أرشيف الوسم: الكتابةالابداعية

رؤية كولن ويلسون في الكتابة الإبداعية

(كولن هنري ولسون) (1931-2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا. من أشهر كتبه كتابي (اللامنتمي) و(ما بعد اللامنتمي).

في كتابه (حلم غاية ما)، والذي نقلته إلى العربية الأستاذة لطفية الدليمي، أدرجت المترجمة مقالًا في بداية الكتاب بعنوان “صنعة الإبداع”، والذي نُشر في كتاب (فن الرواية). بترجمة الاستاذ محمد درويش.

يقول كولن في افتتاحية مقالته:

حصل في ربيع العام 1974 أن تعاقدتُ مع جامعة روتغرز الأمريكية في نيوجيرسي على تدريس منهج الكتابة الإبداعية، وكان ذلك نقطة مفصلية حاسمة في حياتي، إذ سبق لي قبل ثماني سنوات من ذلك التاريخ أن حاولت تدريس الكتابة الإبداعية في إحدى الكليات بولاية فيرجينيا وانتهيت إلى قناعة حاسمة أن هذه المادة عصية على التدريس، ولا يقتصر الأمر على هذا وحسب، بل ويتعين عدم تدريسها بأي شكل من الأشكال!

فقد شعرت أن المبدأ الأساسي للإبداع هو القانون الدارويني التطويري القائل ببقاء الأصلح؛ إذ لطالما رأيت الكتابة الإبداعية عملية شاقة كارتقاء تلة عالية، حيث يتساقط الضعفاء على جانبي التلة بينما يواصل الأقوياء الارتقاء بتمهل حتى يصبحوا كتّابًا جيدين. إن تشجيع هؤلاء الذين يمكن لهم أن يكونوا كتّاب المستقبل عملية شبيهة بوضع السماد في مزرعة تمتلئ بالأعشاب الضارة.

ويكمل بعد ذلك حديثه عمّا يفتقده التدريس الإبداعي، فيقول:

ولدهشتي اكتشفت أن شارك معظم الطلاب في دورات للكتابة الإبداعية من قبل، ولما بدأت التدقيق في النظر بماهية ما يعانونه بدأت أدرك جوهر الخطأ الذي انزلقوا إليه من غير تحسب؛ تعلّم هؤلاء كيف يكتبون مثل (جيمس جويس) و(إرنست همنغواي) و(وليم فوكنز) و(فيرجينيا وولف)، إلا أنهم لم يعلموا شيئًا عمّا سيكتبون! وقد حصلوا على نتائج مسهبة تشير لهم بالكتابة عن أنفسهم، وكانت المسودات الأولى للقصص التي سلّموها لي عبارة عن سير ذاتية أقرب إلى أدب الاعترافات، في حين وصف بعضهم مقاطع زمنية مرّت بحياتهم.

أعاد كل هذا إلى ذهني تعليقًا رائعًا كان فوكنز قد ذكره عندما سئِل مرّة عمّا يراه في جيل (نورمان ميلر) من الكتّاب، حيث قال بوضوح: “هم يكتبون بطريقة جيّدة، لكن ليس لديهم ما يقولونه!”.

ويستكمل بعد ذلك حديثه قائلًا:

كان السؤال الأول الذي طرحته على نفسي يتناول إمكانية تدريس منهج في الكتابة الإبداعية يعيّن طلابي على معرفة ما يكتبون، فعندما يجلس كاتب أمام صفحة بيضاء موضوعة أمامه فهذا لا يعني أن ليس لديه ما يقوله، بل العكس هو ما يحصل على الأغلب إذ يكون لديه حشد من الأمور الكثيرة الجاهزة التي تغريه بكتاية رواية وهي أيضا -سيرة ذاتية في الغالب- تشبه رواية (الحرب والسلام) لكن المشكلة الممضة هي أن كل تلك الأمور تفور في أعماق الكاتب، وليس أمامها سوى منفذ ضيق وحيد يسمح بخروجها إلى العلن، وربّما يبدأ الكاتب بتقليد بعض الكتّاب الآخرين؛ أمثال (همنغواي) أو (جويس) أو (سالينغر)، لا بسبب أنه يشعر بغياب صوته الخاص، بل لشعوره أن نمطًا مجربًا وناجحًا من أنماط الكتابة قد يساعده على التدفق الحر في الكتابة ثم يكتشف بعد أيام أو أسابيع من بدء محاولته تلك أن تدفقه الموعود لم يبدأ أو قد يكون في أفضل الحالات رذاذًا شاحبًا يبعث على أشد حالات الأسى والإشفاق.                  وعندها يبدأ الكاتب بفهم ما كان يعنيه (همنغواي) بعبارته النبوئية: “تبدو الكتابة عملًا سهلًا للوهلة الأولى، غير أنها في واقع الأمر أشق الأعمال في العالم“.

