أرشيف الوسم: الفنون

بيسوا في كتابته عن الفن والحياة المعاصرة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا تحت عنوان “معيار الفن”، يقول فيه مستفتحًا:

منذ منتصف القرن الثامن عشر، أصاب الحضارة الإنسانية تدريجيًا مرض رهيب. سبعة عشر عامًا من طموح مسيحي مخدوع بصفة ثابتة. خمسة قرون من طموح وثني مؤجل بصفة دائمة؛ الكاثوليكية كانت قد تصدعت كمسيحية، النهضة كانت قد تصدعت هي الأخرى كوثنية، الإصلاح كان قد توقف كظاهرة كونية. لقد حلّت الكارثة بكل الأحلام والخزي بكل ما تم تحقيقه من إنجازات، بؤس العيش بدون حياة لائقة بالجميع، …

هذا كله مسّ الأرواح فسممها. الرعب من الفعل، الذي يجبرك أن تكون سافلًا في مجتمع خسيس، أغرق الأرواح كلها. اعتل النشاط الأعلى للروح؛ وحده النشاط الديني حافظ على حيويته؛ …

في هذه الأجواء وُلد الأدب والفن من مقومات ثانوية للفكر .. الرومانطيقية؛ وولدت حياة اجتماعية مصنوعة من مقومات ثانوية للفاعلية الإنسانية، الديموقراطية الحديثة.

الأرواح المخلوقة للقيادة لم تجد بُدًا من الإحجام. الأرواح المخلوقة للإبداع، في مجتمع توقفت فيه القوى الإبداعية، امتَلَكت في العالم التشكيلي الوحيد المريح عالم مجتمع أحلامها، امتلكت العقم الاستنباطي لذواتها هي.

يكمل بعد ذلك (بيسوا) حديثه قائلًا:

نحن نطلق صفة “رومانطيقيون” على الكبار الذين فشلوا وعلى الصغار الذين اشتهروا، على حد سواء. بينما التشابه لا يوجد سوى في العاطفة الظاهرة؛ لدى البعض تُظهر العاطفية غياب الذكاء نفسه. (شاتوبريان) و(هوغو)، و(فيني) و(ميشيليه) هم ثمار للحقبة نفسها، لكن (شاتوبريان) روحٌ كبيرة تصاغرت؛ (هوغو) هو روحٌ صغيرة تمددت مع رياح الوقت؛ (فيني) عبقري) كان عليه أن يلوذ بالفرار؛ (ميشيليه) امرأةٌ أُجبرت على أن تكون رجلًا ذا عبقرية. النزعتان معًا موجودتان متّحدتين معًا (جان جاك روسو) أب الجميع. ذكاؤه كان ذكاء رجل خلّاق، أما الحساسية، فحساسية عبد. وهو يؤكدهما معًا بالدرجة نفسها من التساوي، لكن الحساسية الاجتماعية لديه سمّمت نظرياته، فيما لم يفده الذكاء سوى في خلق بؤس تعايش بحساسية مماثلة.

(ج. ج. روسو) هو الإنسان الحديث، لكنه أكثر كمالًا من أي إنسان آخر. من نقاط الضعف التي تسببت في فشله، آه منه ومنه نحن، استخراج نقاط القوة التي صنعت نجاحاته. ما رحل منه حقق الظفر، لكن في رايات ظفره، عندما دخل المدينة شوهدت مكتوبة […] كلمة “هزيمة”. لقد تبقت منه في الوراء، وقد عجز عن الجهد الضروري لإحراز النصر، التيجان والصولجانات، وعظمة الحكم ومجد الظفر بقدرٍ باطني.

ينتقل بعد ذلك (بيسوا) من حديثه عن الحركة الرومانطيقية ككل، إلى حديثه عن الحياة المعاصرة:

العالم الذي وُلدنا فيه، يعاني من تنازل المتفوقين وعنف الأدنياء.

