أرشيف الوسم: القراءة

كيف تقرأ كتابًا؟ نصائح من فيرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

اديلين فيرجينيا وولف (1882 – 1941) أديبة إنجليزية، اشتهرت برواياتها التي تمتاز بإيقاظ الضمير الإنساني، ومنها؛ (السيدة دالواي)، و(الأمواج). وتعد واحدة من أهم الرموز الأدبية المحدثة في القرن العشرين.

كتبت (فيرجينيا وولف)، عام 1925 مقالًا  بعنوان “كيف يمكن للمرء أن يقرأ كتابًا؟”، نترجمه لكم بترجمة حصرية. استهلت (وولف) مقالتها بالحديث عن الذاتية قائلة:

النصيحة الوحيدة التي يمكن لشخص ما أن يُسديها لغيره عن القراءة هي الا تأخذ بنصيحة أحد، وأن تتبع حدسك ومنطقك الشخصي لتصل إلى إستنتاجاتك الذاتية. إذا كنا متفقين على هذا المبدأ، فأنا أشعر بالحرية لعرض بعض الأفكار والإقتراحات لأنك لن تسمح لها أن تُقيّد إستقلالك الشخصي، والذي يُعتبر أهم صفة يمكن للقارئ أن يتحلى بها. في النهاية، ما هي القوانين التي يمكن فرضها على الكتب؟ لقد وقعت بالتأكيد معركة واترلو في يوم محدد; لكن هل مسرحية هاملت أفضل من مسرحية الملك لير؟ لا يمكن لأي شخص أن يجيب إجابة حتمية على هذا السؤال، بل يجب أن يقرر كل شخص إجابته بنفسه. لكن أن نستقبل هيئات ذات نفوذ في مكتباتنا ونسمح لهم أن يملوا علينا كيف نقرأ وماذا نقرأ وقدر القيمة التي نضعها في ما نقرأ، فذلك معناه أن ندمر روح الحرية والتي هي أساس هذه المنابر. ففي أي مكان آخر نحن مقيدون بالقوانين والعادات – لكن هناك، لا يوجد أي من ذلك.

وحذرت (وولف) من جلب أرآء مسبقة إلى قراءتك فأضافت:

القليل من الناس يطلبون من الكتب ما تستطيع الكتب أن تمنحنا إياه. في أغلب الأحيان، نحن نأتي إلى الكتب ببال مشوش ومشتت، نطلب من القصة أن تكون حقيقة، ومن الشعر أن يكون كذبة، ومن السيرة الذاتية أن تكون مُتملِقة، ومن التاريخ أن يعزز من تحيزنا الشخصي. لكن إذا استطعنا أن نتخلص من كل هذه التصورات المُسبقة أثناء القراءة، فهذه ستكون بداية بديعة.
لا تُلقّن كاتبك; حاول أن تضع نقسك مكانه .. فلتصبح شريكه ورفيقه  في العمل. فإنك إذا بدأت القراءة بالتأخر والتوقف والنقد،فأنت بذلك تمنع نفسك من الحصول على الإستفادة الكاملة الممكنة مما تقرأ. لكن إذا جعلت عقلك مُتفتحًا بأكبر قدر ممكن، فستنقلك الرموز والتلميحات الدقيقة الغير ظاهرة بين إنعطافات وتقلبات الجمل الأولى، إلى صُحبة كائن بشري ليس له مثيل. فلتتعمق وتعود نفسك على ذلك وعاجلًا .ستجد أن كاتبك يعطيك، أو يحاول إعطائك، شيئًا أكثر تحديدًا.

وتذكرنا (وولف) بالمهارات التنافذية للقراءة والكتابة:

لعل أسرع طريقة لفهم مبادئ ما يفعله الروائي هي ليست عن طريق القراءة، بل الكتابة; وأن تخوض تجربتك الشخصية مع المخاطر والصعوبات الكامنة في الكلمات.

