتالي يمارس التطبيع عن غير قصد أو وعي، بل أصبح يمارس هذا التطبيع من حيث يريد أن يقاومه، فبدلاً من التيه في الأرض الذي عوقب به اليهود، دخلنا نحن في تيه فكري وفلسفي بحسب طه عبد الرحمن. فلا بد إذن من نهضة فكرية وفلسفية تتيح للعرب وسائل مقاومة تغلغل هذا الفضاء الفلسفي المتهوّد المفروض بواسطة القوة المادية والهيمنة السياسية ويقترح (طه عبد الرحمن) مفهوماً جديداً لمواجهة هذا الفضاء وهو مفهوم: “القومية اليقظة” فهو مفهوم حركي لا متناهي يفرض نفسه بفضل القوة المعنوية والهمة الإنسانية عكس الأول، ويتميز بمجموعة خواص مشتقة منه مثل القيام المنسوب للجماعة التي تتحرك وتعمل لكي ينشأ بين أفراد الجماعة روابط راسخة تحفظ كيان الجماعة والقيام قيام جهادي يقوم في دفع التهديدات وقيام اجتهادي يقوم في جلب ما ينفع القوم، كما يتميز المفهوم بدلالات أخرى هي القوام والقومة التي يستعملها (طه عبد الرحمن) في مكان مفهوم الثورة؛ فالأخيرة لا تحصل إلا في المجال المادي، والقومة لا بد أن تنطلق من مبدأ أو من مسلمة جوهرية وهي أن الخطاب الفلسفي لا بد له أن يكون كلاماً تحته عمل موجّه أو بالتعبير الطهائي “كلاما ذا قيام” وذلك يستدعي وضع خطط واستراتيجيات تكون مناسبة لمواجهة التهويد اليهودي للفلسفة.

أولى تلك الخطط هي خطة المقاومة وتقوم على مبدأ الإعتراض على أي مفهوم منقول من الفضاء الفلسفي العالمي لم يقم أي دليل على صحته أو فائدته للمجال التداولي للفيلسوف العربي، فالمقاومة هنا هي مقاومة مفاهيم، ثم هناك خطة التقويم وتلك تعتمد على معنيين في قومتها وهما إزالة الإعوجاج والتزوّد بالقيّم وتقوم على مبدأ أن تتمتع المفاهيم الفلسفية بأكبر قدر ممكن من الحركية داخل مجال التداول الخاص بالعرب عن طريق وصلها بقيمه العملية، ثم أخيراً خطة الإقامة التي تدعو إلى عدم الاكتفاء بالنقد للمفاهيم الفلسفية وللأسئلة والقضايا المطروحة في الفضاء الفلسفي العالمي المتهوّد بل تسعى إلى إقامة فضاء فلسفي عربي على مبدأ أن نرتقي بالمعاني الطبيعية التي تدور في المجال التداولي العربي إلى رتبة المفاهيم الصناعية، مع الاستدلال عليها وبها لكي تصبح معاني ذات أساس إبداعي فتصبح الأمة قادرة على دخول المعركة الإصطلاحية لتوضيح ماهو متهوّد وما ليس كذلك، فقوة الاصطلاح لم تعد تقل ضرورة عن قوة السلاح، وخلق فضاء فلسفي عربي بخصوصية قومية هو الأولوية الآن.

“ونحن العرب نريد أن نكون أحراراً في فلسفتنا، وليس من سبيل إلى هذه الحرية إلا بأن نجتهد في إنشاء فلسفة خاصة بنا تختلف عن فلسفة أولئك الذين يسعون بشتى الدعاوى إلى أن يحولوا بيننا وبين ممارستنا لحريتنا الفكرية”[2].

ولدرء شبهة تعارض اعتبار العنصر القومي مع اعتبار العنصر الإسلامي يقدّم طه عبد الرحمن عدة أدلة تثبت فساد هذه الشبهة، فبحسبه فالقومية التي تم بناء هذا الفضاء الفلسفي فيها يؤيدها نص التنزيل فلا وحي بغير لسان، ولا رسالة إلا في قوم، وقوم خاتم الأنبياء هم العرب، ولسان هؤلاء هو العربية كما هو لسان الإسلام، فالإسلام لم يكن يوماً معارضاً للقومية بقدر ماهو معارض للقومانية، تلك التي تدعو إلى الجمود على مقومات عربية مخصوصة.


الحق الإسلامي في الإختلاف الفكري

بعد أن بحث (طه عبد الرحمن) عن الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، وعن خصوصية السؤال العربي عن بقية الأسئلة في أطوار الفلسفة المختلفة، وأوضح أن الحق في الاختلاف يستدعي الحق في الاستقلال في النظرة إلى الأشياء وفي خصوصية استشكال القضايا وبالتالي يتطلب تحرراً فكرياً وتاريخياً، يأتي إلى الحق الاسلامي في تقديم الأجوبة عن أسئلة زمانه، فلكل زمان أسئلته الخاصة وواجب كل أمة أن تقدّم أجوبتها الخاصة عن تلك الأسئلة، أجوبة تتسم بالاستقلالية، والأمة المسلمة بصفتها أمة حاملة لرسالة خالدة وخاتمة لما سبقها وناسخة له، وإن كان الحال الآن لا يشي بذلك لما فيه الأمة من ضعف ووهن وعجز عن أداء الرسالة المنوطة بها ولما تتعرض له من سلب في خيراتها المادية ومن محوٍ لقيّمها الروحية من طرف أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الحقوق والحريات في العالم. لكن يبقى للأمة الإسلامية جوابها الخاص عن أسئلة زمانها فالفكر الطهائي ينظر إلى الأمة الإسلامية على أنها “مجموعة قيّم تسعى إلى أن تساهم في الأحداث المشهودة” وليس بالضرورة إلى أنها واقع متحقّق. ولأن الأسئلة التي تقتضي وجود جواب إسلامي أكثر من أن تحصى فإن طه استغنى عن تعداد تفاصيل هذا الجواب وبدلاً من ذلك ركّز على إبراز “الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي والتي تؤمن للأمة المسلمة حق الاختلاف في فكرها عن الأمم الأخرى ولو كانت أشدّ منها بأساً، كما تدفع عنها ذرائع الذين يرومون حرمانها من هذا الحق ولو كانوا من بني جلدتها؛ ففي هذه الروح غناء عن هذه التفاصيل”[1]. وقد استخلص طه عبد الرحمن من هذه الروح الخاصة التي تميّز الجواب الإسلامي مبدأين أساسيين:

