أرشيف الوسم: الكتابة

كيف يكتب بورخيس؟

بورخيس

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، وبرز أيضًا في الشعر والنقد.

في كتاب (بورخيس؛ صانع المتاهات)، والذي قدّمه وترجمه الأستاذ (محمد ايت لعميم) ينقل حوارًا أجراه مع (ماريا كوداما)، زوجة (بورخيس)، سألها فيه عن عملية الكتابة عند (بورخيس)، فأجابته:

أما فيما يتعلّق بالكتابة، فإنه دائمًا ينتظر أن تجود عليه الآلهة بالإلهام، فلا يعتريه القلقإن تأخرت عليه الكتابة، فهو لا يضخّم المسألة، إذ كل شيء بسيط، إن أتت الكتابة يكتب، إن لم تأت لا يقلق.

كما ينقل (محمد ايت لعميم) أيضًا حوارًا أجراه (أوزفالدو فيراري) مع (بورخيس)، فيسأل (فيراري): “أود أن أتناول معك اليوم ظاهرة يرغب الكثير في معرفتها، أريد أن أتحدث معكم عن الطريقة التي تنتج لديكم عملية الكتابة، بمعنى آخر، كيف تنشأ فيكم قصيدة أو قصة وانطلاقًا من اللحظة التي يبدأ فيها كل شيء كيف تتابع العملية، لنقل صنعة هذه القصيدة أو القصة؟”، فيجيبه (بورخيس):

تبدأ الكتابة بنوع من الوحي، غير أنني أستعمل هذه الكلمة بتواضع ومن دون تطلع، هذا يعني أنني أعرف أن شيئًا ما سيقع فجأة، وأن ما يأتيني غالبًا بالنسبة إلى قصة هو البداية والنهاية، أما في حالة القصيدة فالأمر ليس كذلك، إنها فكرة عامة جدًا، أحيانًا يأتيني البيت الأول، فإذن شيء ما يُمنح لي ثم أتدخل، ومن الممكن أن أفسد كل شيء (يضحك). بالنسبة إلى القصة مثلًا، أعرف البداية، أي نقطة الانطلاق، وأعرف النهاية، أي الهدف، لكن بعد ذلك عليّ أن أكتشف بوسائلي المحدودة جدًا ما يحصل بين البداية والنهاية. بعد ذلك تأتي مشاكل أخرًا، مثلًا: هل من الملائم أن أحكي بضمير المتكلم أم بضمير الغائب، بعد ذلك ينبغي أن أبحث عن الفترة، بالنسبة إليّ، وهذه ثورة شخصية، فالفترة التي تلائمني أكثر هي العشر سنوات الأخيرة للقارن التاسع عشر. أختار إذا تعلق الأمر بإحدى حكايات Porteno وأماكن قريبة من بالرمو وباراكاس أو تورديرا، أما بالنسبة إلى التاريخ لنقل سنة 1899، السنة التي وُلدت فيها، لماذا؟ فمن الذي يستطيع أن يعرف كيف كان يتكلم في هذه الفترة سكان هذه الأحياء، لا أحد. أريد أن أشتغل وأنا مرتاح، فعلى العكس إذا اختار كاتب موضوعة معاصرة فالقارئ يتحول إلى مفتش ويقرر أن: الأمر ليس كذلك إذ في مثل هذا الحي لا نتكلم بهذه الطريقة، الناس الذين ينتمون إلى طبقة ما لا يستعملون مثل هذا التعبير، أما أنا فبالعكس، عندما أختار فترة بعيدة شيئًا ما، ومكانًا بعيدًا شيئًا ما أحافظ على حريتي، أستطيع أن أتخيل .. أو حتى أن أزيّف، يمكنني أن أكذب دون أن يعلم أحد، من دون أن أعلم حتى أنا. بما أنه من الضروري لكاتب الحكاية، حتى لو كانت فنتازية، أن يعتقد في الوقت نفسه في حقيقتها.