وناقشت (وولف) كيف أن إعمال الخيال هو بحد ذاته مهارة إستثنائية:

قراءة الرواية هو فن صعب ومعقد. إذا كنت تريد الاستفادة من كل ما يتيحه لك الكاتب – الفنان العظيم – فيجب عليك الا تمتلك بصيرة دقيقة وعظيمة فحسب، بل أن تمتلك مخيلة كبيرة وجريئة ايضًا.

وبما أنني محبة يائسة للمذكرات والرسائل القديمة، فقد أعجبت بوجه خاص برأي وولف عن جاذبية التلصص الأدبي  – خاصة أنه معلوم أن (وولف) نفسها كانت كاتبة مذكرات بارزة:

يجب علينا أن نسأل أنفسنا، إلى أي مدى تأثر الكتاب بحياة كاتبه – وإلى أي مدى يكون آمنًا أن ندع البطل يترجم الكاتب؟ وإلى أي مدى يجب علينا أن نقاوم أو نفصح عن مشاعر التعاطف أوالكراهية التي أثارها البطل نفسه بداخلنا – وإلى أي مدى الكلمات رقيقة، ومتقبِلة لشخصية الكاتب؟ هذه هي الأسئلة التي تفرض نفسها علينا عندما نقرأ رسائل وحيوات غيرنا. ويجب علينا أن نُجيب عليها بأنفسنا، حيث أنه لا يوجد ما هو أشد هلاكًا من أن نكون مُنقادين بمناهج غيرنا في قضية ذاتية للغاية.

لكننا ايضًا يمكننا قراءة هذه الكتب لغرض آخر، فلا نقرأ لإلقاء الضوء على الأدب أو التعرف على حياة المشاهير، بل لننعش وندرب قدراتنا الذاتية الإبداعية. 

انتقلت (وولف) للحديث عن تعقيدات الشعر، معلّقة عن ماهية الشعر والعوامل التي تحدد جودته:

إن أثر الشعر لهو قوي ومباشر، فللحظة لا تشعر بأي مشاعر سوى تلك التي أثارتها القصيدة بداخلك. أي عمق شديد نصل إليه في هذه اللحظة – وإلى أي مدى يكون إنغماسنا كاملًا ومفاجئًا! لا يوجد هنا ما يمكن الإمساك به; لا يوجد ما يمكنه أن يخرجنا من إستغراقنا… فلهذه اللحظة كما يحدث عند أي صدمة عنيفة لشعور ذاتي، يصبح وجودنا متمركزًا ومحدد. بعدها يبدأ الشعور بالفعل بالتوسع من خلال عقولنا في حلقات أكثر إتساعًا، ليصل بنا إلى أحاسيس أكثر تباعدًا; فتبدأ الأصوات والتعليقات بالتكون بداخلنا وننتبه إلى صدى وإنعكاسات القصيدة، فإن  قوة تأثير الشعر تشمل مقدار كبير من المشاعر.

لكن بالرغم من هذا الإفتتان الباطني لتجربة قراءة الشعر نفسها، إلا أن (وولف) تذكرنا أن الهبة الحقيقية للقراءة تكمن في فترة الحضانة حيث تصبح الإنطباعات المؤقتة مُتحدة ومتمثلة في أفكار عميقة:

الخطوة الأولى لإدراك الإنطباعات بأقصى قدر من الفهم، هو فقط الجزء الاول من عملية القراءة والتي يجب أن تكتمل إذا أردنا الحصول على المتعة الكاملة من الكتاب. يجب أن نصدر أحكامًا على هذه الإنطباعات الكثيرة; ويجب أن نصنع  من هذه المجسدات العابرة مجسدات راسخة وثابتة ولكن ليس بشكل فوري، فلتنتظر إلى أن يستقر غبار القراءة، وإلى أن تهدأ تساؤلات وتضارب الأفكار. فلتتحدث مع غيرك أو تذهب للمشي أو للنوم أو لقطف البتلات الذابلة من الأزهار. بعدها فجأة وبدون إرادة منا – حيث أن هذه التحولات تتكفل بها الطبيعة  –  سيعود لنا الكتاب ولكن بشكل مختلف، فسيطفوا بكامله على سطح أذهاننا.