  • الأول هو “مبدأ إختلاف الآيات”، وهو مبدأ مبنيٌ على اختلاف الآيات الكونية، وهنا يقيم طه عبد الرحمن تفريقاً جذرياً بين مفهوم الآية ومفهوم الظاهرة، فالأخيرة هي كل ما يظهر للعيان محدداً بزمان ومكان، أما الآية ف”هي الظاهرة منظوراً إليها من جهة المعنى الذي يزدوج بأوصافها الخارجية دالاً على الحكمة من وجودها”[2] فعالم المعاني هو مملكة الآيات  وعلى من يطلب تلك القيّم أن يعمل بمقتضاها. ونظرة المسلم إلى الأشياء في الأصل أنها نظرة تأمل في الآيات، أو بالتعبير الطهائي “نظرة ملكوتية” ولا يمكن أن تتحول إلى ملاحظة للظواهر أو بالتعبير الطهائي “نظرة مُلكية” إلا إذا قام دليل كالبحث عن قوانين الظاهرة السببية، فالنظر الأول هو بالنسبة لطه نظر أصلي يوصل الانسان إلى الإيمان أما النظر الثاني فهو نظر فرعي يوصله إلى العلم، والفرق بين المسلم وبين الآخر (الغربي خصوصاً) هو أن المسلم يؤسس نظره الأصلي على نظره الفرعي فيكسب الدارين، بينما فضّل الغرب وحداثته الإكتفاء بالنظر الفرعي وأصبح نظرهم متناهياً، لذا لا جدال أن النظر الإسلامي هو الأحق بالشرعية لأنه نظر لا متناهي ومتصل بالزمان المطلق.
  • ثم هناك المبدأ الثاني وهو “اختلاف الناس أنفسهم” وهذا مبنيٌ أساساً على اختلاف الأمم المثبت في محكم التنزيل، ويفرّق طه بين مفهوم الأمة ومفهوم المجتمع، فالمجتمع لا يربط بين أفراده سوى ما يجعلهم يتعاونون في سدّ الحاجيات وأداء الخدمات، وهذا ما أطلق عليه طه “العمل التعاوني” وهو ما دعى إليه القرآن لحفظ المجتمع، فالعمل التعاوني ضروري لحفظ هذه الروابط والعلاقات الاجتماعية المادية، أما الأمّة فهي المجتمع بعد أن يحمل قيّماً يكون مطالباً بايصالها للأمم والمجتمعات الأخرى في سبيل الرقي بالإنسان، فالعمل هنا أخلاقيّ لا ماديّ ولا أخلاق وقيّم أدعى للتبليغ من “قيم الخير” وهيّ قيّم تأمر بإتيان المعروف وترك المنكر، حيث يتعامل جميع أفراد الأمة الواحدة إلى التبليغ عن هذه القيّم من خلال التعامل مع الأشخاص المختلفين ومع أفراد الأمم الأخرى في سبيل هذا “العمل التعارفي” بالتعبير الطهائي، والأخير أسمى من “العمل التعاوني”.

من هنا يبني (طه عبد الرحمن) إذن أحقية الاختلاف الفكري ومشروعية الجواب الإسلامي من اختلاف النظر الملكي عن النظر غير الملكي واختلاف العمل التعارفي عن العمل التعاوني غير الإسلامي، وهذه النظرة وهذا التعامل لا يكتملان بالنسبة لطه إلا إذا استوفيا شرطين مهمين؛ وهما شرط ثبوت حصول الفائدة في الارتقاء بالإنسان في مراتب الكمال العقلي ثم شرط ثبوت حصول الفائدة في الإرتقاء بالإنسان في مراتب الكمال السلوكي، والعلاقة علاقة تأسيس فالنظر الملكي ينبغي أن يتأسس على النظر الملكوتي فالأخير هو وحده القادر على حسم كل نظر ملكي مثبتاً له حصول الفائدة من عدمها، ثم إن العمل التعاوني يتأسس على العمل التعارفي على نفس القاعدة في حصول الفائدة، والأمر هنا يتعلق بقاعدة أخلاقية لا تنكرها الفطرة الانسانية.

 إن روح الجواب الإسلامي عن أسئلة هذا الزمان تظهر في حقيقتين اثنتين أولاهما الإيمان الذي يتم التوصل إليه بالنظر في مختلف الآيات أو النظر الملكوتي ثم وجود التخلّق الذي يتم التوصل إليه عن طريق التعامل مع مختلف الأمم والأشخاص أو كما سماه طه بالعمل التعارفي. فما يميّز الجواب الإسلامي إذن باختلافه الفكري هو “النقد الإيماني” ثم “التخلق التعارفي” وهما يتجاوزان النظرة المادية والتعاونية التي اتسمت بهما الكونية الجديدة. وهاتان الحقيقتان تحدّدان للجواب الإسلامي عدة خصائص أهمّها أنه جواب اختلافي واختلافيته ذات طابعين؛ إيماني وأخلاقي، ثم إن إيمانية الجواب الإسلامي تعتبر أشمل إيمانية لأنها تنطلق من الدين الخاتم الذي جمع ما في بقية الأديان من أسرار الإيمان وزاد عليها، وأخلاقيته أكمل أخلاقية انطلاقا من كون خاتم النبيين ما بعث إلا ليتتم مكارم الأخلاق.


مشروع الإستقلال الفكري مستمر..

إن الفلسفة الحق التي يدعو إليها الفكر الطهائي هي التي يرتبط فيها النظر بالعمل أو التي يرتبط فيها العقل بالأخلاق، والنقد الأخلاقي والإيماني هو صلب هذا الفكر، فالخصوصية الإسلامية خصوصية إيمانية وأخلاقية بالدرجة الأولى  لكنها تنبني على نظر كوني وتقوم على الحوارية والتعارف في مقابل للخصوصية الغربية التي تقوم على الإرغام وفقدان المضمون الأخلاقي، وقد اتخذ النقد الأخلاقي والإيماني في مجمل أعمال طه عبد الرحمن عدة أشكال، ففي نقد الحداثة كتب طه كتابين تأسيسيين هما سؤال الأخلاق وروح الحداثة وقدّم تصوّراً اختلافياً يفضي إلى تعدديّة متجاوزاً احتكارية النموذج الغربي الأحادي لها، فالحداثة برأيه دخلت مأزقاً ناتجاً عن إفلاسها القيمي ينبغي إنقاذها منه وهذا الحل ينبغي أن يميّز بين روح الحداثة وتطبيقاتها، فروحها هي مجموعة من المبادئ والقيّم والتي من الممكن أن تشترك فيها عدة مجالات تداولية مختلفة، أما تطبيقاتها فهي تحقيقات هذه المبادئ وتلك تختلف من مجال تداولي لآخر، فروح الحداثة تتميّز بمبادئ ثلاثة: مبدأ الرشد أي الخروج من تبعية الغير ومبدأ النقد ومبدأ الشمول فهذه المبادئ وإن كانت عامة ولها روح واحدة إلا أن تجلياتها خاصة ومتعددة.