لا يمكن لأي نوعيةٍ رفيعة أن تثبت نفسها حداثيًا، إن على مستوى الفعل أو على مستوى التفكير، في النطاق السياسي كما في نطاق التأمل النظري.

زوال التأثير الارستقراطي خلق جوًا من الفظاظة واللامبالاة تجاه الفنون، حيث لم يعد بإمكان عيار / الشكل / العثور على ملاذ. اتصال الروح بالحياة أضحى أكثر فأكثر إيلامًا. الجهد الضروري لمواصلة الحياة يتفاقم إيلامه، لأن الشروط الخارجية للمجهود أصبحت مبغضة أكثر من ذي قبل.

انهيار المُثل الكلاسيكية جعل من جميع الفنانين مستحيلين، أي، فنانين رديئين. عندما كان معيار الفن هو البناء المتين، والمحافظة الدقيقة على القواعد، لم يكن بمستطاع القلة القليلة محاولة الانتماء إلى عالم الفن، غير أن الغالبية الكبيرة من هذه القلة كانوا فنانين جيدين بالفعل، لكن عندما أصبح الفن تعبيرًا عن الأحاسيس، بات في مستطاع أي كان أن يصبح فنانًا لأن الأحاسيس يمتلكها الجميع.

في مقالة أخرى بعنوان “الفن”، يقول (بيسوا):

الفن تهرّب من الفعل، أو من العيش. الفن هو التعبير الذهني عن الانفعال، المختلف عن الحياة التي هي التعبير الإرادي عن الانفعال. ما لا نملكه أو ما لا نجرؤ عليه، أو ما لا نحققه، بإمكاننا امتلاكه في الأحلام، التي بها نصنع الفن. أحيانًا يكون الانفعال قويًا إلى حدود معينة بحيث لا ترضيه عملية تحويله إلى فعل؛ من الانفعال، من العاطفة الفائضة عن الحاجة، والتي لم تجد لها تعبيرًا في الحياة؛ بتشكل العمل الفني. بهذا ثمة نمطين من الفنانين: فنان يعبِّر عمّا لا يملك ، وفنان يعبّر عمّا فضل له ممّا امتلك.

وأخيرًا يقول (بيسوا) في مقالة أخرى بعنوان “لغة الروح المثالية”:

الفن يجعل الآخرين يحسون بما نحسّ، يعمل على تحريريهم من ذواتهم نفسها، عارضًا عليهم شخصيتهم كمحرر خاص. ما أحسه، في الجوهر الحقيقي الذي به أحس، غير قابل للتواصل أو التوصيل بصفة مطلقة؛ وكلما ازداد عمق ما أحسه، ازدادت لاتواصليته. لكي أنقل، إذن، ما أحسه إلى الآخر، عليّ أن أترجم أحاسيسي إلى لغته، أي أن أقول أشياء معينة كما لو كانت هي ما أحسه، بحيث عندما يقرؤها هو، يحسّ بالضبط بما أحسسته. ولأن هذا الآخر، وفق فرضية الفن، ليس هذا الشخص أو ذاك، وإنما العالم كله، أي أنه مشترك مع كل الأشخاص، فإن ما ينبغي أن أفعله في النهاية هو أن أحوّل أحاسيسي إلى إحساس إنساني نموذجي بالرغم من أنني بذلك أفسد الطبيعة الحقيقية لما أحسسته.