وكإثبات للنظرية التي تنص على أن كل الإبداعات  تُبنى على ما أُكتُسب قبلها، علقت وولف قائلة:

نحن متأكدون من أن حداثة الشعر والأدب القصصي الجديد هي أكثر صفة سطحية بها، وأننا يجب علينا أن نُعدّل قليلًا – لا أن نعيد صياغة – المعاييرالتي استخدمناها للحكم على الأعمال القديمة.


[المصدر

إيجلتون يتحدث عن خطأ شائع في قراءة الأدب

تيري إيجلتون

تيرينتس فرانسيس إيجلتون، (مواليد 1943)، هو أحد أهم الباحثين والكتاب في النظرية الأدبية ويعد من أكثر النقاد الأدبيين تأثيراً بين المعاصرين في بريطانيا.

في كتابه (كيف نقرأ الأدب)، والذي قام بترجمته الدكتور (محمد درويش)، تحدث (إيجلتون) عن أحد أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الأدب، فيقول:

وأكثر الأخطاء التي يقترفها طلاب الأدب شيوعًا يتمثل في السعي إلى معرفة ما تعبر عنه القصيدة أو الرواية، غاضين الطرف عن الأسلوب الذي تعبر به.

ويبرر مقولته السابقة، فيقول:

إن مثل هذه القراءة إنما تعني إهمال الطابع الأدبي للعمل؛ بمعنى أنه قصيدة أو مسرحية أو رواية وليس تقريرًا عن حادثة تآكل التربة في ولاية نبراسكا. إن الأعمال الأديبة قطع بلاغية وتقارير أيضًا، وتتطلب نمطًا من القراءة على درجة بالغة من اليقظة؛ نمطًا منتبهًا للنبرة والحالة المزاجية والسلاسة والجنس والنحو والتراكيب والنسيج والإيقاع وبنية السرد وعلامات التنقيط والإبهام، بل لكل ما ينطوي عليه موضوع الشكل. صحيح أن في وسع القارئ أن يقرأ دومًا تقريرًا عن تعرية التربة في نبراسكا بهذا الأسلوب الأدبي.

ومن شأن هذا أن يعني بكل بساطة إيلاء بالغ الاهتمام باشتغال بغته. ومن شأن هذا أيضًا أن يكون كافيًا في رأي بعض منظري الأدب لتحويله إلى عمل أدبي، وإن ليس ندًا ربما لمسرحية (الملك لير).

ويقول أيضًا عن مكانة اللغة في الأدب:

إن إحدى المعاني التي نريدها بأي عمل “أدبي” هو ذلك المعنى الذي يُنظر به إلى ما يُعبّر عنه في ضوء الأسلوب الذي يُعبر به. وهو نمط كتابي لا ينفصل فيه المضمون عن اللغة التي جاء التعبير بها. فاللغة مؤسسة لواقع التجربة وليس وسيلة لها.

مأزق أن تنتهي من رواية رائعة

سادي شتاين، هي محررة مساهمة في صحيفة (پاريس ريڤيو) الشهيرة، والغنية باللقاءات الصحفية والمقالات المهمة. كما تعمل مراسلة في ذات الصحيفة.

في التاسع من نوفمبر في عام 2015، قامت (سادي) بنشر مقالة في صحيفة (پاريس ريڤيو)، تتحدث فيها عن مأزق الانتهاء من رواية عظيمة، نترجمها لكم بشكل حصري. تقول في مقالتها:

أنا بين الكتب مرةً أخرى. وياله من مكان غير مُريح بالكامل، فبعد الانتهاء من كتاب جيد ومثير للتفكير، ما سيحدث هو أنك لا تريد أن تذهب سريعاً عنه، أو حتى تبتعد، لتتناول كتاب آخر وتبدء فيه. يحدث أنك تُريد أن تجلس بجانب النهاية، وتهدأ قليلاُ وأنت تندب خسارة ولهفة ما فقدته من راحة ذلك الكتاب.

