أرشيف الوسم: الفن

ميلان كونديرا، وتعدد معاني كلمة “التاريخ”

1milan_kundera1

ميلان كونديرا – روائي وفيلسوف تشيكي. لديه العديد من الروايات العالمية الشهيرة، أبرزها (كائن لا تحتمل خفته). يتحدث في كتابه النقدي (الستارة) عن تعدد معاني كلمة “التاريخ“، فيقول مستفتحًا:

في هاتين العبارتين: “تاريخ ألمانيا”، “تاريخ فرنسا”، يختلف المُضاف إليه بينما يحتفظ مفهوم التاريخ بالمعنى ذاته. وفي عبارات “تاريخ الإنسانية”، “تاريخ التقنية”، “تاريخ العلم”، “تاريخ هذا الفن أو ذاك” ليس المُضاف إليه هو المختلف فقط، بل حتى كلمة “تاريخ” تعني كل مرة شيئًا مختلفًا.

ثم يضرب مثلًا ، لأجل توضيح الفارق في كلمة “تاريخ“:

يكتشف الطبيب (أ) طريقة عبقرية لعلاج أحد الأمراض، لكن الطبيب (ب) يضع بعد عشر سنوات طريقة أخرى أكثر فعالية بحيث تُهمَل الطريقة السابقة، رغم أنها عبقرية، وتُنسى. تاريخ العلم له طابع التقدم.

أما إذا طبّقنا مفهوم التاريخ على الفن، لن تعود له صلة بالتقدم؛ فهو لا يتضمن إتقانًا وتحسينًا وارتقاءً؛ يشبه الإقدام على رحلة لاكتشاف أراضٍ مجهولة وتدوينها على خريطة. ليس طموح الروائي أن يكتب أفضل من سابقيه وحسب، بل وأن يرى ما لم يروه، أن يقول ما لم يقولوه. لم تقلل شعرية (فلوبير) من شأن شعرية (بلزاك) كما أن اكتشاف القطب الشمالي لم يُلغِ اكتشاف أمريكا.

يتابع بعد ذلك قائلًا:

لا يتعلق تاريخ التقنية بالإنسان وحريته؛ ولا يمكنه أن يختلف عمّا كانه ولا عمّا سيكونه، بخضوعه لمنطقه الخاص؛ وبهذا المعنى هو غير إنساني؛ لو أن (أديسون) لم يخترع المصباح، لكان آخرَ اخترعه، لكن لو لم تخطر ببال (لورانس ستيرن) الفكرة المجنونة لكتابة رواية دون أية “قصة”، لما حلّ أحد مكانه ولما صار تاريخ الرواية على النحو الذي نعرفه.

“تاريخ الأدب، على العكس من التاريخ فقط، يجب ألا يتضمن إلا أسماء الانتصارات، ما دامت الهزائم فيه ليست انتصارًا لأحد”. تلخّص هذه الجملة الألمعية لـ(جوليان غراك) كل النتائج حيث إن تاريخ الأدب، “على العكس من التاريخ فقط”، ليس تاريخ أحداث، وإنما تاريخ قيم. فلولا (واترلو) لكان تاريخ فرنسا غير مفهوم، لكن كُتّاب (واترلو) الصغار وحتى الكبار لا مكان لهم إلا في النسيان.

التاريخ “فقط”، تاريخ الإنسانية، هو تاريخ أحداث لم تعُد موجودة ولا تُسهم بشكل مباشر في حياتنا. أما تاريخ الفن، لأنه تاريخ القيم، أي تاريخ الوقائع الضرورية لنا، فهو حاضر دائمًا، معنا دومًا؛ ويصغي إلى (مونتيفيردي)، و(سترافينسكي)، في الحفلة الموسيقية ذاتها.

