أرشيف الوسم: الكتابة

لقاء باريس ريفيو مع غابرييل ماركيز بعنوان: فن الخيال


هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) روائى وصحفى كولمبي، يعد من أشهر الروائيين في كولومبيا وفي العالم الأدبي، تميز في كتابة الروايات الواقعية العجائبية وأحد أشهر مؤلفاته (مائة عام من العزلة).

غابرييل غارسيا ماركيز، فن الخيال، الجزء 69

أجرى المقابلة: بيتر هـ. ستون، العدد 82، شتاء 1981

بيتر هـ. ستون:
أُجريت هذه المقابلة مع (
غابرييل غارسيا ماركيز) في ديوانيته/مكتبه الواقع خلف منزله في دُور سان آنجيل، منطقة أثرية وجميلة، مليئة بورود مدينة مكسيكو الملونة. يقبع المعمل على بعد خطوات قليلة من المنزل، ذلك المبنى المنخفض الذي يبدو وكأنه مخصّص للضيافة. في الداخل، على إحدى جوانبه أريكة وكرسيّان، ومشرب مؤقت، بالإضافة إلى ثلاجة بيضاء صغيرة مزودة بتشكيلة معدنية أعلاها.

كان أبرز ما يميز الغرفة اللوحة الكبيرة التي تعلو الأريكة، يقف فيها (غارسيا ماركيز) وحيدا وهو يرتدي رداء أنيقا، واقفا أمام منظر طبيعي كـ(أنثوني كوين)

كان (غارسيا ماركيز) جالسا على مكتبه في أقصى الديوانية. قدم للترحيب بي، ماشياً بثقة وبخطوات خفيفة. كان رجلاً ذا بنية صلبة، طوله 180 سنتيمترا تقريبا، يبدو كمقاتل متوسط الحجم واسع الصدر وربما نحيف الساقين بعض الشيء. كان يرتدي بنطالاً قصيراً وسترة رقبة خفيفة وحذاء جلدياً أسوداً. شعره غامق اللون بني، مجعد، وشاربه عريض ممتلئ

استغرقت المقابلة ست ساعات مقسمة على ثلاثة أيام، تحدثنا لمدة ساعتين من عصر كل يوم. وبالرغم من أن لغته الإنجليزية جيدة جدا إلا إنه تحدث الإسبانية معظم الوقت وكان معه ابناه يترجمان. عندما يتحدث (غارسيا) فإن جسده يتحرك جيئة وذهابا، ويداه تتحركان إما وصفاً وتأكيداً لما يقول أو لتوضيح تغيير في اتجاه تفكيره. يتناوب جسده ما بين الميل إلى مستمعيه أو الاتكاء على الخلف ووضع إحدى قدميه على الأخرى


كيف تشعر حيال استخدامي لمسجل الصوت؟

المشكلة هي أنك بمجرد أن تعلم أن المقابلة مسجلة فإن أسلوبك يتغير. ففي حالتي مثلا، أتخذ موقفًا دفاعيًا على الفور. كصحفي، أشعر أننا مازلنا لم نتعلم بعد كيفية استخدام مسجل الصوت لإجراء مقابلة. الطريقة المثلى لإجراء المقابلات، كما أعتقد، هي الخوض في محادثة طويلة دون أن يدوّن الصحفيّ شيئا. ثم بعد ذلك، عليه أن يتذكر المحادثة وأن يكتب ما يتذكر من انطباعات ومشاعر حولها، وليس بالضرورة استخدام ذات الكلمات التي قيلت أثناء المقابلة. طريقة أخرى مفيدة هي تدوين الملاحظات ثم تفسيرها لاحقا مع الحرص على عدم الخروج عن مقصد الشخص الذي تقابله. الأمر المزعج في تسجيل كل شيء هو أن مسجل الصوت ليس مخلصًا للشخص الذي تجري مقابلته، لأنه يسجل ويتذكر كل شيء، حتى الأوقات التي تحرج فيها نفسك. لذلك، عند وجود شريط مسجل، فإن تركيزي عالٍ وانتباهي منصبّ على كوني في مقابلة، وعند غياب الشريط المسجل، فإني أتحدث بأريحية تامة.

إني أشعر بالذنب بعض الشيء، لكني أعتقد أنّا بحاجة إلى المسجل لهذا النوع من المقابلات

على كل حال، الهدف مما قلته للتو هو وضعك في موقف دفاعي مثلي

أتقول أنك لم تستخدم مسجل الصوت أبداً لتسجيل مقابلة أجريتَها؟

كصحفيّ، لا أستخدم المسجل أبداً. لدي مسجل شخصيّ أستخدمه لسماع الموسيقى. ومجددا، كصحفيّ، لا أجري المقابلات وإنما أكتب التقارير، دون مقابلة بأسئلة وأجوبة

سمعتُ من قبل عن مقابلة شهيرة مع البحّار الذي تحطمت سفينته

لم تكن مقابلة بأسئلة وأجوبة. أخبرني البحار بالقصة، ونقلتُها عنه باستخدام كلماته وكأنّه الكاتب. وعند نشر العمل كسلسلة في إحدى الصحف لمدة أسبوعين، كان هو من يوافق على كل جزء منها، وليس أنا. لم تُنشر القصة مرة أخرى بعد ذلك إلا بعد عشرين سنة، حينها علم الناس أني كنت الشخص الذي نقلها. ولم يُعِر أي محرّر لجودتها اهتماماً إلا بعد أن كتبت (مائة عام من العزلة).

بما أننا بدأنا بالتحدث عن الصحافة، كيف تشعر حيال عودتك إليها مرة أخرى، بعد تركها لكتابة الروايات لفترة طويلة؟ هل خضت فيها بأسلوب مختلف أو وجهة نظر مختلفة؟

لطالما كنت مؤمنا بأن مهنتي الحقيقية هي الصحافة. ما لم يعجبني في الصحافة سابقا كانت ظروف العمل. بالإضافة إلى أني أضطر أن أكيّف أفكاري لمصالح الصحيفة. والآن، بعد عملي كروائيّ، واستقلالي المالي كروائيّ، فبإمكاني اختيار الموضوعات التي تهمني وتتوافق مع أفكاري. على كل حال، إني أستمتع دائمًا بالأعمال الصحفية التي أقدمها.

أي من الأعمال الصحفية تراها عظيمة؟

هيروشيما لـ(جون هيرسي) كان عملا استثنائيا فعلا.

أهناك قصة في وقتنا الحالي تود نقلها تحديدا؟

هناك العديد، وقد نقلتُ بعضا منهم في الحقيقة. كتبتُ عن البرتغال وكوبا وأنغولا والفييتنام. أرغب بشدة أن أكتب عن بولاندا. أعتقد أني لو كتبتُ عن أوضاعهم الحالية هناك بالتفصيل فستكون قصة مهمة جدا. لكن بولندا باردة جدا هذه الأيام، وأنا صحفيّ يحب الراحة.

هل تعتقد أن الروايات قد تحقق أهدافا لا تحققها الصحافة؟

كلّا. لا أرى أن هناك فرق. المصادر نفسها والمعطيات نفسها، كما الموارد واللغة. (مذكرة عام الطاعون) للكاتب (دانييل ديفو) هي رواية رائعة، و(هيروشيما) في المقابل هي عمل صحفي رائع.

هل لدى الصحفيّ والروائيّ مسؤوليات مختلفة فيما يتعلق بالموازنة بين الحقيقة والخيال؟

في الصحافة، حقيقة مغلوطة واحدة قد تؤذي العمل بأكمله، والعكس تماما في الرواية، حقيقة صحيحة واحدة قد تمنح الشرعية للعمل بأكمله. هذا هو الفرق الوحيد، وهو عائد إلى التزام الكاتب. يستطيع الروائي عمل أي شيء، شريطة أن يجعل الناس يؤمنون به.

في بعض المقابلات التي أجريتَها الأعوام الماضية، كنتَ تتذكر أيامك كصحفيّ وكيف أنك كنت أكثر نشاطا.

أجد صعوبة في الكتابة الآن أكثر من قبل، سواء في الصحافة أو في كتابة الروايات. عندما كنت أعمل لدى الصحف، لم أكن أدقق في كل كلمة أكتبها كما أفعل الآن. عندما عملت لدى صحيفة “الاسبكتادور (El Espectador) في بوغوتا، كنت أنقل ثلاث قصص أسبوعياً على الأقل، واثنين أو ثلاث مراجعات تحريرية في اليوم، كما كنت أعمل مراجعات للأفلام. ثم بعد أن يغادر الجميع، تجدني في المكتب ليلاً أعمل على رواياتي. يعجبني صوت آلة الكتابة، يشبه صوت المطر، إن توقف صوتها وعمّ الهدوء، فلن أستطيع العمل حينها. والآن، المخرجات قليلة بالمقارنة. في يوم عمل طبيعي، أعمل من التاسعة صباحا حتى الثانية أو الثالثة عصرا، وأقصى ما يمكنني كتابته هو فقرة قصيرة من أربعة أو خمسة سطور أمزقها عادة في اليوم التالي.

ألذلك علاقة بشهرة أعمالك اليوم وأهميتها أم بسبب التزام سياسيّ ما؟

كلاهما. أعتقد أن الكتابة لعدد أكبر بكثير مما كنت أتخيل قد خلق في داخلي إحساسا بالمسؤولية الأدبية والمسؤولية السياسية. كما أن هناك نوعا من الكبرياء، حيث لست أريد أن أكتب شيئا أقلّ جودة مما كتبتُ من قبل.