سَتفتقد حتماً لأجواء الشخصيات، ستشعر بالتنافر، والبعد، والتخلي عنهم لمجرد كونك تُفكر في فتح رواية جديدة والبدء فيها.

“رواية غير مضمونة وسَتستهلك مُجدداً ذهنك وروحك بالكامل”.

من ناحية أخرى، وبعد وقت كافي من الخيبة، يُمكنك أن تُصاب بالاضطراب، وتبدء فيك الرغبة في الفرار، والتنازل. فالقدرة على الصمود والتحفزّ للقراءة، لا يساعدك عليها سوى كتاب مُلهم.

لتبدأ عندها بالتساؤل؛ عمّا إذا كان بإمكانك أن تشعر مرةٍ أخرى؛ بمتع ودوافع ما انتهيت من قراءته من أيام فقط؟

ستكون هناك ردّات فعل نفسية، وبطبيعة الحال، بسبب اكتشافك الكتب السخيفة و التي تأخذ الكثير من الوقت، وتعطيك أقل رؤية وإحساس. ستكون هناك بدايات خاطئة، وتلك هي الأسوأ. وهناك أيضاً محاولاتك المُستمرة، بأمل تكرار متعة والهام تجربة القراءة السابقة.

وفي الجزء الأهم من المشكلة سيكون هناك الضغوط، ضغوط القراءة، وذلك الصوت المُلح لإنهاء الأولويات؛ من كتب كلاسيكية يجب عليك قراءتها، إلى كتب الأصدقاء المُهداة، إلى الكتب الموصى بها لك، تلك الكتب التي بانتظار فتحها إلى الآن، ولكن ماذا إذا لم تُعجبك؟ وطالما أنك لم تحاول حتى، أو لم تفشل فيها بعد. ذلك أنه في حالة كل كتاب غير مقروء حولك، هناك احتمال وقدر من النقاء المُلقى حولها وغير المحسوب أيضاً. ويمكن له أن يغير حياتك.

وأخيراً، هناك ذلك النوع من الشلل والعجز، والذي يُمكن أن يُحدد بالخبرة، وتلك أخطر اللحظات، هل مررت بها؟ هل شعرت بها وأنت تتسكع هائماً في المكتبات، باحثاً عن كتب مثالية تُشبه تجربتك السابقة؟ تلك اللحظات وأنت تتلمس عمود الكتب هذا، وتتابع بعينيِك العناوين الأخرى هناك. متفحصاً بحذر، تأخذ الكتاب بيديِك بتردد، لتُرجعه مكانه، قبل أن تتسرع وتقتنيه.

“حافظ على ذلك المعنى الخطر”

انه من المُطمئن لك أن تكون خائفاً! ولا تزال بعد كل ذلك الوقت، وحتى بعد عدد الكتب التي قرأتها، لن يغير شيء من ذلك الشعور، ذلك المعنى الجازم من الخوف المُبدع و الذي يبقى حولك، وبين الكتب دائماً.


[المصدر]

 

المصدر/ http://www.theparisreview.org/blog/2015/11/09/between-books/

منافع القراءة لدى رديارد كيبلنغ

روديارد كبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. وكما ألف العديد من القصص القصيرة. منها (الرجل الذي اصبح ملكا) 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.
من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرقفةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .
وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.
وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.
إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .

العقاد عن اللذة والصبر في القراءة

2012-634884834862411267-241_main

عباس محمود العقاد (18891964) أديب ومفكر وصحفي وشاعر مصري. وعضو سابق في مجلس النواب المصري. وعضو في مجمع اللغة العربية. لم يتوقف إنتاجه الأدبي رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. ويعد (العقاد) أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر. وقد ساهم بشكل كبير في الحياة الأدبية والسياسية. وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب في مختلف المجالات.