إن مشكلة هذا الكاتب ونظرائه من الكتاب الناشئين هي أنه غير قادر أن يكون بمثابة (سقراط) معاصر يطرح الأسئلة المناسبة مثلما كان يفعل سقراط من قبل، وتبينت آنذاك أن الحيلة الأساسية للإبداع هي في معرفة الكاتب كيف يطرح الأسئلة المناسبة وكيف يجيب عليها بنفسه. وقد قلت مفردة “حيلة” لأن الإبداع ليس سرًا مقدسًا أو أحجية طلسمية تكتنفها الألغاز، بل هو في جوهره موهبة لحل المشكلات؛ فالكاتب لحظة بدء الكتابة يضع أمامه مشكلة – وهنا أؤكد أن تكون المشكلة أمرًا يهمه -على الصعيد الشخصي- وقد يحصل أن لا يهدف الكاتب إلى إيجاد حل لتلك المشكلة غير أنه يتحتم عليه إذا ما أراد التعبير عنها تعبيرًا واضحًا أن يجد الحلول لعدد من المشكلات التكتيكية الخالصة: من أين يبدأ؟ وما الذي يتوجب عليه أن يدرجه أو يهمله؟

هل الكاتب المبدع كائن غريب؟

كلما رأيت كاتباً مبدعاً يرتدي ملابس غريبة، صارخة أو متنافرة الألوان، وقد اطلق شعر رأسه، على طريقة الهيبيز، وترك لحيته تنمو لتغطي معظم وجهه. أقول كلما رأيت مثل هذا الإنسان وتساءلت بيني وبين نفسي: هل هذه هي علامات النبوغ أو العبقرية حقاً، أم أن في الأمر التباساً ما؟

لم تُدرس شخصية الكاتب وعملية الخلق الفني إلا قليلاً. ويبدو الكاتب في نظر الآخرين كائناً غريباً ونادراً. حيث يعتقد الناس أن الكاتب المبدع يجب أن يشذ عن أعراف وتقاليد مجتمعه، ويتمرد على محيطه بكسر التابوهات، أو يعاني من اضطراب عقلي طفيف، ويرى الحياة بنظرة غير مألوفة؛ ويكون غريب الأطوار والسلوك.

في الواقع، ليس الأمر على هذا النحو، فالكتّاب المبدعون مختلفون عن بعضهم البعض، في مظهرهم وسلوكهم ومنهج حياتهم، وتتباين حظوظهم من الموهبة، والذكاء والثقافة، والخبرة، والصحة النفسية. ولكن السمات الشخصية التي تساعد على الكتابة الإبداعية موجودة. ويدرسها علم سيكولوجية الإبداع الذي يساعد على الكشف عما هو مفيد حقا في شخصية الكاتب.


دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يستطيع الا أن يكتب مدفوعاً بهاجس داخلي لا يمكن له مقاومته أو فهمه، ولا يكتب من أجل المال، أو المجد والشهرة. الكتابة الحقة تنبع من داخل النفس، ولا تفرض من الخارج.

الكتّاب يعرفون ان الكتابة في موضوع معين بناء على تكليف هذه الجهة أو تلك، ليس عملا مملا فقط، بل يلحق الضرر بقدراتهم الإبداعية لأنه يقحم في عالمهم شيئا غريبا. وبعد تكرار مثل هذه الكتابات يلاحظون هبوط قدراتهم الأبداعية في التخييل وخلق الصور النابضة بالحياة. القلم المتفرد يختنق في الواقع الحياتي ويفقد ما يبدعه الخيال. من الأفضل للكاتب أن يعمل في غسل السيارات من أن يكتب بناءً على تكليف دار نشر أو مجلة ما.  


