أرشيف الوسم: الفن الحديث

بيسوا في كتابته عن الفن والحياة المعاصرة

أنطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا ( 1935- 1888) شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم وفيلسوف برتغالي، ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية، لكنه أكثر شغفاً بكتابة النثر كونه يجسد شيء من الحرية المطلقة التي يبحث عنها الكاتب.

كتب (بيسوا) في كتابه الأشهر (كتاب اللاطمأنينة)، والتي ترجمه الأستاذ (المهدي أخريف) إلى اللغة العربية، نصًا تحت عنوان “معيار الفن”، يقول فيه مستفتحًا:

منذ منتصف القرن الثامن عشر، أصاب الحضارة الإنسانية تدريجيًا مرض رهيب. سبعة عشر عامًا من طموح مسيحي مخدوع بصفة ثابتة. خمسة قرون من طموح وثني مؤجل بصفة دائمة؛ الكاثوليكية كانت قد تصدعت كمسيحية، النهضة كانت قد تصدعت هي الأخرى كوثنية، الإصلاح كان قد توقف كظاهرة كونية. لقد حلّت الكارثة بكل الأحلام والخزي بكل ما تم تحقيقه من إنجازات، بؤس العيش بدون حياة لائقة بالجميع، …

هذا كله مسّ الأرواح فسممها. الرعب من الفعل، الذي يجبرك أن تكون سافلًا في مجتمع خسيس، أغرق الأرواح كلها. اعتل النشاط الأعلى للروح؛ وحده النشاط الديني حافظ على حيويته؛ …

في هذه الأجواء وُلد الأدب والفن من مقومات ثانوية للفكر .. الرومانطيقية؛ وولدت حياة اجتماعية مصنوعة من مقومات ثانوية للفاعلية الإنسانية، الديموقراطية الحديثة.

الأرواح المخلوقة للقيادة لم تجد بُدًا من الإحجام. الأرواح المخلوقة للإبداع، في مجتمع توقفت فيه القوى الإبداعية، امتَلَكت في العالم التشكيلي الوحيد المريح عالم مجتمع أحلامها، امتلكت العقم الاستنباطي لذواتها هي.

يكمل بعد ذلك (بيسوا) حديثه قائلًا:

نحن نطلق صفة “رومانطيقيون” على الكبار الذين فشلوا وعلى الصغار الذين اشتهروا، على حد سواء. بينما التشابه لا يوجد سوى في العاطفة الظاهرة؛ لدى البعض تُظهر العاطفية غياب الذكاء نفسه. (شاتوبريان) و(هوغو)، و(فيني) و(ميشيليه) هم ثمار للحقبة نفسها، لكن (شاتوبريان) روحٌ كبيرة تصاغرت؛ (هوغو) هو روحٌ صغيرة تمددت مع رياح الوقت؛ (فيني) عبقري) كان عليه أن يلوذ بالفرار؛ (ميشيليه) امرأةٌ أُجبرت على أن تكون رجلًا ذا عبقرية. النزعتان معًا موجودتان متّحدتين معًا (جان جاك روسو) أب الجميع. ذكاؤه كان ذكاء رجل خلّاق، أما الحساسية، فحساسية عبد. وهو يؤكدهما معًا بالدرجة نفسها من التساوي، لكن الحساسية الاجتماعية لديه سمّمت نظرياته، فيما لم يفده الذكاء سوى في خلق بؤس تعايش بحساسية مماثلة.

(ج. ج. روسو) هو الإنسان الحديث، لكنه أكثر كمالًا من أي إنسان آخر. من نقاط الضعف التي تسببت في فشله، آه منه ومنه نحن، استخراج نقاط القوة التي صنعت نجاحاته. ما رحل منه حقق الظفر، لكن في رايات ظفره، عندما دخل المدينة شوهدت مكتوبة […] كلمة “هزيمة”. لقد تبقت منه في الوراء، وقد عجز عن الجهد الضروري لإحراز النصر، التيجان والصولجانات، وعظمة الحكم ومجد الظفر بقدرٍ باطني.

ينتقل بعد ذلك (بيسوا) من حديثه عن الحركة الرومانطيقية ككل، إلى حديثه عن الحياة المعاصرة:

العالم الذي وُلدنا فيه، يعاني من تنازل المتفوقين وعنف الأدنياء.