ويختتم مقالته بعد ذلك:

وما دامت قيم الأعمال الفنية معنا دومًا، فإنها تثير الشك باستمرار، تُمنع، تُحاكم، وتعاد محاكمتها، لكن كيف تُحاكم؟ ليس هناك في مجال الفن معايير دقيقة لأجل ذلك. كل حكم جمالي هو رهانٌ شخصي؛ لكن رهانًا لا ينغلق على ذاتيته التي تواجه أحكامًا أخرى، يميل إلى أن يُعرف، ويصبو إلى الموضوعية. في الوعي الجمعي، تاريخ الرواية بكل زمانه الممتد من (رابليه) حتى أيامنا هذه، يوجد هكذا في تحوُّل مستمر يشارك فيه الذكاء والغباء، الكفاءة وعدم الكفاءة، وفوق ذلك النسيان الذي لا يفتأ يوسع مقبرته الفسيحة التي ترقد فيها، إلى جانب اللاقيم، قيم منتَقَصٌ من قدرا، مستخفٌ بها أو منسية. وهذا الظلم المحتوم يجعل تاريخ الفن إنسانيًا بعمق.

د. عادل مصطفى عن علاقة الفن والحياة

philosophy

الدكتور عادل مصطفى طبيب نفسى مصرى معاصر حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005 له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة .. فى كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الاستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن) والذي يعتمد فيه بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل)، بقول متحدثًا عن علاقة الفن بالحياة:

مهما تكن علاقته بالحياة، فالفن غير الحياة. صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من تربة الحياة؛ إلا أنه –شأن كل كيان انبثاقي- مستقل عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن “رده” إلى عناصره الأولى. فلو كان الفن مجرد رهافة حسية إنسانية وتوقّد وجداني حياتي لكانت أي فتاة مراهقة نزقة هي أشعر الناس. ولو كان الفن مجرد تأثر بالطبيعة أو بأحداث الحياة لانتفت الحقيقة التي نراها جميعًا من أن المدرسة الأولى للفنانين هي مدرسة الفن لا مدرسة الحياة، وأن نقطة البداية في حياتهم هي التأثر بزعمال غيرهم من الفنانين العظام لا التأثر بمناظر العالم الخارجي، وهي المشاركة في عالم الفن لا المشاركة في عالم الطبيعة.

ثم يقول مشددًا على ذلك:

الفن فن والحياة حياة. ومَن يتعامل مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه بمعايير الحياة يقع في مغالطة “خلط المقولات” أو ما صار يسمى “الخطأ المقوليcategory mistake.

ويتابع قائلًا:

فمن الخطأ الفادح أن نحاول فهم الموضوع الاستطيقي بإدخاله في إطاراتنا الذهنية المعتادة. فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص. ولا سبيل إلى فهمه إلا على أرضه، وبلوائحه وشروطه.

ويختم جملته باقتباس عن (كلايف بل) من كتابه (الفن):

“ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعَليه أن يتضع أمامه. أما الذين يرون أن الأهمية الرئيسية للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو النفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدّروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه. وأيًا ما كان عالَم التأمل الاستطيقي فهو ليس عالَم المشاغل والأهواء البشرية. إنه عالمٌ لا تسمع فيه لغوَ الوجود المادي وصخبه. أو تسمعه مجرد صدى لتوافُق آخر أكثر جوهرية”.

ويختتم حديثه بكلمات عن ضرورة الفن وفائدته، فيقول:

والفن بوظيفته المعرفية […] يفتح لنا مغاليق العالم الوجداني. فإلى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري من العالم، فإن الفن يزيد من تمكننا الإدراكي والانفعالي. فبفضل كُتّاب من طراز (شكسبير) و(بروست) أمكننا أن نفطن إلى دقائق سيكلوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها. وبفضل مصوّرين من طراز (سيزان) و(مانيه) تعلّمنا كيف ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف ننتشي بالتحامنا بالوجود والتقائنا بماهية الأشياء. ومهما أمدنا العلم من معرفة عن حقائق العالم الخارجي، سنبقى بحاجة إلى الفن لكي يزودنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات أعماقنا السحيقة.

د. عادل مصطفى شارحًا تاريخ الفن الحديث

الدكتور عادل مصطفى، طبيب نفسي، مصري معاصر، حائز على جائزة (أندريه لالاند) في الفلسفة، وجائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية (الفلسفة المعاصرة) عام 2005. له عدة كتب، كما قام بترجمة عدد من الكتب الفلسفية المهمة. تحدث د. (عادل) عن تاريخ الفن الحديث في كتابه (دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن)، والذي يقوم فيه بكتابة نظرته الفلسفية للفن، أو دفاعه عن الفن فلسفيًا كما يعبّر عن ذلك في المقدمة. متكئًا بشكل كبير في طرحه على كتاب (الفن) للناقد الفني البريطاني (كلايف بل) (1881-1964).