من رسائل سيلفيا بلاث

سيليفيا بلاث

سيلفيا بلاث (1932 -1963)، شاعرة أمريكية وروائية وكاتبة قصص قصيرة. ولدت في ولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية ودرست في جامعة سميث وجامعة نيونهام في كامبريدج قبل أن تشتهر كشاعرة وكاتبة محترفة. تزوجت من الشاعر (تيد هيوز) في 1956 وعاشا أولاً في الولايات المتحدة قبل أن ينتقلا إلى بريطانيا.

في سنة 1975 قبل فوزها بجائزة بوليتزر بعشر سنوات تقريبًا وقبيل نشر يومياتها قامت والدتها بتعديلات على مجموعة رسائل كتبتها (بلاث) في سنوات مراهقتها إلى عائلتها ثم نشرتها في كتاب تحت مسمى (منزل الرسائل)
تجلّت فيها قوة العاطفة التي تمتعت بها روح الشاعرة، أترجم بعضًا منها هنا:

تقول (بلاث) في عمر السابعة عشر:
أشعر أن من الواجب علي أن أحافظ على كوني في سن السابعة عشر، كل يوم منه نفيس جدًا. أشعر بالحزن بمجرد تصوّر أن تفلت هذه اللحظات مني بعيدًا بينما أكبر في العمر. الآن! الآن هو الوقت المثالي في حياتي.
بالعودة إلى الستة عشر عامًا الماضية أرى المآسي والسعادة بشكل عشوائي، كلها لاتهم الآن، تصلح فقط للابتسام لذلك الغموض.
أظل أجهل نفسي، ربما لن أعرفها مطلقًا. لكنني أشعر بالحرية، غير مرتبطة بأي مسؤولية.
تشديدًا على رأي (سوزان سونتاج) حول أن “الكاتب مُراقِب وملاحظ احترافي بطبعه” تضيف (بلاث):
 في اللحظة الراهنة، أشعر بالسعادة الشديدة، مستندة إلى طاولتي، ممعنة النظر إلى الأشجار العارية حول المنزل في الشارع المقابل. أريد دائمًا أن أكون مراقِبة، أريد أن تؤثر فيّ الحياة عميقًا لكن بدون أن تعميني عن رؤية وجودي في ضوء هزلي ساخر وأن أسخر من نفسي كما أسخر من الآخرين.
أخشى التقدم في السنّ، أخشى الزواج، أعفني من طبخ ثلاثة وجبات في اليوم، أعفني من سجن الروتين والتكرار القاسي.
وتكمل:
أريد أن أصبح حرة- حرة لأن أعرف الأشخاص وخلفياتهم- أن أتنقل إلى أجزاء مختلفة في العالم لأتعلم أن هنالك معايير وأخلاقيات غير تلك التي أنتمي إليها. أريد أن أصبح واسعة المعرفة، أعتقد أن بودّي تسمية نفسي “الفتاة التي أرادت أن تصبح إلها”. لكن، إن لم أكن في هذا الجسد أين يمكن أن أكون؟ ربّما من المقدّر لي أن أعيش مصنّفة ومؤهلة، لكني أحتج ضدّ ذلك! أنا قوية -لكن إلى أي مدى؟.
أحاول أن أضع نفسي مكان شخص آخر في بعض الأحيان وينتابني الرعب عند نجاحي في ذلك. كم هو فظيع أن أكون أي
شخص غير نفسي!
أحمل غرورًا رهيبًا. أحب جسدي، ووجهي، وأطرافي بتفانٍ غامر. أنا ملمّة بكوني “طويلة جدًا” و لدي أنف كبير، لكن رغم ذلك أظل أقف وأتزين أمام المرآة وأرى أكثر كم أنا جميلة. أقمت في دماغي صورة عن ذاتي -صورة جميلة ومثالية- أليست صورة خالية من العيوب – النفس الحقيقية؟ الكمال الحقيقي؟ أأنا أتوهم عندما تدس هذه الصورة نفسها بيني وبين المرآة التي لاترحم. (وحتى الآن أقوم بنظرة خاطفة على ماكتبته- يالحماقة ذلك، ياللمبالغة الدرامية.
تتسائل (بلاث) عما إذا كان سعيها للكمال سيثمر قائلة: “لن يحدث أبدًا، أبدًا أن أصل إلى الكمال الذي أطمح إليه بروحي. لوحاتي، قصائدي، حكاياتي، كلها انعكاسات ضعيفة”. وتتحدث عن خوفها من مواجهة سن النضج واتخاذ القرارات:
سيأتي وقت ما عليً فيه أن أواجه نفسي في نهاية الأمر. حتى في الوقت الحالي أخشى من اتخاذ القرارات العظمى التي تهدد حياتي. أي كلية؟ أي وظيفة؟ أنا خائفة أشعر بالحيرة. مالأفضل؟ ماذا أريد؟ لا أعلم. أحب الحرية. أستنكر القيود والتضييق. أنا لست حكيمة كما كنت أعتقد. أستطيع الآن رؤية الطرق المتاحة لأجلي -كما لو كنتُ في وادِ- ، لكن لا أستطيع رؤية النهاية ـ العواقب..
اه كم أحب الوقت الحالي بكل مخاوفي وشكوكي، لأني الآن لا أزال كما أنا، غير متشكلة كليًّا. للتو تبدأ حياتي. أنا قوية. أتوق لأن يصبح لدي سبب لأكرس كل طاقاتي لأجله…
ذلك السبب أصبح الكتابة. حسّ بالغرض جاء بشكل عفوي لبلاث. يتجلى هذا الغرض في واحدة من قصائدها المبكّرة كتبتها في ذات الوقت:
أنت تسألني لماذا أكتب طيلة عمري؟
هل أجد متعة في ذلك؟
هل تستحق العناء؟
والأهم، هل هي مربحة؟
إذا كان الجواب لا. هل هنالك سبب آخر؟أكتب فقط، لأن هنالك صوت ما
بداخلي لايكفّ.

