أرشيف الوسم: الفلسفة

الفرق بين الجوهر والتاريخ عند زكي نجيب

زكي نجيب محمود

يعد (زكي نجيب محمود) واحدًا من أبرز الفلاسفة في القرن الماضي، ويعد مؤسس الفلسفة الوضعية في عالمنا العربي.

والفلسفة الوضعية المنطقية التي تبناها (زكي نجيب)، ترتبط كثيرًا بشكل أو بآخر بالمذهب الوضعي في نظرية المعرفة والذي برز على يدي (أوغست كاونت). وقد تعرضت هذه الفلسفة لحملات مضادة كثيرة كانت سببًا في تعميتها ونقل أفكار مغلوطة عنها، بعيدًا عن الموضوعية. وانطلاقًا من فلسفته، وفي كتابه (نافذة على فلسفة العصر)، يبيّن (زكي نجيب) رأيه في مسألة يمكن عدها – وبحق – عماد الفكر الفلسفي المتعلق بنظرة الإنسان للوجود بشكل عام وللطبيعة بشكل خاص، ألا وهي مسألة ماهية الأشياء منطلقًا من الذرة، فيقول:

لم يكن تحليل الأشياء إلى ذرات يتألف منها بالفكرة الجديدة التي جاء عصرنا ليستحدثها من العدم.. لكن الجديد فيما استحدثه عصرنا هو بناء الذرة كيف يكون.

إن صورة الذرة بعد أن كانت – عند الأقدمين – أولية بسيطة صلبة، أصبحت عند عصرنا كيانًا مخلخلًا، يتشابه تكوينها مع تكوين المجموعة الشمسية مثلًا.. مما نستطيع مراجعته مبسطًا في كثير مما ينشر عن تبسيط العلم في الكتب والمجلات.

وعن علاقة الذرة بالنظرة الفلسفية يجيبنا قائلًا:

ولو كان قارئنا ممن ألموا بشيء من الدراسات الفلسفية – قليل أو كثير – لأدرك من فوره أن أهم فارق يميز هاتين الصورتين للذرة، هو أن الذرة في صورتها القديمة كانت “جوهرًا” بلغة الفلاسفة، وأما في صورتها الجديدة فهي “تاريخ“.

وبين هاتين الفكرتين يكمن الفرق العميق بين فكر قديم وفكر جديد.

وفي معرض بيانه لمعنى الجوهر –وهو ما دارت عليه رحى الفلسفة القديمة– يقول:

هو – أي الجوهر – من أي كائن ما يستحيل إزالته؛ لأنه بزواله يزول الكائن، أي أنه مهما تغير الكائن حجمًا ولونًا وشكلًا، ففيه عنصر ذو دوام، هو الذي يعطي الكائن هويته منذ لحظة وجوده وإلى لحظة فنائه.

خذ مثلًا  فردًا من الناس تعرفه وانظر، تجده متغيرًا أبدًا لا يستقر على حالة واحدة لحظتين، فقد كان رضيعًا ثم أخذ يتغير ناميًا، حتى بلغ ما بلغ. لكنه مع هذا التغير الذي لم يجمد دقيقة واحدة، كانت له “هوية” واحدة عرف بها وما يزال معروفًا.

فدوام هذه الهوية لهذا الإنسان كان على أساس ما نزعمه لأنفسنا في تكوينه، وهي أن مجموعة الظواهر امتغيرة فيه ليست هي حقيقته كلها، وإنما حقيقته هي “جوهره” وهو الذي تطرأ عليه التغيرات، حتى لقد قيل: إنه بغير افتراض ذلك الجوهر، لما أمكن أن يكون للتغير نفسه معنى.

وبعد عرضه لفكرة الجوهر وتمثيلها بأكثر من مثال، ينتقل للتصور الذي يراه أليق وأنسب لحقائق الأشياء، وهو “تسلسل الأحداث“، فيقول:

وأما فلاسفة عصرنا، فمعظمهم على اتفاق بأن كيان الشيء ليس في جوهر له مزعوم، وإنما هو في تسلسل الأحداث التي تصنع تاريخه، مضافًا إليه الطريقة الفريدة التي ربطت بها تلك الأحداث.

