أرشيف الوسم: الكتابة

تشارلز بوكوفسكي‎ مستغربًا: قواعد؟ للكتابة؟

Charles Bukowski

هنري تشارلز بوكوفسكي (1920-1994) شاعر وروائي وكاتب قصة قصيرة أمريكي من أصل ألماني.

“اكتب ماتريد، كيف ماتريد، أين ماتريد، للسبب الذي تريد، في الوقت الذي تريد، لمن تريد. قد ينجح الأمر وقد لاينجح ليس هناك صواب وخطأ” – (لين مالوني)، كاتب استكلندي.

تحرر بعض الكتاب من قيود الأدب السابقة ومع ذلك فأن بعضًا منهم ممن سلك منهجًا خاصًا به أصبح من أعظم الكتاب على الإطلاق. ومن هؤلاء الكتاب (تشارلز بوكوفسكي). الكاتب ذو الآراء القوية، والمهارة التي لايختلف عليها اثنان. كل كتاباته سواءً شعرًا أونثرًا وحتى مراسلاته معززة بحسّ فريد وغير مبرر من الحيوية.

الكتابة الجيدة لاتعني الالتزام بقواعد معينة، لكنها شيء أكثر صدق وواقعية، وأكثر إنسانية واندفاع.

قام (بوكوفسكي) بتفصيل هذه الفكرة أكثر من خلال رسالته إلى صديقه (انتوني لينيك) عام ١٩٥٩م مناقشا أن أهم شيء بالنسبة للكتابة، يقصد كتابة الشعر هنا:

يجب التصديق بأن عددا من الشعراء أقصد الصادقون منهم،مستعدون للاعتراف بأن ليس بجعبتهم نوايا مسبقة لما سيقومون بكتابته. بالرغم من أنه اعتراف مؤلم إلا أن فن الشعر يظل محتفظًا بقواه من غير أن تتفكك إلى انتقادات.

 ويقول:

أنا لا أعني أن الشعر يجب أن يصبح كمهرج تافه وغير مسؤول يقوم برمي كلمات في الفراغ، لكن القصيدة الجيدة تحمل سبب وجودها بنفسها، والفن هو سببها الوحيد.

إما الفن، أو شيء آخر. إما قصيدة، أو قطعة جبن.

وفي رسالة أخرى إلى صديق، يشرح فيها أن مايهم حقا في الكتابة هو أن يكتب الكاتب مايريد كتابته، وليس مايجب عليه كتابته قائلا:

تبدأ بالفشل حين تبدأ بالكذب على نفسك في قصيدة بغية أن يسهل عليك اختراعها. لذلك لا أعيد كتابة قصائدي، وأقوم بكتابتها كما هي أول مرة. لأني إن كنت كذبت في المرة الأولى فلا داعي للتشديد على ذلك. وإن لم أفعل فلم القلق؟

وفي رسالة أخرى لـ(لينيك)، يناقش أسلوبه في الكتابة والقواعد، خاصة القواعد المعنية باللغة قائلا:

لم أعر انتباهًا شديدًا لقواعد اللغة. فأنا أكتب لمجرد الحب للكلمة، للونها. كمن يرمي الألوان بعشوائية على لوح الكانفاس، وينصت بتذبذب، ويقرأ هنا وهناك.

عامةً، يمضي الأمر بسلام، لكن تقنيًا لا أعلم مايحدث ولا أهتم.

وفي رسالة أخرى يستمر:

أظن أن بعض الكتاب يعانون من هذا القدَر في الأساس لأنهم متمردين بالفطرة، وقواعد اللغة كأي قواعد تحكم هذا العالم ومحاولة للتسيّد ممايمقته الكاتب غريزيًا. بالإضافة أن اهتمامات الكاتب تتوسع لتشمل النطاق الروحي والموضوع ككل.. نحن نهتم باللون، الشكل، والمعنى وكل نقطة تساعد على إبراز الروح.