وفي رسالة أخرى لوالدتها عام 1955 تعبّر فيها عن أهمية الكتابة في حياتها:
الكتابة هي الحب الأول في حياتي، عليّ أن أحيا بشكل جيّد، بترف، وفي مكان بعيد لكي أكتب. لن أصبح أبدًا كاتبة انطوائية كأغلب الأشخاص. لأن كتاباتي تعتمد كثيرًا على حياتي.
وفي شهر يوليو من عام 1956، تكتب (بلاث) لوالدتها في عمر الثالثة والعشرين خلال رحلتها إلى باريس مع زوجها (تيد) الذي قابلته خلال شهر فبراير وتزوجته في شهر يونيو:
كلانا ننسلخ برويّة من إرهاقنا العظيم، من الأحداث المدويّة خلال الشهر الفائت. وبعد حومنا في باريس نجلس، نكتب، نقرأ في تويليريس. كتب كلّ منا قصيدة جيدة، الأمر الضروري لرفع معنوياتنا الشخصية. ليست بتلك القصيدة أو الحكاية الرائعة ولكن على الأقل ساعات معدودة من الكتابة الصارمة في اليوم. شيء ما بداخل كلانا يحتاج إلى الكتابة لمدة طويلة يوميًا. وإلا لشعرنا بالبرودة تجاه الورق… نحن سعيدان حقًا حين نختلي بأنفسنا ونكتب نكتب نكتب. لم أعتقد يومًا أنني قد أنضج بهذه السرعة في حياتي حتى الآن. أظن أن السّر في ذلك هو أننا واقعين بشكل كلي في حب بعضنا البعض مما يجعل كتاباتنا خالية من كونها مجرد انعكاس للذات وإنما لوحة مؤثرة تعبر عن حياة الآخرين ومضيهم.