ولنلاحظ هنا أن افتراض جوهر للشيء، يتضمن أن ذلك الجوهر لا يتأثر بمرور الزمن، فالروح – مثلا – هي الروح، سواء مرت عليها ساعة واحدة أو ألف ألف عام، والمربع هو المربع بالتعريف الواحد الذي يحدد فكرته، لغض النظر عن زمن يطول بالكون ملايين السنين.

وهنا يكمن الفرق بين نظريتي الجوهر وتسلسل الأحداث، فيسترسل قائلًا:

وأما أن تجعل حقيقة الشيء مساوية للأحداث التي صنعت تاريخه، فمعناه أن الزمن عنصر أساسي؛ لأن الأحداث إنما تحدث على فترة من الزمن لا يكون الشيء في أولها هو نفسه في آخرها.

ثم يكمل قائلًا:

وهاتان الوقفتان تنعكسان – كما قدمنا – في تصور الإنسان للذرات الأولية ما وصفها؟

فمع تصور الدوام والثبات – أي فكرة الجوهر – كانت الذرة جسيمًا صلدًا أصم لا ينقسم ولا يتفتت ولا خلاء فيه، ومع تصورنا لحقائق الأشياء على أنها تواريخ يمتد كل تاريخ منها ما امتدت سلسلة الأحداث التي تكون هذا الشيء أو ذاك، تكون الذرة – كما نعرفها الآن – كهارب دوارة في أفلاكها حول نواة، وبفصل الكهارب بعضها عن بعض وعن النواة خلاء، فما تنفك الذرة في حركة، يؤخذ منها بالإشعاع أو يضاف إليها.

الإرادة والقدر عند لايبنتز

غوتفريد فيلهيلم لايبنتز (1646 – 1716). هو فيلسوف وعالم طبيعة وعالم رياضيات ودبلوماسي ومكتبي ومحام ألماني الجنسية. يتميز بنظرة تفاؤلية مهتم بالرياضيات والفلسفة مما أدى لخلق أسلوبه الخاص في الجمع بينهما
فبحث للفلسفة عن قوانين مشابهة لقوانين المعادلات الرياضية إلى جانب اهتمامه بعلم الكيمياء، نراه دبلوماسياً أيضاً وقد قام بمحاولة إقناع ملك فرنسا لويس الرابع عشر بفتح مصر، وهدفه من ذلك أن تنشغل فرنسا عن ألمانيا وتحول قوتها إلى الخارج وكان قد فشل بمهمته تلك.
تحدث في (المونادولوجيا) أو لفظ (مونادة) والتي يعني بها ان العالم بأسره مكون من مونادات مماثلة للتي نجدها بواسطة التجربة الباطنية والتي منها “الإدراك” و”النزوع” تلك التجربة لديه غير قابلة للتجزئة وهي بمثابة ذرة غير جسمية و “الأنا” لديه هي ان يفكر و يحس ويريد وجميع ذلك ما هو الا تفسير للفظ “مونادة”، (لايبنتز) قام بتفسير تفاصيل كثيرة عن وحدة المونادة بواسطة نظريته في “التناسق السابق” والذي يفخر بها كثيراً ووقع مؤلفاته بإسم (صاحب التناسق السابق) واحدى تلك التفسيرات كان رداً على (مالبرانش) الذي يعيد أفعال الله بسن قوانينه لنفسه فيحدث بمقتضاها الادراكات بالنفس ولا يفعل ذلك بالاعجاز فيجيب عليه (لايبنتز):
إن الله ليس بساعاتي عاجز مثل ما تصوره (مالبرانش)، بل إنه ساعاتي مجيد: هناك طريقة سهلة لصنع ساعتين تشيران دائماً إلى الزمن نفسه، وذلك بأن يضبطهما ضبطاً كاملاً ويجعلهما تبدآن في وقت واحد ويترك آلاتهما تفعل وحدها.
ومن هنا يتضح لنا ان (لايبنتز) ذو مذهب لاهوتي قائل بكمال الله مما ينتج عن ذلك نظرته التفاؤلية ومقولته الشهيرة:
كل شيء يسير نحول الأفضل، في هذا الكون الموجود على أكمل وجه.
وفي ذلك دليل صريح على مدى تفاؤله.
نرى (لايبنتز) يتحدث أيضاً عن القدر فيقول فيها:
القدر على أشكال ثلاثة: القدر المحمدي (الإسلامي) والقدر الرواقي والقدر المسيحي.
يفصلهم كالتالي:
القدر المحمدي هو قدر كسول، فمثلاً إذا رأى المؤمن منزله يحترق، يقول في نفسه: “إنه مكتوب لمنزلي أن لا يحترق أو أن يحترق حتى آخره فنترك ماهو مكتوب يتحقق ولننتظر”. ولذلك لا يقوم بأية محاولة لإخماد النار، ويخضع قانطاً لأمر الله.
القدر الرواقي بخلاف ذلك: يقول الرواقي إنه مكتوب لمنزلي أن يحترق بأكمله أو أن يحترق بعضه وبما أني أجهل ماهو مكتوب فأني أقذف النار بالماء، واذا اشتدت النار علي بعد ذلك فما علي الا ان اخضع للأمر.
وفي القدر المسيحي يتساءل المؤمن اولاً عما هو موافق لارادة الله المباشرة وقد كون المؤمن فكرة عن هذه الارادة على ضوء المبادئ الخلقية العقلية والمنزلة فيعمل مثل ما يعتقد أن الله يريده أن يعمله ومهما تكن النتيجة بعد ذلك فعليه أن يخضع مثل الرواقي لأنه لم يتمكن من أن يمنع مالم يستطع منعه ثم يحمد الله على كل حال ويهلّل لما حصل.
يميل أخيراً (لايبنتز) للقدر المسيحي ويقول:
ان إلهنا إله طيب، ولنكن مطمئنين من جهته وكل شيء سينتهي على ما يرام للأبرياء وأسوء حال للأشقياء.
هديل الشيخي