كيف كانت بدايتك في الكتابة؟

الرسم. الرسوم المتحركة، قبل أن أتعلم القراءة أو الكتابة، كنت أرسم في المدرسة وفي المنزل. الطريف في الأمر، هو أني أتذكر أني كنت معروفا في مدرستي في المرحلة الثانوية بكوني كاتبا، رغم أني لم أكن كتبت شيئا. إن كان هناك منشور أو خطاب علينا كتابته كطلاب، فإني أنا من يكتبه لأني الكاتب كما يفترض. عندما التحقت بالجامعة، كانت لدي خلفية أدبية جيدة بشكل عام، أعلى من متوسط أصدقائي. في الجامعة في بوغوتا، بدأت بتكوين صداقات جديدة عرفتني على الكتّاب المعاصرين. في إحدى الليالي، أعارني صديق لي كتاب قصص قصيرة كتبها فرانك كافكا. عدتُ إلى منزلي وشرعتُ في قراءة (المسخ). صعقني السطر الأول، كنت متفاجئاً تماما. بدأ الكتاب بـ“عندما استيقظ (غريغور سامسا) صباحا بعد ليلة مليئة بالأحلام المضطربة، وجد نفسه قد تحول بشكل ما في فراشه إلى حشرة عملاقة …” عندما قرأت هذه الجملة فكرت في نفسي أني لم أكن أعلم أنه من المسموح لأحد أن يكتب شيئا كهذا، لو كنت أعلم ذلك لبدأت في الكتابة منذ زمن طويل جدا. لذا بدأت بعدها مباشرة في كتابة القصص القصيرة. كانت قصصا قصيرة ثقافية تماما وقد بدأت كتابتها معتمدا على تجربتي الأدبية، إذ لم أكن أعلم بعد كيفية الربط بين الأدب والحياة الحقيقية. نُشرت القصص في الملحق الأدبي من صحيفة “الاسبكتادور (El Espectador) في بوغوتا وقد حققت بعض النجاح في ذلك الوقت، ربما لأني أول من كان يكتب قصصا ثقافية قصيرة في كولومبيا. ما كان يكتبه الكتّاب في ذلك الوقت كان عن الحياة الريفية والاجتماعية. عندما كتبت القصص القصيرة تلك، شُبّه أسلوبي في الكتابة بكتابات (جيمس جويس).

وهل كنت قد قرأت لـ(جويس) في ذلك الوقت؟

لم أكن قد قرأت له بعد. لذا، بدأت بقراءة رواية (يوليسيس)، قرأتها بالنسخة الإسبانية الوحيدة الموجودة. ومن ذلك الحين، بعد قراءتها باللغة الإنجليزية ولاحقا بترجمة فرنسية جيدة جدا، علمت أن الترجمة الإسبانية كانت سيئة للغاية، لكني تعلمت شيئا أفادني كثيرا في وقت لاحق، وهو أسلوب كتابة الأفكار الداخلية للشخصيات. وجدت الأسلوب ذاته في كتابات (فيرجينيا وولف)، وأعجبتني طريقتها في الطرح أكثر من (جويس). علمت لاحقا أن الكاتب الذي بدأ باستخدام أسلوب الأفكار الداخلية هو كاتب (حياة لاثريو دي تورميس) (Lazarillo de Tormes) المجهول.

هل من الممكن أن تخبرني بأوائل المؤثرين بك؟

كان أول من ساعدني في التخلص من الأسلوب الأدبي البحت أثناء كتابة القصص القصيرة هم كتّاب الجيل المفقود، النّاجون من ضحايا الحرب العالمية الأولى. كان أسلوبهم الأدبي متعلقا بالحياة بطريقة لم تكن موجودة في قصصي القصيرة. ثم حدث أمر كان له علاقة كبيرة بهذا الأسلوب، في بوغوتازو، التاسع من أبريل، 1948 تعرض الزعيم السياسي (غيتان) إلى إطلاق النار، ثار بعدها الشعب. كنت على وشك تناول طعام الغداء في منزلي عندما سمعت الخبر. جريتُ إلى موقع الحادثة، لكن (غيتان) وُضع في تاكسي حينها وأُخذ إلى المشفى. في طريق عودتي إلى المنزل، كان الناس قد خرجوا إلى الشوارع متظاهرين، ينهبون المتاجر ويحرقون المباني، فانضممت لهم. علمتُ مساء ذلك اليوم نوع البلد الذي أعيش فيه، وعدم علاقة قصصي القصيرة بما يحدث فعلا. أدركتُ لاحقا عندما أُجبرتُ على العودة إلى بارانكويلا في منطقة الكاريبي، حيث قضيتُ أيام الطفولة، أن ذلك هو نوع الحياة التي عشتُها وعرفتها وأردت الكتابة عنها.

في عام 1950 أو 1951 حدث أمر آخر أثّر في توجهاتي الأدبية. طلبت مني أمي مرافقتها إلى أراكاتاكا، حيث وُلدتُ لبيع المنزل الذي قضيت فيه سنواتي الأولى. عندما وصلت إلى هناك، كنت متفاجئا جدا في البداية لأني كنت قد بلغت الثانية والعشرين حينها ولم أذهب إلى هناك منذ أن كنت في الثامنة. لم يتغير شيء، لكني شعرت بأني لست أنظر إلى القرية حقا، بل كنت أعيشها كما لو أني أقرأها. كان الأمر كما لو أن كل ما أراه قد كُتب بالفعل وكل ما كان علي فعله هو الجلوس ونسخ الشيء الموجود أصلا وما كنت أقرأ تلك اللحظة. لأسباب عملية تماما، تحول كل شيء أمامي إلى أدب، المنازل والناس والذكريات. لا أعلم إن كنت قد قرأت لـ (ويليام فوكنز) حينها أم لا لكني أعلم الآن أن ليس هناك أسلوب ساعدني في وصف وكتابة ما أراه إلا أسلوب شبيه بأسلوب (فوكنز). الأجواء والانحلال وحرارة القرية أشعرتني بذات الشعور الذي شعرت به مع (فوكنز). كانت منطقة خصبة لزراعة الموز يقطنها الكثير من تجار الفاكهة من أمريكا مما أعطاها أجواء جنوب أمريكا. تحدث النقاد عن تأثير (فوكنز) الأدبي، لكني أراها كمصادفة، وجدت ببساطة مادة كان علي التعامل معها كما تعامل (فوكنز) مع مواد مشابهة.

عدتُ من رحلتي تلك إلى القرية وكتبت (عاصفة الأوراق)، روايتي الأولى. ما حدث لي في تلك الرحلة إلى أراكاتاكا هو أني أدركت أن كل ما حدث لي في طفولتي كان له قيمة أدبية لم أعرف قيمتها إلا الآن. من اللحظة التي كتبت فيها (عاصفة الأوراق)، علمت أني أريد أن أكون كاتبا ولن يوقفني أحد، والأمر الوحيد الذي تبقى لي أن أفعله هو أن أكون أفضل كاتب في العالم. كان هذا في 1953 لكني لم أحصل على حقوق الملكية لأول مرة إلا في 1967 بعد أن كتبتُ كتابي الخامس من أصل ثمانية كتب.

هل تعتقد أنه من الشائع بين الكتّاب الشباب الاهتمام بالثقافة وإنكار قيمة طفولتهم وتجاربهم كما فعلتَ في البداية؟

كلا، عادة ما يحدث العكس. لكني إن أردت تقديم نصيحة لكاتب شاب فسأخبره بأن يكتب عمّا حدث له. يسهل دائما التمييز بين ما يكتبه الكاتب من تجربة شخصية وما يكتبه مما سمع أو قرأ. يقول (بابلو نيرودا) في إحدى قصائده “ربّ جنّبني التحريف عند الغناء“. يضحكني دائما أن أكثر ما يمدحه القرّاء هو حسّي الخياليّ، بينما أني لم أكتب في الحقيقة شيئا قطّ لم يكن منبعه حقيقي. يبدو أن الحياة الكاريبية تمثّل الخيال في أوضح صوره.

لِمن كنت تكتب في تلك المرحلة؟ من هم قرّاؤك؟

كتبت (عاصفة الأوراق) لأصدقائي الذين ساعدوني وأقرضوني كتبهم وكانوا متحمسين جدا لما أكتب. بشكل عام، أتوقع أنك عادة تكتب لشخص ما. عندما أكتب، دائما ما أفكر أن صديقي الفلاني سيعجبه هذا وصديقي الآخر ستعجبه هذه الفقرة أو ذلك الفصل، دائما ما أفكر بأشخاص محددين. الخلاصة، أن كل الكتب موجهة إلى أصدقائك. واجهت المشكلة بعد أن كتبت (مائة عام من العزلة)، حيث لم أعد أعرف إلى من أوجّه كتبي مِن ملايين الأعين، إنه أمر مزعج ومثبط. كأن مليون عين تنظر إليك ولا تعلم بماذا يفكرون.


وماذا عن تأثير الصحافة على خيالك؟

أعتقد أن التأثير متبادل. ساعدني الخيال في منح الجزء الصحفي قيمة أدبية. وساعدتني الصحافة في إبقاء مخيلتي على علاقة وثيقة بالواقع.

كيف تصف بحثك عن أسلوب فريد بعد (عاصفة الأوراق) وقبل أن تكتب (مائة عام من العزلة)؟

بعد أن كتبت عاصفة الأوراق، أيقنتُ أن كتابتي عن القرية وعن طفولتي كان مهربا من مواجهة الواقع السياسي في بلدي والكتابة عنه. كان لدي انطباع خاطئ أني كنت أختبئ خلف هذه المشاعر والحنين إلى الماضي بدلا من مواجهة الأحداث السياسية حينها. كانت تلك الفترة التي نوقشت فيها العلاقة بين الأدب والسياسة، حاولت جاهدا إغلاق الفجوة بينهما. كنت في السابق متأثرا بـ(فوكنز) والآن بـ(هيمنجواي). كتبتُ (ليس للكولونيل من يكاتبه) و(في ساعة نحس) و(جنازة الأم الكبيرةفي نفس الفترة تقريبا وكانت تجمعهم أمور عديدة مشتركة. تقع أحداث هذه القصص في قرية مختلفة عن القرية التي تقع فيها أحداث (عاصفة الورق) و(مائة عام من العزلة)، إنها قرية لا يوجد فيها سحر، إنه أدب الصحافة. لكني اكتشفتُ بعد أن أنهيت (في ساعة نحس) أن وجهات نظري كانت خاطئة مجددا، أدركتُ أن كتاباتي عن طفولتي في الحقيقة كانت سياسية ولها علاقة بما يحصل في بلدي أكثر مما ظننتُ سابقا. لم أكتب شيئا بعد (في ساعة نحس) لخمس سنوات، كانت لدي فكرة عما أردت كتابته، لكني ما زلت أشعر أن هناك أمراً مفقوداً لا أعلم ما هو، حتى اكتشفتُ النبرة الصحيحة، النبرة التي استخدمتها لاحقا في كتابة (مائة عام من العزلة). كانت مبنية على الطريقة التي كانت تستخدمها جدّتي في سرد القصص، كانت تسرد الأحداث التي تبدو خارقة وخيالية بطريقة طبيعية تماما. عندما اكتشفت النبرة الصحيحة أخيرا، عكفتُ على الكتابة اليومية لعام ونصف.

