أرشيف الوسم: الكتابة

مارغريت دوراس، في الكتابة والكتب.

duras_feature_final

مارغريت دوراس (1914-1993) شاعرة وكاتبة وكاتبة مسرحية ومخرجة فرنسية. اشتهرت في فرنسا والعالم الفرنكفوني بالتنوع الأدبي والمعاصرة، كما كانت كاتبة للقصص القصيرة وسيناريوهات الأفلام وهي تعتبر من أهم الأدباء الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين.

في كتابها (أن تكتب؛ الروائي والكتابة)، تتحدث عن نفسها إذا كتبت، وعن الكتابة والكتب في إلماحة رائعة تقول فيها:

كتابتي تتم كل صباح، ولكن بغير توقيت مضبوط. اللهم لوقت المطبخ، إذ أعرف متى يلزم أن أتحرك، ومتى يغلي الإبريق، أو لتجنب احتراق. وكذلك الشأن مع الكتب. أقسم بهذا. لم أكذب في حياتي، قط. ولا في حياتي كذبت. اللهم على الرجال. أبداً لم أكذب. ويرجع السبب إلى تخويف أمي لي بحكاية الغولة التي تقتل الأطفال الكذابين.

تتابع حديثها قائلة:

أظن أن هذا ما نراه عبر الكتابة: إنها مفبركة، منظمة، مقننة، تكاد تصبح متطابقة. حيث الكاتب يقوم بوظيفة المراجعة، وإذن يغدو بمثابة شرطيه الشخصي. أعني بهذا البحث عن الشكل الحسن، أي الشكل السائد أكثر، الأشد وضوحاً والأقل هجومية. وما زالت هناك أجيال ميتة تصنع كتباً محتشمة، بل وبين الشباب أيضاً، ممن يضعون كتباً لطيفة، بدون أية امتدادات، بلا ليل ولا صمت، وبعبارة أخرى بلا قيمة حقيقية. كتب نهار، أسميها، لتزجية الوقت، وأثناء السفر، لكنها لا تنقش في التفكير أبداً وتقول الحداد الأسود لحياة بأكملها، والمدار المشترك لكل تفكير.

ثم تتحدث في موضع آخر:

لا أعرف ما هو الكتاب. لا أحد يعرف. لكننا نعلم أن هناك كتاباً. وحين لا يوجد شيء، نعرف ذلك معرفتنا أننا لم نمت بعد.

لكل كتاب, كما لكل كاتب معبر صعب، لا يمكن اجتنابه. وعليه أن يتخذ القرار بترك الخطأ في الكتاب ليبقى كتاباً حقيقياً، لا يكذب. أما الوحدة، فلا أعرف ماذا تمسي بعدئذ. ما أعتقد هو أن الوحدة تصبح بدهية، وعلى المدى البعيد تنقلب مبتذلة، وهذا جيد.

تتحدث أيضًا عن الجنون في الكتابة، فتقول:

ثمة جنون للكتابة في أنفسنا، جنون أحمق للكتابة، ولكن ليس من أجل هذا نكون في الجنون. على العكس.

الكتابة هي المجهول، فقبل أن نكتب لا نعرف شيئا عن ما نكتب. وهذا بيقظة تامة.

وهو مجهول ذاتنا، رأسنا وجسدنا. ليس ولا تفكيراً، فأن تكتب هو نوع من المقدرة لدينا إلى جانب شخصنا، ومواز له، لشخص آخر، يظهر ويتقدم, غير منفصم, موهوب الأفكار، بالغضب، وأحياناً معرض من تلقائه هو للهلاك.

لو كنا نعلم شيئا عن ما سنكتب، قبل الشروع، قبل الكتابة، فلن نكتب أبداً، فلا فائدة.

وختامًا، تقول (مارغريت):

أن تكتب، هو أن تحاول معرفة ما سنكتب لو كتبنا. لا نعرف ذلك إلا في ما بعد. قبل، هو السؤال الأكثر خطورة الذي يمكن طرحه، لكنه الأكثر جرياناً، أيضاً.