أما الأشكال الأخرى لهذا النقد فقد تركّزت على نقد العولمة بصفتها ضرباً من العنف الخفي والجلي تحاول تحويل العالم إلى متجر واحد ثم تحويل البشرية إلى مجموعة مستهلكين، ثم يأتي نقد العلمانية وقد شغلت أساساً كتبه روح الدين، وبؤس الدهرانية، وشرود مابعد الدهرانية ، فالعلمانية بما هي فصل للدين عن السياسة تقع في ثلاثة محاذير: أولها ضيق الأفق، فهي تحصر الوجود الانساني في ما نراه من عوالم بينما الوجود أكثر اتساعاً مما نراه بحسب طه عبد الرحمن، بل أكثر فما لا نراه أكثر مما نراه، ثم هناك محذور المنطق المتناقض الذي تقع عليه، فبالنسبة لطه فكل منهج أو نظام مهما كان هو دين، فالدعوة إلى الخروج عن الدين هي دعوة إلى دين آخر وهذا تناقض بيّن، ثم المحذور الثالث وهو التأله، ففي طريق نزعها للسيّادة من الإله خلقت إلهاً جديداً هو الفرد نفسه. ثم يأتي الشكل الآخر للنقد الطهائي في نقد “الدهرانية” وقد وضع طه هذه الكلمة لتعني الدعوة التي تطالب بفصل الأخلاق عن الدين واهتم كتابه “بؤس الدهرانية” بهذا النقد مبيّنا فساد تصوراته عن علاقة الإنسان بالإله وعن بطلان دعوته لفصل الأخلاق عن الدين حتى لكأن الأولى دين مستقل وهو فصلٌ يؤدي إلى إلغاء الأخلاق نفسها، فأي دعوة للفصل هي دعوة إلى خلق أخلاق جامدة وفانية بلا روح.

تخليق الحداثة في المشروع الطهائي ماهو إلا دعوة صريحة لإقامة فلسفة إسلامية عربية تتخطى فرض تطبيقات الحداثة وأوهام العولمة وتبتعد عن التبعية والتقليد للفكر الغربي وذلك يستدعي رجوعاً للترّاث لا بصفته نصّا مفصولاً عن الهوية ولا مجرّد مدوّنة معرفية متاحة للقراءة والتأويل، بل التراث بصفته مضامين وآليات تسمح بخلق فيلسوف مرتبط بمجاله التداولي، فيلسوف قادر على تجديد الدين بنظرة تكاملية للتراث ونظرة غير تقديسية لتراث الآخر الفلسفي، فيلسوف قادر على تجاوز المبادئ التي قامت عليها روح الحداثة بحيث يكون قادراً على إكمالها وإتمامها ونقلها إلى مستوى أشمل وأكثر تخلقاً وأكثر ارتباطاً بدينه، وكل ذلك لا يمكن أن يتم بغير الانعطافة اللغوية واعتبار اللغة لا مجرد وسيلة تواصل بل آلية قادرة على أن تصل الفيلسوف بكينونته، وما تحمله من إمكانيات قادرٌ على أن يصل بالفيلسوف إلى أسباب النهوض. 


المصادر:

[1]  طه عبد الرحمن، الحوار أُفُقاً للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 2014.

[2]  طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2009.

في جوهر الفنون والفنان، عند الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر

تبرز أهمية (مارتن هايدغر)، الفيلسوف الألماني، بعدد من كتبه، مثل كتاب (مدخل إلى الميتافيزيقيا) في دراسة وتحليل جوهر الأشياء، بما في ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع. أو كتابه الآخر (الكينونة والزمان)، والذي يُعد كتابه الرئيسي -كتبه عام 1927- ويُعتبر باتفاق عام بين الباحثين؛ أعظم تحليل للوجود البشري. وقد ظهر في [الفلسفة الوجودية] على امتداد هذه الحركة كلها. ومن الممكن النظر إلى تركيزه في هذا الكتاب على موضوعات مثل: الهم، القلق، والإثم، والتناهي.
في كتابه الصادر عن منشورات الجمل والذي حمل عنوان (أصل العمل الفني) من ترجمة الأستاذ (أبوالعيد دودو)، والذي يقول في مقدمته:

“الصيغة الأولى لهذا البحث تُشكّل محتوى محاضرة، كنت قد ألقيتها في 13 نوفمبر1935 في الجمعية العلمية الفنية في مدينة فبرايبورغ بمنطقة برايسغاو، وأعيد إلقاءها في شهر يناير1936 في زيورخ بدعوة من الجمعية الطلابية في الجامعة.”

يبتدئ بعد ذلك في تعريفه للأصل، فيقول:

“الأصل يعني؛ هنا، من أين، وبماذا يكون هذا الشيء وما هو؟ وكيف هو؟
هذا هو الذي عليه الشيء، وكيف هو، نسميه جوهره. أصل الشيء هو مرجع جوهره، والسؤال عن أصل العمل الفني سؤال عن مرجع جوهره.
والعمل ينبع وفقًا للتصور العادي من نشاط الفنان وعن طريق نشاطه. ولكن عن طريق أي شيء وكيف يستطيع الفنان أن يكون ما هو عليه؟ إنه يكون كذلك عن طريق العمل الفني؛ وإذا كان العمل الفني يُثني على الفنان، فلذلك يعني أن عمله هو الذي يجعل الفنان يبرز بوصفه الفنان.
الفنان هو أصل العمل الفني، والعمل الفني هو أصل الفنان. لا وجود لأحدهما دون الآخر!
على أنه في الوقت نفسه لا يحمل أحدهما الآخر وحده، الفنان والعمل الفني هما دائمًا في ذاتهما، وفي علاقتهما المتبادلة، موجودان عن طريق ثالث.
هو الأول .. أي ذلك الذي اتخذ منه الفنان والعمل الفني اسميهما، وهو طريق الفن.”

ويتحدث في موضع آخر من كتابه، بأن “السؤال عن أصل العمل الفني، يُصبح سؤالًا عن جوهر الفن!”، ثم يقول بعد ذلك في مطلع حديثه عن الفن:

“أما السؤال عن ما هو الفن؟ فينبغي أن يُستمد من العمل الفني. ونحن لا نستطيع أن نعرف ما هو العمل الفني، إلا من جوهر الفن.”

بقلم: علي زين
تحرير: أحلام العمري

كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. برتراند راسل يشرح نشأة الحركة الليبرالية الغربية

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني. في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، آخرها هو (الفلسفة الحديثة) من ترجمة الأستاذ (محمود الشنيطي)، والذي تحدّث (راسل) عن الحراك الليبرالي، فيقول مستفتحًا:

إن نشأة الليبرالية في السياسة وفي الفلسفة، تزودنا بخامة لدراسة مسألة غاية في العموم والأهمية، وأعني بها: ماذا كان تأثير الملابسات السياسية والاجتماعية في أفكار المفكرين والمبدعين؟ وبالعكس، ماذا كان تأثير هؤلاء الرجال في التطورات السياسية والاجتماعية التالية لهم؟ 

وثمة غلطتان متعارضتان، شائعتان كلتاهما، ينبغي أن نأخذ حذرنا قبلهما. فمن جانب الرجال -الذين هم أكثر إلفًا للكتب منهم إلى الأعمال- خليقون أن يبغالوا في تقدير تأثير الفلاسفة. حين يرون حزبًا سياسيًا ما يعلن أنه قد أُلهم بتعاليم هذا المفكر أو ذاك، فإنهم يظنون أن أفعاله يمكن أن تنسب إلى هذا المفكر أو ذاك، بينما، وليس هذا قليل الحدوث، يهلّل الفيلسوف فقط لأنه يحبذ ما يميل إلى فعله الحزب في أي حالة.