تساؤل نيتشه عن حقيقة نتائج البحث العلمي والفلسفي

نيتشه
هل كل ما خرج به الفلاسفة والعلماء من حقائق، هي حقيقة بحد ذاتها؟
يقول (نيتشه) [1844-1900]، الفيلسوف الألماني الشهير، في كتابه (ما وراء الخير والشر):
نظرًا لأنني تأملت الفلاسفة على مهلٍ، قرأت بين سطورهم وراقبت طريقة تعبيرهم عن أفكارهم، قلت لنفسي يجب أن يعدّ التفكير الواعي من ضمن الأنشطة الفكرية، والتفكير الفلسفي أيضًا؛ إن التفكير الواعي لفيلسوف ما، يوجّه في معظمه بشكل خفي من قبل ميولاته الفطرية ويصب بالضرورة في مذاهب محددة. وراء كل المنطق والسيادة الظاهرة في خطوات تفكيره، نعثر على تقييمات ما، أو بشكل أوضح، على مطالب فيسيولوجية تفرضها ضرورة الحفاظ على نمط حياة معيّن.
ويظن (نيتشه) أن الإنسان مفطور على الميل إلى الأحكام الخاطئة والأوهام بقوله:
وأن الإنسان لا يمكن أن يحيا دون أن يقرّ بالأوهام المنطقية، دون أن يقيس الواقع بالعالم اللامشروط والمماثل، الخيالي تمامًا، دون أن يزيف العالم باستمرار، إلى درجة الاستغناء عن الأحكام الخاطئة سيعني استغناء عن الحياة، نفيًا للحياة.
ويرى من هذا المنطلق أن الفلسفة التي تؤكد هذا الميل وتشجعه؛ “تضع نفسها مسبقًا وانطلاقا من هذا، فيما وراء الخير والشر“.
وباعتبار أن أية فلسفة يسعى ورائها هدف خفي يقول (نيتشه):
لقد اكتشفت شيئًا فشيئًا أن كل فلسفة عظيمة حتى الآن، كانت اعترافا ذاتيًا لصاحبها ونوعًا من مذكراته، من حيث لا يدري أو ينتبه. مثلما تحققت من أن النوايا الأخلاقية أو اللاأخلاقية شكّلت في كل فلسفة البذرة الحقيقية التي تولد منها النبتة كلها. من هنا، اذا اردنا أن نفسر كيف ولدت في الواقع كل التأكيدات الميتافيزيقية الأكثر تعاليًا لدى هذا الفيلسوف أو ذاك، فمن الحكمة أن نتساءل أولاً: أية أخلاق يريد هو؟
ولكن مالذي يحاول نيتشة أن يشجعه؟ حين يكفّ الإنسان عن اللهث وراء الحقائق ومحاولة إسقاط تصنيفات محددة على تصرفات البشر أو إيجاد تفسيرات واضحة لكل ما يدور في الحياة؟ حسنًا، يبدو أن الحل الوحيد هو الاستقلالية، على الرغم من المخاطرات وما ستدفعه ثمنًا لها، نقتبس:
الاستقلالية أمر متعلق بأصغر فئة من الناس، إنها امتياز الأقوياء، ومن يحاول ذلك حتى وان كان على حق دون أن يجبر عليه، سيبرهن ليس فقط على انه قوي، بل يمتلك مع كل احتمال جرأة فائضة. يدخل إلى متاهة ما، يضاعف آلاف المرات الأخطار الملازمة مسبقًا لحياته، وأدناها أن لا احد يرى بأم عينه لا أين ولا كيف يتيه وينعزل ويهب نفسه للتمزق إربا إربا. عندما يهلك إنسان مماثل – يقصد المستقل – فإن ذلك سيتم بعيدا عن فهم الناس بحيث لا يشعرون به ولا يتأثرون لحاله. فهو لا يستطيع أبدا أن يعود إلى الوراء كما لا يستطيع أبدا أن يعود إلى رحمة الناس.
أخيرًا ، ما هو دافعنا الحقيقي للبحث عن الحقيقة، اذا كان دافعنا خيرًا فيراهننا (نيتشه) أن لا حقيقة وراء هذا الدافع بقوله:
أيتها الإنسانية ، أيتها الحماقة! إن الحقيقة والبحث عن الحقيقة، ليسا شيئين جد متلائمين، وعندما ينكبّ الإنسان عليهما بإنسانية مفرطة، عندما لا يبحث عن الحقيقة إلا من اجل فعل الخير، أراهن على انه لن يعثر على شيء. 