عن الشعر والشاعرية، من يوميات بيسوا

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في مذكراته، والتي ترجمها الأستاذ (المهدي أخريف)، ونشرتها دار توبقال بعنوان (اليوميات)، نصًا يحكي فيه بداية عن تفاهة الإنسان، يقول فيه:

وحينئذ، ما الإنسان في ذاته؟ أليس سوى حشرة تافهة تطنّ مصطدمة بزجاج نافذة؟ ذلك لأنه أعمى، غير قادر على النظر ولا على التحقق مما يوجد بينه وبين الضوء. لذلك يتحمس مجتهدًا في محاولة الدنو أكثر فأكثر، فكيف للعلم أن يساعده؟في إمكانية معرفة متانة الزجاج أو هشاشته معًا، والتأكد من مدى سُمك جزء منه ورهافة جزء آخر؛ واحد أثخن وآخر أرهف. بهذا كله ما مدى دنوّك من الضوء أيها الفيلسوف اللطيف؟ وما مقدار ازدياد إمكانات الرؤية لديك؟ هل بوسعي الإيمان بأن رجل الموهبة، أعني الشاعر، يبلغ على نحو معين حد تهشيم الزجاج باتجاه الضوء، ليشعر بالفرح والفتور الناجمين عن الإنوجاد أبعد فأبعد عن الآخرين جميعًا. لكن أليس هو نفسه أيضًا أعمى؟ هل تمكن أحد، من الدنو من الحقيقة الأبدية؟

يتابع بعد ذلك (بيسوا)، قائلًا:

دعوني أمضي باستعارتي نحو الأبد. بعضهم يبتعدون عن الباب الزجاجي في الاتجاه المعاكس، إلى الخلف، ويصيحون عندما يتأكدون من أنهم لم يصطدموا بالزجاج، لأنه ليس خلفهم. “لقد مررنا”، يقولون.

أنا شاعر محفز بالفلسفة، ولست فيلسوفًا ذا مزايا شعرية؛ مفتتن أنا بملاحظة جمال الأشياء وبرسم اللامرئي والمتناهي الصغر مما يميز الروح الشعرية للكون.

شعرية الأرض لا تموت أبدًا. في وسعنا القول أن عصورًا سالفة معينة كانت شعرية. لكن بوسعنا القول (*)

الشعر موجود في كل شيء، في البر وفي البحر، في البحيرة، وعلى ضفة النهر، وموجودة أيضًا في المدينة، لا تنكر ذلك، يبدو جليًا أمام عينيّ وأنا جالس؛ ثمة شعر في ضوضاء السيارات على قارعة الطريق، في أيّما حركة مبتذلة ومضحكة لصبّاغ في الناحية الأخرى من الشارع وهو يلوّن إعلانًا لدكّان اللحّام.

ثم يقول (بيسوا) عن الحاسة الشعرية:

الحاسة الأعمق لديّ تهيمن على حواي الخمس على نحو يجعلني أرى أشياء الحياة، أنا واثق، بصورة مختلفة عن باقي البشر. لقد وُجد أو يوجد، بالنسبة إليّ ثراء في مدلول شيء مضحك وتافه، في مفتاح، باب، مسمار في جدار، في شاربي هر. بالنسبة إليّ ثمة إيماء روحي تام في دجاجة تعبر الطريق مقوقئة، يوجد بالنسبة إليّ مدلول أعمق من خوف الأشخاص في رائحة الصندل، في علبة أعواد ثقاب منسية، في ورقتين وسختين في يوم عاصف تطوفان الهواء، ثم تتبعان شارعًا سفليًا.

ويوضح بعد ذلك (بيسوا) سبب استشعاره الشعري لهذه اللحظات البسيطة في الحياة، فيقول:

وذلك لأن الشعر دهشة وحيرة، مثل كائن سقط من السماء ثم تأكد أثناء سقوطه، ذاهلًا، من سقطته. مثل مَن عرف أشياء الروح وفي مجاهدته لتذكر تلك المعرفة تحقق من أن تلك الأشياء لم تكن كما عرفها ولا وفق تلك الصورة وتلك الشروط، ثم وجد نفسه عاجزًا عن تذكر المزيد.