وفي رسالة أخرى إلى (جون وليام كارينغتون) الكاتب والشاعر يناقش فيها إن مايهم في كونك كاتبًا أو مصورًا أو فنانًا، هو الشجاعة على خلق شيء خارج عن المألوف:

 القواعد لاتعني شيئًا للمبدع الحقيقي.. لنعطي المسافة، لنسمح بالأخطاء، بالهستيريا، بالمأساة. لنجعل الحواف تبدو حادة كما هي. أشياء كهذه تحدث، يُقتل القسيس على المرحاض، تهرب زوجتك مع أحمق لم يسبق له أن قرأ لـ(كافكا)، تُدهس قطة، تُلصِق أحشائها جمجمتها بالرصيف، تمرُّ عليها السيارات لساعات. تنمو الأزهار في الدخان، يموت الأطفال في سن التاسعة وفي سن السابعة والتسعين.

علينا أن نجعل الشموع تستمر في الاشتعال، أن نسكب عليها غازًا إن لزم الأمر. ماهو مألوف سيبقى مألوفًا لكن يبقى هنالك دائما صرخات من النوافذ.

تتولد هستيريا الفنان من خلال التنفس في هواء المقابر. وأحيانًا عندما تتوقف الموسيقى تاركةً لنا أربع جدران من المطاط، أو الزجاج، أو الحجارة. أو أن يحدث الأسوء وتجد نفسك بلا جدران على الإطلاق.

بئيسًا ومتجمدًا في صقيع القلب، من أجل التركيز على المنطق والشكل مما يبدو بلاهةً في وسط الجنون.

الإبداع هو هبتنا ونحن مرضى به. حرك عظامي وأوقظني للتحديق في جدران الخامسة صباحا.


[المصدر]

تيد هيوز، و”كيف تكون كاتبًا؟”

 

تيد هيوز

إدوارد جيمس هيوز (1930-1998)، المعروف باسم (تيد هيوز)، شاعر وكاتب للأطفال إنكليزي، يعتبره النقاد من أعظم شعراء جيله. وكان “شاعر البلاط” من سنة 1984 وحتى وفاته.

في كتاب جمع (رسائل تيد هيوز)، كتب الشاعر رسالة إلى ابنته في كيف تكون كاتبًا أو كاتبة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية.


“طالع كتبًا جيدة، تكتسب عباراتٍ جيدة”هذا ما نصحت به الشاعرة (جين كينون) فيما تبقى من كتاب (بعض النصائح الحكيمة للكتابة والعمل بها). فإن كان الأدب ضروريٌ لتطوير أخلاقنا كما أعتقد (والت وايتمان) وتبني القراءة إنسانيتنا كما أكد (نيل جيمان)، إذاً فالانسجام مع العبارات الجيدة ليست ضرورية فقط لطريقة كتابتنا بل هي بمثابة جوهر إدراك شخصياتنا.

لذلك أشار الشاعر (تيد هيوز) في رسالة بديعة عُثر عليها في (رسائل تيد هيوزفي مكتبة عامة، ينصح بها ابنته المراهقة (فريدا)، وهي بذات الدرجة التي منحتنا رسالته المؤثرة للغاية لابنه عن تنشئة الطفل الذي في جوف كل إنسان.

أصبحت (فريدا) نصف يتيمة في عمر الثالثة عندما تُوفيت أمها (سيلفيا بلاث) منتحرة، وتُرك (هيوز) ليرعى هذين الطفلين الذين كتبت (بلاث) من أجلهم كتب خاصة بهم. وبعد ميلاد (فريدا) الثامنة عشر بوقت قصير – وكما أنها كانت على شفا كارثة فقدان وظيفتها الأدبية – شاركها أباها عن أكثر الأشياء أهمية والتي تعلّمها من (ت.س إليوت) ولا أقل من ذلك- عن ما الذي تحتاجه لتصبح شاعراً.

يكتب هيوز:

قال لي (ت.س إليوت): “هناك طريقة واحدة فقط يمكن للشاعر أن يطور كتابته الواقعية من خلالها – بغض النظر عن نقده لنفسه وممارسته المستمرة وهذا يكون بقراءة شعر غيره بصوت عالي- ولا يهم إن كان يفهمها أو لا (وهذا يعني بأنها حتى لو كانت بلغة أخرى.) وما يهم في كل هذا أن تعلّم الأذن.”

ما يهم أن تصل صوتك بنطاق لامحدود من الإيقاع والتسلسل اللفظي- ووحدها تجربة أذنك الفعلية الممتدة يمكنها أن تخزن كل ما يوجد في جهازك العصبي وما تبقى يعود على شخصيتك وحياتك.