لا يمكن لأي نوعيةٍ رفيعة أن تثبت نفسها حداثيًا، إن على مستوى الفعل أو على مستوى التفكير، في النطاق السياسي كما في نطاق التأمل النظري.

زوال التأثير الارستقراطي خلق جوًا من الفظاظة واللامبالاة تجاه الفنون، حيث لم يعد بإمكان عيار / الشكل / العثور على ملاذ. اتصال الروح بالحياة أضحى أكثر فأكثر إيلامًا. الجهد الضروري لمواصلة الحياة يتفاقم إيلامه، لأن الشروط الخارجية للمجهود أصبحت مبغضة أكثر من ذي قبل.

انهيار المُثل الكلاسيكية جعل من جميع الفنانين مستحيلين، أي، فنانين رديئين. عندما كان معيار الفن هو البناء المتين، والمحافظة الدقيقة على القواعد، لم يكن بمستطاع القلة القليلة محاولة الانتماء إلى عالم الفن، غير أن الغالبية الكبيرة من هذه القلة كانوا فنانين جيدين بالفعل، لكن عندما أصبح الفن تعبيرًا عن الأحاسيس، بات في مستطاع أي كان أن يصبح فنانًا لأن الأحاسيس يمتلكها الجميع.

في مقالة أخرى بعنوان “الفن”، يقول (بيسوا):

الفن تهرّب من الفعل، أو من العيش. الفن هو التعبير الذهني عن الانفعال، المختلف عن الحياة التي هي التعبير الإرادي عن الانفعال. ما لا نملكه أو ما لا نجرؤ عليه، أو ما لا نحققه، بإمكاننا امتلاكه في الأحلام، التي بها نصنع الفن. أحيانًا يكون الانفعال قويًا إلى حدود معينة بحيث لا ترضيه عملية تحويله إلى فعل؛ من الانفعال، من العاطفة الفائضة عن الحاجة، والتي لم تجد لها تعبيرًا في الحياة؛ بتشكل العمل الفني. بهذا ثمة نمطين من الفنانين: فنان يعبِّر عمّا لا يملك ، وفنان يعبّر عمّا فضل له ممّا امتلك.

وأخيرًا يقول (بيسوا) في مقالة أخرى بعنوان “لغة الروح المثالية”:

الفن يجعل الآخرين يحسون بما نحسّ، يعمل على تحريريهم من ذواتهم نفسها، عارضًا عليهم شخصيتهم كمحرر خاص. ما أحسه، في الجوهر الحقيقي الذي به أحس، غير قابل للتواصل أو التوصيل بصفة مطلقة؛ وكلما ازداد عمق ما أحسه، ازدادت لاتواصليته. لكي أنقل، إذن، ما أحسه إلى الآخر، عليّ أن أترجم أحاسيسي إلى لغته، أي أن أقول أشياء معينة كما لو كانت هي ما أحسه، بحيث عندما يقرؤها هو، يحسّ بالضبط بما أحسسته. ولأن هذا الآخر، وفق فرضية الفن، ليس هذا الشخص أو ذاك، وإنما العالم كله، أي أنه مشترك مع كل الأشخاص، فإن ما ينبغي أن أفعله في النهاية هو أن أحوّل أحاسيسي إلى إحساس إنساني نموذجي بالرغم من أنني بذلك أفسد الطبيعة الحقيقية لما أحسسته.

باتريشيا بيسين: هل تخاف من الفن؟ اتبعني

باتريشيا بيسين، خريجة الأكاديمية الأمريكية للفنون، ومعهد التكاملية الغذائية على حد سواء. من الناحية المهنية، يمكن وصفها بأنها كاتبة، مدربة صحة وفنانة. في مصطلحات “غير مهنية”، تقول بأنها يمكن أن توصف بأنه أسعد شاربة قهوة، مدافعة عن جمال اللون البرتقالي، محبة لقنديل البحر وغيرها من الكائنات الأثيرية.

في تاريخ 23 أغسطس من عام 2016، كتبت (باتريشيا) مقالة بعنوان “هل تخاف من الفن؟ اتبعني”، نترجمها لكم حصريًا.تقول في مقالتها:

 

أكتب هذه السطور لتكريم الفنانين الصغار الذين يحتاجون في الوقت الحاضر لبعض التشجيع. وبلا شك، أنا واحدة منهم.