يقول مفتتحًا سرده:

كان الفن في أواسط القرن التاسع عشر في سُبات أقرب إلى الاحتضار. وكان الشطر الأكبر من اللوحات الفنية يهدف إلى المحاكاة الأمينة والترديد الحَرفي للمرئيات الطبيعية الجميلة، لشخصيات مليحة وشواطئ ساحرة ومناظر ريفية خلابة.

في قلب هذا الركود بزغت حركة قلِقة مُقلِقة تنم على حيوية جديدة، هي حركة “الانطباعيين” الفرنسيين. أما لفظة “انطباعية” فقد أطلقها النقاد على مجموعة من المصورين كان (مونيه) فارسها الأشهر. وهي مأخوذة من عنوان لوحة رسمها (مونيه) عام 1872 وسمّاها “انطباع” كناية عن مشهد لشروق الشمس.

 ويكمل بعد ذلك قائلًا:

لقد أعاد الانطباعيون تعليم الناس كيف ينظرون إلى الأشياء من جديد، كما عملوا على صرفهم عن تعاليم فنية كثيرة. تخلّى الانطباعيون عن مهمة إعادة بناء الماضي، وعن التآليف المجازية، وعن التخيلات الرمزية. وأصبح يُقال “الانطباعية إنما تثير الإحساس عوضًا عن إثارة المخيلة”.

 ثم يقول عن الترميز، مختتمًا جملته بمقولة (ألكسندر إليوت) في كتابه (آفاق الفن):

إن الرموز، على حد قول (كلايف بل)، ليست أشكالًا  دالة في عامة الأحوال بل ناقلات خبر شكلية. والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها مادة ميتة في كائن عضوي حي. وهي جائسة مغلقة لأنها غير مغمورة في إيقاع “التصميم”. وليست الأساطير الشارحة التي اعتاد رسامو الصور التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم بأدخل على الفن البصري من الأشكال الرمزية التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. “إن الفن الرمزي المحض -الفن الذي يحتاج إلى مفتاح- ما هو دائمًا إلا بابٌ لخزانة، في حين أن الفن العظيم مصراعٌ مشرعٌ على التجربة العظيمة”.

ويبدو أن الحركة الانطباعية قد فقدت إشعاعها الأول. فيقول:

غير أن تركيز الانطباعيين على السطوح الخارجية للأشياء دفعهم إلى الإقلال من تكتل الموضوعات التي يصورونها وصلابتها، مما جعل فنهم يبدو في كثير من الأحيان خافتًا مائعًا رخوًا مفتقرًا إلى الشكل والصلابة. وفي قلب هذه البوادر الهدمية للحقيقة الواقعية في ظاهرها وُلدت الحاجة إلى إعادة بناء الواقع. وقد تم ذلك على يد (سيزان) أبي الفن الحديث.

ويقتبس عن كتاب (الوجودية) لـ(جون ماكوري):

“يُنظر إلى (بول سيزان) (1839-1906) في العادة على أنه أعظم شخصية مؤثرة في الفن الحديث، وربما تشير أعماله إلى ضرب من التوازي مع الحركة الوجودية، إذ نرى عنده نهاية للأشكال التقليدية في الفن وخلقًا لأشكالٍ جديدة. وهو يمكِّننا من أن نرى الأشياء بطريقة جديدة، وفي علاقات جديدة … إلخ”.

ثم يشرح آثار (سيزان) على الفن، فيقول:

أسس (سيزان)حركة بنائية أعادت للتصوير صلابته ومتانة بنيانه. واستخدم اللون من أجل التعبير عن “ثقل” الأشياء أو تكتلها. ولا يقل عن هذا أهمية ذلك العمق الكبير الذي اتسمت به لوحاته. وهكذا نراه يستطيع أن يخلق تجاوبًا إيقاعيًا بين العلاقات المكانية التي تمتد من وراء مسطح الصورة، فتنقل عين المشاهد فوق المسطحات المتداخلة للوحة ويشعر نتيجة لذلك بالحركة والتوتر. هذه العلاقات “التشكيلية” بين الكتل المصورة تؤلف جزءًا من معنى “الشكل” عند (سيزان).