على الفنان أن يكون رائعًا ونبيلًا، لأن من يُعجب بالجمال لا يجب أن يفتقر إليه. ولا شك في أن ما يسبب ألمًا رهيبًا للفنان هو ألا يجد في نفسه شيئًا مما يبحث عنه بعناء. من يستطيع وهو يتأمل صورة شيلي، وكيتس، بيرون، وميلتون وإدغاربو ومحل إعجاب كما كانوا يمتلكون حرارة العيش والفرح الإلهي، تمامًا كما يليق بأي شاعر، وأي إنسان.


(*) نص محذوف.

عن الإحساس بالوحدة عند أوليفيا لاينغ

أوليفيا مانينغ (1908-1980). هي روائية بريطانية حائزة على لقب “رتبة الإمبراطورية“. تعددت اختصاصات (أوليفيا)، فبجانب كونها روائية كانت أيضاً شاعرة، وكاتبة، وناقدة. وقد تضمنت رواياتها الخيالية والواقعية تفاصيل من رحلاتها ومغامراتها الخاصة في إنجلترا وأيرلندا وأوروبا والشرق الأوسط. غالباً ما كانت (مانينغ) تكتب مذكراتها من خلال تجاربها الشخصية، وتظل كتبها خير دليل على مقدرتها الإبداعية في الكتابة. ويرجع سبب انتشار كتبها على نطاق واسع إلى تمتع (مانينغ) بحس فني مرهف وتصويرها الحي للأماكن.

أهدت (أوليفيا لاينغ) كتابها (المدينة الوحيدة) إلى كل من عانى من ألم الوحدة و النبذ بسبب الاختلاف:

إن كنت وحيداً

إن كنتِ وحيدة

فهذا الكتاب موجة إليك

تقول في كتابها:

بإمكانك أن تكون وحيداً في أي مكان ، ولكن هناك نكهة خاصة للوحدة التي تعيشها في مدينة ، و أنت محاط بالملايين من البشر .

قد يعتقد البعض أن هذه الحالة مناقضة لأسلوب الحياة في المدينة ، للحضور البشري الهائل من حولك ، ولكن القرب المادي وحدة لا يكفي لتبديد الشعور الداخلي بالعزلة . إنه من الممكن-و السهل حتى- أن تشعر بأنك بائس و مهجور و أنت محاط بالآخرين . بإمكان المدن أن تتحول إلى أماكن وحيدة ، و باعترافنا هذا سنتمكن من اكتشاف أن الشعور بالوحدة لا يقتضي بالضرورة الانعزال الجسدي ، بل يقتضي غياب أو ندرة العلاقة ، القرب ، العطف : إن الشعور بالوحدة يأتي من عدم القدرة ، لسبب أو لآخر ، على العثور على القدر المُراد من الألفة . التعاسة ، كما يُعرّفها القاموس ، هي نتيجة العيش دون رفقة الآخرين . و من الطبيعي أن تصل هذه التعاسة إلى أقصاها حين تكون محاطاً بالجموع دون أن يُرافقك أحد .

و استشهدت (أوليفيا) بسيرة (فاليري سولا ناس) كمثال على أن الوحدة هي إحساسك باختلافك وهي غربتك و أنت وسط الآخرين ، حيث أن (فاليري) ألفت كتاب عن العزلة الاجتماعية وتم رفض كتابها مما ضخم احساسها بالوحدة.

كانت الكلمات بالنسبة لها كل شيء . هي الوسيلة الوحيدة التي تصلها بالعالم . وكانت مصدر قوتها الوحيد ، وكانت الكلمات طريقتها المفضلة لإعادة تشكيل المجتمع بشروطها وإمتلاءاتها . وفكرة احتمالية خسارتها لسيطرتها و تحكمها في كلماتها كانت مخيفة جداً بالنسبة لها . وأوصلها ذلك إلى مرحلة من جنون العظمة ، حيث أصبحت مسلّحة و مستعدة لمقاومة أي توغل أو هجوم من الخارج .