الكتابة تحصل كالهواء، هي عارية، هي الحبر، وتمر مثل أي شيء لا يمر في الحياة، لا أكثر، الحياة.

 

روجر روزنبلات، عن القوى الخفية لنجاح الكتابة

Roger Rosenblatt

روجر روزنبلات (مواليد 1940)، هو كاتب أمريكي. لفترة طويلة، امتهن كتابة المقالات لعدد من المجلات، مثل (تايمز)،  و(پي بي إس نيوز أور). كما قام بكتابة عدد من الكتب. في مقالة كتابها في الخامس والعشرين من شهر أغسطس، من عام 2017، والتي نُشرت في صحيفة (نيويورك تايمز)، تحدث عن “القوى الخفية لنجاح الكتابة”، ننقلها لكم في ترجمة حصرية لدى ساقية:

صرحت الكاتبة والناقدة (كاثرين شولتز) في مقالتها عبر مجلة نيويورك قبل عدة أعوام بأننا غير قادرين على رؤية أغلب الأشياء التي تتحكم في حياتنا. فالمجالات المغناطيسية والتيارات الكهربائية وقوة الجاذبية غير مرئية وهي مشابهة بذلك أفكارنا وميولنا الشخصية وشغفنا و أذواقنا ومزاجنا وأخلاقنا وحتى أرواحنا – إذا كنت ممن يؤمنون بالروح. فالعالم الخفي يتحكم في العالم الظاهر كدولة قومية خفية.

وينطبق الأمر ذاته على الكتابة. فعندما تتخيل صورة أو جملة أو شبه جملة يتراجع عقلك ويتساءل “من أين أتيت بتلك الجملة؟” لا أعني هنا الكتابة التلقائية على الرغم من إمكانية أن تكون جزء من ذلك. ولكن أعني النطاق الأوسع لجميع القوى الخفية الممكنة التي تنتج وتؤثر في الكتابة. فهناك بعض الأمور التي يراها الكاتب وحده و يعجز القارئ عن رؤيتها والبعض الآخر لا يراه الا القارئ بينما توجد بعض الأمور التي يستحيل رؤيتها على كلاً من الكاتب والقارئ. والنوع الاخير هو الاكثر فتنة ويملك قوة من نوع خاص. فهذا النوع يشبه إلى حد كبير الشبح (جايكوب مارل) في رواية”أنشودة عيد الميلاد” لـ(تشارلز ديكينز) حيث يوجه الكتابة إلى اتجاهات غير متوقعة ومخيفة بعض الأحيان ولكنها مثمرة.

فما يراه الكاتب من القارئ هو النوع الأبسط لأنه يتمحور حول المهارة مثل مهارة إخفاء الرموز في الشعر أو النثر على سبيل المثال. فإذا أجاد الكاتب عمله فلن يستطيع القارئ أن يتعرف على الرموز فوراً حتى يكمل قراءة العمل مما يزيد من عمق المعنى. فالرمز مخفي. أي أن العمل سواء كان رواية او مسرحية او مقال او قصيدة هو مخفي أيضا. فالقارئ لا يعي العمل والجهد المبذول من الكاتب لاختيار تلك الرموز والتفكير في الكثير منها قبل العثور على الرموز المناسبة. ويقول الشاعر الإنجليزي (ويليام ييتس) حول كتابة الشعر “اذا لم يبدو الأمر وكأنه مجرد لحظات من التفكير، فإن حياكتنا، للشعر، ستبدو كالعدم”.

فالقارئ لم يطلع على النسخة الأولى أو الثانية أو التاسعة عشر ولكن الكاتب يعرف ويتذكر هذه المسودات والتي تمتلك بدورها تأثير خفي على العمل. فمع تحسن شكل أسطر القصيدة أو شخصية الرواية يزيد فهم الكاتب او الكاتبة لأهداف العمل. فالمسودة الأولى هي بمثابة الطفل الذي يصبح رجلاً و يكون الكاتب متفهماً للعمل بعمق حيث شهد جميع خطوات التطور.