في كتابه (ساعات بين الكُتب) يتساءل (العقاد) عن دوافعنا للقراءة، فيقول:

وقد يسأل بعض السائلين في هذا العصر الذي أصبح فيه السؤال هو كل الفلسفة وكل الجواب: ولماذا نقرأ ولماذا نتثقف ولماذا نطلع على الأشعار أو على غير الأشعار؟

لماذا؟ إي والله لماذا؟

إن أحدًا في الدنيا لا يترك أكل الطعام وشرب الماء وينتظر ريثما يقول له القائلون لماذا يأكل ولماذا يشرب .. فهو يأكل ويشرب لأنه يحسّ في جسمه الجوع والعطش لا لأن أحدًا فسّر له علّة الأكل وعلّة الشراب، ولو أن الذي يسأل لماذا يقرأ ولماذا يتثقّف كانت له نفس تجوع كما يجوع جسمه لاستغنى عن سؤاله وأقبل على موائد الثقافة غير منتظر جواب ذلك السؤال. فمن كان يسأل الناس على هذا النحو فخير له وللناس ألا يجاب، لأنه لا يستفيد مما يسمع ولا يستحق مؤونة الجواب.

ثم يتحدث في موضع آخر عن لذة القراءة، والمشقة في فهم ما استصعب، فيقول:

[…] المصيبة في العصور الحديثة أنها أخذت بفتنة التسهيل والتقريب في كل شيء بعد هذه المسهّلات والمقرّبات التي أشاعتها فيها الكهرباء والبخار ووسائل الانتقال، فنحن كأنّما نحتاج اليوم إلى كهرباء عقليّة تصل بنا إلى فهم الحقائق في غمضة عين ولا تكلّفنا في هذا العصر ما كانوا يتكلّفونه من الجهد والتفكير قبل عهد الكهرباء والبخار […] وليس أكثر من أن تسمع في هذا العصر من المتبطّلين المتحذلقين من يقول لك: ما الغرض من القراءة؟ أليس هو اللذّة العقليّة؟ فكل ما ليس بلذيذ فليس هو بمقروء.

سبحان الله! فعلى هذا يجب أن تكون روايات (شكسبير) مفهومة لاذّة لمن لا يُحسن الإنجليزيّة ولا يعرف التواريخ ولا أسرار الخلائق والمعاني التي تدور عليها تلك الروايات! فإذا أعياه أن يظفر منها بالّلذّة التي توهّمها فليس الذنب ذنب الجهل بالإنجليزيّة ولا هو ذنب الجهل بالتواريخ والخلائق والمعاني ولا هو ذنب القارئ على وجه من الوجوه، كلّا؛ ولكنّه هو ذنب (شكسبير) المسكين الذي لم يستطع أن يلذّ القارئ الذي بلغ به الغباء أن يفرض في نفسه غاية الكمال […] ومن هُنا لا نستبعد أن يحول زِمام الفكر غدًا إلى أيدي الأزهريين والذين نشأوا على الطرائق الأزهريّة؛ لأنهم درجوا على أن العلم صعوبة ومشقة وليس بالمائدة الشهيّة المهيّأة للتناول السهل اليسير؛ فندر أن ترى أزهريًا يستعصي عليه فهم معنى من المعاني إلا عالجه وثابر على فضّ مُغلقه وحلّ عُقدته […] إن شرّ ما ابتليت به الثقافة أن يقال إنها لذّة ليس إلا وأن يُنسى مع هذا أن اللذّة لا تكون إلا بالاستعداد، وأن الاستعداد لا يتم بغير الصبر والمراس. وصدق (أبو تمام) حيث قال:

بَصُرتَ بالراحةِ الكُبرى فلم ترها

تُنال إلّا على جسرٍ من التعبِ