 نظرة متميزة الى الحياة والعالم

يوجه الناس اللوم الى الكاتب المبدع، لعدم اهتمامه بأخبار الساسة أو النجوم، أو التسوّق، أو الرياضة او الأغاني الأستعراضية أو صرعات الموضة. الكاتب يعيش في عالم آخر ويتحدث أحياناً عن النجوم وضوء القمر وعن أشياء قد تبدو عديمة الفائدة للناس. ويمكن النظر الى هذا النوع من اللوم كمجاملة للكاتب. لأن مهنة الكتابة تتطلب العزلة وصفاء الذهن والتأمل من أجل التحليق على أجنحة الخيال، وخلق عالم آخر افتراضي في ذهن الكاتب المبدع. وهذه العملية تؤدي الى الإنفصال عن العالم الواقعي مؤقتاً، والتفرغ للكتابة وإزاحة كل ما يعيقها وتوجيه كل قوى الكاتب نحوها.

 والانغماس في صعوبات الحياة اليومية قد يحرم الكاتب من التركيز على عمله والحد من زخم الطاقة المطلوبة لخلق عمل أدبي ممتع ومتفرد.


الميل إلى الحوار الداخلي

نقد آخر يوجه في العادة الى الكاتب المبدع، وهو إنغماسه في حوارات داخلية صامتة بينه وبين نفسه أو الحديث في بعض الأحيان إلى نفسه بصوت مسموع. قد ينظر البعض الى هذا الأمر على أنها علامة مبكرة من أعراض الإختلال العقلي والنفسي. ولكن الحوار الداخلي بالنسبة الى الكاتب -إحدى الطرق الرئيسية لإنشاء النص. وتفسير ذلك، أن أفكار الشخص البالغ تتشكل عن طريق الكلمات أولاً، ومن ثمّ الصور.    والكاتب حين يحدّث نفسه بالحوار الداخلي ويصف المشاعر والأحاسيس انما يصوغ انطباعاته بالكلمات، التي قد تتحول الى صور فنية حية اذا كان يمتلك مهارة الكتابة الإبداعية.


الدقة

مع الحوار الداخلي ترتبط عادة أخرى مفيدة للكاتب، وهي السعي للحصول على التعريف الصحيح الدقيق لما يحدث. والبحث عن الكلمة التي تصف الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة. وهذا الإحساس المرهف بالكلمة وإيقاعها في سياق الجملة، قد يكسبه طابع الوسواس القهري. لأن ما لا يمكن وصفه بالكلمات لن يكون له وجود قطعاً.

ان النص الفني الذي نقرؤه في سهولة ويسر، شديد الصعوبة في كتابته. فالكاتب يتخير كل لفظ بدقة ليؤدي معنى معين يحيث لا يمكنك ان تحذفه أو تكتب لفظا آخر بدلاً عنه. لذلك قد يكتب الكاتب الجملة الواحدة مرات عديدة حتى يصل الى اللفظ المناسب الذي يتطلبه المعنى. بمعنى آخر أن النص الفني الحقيقي يتميز بطلب الحتمية والدقة والوضوح.


حب الاستطلاع

حب الاستطلاع خاصية يتميز بها الكاتب المبدع الذي يتلهف لرؤية أماكن جديدة وتسجيل انطباعاته عنها. وبعد كل زيارة يعود ليكتب بطاقة جديدة مدفوعا بما تركت الزيارة  في نفسه من آثار قوية.

(تشيخوف) سافر إلى منطقة سخالين في أقصى الشمال الروسي، وقام برحلة طويلة مرهقة استغرقت عدة أشهر، من أجل الإطلاع على ظروف الحياة في هذه المنطقة النائية الموحشة، وأوضاع المعتقلين والمبعدين فيها. وعاد ليكتب كتابه يوميات مسافر الذي أثار ضجة كبيرة، اضطرت معها السلطة الروسية الى تحسين ظروف الحياة في المعتقلات والمنافي.