وبالاضافة الى ذلك فان الكاتب على اطلاع بما حدث في القصة قبل بدايتها. فجميع القصص القصيرة تكون منتهية قبل أن نقرأ السطور الأولى منها. فتشكل القصة اللحظة الرئيسية وهي نتيجة لقصة غير مرئية، خفية، وقعت بالفعل. فتوجب على الروائي الامريكي (جيروم سالينغر) أن يعلم جميع الامور حول شخصية (سيمور جلاس) قبل أن يصل (سيمور) الى فلوريدا في قصة “يوم مثالي لاصطياد الموز”. فعند وصوله الى فلوريدا كان الوقت متأخراً بالفعل.

ولكن ما الذي يراه القارئ ويكون خفي بالنسبة للكاتب؟ الإجابة بشكل أساسي هي حياة القارئ. فالكاتب ينشر كتابه ويطلقه الى العالم ولا يعلم أين سيحط رحاله أو التأثير الذي سيتركه على القارئ الذي لا يراه. هناك بالطبع تلك اللحظة الرائعة للكاتب حيث يخبره أحد القراء بأن كتابه كان سبب في تغير حياته. وهذه اللحظة جميلة باستثناء إذا كان الكتاب تسبب في تغيير حياة القارئ الى الاسوء. فالكتاب لا يرون القراء وحياتهم التي بمثابة السر. فالكاتب يطمح أن يكون عمله حقيقي بشكل عام بحيث يتقبله القارئ ويجعله جزءاً من قصته الخاصة. فالكاتب يعتمد على ويكتب الى عالم خفي وإذا تمكن القارئ أن يرى نفسه في عمل الكاتب فهذا أمر رائع. ولكن الكاتب لن يعلم هذه الحقيقة أبداً. فالقارئ هو بمثابة شخصية هارفي الصديق الخفي العملاق، والذي نأمل أن يكون لطيفاً.

ولكن النوع الأعظم والأكثر أرضاءاً على الاغلب من الجوانب الثلاثة الخفية هي الأمور المخفية عن الكاتب والقارئ في نفس الوقت ولكن يعلم الطرفين بوجودها. ويحكي الكاتب ورسام الكاريكاتير الامريكي (جول فيفر) قصته عندما بدأ رسم الكاريكاتير في صحيفة (ذا فيليج فويس). وقبل طباعة أول كاركاتير من أعماله حذرته والدته التي تخيفه كثيرا بأنه إذا كان سيرسم امرأة مخيفة وظالمه فمن الأفضل أن لا تبدو مثلها. وأكد جول لوالدته بأنه رسوماته لا تمت لها بصلة ولكن عندما طبع أول كاركاتير كتب جول في مذكراته أنه حدق في تلك الرسمه ورأى والدته.

من يعلم مصدر الأشياء في الكتابة؟ فالشاعر الأيرلندي (شيموس هيني) عبر عن إحساسه بالقدر الموجه من الآله ولكن باختلاف أنواع القوى يتفق الجميع أن أغلبية الكتاب يشعرون بالإلهام والارتباط بأعمالهم. وهذا الالهام يرسم خرائط غامضة تدفع الكاتب لتغير مساره السابق في منتصف العمل وكأنما استولت يد الشبح على زمام الأمور.

أعي تماما بأن كتابتي تحسنت خلال الأعوام التسعة الماضية منذ وفاة ابنتي. فكتابتي الآن أكثر حدة وأكثر حذراً. وسأتخلى بكل سرور عن جميع الكتب التي نشرتها خلال هذه الاعوام التسعة مقابل لحظة واحدة مع أبنتي آيمي. ولكن لاستحالة هذه المساومة، فسأكتب ليمتلئ الفراغ الذي خلفه رحيلها. وسأكتب لأنني إذا كنت أعتقد بأن وفاة آيمي جعلني أكتب بجدية أكثر فهي إذن تعيش معي بشكل خفي. وأنا أكتب كي أراها.