الشجاعة في أن تكون نفسك: كامينجز عن الفن و الحياة

eecummings_edwardweston

كتب الفيلسوف الألماني (نيتشة) عندما كان عمره ثلاثين سنةلا يستطيع أحد سواك أن يبني ذلك الجسر الذي تعبر فوقهأنت ولا أحد غيركنهر الحياة. و يقول الشاعر الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1995 (شيموس هيني) وهو يوجه المشورة إلى الشباب: الطريق الحقيقي و الأصيل يمرّ عبر التجارب مُشترطاً صدق المرء مع عزلته، و إخلاصه لخِبرته الذاتية.

كُلّ جيلٍ صاعد يعتقد أن عليه أن يُجابه ضغوطاً لم يسبق لها مثيل للأِمتِثال والإنِخراط في السياق الاجتماعي السائد. و أن عليه أن يُكافح أكثر من الأجيال السابقة ليحمي مَصدر نزاهته: خِبرته الذاتية. إلا أن هذا الإعتقاد نابعٌ من الغرور المُعتاد للثقافة التي لا تُبصر تحيّزاتِها الخاصّة، و تجهل نظائِرها في السياقات التاريخية. وفي الواقع فإن أغلب مايحدث حولنا هو إنعكاس للظروف التي خلقناها و نستمِر في تعزيزها عبر النظام الإعلامي الإيكولوجي الحالي؛ نظام بافلوفي من ردود الفعل الشرطيّة، حيث تُكافأ الآراء الشائِعة السطحية، وتُهاجم الأصوات المتفرِّدة مِن قِبل الغوغاء.

وقف قِلّة من الناس في وجه هذا الإكتساح الثقافي للفردية، ومن أكثرهم ثباتا و شجاعة إي. إي. كامينجز (1894 – 1962)؛ الفنان الذي لم يخش كونه متفرداً و لاتقليدياً. والذي وُصف مِن قِبل أحد أكثر كتّاب سيرته الذاتية دقّة بأنه كانيزدري الخوف، ويعيش حياته في تمردٍ على كلّ من يحاول أن يحكُمها.

في عنوان مقارب للكتاب الصغير الذي يضجّ بالحكمة للشاعر الألماني (رينير ماريه ريلكه) (رسائل إلى شاعر شاب)، نشرت صحيفة محليّة تصدر في ولاية ميشيغن نصّاً قصيراً لـ(كامينجز) بُعيد عيد ميلاده التاسع والخمسين تحت عنوان: نصيحة من شاعر إلى الطلاب. يُخاطب فيه أولئك الطامحين في أن يكونوا شعراءوبطبيعة الحال يتّسع المعنى ليضُمّ جميع الفنانين النابهين الذين يمتلكون الشجاعة لِحدس الحقيقة الإنسانية:

إن الشاعر هو امرؤٌ يتعمّق في المشاعر، ويطوّعها ليصوغها في كلمات.

وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو عملاً يسيراً، بيد أنه ليس كذلك.

فالكثير من الناسيُفكرأويعتقدأويعرفأنّه يشعُر، إلا أن ذلك كله ليس “شعوراً” في الحقيقة. وقرضُ الشعر في لبّه وصميمه خبرةٌ عميقة بالمشاعر، و ما أعنيه هو أنه ليس معرفة” و لا اعتقاد” ولا تفكير”.

و أي إنسان يمكنه أن يتعلّمكيف يُفكر، أوكيف يعتقد أوكيف يعرف، ولكن لا يُمكن لأيّ كان أن يتعلّمكيف يشعُر. تسائلني لماذا؟ لأنك حينتفكّرأوتعتقدأوتعرفتستبطِنُ آراء الآخرين: إلا أنه في اللّحظة التي تغمُرك بها المشاعر وتكوّن خبرة ذاتيه عميقة فلستَ أيّاً سوى نفسُك

و أن لا تكون سوى نفسك، في عالم يبذُل قُصارى جُهده ليلاً ونهاراً، لأن يجعل منك نسخةً مكررةً لمن حولك يعنى أن تجاهد أصعب معركة يخوضها -ولا يتوقف عن خوضها- المرء. 