كيف كانت تسرد الأحداث “الخيالية” بطريقة طبيعية؟

كانت تعابير وجهها هي الأهم، لم تتغيّر تعابير وجهها بتاتاً عند سرد القصص، مما فاجأ الجميع. عند محاولاتي الأولية لكتابة (مائة عام من العزلة)، كنت أكتب القصة دون الإيمان بها. أدركتُ أن عليّ أن أؤمن بما أكتبه ومن ثم أنقله بنفس التعابير التي كانت تنقل بها جدتي قصصها، بتعابير جامدة.

يبدو أن هناك لمسة صحفية في تلك الطريقة أو النبرة. شرح الأحداث الخيالية بتفاصيل دقيقة مما يعطيها واقعيتها الخاصة بها. أتعلّمتَ ذلك من الصحافة؟

إنها بالفعل حيلة صحفية يمكن تطبيقها على الأدب. على سبيل المثال، إن ادّعيتَ أن الفيلة تطير في السماء، لن يصدّقك أحد. أما إن ادّعيتَ أن هناك أربعمائة وخمسة وعشرين فيلا فغالبا ما سيصدّقك الناس. (مائة عام من العزلة) مليئة بهذا النوع من السرد، إنه الأسلوب ذاته الذي استخدمته جدتي. أتذكر تحديداً الشخصية التي أحاطتها فراشات صفراء اللون، عندما كنت في سنّ صغيرة جدا، كان يأتينا ذلك الكهربائي الذي أثار اهتمامي فعلا، إذ كان يحمل معه حزاما يساعده في التسلق على الأعمدة الكهربائية. كانت جدتي تخبرنا أن هذا الرجل كان يملأ المنزل بالفراشات في كل مرة يزورنا فيها. لكني عند كتابة هذا، علمتُ أني إن لم أذكر أن الفراشات كانت صفراء اللون، فلن يصدّقني أحد. كذلك عندما كتبت فصل “صعود ريميديوس الجميلة إلى الجنة”، استغرق مني وقتا طويلا لإعطائه المصداقية اللازمة. خرجت مرة إلى حديقة الفناء، ورأيت العاملة التي اعتادت المجيء لإنهاء مهام المنزل، كانت تعلّق الأغطية لتجفّ، وكانت الرّيح شديدة. كانت تتجادل مع الريح وتأمرها بعدم تحريك الأغطية بشدة، أدركتُ أني لو استخدمت الأغطية مع ريميديوس الجميلة فإنها ستصعد، هكذا فعلتُ لإعطاء القصة مصداقية. المصداقية هي مشكلة كل كاتب، يستطيع أي شخص كتابة أي شيء، طالما أن الناس تصدقه.


ماذا عن طاعون الأرق في (مائة عام من العزلة)، ما مصدره؟

بدءا بـ(أوديب الملك)، لطالما أثار الطاعون اهتمامي. تعلمتُ الكثير عن الطاعون في العصور الوسطى. ويعتبر مذكرة عام الطاعون لـ(دانييل ديفو) أحد كتبي المفضلة لأسباب عديدة منها أن ما ينقله (ديفو) كصحفيّ يبدو وكأنه من نسج الخيال. لسنين عديدة، كنت أظن (ديفو) قد نقل عن طاعون لندن العظيم ما رآه بعينيه، ثم اكتشفتُ لاحقا أنها رواية، لأن (ديفو) لم يتجاوز السابعة عندما حلّ الطاعون بلندن. لطالما كان الطاعون بأشكاله المختلفة من المواضيع المتكررة في كتاباتي. النشرات المذكورة في (في ساعة نحس) هي طاعون. آمنتُ لسنين طويلة بالتشابه بين العنف السياسي في كولومبيا والطاعون في معطياتهما الأساسية. قبل (مائة عام من العزلة) استخدمتُ الطاعون لقتل جميع الطيور في قصة بعد يوم السبت. وفي (مائة عام من العزلة) استخدمت طاعون الأرق كحيلة أدبية، حيث أنه نقيض طاعون النوم. في النهاية، الأدب هو نوع من النجارة.

هلا شرحت وجه التشابه هنا؟

كلاهما عمل شاقّ، صعوبة الكتابة هي كصعوبة صنع طاولة. أنت تتعامل مع الواقع في الحالتين، مواد صلبة كالخشب. كلاهما بحاجة إلى خدع وأساليب مختلفة، شيء من السحر وكثير من العمل الشاق. وكما قال (بروست) كما أظن، أن الأمر بحاجة إلى 10% من الإلهام و90% من الجهد. لم أعمل في النجارة قط، لكنها مهنة أقدرها حقّاً، خصوصا أنها من الوظائف التي لن تجد من ينوب عنك فيها.

ماذا عن حمّى الموز في (مائة عام من العزلة)؟ ألها علاقة بما فعلته شركة الفواكه المتحدة؟

حمّى الموز مبنية على الواقع بشكل كبير. استخدمت بالطبع بعض الحيل الأدبية على الأمور التي لم تثبت تاريخيا. مجزرة الميدان هي حدث تاريخي حقيقي على سبيل المثال، ومع أني نقلتها بناء على الوثائق ونقلا عن الشهود، إلا أن عدد القتلى كان مجهولا. ذكرتُ أن العدد كان ثلاثة آلاف قتيل، وهو عدد بالغت فيه من ناحيتي بالطبع، لكني أذكر في طفولتي قطارا طويلا جدا غادر المزرعة مليئا بالموز كما قيل، قد يحتوي على ثلاثة آلاف قتيل يتم التخلص منهم في البحر لاحقا. المفاجئ حقيقة أن الناس تتحدث الآن في المؤتمرات والصحف بشكل طبيعي جدا عن وجود ثلاثة آلاف قتيل، وأظن أن نصف تاريخنا منقول بهذه الطريقة. في كتابي (خريف البطريرك)، يدعي الدكتاتور الطاغية أنه لا توجد أهمية لكون أمر ما حقيقي في لحظة ما طالما سيصبح حقيقة في المستقبل. عاجلا أم آجلا، سيصدّق الناس الكتّاب أكثر من الحكام.

وهذا يمنح القوة للكتّاب، أليس كذلك؟

نعم، ويمكنني الشعور بذلك أيضا، مما يعطيني حسّا أقوى بالمسؤولية. ما أتمنى فعله حقا هو نقل عمل صحفيّ حقيقي في جميع تفاصيله و بنفس جودة (مائة عام من العزلة). كلما تذكرت الماضي، آمنتُ أكثر بالارتباط الوثيق بين الأدب والصحافة.

ماذا عن البلد التي تخلّت عن بحرها للتخلص من ديونها الخارجية، كما في (خريف البطريرك)؟

نعم، لكن ذلك قد حدث في الحقيقة. حدث من قبل وسيحدث مرة وأخرى، (خريف البطريرك) هو كتاب تاريخيّ بحت. يجتمع الصحفي والروائيّ في أنّ كلاهما يبحثان عن الاحتمالات التي قد تنتج من الوقائع الحقيقية، وهذا عمل الأنبياء كذلك. يصنفني الكثير من الناس بأني كاتب خيال مع أني في الحقيقة واقعيّ جدا وأكتب ما أراه كواقع اشتراكي حقيقي.

كما المدينة الفاضلة؟

لستُ متأكدا إن كانت المدينة الفاضلة تعني الحقيقية أم المثالية، لكني أظنها الحقيقية.

هل بنيتَ الشخصيات في (خريف البطريرك)، كالطغاة على سبيل المثال، على شخصيات حقيقية؟ هناك بعض التشابه مع (فرانكو) و(بيرون) و(تروخيلو)

نجد في كل رواية شخصيات مركبة. خليط من شخصيات نعرفها أو سمعنا عنها أو قرأنا عنها. كنت قد قرأتُ كل ما يمكنني أن أقرأه عن طغاة أمريكا اللاتينية في القرن الماضي وبداية القرن الحالي، وتحدثتُ مع الكثير ممن عاش تحت حكم طاغية. فعلتُ ذلك لعشر سنوات، وعندما كوّنتُ فكرة عامة عن الشخصية التي أردت كتابتها، عملت جاهدا لأنسى كل ما قرأته وسمعته، حتى أستطيع أن أنشئ الشخصية دون الإشارة إلى أي أحداث حقيقية. أدركت في مرحلة ما أني شخصيا لم أعِش تحت حكم أي طاغية في حياتي، لذا جاءتني فكرة أني إن كتبت هذا الكتاب في إسبانيا فسيمكنني فهم طبيعة العيش في بلد ديكتاتورية، لكني اكتشفت أن طبيعة العيش مختلفة تماما في إسبانيا تحت حكم (فرانكو) عن الديكتاتورية الكاريبية، لذا توقفت عن إكمال الكتاب لعام تقريبا. كان هناك أمر مفقود لا أعلم ما هو. وفي إحدى الليالي، قررت أن أفضل ما يمكن عمله هو العودة إلى الكاريبي، لذا عدنا جميعا إلى بارانكويلا في كولومبيا، وأخبرت الصحفيين بأمرٍ ظنّوه مضحكا، أخبرتهم أني عدتُ لأني نسيت رائحة الجوافة، والحقيقة أني احتجت إلى ذلك لأنهي الكتاب. أخذت جولة في منطقة الكاريبي وأثناء تنقلي من جزيرة إلى جزيرة، وجدت العناصر التي تفتقدها روايتي.