وكُتبت رسالة طويلة بعد ثلاث سنوات– مناقشةً قصائد أريل والتي نشرت بعد وفاة (بلاث)- يعيد فيها (هيوز) موضوع الشخصية كمنبع للكتابة:

المؤشر الأول لانحلال (تفكك)–  الكاتب-هي بأن تفتقد كتابته إلى البصمة المميزة لشخصيته وتفقد روحها الداخلية،

أصبحت (فريدا) شاعرة مشهورة ورسامة وكاتبة كتب أطفال بنفسها وفيما بعد أعادت فن أمها الذي لم يكن معروفاً وعلاوة على ذلك؛ قضت أغلب شبابها في الدفاع عن شخصية أباها أمام التحليلات الاستعلائية الزائفة من المتفرجين الذين لاموه على وفاة (بلاث). وفي الواقع قلة من أصحاب العلاقات الخاصة أصبحوا عرضة لما هو أكثر قسوة ومحطّ سخرية عامة من (هيوز) و(بلاث)- والتي بدأت علاقتهم بعاصفة عشق وانتهت بمأساة -؛ إذ أصبحت علاقة (هيوز) بـ(بلاث) محطّ الكثير من التكهنات الخبيثة بعد موت (بلاث)، مثلها مثل علاقة (ألبرت آينشتاين) وزوجته الأولى والتي دفنت آراءٌ كثيرة متسرعة وغير مطّلعة حقيقتَها المختلفة قليلًا.

وندب (هيوز) نفسه إذ كيف أن الناقدين استغلوا شعرها “كإذن عام ليفتشوا عن حياة عائلتها بخبث وتحليل نفسي زائف”.

وكما بدى أن كِلاَ الناقدين ومن يسمّون بالجمهور نسو ومازالوا ألا أحد يعلم ما الذي يحدث ما بين شخصين- ناهيك عما بداخل الشخص- وأي حق في التفسير يخص من يعيش هذا الواقع الداخلي الخاص وحسب.


[المصدر]

حديث المازني، عن متاعب الكتابة

المازني

إبراهيم عبد القادر المازني (1889-1949) شاعر وناقد وصحفي وكاتب روائي مصري من شعراء العصر الحديث، عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره كما عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر واستطاع أن يلمع على الرغم من وجود العديد من الكتاب والشعراء الفطاحل حيث تمكن من أن يوجد لنفسه مكاناً بجوارهم، على الرغم من اتجاهه المختلف ومفهومه الجديد للأدب، فقد جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان.

كتب (المازني) مقالة بعنوان “متاعب الطريق” ضمّنها كتابه (قبض الريح)، وهو يعرض فيها رأيه في الجهد الذي يُعانيه الفنّانون عامّة والكتّاب خاصّة في عملهم، والذي قد يغفل عنه أكثر القرّاء والمتذوقين، فهم كما يقول مُعاصِره مصطفى صادق الرافعي (1937-1880): “والنّاس يحسبون أنّ الإنسان يستطيع أن يكتب في كل وقت ومع كل حالة كأنّه مطبعة ليس إلا أن تدور فيخرج الكتاب.. هذا غير صحيح؛ فلا بدّ من أحوالٍ هادئة مؤاتية ما دمنا في أمر الفنّ والابتكار وإيجاد ما ليس موجودًا”.

يقول (المازني):

… والأديب شبيع بالعاشق، يعرض له الخاطر فيستهويه ويسحره ولا يجري في باله في أول الأمر شيء من المصاعب والعوائق ولا يتمثّل له سوى فكرته التي اكتظّت بها شِعاب نفسه، ولا ينظر إلا إلى الغاية دون المذاهب، ويشيع في كيانه الإحساس بالأثر الذي سيحدثه، وقد يتصوّر الأمر واقعًا ولا يندر أن يتوهّم أنه ليس عليه إلا أن يتناول القلم فإذا به يجري أسرع من خاطره، وإذا بالكتاب تتوالى فصوله وتتعاقب أبوابه، وتصفّ حروفه ويُطبع ويُغلّف ويُباع، ويُقِبل عليه النّاس يلتهمونه وهم جَذِلون دَهِشون مُعجبون، وإذا بصاحبه قد طَبَق ذكره الخافقين وسار مسير الشمس في الشرق والغرب وخلد في الدنيا إلى ما شاء الله!!