في تلاقي الدين بالفلسفة، نديم الجسر يكتب

الشيخ نديم الجسر (1897 – 1980)، رجل دين وسياسي لبناني، ينحدر من أسرة مصرية الأصل، في كتابه (قصة الإيمان: بين الفلسفة والعلم والقرآن) ينقل قصة (حيران بن الأضعف) مع شيخه الموزون في عزلته الواقعة في مسجد مبني عند ضريح الأمام البخاري رضي الله عنه.

يقول حيران بن الاضعف:

لما كنت اطلب العلم في جامعة بيشاور كانت النفس الطلعة مشوقة، بفطرتها، إلى المعرفة : تستشرف كل غيب، وتشرئب إلى كل مجهول، فتبحث عن أصل كل شيء، وكهنه، وسببه وعلته، وسره وحكمته، فكان دأبي وديدني أن اسأل الشيوخ والرفاق عن هذا العالم، ما هو، ومتى خلق، ومم خلق، ومن الذي خلقه، وكيف خلقه ؟ فلا أقابل على هذه الأسئلة إلا بالزجر، ولا أجاب عليها إلا بالسخر، فيقول المشايخ عني : هذا ليس بطالب علم ولا دين .. إن هو إلا متفلسف سخيف.

ثم يقول كيف زاده هذا التهكم و الزجر إصرارا وشكاً:

وزادني هذا التهكم إصرارا وشكاً، حتى وقر في نفسي أن الحقائق التي انشدها، لا تدرك ولا تعلم، إلا من طريق الفلسفة، وان العقل والدين لا يجتمعان، ولو لا ذلك ما نفر مشايخي من الفلسفة، ولا تهربوا من الخوض معي، وفي كل جدل عقلي، حول سر الوجود، فأهملت دروس الدين، وأخذت ابحث عن كتب الفلسفة.

وتلا ذلك أن تم طرده من الجامعة و محاولة والده نصحه بترك الفلسفة والانصراف إلى علم الدين حتى ينتهي منه ثم ينكب على الفلسفة انكباباً صحيحا يقول حيران عن والده:

وقال لي في آخر حديثه: يا (حيران) لقد مرت في مثل الذي أنت فيه، فمالت نفسي إلي الفلسفة وأوغلت في الشك والحيرة لكن استأذنا الأكبر العارف بالله  الشيخ (أبو النور الموزون السمرقندي)، الذي كان فقيهاً كبيراً، وعالماً جليلاً، وفيلسوفاً عظيماً، نصحني، يومئذ، بمثل ما أنصحك به اليوم وقال لي: “إن الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ  في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه”