 


[المصدر]

عمرو منير دهب، وحديث عن الروائي الجبان

عمرو منير دهب

عمرو منير دهب كاتب سوداني ولد في الخرطوم، كتب بالعديد من الصحف السودانية منذ منتصف التسعينيات متنقلاً من صحيفة الإنقاذ إلى صحيفة الأنباء، ثم جريدة الصحافة وصحيفة الأحداث، وبعدها إلى جريدة السوداني، ثم صحيفة الصيحة. وله العديد من الكتابات، آخرها كتابه (تبًا للرواية؛ عن حظوة فنون الكتابة)، والذي تحدث فيه عن “الروائي الجبان”، كما أسماه. فقال:unnamed

مقولة “المترجم خائن” تهمة مفتراة إذا أُخِذت على إطلاقها، لكنها لا تخلو من الدلالة العميقة ببعض التقييد، فالمترجم خائن بغير قصد منه لأنه لا يستطيع نقل المعنى من لغة إلى أخرى بأمانة كاملة وإن سعى إلى ذلك بصدق كامل، وهو خائن عمداً حينما ينهمك في نقل المعنى بتصرّف مراعاةً لمقتضيات كل لغة وثقافتها، ذلك أن التطابق الحرفي بين لغتين أو ثقافتين مستحيل بطبيعة الحال. كل هذا باعتبار توافر النية الحسنة في المترجم، ولكن بغيابها تصبح تهمة الخيانة ثابتة في حق المترجم جملةً وبتفاصيل متراوحة من حالة إلى حالة.

على ذات القياس يمكن افتراع تعبير “الروائي جبان” كمشروع مقولة، ربما بما يحتمل استفاضة أوسع في التأويل ولا يقتضي حرجاً كبيراً بالتالي عند القذف بالتعبير المفترَع إلى أسواق الأدب. 

الروائي جبان لأنه يستتر خلف قصة مختلقة للتعبير عن رأيه، وهو في هذا يقف على مسافة بعيدة خلف الشاعر الذي يصدع بما يرى على لسانه وليس على أي لسان مستعار. وعندما يكون المقصود هو الشاعر العربي الغنائي تحديداً فإن المسافة التي تفصل ما بين الاثنين، الشاعر والروائي، في جرأة التعبير  كلٍّ على لسانه  تبلغ أقصى مدى ممكن.

المدهش أن الروائي لا يستتر خلف شخصية واحدة ليقول ما لا يجرؤ على قوله بلسانه، بل يحشد ما يشاء من الشخصيات ليقول على ألسنتها ليس فقط ما يعجز عن الجهر به على لسانه الخاص وإنما ما يشتهيه من الأقوال (والأفعال) المتناقضة.

ليس مطلوباً من الروائي بطبيعة الحال أن يضمِّن روايته ملحقاً يبيِّن فيه تعقيبه على كل كلمة نبست بها شفتا كل شخصية في الرواية بما يعكس رأيه الشخصي في هذا الموقف وذاك، ولكن في المقابل لا يمكن تجاهل السعادة التي تغمر الروائي للطبيعة الفنية لعمله التي تغدق عليه متسعاً للتعبير عمّا يجيش في صدره دون الحاجة إلى أن ينسب أيّاً مما قال (وفعل) لنفسه سوى بعد أن يأمن العاقبة فيغدو كل ذلك مدعاة إلى الفخر بالسبق إلى جراءة التعبير واقتحام الأماكن المحظورة من مسلّمات أفكار المجتمع.

على هذا الصعيد يحق للشاعر الغنائي العربي أن يهنأ بمكانة منقطعة النظير، فقد تحمّل من سياط النقد الحديث ما تحمّل لجريرة أنه ظل عاجزاً عن مغادرة متردَّم المدح والهجاء والرثاء والفخر والغزل، وربما آن له أن يعتدّ بأنه جاهر في كل تلك الأغراض بآرائه الصريحة، إذا كان مقام التفاخر الأدبي هو السبق إلى الجهر بالصريح من الرأي دون مواربة. 