يكبر كلّ هذا في وهمه لحظة تطول أو تقصر، ثمّ يهمّ بالعمل ويعالج أداءه فيتبيّن أن عليه أن ينضج الفكرة ويتقصّى النظرة ويلمّ بهذا ويعرّج على ذاك، ويستطرد هنا ويمضي إلى هناك، ويدخل شيئًا ويخرج خلافه.. ثم أن يصبّ ذلك في قوالب ملائمة ينبغي أن يُعنى بانتقائها، وأن يتوخّى في الأداء ضرورات تَقسره عليها طبيعة الخواطر والمسائل: هذه تتطلّب إيضاحًا وتلك لا معدى في سوقها عن تحرّي القوّة في العبارة أو اللين أو السهولة أو الجمال أو غير ذلك. وأحرِ به حين يُكابد كل ذلك أن تَفتُر حرارته الأولى وأن يدبّ الملل في نفسه، وأن يضجره أن يضطر إلى أن يقطع الطريق خطة خطوة، ويكتب الفكرة الرائعة الجليلة التي استغرقته وفَتَنَته كلمة كلمة، ويتناول منها جانبًا بعد جانب، وأن يعاني في أثناء ذلك مشقّات التعبير ومتاعب الأداء، وأن يُذعن لأحكام الضرورات فلا يستعجل فيفسد الأمر عليه، بل يكرّ أحيانًا إلى ما كتب ويُعيد فيه نظره ويُجيل قلمه مرة وأخرى وثالثة إذا احتاج الأمر إلى ثانية أو ثالثة، ويصبر على برح ذلك وعنائه وتنغيصه وتغثيته يومًا وآخر، وأسبوعًا وثانيًا، وشهرًا وعامًا وأكثر من عام أو أعوام إذا دعت الحال.

وفي أثناء ذلك كم خالجة عزيزة يضطر أن ينزل عنها ويدعها مدفون في طيّات نفسه لعجزه عن العبارة عنها وتصويرها وإبرازها في الثوب الذي ينسجم عليها ويجلوها للقارئ كما هي في ذهنه، أو لأن كلمة واحدة-واحدة لا أكثر-تنقصها لتستوفي حقها من التعبير الذي يكفل لها الوضوح أو الحياة؟ كم معنى يتركه ناقصًا أو غامضًا وهو يحسّه تامًا ويتصوّره في ضميره كأجلى ما يكون؟

وما كل امرئ يدخل في مقدوره أن يحتمل هذا المضض كلّه.

ومن الكتاب من لا يكاد يلتقي بأول صخرة في الطريق حتى ينكص راجعًا وهو يشعر بمرارة الخيبة بعد الغبطة التامّة التي أفادته إياها الفكرة حينما نشأت، ويروح يطير من فكرة إلى أخرى ولا يكاد يصنع شيئًا لأن العوائق التي لم يقدّرها تغلبه، والوعور التي لم يتوقّعها تهيضه، والمشقات التي لم يفكر فيها تُسئمه.

وهو هنا يتساءل: هل يُفكر النّاس بالنَصَب الذي يلاقيه الفنّان في إبداع فنّه؟

وكم من الناس يفكرون فيما يُقاسيه الأديب؟! أين ذاك الذي يُطالع الكتاب أو الديوان ويعنى بأن يصوّر لنفسه الجهد الذي بذله صاحبه والغصص التي تكبّدها وصبر عليها: جهد التفكير والأداء، وغصص النجاح والفشل على السواء؟

إنه لا يُقدر ذلك إلا من عانى هذه المآزق وخاض غمراتها وذاق مرارتها.

وشبيه بهذا أن يقف رجل من الأوساط العاديين أمام صورة يتأمّلها ويُدير فيها عينيه ويُعجب بها أو لا يُعجب، وهو لا يدري أنّها ليست ألوانًا وأصباغًا مزجها المصوّر (=الرسّام) وزاوج بينها وساوقها، بل قطعة حية من نفسه إذا نظر إليها صاحبها كرّت أمام عينه سلسلة طويلة من الألم واللذة والندم والغبطة والغيظ والكمد والسخط والرضا والأمل والخيبة ومن أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة.