ثروت عكاشة يتحدّث عن الفن والحياة

ثروت عكاشة

ثروت عكاشة (1921-2012). كان وزيراً للثقافة و نائب رئيس الوزراء المصري سابقاً، أنشأ أكاديمية الفنون في ١٩٥٩ و يعود له الفضل في تأسيس البنية التحتية للثقافة في مصر و تطويرها، له العديد من المؤلفات في الفنون منها كتاب (الفن و الحياة).

يتحدّث (ثروت) عن الفنون و دورها في تنمية النظام الأخلاقي، و تجاوز وظيفتها من صنع الجمال و خلقه إلى تهذيب النفس الإنسانية:

الفن لا يقف عند إبداع الجمال و تحقيق أسمى متعة للإنسان ، بل ينفذ كذلك إلى أعماقه ليوائم بين أمزجته فيحفظ له اتساق كيانه الداخلي . و يذهب علماء النفس إلى أن ثمة شهوات في النفس تضطرم ، و ما أكثر ما يعاني المرء من كبتها ، و قد يعجز فيسيء إلى المجتمع الذي يعيش فيه بما يندفع إليه من خروج على القوانين و التقاليد ،و قد يفلح فيسيء إلى نفسه بما يجر له من ويلات الكبت . و لم يجد علماء النفس لذلك مخرجاً غير الفنون ، فهي بما تمثّله كفيلة برد النفوس إلى الطمأنينة حين تجد ما تشتهيه و تتخيله بين يديها مرئياً أو مسموعاً

و في الانتقال بين مفردتيّ الفن و الفنان يتساءل (ثروت) عن الفنان ، مؤسساً بذلك سؤالاً مثيراً للجدل فيما إذا كان هو الشخص الذي يخدم نفسه  بعمله الفني أو يخدم المجتمع، ثمَّ يتناول المصادر التي تحفّزه لإنتاج العمل ، إذ أنه لا يوجد فصل بين الظروف التي تحيط بالفنان و بين ما ينتجه:

و لكن ترى من هو الفنان؟ أهو المعبّر عن روح الجماعة التي ينتمي إليها و عمّا تحس به و يجيش في صدورها ؟ أم هو المعبر عن ذاته و آلامه و أحلامه ؟ سواء أكان الفنان هذا أم ذاك ، فهو لا شكّ يستلهم من الزمان الذي يعيش فيه و من البيئة التي يحيا فيها ، و من الأحوال التي تحيط به ، و هو على الحالين معبّر عن نفسه و قومه بل و إنسانيته

وفي انتقالية أخرى ، يسلّط (ثروت) الضوء على دور المتلقّي في إعطاء العمل الفني قيمة أكبر و ذلك من خلال محاولته لفهم العمل الفني و البيئة التي جاء فيها و أهميتها في إثراء المتلقي و استمتاعه بالعمل الفني:

و ما أخطر ألّا يلقي الإنسان بالاً لأعمال الفنان ، ويتعمقها قانعاً بما قرأ ، مجتزئاً به عن أن يتبعه بدراسته . فإن الفن عميق دقيق و على من يرغب في تذوقه أن يكون دقيقاً عميقاً ، ينعم النظر في كل صغيرة و كبيرة ، و يغوص في كل جليلة و ضئيلة ، و أن يحيط بالظروف و الأحوال و البواعث و الحوافز ، عندها سوف يستمتع بالفن متعة رخية واعية

 كما و يتناول موضوع العلاقة التي تربط فيها جودة العمل الفني بين المتلقّي و ما يولّده العمل لديه:

الجودة إذن هي تعبير عن موهبة الفنان و جهده ، غير أنّها ضروؤة للمتلقّي حتى يستقبلها و يفسح لها مجالاً في نفسه ، و هنا يبدأ حوار صامت بين المتلقّي و نوع الإحساس الذي أثاره العمل الفني في وجدانه . و هنا أيضاً يكمن السر الذي يجد فيه العمل مأربه و سرّ وجوده