عليّ أن أقول، أنني كلما انغمست في لعبة الفن أكثر، كلما قدّرت حقيقة وجوده للأبد. أحترم صانع الفن، ذلك الفنان الذي أمتلك قلبه ووضعه هناك بشجاعة. ربما كان لهذا الفنان وظيفة تستغل أغلب يومه، وظيفة بساعات عمل ممتدة ,سيتحمل ذلك, وفقط ليوفر المواد والأدوات اللازمة لصنع فنه.

“لا تخف سترى السماء ممتدة مثل قبعة من حرير شفّاف.. سترى الأرض مثل كائن من عراء”

إذا قمت بمحاولة صنع أي نوع من الفن، ستحبه. ستقدر القماشة البيضاء، الصفحة الفارغة، وحتى المجال الجوي داخل كل لوحة. أن تصنع وتضع شيئا في فراغ الفراغ، وإن كان فاتناً أم لا؟ ..لن يهم، فالفن عرض مستمر. إذا كنت ترغب أن تكون فناناً، فأنت لن تضر أحد (لن تضر نفسك) لن يكون هناك آثار جانبية للفن. مثل الأفراط في الشرب مثلاً، أو تناول جرعة زائدة من المخدرات.

“الفن هو مظاهرة سلمية أيها الفنان، سواءً تم ذلك في حجرتك أو في الأستوديو الخاص بك أو أمام جمهور كبير..”

أحيي الفنانين الذين يمكن أن يبدؤوا  كل مرة من جديد. الحياة تبزغ لك أحيانا من الطريق؛ من رعاية الاطفال، من زبائن عملك، من عملاء الشركات، من عصرك الحديث أينما وجدت وكنت.. تلك البداية والمحاولة كل مرة هي بمثابة ذلك الصغر. قال (بيكاسو) ذات مرة: “كل طفل هو فنان، المشكلة هي كيف أن يحافظ على الفنان بداخله بمجرد أن يكبر.”

ستواجهك بعد ذلك فوضاك- الذاتية. لا أعرف ما إذا كنت مثلي، حيث وضعت الكثير من الضغوط على رغبتي في الإنتاج. أريد أن أكون كآلة روبوت، أصنع الفن بكميات هائلة ومذهلة،  فقط أعمال مذهلة وباستمرار…هل يمكن ذلك؟

عزيزي الفنان، أهتف لك لأنك لم تُقدّر وتُحترم بعد. في بعض دول العالم، ينظرون للفنان كشيء عظيم. ولكن  علينا أن نجد التقدير من داخلنا من داخل مدننا وبيئتنا وبيوتنا. لكل أولئك الذين يمكن أن يخفوك تذكر هذه المقولة لـ(دينوس):

“فعلت كل شيء لتدفني.. ولكنك نسيت أنني بذرة..”

كونك فنان حاول أن تتغلب على الأشياء العديدة والتي ليس لها علاقة بالفن، أنت الفنان وأنت تمشي وتنظر و تُلقي القمامة. أنت الفنان الذي يرد على هواتف العمل المزعجة. سيظل الفنان داخلك حتى وأنت تبعث برسالة خاصة بالمال والأعمال.. أنت دائماً فنان.

ولذلك بالنسبة لأولئك الفنانين منا والذين يمكن أن يستمروا غير مشهورين. أولئك الذي سيتساءلون لماذا الفن على الإطلاق؟ ممارسة الفن ستكون لأسباب بشرية  صادقة، لأننا نستطيع. وبالتأكيد سننجح بعد يوم عملي متعب وشاق كجزء صغير من الجحيم .ستتمكن من ممارسة أيّ فعل فني في نهاية أي يوم منهك, معتاد وممل . وكما لو أنك تتحفز لممارسة الرياضة. الدقائق القليلة الأولى ستكون حقاً صعبة ، ومن ثم ستصبح ممتعة، وبعد ذلك تقريباً لن تريد أن تتوقف.

