أرشيف الوسم: الفن

المضمون الظاهر والكامن في الرواية

0703_writing_cog

برنار فاليت. حامل شهادة في الأدب الحديث، ودكتوراه في الأدب الفرنسي، ومحاضر في جامعة باريس 7 (Paris VII).

في كتابه (الرواية؛ مدخل إلى مناهة التحليل الأدبي وتقنياته)، والذي ترجمته الأستاذة (سمية الجراح) إلى اللغة العربية، تحدث عن الرواية بوصفها “عملًا مفتوحًا”. فيقول:

يمكننا القول، إذا استندنا إلى جمالية إعلامية، إن العمل الروائية هو رسالة منجزة بشكل صوري إلا أنها جزئية. ليس للرواية أي بنية محددة مسبقًا، وهي قد تخلصت من أي منظورية. إلا أنها، كي تكون مفهومة، عليها أن تحترم عددًا من الزخارف، أو أن تخلق عادات تؤسس معايير جديدة للمقروئية. تدين بحداثتها المستمرة إلى التوازن، المتقلّب دائمًا والمستقر بين ترقب المتلقي وأصالة المرسل.

وفي ذات الفصل، تابع حديثه قائلًا:

إن العمل المغلق هو أحادي الدلالة ويفرض وجود تفسير أدبي. يرتكز كل عمل فقه اللغة على إنشاء فهم أحادي المعنى للنص. أما العمل المفتوح فهو متعدد القيم، ويفلت من كاتبه، ويتخطى العصر وإطار المجتمع الذي تم تأليفه فيه وقد يأخذ على عاتقه دلالات جديدة، غير قابلة للبت، وفي بعض الأحيان معارضة بشكل كلي للتصميم البدائي لمبدعه. وُلد المعنى المتناقض من ازدواجية الإشارات، وهو بذاته خصب.

ثم تحدث عن الرسالة المتضمنة في الروايات، بفصل أسماه “المضمون الظاهر والمضمون الكامن”، والذي يقول فيه:

يمكن اعتبار الملفوظ الروائي، ما تقوله الرواية، مكانًا للخطاب المزدوج؛ الواحد ذو نمط إخباري بحت، مفهومي؛ والآخر الذي يقتبس من الحكاية إغراءات المتخيّل، يكون سرديًا حصرًا. تتوافق دراسة كل من هذه السجلات مع توجه محدد. فبينما يسعى تحليل المضمون إلى الإمساك بالعناصر المناسبة على مستوى الأفكار فقط ولا يمتنع عن القراءة بين السطور كي يكتشف دلالة عميقة، ماذا يريد النص أن يقول، على العكس من ذلك، ما يعتبره التحليل البنيوي أساسًا هو منطق السرد. ما يهم بالنسبة إلى الإثنوغرافيين، كما بالنسبة لأولئك المدعوين بالشكلانيين الروس، بالنسبة إلى أي محاولة تحليل وثائقي، مكنن أو معلّم، لمدونة سردية، هو فقط الأفعال أو وفقًا لمصطلحية (بروب)، الوظائف. من بين الأوائل، أعتقد (ليفي-ستراوس) أنه بالإمكان الملاحظة:

“لا توجد ماهية الأسطورة في الأسلوب ولا في طريقة السرد ولا في علم النحو لكن في القصة المروية”.

كذلك يبدو أن الرواية تقدم خطابًا سطحيًا، أو معنى ظاهريًا، ومضمونًا كامنًا، أو معنى عميقًا، ويمكننا منذ الآن ملاحظة أنها تتطابق بالنسبة للبعض مع نواتها الدلالية؛ قال (لا فونتين): “لا يجب تقديم درس أخلاقي سوى الملل، أما الحكاية فهي تمرر التعليم الأخلاقي معها”. وبالنسبة إلى الآخرين، تتطابق الرواية مع بنيتها السردية، القصصية أو العاملية.

حليم بركات، عن العلاقة بين الغربة والإبداع

حليم بركات

حليم بركات (مواليد 1933) عالم اجتماع واستاذ جامعي وروائي سوري. له العديد من الدراسات والروايات والمقالات المنشورة.

في كتابه (غربة الكاتب العربي)، نشر فصلًا يتحدث عن العلاقة بين الغربة والإبداع، فيقول مستفتحًا:

أتساءل في هذه الدراسة عن طبيعة العلاقة بين الإبداع الأدبي وذلك النوع الخاص من الهجرة الذي أسمّيه “الغربة” – وهو ذلك النوع الذي يصاحبه إحساس عميق بالنفي نتيجة لاستمرار الانتماء إلى المجتمع الأصلي والحنين إليه، على العكس من تلك الهجرة الطوعية التي تنتهي بالاندماج في المجتمع الجديد وتبنّي هويته.