وإذا كانت المواربة مما يقوم عليه الفن، فلا ريب أن المقصود المواربة في التعبير سعياً وراء القيمة الأدبية والمتعة الجمالية وليس خوفاً من الوقوع في براثن سلطة قضائية من أي قبيل. والأمر كذاك، بإمكاننا أن نرى بوضوح أن المواربة في التعبير عن المعاني بما يخدم القيمة الأدبية والمتعة الجمالية لم تكن مسألة تنقص الشعر الغنائي العربي بحال ولا مما تعيب محترفيه من الشعراء تبعاً لذلك، بل هم فوق ما سبق جديرون بأن يفاخروا بأنهم خاتلوا فنيّاً وجمالياً في الوقت الذي صدعوا فيه بالقول في مقام المواجهة بالرأي على ألسنتهم وليس نسبةً إلى ألسنة غيرهم من الحيوانات أو بني آدم كما ظل يصنع أندادهم من محترفي فنون السرد قديماً وحديثاً.

والشاعر الغنائي العربي إذا كان قد وقع على مدى تاريخه في جملة من الأخطاء الأخلاقية في المقابل، إذْ كذب مراراً ونافق تكراراً، فإنه قد تحمّل شجاعة أن ينسب كل ذلك لنفسه لا أن يُجرِيَه على لسان غيره أيّاً كان ويجلس بعدها في مقابلة احتفائية يخاتل في التعبير عن موقفه الشخصي من جملة آراء تضمّنها عمله الخاص، بحجة أن التعبير الصريح عن الموقف الشخصي للكاتب مما يفسد بهجة العمل ويغلق في وجوه الآخرين الأبواب المشرعة أمام كل تأويل ممكن للعمل بخلاف ما قاله صاحبه.    

في المقابل، لم يخلُ محترفو الفن القصصي من الشجاعة في التعبير عن الرأي الخاص أمام الملأ، ولكن يجب الانتباه إلى أن ذلك كان يحدث باستمرار بعيداً عن أعمالهم الفنية أو على هوامشها (في محفل عام أو ندوة تتناول واحداً من أعمالهم على سبيل المثال) وليس في متن أيٍّ من تلك الأعمال كما أسلفنا مراراً، وذلك صنيع لا يمكن إغفاله على صعيد المقارنة بإزاء الشعراء، والشعراء الغنائيين تحديداً.

والحال كما نرى أعلاه، يبدو أن إقحام الرأي الشخصي في ثنايا العمل الفني سمة/مقدرة فريدة لن نقول بأنه لا يجرؤ عليها كل أديب وفنان وإنما لا يتحمّل استيعابها الجنسُ الأدبي نفسه في أغلب الحالات، وعليه فإنها سِمة جديرة بتقدير أكبر مما حظيت به، بل  بالتعبير الأدق  جديرة بالتقدير على نقيض ما حظيت به.

يصح أن نؤكِّد أن تقريراً جنائياً على سبيل المثال ينبغي ألّا تكتنفه الآراء الشخصية لكاتبه، لكن لا أعلم كيف يمكن أن يصح ذلك التعميم في وصف قطعة أدبية، فللقصة والمسرحية والرواية جماليّاتها الخاصة لجملة من الأسباب الفنية ليس من بينها خلوّها الكامل من أراء مبدعيها الخاصة، فآراء مبدعيها متضمّنة على كل حال ولكن بمخاتَلة كما ألمحنا من قبل. غير أن الأهم هنا أن اشتمال العمل الأدبي على الرأي الخاص لمبدعه يسوقه صراحةً ليشمل كافة أبياته (في حال القصيدة العمودية مثلاً) ليس مما يعيب ذلك العمل، كما لا يُعدّ في المقابل عيباً يصِم غيره من الأعمال الأدبية إذا خلا منه إلّا عندما يكون مقام المقابلة هو الشجاعة في التعبير عن رأي المبدع صراحةً في متن العمل وليس مخاتلةً في ثناياه وتقلُّباً بين الصراحة والمخاتلة على هوامشه في الصحف والمنتديات الأدبية.