حدق جيداً  في هذه المقولة لـ(داميان هيرست): “أن تكون فناناً لا يعني الشهرة أبداً. أنه يعني الفن.. وفقط . والذي هو كل شيء غير مادي. غير مُدرك ولكنه يتحول ليحمل الكثير من النزاهة، والأمانة. في حين يمكن أن تكون الشهرة عكس ذلك. ولكن أعتقد أن عليك أن تعترف أنك تريد أن تصبح مشهور، وإلاّ لا يمكن أن تكون فناناً. الفن والشهرة معاً مثل الرغبة في العيش إلى الأبد”.

نحتاج كفانين للانضباط أكثر مما يتوقعه الجمهور منّا. الجمهور يرانا كما الأرواح الحرة التي تعيش وتمضي بصورة عشوائية، ولكن عليك أن تعرف أن  بعض الفنانين الأغزر إنتاجاً وأبداعاً كانوا  الأكثر استقامة على الأطلاق بخصوص الوقت على الأقل. بالنسبة لتلك الذوات المبدعة والمخصصة للفن والحرفة: الوقت هو الوقت والذي يجب أن يُنفق بأبداع أيضاً.

عزيزي الفنان، لا تنسى أنك إنسان طبيعي أيضاً، ولم تكن أبداً قادراً على صنع فنك بمفردك. أنت إنسان طبيعي وتحتاج للطبيعة. لذلك أسمح للبحر، والجبال، والمحيطات، والزهور حتى ترسل تغذيتها نحوك. ولا تنسى ما صنعه البشر أيضاً، أستمتع بقراءة  الكتب الجيدة، بسماع الموسيقى الملهمة، أستمتع بالفن. وشجع الآخرين.

أيها الفنان تنصتك الدائم داخل قوة شخصيتك لا يعني رحلة نحو الأنا المفردة. تنصتك يعني أن تستفيد من قوتك وقوة الأدلة الخاصة بك، أن تستخدم نفوس أجدادك القدامى، وكل ما يشكل روحك حول البشرية أجمع.

أن تستخدم إلهامك: يعني أن ترى من كان قبلك .. أن ترى روحك بينهم، وتكمل الفن.


[المصدر]

د. عادل مصطفى شارحًا تاريخ الفن الحديث

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسي، مصري معاصر، حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة، وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005. له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. تحدث د. (عادل) عن تاريخ الفن الحديث في كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن)، والذي يقوم فيه بكتابة نظرته الفلسفية للفن، أو دفاعه عن الفن فلسفيًا كما يعبّر عن ذلك في المقدمة. متكئًا بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل) (1881-1964).

يقول مفتتحًا سرده:

كان الفن في أواسط القرن التاسع عشر في سُبات أقرب إلى الاحتضار. وكان الشطر الأكبر من اللوحات الفنية يهدف إلى المحاكاة الأمينة والترديد الحَرفي للمرئيات الطبيعية الجميلة، لشخصيات مليحة وشواطئ ساحرة ومناظر ريفية خلابة.

في قلب هذا الركود بزغت حركة قلِقة مُقلِقة تنم على حيوية جديدة، هي حركة “الانطباعيين” الفرنسيين. أما لفظة “انطباعية” فقد أطلقها النقاد على مجموعة من المصورين كان (مونيه) فارسها الأشهر. وهي مأخوذة من عنوان لوحة رسمها (مونيه) عام 1872 وسمّاها “انطباع” كناية عن مشهد لشروق الشمس.

 ويكمل بعد ذلك قائلًا:

لقد أعاد الانطباعيون تعليم الناس كيف ينظرون إلى الأشياء من جديد، كما عملوا على صرفهم عن تعاليم فنية كثيرة. تخلّى الانطباعيون عن مهمة إعادة بناء الماضي، وعن التآليف المجازية، وعن التخيلات الرمزية. وأصبح يُقال “الانطباعية إنما تثير الإحساس عوضًا عن إثارة المخيلة”.

 ثم يقول عن الترميز، مختتمًا جملته بمقولة (ألكسندر إليوت) في كتابه (آفاق الفن):

إن الرموز، على حد قول (كلايف بل)، ليست أشكالًا  دالة في عامة الأحوال بل ناقلات خبر شكلية. والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها مادة ميتة في كائن عضوي حي. وهي جائسة مغلقة لأنها غير مغمورة في إيقاع “التصميم”. وليست الأساطير الشارحة التي اعتاد رسامو الصور التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم بأدخل على الفن البصري من الأشكال الرمزية التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. “إن الفن الرمزي المحض -الفن الذي يحتاج إلى مفتاح- ما هو دائمًا إلا بابٌ لخزانة، في حين أن الفن العظيم مصراعٌ مشرعٌ على التجربة العظيمة”.