وبعد ذلك يُدلي برأي في العلاقة بين مدى الإحساس بالفكرة والقدرة على التعامل مع مصاعب تجسيدها في الفنّ:

ويظهر أنه ليس أعون على المُثابرة والصبر من خفّة الإحساس ومن أن يكون المرء بحيث لا تهتاج آماله أو مخاوفه إلى درجة من الألم والإلحاح لا تُحتمل ولا يسع المرء معها رفقًا بنفسه وإبقاء عليها إلا أن يفرغ من الأمر الذي يُعالجه ولو خسر في سبيل ذلك غايته. وأعني أن يكون المرء هادئ النفس، قليل الاكتراث، قادرًا على الانتظار، مُطيقًا للصبر، راضيًا عن نفسه، مستعدًا للارتياح إلى كل ما عسى أن يشغله؛ يستوي عنده أن يكتب في الفلسفة أو يصف حوانيت الباعة، وأن يستكشف القطب الشمالي أو يهتدي إلى حانة تبيع الويسكي بأثمان زهيدة ومقادير كبيرة، مادام هو الذي يفعل هذا أو ذاك، وما دام رضاه عن نفسه لا يُضعفه سبب من الأسباب.

وليس من النادر أن يُرزق هذا الضرب من الناس حظًا من البساطة الطبيعية ترفعهم وتذري منهم. ولكن ما عسى صبر الذين تطغى بهم البواعث القويّة وتلجّ بهم الأشواق الحادّة والرغبات الجامحة وتدفهم إلى محاولة الوثوب وتعجلهم ولا تدع لهم فرصة راحة يروضون بها نفوسهم؟

في الكتابة، هيمنغواي يتحدث

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

إرنست ميلر همينغوي (1899-1961)، كاتب أمريكي يعد من أهم الروائيين وكتاب القصة الأمريكيين.كتب الروايات والقصص القصيرة. لقب بـ”بابا“. غلبت عليه النظرة السوداوية للعالم في البداية، إلا أنه عاد ليجدد أفكاره فعمل على تمجيد القوة النفسية لعقل الإنسان في رواياته، غالبا ما تصور أعماله هذه القوة وهي تتحدى القوى الطبيعية الأخرى في صراع ثنائي وفي جو من العزلة والانطوائية.شارك في الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث خدم على سفينه حربيه أمريكيه كانت مهمتها إغراق الغواصات الألمانية، وحصل في كل منهما على أوسمة حيث أثرت الحرب في كتابات (هيمنجواى) وروايته.

عمل (هيمنجوي) كسائق سيارة إسعاف في الحرب العالمية الأولى، والتي أُصيب فيها بالعديد من الشظايا. وكان من بين أبرز الروايات التي كتبها (هيمنجوي) (وداعًا للسلاح)، (لمن تُقرع الأجراس)، (ولا تزال الشمس تشرق).

ذات مرة، التقى الكاتب (أرنولد سامويلسن) بالراوئي (هيمنجوي) وقام بتسجيل الحوار الذي أجراه معه والذي فُرّغ بعد ذلك في كتاب بعنوان (مع هيمنجوي). وعلى أية حال، فقد تحدث (هيمنجوي) عن الكتابة في ذلك اللقاء، ننقل لكم مقولاته بشكل حصري. يقول (هيمنغوي):

إذا ما مللت من الكتابة، فلا يصيبنك الإحباط.

وإذا ما أصابك، فلن تستطيع الفكِاك منه.

عليك أن تعمل مرارًا على الكتابة، فقد أعدت كتابة (وداعًا للسلاح) خمسين مرةً على الأقل. تكون مسوّدة العمل الأولى شيئًا من العبث. لذا، فعندما تتمرن على الكتابة للمرة الأولى فاستمتع، ولا تلقي بالًا  للقارئ. لكن؛ وبعد أن تتقن عملك، فإن من واجبك أن تنقل المعنى للقارئ حتى يتذكر ما كتبتَ، ليس كقصة بل كشيء قد حدثَ في حياته.

إن استطعت أن تُمتّع من يقرأ لك ولا تستمتع أنت بما تكتب، فذلك هو الاختبار الحقيقي للكتابة.

اعمل على كتابتك بجد، فالكتابة الأفضل تعني صعوبةً أكثر؛ ذلك لأن على كل قصة أن تكون أفضل مما قبلها، وهنا مكمن الصعوبة.

أحب أن أعمل العديد من الأشياء التي اتقنها أكثر من الكتابة، ولكن عندما لا أكتب، فإني أشعر بالضجر، فأنا لديّ الموهبة ولكنّي أهملها.