وكتّاب الكتب حتى إلى عهد قريب، يكادون كلهم أن يبغالوا في تأثيرات أسلافهم من أهل صناعتهم. ولكن على العكس من هذا. ثمة غلطة جديدة نشأت كرد ضد الغلطة القديمة، وتتمثل هذه الغلطة الجديدة في اعتبار أصحاب النظريات كنتاجات سلبية إلى حد ما، لظروفهم، ولا يكاد يكون لهم نفوذ بالمرة على مجرى الأحداث، فالأفكار -تبعًا لهذه النظرة- هي الزبد على سطح تيارات عميقة، تحددها علل مادية وتقنية: فالتغيرات الاجتماعية لا تنجم عن الفكر، كما أن تدفق النهر لا ينجم عن فقاعات الزبد التي تكشف اتجاه التدفق للناظر.

ومن جانبي، فأنا أعتقد أن الحقيقة تقع بين هذين الطرفين. فبين الأفكار والحياة العملية، كما هو الشأن في كل مكان، ثمة تفاعل متبادل. والتساؤل عمّا هو علّة وعمّا هو معلول تساؤل غير ذي جدوى شأنه شأن مشكلة الدجاجة والبيضة. وسوف لا أضيع الوقت في مناقشة هذه المسألة في التجريد، وإنما سأنظر نظرة تاريخية في حالة واحدة مهمة من حالات المسألة العامة، أعني بها تطور الليبرالية وفروعها منذ نهاية القرن السابع عشر إلى أيامنا.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن بداية الفكر الليبرالي، فيقول:

كانت الليبرالية المبكرة نتاجًا لإنجلترا وهولندا. وكانت لها خصائص معيّنة تتميز بها تميّزًا جيدًا. وكانت تقف مناضلة من أجل التسامح الديني، وكانت ليبرالية بروتستانتية، ولكن من النوع المتحرر أكثر منها من النوع المتعصب، وكانت تعتبر حروب الدين حروبًا سخيفة.

وكانت تقدّر التجارة والصناعة، وتحبذ نشأة طبقة وسطى بدلًا من تحبيذها للملكية والأرستقراطية، وكانت تكنّ احترامًا كبيرًا لحقوق الملكية، وبخاصة إذا كانت هذه الملكية قد جمعت بكدّ مالك فرد، ومع أن مبدأ الوراثة لم يكن مرفوضًا إلا أنه كان مقيدًا في دائرة أشد إحكامًا من التي كان فيها من قبل. وقد رفض بوجه عام الحق الإلهي للملوك في صالح الرأي القائل بأن لكل جماعة حقًا أوليًا على أي حال في اختيار شكل حكومتها.

وقد كان ميل الليبرالية المبكرة متجهًا ضمنًا نحو ديموقراطية تلطّفها حقوق الملكية. وكان ثمة اعتقاد -ليس صريحًا تمامًا في البدية- بأن كل الناس يولدون متساوين، وأن انعدام المساواة بينهم الذي يعقب ذلك ينتج عن الظروف. وقد أفضى هذا إلى تأكيد عظيم على أهمية التربية كمقابلة للخصائص الفطرية.

وكان ثمة تحامل على الحكومة، لأن الحكومات كانت تقريبًا في كل مكان في أيدي الملوك أو الأرستقراطيين الذي كان يندر أن يفهموا حاجات التجار أو يحترموها. بيد أن هذا التحامل قد كبح جماحة الأمل بأن فهمًا واحترامًا ضروريين قد يكتسبان قبل مضي زمن طويل.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن النمط العام للحركات الليبرالية منذ القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، فيقول في موضع آخر:

[…] وهذا النمط بسيط في البداية، ولكنه يغدو بالتدريج أكثر فأكثر تعقيدًا. والطابع المميز للحركة كلها هو، بمعنى واسع بعض السعة، النزعة الفردية. بيد أن هذا مصطلح مبهم حتى يعرف تعريفًا أوضح. ففلاسفة اليونان منذ (أرسطو)، لم يكونوا فرديين بالمعنى الذي أبغي أن أستخدم فيه الكلمة. فقد نظروا إلى الإنسان كعضو بصفة جوهرية في جماعة.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

[…] وأول نقض مهم لهذا النسق أقدمت عليه البروتستانيتة، التي جزمت بأن المجالس العامة قد تخطئ، فتحديد الحقيقة لم يعد على ذلك مهمة اجتماعية بل مهمة فردية. وما دام أفراد مختلفون وصلوا إلى نتائج مختلفة، فالنتيجة نزاع، ولم تعد القرارات تلتمس عند جمعيات الأساقفة، بل في ساحة المعركة، وما دام لم يكن في وسع أحد الفريقين أن يمحو الآخر، فقد غدا واضحًا، في النهاية، أن من الواجب إيجاد طريقة للتوفيق بين النزعة الفردية العقلية والأخلاقية وبين الحياة الاجتماعية المنتظمة. وقد كانت هذه إحدى المشكلات الرئيسية التي حاولت الليبرالية المبكرة أن تحلّها.

وفي غضون ذلك نفذت الليبرالية إلى الفلسفة. فقد جعل يقين (ديكارت) الأساسي: “أنا أفكر، وإذًا أنا موجود”، أساس المعدفة مختلفة عند كل شخص، ما دامت نقطة البداية عند كل شخص هي وجوده الخاص، لا وجود الأفراد الآخرين أو الجماعة. ويتجه تأكيده على التعويل على الوضوح والتميز الاتجاه نفسه، ما دمنا نظن أننا بالاستبطان نكتشف ما إذا كانت أفكارنا واضحة ومتميزة. ومعظم الفلسفة منذ (ديكارت) كان لها فكريًا هذا الجانب الفردي بدرجة أكبر أو أقل.

بعد الحديث عن مفهوم الفردية في الفلسفة الليبرالية، ينتقل (راسل) إلى نقطة أخرى، فيقول:

لقد كانت الليبرالية المبكرة فردية في الأمور العقلية، وكذلك في الاقتصاد، ولكنها لم تكن تفرض ذاتها في الجانب الانفعالي أو الأخلاقي. هذا الشكل من الليبرالية ساد إنجلترا في القرن الثامن عشر، وسيطر على مؤسسي الدستور الأمريكي، وعلى الموسوعيين الفرنسيين. […] وكان أعظم نجاح لها في أمريكا، حيث ظلّت، دون أن يعوقها الإقطاع ولا دولة الكنيسة، سائدة من سنة 1776 حتى أيامنا، أو على أي حال، حتى سنة 1933.

ينتقل بعد ذلك إلى ذكر عدد من الفلسفات الفرعية لليبرالية، فيقول:

وثمة حركة جديدة تطورت تدريجيًا في ما هو نقيض الليبرالية، تبدأ مع (روسو) وتكتسب قوة من الحركة الرومانسية ومن مبدأ القومية. وفي هذه الحركة امتدّت الفوضوية للبيرالية وجوها صريحة وواضحة، ونموج هذه الفلسفة، عبادة البطل كما طورها (كارلايل) و(نيتشه).

وقد اجتمعت فيها عناصر متعددة. فكان هناك كره النزعة الصناعية الأولى، ومقت القبح الذي ينشأ عنها، والاشمئزاز من شرورها. وكان ثمة حنين للعصور الوسطى التي أحيطت بهالة مثالية بسبب مقت العالم الحديث.