يبتدئ بعد ذلك في تعريف الإبداع، فيقول:

نعرّف الإبداع بأنه إنتاج أعمال جديدة لا شبيه لها في السابق بسبب حصول رؤية متفردة للعلاقات بين الأشياء أو الكائنات لم يرها أحد من قبل. إنه التخيّل الخلاق الذي يمكّن المبدع من أن يرى علاقات جديدة هي غير تلك العلاقات التي اعتدنا أن نراها ونتعامل معها. […] توصل (جورج لوكاش) إلى أن “الفنانين العظماء كانوا دائمًا روادًا في تقدّم الإنسانية .. بأعمالهم الإبداعية”. وربط (فرويد) بين الإبداع والأحلام حين تخف الرقابة الصارمة على اللاوعي بفعل الوعي التقليدي. ويرى (لورانس هاتيرر) أن “المبدع يملك قدرة عقلية خاصة على الاستفادة من تجاربه الواعية وغير الواعية باختيار مشاعره وأفكاره وتنظيمها وتكثيفها وصياغتها أفكارًا ونتاجًا جيدًا”. 

ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن طبيعة العلاقة بين الإبداع والغربة، قائلًا:

نعرف من الدراسات الاجتماعية النفسية ومن التجارب الخاصة والعامة أن المبدعين في مختلف المجالات أميل إلى النزوع الداخلي أو الانطواء والتأمل الباطني منهم إلى النزوع أو التوجه الخارجي، فالخلق لا يتم بالعمل الجماعي، بل بالعمل التأملي لوقت طويل وباستمراره. وبين النتائج التي توصل رليها الباحثون في هذا المجال أن المبدعين عاشوا نوعًا من العزلة أو الانطواء الذاتي في الطفولة واستمدوا اكتفاءً ذاتيًا من أفكارهم وانشغالاتهم نشاطاتهم الخاصة، ومقابل هذا، وجد الباحثون أن الاتباعيين أو المقلدين عاشوا حياة اجتماعية مكثفة ونزوعًا ظاهرًا للخارج تسوده الطقوسية ورموز العضوية بدلًا من رموز التفرد، واستمدوا اكتفاءهم الذاتي من العلاقات الخارجية فحسب ومن نشاطاتهم العملية الخالية من التأمل.

ويقول في العزلة، بعد ذلك:

إن العزلة التي أراها ملازمة للإبداع هي ذلك التأمل الباطني المنتظم المستمر لا الانفصال والانغلاق والقطيعة. ما أقول به هو ضرورة إيجاد الفسحة الزمانية والمكانية للتأمل وتجاوز الطقوسية والمحدودية المفروضة علينا منذ الصغر.

وعن علاقة ذلك الإبداع بالمجتمع، يقول:

بين الاستنتاجات التي توصّل إليها علم اجتماع الأدب والفن عمومًا أن هناك علاقة بين الإبداع والأزمات المجتمعية. وفي ما يتعلق بتجارب الإبداع الأدبي العربي في هذا المجال، وهذا هو الذي يهمنا في هذه الدراسة، يمكننا أن نناقش بأنه ازدهر في تلك الفترات الزمنية التي اختبر فيها المجتمع أزمات عامة حادة، ورافق ذلك أو نشأ عنه وعي واقتناع بضرورة النقد التحليلي والمواجهة في سبيل تجاوز الأوضاع السائدة في حينه فظهرت في ما ظهر حركات شعبية مناضلة وحركات فكرية وكتابات ثورية.

وأخيرًا، يتحدث عن سبب تلك العلاقة:

بكل بساطة، تؤمن الهجرة بالنسبة إلى الإنسان الملتزم بقضايا مجتمعه تلك المسافة الضرورية التي يرى منها مجتمعه الأصلي بشموليته فيتأمله متحررًا من أشكال الرقابة المباشرة. هذه المسافة أو هذا البعد هو بمثابة التأمل الباطني بعد زمن طويل من الاندماج الكلي والغرق في متاهات التفاصيل والجزئيات والمخاوف التي يستبطنها الإنسان فتتحول إلى رقابة محبطة. بكلام أدق، بقدر ما توفر الهجرة للإنسان مجالات العزلة والتحرر بالمعاني […] تساهم في خلق المناخ الضروري لحصول الإبداع.

ويختتم حديثه بإيضاع معنى السلطة:

وحين نتكلم على السلطة المركزية لا نقصد بذلك مجرد السلطة السياسية. إننا نشمل أيضًا السلطة الاجتماعية – الاقتصادية – الثقافية. بهذا المعنى الأخير، تتميز السلطة في المجتمع العربي بأنها تستمد قوة خاصة من البنى العائلية الأبوية والدينية التي تضفي عليها طابع القداسة فلا تعود قابلة للنقاش.