تتحدثُ عادة عن عزلة السلطة؟

كلما زادت قوّتك، صَعُب عليك معرفة من يَصدُقك ومن يَكذُبك. وعندما تصل إلى القوة المطلقة فلن يكون لديك أي اتصال بالواقع وهذا أسوأ أنواع العزلة. يحاط الرجل شديد القوة أو الطاغية بأمور وأشخاص هدفهم الوحيد هو عزله من الواقع، يُسخّر كل شيء لعزله.  

وماذا عن عزلة الكاتب؟ أهو أمر مختلف؟

بل له علاقة كبيرة بعزلة السلطة، محاولة الكاتب في وصف الواقع تقوده عادة إلى تشويهه، في محاولته لنقل الواقع قد يفقد ارتباطه به وكأنه في برج عاجي كما يقولون. لذا تساعد الصحافة كثيرا في منع ذلك، ولهذا السبب أحاول دائما الاستمرار في العمل الصحفي، لأنه يبقيني على اتصال دائم بالعالم الحقيقي، وخصوصا الصحافة المتعلقة بالسياسيين والسياسة. كانت العزلة التي هددتني هي عزلتي بعد كتابة (مائة عام من العزلة)، لكنها لم تكن عزلة الكاتب، بل عزلة الشهرة والتي تشبه عزلة السلطة بشكل كبير. والشكر لأصدقائي الذين أنقذوني منها، أصدقائي المتواجدون دوما.

كيف ذلك؟

لأن أصدقائي لم يتغيروا طيلة حياتي، أعني أني لا أنفصل أو أترك أصدقائي القدامى، وهم من يبقوني على اتصال بالواقع، هم ليسوا مشاهير وعادة ما يبقون على علم بما يحدث.

من أي تبدأ الأمور؟ إحدى الصور المتكررة في (خريف البطريرك) هي بقر القصر، أكانت هذه إحدى الصور المبتكرة ؟

لديّ كتاب صوريّ سأريك إياه، قلت عدة مرات أن كل كتاب لي  يرتكز على صورة أساسية. أول صورة حضرتني لـ(خريف البطريرك) كانت لرجل كبير السن في قصر شديد الفخامة يدخله البقر ويأكل الستائر، لكن تلك الصورة لم تتجسد حتى رأيتها في صورة حقيقية في روما، حيث دخلت متجر كتب وألقيت النظر على بعض الكتب الصورية التي أحب جمعها، ووقعت عيناي على تلك الصورة المثالية. علمت حينها أنها هي ما أردت، وبما أني لست مفكرا كبيرا فسأجد قدوتي في أمور يومية طبيعية في حياتي وليس في التحف العظيمة.

هل تحتوي رواياتك على تقلبات غير متوقعة؟

كان الأمر كذلك في البداية. في القصص الأولى التي كتبتها، كان لدي انطباع عام عن الفكرة لكني كنت أسمح لنفسي بالخروج عنها إن صدف ذلك. من أفضل النصائح التي تلقيتها منذ البداية هي أنه من المقبول أن أعمل ذلك عندما كنت صغيرا لوجود سيل من الإلهام حينها. لكن قيل لي أني إن لم أتمسك بطريقة أو أسلوب فسأواجه المشاكل لاحقا عندما يزول الإلهام، حينها لن يعوّض النقص سوى الأسلوب. لو لم أتعلم ذلك منذ البداية لما استطعت أن أقسّم أفكاري عند بدأ الكتابة. التقسيم المبدئي هو أمر فني بحت، إن لم تتعلمه من البداية فلن تستطيع تعلمه أبدا.

الانضباط إذا مهم جدا بالنسبة لك؟

لا أعتقد أن بإمكانك كتابة أي شيء دون انضباط تام!

ماذا عن المحفزات الخارجية؟

أحد الأمور الرائعة التي أبهرتني من أقوال (هيمنجواي) هي أن الكتابة بالنسبة له كالملاكمة، كان عليه العناية بصحته وجسده لكليهما. واشتهر (فوكنز) بأنه سكّير، لكنه كان يقول في كل مقابلة له أنه من المستحيل كتابة أي شيء أثناء الشرب. نُقل عن (هيمنجواي) نفس الكلام. يأتيني بعض القرّاء السيئين لسؤالي عما إذا كنت سكرانا أثناء كتابة بعض من كتاباتي، وهذا يوضّح مدى جهلهم بالأدب أو بالمسكرات. حتى تكون كاتبا جيدا فعليك أن تكون واعيا تماما في كل لحظة من لحظات الكتابة وبصحة جيدة. إنني أخالف تماما المبدأ الرومانسي الذي يدّعي أن الكتابة هي عبارة عن تضحية، وأن الكتابة تتحسن إن ساءت الأحوال الاقتصادية أو الحالة العاطفية، أعتقد أن عليك أن تكون بحالة عاطفية جيدة وصحة جسدية جيدة. تتطلب الكتابة الأدبية بالنسبة لي الصحة الجيدة، وقد فهم كتاب الجيل المفقود ذلك. كانوا أناسا أحبوا الحياة.

ادّعى (بلايز سيندرارز) أن الكتابة هي مزية بحد ذاتها مقارنة بأغلب الأعمال وأن الكتّاب يبالغون في نقل معاناتهم. ما رأيك؟

أعتقد أن الكتابة أمر صعب جدا، لكن الأمر كذلك لكل عمل يتم تنفيذه بعناية. المزية حقيقة هو تنفيذ العمل بشكل يرضيك، أعتقد أني من النوع الذي يتطلب الكثير من نفسه ومن حوله لأني لا أتحمل الأخطاء. أعتقد أنها مزية حين تنفذ عملا ما بشكل متكامل. وصحيح فعلا أن الكتّاب يبالغون عادة في أهميتهم ويضعون أنفسهم في محور الكون وفي أصل المجتمع، لكني أقدر جدا الأعمال المتكاملة، أسعد جدا إذا علمتُ أن قائد الطائرة التي أركبها هو قائد جيد أكثر من كوني كاتبا جيدا.

ماذا عن عملك حاليّا؟ ألك جدول عمل تتبعه؟

كانت أكبر المشاكل التي واجهتني عندما امتهنتُ الكتابة هي جدولي. كوني صحفيّ يعني أن علي أن أعمل ليلاً، وعندما انتقلت إلى الكتابة بشكل كامل كنت قد بلغت الأربعين من عمري، أبدأ العمل من التاسعة صباحا حتى الثانية ظهرا، عند عودة أبنائي من المدرسة. ولاعتيادي على العمل الشاق، شعرت بالذنب لأني لم أكن أعمل سوى هذه الساعات من الصباح، لذا حاولت العمل ظهرا لكني اكتشفت لاحقا أني أضطر إلى إعادة كتابة كل ما أكتبه ظهرا صباح اليوم التالي، ولذلك قررت أن أعمل من التاسعة صباحا حتى الثانية والنصف ظهرا ثم أتوقف عن العمل وأستغلّ فترة الظهر في إجراء المقابلات وإنهاء المواعيد أو المهام التي قد تطرأ عليّ حينها. لدي مشكلة أخرى، وهي أني لا أستطيع العمل إلا في محيط مألوف بالنسبة لي وتم تجهيزه بالأدوات التي أحتاجها لإنهاء عملي ولذا لا أستطيع الكتابة في غرف الفنادق أو باستعمال آلات كاتبة مستعارة مما يوقعني في المشاكل كوني لا أستطيع العمل أثناء السفر. بالطبع، نحاول جميعا خلق الأعذار لتقليل العمل ولذا نعقّد الشروط التي نفرضها على أنفسنا طوال الوقت. نبحث عن الإلهام في مختلف الظروف، وهذه كلمة استغلها الرومانسيون كثيرا، يواجه أصدقائي الماركسيون صعوبة في تقبلها. لا تهمني التسمية بحد ذاتها، لكني مقتنع تماما بوجود حالة ذهنية خاصة تجعلك تكتب بسلاسة تامة وطرح متناسق تُخفي جميع الأعذار، كقولي أني لا أستطيع الكتابة إلا في المنزل. تأتي هذه اللحظة وتلك الحالة الذهنية عندما تجد الموضوع المناسب والأسلوب المناسب لتناوله، كما يجب أن يكون موضوعا تستهويه إذ يُعدّ عمل ما لا تحب من أسوأ الأمور.

أحد أصعب الأمور هي الفقرة الأولى، أقضي عدة شهور أكتب فقرتي الأولى أحياناً، وبمجرد كتابتها أجدني أكمل ما تبقى بسهولة تامة. تحل معظم مشاكل كتابك بالفقرة الأولى منه، لأنك حينها قد اخترت الموضوع والأسلوب والنبرة، وفي حالتي على الأقل، تريني الفقرة الأولى سير بقية الكتاب، لذا كتابة القصص القصيرة أصعب بكثير من كتابة الرواية لأنك تبدأ من الصفر مع كل قصة.

هل تعتبر الأحلام مصدر إلهام مهم بالنسبة لك؟

كنت أنتبه لها بشكل كبير في البداية، ثم أدركتُ أن الحياة بحد ذاتها هي أكبر مصدر إلهام وأن الأحلام هي جزء صغير جدا من تيار الحياة. ويظهر في كتاباتي أني مهتم كثيرا بالمفاهيم المختلفة للأحلام وتفسيراتها المختلفة، أرى الأحلام جزءا من الحياة بشكل عام لكن الواقع أغنى بكثير، أو ربما أن أحلامي هي المملة.