ثم حصلت نقلة أخرى في تاريخ الفن. يقول د. (عادل):

وبعد حلول القرن العشرين اتجه الفنانون إلى استبعاد جميع آثار “التمثيل”. فالقيم التشكيلية واللونية للتصوير يُمكن أن تُستغل على أكمل نحو عندما لا يكون العمل مضطرًا إلى الاهتمام بمشابهة الواقع. وفي عام 1907 أتم (بيكاسو) رسمته الشهيرة (صبايا أفنينون) التي اعتبرت ثورة في فن التصوير واستبصارًا جديدًا بالواقع، وانبثقت عنها الحركة “التكعيبية”. كانت الدراسات التمهيدية التي قام بها (بيكاسو) قبل إنجاز اللوحة نهائيًا تلخص تطور هذه الثورة. ففي البداية كان المقصود من العمل أن يكون تمثيليًا، بل كان له شيء من الدلالة الأخلاقية. ،في الدراسات التالية أخذ البناء الشكلي للعمل يزداد أهمية، حتى انتهى الأمر إلى حذف العنصر الأخلاقي لصالح تكوينٍ يتألف من هيئة شكلية خالصة، تزداد بالتدريج، أثناء تطورها، تجريدًا وانتزاعًا للقوام الإنساني. وفي العمل النهائي انقسمت الوجوه والأجسام إلى تصميمات من الزوايا والمسطحات.

وبالمثل فإن الألوان في أجزاء الجسم كانت في كثير من الأحيان بعيدة كل البعد عن أية مشابهة مع الحياة. كانت هذه اللوحة إرهاصًا بالحركة التكعيبية التي أوغلت في التجريد وجعلت تحلل الموضوعات الطبيعية إلى تصميمات للسطوح، بطريقة تبلغ في كثير من الأحيان من الابتعاد عن الواقع حدًا لا نستطيع معه أن نعرف ما هو الأنموذج إلا عن طريق عنوان اللوحة.

نظرية التناص في النقد الغربي وتحليل بنية النص

توصلت جوليا كريستيفا، من مواليد 1941، الفيلسوفة و الأديبة وعالمة اللسانيات والمحللة النفسية الفرنسية من أصل بلغاري إلى إبتداع مصطلح التناص أو النصوصية على مظاهر معينة في الخطاب والأدب والتي كانت موجودة قبل تبلور المفهوم، فقد لعبت (كريستيفا) بمشاركة عدد من الفلاسفة منهم (ميشال فوكو) و(رولان بارت) .. دوراً حاسماً في تطور النظرية الأدبية واللسانية متأثرة في مفهوم تعددية الأصوات والحوارية لدى الباحث الروسي (ميخائيل باختين) (1895-1975)

درس (باختين) تعددية الأصوات والحوارية في روايات (دوستيوفسكي) فيقول:

لا يحصر (دوستويفسكي) اهتمامه، على النقيض من معظم الفنانين، بالوظائف التمثيلية والتعبيرية للخطاب -فن إعادة الخلق- كشيء صنعي، والخصوصية الاجتماعية والفردية لخطاب الشخصيات، ما يستأثر بجوهر اهتمامه أكثر من غيره هو التفاعل الحواري للخطابات مهما كانت تفصيلاتها اللغوية. إن الغاية الرئيسية للتمثيل والتي يهندسها هو، هي الخطاب نفسه، وبصورة خاصة الخطاب ذو المعنى. أعمال (دوستويفسكي) خطاب على خطاب وموجهة إلى خطاب.

فإنه يرى أن النص هو تفاعل الحوار “مع الأنا أو مع شخص آخر” أي اعتبر أن كلامنا ما هو إلا خطاب الآخر في لغة الآخر، فهو مثل كثير من العلماء والنقاد ينفي أصالة النص والخطاب وملكيته المطلقه لكاتبة وأنه خلاصة تفاعلات تاريخية واجتماعية، باستثناء الحقائق والاخبار والعلاقات المنطقية من نفي، واستنتاج..