ويتسع نطاق القداسة ليشمل اللغة لا مجرد الرسالة التي تحملها مما يفسر شدة تقليدية اللغة في الثقافة العربية السائدة وعدم التسامح تجاه الخروج على القوالب والصيغ المتوارثة.

في السخرية عند محمود درويش

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، تحدث (درويش) عن السخرية، فقال في رسالته:

هل أسخر؟ أسخر كثيرًا. فالسخرية وهي البكاء المُبطن خير من دموع الاستعطاف، لأن الرجل قد امتد بنا إلى ما دون أرذل العمر، إلى يوم نهبُّ فيه لمواساة القاتل بما حلّ به من مصاب. هو تأنيب الضمير، حين أتقن لعبة البكاء الإلكتروني على ضحايانا، فكدنا نقول له: “اغفر لنا موتنا على يديك .. اغفر لنا أننا سببنا لك بعض الإزعاج!”.

اضحك، يا ولدي، اضحك. فليس في وسعنا أن ننساق في لغة الحزن أكثر مما انسقنا، فلنوقفها بالسخرية، لا لأن السخرية هي “اليأس وقد تهذّب” كما يقولون، بل لأنها لا تثير الشفقة، ولأنها تنزل القاتل من منزلة الفكرة المجردة، السلطة المطلقة، إلى “إنسانية” تتعارض مع إنسانية البشر ومع الطبيعة الإنسانية، إلى “إنسانية” مضحكة بقدر ما هي مرعبة.

عن قوة الموسيقى عند كافكا وهدف الفن

كافكا

فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية.

“بدون الموسيقى كانت الحياة لتكون غلطة” كما صرح (نيتشه)، أحد المُفكرين القدماء المشهورين و الذي كان في تأملاته نصيب لقوة الموسيقى الفريدة. و بعد جيلين لاحقين التفت (فرانز كافكا) (1883-1924)، و هو كاتب آخر سوداوي عبقري و موهوب بالتنوير بتصريحات شديدة السوداوية، إلى هذا الموضوع خلال محادثاته الجوالة مع رفيق مراهقته و المُحاور الفكري (غوستاف جانوش) والمجموعة في كتابه المعنون بـ(حوارات مع كافكا)، الذي أعطانا نظرة عن رأي الكاتب المكتئب حول الطاوية، المظهر مقابل الواقعية، والحب وقوة الصبر.

خلال إحدى جولات صيف سنة 1922 تحولت دفة الحوار إلى الموسيقى، و هو التخصص الذي أراد (غوستاف) ذو السبع عشرة عامًا بشغف شديد أن يدرسه إلا أن والده حرم عليه هذا المسعى. أخبر (كافكا) رفيقه الشاب:

إن الموسيقى هي صوت الروح،صوت العالم الذاتي المباشر.

في محادثة في أعقاب هذه حين شارك (غوستاف) مرشده قصة قصيرة كتبها بعنوان موسيقى الصمت علق (كافكا) بإسهاب عن كيف تسكب الموسيقى سحرها و فتنتها على الروح:

كل ما هو حي هو في تبدل و تدفق،و يصدر صوتًا و لكننا لا نحتفظ إلا بجزء منها. فنحن لا نسمع تدفق الدم و دورانه، و لا تزايد التلف في أنسجة أجسامنا،و لا صوت عملياتنا الكيميائية، و لكن خلايا أعضائنا الرقيقة، ألياف أدمغتنا و أعصابنا و بشرتنا مُشربة في هذه الأصوات الخافتة، فهي تهتز استجابةً لبيئتها. هذا هو أساس قوة الموسيقى، حيث يمكننا أن نحرر هذه الاهتزازت الشعورية العميقة، و لتنفيذ ذلك نوظيف الآلات الموسيقية ليكون العامل الحاسم هو أصواتها المحتملة الداخلية. بعبارة أخرى: ما هو حاسم ليس قوة الصوت أو اللون الإيقاعي و لكن الميزة الخفية، الحدة التي بها تؤثر القوة الموسيقية على الأعصاب. يجب على الموسيقى أن ترتقي إلى اهتزازت وعي الانسان و إلا ستكون خافتة و  غير محسوسة. اجلب الصمت إلى الحياة، اكشف الغطاء عن الصوت المخفي للصمت.

في محادثة أخرى تناول (كافكا) التشابه والاختلاف بين الموسيقى والشعر، قال (كافكا) مخاطبًا (غوستاف):

تخلق الموسيقى متعةً جديدة غير ملحوظة و أكثر تعقيدًا بل و أكثر خطرًا، لكن الشعر  يهدف إلى تصنيف جموح المتع بمنحها صفة العقلانية و الثقافية،بتنقيتاه و بتحوليها إلى شيء انساني. إن الموسيقى تُضاعف شهوات الحياة بينما الشعر من ناحية أخرى يهذبها و يسمو بها.