هل يمكنك التفرقة بين الإلهام والنباهة؟

الإلهام هو إيجاد الموضوع المناسب، موضوع يستهويك ويسهّل عليك عملك. أما النباهة والتي تعتبر مهمة أيضاً في كتابة الخيال، هي ميزة خاصة تساعدك في معرفة شيء ما دون الخلفية المعرفية عنه ودون علم خاص به. بإمكاننا فهم قانون الجاذبية بالنباهة وحدها دون أي أمر آخر، إنها طريقة لكسب الخبرة دون خوض التجربة. النباهة مهمة بالنسبة إلى الروائيين، إنها نقيض التثقف وهو ما أبغضه بشدة في هذا العالم، العالم الذي تحول إلى مجموعة من النظريات الثابتة. ميزة النباهة أنها سرعان ما تُثبت أو تُنفى، لن تستغرق وقتا طويلا لإيصال دائرة بدائرة أخرى أو مربعا بمثيله.

ألا تحب المنظّرين؟

بالطبع لا، لأني لا أفهمهم حقيقة، لهذا أحاول شرح العديد من الأمور عن طريق الحكايات، لأني لا أملك الطاقة لشرح الأفكار بتجريدها ولذا يدّعي النقاد أني لست مثقفا، لأني لا أقتبس بما يكفي.

هل تعتقد أن النقاد يصنفوك أو يصفوك بدقة؟

يمثّل النقاد بالنسبة لي أكبر مثال على التثقف، لديهم أولا شروط لما يجب أن يتّصف به كل كاتب، يحاولون أن يجبرون الكاتب أن يتبع رأيهم، وإن رفض الكاتب فلا يرون ضيرا في استعمال القوة. إني أجيب على هذا لأنك سألتَه، ولستُ مهتما بما يقوله النقاد عني ولم أقرأ لأي ناقد منذ سنين. لقد نصّبوا أنفسهم كوسطاء بين الكاتب والقارئ، لطالما حاولت أن أكون كاتبا واضحا ودقيقا، أحاول الوصول إلى القارئ مباشرة دون المرور بالناقد.

وما رأيك في المترجمين؟

أقدر المترجمين بشكل كبير، سوى أولئك الذين يستعملون الهوامش لشرح بعض الأمور للقارئ التي قد لا يعنيها الكاتب حتى. بما أنها كتبت بطريقة ما، فعلى القارئ أن يقرأها كما هي. الترجمة عمل صعب جدا، دون مردود جيد أو راتب مجزي. تُعدّ الترجمة الجيدة إعادة كتابة بلغة أخرى، لذا أقدر (جريجوري راباسا). تُرجمت كتبي إلى إحدى وعشرين لغة، و(راباسا) هو المترجم الوحيد الذي لم يطلب مني توضيح أمر قط لشرحه في الهامش. أرى أن أعمالي قد أعيدت كتابتها باللغة الإنجليزية، مع أن هناك أجزاء يصعب تتبعها أدبيا، والانطباع لدى القارئ هو أن المترجم قد قرأ الكتاب وأعاد كتابته من ذاكرته، لذا أقدر المترجمين حقا، إنهم يعتمدون على النباهة أكثر من التثقف. وإضافة إلى أن رواتبهم من الناشرين غير مجزية إطلاقا، لا يرونهم الناشرون كصانعي محتوى أدبي. هناك بعض الكتب التي أردت ترجمتها إلى الإسبانية، لكنه عمل شاق بنفس مستوى كتابة كتاب لي ولن أحصل مقابل مادي يساعدني على العيش.

ما الكتب التي أردت ترجمتها؟

كل كتب (اندريه مالرو)، وشيئا من كتب (جوزيف كونراد) و(أنطوان دو سانت اكزوبيري). يأتيني شعور الرغبة في الترجمة أحيانا أثناء القراءة، باستثناء الروائع الأدبية، أفضل قراءة ترجمة متوسطة الجودة لكتاب ما على محاولة قراءته بلغته الأصلية، لا أشعر بالراحة أبدا عند القراءة بلغة أخرى لأن اللغة الوحيدة التي أشعر بها داخلي هي الإسبانية. لكني أتحدث الإيطالية والفرنسية وأعرف الإنجليزية لدرجة تجعلني أسمّم نفسي بالنسخة الأسبوعية من مجلة التايمز لعشرين سنة.


هل تعتبر المكسيك وطنا بالنسبة لك الآن، هل تشعر بالانتماء إلى مجتمع كتّاب أكبر؟

لا أصادق الكتّاب والفنانين بشكل عام لمجرد كونهم كتّاب وفنانين. لدي العديد من الأصدقاء في مختلف المجالات ومن بينهم كتّاب وفنانون. بشكل عام، أشعر بأني من السكان الأصليين في أي بلد في أمريكا اللاتينية. يشعر أبناء أمريكا اللاتينية أن إسبانيا هي البلد الوحيد التي تتم فيها معاملتنا بشكل جيد لكني لا أشعر شخصيا أني من هناك، لا أحس في أمريكا اللاتينية بالحدود، أنا واع بالفروقات بين دولة وأخرى لكني لا أفكر أو أشعر بأي شيء مختلف بينها جميعا. أشعر بأني في وطني حقا في منطقة الكاريبي سواء في الجانب الفرنسي أو الهولندي أو الإنجليزي، ودوماً أتأثر عندما أركب الطائرة في بارانكويلا وتقوم سيدة سمراء البشرة بزيّ أزرق بختم جواز سفري وعندما أنزل من الطائرة في جامايكا فإن سيدة سمراء البشرة بزيّ أزرق تختم على جواز سفري ولكن بالإنجليزية. لا أرى أن اللغة تصنع الفارق الكبير. وفي أي دولة أخرى في العالم، أشعر كأجنبي، شعور يحرمني من الإحساس بالأمان، إنه شعور شخصي يرافقني دائما عند السفر، لأني أشعر بأني من الأقلية.

أتراه من الضروري أن يعيش كتّاب أمريكا اللاتينية في أوروبا لفترة من الزمن؟

ربما لأخذ انطباع خارجي حقيقي. يدور كتاب القصص القصيرة الذي أفكر في كتابته حول كتّاب أمريكا اللاتينية في زيارات لأوروبا، أفكر في هذا الكتاب من عشرين سنة، وإذا أردت الخلاصة من هذه القصص فهي أن الأمريكيون اللاتينيّون نادرا ما يقومون بزيارة أوروبا، وإن زاروها فإنهم لا يطيلون البقاء. جميع المكسيكيين الذين قابلتهم في أوروبا، يغادرونها بعد أقل من أسبوع.

ما أثر الثورة الكوبية على الحس الأدبي في أمريكا اللاتينية كما تعتقد؟

آثار سلبية حتى الآن. العديد من الكتّاب الذين يرون أن لديهم التزام سياسيّ يشعرون أنه من الخطأ الكتابة عما يريدون حقا، وأن الصواب هو الكتابة عما يعتقدون أنه يجب عليهم أن يريدون. وينتج عن هذا نوع من الأدب المدروس الذي ليس له علاقة بالتجارب أو بالنباهة. والسبب الرئيسي وراء ذلك هو الرفض الشديد لأي تأثير ثقافي من كوبا على أمريكا اللاتينية. في كوبا نفسها، لم يتم تحسين العملية بشكل يساعد على وجود حس أدبي أو فن ما، وهذا أمر يحتاج إلى وقت. تكمن أهمية الثقافة العظمى لـ كوبا في أمريكا اللاتينية في كونها جسرا لنقل نوع من الأدب الموجود في أمريكا اللاتينية من سنين عديدة. بمعنى أن ازدهار أدب أمريكا اللاتينية في الولايات المتحدة كان سببه الثورة الكوبية. كل كاتب من أمريكا اللاتينية في ذلك الجيل كان يكتب من عشرين سنة لكنهم لم يحظوا باهتمام الناشرين الأوربيين والأمريكيين. عندما بدأت الثورة الكوبية، كان هناك اهتمام مباشر بـ كوبا وأمريكا اللاتينية. تحولت الثورة إلى مادة جاهزة للاستهلاك ودخلت أمريكا اللاتينية إلى سباق الشهرة. تم اكتشاف روايات لاتينية أمريكية جيدة تستحق الترجمة وتم اعتبارها جزءا من الأدب العالمي. المحزن في الأمر هو أن الاستعمار الثقافي كان سيئا جدا في أمريكا اللاتينية لدرجة جعلت من المستحيل أن يؤمن الأمريكيون اللاتينيون بجودة رواياتهم حتى يخبرهم الناس من الخارج بذلك

أهناك كتّاب أمريكيون لاتينيّون ليسوا معروفين تقدرهم بشكل خاص؟

أشك في وجود أي منهم الآن. أحد أفضل الآثار الناتجة من ازدهار الكتابة في أمريكا اللاتينية هو أنها جعلت الناشرين في بحث مستمر للتأكد من أنهم لن يفوتوا (خوليو كورتاثار) الجديد. ولسوء الحظ ، اهتم الكثير من الكتاب الشباب بشهرتهم أكثر من اهتمامهم بأعمالهم. هناك بروفيسور فرنسي في جامعة تولوز يكتب عن أدب أمريكا اللاتينية، تواصل معه العديد من المؤلفين الشباب يخبرونه ألا يكتب الكثير عني لأني لا أحتاج إلى أحد مع وجود من هم أكثر حاجة مني. ما يتناساه هؤلاء الشباب أني عندما كنت بعمرهم، لم يكتب عني النقاد شيئا، بل عن (ميغيل أنخيل أستورياس). ما أود قوله هو أن هؤلاء الكتاب الشباب يهدرون وقتهم في الكتابة للنقاد بدلاً من العمل على كتاباتهم. أن تكتب أهمّ من أن يُكتب عنك. أحد الأشياء التي أعتقد أنها كانت مهمة للغاية في مهنتي الأدبية هو أني حتى الأربعين من عمري، لم أحصل أبدًا على قرش واحد من حقوق الملكية، على الرغم من أنني كنت قد نشرت خمسة كتب.

هل تعتبر الشهرة في سنّ مبكرة أمرا سيئا؟

إنها سيئة في جميع الأعمار. لكنت أحببت إن لم يعرفني الناس إلا بعد موتي، على الأقل في البلدان الرأسمالية حيث تصبح كالسلعة.