وكانت هناك محاولة للجمع بين الإشادة بامتيازات الكنيسة والأرستقراطية الخابية، وبين الدفاع عن الإجراء ضد استبداد أصحاب المصانع. وكان ثمة تأييد متحمس لحق الثورة باسم النزعة القومية، ولروعة الحروب دفاعًا عن “الحرية”. وكان (بايرون) شاعر هذه الحركة، وكان (فيتشه) و(كارلاليل) و(نيتشه) فلاسفتها.

ولكن ما دمنا لا نستطيع جميعًا أن تكون لنا سيرة القادة الأبطال، ولا نستطيع أن نجعل إرادتنا الفردية تسود، فإن هذه الفلسفة مثل جميع أشكال النزعة الفوضوية الأخرى، تقود لا محالة، حين اختيارها، إلى الحكومة المستبدة لأنجح “بطل”، وحين يرسخ استبداده يقضي في الآخرين على أخلاق فرض الذات، التي ارتفع بها إلى السلطة. هذه النظرية الشاملة للحياة، هم من ثم، تدحض ذاتها، بمعنى أن اختيارها في العمل يؤدي إلى تحقيق شيء مختلف تمامًا؛ دولة ديكتاتورية يكظم فيها الفرد كظمًا صارمًا.

ولا تزال هناك فلسفة أخرى، هي في الصميم، فرع من الليبرالية، أعني بها فلسفة (ماركس). وسأنظر فيها في ما بعد، على أن يحفظ منذ الآن في الذهن.

حديث (جون لوك) عن أهمية التفكير وتحصيل المعرفة

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في ختام كتابه، التي حمل عنوان (الفهم البشري)، يقول (لوك) في فصل حمل عنوان “على الناس أن يفكّروا ويحصّلوا المعرفة بأنفسهم” عن التفكّر المستقل في الحقيقة ومنابعها: 

أي انتقاد حين نشك بمبادئ فطرية كهذه، يمكن أن ينصب علينا من الناس الذين نجدهم ميالين لأن يدعوا ذلك بأنه إلغاء للأسس القديمة للمعرفة واليقين، أمر لا يمكن أن أتكلم عنه، فقد أقنعت نفسي، على الأقل، بأن الطريق الذي أتبعه ، لكونه مريحًا وممثلًا للحقيقة، يجعل تلك الأسس أرسخ. كما أنني على يقين من أنني لم أجعل شغلي أن أتبرأ من أية مرجعية أو أتبعها، مؤثرًا العمل بالقول التالي: الحقيقة هي هدفي الوحيد، وحيثما يؤدي بي ذلك، فإن تفكيري سيتبعه من دون تحيز، ومن دون تفكير فيما إذا كان على ذلك الطريق آثار أقدام أخرى أم لا. ذلك لا يعني أنه ينقصني الاحترام الذي تستحقه آراء الناس الآخرين، بل، بالحقيقة، أنا أكنّ أشد الاحترام للحقيقة، وأرجو ألا يظن أحد بأنه نوع من الغطرسة أن أقول إننا، ربما، كنا سنحقق تقدمًا أكبر بكثير في مجال اكتشاف المعرفة التأملية والعقلانية، لو بحثنا عنها في منابعها، في نظرنا للأشياء بذاتها، واستخدمنا تفكيرنا الخاص من تفكير الآخرين لكي نجدها. 

يقول (لوك) بعد ذلك في فصل آخر، حمل عنوان “من أين أتى الرأي بالمبادئ الفطرية”:

حين وجد الناس بعض المقولات العامة التي لا يمكن الشك فيها حالما تُفهم، صار الطريق، كما أعلم، قصيرًا وسهلًا لاستخلاص أنها فطرية. وما إن تم قبول هذا مرة، حتى سهّل الطريق أمام الكسالى وأراحهم من عناء البحث والاستقصاء في كل ما يتعلق بما تم اعتباره ذات مرة فطريًا. ذلك لم يكن بذي فائدة ضئيلة بالنسبة لأولئك الذين عملوا لأن يكونوا أساتذة ومعلمين، وأن يجعلوا هذا مبدأ المبادئ “المبدأ يجب ألا يكون موضع تساؤل”، ولأنهم رسخوا هذا المعتقد ذات مرة، بأن هناك مبادئ فطرية، فقد جعل ذلك أتباعهم مضطرين لأن يتلقوا عقائدهم بعينها كما هي، وهو ما ابتعد بهم كثيرًا عن استخدام عقولهم وملكة الحكم لديهم، كما جعلهم يؤمنون بها ويأخذونها على الثقة من دون مزيد من التفحص، ذلك هو وضع الثقة العمياء الذي يمكن فيه أن يتم التحكم بهم بسهولة أكثر، وكذلك الاستفادة منهم لدى نوع من الناس، لديهم المهارة والكفاءة لأن يطبعوهم بمبادئهم ويقودوهم.

ما الذي يميّز الإنسان المتمدن عن غيره؟ (برتراند راسل) يجيب

برتراند راسل (1872-1970) فيلسوف وعالم منطق ورياضي وأيضاً هو مؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني.

في سلسلة كتبه (تاريخ الفلسفة الغربية)، والمكوّنة من ثلاث أجزاء، أولها هو (الفلسفة القديمة) من ترجمة الأستاذ (زكي نجيب محمود)، والذي تحدّث (راسل) عن الفروقات الأساسية التي صنعتها المدنية الأولى في سيكلوجية الإنسان، فيقول:

إن الإنسان المتمدن يتميز من الهمجي بسداد الرأي قبل كل شيء، أو إذا شئت لفظة أشمل قليلًا من تلك، فقل إنه يتميز ببعد النظر، الذي يتنبأ بما سيقع قبل وقوعه، فتراه لا يأبى احتمال الألم الراهن من أجل لذة مستقبله، حتى وإن كانت تلك اللذة المقبلة بعيدة الوقوع.

يتحدث بعد ذلك (راسل) عن هذا التغيّر المهم في تكوين الإنسان، فيقول:

وقد أخذت تظهر أهمية هذه العادة حين بدأت الزراعة، فليس هناك حيوان ولا إنسان من الهمج يعمل في الربيع لكي يدّخر طعامً للشتاء، اللهم إلا قليلًا من الحالات الغريزية الخالصة، كالنحل يصنع العسل، والسنجاب يدفن البندق تحت الثرى؛ وليس ثمة بُعد نظر في هذه الحالات، بل هناك دافع مباشر يدفع الحيوان إلى فعلٍ لا يعلم عن نفعه في المستقبل إلا الإنسان المتفرج؛ إن بُعد النظر الحقيقي هو الذي يقع حين يفعل الإنسان فعلًا لا يدفعه إلى فعله دافع طبيعي، بل يفعله لأن عقله يهديه إلى أنه سينتفع بهذا الفعل في تاريخ مقبل؛ ولا يحتاج الصيد إلى بُعد نظر لأنه لذيذ، أما حرث الأرض فعمل شاق ويستحيل فعله بدافع فطري باطني.