بالرغم من ذلك فقد كان (كافكا) رشيقًا في محاولة حماية نفسه من سطوة الموسيقى:

إن الموسيقى بالنسبة لي تُشبه إلى حد ما البحر .. فأنا في حضورها مهزوم، يراودني شعور بالهيبة المفاجئة،مسحور و مفتون، و لني بالرغم من ذلك خائف، خائف بشدة من بلوغها النهاية. في الحقيقة أنا بحار سيء.

تبقى جسامة شعور (كافكا) بالإنغمار، ربما المقياس الوحيد المباشر لشدة حبه، فقد كتب مرة في أحد رسائله الجميلة و الموجعة للقلب: “لا أريد أن أعرف ما تلبسينه”، “يشتتني كثيرًا أنني لا أجيد التعاطي مع الحياة”.

عندما انتحب (غوستاف) على احتجاج والده واعتراضه على الموسيقى وتسائل إذا ما كان امتلاكه لعقله الخاص يمنحه الحق لعصيان رغبات والده و ملاحقة شغفه بدلًا عن ذلك، وسع (كافكا) تساؤله إلى تأمل أعمق عن السبب الذي يدفع الفنانين لصناعة فنهم:

إن استخدام الواحد لعقله هو عادةً الطريقة الأسهل لخسارته، طبعًا لا أعني بهذا دراستك للموسيقى أو أنني أعارضها. بالمقابل فإن أقوى العواطف و أكثرها عمقًا هي القدرة على التمتع بالعقلانية. هناك شغف يدفع كل فن، ولذلك فأنت تجاد و تعاني لأجل الموسيقى و لكن الأمر يسير هكذا دومًا في الفنون، يجب على الشخص أن يُلقي بحياته ليكسبها.

في محادثة أخرى تطرق مرة أخرى للموضوع و شبه التضحيات التي تُقدم في الفنون بتلك التي تُقدم في العبادة الدينية.  في إحدى الأفكار الوجدانية التي تُذكر بتأكيد (سيمون فايل) الثابت: “الإنصات و الاهتمام هو أشد أشكال الكرم نقاوةً و ندرةً و التمتع بأعلى درجاته يشابه الصلاة”، وما الفن إن لم يكن أعلى درجات الكرم؟ يقول (كافكا) لـ(غوستاف):

الصلاة و الفن هي أعمال شغوفة تتعلق بالقدرة،فالواحد يرغب بتخطي هذه القدرة و تحسين احتمالاتها العادية. يُماثل الفن الصلاة فكلاهما كيد ممتدة في الظلام باحثةً عن لمسة من الرحمة لتتحول إلى يدٍ تمنح الهدايا. تعني الصلاة أن يذيب الواحد ذاته في قوس قزح الأعجوبي الممتد بين التكون و الموت، ليستهلكها فيه لجلب بريقه اللانهائي و ألقه إلى سرير الواحد في أرجوحة وجوده الذاتي الواهن.


[المصدر]

في مديح الاستعارة، عند عادل مصطفى

0703_writing_cog

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. في كتابه (أوهام العقل)، والذي تناول فيه أفكار الفيلسوف (فرانسيس بيكون)، كتب جزءًا يمتدح في الاستعارة، كأسلوب أدبي رفيع. يقول الدكتور (عادل مصطفى):

إن تدمير المعنى الحرفي في الاستعارة يتيح لمعنى جديد أن يظهر. وبنفس الطريقة تتبدل العملية الإشارية في الجملة الحرفية وتحل محلها إشارة ثانية هي التي تجيء بها الاستعارة. وقد يبدو أن الاستعارة لا تفعل أكثر من تحطيم العملية الإشارية؛ غير أن هذا في الظاهر فقط. فالاستعارة المبدعة الحية تخلق إشارة جديدة تتيح لنا أن نصف العالم أو جزءًا من العالم كان ممتنعًا على الوصف المباشر أو الحرفي. فالاستعارة وسيلة سيمانتية -دلالية- للإمساك بقطاعات من الواقع ومن خبايا النفس لا يطالها التعبير الحرفي ولا يملك منفذًا إليها. بوسع الاستعارة أن تقبض على مستويات عديدة للمعنى في وقت واحد، وتربط المعنى المجرد بالمعنى الحسي البدائي المشحون بالعاطفة والانفعال، وتعقد بينهما وصلًا مثريًا وتكاملًا صحيًا. والاستعارة إذ تهيب بالخيال الصوري فهي تدعم “الذاكرة البعيدة” وتنمّي الإنتاج اللفظي وتحفز الفهم التكاملي. والاستعارة إذ تجلب كل ملحقات المشبَّه به وتلصقها في المشبَّه فهي تتيح كمًّا معلوماتيًا كبيرًا بمبذول لفظي صغير. وهي بهذا الاقتصاد الذهني تجعل الفكر أبعد مرمى وأكثر طموحًا.