ونحن نرى أن المعنى اللساني لملفوظ معين, يُدرك من خلال خلفية اللغة ومعناها الحقيقي، ومن خلال خلفية ملفوظات أخرى ملموسة متصلة بنفس التيمة، وخلفية آراء ثانية ووجهات نظر وتقديرات قائمة في لغات مختلفة. بعبارة أخرى، فإن معنى ملفوظٍ ما، يدرك من خلال خلفية كل ما يُعقد مسيرة أي خطاب نحو موضوعه. لكن الآن، تتقد هذه البيئة المتعددة اللسان من الكلمات الأجنبية إلى المتكلم لا داخل الموضوع، وإنما داخل قلب المحاور باعتباره خلفيته المدرِكة، المثقلة بالأجوبة والاعتراضات. وكل ملفوظ يتجه نحو هذه الخلفية التي ليست لسانية، بل غيرية وتعبيرية. وعندئذ يحدث لقاء جديد للملفوظ بكلام الآخرين، يُمارس تأثيراً جديداً ونوعياً على أُسلوبة.

لم يستعمل (باختين) مصطلح “التناص” لكن المفهوم كان كامن، فادخله (باختين) إلى النظرية الأدبية الغربية، ممهداً للنظرية عبر عدة عناصر: (اللغات، التحول عبر ترابط الأصوات المتعددة، الحوارية، الوحدات الخطابية للثقافة) وهي العناصر التي تُكوّن مفهوم التناص، (كريستيفا) بخلفيتها المتنوعة في اللسانيات والأدب وعلم النفس واللغات انتشلت الفكرة التي بدأها باختين وأطلقت عليها مسمى التناص intertextuality وفصلت في الدراسة البنيوية للمحكى “الملفوظ” على مستوى الكلمة والحوار والرواية في مقال بعنوان (الكلمة والحوار والرواية) فتقول على مستوى الكلمة:

بوضع مفهوم الوضع الاعتباري للكملة كأصغر وحدة في البنية، حصر باختين النص داخل التاريخ وداخل المجتمع، منظوراً إليهما على أنهما نصّان يقرأهما الكاتب، وينصهر فيهما عند إعادة كتابتهما […] فدراسة الوضع الإعتباري للكلمة تعني دراسة ترابطات الكلمة “كمركب دلالي” بالكلمات الأخرى للجملة، واستخراج نفس الوظائف “العلاقات” على مستوى الترابطات المتوالية الكبرى. وإزاء هذا التصور الفضائي للاشتغال الشعري للغة، سيكون من الضروري أن نحدد أولاً الأبعاد الثلاثة للفضاء النصي الذي ستتحقق فيه مختلف عمليات المجموعات الدلالية والمتواليات الشعرية، وهذه الأبعاد الثلاثة هي: ذات الكتابة، والمتلقي، والنصوص الخارجية (ثلاثة عناصر في حوار) وبهذا يتحدد الوضع الإعتباري للكلمة:

أ) أفقياً: تنتمي الكلمة في النص إلى ذات الكتابة و إلى المتلقي في نفس الوقت.

ب) عامودياً: الكلمة في النص موجهة نحو المتن الأدبي السابق أو المتزامن.

يكتب الكاتب نصه الخاص؛ بحيث يتلاقى المحور الافقي (الذات-المتلقي). والمحور العامودي (النص-السياق) قصد الكشف عن عمل عظيم، إن الكلمة (النص) هي ملتقى كلمات (نصوص) حيث نقرأ على الأقل كلمة آخرى (نصاً).

مفهوم التناص يقود القارئ إلى فهم النص ومن الذي يتحدث داخلة ويعزز النظرة النقدية المستمرة للنص وللأُطر الذي انبثق منها النص سواء ادخل الكاتب تلك النصوص بوعي أو بشكل عفوي غير واعٍ، فتقول (كريستيفا):

أن النص هو تقاطع نصوص حيث نقرأ على الأقل نصا فيها وهو ما يتفق مع ماجاء به (باختين)، أن كل نصّ هو عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نصّ هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى.

معنى لوحة “إصرار الذاكرة” لـ(سلفادور دالي)

سيلفادور داليسلفادور فيليبي خاثينتو دالي إي دومينيتش (1904-1989)، رسام إسباني. يُعتبر (دالي) من أهم فناني القرن العشرين، وهو أحد أعلام المدرسة السريالية. يتميز (دالي) بأعماله الفنية التي تصدم المُشاهد بموضوعها وتشكيلاتها وغرابتها، وكذلك بشخصيته وتعليقاته وكتاباته غير المألوفة والتي تصل حد اللامعقول والاضطراب النفسي. وفي حياة (دالي) وفنه يختلط الجنون بالعبقرية، لكن (دالي) يبقى مختلفاً واستثنائياً. في فوضاه، في إبداعه، في جنون عظمته، وفي نرجسيته الشديدة.