والأمر كذلك، يبدو الحديث عن الروائي الجريء قولاً تنقصه الدقة بشكل واضح إذا كان مناط الجرأة المقصودة اقتحام مسلّمات المجتمع وليس إقحام أشكال جديدة للتعبير في بنية العمل الأدبي، فالأجدر إذا تضمّنت الرواية عرضاً لمحظور مجتمعي أن يقال “رواية جريئة” وليس “روائي جريء”

وإذا جاز للشاعر الغنائي كما أسهبنا أن يتفوّق على الكاتب الروائي (وكاتب القصة والمسرحية والدراما التلفزيونية وهلم جرّا) في باب الجرأة الشخصية، فإن الأحق بالانفراد ببطولة مسابقات الجرأة الأدبية بلا منازع هو كاتب السيرة الذاتية عندما يتحدّث عن نفسه بلا قيود. 

ولكن لأن الجرأة وحدها لا تكفي لصنع أدب جيد وجميل، فإن الأوْلى بالنظر على صعيد تقفِّي الأعمال الأدبية الجديرة بالتقدير هو التناول مجرّداً من أية ادّعاءات (دعائية كانت أم غير ذلك) بالجراءة في اقتحام المسلّمات، حتى إذا كانت مقتضيات سوق الأدب تغري باللهاث خلف تلك الادعاءات في هذا الزمان وذاك.  

عن حبسة الكاتب، من رسائل درويش وسميح

محمود درويش

محمود درويش (1941 – 2008)، أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن. يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى. قام بكتابة وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني [2] التي تم إعلانها في الجزائر.

في كتاب حمل اسم (الرسائل)، جُمعت تلك الرسائل التي تبادلها كلًا من (درويش) وصديقه (سميح القاسم) (1939-2014)، وأحد أهم وأشهر الشعراء العرب والفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من داخل أراضي العام 48، رئيس التحرير الفخري لصحيفة كل العرب، عضو سابق في الحزب الشيوعي. 

في رسالة أرسلها (درويش) إلى (سميح) بالخامس من أغسطس، عام 1986 من العاصمة الفرنسية (باريس)، شكى (درويش) من حبسة الكاتب، كما كتب عن بعض من عاداته في الكتابة، فقال في رسالته:

عزيزي (سميح)،

[…] لقد انقطعت شهيتي عن الكتابة فجأة، لا لأن جدران المراحيض العامة هي صحافة المستقبل الحرة، بل لأنني لم أحترف الكتابة بعد كما لم آلف الزواج، فهل ينبغي عليّ أن أخاف هذا الصيف الذي يدفع النفس إلى الخمول، ويطلق أفاعي الذكرى من أوكارها؟ أم ينبغي عليّ أن أغتصب الكتابة؟

منذ شهور، وأنا أروض عاداتي. أصحو لأكتب. أصحو من أجل أن أكتب، وأنقح حياتي من عبث كان ضروريًا حين كان يبدو لي أن في العمر متسعًا لنضج فواكه اللغة. ولكن، أليست الكتابة عبثًا أقسى في هذا الصراع الضاري مع بياض لا ينتهي؟ فكلما كتبنا أحسسنا بأننا لم نكتب بعد. وكلما قرأنا شعرنا بأننا لم نبدأ القراءة.

ومن مشاكلي أنني لا أكتب في الليل. لا أحب الليل ولا أطمئن إلى الليل. والصباح هنا قصير. والفجر رصاصيّ موشح بحمام أسود. الحمام هنا أسود. ومن مشاكلي المهنية أيضًا أنني لا أعرف الإجازة، لا أعرف ماذا أصنع بالإجازة التي يقدسها الناس هنا. لذلك، اختلف مع الصيف ولا أتفق مع الليل. تعال .. تعال إذا استطعت لنواصل هجاء الزمان والمكان ولنلعب الطاولة، ولنطهو مذاق الطعام القديم.

هل يصيبك هذا العقم المفاجئ؟ هل يجتاحك الإحساس بالهزيمة النهائية إذا توقفت أسبوعًا واحدًا عن الكتابة إلى درجة تنسى معها أنك قد أنتجت كثيرًا هذا العام؟ قد علمتني تجربتي المتكررة، في هذا الإحباط، أن أبتعد عن المحاولة، فالكتابة حرون لا تنفع معها وسائل الإغراء إن عصت. سترضخ، سترضخ. تبًا لهذا الصيف. تبًا للجرائد.