هذا التغير الأساسي في سيكلوجية الإنسان، نتج عنه عدد من الأطر والحدود التي تواطأ عليها الإنسان المتمدن. فيقول (راسل):

والمدنية من شأنها أن تلجم الدافع الفطري؛ وليس وسليتها في ذلك بُعد النظر فحسب، الذي هو من فرض الإنسان على نفسه، بل إن من وسائلها أيضًا في كبح الدوافع الفطرية، القانون والعادات والدين؛ وهي تَرِث هذا الكباح من عصر الهمجية، لكنها تخفف الجانب الغريزي فيه وتجعله أكثر اتساقًا في أجزائه بحيث لا ينقض بعضها بعضًا؛ فترى بعض الأفعال قد وُصفت بأنها إجرام وخُصص لها العقاب، وبعضها لا يعاقب عليه القانون، لكنه يوصف مع ذلك بالشر، والذين يفعلون مثل هذه الأفعال يتعرضون لسخط الناس.

ثم يختتم (راسل) هذا الجزء من كتابه، فيقول:

أما في نطاق الفكر، فالمدنية الرصينة هي والعلم اسمان على مسمى واحد على وجه التقريب؛ لكن العلم الخالص وحده لا يُقنع، فالناس بحاجة إلى العاطفة والفن والدين؛ ولئن جاز للعلم أن يصنع الحدود للمعرفة، فلا يجوز أن يضع أمثال هذه الحدود للخيال.

الإخفاقات الثلاثة للتفكير، كما يذكرها (جون لوك)

جون لوك (1632 – 1704) هو فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي. ولد في رنجتون في إقليم سومرست وتعلم في مدرسة وستمنستر، ثم في كلية كنيسة المسيح في جامعة أوكسفورد، حيث انتخب طالباً مدى الحياة، لكن هذا اللقب سحب منه في عام 1684 بأمر من الملك. وبسبب كراهيته لعدم التسامح البيورتياني عند اللاهوتيين في هذه الكلية، لم ينخرط في سلك رجال الدين. وبدلاً من ذلك أخذ في دراسة الطب ومارس التجريب العلمي، حتى عرف باسم (دكتور لوك).

يُعتبر (لوك) اليوم أحد رؤوس ومؤسسي الفلسفة الليبرالية المعاصرة. وفي كتاب جمع (الأعمال الفلسفية الكاملة)، نقله إلى العربية الأستاذ (عبدالكريم ناصيف)، يقول (لوك) في مقدمة مقالته، التي حملت عنوان (في مسلك الفهم): 

الملاذ الأخير الذي يلوذ به الإنسان، في سلوكه ذاته، إنما هو فهمه. إذ رغم أننا نميز ملكات العقل، ونعطي المركز الأعلى للإرادة، كما نعطيه للوكيل المفوض، إلا أن الحقيقة هي أن الإنسان الذي يعد هو الوكيل، يقرر بنفسه هذا العمل أو ذاك بشكل طوعي، بناءً على معرفة سابقة ما، أو مظهر من مظاهر المعرفة في الفهم.

يبتدئ بعد ذلك (لوك) أحد أجزاء مقالته، والتي حملت عنوان “التفكير”، بافتتاحية بسيطة عن إخفاقات الناس في التفكير، فيقول:

إضافة إلى الحاجة للأفكار المبتوت بها، وإلى الحكمة والممارسة لدى اكتشاف الأفكار الوسيطة وترتيبها، هناك ثلاثة إخفاقات يقع فيها الناس، فيما يتعلق بتفكيرهم، حيث إن هذه الملكة تعاق لديهم وتُمنع من تقديم الخدمة التي يمكن أن تقدمها، والتي صُممت من أجل تقديمها. ثم من يفكر بأعمال وأقوال البشر سيجد نقائص غالية جدًا وملحوظة جدًا من هذا النوع.

بعد ذلك، يبدأ (لوك) بسرد هذه النقائص والإخفاقات، فيقول عن اختيار التبعية، كأولى النقائص:

أولى هذه النقائص أن هناك أناسًا لا يفكرون بالمطلق، بل يعملون ويتبعون نموذج الآخرين، سواء أكان هؤلاء آباءهم، أو جيرانهم، أو رجال دينهم أو أي أشخاص آخرين يختارونهم لإيمانهم الضمني بهم، وبذلك يوفرون على أنفسهم مشقة التفكير وإزعاجات التمعن العميق بأنفسهم.

يتطرق بعد ذلك (لوك) إلى ثاني النقائص، فيقول:

النوع الثاني هو أولئك الذين يضعون العاطفة موضع العقل، ويصممون على أن يحكموا بذلك على أفعالهم وحججهم، من دون أن يستخدموا عقولهم، ولا يستمعون لعقول الناس الآخرين، أكثر مما يناسب مزاجهم، ومصلحتهم أو جماعتهم، ومن الممكن أن يلاحظ المرء عمومًا أن هؤلاء يرضون بكلام ليس فيه أفكار مميزة بالنسبة لهم، رغم أنهم في قضايا أخرى، يطرقونها بحيادية لا تحيز فيها، كما لا تعوذهم القدرات على الكلام وسماع العقل، حيث لا تكون لديهم نية ضمنية تعيقهم عن تتبع طريقها.

أما آخر النقائص، ، فيقول (لوك):

النوع الثالث هو أولئك الذين يتبعون العقل بكل جاهزية وإخلاص، لكن لحاجتهم لذلك الذي يمكن أن ندعوه حسًا واسعًا، سليمًا كامل الدائرة، لا تكون لديهم نظرة كاملة لكل ما يتعلق بالمسألة، ويمكن بالتالي أن يتخذوا قراراتهم بلحظة. إننا جميعًا قصار النظر، وغالبًا جدًا لا نرى إلا جانبًا واحدًا من المسألة، كما تقصّر نظرتنا عن الإحاطة بكل ما يتعلق بها. هذا العيب لا يخلو منه إنسان على ما أعتقد، فنحن جميعًا نرى الأمور جزئيًا كما نعرف جزئيًا، لذلك لا عجب أن لا نستنتج الصحيح من نظرتنا الجزئية.

كما يقول (لوك) أيضًا في أحد أجزاء مقالته، بعدما قام بسرد جميع النقائص:

فملكة التفكير نادرًا ما تخدع، أو لا تخدع البتة أولئك الذين يثقون بها، كما أن نتائجها، مما تتبني عليه، تكون واضحة وأكيدة، لكن ذلك الذي يضللنا في الأغلب هو أن المبادئ التي نستخلص منها الأسس التي نبني عليها تفكيرنا، تكون جزئية، لذلك تهمل شيئًا ما خلفها لا يدخل في حساباتنا، لكي نتخذ القرار الصحيح بالضبط.

حديث (إيريك فروم) عن الحياة الامتلاكية والحياة الوجودية

إريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية.

كتب (فروم) عددًا من الكتب، كان من أواخرها كتاب (الامتلاك أو الوجود؛ الأسس النفسية لمحتمع جديد)، من ترجمة الأستاذ (حميد لشهب)، والذي كتب فيه عن أسلوبين للحياة؛ هما أسلوب الحياة الامتلاكية، وأسلوب الحياة الوجودية. يقول في أحد أجزاء الكتاب عن الحاجة إلى الامتلاك:

إن عدم القيام بأي خطوة للأمام، والبقاء حيث يوجد المرء، باختصار الاعتماد على ما يمتلكه المرء هو غرور؛ ذلك أن المرء يعرف ما يملكه ويشعر بالأمان في الشعور بهذه المعرفة ويمكنه التشبث بها. نخاف القيام بخطوة في المجهول، في غير الآمن، ولهذا السبب فإننا نتجنبه، وحتى وإن كانت الخطوة التي علينا القيام بها غير خطيرة، بعد القيام بها، فإنها تظهر لنا كما تظهر لنا عواقبها قبل القيام بها خطيرة وتعبة. فالقديم هو وحده الذي يكون آمنًا أو على الأقل يظهر هكذا. فكل خطوة جديدة تخبئ خطر الإخفاق، ويُعدّ هذا من أسباب خوف الإنسان من الحرية.