دله والده على مكان الشيخ (الموزون)، دون أن يعلم أنه دله على طريق الفرار من الجامعة، رحل (حيران) إلى سمرقند حيث مال (الموزون)  في شيخوخته، إلى الزهد والانقطاع لله، في مسجد مبني عند ضريح الأمام البخاري رضي الله عنه. فيقص كيف كان لقاءه فيه فيقول:

وفي الصباح الباكر حملت جونة الشيخ، وأمر كبير القرية، رجلا، أن يدلني على البستان الذي يسرح الشيخ فيه. فسار بي حتى أوصلني إلى المسجد، ثم دلني على البستان، وعلى المكان الذي جرت عادته أن يضع فيه الطعام، فدنوت من سياج  البستان، ووضعت الجونة في مكانها و ثم علقت بحرفها ورقة صغيرة كتبت فيها هذه الكلمات:

ما ..؟ ومن ..؟ ومم..؟

وكيف …؟ وأين …؟ ومتى…؟

توارى (حيران) خلف  الشجرة متشابكة الأغصان، انتظر حتى دنا الشيخ من السياج واقبل نحو الجونة، فلما تناولها وقعت عيناه على الورقة، وقرأ ما فيها، يقص (حيران) كيف تأثر الشيخ بما في هذه الورقة فيقول:

اخذ يتلفت يمنه ويسره، ثم ترنح وسقط مغشياً عليه. فعودت نحوه، وفعلت كل ما أمكن حتى أنعشه. فلما أفاق من غشيته، فتح عينيه، ونظر إلي نظرة طويلة ثم تمتم قائلاً: لا تخف ساعدني على النهوض، فساعدته حتى دخلت به البستان، فجلس على حرف الساقية، فغسل وجهه، واستسلم إلى  السكون، وهو مغمض العينين. وبعد صمت طويل سمعته يقول، بصوت بحة الباكي: لا حول ولا قوة إلا بالله، يكررها ثلاثا .. ثم التفت إلى وقال: يا بني. لقد أزعجتني، وأفسدت علي لذة استغراقي في ذلي وانكساري إلى لله، وذكرتني بشر ما كانت تعانيه النفس من غصص الحيرة والشك .. سامحك الله . من أنت يا ولدي ؟ 

 قلت: أنا حيران بن عبد لله الأضعف، تلميذك البنجابي القديم.

قال: أهلا بك. كيف حال أبيك ؟ قلت: بخير.

قال: أراك وقعت في مثل ما وقع فيه أبوك من قبل ؟

قلت: نعم، وهو الذي دلني عليك وأرشدني إليك يا مولاي.

فنظر إلي الشيخ نظرة طويلة، ثم حول وجهه إلى الماء وأطال النظر فيه، واغرورقت عيناه بالدموع، ثم قال: وراحمتاه لكم يا شباب هذا الجيل. انتم المخضرمون بين مدرسة الإيمان عن طريق النقل، ومدرسة الإيمان عن طريق العقل. تلوكون قشوراً من الدين، وقشوراً من الفلسفة، فيقوم في عقولكم، أن الإيمان والفلسفة لا يجتمعان، وأن العقل والدين لا يأتلفان، وأن الفلسفة سبيل الإلحاد. وما هي كذالك يا والدي، بل هي سبيل لأيمان با لله، من طريق العقل. 

 طلب منه الشيخ أن يحضر له فراش لينام في المسجد، ودفتر كبير، ليكتب فيه، وخصص الليل لدرس والنهار لعزلته في الانقطاع لله.

وفيما يخص الأسئلة التي كتبها (حيران) على الورقة يقول الشيخ:

أسئلتك هذه. هي التي شغلت عقول الفلاسفة، بل عقول الناس كافة، منذ بدأ الإنسان يفكر . والفلسفة هي التي تحاول أن تجد لها جواباً. أما أنها وجدت الجواب الصحيح، على كل سؤال، أو لم تجده، فهذا شيء سوف تعرفه أذا بلغت الغاية. فالفلسفة تريد أن تعرف يا (حيران)، حقيقة كل شيء وكنهه، وأصله، وغايته، ولا تكتفي بالظواهر بل تريد النفوذ إلى البواطن، ولا تكتفي بهذا العالم المحسوس، بل تريد أن تعرف ما وراءه، وما كان قبله، وتريد أن تعرف من الذي خلقه ومن أي شيء خلقه، ومتى خلقه، وتريد أن تعرف ما هو هذا الخالق وما كنه ذاته، وحقيقة صفاته، وما هو هذا الإنسان، وما حقيقته، وما هو عقله، وكيف يتم إدراكه، وما مبلغ هذا الإدراك من الصحة، وما هو الخير، وما هو الجمال، ولم كان الخير خيرا، والجميل جميلاً إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تنتهي، سعياً وراء معرفة المبادئ الأولى لكل شيء . لذلك قالوا في تعريف الفلسفة: أنها النظر في حقيقة الأشياء، وقالوا: أنها علم المبادئ الأولى، وقالوا غير ذلك أما أنا، فاني أعرفها لك، بأنها محاولة العقل أدراك كنه جميع المبادئ الأولى، وسوف ترى أن كنت على حق في هذا التعريف.