قلت لي إنك تخاف كتابة النثر. لماذا تخاف؟ يبدو لي، يا عزيزي، أن النثر هو ديوان هذا العصر، إذا أبقى له التلفزيون له باقية! وماذا لو سرق النثر شيئًا من الشعر. أليس النصّ نصّك؟ لا أظن النثر هو استراحة الشاعر، أو فضيحته كما يقولون. فقد تتحقق الشاعرية في النثر أكثر من تحققها في القصدة المشروطة بشكل قد يكبح جماح الجنون، هناك دائمًا فائض شعري ينبجس من مكان آخر. المهم هو ألا نؤجل هذا الانبجاس، فليس من الصواب أن ندخر الشعر إلى أن تأتي قصيدته التي قد لا تأتي.

إياك، يا عزيزي، إياك أن تغربل النثر لتفصل ما يصلح منه للقصيدة القادمة، فالشعر لا يسقط في النثر، بل يولد معه، وأنت أدرى من سواك بأن الشاعرية شهوة تصعب إعادة إنتاجها في شروط توتر محسوب. الرغبة تصبح وتنفجر ولا تُنقل إلى موعد آخر.

ضع نفسك في الريح والجنون، فليس في وسع الشاعر إلا أن يكون شاعرًا.

[…]

أخوك محمود درويش

(باريس – 5 / 8 / 1986)

وجاء الرد من (سميح) بعد أسبوع، والذي يقول فيه:
سميح القاسم

العزيز (محمود)،

[…] لا يقلقني تحفظي من النثر، فهو كما يبدو تحفظ ذهني يشكل تساؤلًا أكثر مما يشكل موقفًا. وهو قائم على القناعة بأن عملية الكتابة، أية كتابة؛ القصيدة، الرسالة، الخبر الصحفي، المقالة، الإهداء الخاص على كتاب تهديه إنسانًا عزيزًا عليك، كلها تستهلك طاقة ما من المخزون المتراكم في حالة الكتابة وأعني بحالة الكتابة، تلك الحالة التي يتغير فيها وضعك النفسي والجسدي معًا، تنتابك غيبوبة ما، ترتفع حرارتك قليلًا، ترى ولا ترى، تسمع ولا تسمع، ولا ينقذك من اختلال التوازن الطارئ سوى ذلك الاندغام الكامل بين روحك وجسدك وقلمك والورقة الساحرة المستلقية بين يديك مثل امرأة وآلهة تصيح: “خذني”.

بلى، يصيبني “العقم المفاجئ” أحيانًا. ذات مرة استمر شهورًا بكاملها. استحوذ عليّ رعب لا يُوصف. لعله الرعب الذي يكتسح إنسانًا كاشفه الطبيب بأن داء السرطان لن يمهله طويلًا. لم أجد السلوى إلا في حكمة تلك النبعة الجبلية في كرم الزيتون الذي أشارت إليه إحدى رسائلك السابقة. أنها تحتبس عامًا وأكثر لتعود وتتدفق من جديد في موعد غير متوقع ولا يقدر إنسيّ على حسبانه.

[…]

أخوك سميح القاسم

(الرامة – 12 / 8 / 1986)

الفنّ الإنساني: فيرجينا وولف تكتب عن مقتل فن الرسائل ولمَ يجدر بنا إحياؤه

فيرجينيا وولف

في عام 1876 كُتبت هذه الوصيّة في (دليل إيتيكيت الرسائل) : يجدر بنا أن ننظر إلى الرسالة كعمل فنّي، لا كمجرد وسيلة تواصل وتبادل معلومات. بعد ذلك بنصف قرن، وقبل ظهور الرسائل الإلكترونية كما نعرفها اليوم بنصف قرن أيضاً، إلتفتت إحدى أعظم كاتبات الرسائل بعين قلقة نحو أفول هذا الشكل المتفرد من الفن.