ويتابع بعد ذلك:

على الرغم من الأمن المضمون عن طريق الامتلاك فإننا نعجب بالناس الذين لهم رؤية لما هو جديد ويُعبِّدون طرقًا جديدة ولهم الشجاعة للسير قُدمًا. ويجسد البطل في الميثولوجيا نمط الحياة هذا. فالبطل هو الإنسان الذي تكون له الشجاعة على مغادرة ما عنده – وطنه، عائلته، ممتلكاته – والهجرة إلى الخارج، ليس من دون خوف، بل من دون الخضوع إلى هذا الخارج.

[…] نُعجب بهؤلاء الأبطال، لأننا نشعر في قرارة أنفسنا بأنه يجب أن يكون طريقهم طريقنا – لو كان بإمكاننا المشي عليه. ولكن بما أننا نخاف فإننا نعتقد بأننا لا نستطيع القيام بهذا وبأن الوحيد الذي يمكنه الإقدام عليه هو البطل. وهكذا يصبح البطل مثالًا نقتديه، نُصعد عليه كفاءاتنا للتقدم إلى الأمام، لكننا نبقى نحن في الواقع لأننا لسنا أبطالًا.

ويصف بعد ذلك معيارًا للحياة الامتلاكية، فيقول:

يمكن للمرء أن يقرأ رد الفعل في وجوه الناس في بعض الأحيان. […] غالبًا ما يمكن ملاحظة البهجة من دون الرغبة في الامتلاك في السلوك تجاه الأطفال الصغار. أعتقد أن الأمر يتعلق هنا كذلك بجزء وافر من خداع الذات، بحيث إننا نرى أنفسنا في دور صديق للطفل. وعلى الرغم من هذا الشك، فإنني أعتقد أن رد الفعل العفوي والحقيقي تجاه الأطفال يوجد بما فيه الكفاية. قد يكون سبب هذا هو أن غالبية الناس لا تخاف من الأطفال، بالمقارنة بالشباب والراشدين. وغياب هذا الخوف هو الذي يسمح لنا بأن نحب ما لا يمكننا أن نحبه إذا كان الخوف أمامنا.

[…] يمكن القول بصفة عامة بأن العلاقة بين البشر، عندما تكون محكومة بتوجه امتلاكي، تكون مطبوعة بالمنافسة والتضاد والخوف. ويكمن عنصر التضاد في مثل هذه العلاقة في خاصية الامتلاك نفسه؛ عندما يكون الامتلاك أساسًا شعوريًا بهويتي، “لأنني أمتلك”، فإن الرغبة في المزيد من الامتلاك هي التي تقود المرء.

ويتابع قائلًا:

لا نجد هذه الأهمية الكبيرة للامتلاك، الملكية الخاصة، في نمط الحياة الوجودية، فلا أحتاج امتلاك شيء ما لكي أتمتع به أو أستعمله. يمكن لأكثر من شخص، بل لملايين الناس، في الواقع، الفرحة باستعمال شيء، ولا يكون من الضروري امتلاك هذا الشيء من طرف شخص واحد، للتمتع به. ولا يُجنب هذا الأمر الفعلي الخصام، لكنه يُمكن من تقاسم أعمق مُعاش إنساني للسعادة، يعني تقاسم فرحة ما.

وأخيرًا يبدأ في وصف أسلوب الحياة الوجودي، فيقول:

يتميز النشاط الوجودي بشروط أساسية وهي الاستقلال والحرية وحضور العقل النقدي. أما سمته الأساسية فتتمثل في النشاط / الحيوية، والإيجابية والفعل، لا بمعنى النشاط الظاهري / الخارجي، أي الانشغال بشخص أو شيء ما، بل المقصود هو النشاط الداخلي، يعني الاستعمال المثمر للطاقة الإنسانية. أن يكون الإنسان نشيطًا يعني التعبير عن الملكات والقدرات والمواهب الذاتية، يتمتع كل كائن بشري بقدر منها، حتى وإن اختفت مقاديره. ويعني نشاط الإنسان العثور على ذاته والنمو والتطور والتدفق والحب وتجاوز حدود سجن الذات المعزولة لذاتها وبذاتها والشغف بما يشتغل عليه ومن أجله ويحسن الإصغاء للذات وللآخرين ويكون معطاء مع نفسه ومع الآخرين.

قوة الفرح؛ في أن تتوافق مع نفسك ومع العالم

من لا يرغب في الفرح؟ القوة التي تهزنا والانفعال الذي يمدنا بالحيوية لتذوق الوجود.

في كتابه (قوة الفرح) يحاول الفيلسوف الفرنسي (فريدريك لونوار) أن يفسر هذا الشعور. ويتحدث عن مسارين مهمين لبلوغه: طريق يقطعه المرء نحو ذاته، وطريق يتجه صوب الآخر. على المرء أن يهيء نفسه لتلقي الفرح بالانتباه والحضور، وبالثقة والعطاء والتواصل مع العالم بطريقة صحيحة.

تشغلنا في الأغلب آلاف الهموم وهكذا يختنق ذهننا ولا نعود منتبهين بحال من الأحوال لحياتنا.

[…] وهكذا لو كنا ننظر إلى منظر طبيعي بديع ونحن نفكر في نموذج التأمين الاجتماعي الذي لم نملأه بعد، فليس ثمة فرصة كبيرة ليصادفنا الفرح.

وعن الحضور يقول أنه مرحلة تأتي بعد الانتباه، بحيث يشمل وجودنا كله:

الكثير من الناس يعيشون بقلوب مصفحة، أو يحيطونها بغشاء يحميها من المعاناة لكنه قد يعيق وصول الفرح والمشاعر العميقة إليهم.الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

الحضور ليس حسيا فقط. هو ليس تلقيا عاديا لكنه استقبال سخي للواقع والعالم، والآخر. لأننا نعلم أن من شأن هذا أن يثرينا داخليا وربما يسبب لنا الفرح. وأيضا لأن بوسعنا أن نمنحهم شيئا بالمقابل، تجربة أو فرحا ما. ليس كم الأشياء التي ننجزها ولكن نوعية الحضور الذي نضعه في كل فعل من أفعالنا هو مايضفي قيمة على الحياة.

لكي ينفتح قلبك لابد أن تثق بالحياة.

[…] إن الفرح لا ينمو في الظلام، لكنه ينتشر في نور الصباح.

نعيش رهن عالم متسارع مليء بالخيارات لكننا مقيدين بضيق الوقت وكثرة المشاغل، فنميل دائما لكل مايعود علينا بالنفع.