[المصدر

نيل قايمان يتساءل: من أين تأتي بأفكارك؟

 

نيل قايمان

نيل قايمان (مواليد 1960)، هو كاتب إنجليزي، نُشرت له عدد من القصص القصيرة، والروايات، والقصص المصوّرة أيضًا، بالإضافة إلى عدد من الأعمال الأخرى. من أشهر أعماله؛ سلسلة القصص المصوّرة (ساندمان)، أو رجل الرمل. ومن الروايات؛ (الآلهة الأمريكية)، (كارولاين)، (المحيط في آخر الطريق)، و(ستاردست).

في مدونته الشخصية، كتب (قايمان) مقالة عن السؤال الذي يُطرح عليه بشكل متكرر، ألا وهو “من أين تحصل على أفكارك؟”، ننقله لكم بترجمة حصرية. يقول فيه:

 

كل مهنة لها شراكها. الأطباء، على سبيل المثال، دائما ما يتم سؤالهم للحصول على المشورة الطبية المجانية، ويطلب من المحامين المعلومات القانونية، ويقال لمتعهد الموتى كيف ان مهنته لاشك مثيرة للاهتمام قبل أن يغير الناس مجرى الحديث بسرعة. وكذلك نحن الكتاب نُسأل: “من اين نحصل على افكارنا؟”

في البداية، كنت أجيب الناس بإجابات ليست مسلية جدا، أحد إجاباتي التي أتهرب بها : “من نادي فكرة الشهر”، أو “من محل افكار صغيرة في بوغنور ريجيس”، أو “من كتاب قديم مليء بالافكار في قبو منزلي”، أو حتى “من بيت أتكينز”. والإجابة الاخيرة مقصورة على فئة معينة، وربما تحتاج إلى تفسير قليلا. (بيت اتكينز) هو صديقي كاتب السيناريو والروائي، وقررنا منذ فترة أنه عندما يطرح علي هذا السؤال أن أجيب بأنني احصل على الأفكار منه، وهو كان يجيب بأنه يحصل على الافكار مني. بدأ هذا ذا معنى في ذلك الوقت.