 (اسحاق بابل) عقد صداقة غريبة مع مسؤول المخابرات السوفيتية، وعندما سأله الشاعر (اوسيب ماندلشتام) عن سبب دخوله إلى “عش الزنابير” وخطورة ذلك على حياته، أجاب بكل بساطة :

أريد أن أشمّ رائحة مطبخ القمع.

إن حب الإستطلاع وراء كل عمل إبداعي، لذا يسعى الكاتب الى الحصول على المادة الخام لأعماله الأدبية، وهذا السعي يختلف عن فضول الفرد العادي الذي يتسمع ما يتحدث به جيرانه وراء الجدار أو مراقبة شجار في الشارع من خلال نافذة منزله.

كيف تكتب بأسلوب.. نصائح كورت فونيجت حول الكتابة

إشتُهر الكاتب الأمريكي كورت فونيجت (1922 — 2007) برواياته وقصصه القصيرة. فقد ألَّف أربعة عشر رواية وثلاثة مجموعات قصصية  قصيرة وخمس مسرحيات وأعمالًا غير روائية نُشرت خلال مسيرته المهنية التي امتدت لأكثر من خمسين عامًا. 

إن أكبر جُرم ترتكبه في حقِ نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للإهتمام وما هو دون ذلك.

قدَّم إلينا (كورت فونيجت)، منذ الحادي عشر من نوفمبر من عام 1922 وحتى الحادي عشر من إبريل من عام 2007، جُملةً من النصائح الخالدة حول فن وحرفة الكتابة.

فمن نصائحه الثمانية لكتابةٍ قصصيةٍ رائعة إلى رؤيته حول أشكال القصص وصولًا إلى الروتين اليومي العتيد. لكن كان نادرًا أن يتناول هذا الموضوع أي شيء بفاعلية تمزج بين النصائح العملية والجوهر كما تناولتها مقالة فونجيت «كيف تكتب بأسلوب»، التي نُشرت عام 1985 ضمن مقتطفات أدبية رائعة في كتابه (كيفية استخدام قوة الكلمات المطبوعة). فكانت إضافة مذهلة إلى أفضل نصيحة حول الكتابة عبر التاريخ، نترجمها لكم بشكل حصري في ساقية.

يبدأ (فونيجت) بحملة تقريع ضد التقارير الصحفية الخالية من العواطف – وهو أمرٌ جوهري في خضم النقاشات المعاصرة حول ما يجب أن تكون عليه شخصية الكاتب- بالإضافة إلى تأمل أحد العناصر المهمة جدًا في الأسلوب:

يُدرَب المراسلون الصحفيون والكتّاب الفنيون على عدم إظهار ما يشير إلى شخصياتهم في كتاباتهم. مما يجعلهم غريبي الأطوار في عالم الكتابة؛ في حين أن الكثير من الكتّاب الآخرين يقدمون أنفسهم لقرّائهم من خلال كتاباتهم. ونحن نشير إلى هذه الإيحاءات -بقصد أو من غير قصد- بعناصر الأسلوب.

فهذه الإيحاءات تُخبِرنا نحن القرّاء عن الشخص الذي نقضي وقتنا بالقراءة له. هل الكاتب على قدرٍ من العلم أم جاهلًا، ذكيًا أم غبيًا، جادًا أم هازلًا؟ وغير ذلك الكثير.

لم يجب عليك أن تُمعن النظر في أسلوب كتابتك مع فكرة تطويره؟ لأن هذا يُعد بمثابة إحترام تُظهره لقرّائك أيا كان ما تكتبه. إن كتبت أفكارك دون أن تُلقي لها بالًا، فمن المؤكد أن يساور قرّاءك شعورًا بعدم اهتمامك بهم، وسيشار إليك مهووسًا بالأنا، ولربما ذهب بعضهم شأوًا أبعد من ذلك فعزفوا عن القراءة لك.

إن أكبر جُرم ترتكبه في حق نفسك حين لا تعرف ما هو المثير للإهتمام وما هو دون ذلك. ألست أنت في قرارة نفسك تُبدي إعجابًا بكتّاب وتُقصي آخرين وذلك حسب اختيارهم لأطروحاتهم أو ما يدفعك للتفكير بشأنه؟ هل نال استحسانك يومًا كاتبًا أو كاتبة ذوي عقلٍ فارغ لمجرد البراعة والإتقان في استخدام اللغة؟ لا.