إلى جانب قائمتك المفضلة، ماذا تقرأ هذه الأيام؟

أقرأ أغرب الأشياء، كنت أقرأ (مذكرات محمد علي) قبل أيام. (دراكولا لـ(برام ستوكر) كتاب عظيم، لم أكن لأقرأه قبل سنوات لأني كنت سأراه مضيعة للوقت، ولا أبدأ قراءة كتاب إلا إذا تمت التوصية به من شخص أثق به. لم أعد أقرأ في الخيال، أقرأ الكثير من المذكرات والوثائق حتى وإن كانت وثائق مزورة. وأعيد قراءة كتبي المفضلة، ميزة إعادة القراءة هي أن بإمكانك البدء من أي صفحة لقراءة أجزاء تفضلها. فقدت الفكرة المقدسة التي تنص على قراءة “الأدب” فقط، سأقرأ أي شيء، وأحاول مواكبة العصر، أقرأ معظم المجلات العالمية المهمة كل أسبوع. تعودت منذ القدم البحث عن الأخبار منذ عادة قراءة الفاكس. ولكن بعد قراءة جميع الصحف الهامة من هنا وهناك تأتي زوجتي لتخبرني بالأخبار التي لم أسمع عنها، وعندما أسألها عن المصدر، تخبرني أنها من قسم التجميل من إحدى المجلات، لذا بدأت قراءة مجلات الموضة وجميع أنواع المجلات النسائية وأخبارها وتعلمت الكثير مما لا يمكن تعلمه إلا من هناك، كل ذلك يبقيني مشغولا.

لماذا تظن أن الشهرة مدمرة للكاتب؟

لأنها تقتحم حياتك الخاصة أولا، وتسلب منك الوقت الذي تقضيه مع أصدقائك والوقت الذي تعمل فيه. وتميل إلى عزلك عن العالم الحقيقي. على الكاتب المشهور الذي يريد أن يستمر في الكتابة أن يدفع عن نفسه الشهرة باستمرار. لا أحب أن أقول هذا لأن سأبدو كمنافق، لكني أتمنى حقا لو نُشرت كتبي بعد موتي، حتى لا أضطر للخوض في طريق الشهرة ودخول قوائم الكتّاب العظماء. في حالتي، الميزة الوحيدة للشهرة هي أني استطعت استعمالها في السياسة، عدا ذلك، فهي مزعجة جدا. المشكلة أنك تكون مشهورا طوال الوقت ولا تستطيع تأجيل الموضوع أو تقسيمه على الأيام أو اختيار الأماكن التي تريد أن تكون مشهورا فيها.

هل تنبّأتَ النجاح الباهر لـ(مائة عام من العزلة)؟

علمتُ أنه سيعجب أصدقائي أكثر من بقية كتبي. لكني انبهرت عندما أخبرني الناشر الإسباني أنه سيقوم بطباعة ثمان آلاف نسخة لأني لم أبِع من بقية كتبي أكثر من سبعمائة نسخة. وعندما سألته عن السبب الذي يجعله متعجلا لهذه الدرجة، أخبرني أنه يؤمن أنه كتاب جيد وأننا سنستطيع بيع جميع النسخ بين شهري مايو وديسمبر. وبيعت جميع النسخ خلال أسبوع واحد في منطقة بوينس ايرس.

ولماذا برأيك لاقت (مائة عام من العزلة) هذا القبول؟

ليس لدي أي فكرة. لأني شخصيا ناقد سيء جدا لأعمالي. أكثر سبب أسمعه من الناس هو أن الرواية تحكي قصة حياة الناس الخاصة في أمريكا اللاتينية، فقد كُتب الكتاب من أحد سكانها. يفاجئني هذا السبب لأني عندما بدأت كتابة الكتاب للمرة الأولى أردت تسميته “المنزل”، أردت أن تقع جميع أحداث الرواية داخل منزل، وكل الأحداث خارج المنزل لها تأثير بشكل ما على المنزل. ثم تجنبت لاحقا هذا العنوان، لكن الأحداث في الرواية لم تتجاوز مدينة ماكوندو على كل حال. سبب آخر سمعته أن القارئ بإمكانه تشكيل شخصيات الرواية كما يريد، وأنا لا أريد نقله إلى فيلم، لأن المشاهد سيرى الوجه ولن يستطيع أن يتوه في خياله حينها.

هل كان هناك اهتمام لنقل الرواية إلى فيلم؟

نعم، لقد عرضته وكيلة أعمالي بمليون دولار لتثبيط العروض، وعندما اقتربت العروض من ذلك زادت الرقم إلى ثلاثة ملايين. لكني لست مهتما بنقله إلى فيلم وإن استطعت أن أبقيه دون ذلك فسأفعل. أفضّل أن أبقيها كعلاقة خاصة بين الكتاب وقارئه.

هل تعتقد أن أي كتاب يمكن نقله إلى فيلم بنجاح؟

 لا أستطيع أن أفكر في أي فيلم نُقل عن رواية جيدة وفاق نجاحها. لكني قد أفكر في أفلام كثيرة فاقت نجاح روايات سيئة أصلا.

هل فكرت في صناعة الأفلام؟

مرّ علي وقت أردتُ أن أكون فيه مخرج أفلام، درستُ الإخراج في روما، وأحسست أن السينما هي الوسيط الذي لم يكن له حدود وأن كل شيء ممكن فيها. قدمتُ إلى المكسيك لأني أردت العمل في مجال الأفلام، ليس كمخرج وإنما ككاتب نصوص. لكن هناك حدود في السينما وهي أنها مجال صناعي، مجال صناعي متكامل. من الصعب جدا التعبير عما تريد بالضبط في السينما. لا زلت أفكر فيها، لكنها تبدو لي الآن وكأنها من الكماليات التي قد أريد عملها مع أصدقائي لكن دون أمل في التعبير عما في داخلي، لذا ابتعدت أكثر وأكثر عن السينما. علاقتي بالسينما كعلاقة زوجين لا يستطيعان الانفصال عن بعضهما ولا يستطيعان العيش سوية أيضا. لكن إن خُيّرت بين امتلاك شركة أفلام أو امتلاك صحيفة، فسأختار الصحيفة.

كيف تصف الكتاب الذي تكتبه الآن عن كوبا؟

 أشبّه الكتاب في الحقيقة بأنه مقال طويل في صحيفة عن الحياة في المنازل الكوبية وكيف استطاع الناس التعايش مع العجز الحاصل هناك. ما فاجأني خلال زيارتي العديدة إلى كوبا خلال السنتين الماضيتين هو أن الحصار قد خلق في كوبا نوعا من “ثقافة الضرورات”، حالة اجتماعية تجعل الناس يتعايشون مع بعض الأمور. الجانب الذي أثار اهتمامي هو أن الحصار قد ساهم بشكل ما في تغيير عقلية الناس. لدينا صراع بين المجتمع الرافض للاستهلاك وأكثر مجتمع مندفع بالاستهلاك في العالم. وصل الكتاب إلى مرحلة تحوله من مجرد عمل صحافي بسيط وقصير بعض الشي إلى كتاب طويل ومعقد. لكن ذلك لا يهمني حقا، لأنه ديدن جميع كتبي، بالإضافة إلى أن الكتاب سيثبت بالحقائق التاريخية أن الحياة الحقيقية في منطقة الكاريبي هي بذات الخيال في قصص (مائة عام من العزلة).

هل لديك طموحات بعيدة المدى أو أمور تندم عليها ككاتب؟

أظن أن الإجابة لهذا السؤال تشبه إجابتي لسؤال الشهرة. سئلت قبل فترة عما إذا كنت مهتما بالحصول على جائزة نوبل، أعتقد أن ذلك سيكون ككارثة بالنسبة لي، سأكون مهتما باستحقاقها لكن استلامها سيكون سيئا، لأنه سيعقد مسألة الشهرة بشكل أكبر، والشيء الوحيد الذي ندمت عليه في حياتي هو أني لم أُرزق ببنت.

أهناك مشاريع قادمة تود مناقشتها؟

أنا مقتنع تماما أني سأكتب أفضل كتاب في حياتي، لكني لا أعلم ما هو ومتى سأكتبه. عندما يأتيني هذا الشعور، وهو شعور لازمني منذ فترة فإني أميل إلى البقاء هادئا، حتى أكون متأهبا له عند مروره.


[المصدر]

متلازمة الصفحة الفارغة ؛ نصائح أشهر الكتاب في كيفية تجاوز جمود الإبداع

هذا المنشور هو نتاج للتعاون بين منصة ساقية ومنصة إكليل، ضمن مبادرة (عشر سواقي 2019)

صرح (بيكاسو) معلنًا عن كيفية خلق الابداع ومن اين تأتي الافكار قائلًا ” ابدأ الرسم لتعرف ما ستقوم برسمه

وقد يبدو من السهل، بالنسبة (لبيكاسو) طبعًا، قول ذلك، فنتجاهل نصيحته، لكن لابد لأي شخص قد خاض ببحر الابداع أن يشعر بعلاقة الـ(يين – يانغ) وهذا التصور؛ فبالمثل – وكما اعتقدت دائمًا – أن هذا المفهوم ينطبق على السؤال الاعظم والمتمثل في “العثور” على هدف إبداع الفرد واسلوبه في الحياة، فنحن “نبني” الطريق بسيرنا فيه، حتى اذ ما التفتنا “وجدناه”.

وبالنسبة للكُتاب قد يكون هناك فجوة محيرة بين معرفة هذه العلاقة بشكل بديهي والشعور بالهلع من مواجة متلازمة الصفحة الفارغة. ويأتي الكثير من هذا الشلل النفس-عاطفي من التعطش للكمال، وهو التصرف الذي اقتبسته جينيفر ايغان بشكل مثالي بنصيحتها قائلة:  “يمكنك الكتابة بشكل طبيعي حين تتقبل واقع كتاباتك السيئة… فتقبلك للكتابة السيئة ماهو الا تمهيد وتدريب يسمح لك بالتحسن والكتابة بشكل ممتاز “

ولايزال هنالك شيء يقف غالباً بين معرفة هذا الامر وتقبل العيش به. وهذا مايستعرضه أشهر ثمانية كتاب وهم: (جوناثان فرانزن) و(مارغريت أتوود) و(فيليب ماير) و(علاء الأسواني) و(جويس كارول أوتس) و(ليديا ديفيس) و(جوناثان ميتشل) و(دانييل كيلمان) في الفيديو الوثائقي المصغر والرائع من متحف لويزيانا لفنون لويزيانا شانيل الحديثة، والملخصة في النقاط التالية:

 

  • (جونثان فرانزن):

 

يحب أن تملأ فراغ عقلك قبل أن تجتاحك الشجاعة لمواجهة متلازمة الصفحة الفارغة فعليًا.