ثم سئمت من الإجابات الغير مسلية، في الوقت الحالي صرت أخبر الناس الحقيقة: أنا اخترعها؛ أقول لهم، آتي بها من رأسي.
الناس لا يحبون هذه الإجابة. أنا لا أعرف لم لا. يبدون غير سعداء بها، كما لو كنت أحاول أن أخفي شيئا عنهم . وكأن هناك سرا كبيرا، و لأسباب خاصة بي، لا أريد أن أقول لهم كيف يتم ذلك.
وبالطبع هذا ليس صحيحا. أولا، أنا نفسي لا أعرف من أين تأتي الأفكار، أو مالذي يجعلها تأتي، أو ما إذا كانت ستتوقف في يوم من الأيام. ثانيا، أشك في أن أحدا ممن يسأل يريد ان يستمع إلى محاضرة مدتها ثلاث ساعات عن العملية الإبداعية. وثالثا، إن الأفكار ليست بتلك الأهمية. حقا أنها ليست كذلك. الجميع لديهم فكرة لكتاب، فيلم، قصة، مسلسل تلفزيوني.
كل كاتب نشر اعماله كان يملك الفكرة، الناس الذين يأتون إليك ليخبروك ان لديهم فكرة. ويا إلهي هل من المستبعد والغريب انهم يريدون ان يشركوك بها ، في الغالب سيكون الاقتراح بهذا الشكل، سيخبروك بالفكرة “الجزء الصعب”، وانت ستأخذها وتحولها إلى رواية “الجزء السهل من العملية”، وبالطبع في النهاية بإمكانكم ان تتقاسموا المال مناصفة بينكم.
أنا متفهم ومتسامح بدرجة معقولة مع هؤلاء الناس. وأنا أقول لهم، حقيقة، أن لدي عدد كبير جدا من الأفكار ، و القليل جدا من الوقت. وبعدها أتمنى لهم حظا سعيدا.
الأفكار ليست هي الشيء الصعب. انها عنصر صغير من الكل. إن الأصعب من ذلك هو صنع أشخاص معقوليين يمكنهم القيام بالقليل أو الكثير مما يقال لهم. والأصعب على الإطلاق هو عملية الجلوس ببساطة ووضع كلمة واحدة تلو الأخرى لتشييد ماتحاول إنشاءه: ان تجعله مثيرا للاهتمام، تجعله جديد من نوعه.
ولكن لا زال السؤال الذي يريد الناس معرفة إجابته. في حالتي، يريدون ايضا أن يعرفوا إن كنت أحصل على الافكار من أحلامي. الجواب: لا. منطق الحلم ليس منطق القصة، اكتب حلما، وسترى ما أعنيه، بل حتى أفضل من ذلك، أخبر أحدا بأحلامك؛ “حسنا، كنت في هذا البيت الذي كان أيضا مدرستي القديمة، وهناك كانت هذه الممرضة التي كانت كذلك ساحرة عجوز، والتي ذهبت بعيدا ولكن كان هناك ورقة شجر ولا أستطيع النظر إليها والتي أعلم أنه إذا لمستها سيحدث شيء مروع …”، كنت أشاهد أعينهم تلتمع وهم يستمعون إلي، وأنا لا أعطي أجوبة صريحة .. حتى وقت قريب.
ابنتي (هولي)، ذات السبع سنوات، طلبت مني ان أحضر لمدرستها لكي ألقي خطابا، كان المعلم متحمسا، “أصبح الأطفال يؤلفون كتبهم الخاصه مؤخرا، لذا إن حضورك سيكون شيقا كونك كاتبا محترفا.  ومن الممكن ايضا ان تخبرهم ببعض القصص، إنهم يحبون القصص”، فجئت .
جلسوا على الأرض، وكان لي كرسي، حدق بوجهي خمسين زوجا من الأعين لأطفال في السابعة من العمر. “عندما كنت في سنكم، قال لي الكبار أني لا أصنع شيئا، والآن، إنهم يعطوني المال من أجل ذلك”. تحدثت لمدة عشرين دقيقة، ثم بدأوا يطرحوا علي الأسئلة.
وأخيرا سألني أحدهم: “من أين تحصل على أفكارك؟”. وأدركت أنني أدين لهم بإجابة. لم يكونوا بالعمر الذي يمكنهم من معرفة أكثر مما يعرفوه. وإنه سؤال معقول تماما، إن لم يكن يُطلب مني اسبوعيا.
هذا هو ما قلته لهم:
يمكنك الحصول على أفكار من أحلام اليقظة. و من الشعور بالملل. يمكنك الحصول على الأفكار في كل وقت. والفرق الوحيد بين الكتاب وغيرهم من الناس هو أننا نلاحظ انفسنا عندما نجد فكرة. تحصل على الافكار عندما تسأل نفسك أسئلة بسيطة. من أهم الأسئلة هو سؤال: ماذا لو ..؟ “ماذا لو استيقظت بأجنحة؟ ماذا لو تحولت أختك إلى فأرة؟ ماذا لو اكتشفت ان المدرس ينوي ان يأكل احدا منكم في نهاية الفصل الدراسي؟ لكنك لا تعرف من”.
سؤال مهم آخر هو، فقط إذا ..! “فقط إذا كانت الحياة الحقيقية مشابهة  لمسرحيات هوليوود الموسيقية. فقط إذا كنت استطيع تقليص نفسي لأصبح بحجم زر صغير. فقط  إذا كان هنالك  شبح يقوم بأداء واجباتي المنزلية”.
وبعد ذلك هناك أيضا: أتساءل !!
“أتساءل عما تفعله عندما تكون وحدها …” وسؤال لو استمر هذا الوضع سوف..! وأليس من المثير للاهتمام إذا ..! “أليس من المثير للاهتمام إذا اصبح العالم محكوما من قبل القطط؟”
هذه الأسئلة وشبيهاتها، هي بدورها، تشكل المزيد من الاسئلة، “حسنا، إذا كانت القطط تحكم العالم سابقا، لماذا تغير الوضع؟ وكيف تشعر القططة  حيال ذلك؟”، إن الاسئلة هي احد مصادر الافكار!!
الفكرة ليس عليها ان تكون عقدة، الفكرة هي مكان لكي تبدأ الكتابه منه. أما العقد فهي تنشئ بنفسها عندما يقوم الشخص بطرح الاسئلة عن الفكرة التي بدأ بها.
وأحيانا الفكرة تكون شخص، “كان هنالك صبي يريد أن يعرف عن السحر”. في بعض الأحيان تكون مكان “منذ زمن بعيد كان هنالك قلعة، وكانت هي المكان الوحيد هناك …”. في بعض الأحيان انها صورة “امرأة، تجلس في غرفة مظلمة مليئة الوجوه الفارغة”.
وغالبا ما تأتي الأفكار عندما نجمع  أمرين لم يجتمعوا من قبل. “إذا تعرض إنسان للعض من قبل مستذئب سيتحول إلى ذئب، ولكن ماذا سيحدث إذا تعرضت سمكة إلى العض من قبل مستذئب؟ وماذا سيحدث إذا تعرض كرسي للعض من قبل مستذئب؟”.