يتّسم هذا العصر بتطور تكنولوجي هائل ساهم بشكل كبير و ملحوظ في زيادة الاتصال بين الأعمال الفنية و المتلقّي بوسائل كثيرة و مختلفة تتيح له مساحةً أكبر للتفاعل و تطوير الذوق الفني و الشخصية الفردية:

و ما من شكّ في أننا نملك اليوم من أدوات الاتصال و الانتقال و الطباعة ما لم يملكه السلف بالأمس ، و غدا الفرد و هو مستلقٍ في داره يستمتع بما هنا و هناك مطبوعاً أو مصوّراً أو مرئياً على شاشة السينما أو التلفزيون أو الكمبيوتر دون أن يبرح مكانه ، فأصبحنا بهذه الوسائل و الأدوات أقدر على أن نهيئ لأنفسنا ما يذكّي فينا الذوق الفني و يطبعنا على الإحساس به ، فإذا متاحف الفن التي لم تأخذ بالانتشار إلا خلال القرن التاسع عشر تغدو اليوم ذات شأن كبير في المعاونة على استيعاب الأعمال الفنية و دراستها و الموازنة بين بعضها و بعض حتى غدت جزءاً كبيراً من حياة الناس اليومية ، و أصبحت تلك المعروضات الفنية تمثّل شيئاً قائماً بذاته يُضفي عليها مجتمعة طابعاً جديداً

ثمَّ في مكانٍ آخر، يطرح ثروت فكرة (الخروج عن القالب) الذي يقدّم رؤية فنية جديدة مختلفة عن (القالب) الذي التزمه الفنانون لفترات طويلة جعلت من أي انحراف عن المسار المؤسس هو خطأ ارتكبه الفنان بحق الطبيعة ، بينما هو في الحقيقة شيئاً لا بد منه و ضروري لإثارة أفكار بأساليب و طرق جديدة ، و أهمية إعادة النظر في ماهية العلاقة بين الفنان و ما ينتجه ، هل هي خضوع أم تحكّم ؟

غير أننا نرى فناني اليوم يحاولون أن ينظروا إلى العالم نظرة جديدة و كأنهم يرونه لأول مرة ، فإذا هم يتناسون تلك الآراء السابقة عن وردية اللحم البشري ، و صفرة التفاح أو حمرته.  في قدرة الفنان بهذه المحاولة مع ما فيها من كدّ و مشقّة أن يقدّم أعمالاً من الروعة بمكان تضيف إلى جمال الطبيعة جمالاً جديداً لم نكن نحلم يوماً برؤيته و تجعلنا نتنكّر للالتزام بالمألوف الذي يحرمنا من التجديد و الاجتهاد و يفوّت علينا مثل هذه المتعة . إذ أن الفنان الحق هو الذي لا يسلّم نفسه للطبيعة توجهه كيف تشاء ، إنما هو الذي يوجه الطبيعة كيف شاء ، و لا يكون منها بمنزلة التابع ، بل بمنزلة الندّ المنافس

 لكل زمان فنونه ، و رغم الاختلافات التي تحملها  فبينها قواسم مشتركة تصنعها العوامل و الأزمات وكل البيئات التي تظهر في كل زمان ، موحّدة بذلك فنون كل حقبة زمنية طالت أو قصُرت بإطار بشري عام:

فنون كل عصر ترتبط بعضها ببعض ، و تجمع بينها كلها سمات مشتركة نشأت عن الصلات الجامعة بين الفنانين في عصر بعينه فكراً و بيئة ؛ فلقد كانوا يصدرون معاً عن هذه الظروف المتجانسة و إن اختلفوا في الوسيلة و الصياغة .و هذه الظروف التي خلّفت وحدة متكاملة ربطت بين كل مرحلة و المكان الذي توفر فيه من أسباب الحضارة م لم يتوفر في غيره من تلك المرحلة التي أصبح كل ما فيها من نبوغ ينتمي إليها

المضمون الظاهر والكامن في الرواية

0703_writing_cog

برنار فاليت. حامل شهادة في الأدب الحديث، ودكتوراه في الأدب الفرنسي، ومحاضر في جامعة باريس 7 (Paris VII).