وفي الفرق بين العلم والفلسفة يقول الشيخ:

أن العلم يكتفي بدرس ظواهر هذا الكون، ونظمه، ونواميسه، أما الفلسفة فتبحث في أصل الكون وعلته، وحقيقته. 

ويقول في جوهر الفلسفة:

فالفلسفة كانت وما زالت، في جوهرها، عبارة عن البحث عن الله.

ويرى أن الفلاسفة اليونان:

أخذوا يبحثون عن الإله الحق، الذي ليس كمثله شيء من حيث لا يشعرون.

وعن اجتماع الدين والفلسفة في قلب المؤمن يقول: أن نتاج الفلسفة الصحيح لا يتنافى أبداً مع الدين الحق، في إثبات وجود الله ووحدانيته، بل يؤيد هذا الإثبات الذي جاء به الوحي بالنظر العقلي الخالص. فهذا ما أرشد أليه الشيخ، وخبره بنفسه.

وفي إمكانية الجمع بين الفلسفة والدين والتقائهما في الحق ينقل عن (ابن مسكويه) هذا القول:

بأن الإنسان نفسه لا يزال يرتقي ويزداد ذكاء، وصحة في التفكير، وجودة في الحكم، حتى يبلغ الأفق الأعلى الذي يتعرض به لأحدى منزلتين؛ إما أن يديم النظر في الموجودات ليتناول حقائقها، فتلوح له الأمور الآلهية، وإما  أن تأتيه تلك الأمور من الله تعالى، من غير سعي منه. وصاحب المنزلة الأولى هو “الفيلسوف”، وصاحب المنزلة الثانية هو “النبي” الذي يتلقى فيضاً من الله تعالى. فإذا التقى من وصل من أسفل بالتفلسف، ومن تلقى من أعلى بالفيض، أتفق رأيهما وصدق أحدهما الآخر، بالضرورة، لاتفاقهما في تلك الحقائق .

وهو في ذلك إنما أراد التلاقي على الحق في شيء واحد الأيمان بوجود الله. وليس التساوي في القيمة والقدر والعلم والعصمة.

وفي كراهية العلماء السلفيون الذين يكرهون هذا التعمق الفلسفي في الاستدلال على وجود الله يقول:

أنهم كانوا على حق قبل أن تعم البلوى، فقد كان المسلمون في العصر الأول من الإسلام لا يعرفون هذا الجدل الفلسفي حول وجود الله وصفاته، وأما بعد أن ترجمت الفلسفة اليونانية، وخاض كثير من علماء المسلمين فيها و ألفوا، وانتشرت بين الناس شبه الفلاسفة واشتهرت وعمت البلوى، وانبرى كثير من علماء الدين على الرد، على تلك الشبه، فقد أصبح الخوض في الفلسفة أمراً لابد منه، بل أصبح الاطلاع عليها واجباً على علماء الدين بوجه أخص ليتمكنوا من حسن الدعوة إلى الإيمان بالله.

يقول (الغزالي): أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كهنه، رد في عماية. ولهذا رأى أن يطلع على آراء الفلاسفة الآلهيين اطلاعاً تاماً قبل أن يرد عليهم فوضع كتابه (مقاصد الفلاسفة)، ثم وضع كتبه الشهير (تهافت الفلاسفة).