لكي يتفتح الفرح لا يتعين البقاء رهن هذا البعد النفعي الموجود باستمرار والذي يحول بيننا وبين الانفتاح ويحول دون حضورنا الدائم. يأتي الفرح في الغالب في أوقات لا نتوقعها، ولانتوقع أن نجني منه شيئا.

المسار الثاني للفرح هو مسار حب ومشاركة وخلق الروابط الصحيحة والحقيقية. حيث يوضح:

يختار الأصدقاء والرفقاء الحقيقيون بعضهم بعضا. وهذه العلاقة ليست محتومة أو مفروضة، لكنها تتطلب خيارا ولابد من رعايتها كي تزدهر.

[…] الحب الحقيقي لا يقيّد بل يحرر. ولا يخنق الآخر بل يعلمه أن يتنفس على نحو أفضل. يعلم أن الآخر لا ينتمي اليه لكن يمنح نفسه له بحريته.

روسو: أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر!

جان جاك روسو (1712-1778) هو كاتب وأديب وفيلسوف من سويسرا، يعد من أهم كتّاب عصر التنوير في القرن الثامن عشر. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب، وألهمت أجيالًا من الإصلاحيين لإحداث تغييرات في النظم السياسية لبلدانهم. 

في كتابه (عقيدة قس جبال السافوا) أو (دين الفطرة)، تحدث بصيغة خطاب “يلقيه قس من جبال السافوا على مسامع شاب فقد الإيمان وكاد يتحول إلى صعلوك زنديق بسبب المآسي التي عاشها“.

عرض (روسو) في كتابه “ثنائية الخير والشر”، وكيف أن من طبيعة الإنسان أن يكون في حالة تذبذب بين عنصرين مختلفين “الخير والشر“، فهو إما مقيدٌ بأغلال الشهوات، أو حرٌ طليق بانجذابه لصوت الضمير:

أتأمل طبيعة الإنسان أنه ينطوي على عنصرين مختلفين. أحدهما يجذبه نحو الحقائق الأزلية، يدعوه إلى حب العدل والفضيلة، إلى اقتحام العالم العلوي الذي يبهج قلب الحكيم، والثاني يربطه بذاته السفلى، يجعله أسير حواسّه، مطاوعًا لأدواتها، أي الشهوات، معاكسًا بذلك كل مايلهمه العنصر الأول.
كنت أقول في نفسي وأنا أشعر بتجاذب وتصارع هاتين الحركتين المتعاكستين: لا وحدة في الإنسان، أريد ولا أريد، أشعر في آن أني حرّ وأني مقيّد، أرى الخير، أحبّه ثم أفعل الشرّ، متحمس نشيط عندما أنصت للعقل، متخاذل ضعيف عندما انصاع للشهوة. وما يحزّ في قلبي عند الانزلاق هو أني أعلم أني كنت قادرًا على الصمود.

يذكر (روسو) الحكمة الإلهية في أن يكون للإنسان حرية الإختيار بين طريق الشر أو الخير بكامل إرادته:

من يتذمر من أن الرب لايثني الإنسان عن فعل الشر يعترض في الواقع على أنه حاباه بطبيعة ممتازة وأضفى على أفعاله صفة الأخلاق التي تزيدها شرفًا وتكريمًا، إذ بها ندبه إلى التحلّي بالفضيلة. وضعنا فوق هذه الأرض أحرارًا لنختار، وبلانا بالشهوات ليمتحننا ووهبنا الضمير لنقاومها.
ولأن منع الشر لايتم إلا بنفي حرية الشر وهو شر أكبر إذ يطعن في قيمة الإنسان الذي أوجده الرب لا ليفعل الشر بل ليُقبل على الخير مختارًا.

وعن أصل الشر يقول (روسو):

أيها الإنسان لا تبحث عن أصل الشر، فاعله أنت لا أحد سواك. لا شر في الكون إلا ما تفعل أو ما تتحمل، هذا وذاك صادر عنك. شر عام ينشأ حتمًا عن فوضى شاملة، ولا أرى في الكون سوى النظام. شر خاص هو الذي يشعر به كائن يتألم، وهذا شعور لم يتسلمه الإنسان من الطبيعة، بل جرّه الإنسان على نفسه.
من يدّعي أنه ارتكب الجريمة مُكرهًا كذاب بقدر ماهو شرير. هلا رأى أن الضعف الذي يشكو منه متأصل فيه، أن مبدأ السوء من الجسد الفاني الذي هو مصدرها.

يتساءل (روسو) بعد ذلك” كيف تتوقف نفوسنا عن مواصلة الشر؟ ويجيب:

حيثما تتوقف حاجاتنا الزائلة، حيثما تختفي تطلعاتنا السخيفة، تضمحلّ فينا الشهوات، وتنعدم الجرائم.
النفوس الزكية هل يحتمل أن يلحقها انحراف من أي نوع كان؟ لا ينقصها شيء، فلماذا ترتكب الشر ؟ بعد أن تُجرد النفس من الحواس الخسيسة، وتعود سعادتها تتلخص في تأمل الكائنات، لم تعد تتطلع إلا للخير.
حتى أحقق الغاية من إيجادي على الأرض تماشيًا مع مشيئة من أسكنني فيها. أستشير قلبي في كل نازلة: ما استشعرته خيرًا فهو خير و مابدا لي شرًا فهو شر. أصدق دليلٍ  هو الضمير. الضمير هو صوت الروح والشهوة صوت الجسد. أي عجب أن يتعارض الاثنان؟ إلى أيهما يجب أن نصغي؟ كثيرًا ما يخدعنا العقل، فوجب الاحتراز منه، أما الضمير فلا يخدع أبدًا. هو الدليل الأمين. مقامه من النفس مقام الغريزة من الجسد. من يستنير به يطيع الطبيعة، ولا يخاف أبدًا أن يتيه.

الخير غريزة فطرية في ذات الإنسان، تغريه ولا شيء يحجب ضميره عنها، غير أنه يحتاج إلى جهد لتذوق حلاوتها:

هل تعتقد أنه يوجد في الدنيا فرد فاسد الخلق إلى حدّ أنه لم يغرِه قط فعل الخير؟ هذا الإغراء فطري حلو إلى درجة أن لا أحد يصمد له في كل مناسبة، واللذة التي يخلفها في النفس فعل الخير تكفي للإغراء به مرة بعد أخرى.
الصعوبة كلها في الاستجابة له أول مرة. هناك ألف عارض يمنع من الإصغاء لنداء القلب. حذرٌ خادع يحصر مفهوم الخير في نطاق الذات فيلزم القيام بألف جهد شاق لتجاوز هذا الحاجز. متعةُ الإحسان في إتيانه. لا يتذوقها إلا المحسن بعد أن يكون يستحقها. لا شيء أحبّ إلى النفس من الفضيلة، لكن لا يحبها إلا من تحلّى بها.

لنلق نظرة على شعوب الأرض ولنتصفح أخبارهم.
كم مختلفة شعائرهم الدينية! بعضها وحشي صادم. كم متباينة أعرافهم وعاداتهم! رغم هذا نجد عند الجميع وفي كل مكان، المفاهيم نفسها عن العدل والمرؤة، التعريف نفسه للخير والشر.