 

  • (دايفيد ميشل):

 

إن متلازمة الصفحة الفارغة ماهي الا باب لا متناهي كسماء الليل بقمر عملاق قريبٌ جدًا من الأرض ومليئة بالنجوم والمجرات، حيث يمكنك أن ترى كل شيء بوضوح شديد … أتعرف كيف يجعل ذلك نبضات قلبك تتسارع؟

 

  • (مارقريت أتوود):

 

هنالك شيء محفز في متلازمة الصفحة الفارغة يحثك على الكتابة وضرورة ملء هذا الفراغ.

 

  • (فيليب ماير):

 

في الواقع، أنا لا أؤمن بوجود ظاهرة “قفلة الكاتب“، فما هي إلا شعورٌ بعدم الأمان.فالنقد الذاتي يرتفع لأعلى من المستوى المطلوب في تلك اللحظة، بينما يجب عندما تبدأ بعمل ما، وأنت في حالة خواء من الأفكار  ولوحة الكتابة أمامك، أن يكون نقدك الذاتي هابطًا لنقطة الصفر، النقطة التي تحتم عليك كتابة أي شيء في الورقة لتسمح لنفسك بالاسترسال فقط. فبالكتابة وحدها يمكنك أن ستكتشف الشخصيات والافكار ونحوها من الامور.

 

  • (علاء الأسواني):

 

تمنحك متلازمة الصفحة الفارغة أفقًا لما يمكنك كتابته. فنحن نعاني دائمًا من التعارض بين ما نريد قوله وما يمكننا قوله، والكتابة تجسد هذا الصراع.

 

  • (جويس كارول أوتس):

 

لن أجازف بالكتابة أولًا، ولا أعتقد أنه تصرف حسن على الإطلاق. فبمجرد أن تبدأ الكتابة بلغة ما، تصبح ثابتة.

لذلك من الأفضل التفكير أولًا، ولفترة طويلة، ومن  ثم الكتابة عندما تكون مستعدًا لذلك. فالكتابة بنحو ارتجالي سابق لأوانه تصرف خاطئ.

 


[المصدر]

رؤية كولن ويلسون في الكتابة الإبداعية

كولن هنري ولسون (1931-2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا. من أشهر كتبه كتابي (اللامنتمي) و(ما بعد اللامنتمي).

في كتاب (حلم غاية ما)، والذي نقلته إلى العربية الأستاذة (لطفية الدليمي)، أدرجت المترجمة مقالًا في بداية الكتاب بعنوان “صنعة الإبداع”، والذي نُشر في كتاب (فن الرواية).

يقول (كولن) في افتتاحية مقالته:

حصل في ربيع العام ١٩٧٤ أن تعاقدتُ مع جامعة روتغرز الأمريكية في نيوجيرسي على تدريس منهج الكتابة الإبداعية، وكان ذلك نقطة مفصلية حاسمة في حياتي، إذ سبق لي قبل ثماني سنوات من ذلك التاريخ أن حاولت تدريس الكتابة الإبداعية في إحدى الكليات بولاية فيرجينيا وانتهيت إلى قناعة حاسمة أن هذه المادة عصية على التدريس، ولا يقتصر الأمر على هذا وحسب، بل ويتعين عدم تريسها بأي شكل من الأشكال!

فقد شعرت أن المبدأ الأساسي للإبداع هو القانون الدارويني التطويري القائل ببقاء الأصلح ؛ إذ لطالما رأيت الكتابة الإبداعية عملية شاقة كارتقاء تلة عالية، حيث يتساقط الضعفاء على جانبي التلة بينما يواصل الأقوياء الارتقاء بتمهل حتى يصبحوا كتّابًا جيدين. إن تشجيع هؤلاء الذين يمكن لهم أن يكونوا كتّاب المستقبل عملية شبيهة بوضع السماد في مزرعة تمتلئ بالأعشاب الضارة.

يكمل بعد ذلك (كولن) حديثه عمّا يفتقده التدريس الإبداعي، فيقول:

ولدهشتي اكتشفت أن معظم الطلاب شارك في دورات للكتابة الإبداعية من قبل، ولما بدأت التدقيق في النظر بماهية ما يعانونه بدأت أدرك جوهر الخطأ الذي انزلقوا إليه من غير تحسب ؛ تعلّم هؤلاء كيف يكتبون مثل (جيمس جويس) و(إرنست همنغواي) و(وليم فوكنز) و(فيرجينيا وولف)، إلا أنهم لم يعلموا شيئًا عمّا سيكتبون، وقد حصلوا على نتائج مسهبة تشير لهم بالكتابة عن أنفسهم، وكانت المسودات الأولى للقصص التي سلّموها لي عبارة عن سير ذاتية أقرب إلى أدب الاعترافات، في حين وصف بعضهم مقاطع زمنية مرّت بحياتهم.

[…] أعاد كل هذا إلى ذهني تعليقًا رائعًا كان (فوكنز) قد ذكره عندما سئِل مرّة عمّا يراه في جيل (نورمان ميلّر) من الكتّاب، حيث قال بوضوح: “هم يكتبون بطريقة جيّدة، لكن ليس لديهم ما يقولونه!”.

يستكمل بعد ذلك (كولن) حديثه قائلًا:

كان السؤال الأول الذي طرحته على نفسي يتناول إمكانية تدريس منهج في الكتابة الإبداعية يعيّن طلابي على معرفة ما يكتبون، فعندما يجلس كاتب أمام صفحة بيضاء موضوعة أمامه فهذا لا يعني أن ليس لديه ما يقوله، بل العكس هو ما يحصل على الأغلب إذ يكون لديه حشد من الأمور الكثيرة الجاهزة التي تغريه بكتاية رواية – هي سيرة ذاتية أيضًا في الغالب – تشبه رواية (الحرب والسلام) لكن المشكلة الممضة هي أن كل تلك الأمور تفور في أعماق الكاتب، وليس أمامها سوى منفذ ضيق وحيد يسمح بخروجها إلى العلن، وربّما يبدأ الكاتب بتقليد بعض الكتّاب الآخرين ؛ (همنغواي) أو (جويس) أو (سالينغر)، لا يسبب أنه يشعر بغياب صوته الخاص، بل لشعوره أن نمطًا مجربًا وناجحًا من أنماط الكتابة قد يساعده على التدفق الحر في الكتابة ثم يكتشف بعد أيام أو أسابيع من بدء محاولته تلك أن تدفقه الموعود لم يبدأ أو قد يكون في أفضل الحالات رذاذًا شاحبًا يبعث على أشد حالات الأسى والإشفاق، وعندها يبدأ الكاتب بفهم ما كان يعنيه (همنغواي) بعبارته النبوئية: “تبدو الكتابة عملًا سهلًا للوهلة الأولى، غير أنها في واقع الأمر أشق الأعمال في العالم“.

إن مشكلة هذا الكاتب ونظرائه من الكتاب الناشئين هي أنه غير قادر أن يكون بمثابة (سقراط) معاصر يطرح الأسئلة المناسبة مثلما كان يفعل (سقراط) من قبل، وتبينت آنذاك أن الحيلة الأساسية للإبداع هي في معرفة الكاتب كيف يطرح الأسئلة المناسبة وكيف يجيب عليها بنفسه، وقد قلت مفردة “حيلة” لأن الإبداع ليس سرًا مقدسًا أو أحجية طلسمية تكتنفها الألغاز، بل هو في جوهره موهبة حل المشكلات ؛ فالكاتب لحظة بدء الكتابة يضع أمامه مشكلة – وهنا أؤكد أن تكون المشكلة أمرًا يهمه على الصعيد الشخصي-، وقد يحصل أن لا يهدف الكاتب إلى إيجاد حل لتلك المشكلة غير أنه يتحتم عليه إذا ما أراد التعبير عنها تعبيرًا واضحًا أن يجد الحلول لعدد من المشكلات التكتيكية الخالصة: من أين يبدأ؟ وما الذي يتوجب عليه أن يدرجه أو يهمله؟

نصائح للروائي الشاب، من أمبيرتو إيكو

أمبيرتو إيكو (1932-2016)، فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في القرون الوسطى، ويُعرف بروايته الشهيرة (اسم الوردة)، ومقالاته العديدة. وهو أحد أهم النقاد الدلاليين في العالم.

في أحد اللقاءات الصحفية، سُئل (إيكو) عن نصائحٍ للكاتب الشاب. فكان الرد الأول:

بألا يغتر بنفسه، بأنه قد أصبح فنانًا.

وألا يأخذ نفسه على محمل الجد.

بألا يظن بأنه تعرض للإلهام، فكما تعلم بأن العبقرية هي ١٠٪ من الإلهام، و٩٠٪ من الجهد.

ثم تحدث (إيكو) عن الروائيين الذين يغرقون العالم برواياتهم، فقال:

ثمة أمرٌ آخر أعجز عن استيعابه؛ أولئك الروائيين الذين ينشرون كتابًا في كل عام.

إنهم يبددون تلك المتعة في قضاء ستة أع،ام، أو سبعة أو ثمانية، في الإعداد، في إعداد القصة.

تطرق (أمبيرتو) بعد ذلك إلى نقطة أخرى، فيقول:

دائمًا ما أنزعج ممن يرغب بنشر كتاباته في شبابه.