الرسام السريالي (سالفادور دالي) هو واحدًا من أكثر الفنانين غموضًا في القرن العشرين والذي تميز بمواضيعه الغربية والغير مألوفة. أكثر أعماله الفنية شهرة هي لوحة  “إصرار الذاكرة” [1931]  والتي تعتبر تحفة سريالية وتسمى في أغلب الأحيان بلوحة “الساعات“. لكن ما هو المعنى خلف لوحة “إصرار الذاكرة” لـ(سلفادور دالي)؟ وما الذي تشير إليه كل هذه الساعات الذائبة؟

salvador-dali-persistence-of-memory-clocks-meaning


(سلفادور دالي) والسرياليين

لا يمكن فهم المعنى خلف تحفة (سلفادور دالي) الفنية “إصرار الذاكرة” [1931] بسهولة. في اللوحة أربع ساعات ظاهرة بوضوح وفي الخلفية يظهر صحراء خالية. بينما تبدو هذه التفاصيل غريبة بما فيه الكفاية، إلا أن الأكثر غرابة يكمن في شكل الساعات؛ فهي غير مسطحة كما هو متوقع، بل مثنية وفي حالة مائعة تبدو وكأنها في مرحلة الذوبان. في النهج السريالي الكلاسيكي يطرح هذا التضاد الغريب والغير متوقع الكثير من الأسألة أمامنا. في البداية، لماذا تذوب كل هذه الساعات؟ ولماذا توجد الساعات في الصحراء؟ وأين هم جميع البشر؟

بينما يبدو موضوع ومحتوى لوحة الساعات لـ(سلفادور دالي) غير منطقي وغير عقلاني، إلا أن المرء قد يدهشه الطبيعة التمثيلية والأقرب للفوتوغرافية للوحة والتي تتناسب تمامًا مع تفسير (دالي) الشخصي لفنه كـ“صور مرسومة يدويًا للأحلام”. يعتبر مفهوم “الحلم” أساسي لفهم السريالية كما أنه يلعب دور رئيسي في معنى لوحة “إصرار الذاكرة”.


الفن السريالي وقيمة الأحلام

إيجاد أفضل تمثيل مرئي لوصف حالة الإنسان وهو يحلم هي إحدى أهم أهداف السرياليين. في البداية، قد تبدو السريالية غير عقلانية قليلًا  ولكننا جميعًا رأينا رؤى بها اندماجًا غير مفسر كلية لأناس وأماكن وأشياء غير متصلة ببعضها البعض. أول جزء لإيجاد معنى للوحة “إصرار الذاكرة” هي فهم  أنها قد تصور حالة حلم.


المعنى المتعلق بالأحلام

إذا كانت لوحة “إصرار الذاكرة” تصور حالة حلم، فالساعات الذائبة والمائلة ترمز إلى مرور الوقت الغير منتظم الذي نشعر به أثناء الحلم. هل حدث واستيقظت متوقعًا أن الوقت هو منتصف الليل وتفاجأت أن الصباح قد أشرق بالفعل؟ بينما نحن غالبًا ما نكون جيدين بتتبع مرور الوقت أثناء سعينا اليومي، إلا أن تتبع الوقت أثناء نومنا لهو قصة أخرى .. ايضًا الساعات المائلة تشير إلى أن الوقت لا يوجد له أي تأثير في عالم الأحلام ولذا فهي تذوب.

يصور (دالي) في لوحة “إصرار الذاكرة” كيف أن مفهوم الوقت الإعتيادي يصبح اعتباطيًا وغير منطقيًا، وبلا فائدة بداخل حالة الحلم. أثناء حياتنا اليومية، نكون دائمًا في حالة من الانشغال والاستعجال، محاولة منا لإنهاء جميع مشاغلنا في الوقت المحدد. يختلف الكثير من الباحثين المتخصصين بالفنون حول إذا كانت هذه الساعات هي ساعات حائط أو في حقيقة الأمر ساعات جيب، والتي كانت من أكثر الإكسسوارات انتشارًا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي حيث كان يعمل السرياليون وقتها. سخّر السرياليون من معظم ما كان مجتمع الطبقة الوسطى يأخذه على محمل الجد، ويشمل ذلك الأهمية التي نضعها في الأشياء مثل ساعات الجيب التي تحدد مرور الوقت.