إن كتابة الروايات هي عملية تخيل؛ أيا كان ما تكتبه، وأيا كان نوعه، مهمتك هي أن تجعله مقنع ومثير للاهتمام وجديد.
وعندما تمتلك الفكرة – الذي هو، بعد كل شيء، شيء لتتمسك به عندما تبدأ – ستفكر بماذا بعد؟
حسنا، بعد ذلك ستكتب. تضع كلمة واحدة تلو الأخرى حتى تنتهي من القصة – هذا هو كل مافي الأمر.
أحيانا لن تنجح الفكرة، أو على الأقل ليس كما تصورت في البداية. في بعض الأحيان لن تعمل على الإطلاق. و في أحيان أخرى عليك التخلص منها تماما و البدء من جديد.
أتذكر قبل بضعة سنوات، عندما خطرت لي “قصة ساندمان”. كان الأمر يبدو كما أن للأمر علاقة بالشيطانة التي تعطى الكتاب والفنانين والشعراء الأفكار في مقابل جزء من اعمارهم. لقد أسميتها الجنس والبنفسج.
وبدت قصة واضحة المعالم، و لكن فقط عندما بدأت في الكتابة، اكتشفت أنها كانت كمحاولة يائسة لربط الرمل الناعم؛ في كل مرة كنت أعتقد أنني تمكنت من ذلك، اجد ان القصة تقطر من خلال أصابعي وتتلاشى.
لقد كتبت في ذلك الوقت: “لقد بدأت هذه القصة مرتين، وبلغت نصف الطريق في كل مرة، فقط لمشاهدته يموت على الشاشة”.

“ساندمان”، وهو كوميك  مرعب. بدا لي كما لو أن لاشيء كتبته قبع في داخلي مثل هذه القصة، وأنا الآن على وشك التخلي عنها، مع الموعد النهائي للكتابة الذي اصبح شيئا من الماضي. وربما أشعر بذلك لأن هذه القصة قريبة جدا من قلبي. إنها أفكار – والقدرة على وضعها على الورق، وتحويلها إلى قصص – هذا هو الذي يجعلني كاتبا. وهذا هو الذي يجعلني غير مجبر على الاستيقاظ في وقت مبكر من الصباح والجلوس على متن قطار مع أشخاص لا أعرفهم والذهاب إلى عمل أزدريه.
إن فكرتي عن الجحيم هو ورقة بيضاء. أو شاشة فارغة. وأنا، أحدق في ذلك، غير قادر على التفكير في شيء واحد يستحق الكتابة
؛ حرف واحد يمكن للناس ان يؤمنوا به ، قصة واحدة لم تحكى من قبل.
نعم أتخيل اني أحدق في ورقة بيضاء .. إلى الأبد!

لقد كتبت في طريقي للخروج من الجحيم، ومع ذلك أصبحت يائسا، وهذه إجابة اخرى أستخدمها مع مسألة: “من اين تحصل على افكارك”. “من اليأس”. “اليأس والملل”، و”المواعيد النهائية”. جميع هذه الإجابات صحيحة إلى حد ما. عندما تحيط بي هذه االاشياء وتأخذ رعبي الشخصي والفكرة الأساسية لتصنع قصة تدعى الملحمة، وهو ما يفسر، إلى حد ما، المكان الذي يحصل منه الكتاب على أفكارهم منه. انها من  كتاب بعنوان “أرض الأحلام”. يمكنك قراءته إذا أردت. وفي مكان ما في كتابة هذه القصة، توقفت عن خشية إفلات الافكار مني
من أين أحصل على افكاري؟

أنا اخترعها …

من رأسي!

 


[المصدر]