أذكر بأن شابًا طلب مني نصائحًا في كيفية الكتابة، فأجبته بأنه لا يمكن أن يكون جنرالًا، ما لم يكن قبلها عريفًا، قم رقيبًا، ثم ملازمًا.

امضِ في طريقك خطوة فخطوة. إياك بالتظاهر فورًاباستحقاقك لجائزة نوبل للآداب، لأن هذا ما يقتل كل مستقبل أدبي.

التجربة الحياتية والإبداع الأدبي

دروس الحياة

التجربة الحياتية بما فيها من معاناة، وآلام، وأفراح هي ينبوع الكتابة الحق، ولا تقل أهمية عن الموهبة الفطرية، والقدرة على التخيّل.

ليس بوسع أي كاتب أن يكتب عن أي شيء، وعن أي إنسان. فهو ليس مطلق الحرية في اختيار موضوعاته وأبطاله، مهما كان موهوبا، لأن له حدودًا لا يستطيع تجاوزها، والتي تتحدد بالمجتمع الذي يعيش فيه، وخبرته الذاتية، والدروس التي تعلمها من الحياة، لذا على الكاتب أن يكتب عما يعرفه بتجربته الخاصة، وهذه التجربة مطلوبة بقدر ما تكون مدخلاً لتجربة فنية، يعبّر فيها الكاتب بأسلوبه المتميز، عن عالمه الروحي، ونظرته إلى الأشياء.

إن العمل الأدبي إذا لم يكن نابعاً من ذات الكاتب، و لم ينفعل به فانه لن يكون عملاً مؤثراً وناجحاً على الرغم من أن المؤلف قد كتبه بحسن نية. لأن مثل هذا المؤلف لا يعرف أبطاله ولا يفهمهم.

ربما ثمة إمكانية لتوالد بعض الصور المضببة في ذهن كاتب يعيش في جزيرة مقفرة، ولكن لن يكون لديه أي حافز لتأليف رواية، ذلك لأن الكاتب إنما يكتب عن الناس وللناس، لقد كتب الروائي الفرنسي (مارسيل بروست) رواياته (داخل غرفة ذات جدران صماء لا تخترقها الاصوات). ولكن (بروست) كان قد عاش بين الناس، ودرس المجتمع الفرنسي الأرستقراطي لمدة طويلة، قبل أن يسجن نفسه في غرفة معزولة.

إن خيال الكاتب الروائي أو القصصي قادر على تغيير تناسب الظواهر والأحاسيس وملامح الشخوص وأنماط سلوكهم، ولكن ليست ثمة رواية سواء كانت خيالية ام طوبائية لا ترتكز على الواقع، إن وصف سكان كوكب المشتري في رواية (ولز) أو سكان (سالاماندر) في رواية (جابك) ليس إلا هجاء للمجتمع الإنساني.

ربما يقال أن للخيال الدور الأكبر في بعض أنواع القصص، وهذا صحيح، ولكن الخيال ينبغي أن يكون مقنعاً وصادقاً ومنطقياً، أي خيالاً يمكن أن يحدث في الواقع. فالمؤلف ليس إلهاً حتى يستمر في فرض شطحات خياله على القاريء، وثمّة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب، فقد لا يصدّق المتلقي ما يقرؤه.

أدب الكتب وأدب الحياة

إن أغلب الروائيين المعاصرين هم من خريجي التخصصات الأدبية أو اللغوية في الجامعات، وهم يعملون في مكاتبهم بين رفوف الكتب التي تحاصرهم، ولا يريدون النزول الى الشارع والاختلاط بالناس، والخوض في الحياة العملية واكتساب التجارب التي لا غنى عنها لفهم الآخرين.

الجامعات لا تعلّم سوى الأدب الكلاسيكي، وأنه ينبغي أن تكتب الرواية استنادا إلى التجارب الشخصية. وهذا أمر جيد من حيث المبدأ. ولكن كم رواية بإمكان شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره أن يكتبها عن نفسه؟ قد يكتب رواية واحدة جيدة اذا كان صاحب موهبة، ولكن الرواية الثانية ستكون عن شاب كتب رواية ناجحة، ولا يملك الآن نقودا، وليس لديه صديقة أو حبيبة، ويتبهدل يوميا في وسائط النقل العام. وهذا أمر غير ممتع على الإطلاق.

لو كان (ديكنز) قد عمل حسب هذا المبدأ، لكتب رواية (ديفيد كوبرفيلد) فقط. (تولستوي) كان قد خدم في الجيش وخالط علية القوم، وحرث الأرض قبل أن يكتب (الحرب والسلام) و(آنّا كارينينا).

في عام 1916 نشرت مجلة (ليتوبيس) أي ” الوقائع ” التي كان يصدرها (مكسيم غوركي) في العاصمة الروسية القيصرية بطرسبورغ قصتان قصيرتان لإسحاق بابل.

أثارت القصتان اهتمام القراء والنقاد، وأصبح اسم “بابل” معروفًا إلى حد ما. وواصل الكاتب الشاب كتابة قصص جديدة، حيث كان يكتب قصة واحدة كل يوم ويعرضها على (غوركي)، الذي كان يقرأ القصة بتمعن، ثم يقول: “إنها غير صالحة للنشر”. وتكرر ذلك مرات عدة. وأخيرًا تعب كلاهما. وقال (غوركي) بصوته الجهوري الأجش: “إنك تتخيل أشياء كثيرة تقريبية؛ لأنك لا تعرف الحياة بعد. عليك التوجه إلى الناس، ومعرفة الواقع، واكتساب تجربة ذاتية تساعدك على فهم الحياة، قبل أن تكون قادرًا على كتابة قصة جيدة”.

أفاق بابل في صباح اليوم التالي ليجد نفسه -بمساعدة (غوركي) بطبيعة الحال- مراسلًا لصحيفة لم تولد بعد، مع مئتي روبل في جيبه. لم تولد الصحيفة قط، لكن الروبلات المنعشة كانت ضرورية له. استمرت رحلة بابل في خضم الحياة سبع سنوات (1917: 1924م) كان في أثنائها جنديًّا في الجبهة الروسية – الرومانية إبان الحرب العالمية الأولى، ومراسلًا حربيًّا في فرقة «الفرسان الحمر»، وموظفًا في مفوضية التعليم، ومديرًا لدار نشر في أوديسا، ومندوبًا لبعض الصحف في بطرسبورغ وتبليسي. قطع كثيرًا من الطرق، وشاهد كثيرًا من المعارك. وكان طوال تلك السنوات يكتب ويطوّر أسلوبه. ويجرب التعبير عن أفكاره بوضوح واختصار. وبعد تسريحه حاول نشر نتاجاته، وتسلّم من (غوركي) رسالة يقول فيها: “ربما الآن يمكنك أن تبدأ”.

وليس من قبيل المصادفة أن لكل كاتب عظيم تجربته الحياتية الثرية والمتنوعة التي تشكل منهلا لا ينضب لأعماله الأدبية. (همنجواي) كان مراسلا حربيا في الحرب العالمية الأولى والحرب اليونانية – التركية، وخبر عن قرب مآسي الحرب وانطباعاته عنها أصبحت جامعته الأولى، وانعكست في كل أعماله المبكرة، التي تعتبر مواقف ولحظات من سيرته الذاتية، وكان شاهدا على الأزمة الأقتصادية في بلاده، وزار العديد من البلدان المختلفة. وعاش معظم حياته خارج وطنه الولايات المتحدة الاميركية ولم يكتب عنها الا الشيء القليل نسبيا.

(جون شتاينبك) عمل مراسلا لصحيفة “سان فرنسيسكو نيوز” ليس لأنه كان بحاجة الى المال، بل لأنه أراد أن يخوض في أعماق الواقع الإجتماعي ويجمع المادة الأولية لروايته عن هذا الطريق، العمل كمراسل قادته الى معسكر العمال الوقتيين المهاجرين. هكذا ظهرت رواية (عناقيد الغضب). أما (دوس باسوس) فقد جاب البلاد بحثاً عن المادة الأولية لرواية (مانهاتن) وثلاثية (الولايات المتحدة الأميركية).

كبار الروائيين أمثال (بلزاك) و(فلوبير) و(تولستوي) و(دوستويفسكي) و(غوركي)، و(أندريه موروا)، و(ترومان كابوتي)، و(نورمان ميلر) وغيرهم، خاضوا في أعماق الحياة، قبل الجلوس امام طاولة الكتابة.

حقائق الحياة المؤثرة ثمينة بحد ذاتها حتى بمعالجة أدبية بسيطة. ولكن الأدب ليس أثنوغرافيا، أو تأريخا، أو علم اجتماع. معرفة شيء ممتع أوشائق والكتابة عنها مهمة الصحفي وليس الكاتب. ثمة كتّاب تنقلوا بين مهن كثيرة وشاهدوا الكثير من الحوادث الغريبة  وكتبوا عنها، ولكنهم فشلوا في كتابة عمل فني ناضج. لأن استنساخ الواقع  عجز عن الإبداع . الكاتب المبدع لا يجمع المواد لعمله الأدبي، بل يعيش في داخل هذه المواد، ويتفاعل معها ليحولها إلى تجربة روحية  يعرض فيها شيئا لم يكن بمقدور القارئ أن يراه لو كان في مكان الكاتب.

يبدأ الإبداع عندما يصمم الكاتب في ذهنه نموذجا للموقف. يرسم صور الشخصيات، ويطور الفعل. ويملأ الهيكل باللحم والأعصاب. وهنا يتطلب الخبرة الحياتية أين ومتى عاش الأبطال، ما هي ملامحهم، وماذا يعملون، وماذا يلبسون، وكم يكسبون من نقود، ويتنقلون بأي واسطة نقل، وماذا يحيط بهم. الكاتب يتوجه الى ذاكرته وخبرته. وتظهر ملامح الورشة، التي عمل فيها في وقت ما، والأماكن، التي استجمّ فيها.

فهم المادة الحياتية يعني القدرة على إدراك معنى كبير في حقيقة صغيرة. على الروائي أن يتعمق في جوهر الأشياء، ولا يكتفي بوصف مظاهرها الخارجية فقط.