لذلك يجب أن يبدأ أسلوبك الخاص من بناتِ أفكارك.

وأنشأ (فونيجت) يخط لنا القواعد الثمانية لكتابة إبداعية:

أولًا: جِد موضوعًا تهتم بشأنه

جد موضوعًا تهتم بشأنه وتشعر في داخلك بأن الآخرين سيبدون اهتمامًا به أيضًا. إنّ ما سيكون عنصرًا مقنعًا وجذابًا في أسلوب كتابتك هو الإهتمام الصادق الذي يشعره القرّاء بما تكتب وليس تلاعبك بألفاظ اللغة.

بالمناسبة، لست أحاول دفعك لكتابة رواية ما –رغم أنني لن أكون آسفًا إن فعلت– تمنحك شعورًا صادقًا بالإهتمام بشيء ما. لكن ربما كانت كتابة عريضة لرئيس البلدية تخبره فيها عن حفرة في الطريق أمام باب منزلك، أو رسالةً تٌعبر فيها عن حُبك للفتاة التي تقطن بجوارك، كفيلةً بمنحك شعور الإهتمام الذي تصبو إليه.

ثانيًا: لا تثرثر دون هدف، وإن شعرت برغبة في ذلك

لن أُسهب في الحديث عن هذا الأمر.

ثالثًا: تحلى بالبساطة

وفيما يخص استخدامك للغة، تذكر دومًا أن جهابذة الأدب مثل (ويليام شيكسبير) و(جيمس جويس) كتبا عبارات بمستوًى طفولي في حين أن أطروحاتهم كانت عميقة إلى مالا نهاية.

«أكون أو لا أكون؟ To be or not to be»

سؤال طرحه (هاملت) في مسرحية لـ(شكسبير)، هي أطول كلمة شكّلتها ثلاثة حروف وحسب. وحين كان (جويس) متحمسًا، كان بمقدوره أن يخطّ عبارات معقدة ومتألقة كقلادة كليوباترا، ولكن هناك جملة استأثرت بإعجابي دون غيرها وهي « لقد كانت مُتعبَة». في تلك المرحلة من القصة، لم تستطع أي كلمة أن تهز قلب القارئ كما فعلت هذه الكلمات الثلاث.

البساطة في اللغة ليست أمرًأ مستحبًا فحسب، بل لربما وصلت إلى القداسة. و كانت الجملة « في بادئ الأمر خلق الله السماء والأرض» التي استُهل بها الإنجيل خير مثال على المهارة الكتابية لشخص في عامه الرابع عشر.

رابعًا: امتلك شجاعة الاقتطاع

لربما كنت أنت أيضًأ قادرًا على صناعة قلادات لكليوباترا، إن صح التعبير. ولكن يجب أن تكون فصاحتك خادمة لكل تلك الأفكار التي في رأسك. وقد تكون هذه قاعدتك: اقتطع من كتابتك كل جملة لا تضيف أدنى توضيح لموضوعك بطريقة أو بأخرى، مهما كانت تلك الجملة جيدة وبليغة.

خامسًا: كن نفسك

أسلوب الكتابة، والذي يٌعد أكثر أمر طبيعي بالنسبة إليك، يتوقف على صدى ما تردده على مسامعك من حديث أيام طفولتك. كانت اللغة الإنجليزية هي اللغة الثالثة للروائي (جوزيف كونراد). وأسلوبه اللاذع حين يستخدم اللغة الإنجليزية في حديثه ليس سوى تأثره باللغة البولندية بلا شك و التي كانت لغته الأم. ومحظوظ حقًا هو الكاتب الذي نشأ في إيرلندا، حيث للغة الإنجليزية هناك وقعٌ عذب موسيقي ومحبب جدًا. أما أنا فقد نشأت في إنديانابوليس، حيث اللغة الدارجة هناك  تشبه صوت مجموعة مناشير تقطع صفيحًا مطليًا بالزنك، وتستخدم الكلمة خالية من أي جماليات.

لا حظت أنني أثق بكتاباتي أكثر من غيرها، وكذلك يفعل الآخرون حين أبدو على حقيقتي كشخص من إنديانابوليس. ما هي البدائل التي أملكها؟ إنها تلك النصيحة التي يوصي بها الأساتذة بشدة، ولا بد أنها قد أُلقيت على مسامعك ذات يوم: أن اكتب كمثقف إنجليزي من القرن الماضي أو من قرون سالفة.