ويبدو أن الحركة الانطباعية قد فقدت إشعاعها الأول. فيقول:

غير أن تركيز الانطباعيين على السطوح الخارجية للأشياء دفعهم إلى الإقلال من تكتل الموضوعات التي يصورونها وصلابتها، مما جعل فنهم يبدو في كثير من الأحيان خافتًا مائعًا رخوًا مفتقرًا إلى الشكل والصلابة. وفي قلب هذه البوادر الهدمية للحقيقة الواقعية في ظاهرها وُلدت الحاجة إلى إعادة بناء الواقع. وقد تم ذلك على يد (سيزان) أبي الفن الحديث.

ويقتبس عن كتاب (الوجودية) لـ(جون ماكوري):

“يُنظر إلى (بول سيزان) (1839-1906) في العادة على أنه أعظم شخصية مؤثرة في الفن الحديث، وربما تشير أعماله إلى ضرب من التوازي مع الحركة الوجودية، إذ نرى عنده نهاية للأشكال التقليدية في الفن وخلقًا لأشكالٍ جديدة. وهو يمكِّننا من أن نرى الأشياء بطريقة جديدة، وفي علاقات جديدة … إلخ”.

ثم يشرح آثار (سيزان) على الفن، فيقول:

أسس (سيزان)حركة بنائية أعادت للتصوير صلابته ومتانة بنيانه. واستخدم اللون من أجل التعبير عن “ثقل” الأشياء أو تكتلها. ولا يقل عن هذا أهمية ذلك العمق الكبير الذي اتسمت به لوحاته. وهكذا نراه يستطيع أن يخلق تجاوبًا إيقاعيًا بين العلاقات المكانية التي تمتد من وراء مسطح الصورة، فتنقل عين المشاهد فوق المسطحات المتداخلة للوحة ويشعر نتيجة لذلك بالحركة والتوتر. هذه العلاقات “التشكيلية” بين الكتل المصورة تؤلف جزءًا من معنى “الشكل” عند (سيزان).

ثم حصلت نقلة أخرى في تاريخ الفن. يقول د. (عادل):

وبعد حلول القرن العشرين اتجه الفنانون إلى استبعاد جميع آثار “التمثيل”. فالقيم التشكيلية واللونية للتصوير يُمكن أن تُستغل على أكمل نحو عندما لا يكون العمل مضطرًا إلى الاهتمام بمشابهة الواقع. وفي عام 1907 أتم (بيكاسو) رسمته الشهيرة (صبايا أفنينون) التي اعتبرت ثورة في فن التصوير واستبصارًا جديدًا بالواقع، وانبثقت عنها الحركة “التكعيبية”. كانت الدراسات التمهيدية التي قام بها (بيكاسو) قبل إنجاز اللوحة نهائيًا تلخص تطور هذه الثورة. ففي البداية كان المقصود من العمل أن يكون تمثيليًا، بل كان له شيء من الدلالة الأخلاقية. ،في الدراسات التالية أخذ البناء الشكلي للعمل يزداد أهمية، حتى انتهى الأمر إلى حذف العنصر الأخلاقي لصالح تكوينٍ يتألف من هيئة شكلية خالصة، تزداد بالتدريج، أثناء تطورها، تجريدًا وانتزاعًا للقوام الإنساني. وفي العمل النهائي انقسمت الوجوه والأجسام إلى تصميمات من الزوايا والمسطحات.

وبالمثل فإن الألوان في أجزاء الجسم كانت في كثير من الأحيان بعيدة كل البعد عن أية مشابهة مع الحياة. كانت هذه اللوحة إرهاصًا بالحركة التكعيبية التي أوغلت في التجريد وجعلت تحلل الموضوعات الطبيعية إلى تصميمات للسطوح، بطريقة تبلغ في كثير من الأحيان من الابتعاد عن الواقع حدًا لا نستطيع معه أن نعرف ما هو الأنموذج إلا عن طريق عنوان اللوحة.