وعن  الشبهات التي ترمي بعض فلاسفة المسلمين بزندقة  وتشكيك بإيمانهم فبشأن (الرازي)، و(الفاربي) و(ابن سينا) يقول:

أنهم من أعظم المؤمنين بالله، ومن أصدقهم برهانا على وجود الله، وكيف لا يكونون كذلك، وهم كغيرهم من فلاسفة المسلمين، قد جمعوا إلى أيمان الوحي الصادق، وإيمان العقل السليم، نورا على نور. ولكن هؤلاء أخذوا بترهات الأفلاطونية الحديثة وخيالاتها في مراتب الخلق و وسائطه، وأختلط عليهم الأمر فحسبوها من كلام (أرسطو)، وحال إجلالهم للمعلم الأول، دون تمحيصها، لذلك كان على من يكتب عن هؤلاء أن يمحص أقوالهم ويميز بين ما فيها من الحق النير والباطل المظلم، وهذا ما لم يفعله الذين كتبوا عنهم، أما عجزاً عن التميز، أو زهداً في نصرة الأيمان، أو كيداً للإيمان.

هل القران لم يترك شيئاً من العلوم إلا وأشار إليه؟ يقول الشيخ في ذلك:

كلا هؤلاء الذين يقولون ذلك ليسوا بعلماء ولا عقلاء ولا أذكياء، فالقران ليس بدائرة معارف علمية. ولا من مقاصده أرشاد الناس، إلى العلوم الكونية، من باب التعليم. ولكن ما ورد فيه من الآيات، التي تشير إلى حقائق كونية كشفها العلم. إنما ورد بقصد التنبيه إلى ما في خلق العالم من آثار الإرادة، والقدرة، والعلم والحكمة، والإتقان، والاتزان، الدالة على وجود الله، والنافية لتكوين بالمصادفة، ولم يقصد به تقرير العلوم الكونية لأن القران خاطب البشر بلغة البشر، والله أحكم من أن يخاطب الناس بأمور لا يعرفون أسمائها، فضلا عن أسرارها، ولكنه أشار إلى دلائل وجوده، وقدرته وإرادته، وعلمه، وحكمته، ببيان عجيب يفهمه، على ظاهره، البدوي الساذج في القرن السابع عشر. ويفهم أسراره رجل العلم في القرن العشرين.

خاتمة الكلام يقول (حيران):

وبعد أن قضيت في ضيافته شهراً كاملاً، استأذنته، في السفر، والعودة إلى بلادي، وذكرت له عذري، وارتباطي بالأمير فقال لي: يا أبا النور! هذه الأيام المعدودات التي سمعت بها الدروس لا تكفيك، ولكني أنصحك أن تكثر من قراءة الفلسفة، حتى لا تترك منها شياً، وتكثر من قراءة علوم الطبيعة، وتكثر من قراءة القران.

قلت: كيف أكثر من قراءة الفلسفة وهذا الشك ما أتاني  إلا منها ؟

قال: يا ولدي أبا النور ؛ أن الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر والزيغ في سواحله وشطآنه، والأمان والإيمان في لججه وأعماقه. فاقرأها يا أبا النور، بصبر وأناة، ولا تترك شيئاً مما قاله الفلاسفة عن وجود الله وأحاديته. ثم اجمع أقوالهم، وقارن بينها ووازن، ثم اجمع من القران كل الآيات الدالة على وجود الله، واقرأها بتدبر، على ضوء ما قرأت من الفلسفة والعلم. وارجع، في التوفيق بين العلم والدين، إلى تحكيم العقل. وسوف تجد نفسك، بعد ذلك، في أحضان الإيمان واليقين. وأكثر، يا أبا النور، من قراءة سورة الضحى وسورة الأنبياء. ولا تقنط من رحمة الله ولسوف يعطيك ربك فترضى. ولسوف يصلح بالك. ويهديك إلى طيب القول، وإلى صراط مستقيم.

أفلاطون في حديثه عن الفلاسفة والحكماء على أرض الواقع

(أفلاطون) (427ق.م. – 347 ق.م.)، فيلسوف يوناني كلاسيكي، رياضياتي، كاتب عدد من الحوارات الفلسفية، ويعتبر مؤسس لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي، وضع (أفلاطون) الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم. كان تلميذاً لـ(سقراط)، وتأثر بأفكاره كما تأثر بإعدامه الظالم. كما أن الفيلسوف المعروف (أرسطو) هو أحد تلاميذه.