سادسًا: قل ما تعنيه

إعتاد الأساتذة أن يصبوا جام غضبهم علي، ولكن لم يعد الأمر كذلك. فلقد أدركت الآن أن كل تلك المقالات التي اعتدت مقارنة عملي بها لم تكن مهمة بسبب قِدمها أو غرابتها، بل لأن كتّابها قالوا ما يريدون قوله تمامًا. لطالما سألني أساتذتي أن أكتب بدقة، وأن أختار أكثر الكلمات تأثيرًا وعمقًا، وأن أربط فيما بينها بصرامة ودون لبس كما تُجمع أجزاء الآلة. لم يشأ أساتذتي تحويلي إلى رجل إنجليزي في نهاية المطاف. لقد كانوا آملين أن أغدو كاتبًا يسهل فهمه. وأخذ بي الحلم إلى أن أحذو حذو (بابلو بيكاسو) في تعامله مع الطلاء، أو عمالقة موسيقى الجاز في تعاملهم مع الموسيقى.

إن أنا خرقت قواعد علامات الترقيم، وكتبت عبارات لا تحمل من المعاني سوى ما أردت لها أن تحمل، وجمعت هؤلاء معًا على وتر واحد خلطت فيه الحابل بالنابل، فإنني وبكل بساطة لن أستحيل كاتبًا يسهل فهمه. والأمر سيان بالنسبة إليك. لا تتبع أسلوب (بيكاسو) أو عازفي موسيقى الجاز في كتاباتك إن كنت تملك حقًا ما يستحق أن يُقال وتريد أن يفهمك الآخرون.

يطلب منا القرّاء أن تبدو صفحاتنا كتلك الصفحات التي رأوها سابقًا، ولماذا؟ لأن لديهم عملًا صعبًا، ويحتاجون منا كل صنوف المساعدة التي يمكن أن نقدمها لهم في سبيل إنجاز ذلك العمل.  

سابعًا: كن رحيمًا بالقرّاء

لدى القرّاء الآلاف من العلامات الصغيرة التي يجب عليهم قراءتها وتفسيرها في الوقت عينه. عليهم أن يقرؤوا، والقراءة فن صعب جدًا حتى أن معظمهم لا يتقنه تمامًا على الرغم من دراسته له خلال إثني عشر عامًا في المدارس الابتدائية والثانوية.

إذن، يجب أن يُفضي هذا النقاش إلى أن خياراتنا الأسلوبية ككتّاب يجب أن تكون بعيدة كل البعد عن كونها مبهرةً ومتعددة في حين أن قراءنا ليسوا فنانين محترفين.

يسألنا قرّاؤونا أن نكون أساتذة متعاطفين، وصبورين، ومستعدين دائمّا للتبسيط والإيضاح، حتى وإن كان باستطاعتنا، عوضًا عن ذلك، أن نعلو فوق الحشود ونغني كالعنادل.

كانت تلك هي الأخبار السيئة، أما الجيد منها فهو أننا نحن الأمريكيون نعيش في ظل دستور فريد من نوعه، يمنحنا حق الكتابة في كل ما نريد الكتابة عنه دون الخوف من العقاب. ولذلك فإن الجانب الأكثر معنًى ووضوحًا في الأساليب لدينا، ألا وهو اختيارنا لما نريد الكتابة عنه، غير محدود البتة.

ثامنًا: لنصيحة أكثر تفصيلًا

ولمناقشة الأسلوب في نطاق أضيق وأكثر مهنية، أود لفت انتباهك إلى عناصر الأسلوب التي وضعها (ويليام سترانك) و(إلواين بروكس وايت). يُعد (إلواين وايت) أحد أكبر جهابذة مصممي أساليب الأدب الذين أنجبتهم هذه البلاد.

وعليك أن تعي أيضًا أنه ما كان أحدًا ليلقي بالًا عن مدى إجادة أو إخفاق السيد (وايت) في التعبير عن ذاته إن لم يكن لديه أشياء ساحرة يقولها.

[المصدر]