لا يتحدّث (كامنجز) من فراغ، فقبل أربع سنوات و عقِب منحه الزمالة المرموقة لأكاديمية شعراء الولايات المتحدة الأمريكية، كان قد خاض معركة وتحمّل النقد القاسي الذي وجّه له من الشعراء التقليديين الذين طوقوه بالكراهية نظير شجاعته في كسر التقاليد و كونه في فنّه ”لا أحد سوى نفسهوهكذا بنظرة مُتفحّصة لتلك النزاهة الخلّاقة المنيعة، تعززها أخلاقيات عمل صارمة، يُضيف:

أمّا بالنسبة لأن تنظِم كلمات تعبّر بدقّة عن أعماقك – ولا أحد سواك – فإن ذلك يعني أن تبذل جهداً أكبر من أن يمكن تصوّره لأي شخص لا يُمارس قرض الشعر. تُسائلني لِماذا؟ لأنه لا أيسر من استعمال الكلمات المستهلكه. وهذا مانفعله جميعاً معظم الوقت و لا نكون شعراء حينها.

أمّا إذا وَجدت نفسك، بإنتهاء أوّل عشرة أو خمسة عشر عاماً من الكِفاح و العمل و الإستغراق في المشاعر، قد كتبت سطراً من قصيدة وحيدة، فإعلم أنك محظوظ جداً

وهكذا فإن نصيحتي لجميع الشباب الذين يرغبون في أن يُصبحوا شعراء هي: مارِِسوا عملاً أيسر مثلَتعلّم كيفية تفجير العالم، إلا إذا ماكنّتم متطلّعين – لا مجرّد مستعدّين –للإستغراق في المشاعر، و الكفاح والعمل حتى الموت.

هل يَبدو ذلك لكم مُغمّا؟  ليس كذلك.

إنّها أروع حياة على وجه الأرض.

على الأقلّ هذا ما أشعُر به.


[المصدر]

 

كي ميللر، الكتاب الذي يطارد أفكاره بينما يلعب “كاندي كراش”

2560

في الثاني من شهر يوليو 2016، نشر الشاعر الجاميكي (كي ميلر) مقالة في صحيفة (الغارديان) الشهيرة، ننقلها لكم بترجمة حصرية لدى ساقية. يقول (ميلر) في مقالته:

” لطالما حسدت الكتّاب الذين يعرفون أفضل الساعات بالنسبة لهم”

يبدو السؤال بسيطاً كفاية- كيف يبدو روتين يومي أثناء الكتابة؟

ثم ماذا؟

هناك وزن وثقل خلف هذا السؤال، هناك شيء يشبه القلق، شيء يكبر ويلتهم.

هل لدينا حتى أيام للكتابة؟

أنا لست متأكدا دائماً. أعمالي أو أدلتي الملموسة تقول أني أنجزت تسعة كتب على الأقل، خلال عشرة أعوام بالإضافة إلى المقالات والمراجعات والمدونات والمحاضرات. حتى انيّ أنجزت شبه دكتوراه غير عملية، شيء ما عن طريقة ممارسة الرسائل في جميع أنحاء منطقة البحر الكاريبي بين عامي 1900 و 2000.

عشر سنوات إذاً. (3652) يوماً. البعض منها – في الواقع، عدد كبير جداً منها – كان حتماً مخصصاً للكتابة . ولكنني حتى الآن لا يوجد لدي أي نمط، لا روتين، لا شكل واضح أستطيع أن أفكر بوصفه كيوم مثالي و خاص للكتابة.

بالنسبة لهم الأيام هي تلك الأشياء الرائعة – مقسمة على ساعاتهم ودقائقهم مثل شرائح سعادة من كعكة عيد الميلاد. هناك الكتاّب الذين يعرفون الساعات الأفضل لهم للكتابة – في الهدوء، في الصباح دون إزعاج، أو بعد الظهر عندما يكون كل شيء مستيقظاً بما في ذلك أفكارهم – بالإضافة إلى ساعاتهم التي تُحفظ لأمورهم الأخرى: تسلية حل الكلمات المتقاطعة، جولات المشي، استعادة الأطفال من المدرسة، النوم. أحسد حقاً هؤلاء الكتاب.