المعنى المتعلق بـ(إينشتاين) والنسبية

يعتقد بعض الباحثون المتخصصون بالفن أن ساعات (دالي) الذائبة يمكن لها أن ترمز إلى النظرية النسبية المبتكرة لـ(ألبرت إينشتاين)، والتي كانت تعتبر نظرية جديدة وثورية في ثلاثينات القرن الماضي. من خلال النظرية النسبية، عرض (إينشتاين) مفهوم جديد للزمن كشيئ نسبي ومعقد وليس كشيئ ثابت يسهل تتبعه بأجهزة بدائية مثل ساعة الجيب. في اللوحة، يعرض (دالي) الساعات وهي تتلاشى وبالتالي تفقد تأثيرها وتوازنها في العالم  من حولهم. من خلال الساعات الذائبة،  قد يشير (سلفادور دالي) إلى أن في عالم ما بعد (إينشتاين) أصبحت الآلآت البسيطة مثل ساعات الجيب تعتبر بدائية وبالية وبلا فائدة.


المعنى المتعلق بالسخرية

تعتبر الأحلام عنصر مهم في السريالية، إلا أن النكات والفكاهة والسخرية والتلاعب بالألفاظ يعتبر أيضًا أساسي في الفن السريالي. يستخدم (سلفادور دالي) السخرية في عنوان لوحة الساعات، “إصرار الذاكرة” ليضيف معنى أكثر غموضًا للوحة. فكما ناقشنا سابقًا، الساعات تفقد تأثيرها في عالم الأحلام وفي لوحة (دالي) فهي حرفيًا تتلاشى،  وبالتالي فهي قد تبدو أي شيئ إلا “مُصرَة“.  على نفس النمط،يرمز أكل النمل لسطح الساعة الحمراء أيضًا  إلى التلفان وبالتالي إلى الطبيعة الزائلة لطريقتنا الإعتباطية لتتبع مرور الوقت.


المعنى المتعلق بسيرة (دالي) الذاتية

في اللوحة تذوب الساعات في أرض يابسة وقاحِلة ومقفرة. لاحظ بعض الباحثون المتخصصون بالفن التشابه بين هذه الأرض والأرض التي كان يملكها (سلفادور دالي) أمام منزله بمسقط رأسه في  قرية بورت ليجات. يمكن أن يشير المعنى المحتمل المتعلق بسيرة (دالي) الذاتية، إلى ذكرى (دالي) الشخصية عن محيط طفولته … في اللوحة يوجد ساعة واحدة معلقة على إحدى فروع الشجرة مثل ملابس مغسولة تركت على حبل الغسيل لتجف، والفرع غير مزهر أو مغطى بأوراق الأشجار أو الخضرة، ولكنه مرهق وجاف. رسم (دالي) لوحة “إصرار الذاكرة” وهو في السابعة والعشرين من عمره، فالساعات إذًا يمكن لها أن تشير إلى مراهقته والتي أصبحت تتلاشى بسبب أنه لم يعد يتذكرها بدقة لمرور الكثير من الوقت.


إذًا ما هو المعنى الحقيقي للوحة؟

تعتبر لوحة إصرار الذاكرة مع ساعاتها الأيقونية الذائبة، والتي هي أكثر لوحات (دالي) شهرة، أيقونة للسريالية وواحدة من أكثر القطع الفنية شهرة في القرن العشرين. بينما لا يمكننا أن نعرف بطريقة مؤكدة المعنى و التأويل أو التحليل الحقيقي الذي قصده (دالي) في لوحته، إلا أنه من المرجح أن (دالي) نفسه قد أدرك وطور من درجات اختلاف المعنى التاريخي والفني والإجتماعي والذاتي الذي يرمز له لوحته. فالمعنى الحقيقي للوحة “إصرار الذاكرة” هو على الأرجح مجموع كل هذه المعاني.


[المصدر]