في أبريل من عام 1940، كُلّفت (فرجينيا وولف) بمراجعة السيرة الذاتية للمؤرخ الفنزويلي من القرن الثامن عشر (هوراس والباول)، وهو كاتب غزير الإنتاج نشرت من رسائلة ستة عشر مجلدا. كتبت (وولف) في المراجعة مقالة بعنوانالفن الإنسانيتتطرق فيها قليلاً لـ(والباول) وسيرته، و تسلط الضوء بشكل أكبر على فنّ كتابة الرسائل ذاته: وظيفته، تطوّره الثقافي، ومستقبله الغائم إزاء وسائل الإعلام الجديدة.

في إنتقاد لسارد السيرة السيرة الذاتية الذي يصرّ على أن رسائل (والبول) كانتمستوحاة من حبّ الأجيال القادمة، لا من حب الأصدقاءأي أنها أداة للتأريخ عوضاً عن كونها تمثلاً لعالمه الداخليتتأمل وولف عبقرية كاتب الرسائل:

إذا ما أعتبرنا أن هوراس والباول مؤرخ متنكر، فنحن بذلك ننكر عبقريته المتفردة ككاتب رسائل. فكاتب الرسائل ليس مؤرخا متخفيّا، وإنما هو امرؤ ذو حساسية قصيرة المدى، لأنه يوجّه خطابه للفرد على انفراد، لا للجمهور عامة. وكل كتّاب الرسائل الجيدين يحدسون تفاعل القاريء على الجانب الآخر، وهم يأخذون بقدر مايعطون.

تقترح (وولف) أن صعود الكاتب مدفوع الأجرأي مثلهاهو ماأدى إلى تراجع كتّاب الرسائل رفيعة المستوى. كما أنها برؤية مستبصرة تشير إلى وسائل الإعلام الجديدة على أنها الخنجر في قلب الرسالة الشخصية:

الأخبار والقيل والقالهي أعواد القشّ التي يكوّن منها كاتب الرساله عشه، و قد تم انتزاعها منه حين جاء الهاتف و اللاسلكي. فلم يصبح الآن لدى كاتب الرسائل ما يبني به رسالته ماعدا أموره الشخصية وتلك تصبح رتيبة بعد صفحة أو اثنتان.

عوضاً عن الرسائل، سوف يكون لدى لأجيال القادمة اعترافات، مذكرات، و كتب هجينة يتحدث فيها الكاتب عن نفسه إلى نفسه في الظلام، لجيل لم يولد بعد.

كما أنها تعتبر أن الفن التقليدي للمراسلات الكتابية الحقيقة له دور حيوي في حياتنا كمرساة للهوية الذاتيهفبينما نحن نكافح لنفهم مالذي يربط ذاتنا الماضية و تلك المستقبلية معا في نفس الشخص، تشير (وولف) إلى قوة الرسالة كونها جسر بينهما، فتطمئننا عن ذاتنا المستقرة حيناً و المتجددة في آخر:

فوق كل شيء، كان والباول مباركاً ومحاطا بالدفء في دائرته الخاصه وذلك مكّنه من أن يعيش حياة التغيّر المتواصلة؛ و التي هي  مثل الهواء لوجود كاتب الرسائل.

بالإضافة إلى الأوصاف الرائعه للحفلات التنكرية و احتفالات منتصف الليل و الفطنة و الظرف، استمدّ منه أصدقائه شيء آخر عميق تماما، متغيّر إلا أنه كلّي، لنطلق عليه هذا المسمى…ذاته، تلك التي يحييها الأصدقاء المقربون و يقتلها الجمهور العظيم. ومن ذلك نشأ خلوده. لأن الذات التي تستمرّ بالتغيّر، هي تلك التي تستطيع أن تظلّ ممتلئةً بالحياة.

أما المفارقة في كون (وولف) نفسها قد أنهت حياتها برسالةاستهلكت بقسوة من قبل وسائل الإعلام الطفيلية في عصرهافلاتزال مسألة مفتوحه.


[المصدر]