في كتابه (الرواية؛ مدخل إلى مناهة التحليل الأدبي وتقنياته)، والذي ترجمته الأستاذة (سمية الجراح) إلى اللغة العربية، تحدث عن الرواية بوصفها “عملًا مفتوحًا”. فيقول:

يمكننا القول، إذا استندنا إلى جمالية إعلامية، إن العمل الروائية هو رسالة منجزة بشكل صوري إلا أنها جزئية. ليس للرواية أي بنية محددة مسبقًا، وهي قد تخلصت من أي منظورية. إلا أنها، كي تكون مفهومة، عليها أن تحترم عددًا من الزخارف، أو أن تخلق عادات تؤسس معايير جديدة للمقروئية. تدين بحداثتها المستمرة إلى التوازن، المتقلّب دائمًا والمستقر بين ترقب المتلقي وأصالة المرسل.

وفي ذات الفصل، تابع حديثه قائلًا:

إن العمل المغلق هو أحادي الدلالة ويفرض وجود تفسير أدبي. يرتكز كل عمل فقه اللغة على إنشاء فهم أحادي المعنى للنص. أما العمل المفتوح فهو متعدد القيم، ويفلت من كاتبه، ويتخطى العصر وإطار المجتمع الذي تم تأليفه فيه وقد يأخذ على عاتقه دلالات جديدة، غير قابلة للبت، وفي بعض الأحيان معارضة بشكل كلي للتصميم البدائي لمبدعه. وُلد المعنى المتناقض من ازدواجية الإشارات، وهو بذاته خصب.

ثم تحدث عن الرسالة المتضمنة في الروايات، بفصل أسماه “المضمون الظاهر والمضمون الكامن”، والذي يقول فيه:

يمكن اعتبار الملفوظ الروائي، ما تقوله الرواية، مكانًا للخطاب المزدوج؛ الواحد ذو نمط إخباري بحت، مفهومي؛ والآخر الذي يقتبس من الحكاية إغراءات المتخيّل، يكون سرديًا حصرًا. تتوافق دراسة كل من هذه السجلات مع توجه محدد. فبينما يسعى تحليل المضمون إلى الإمساك بالعناصر المناسبة على مستوى الأفكار فقط ولا يمتنع عن القراءة بين السطور كي يكتشف دلالة عميقة، ماذا يريد النص أن يقول، على العكس من ذلك، ما يعتبره التحليل البنيوي أساسًا هو منطق السرد. ما يهم بالنسبة إلى الإثنوغرافيين، كما بالنسبة لأولئك المدعوين بالشكلانيين الروس، بالنسبة إلى أي محاولة تحليل وثائقي، مكنن أو معلّم، لمدونة سردية، هو فقط الأفعال أو وفقًا لمصطلحية (بروب)، الوظائف. من بين الأوائل، أعتقد (ليفي-ستراوس) أنه بالإمكان الملاحظة:

“لا توجد ماهية الأسطورة في الأسلوب ولا في طريقة السرد ولا في علم النحو لكن في القصة المروية”.

كذلك يبدو أن الرواية تقدم خطابًا سطحيًا، أو معنى ظاهريًا، ومضمونًا كامنًا، أو معنى عميقًا، ويمكننا منذ الآن ملاحظة أنها تتطابق بالنسبة للبعض مع نواتها الدلالية؛ قال (لا فونتين): “لا يجب تقديم درس أخلاقي سوى الملل، أما الحكاية فهي تمرر التعليم الأخلاقي معها”. وبالنسبة إلى الآخرين، تتطابق الرواية مع بنيتها السردية، القصصية أو العاملية.