حتى الكتابة على فترات، عندما تأتيني، لا تأتي بدقة. يحدث ان تمتد عبر أيام، من العاشرة ليلاً إلى الخامسة صباحاً، لن أذهب إلى النوم إلا عندما أرى اشراق السماء, مصاحباً لذلك الصوت المفاجئ في رأسي, صوت التحذير لأمرأة الكاريبي القديمة: “لا تجعل غَدك يقبض عليك وأنتَ تنظر للأمس”

أذهب إلى النوم بعد ذلك، ولكنه نوم قلق، لأستيقظ بعد بضع ساعات في وقت لاحق للكتابة مرةً أخرى – نمط هذا اليوم الجديد سيختلف عن اليوم السابق. يمكن أن لا يكون لي حتى مساحة للكتابة. أحياناً في المنزل، أو في مكتبي على الكمبيوتر،  ومرات أخرى ستكون في السرير على لابتوبي المحمول، وأحياناً  في المقاهي، أو في صالات المطارات ذات مكبرات الصوت العالية.

عندما أكتب، أكتب بشراسة، ربما كتعويض عن العديد من أيام عدم الكتابة القادمة . هناك الكثير من الملهيات. وأستسلم لها جميعاً. وأود أن أقول لك أن لدي تسليات نبيلة مثل: مثل إعادة قراءة الكلاسيكيات، والبحث الدؤوب. ولكنني لستُ كذلك. كذبت عليك. أنا أنصرف عن الكتابة بسبب البرامج التلفزيونية السيئة لتلفزيون الولايات المتحدة الوطني، بسبب أهم الأخبار في الصحف الجامايكية في بلدي، وبسبب (كاندي كراش)! “يا إلهي إنني أعترف بذلك”.

بالمجمل أنا كاتب منتج, ولكن فقط معلومات الأنترنت تثبت ذلك, تسعة كتب حتى الآن. أما أنا فأستيقظ كل صباح وكأني مفزوع, وكأني أتأكد أن تلك المؤلفات ليست حلم, كما لو أني أذّكر نفسي كل مرة: “نعم. هذه حقيقة.. هذا ما أنجزته أنا !!”.

إذا لم تمتلئ معظم الأيام بالكتابة، فإنها ستمتلئ بالتفكير فيها – للتفكير في جمل لم تكتب بعد، لمحاولة  تذوقها على لساني، لمحاولة اكتشاف إيقاعها، توقفها وجريانها. أو سأقضي تلك الأيام الفارغة في مطاردة فكرة غريبة، ودائماً ما سأتخيل طريقة صيد الجمايكيين القدامى للخنازير البرية في الأدغال. أريد الإمساك بهذه الفكرة كطريدة، لانتزاع عنقها ثم خبطها على طاولة الكتابة مثل جراح مجنون، يبدو الأمر كما لو أني أتخيل كم من القصائد والقصص والمقالات ستخرج من أحشاء تلك الفكرة؟. في معظم الأيام لن أتمكن من أنتزاع أي شيء. معظم الأيام ستنزلق من يدي، سأشخر حينها بسعادة تحت الأشجار المظللة. سأذهب إلى الفراش معظم الليالي بخيبة أمل، ولكن سأقول للصوت خلف الأدغال أبتعد عني الآن.. وغداً.. غداً فقط سوف أمسك بك..

” أنا كاتب منتج – ذكرت لك ذلك في البداية- ولكني أعلم أني العكس، ولم أكن أبداً كاتباُ منضبط. أنا الكاتب الذي يعيش مع ثقل دائم وراءه.. شيء كبير ومزعج. وهو: القلق”.


