أرشيف الوسم: القدر

إسبينوزا وحرية الإرادة

Spinoza

باروخ إسبينوزا (1632-1677) هو فيلسوف هولندي من أهم فلاسفة القرن 17. بالرغم من أن تأثيره في معاصريه كان ضئيلًا. لم تبدأ أهميته الحقيقية تقدر حق التقدير إلا في السنوات الأخيرة من القرن 18، عندما عرف (لسنج) و(ياكوبي) و(غوته)، وغيرهم من الباحثين الألمان أهمية إسهاماته. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويليم كيلي رايت)، قام الأخير بشرح أهم أفكار (اسبينوزا)، اخترنا لكم منها فكرته عن الحرية، والتي يقول فيها:

لم يعتقد (اسبينوزا)، من حيث أنه فيلسوف آلي دقيق، في حرية الإرادة بمعنى اللحتمية. فكل حدث يقع يحدث بضرورة رياضية. وعندما لا نعي الظروف الخارجية ونعي فقط حالاتنا العقلية والجسمية، فإننا نتخيل أن أفعالنا تكون حرة، كاحجر، إذا كان لا يعي إلا حالاته الداخلية فحسب، فإنه يفترض أنه يحدد بإرادته الخاصة المجرى الذي يتبعه عندما يُلقى إلى الأعلى في الهواء.

ثم يشرح مقولته قائلًا:

وهناك، من ناحية أخرى، تمييز هام للغاية عند (اسبينوزا) بين العبودية البشرية والحرية البشرية. فطالما أن رغباتنا توجه في اتجاه الأشياء المتناهية والطارئة التي لا يمكن أن تشبع على الدوام فإننا نكون عبيدًا للظروف الخارجية ونكون ضحايا الأحداث. إننا نكون عبيد الانفعالات ودوافعنا وأفكارنا الغامضة، التي تدين بأصلها إلى علل لا نستطيع التحكم فيها.

أما عن كيفية التحرر من ذلك:

وفي إمكاننا أن نحرر أنفسنا من هذه العبودية عن طريق التفكير بصورة واضحة ومميزة. ودعنا نرى كيف يمكننا أن نفعل ذلك. لا شيء يسبب لنا الكآبة إذا عرفنا حتميته، وذلك أمر يمكن أن نفعله إذا فكرنا بطريقة عقلية، أعني بوضوح وتمييز. وإذا استخدمنا مثالنا لما يعنيه (اسبينوزا) لقلنا: إذا كان محتمًا على صديقك أن يموت، ومرضه لا يمكن الشفاء منه، فلا شيء يمكن أن تفعله أنت أو أي شخص آخر من أجل إنقاذه ؛ فمتى رأيت أن نتيجة هذا الحدث هي مسألة ضرورية مثل نتيجة 2+2=4، فإنك لن تحزن عليه بعد ذلك. وإذا استطعت أن تتأمل كل حدث من منظور الأزل (من حيث إنه يكون من منظور الأزل)، وتدرك أنه جزء من نسق لأحداث محددة بصورة مطلقة بوصفها نتاجات في جدول الضرب، فإنك لن تقلق عليه بعد ذلك، وسوف تتخلص من الألم الانفعالي.

يلخص ذلك بمقولته:

إن حرية الإنسان، من ثم، هي ببساطة مسألة قبول الكون، لأنك تفهم ضرورته الرياضية. ومتى تم ذلك، ستحصل على سلام العقل، ستتحرر من الانفعالات، وتكون قادرًا على أن ترد الشر إلى الخير.

نظرة محمد إقبال إلى حرية الاختيار وعلاقتها بالقدر

محمد إقبال

محمد إقبال (1877 – 1938)، هو أديب وفيلسوف إسلامي هندي. وهو شاعر، تأثير به الكثير من الأدباء العرب. وهو أوائل المنادين بفصل باكستان عن الهند في أوائل القرن الماضي.

يقول (محمد العربي بوعزيزي) في كتابه (محمد إقبال، فكره الديني والفلسفي)، مجيبًا على السؤال: كيف نظر محمد إقبال إلى مسألة حرية الاختيار وعلاقتها بالقدر؟

يقر إقبال قدرة الإنسان على اختيار أفعاله، ويذهب إلى أن تعيين مواقيت الصلاة يحقق حرية الإنسان في قيادة نفسه وامتلاك زمامها، ويحررها من آثار الآلية الموجودة في النوم والعمل بإعتبار أن الصلاة خلاص للنفس، ينقذها من الآلية إلى الحرية، ويقول في هذا الشأن: “الحق أن القرآن يقر حقيقة كبيرة الأهمية من حقائق النفس الإنسانية، تلك هي الإرتفاع والانخفاض في قدرة الإنسان على اختيار أفعاله. وهو يحرص على بقاء القدرة على حرية الاختيار في الفعل بوصفها عاملاً ثابتاً لا يتناقض في حياة النفس“.

كما أن إقبال يعترف بالقدر ويعتبره جديراً بالاعتبار، إذ القدر يعطي للنفس الإنسانية قوة عظيمة على مواجهة الضرورات التي لا مفر منها فيتقبل المرء القدر بخيره وشره وأن الإيمان طريقة حيوية تقوم على الاستجابة المطلقة لضرورات الواقع الذي يعكس الزمان المتجدد بما ينطوي عليه من خلق وإبداع. كما اعتقد أيضاً بأن الإيمان ليس مجرد اعتقاد سلبي في حكم و أحكام من نوع معين، وإنما هو طمأنينة حية متولدة عن تجربة نادرة لا يسمو إليها وإلى ماتتضمنه من (القدر) الأسمى إلا الشخصيات القوية، بحيث تفنى إرادة المؤمن في إرادة الله المطلقة ( القضاء والقدر) فتكتسب بذلك حيوية وصلابة.