في كتابه (ثياتيتوس)، أو “عن العلم” كما يُطلق عليها أيضًا، والتي نقلتها الأستاذة (أميرة حلمي) إلى اللغة العربية، جعل جزءًا من حديثه عن حال الفلاسفة والمنشغلين بالعلم. يقول:

 

لنتحدث عن كبار الفلاسفة ما دمت راغبًا في ذلك، إذ ما فائدة أن نتحدث عن أولئك الذين لا يبدعون في الفلسفة، أيمكن القول بأنهم يجهلون منذ صباهم أي طريق يقود إلى ساحة المدينة وأين توجد المحكمة أو مجلس الشعب أو إلى أي مكان للاجتماع العام في المدينة، كما أنهم لا يعنون بسماع أو قراءة أي قرارات أو وثائق قوانين، ولا يهتمون بمشاحنات الأحزاب السياسية وفي الاجتماعات والاحتفالات، أما التنصت للاعبات الناي فإنهم حتى لا يحلمون بالمشاركة فيه، ولا ينشغل الفيلسوف بكل ما يحدث للمدينة من خير أو من شر أو بما ورثه الأحفاد عن جدودهم الرجال والنساء من فساد، لا تشغله هذه الأمور، لأن امتناعه عن المشاركة فيها ليس من قبيل الزهو، فالواقع أن الذي له وجود وإقامة داخل المدينة هو جسده فقط، أما فكره فيعد كل هذا هراء وسخفًا ويطوف محلقًا فوق السماء وتحت الثرى، على حد قول (بنداروس)، باحثًا في السماوات ليقيس مساحتها وليتابع سير النجوم وليبين طبيعة كل شيء في مجمله بغير أن يهبط إلى ما هو قريب منه مباشرة.

ثم يدعم كلاماته بمثال عن (طاليس) والذي يُعد أحد الحكماء السبعة عند اليونان القديم، فيقول:

كان (طاليس) يراقب النجوم فوقع في بئر وهو شاخص ببصره إلى السماء، ويُقال إن فتاة من (تراقيا) كانت تراقبه فضحكت من ذلك الذي يبذل جهده ليعرف ما يجري في السماء، في حين أنه لا يرى موقع قدميه، وينطبق هذا التشبيه على كل من يقضون حياتهم في الفلسفة، والواقع أن مثل ذلك الرجل لا يعرف من القريب أو الجار ولا يعرف ما الذي يعمله هذا ولا إن كان رجلًا أو كان من صنف حيوانات آخر، بل هو يبحث ما الإنسان وأي شيء ينبغي أن تتميز هذه الطبيعة عن غيرها في فعلها أو انفعالها؟

ويتطرق بعد ذلك إلى نظريته في أنه من حق الفلسفة أن تزكّي الإنسان وتدفع عنه تقبّل الشر، ويعقّب على ذلك قائلًا:

من المستحيل أن ينتفي الشر، إذ سوف يبقى دائمًا مقابلًا للخير، ومن المستحيل أيضًا أن يحل في عالم الآلهة، بل إنه يغزو هذا العالم والطبيعة الفانية. […] والمهم هنا الذي لا يسهل إقناع العامة به هو أن الدافع إلى التحلي بالفضيلة وتجنب الشر ليس مجرد اكتساب الشهرة. واتخاذ مظهر الفضيلة على نحو ما تقول الثرثرة من النساء وإنما هاك هي الحقيقة بعذا الصدد، ليس الله بظالم بأي حال من الأحوال، بل هو على العكس من ذلك عدل مطلق ولا يدانيه من كان منا عادلًا بقدر الإمكان، فبالنظر إلى وجود هذه الصفة أو عدمها تقدر قيمة الإنسان وقدرته الروحانية.

ومعرفة هذا الأمر هي التي تكوّن الحكمة والفضيلة الحقة، أما التظاهر بالفضيلة والحكمة والميزات الأخرى المختلفة عند الطبقة الحاكمة، فإنما هو نوع من الحقارة والضعة أشبه بالقدرة الآلية عند أهل الصنعة، ولا ينبغي أن نخشى من مكر من يرتكب الظلم والفسق في أحاديثه وأعماله، لأن مثل هؤلاء الناس يتباهون بأنهم رجال قادرون على مواجهة الحياة العامة، وليسوا فارغين أو ثقالًا وإنما ينبغي أن تقال لهم الحقيقة وهو أنهم يتوهمون ما ليس فيهم وأنهم يجهلون ما ينبغي أن يعرفوه جيدًا ألا وهو أن عقوبة الظلم ليست مجرد آلام جسدية أو موت قد يحدث أحيانًا أن يفلتوا منه، بل هو عقاب واقع لا مفر منه.