[المصدر]

مارغريت دوراس، في الكتابة والكتب.

duras_feature_final

مارغريت دوراس (1914-1993) شاعرة وكاتبة وكاتبة مسرحية ومخرجة فرنسية. اشتهرت في فرنسا والعالم الفرنكفوني بالتنوع الأدبي والمعاصرة، كما كانت كاتبة للقصص القصيرة وسيناريوهات الأفلام وهي تعتبر من أهم الأدباء الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين.

في كتابها (أن تكتب؛ الروائي والكتابة)، تتحدث عن نفسها إذا كتبت، وعن الكتابة والكتب في إلماحة رائعة تقول فيها:

كتابتي تتم كل صباح، ولكن بغير توقيت مضبوط. اللهم لوقت المطبخ، إذ أعرف متى يلزم أن أتحرك، ومتى يغلي الإبريق، أو لتجنب احتراق. وكذلك الشأن مع الكتب. أقسم بهذا. لم أكذب في حياتي، قط. ولا في حياتي كذبت. اللهم على الرجال. أبداً لم أكذب. ويرجع السبب إلى تخويف أمي لي بحكاية الغولة التي تقتل الأطفال الكذابين.

تتابع حديثها قائلة:

أظن أن هذا ما نراه عبر الكتابة: إنها مفبركة، منظمة، مقننة، تكاد تصبح متطابقة. حيث الكاتب يقوم بوظيفة المراجعة، وإذن يغدو بمثابة شرطيه الشخصي. أعني بهذا البحث عن الشكل الحسن، أي الشكل السائد أكثر، الأشد وضوحاً والأقل هجومية. وما زالت هناك أجيال ميتة تصنع كتباً محتشمة، بل وبين الشباب أيضاً، ممن يضعون كتباً لطيفة، بدون أية امتدادات، بلا ليل ولا صمت، وبعبارة أخرى بلا قيمة حقيقية. كتب نهار، أسميها، لتزجية الوقت، وأثناء السفر، لكنها لا تنقش في التفكير أبداً وتقول الحداد الأسود لحياة بأكملها، والمدار المشترك لكل تفكير.

ثم تتحدث في موضع آخر:

لا أعرف ما هو الكتاب. لا أحد يعرف. لكننا نعلم أن هناك كتاباً. وحين لا يوجد شيء، نعرف ذلك معرفتنا أننا لم نمت بعد.

لكل كتاب, كما لكل كاتب معبر صعب، لا يمكن اجتنابه. وعليه أن يتخذ القرار بترك الخطأ في الكتاب ليبقى كتاباً حقيقياً، لا يكذب. أما الوحدة، فلا أعرف ماذا تمسي بعدئذ. ما أعتقد هو أن الوحدة تصبح بدهية، وعلى المدى البعيد تنقلب مبتذلة، وهذا جيد.

تتحدث أيضًا عن الجنون في الكتابة، فتقول:

ثمة جنون للكتابة في أنفسنا، جنون أحمق للكتابة، ولكن ليس من أجل هذا نكون في الجنون. على العكس.

الكتابة هي المجهول، فقبل أن نكتب لا نعرف شيئا عن ما نكتب. وهذا بيقظة تامة.

وهو مجهول ذاتنا، رأسنا وجسدنا. ليس ولا تفكيراً، فأن تكتب هو نوع من المقدرة لدينا إلى جانب شخصنا، ومواز له، لشخص آخر، يظهر ويتقدم, غير منفصم, موهوب الأفكار، بالغضب، وأحياناً معرض من تلقائه هو للهلاك.

لو كنا نعلم شيئا عن ما سنكتب، قبل الشروع، قبل الكتابة، فلن نكتب أبداً، فلا فائدة.

وختامًا، تقول (مارغريت):

أن تكتب، هو أن تحاول معرفة ما سنكتب لو كتبنا. لا نعرف ذلك إلا في ما بعد. قبل، هو السؤال الأكثر خطورة الذي يمكن طرحه، لكنه الأكثر جرياناً، أيضاً.

الكتابة تحصل كالهواء، هي عارية، هي الحبر، وتمر مثل أي شيء لا يمر في الحياة، لا أكثر، الحياة.