أرشيف الوسم: الكتاب

في ضرورة القراءة ومنافعها كما يتحدث رديارد كيبلنغ، مؤلف كتاب الأدغال

رديارد كيبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. كما ألف العديد من القصص القصيرة، منها الرجل الذي اصبح ملكاً 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.

من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرفقةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .

وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.

وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.

إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .

بقلم: أسماء النهدي
ترجمة: راضي النماصي
تحرير: وجدان الوعل

عن الفن والجمال

أوسكار وايلد

أوسكار وايلد (1854 – 1900) مؤلف مسرحي وروائي، وشاعر أنجليزي إيرلندي. احترف الكتابة بمختلف الأساليب خلال ثمانينات القرن التاسع عشر، وأصبح من أكثر كتاب المسرحيات شعبية في لندن، بدايات التسعينات من ذات القرن. أما في وقتنا الحاضر فقد عرف بمقولاته الحكيمة ورواياته وظروف سجنه التي تبعها موته في سن مبكر.

في مقدمة روايته الشهيرة (صورة دوراين جراي) والتي ترجمها (د. لويس عوض) كتب مقالة جميلة عن الفنون يقول فيها:

الفنان صانع الأشياء الجميلة.

غاية الفن أن يكشف عن نفسه، وأن يخفي شخصية الفنان.

الناقد من يترجم أثر الجمال في نفسه بلغة غير لغة الفنان، أو يصوغ من إحساسه به مادة غير مادة الفن.

وإن أعلى أنواع النقد لا يختلف عن أحطّها، في أنها جميعًا تراجم لحياة الناقد على نحو ما.

ومن يقرؤون معاني القبح في آيات الجمال هم السفهاء، ولا عذر لمن ضل سواء السبيل.

أما من يقرؤون معاني الجمال في آيات الجمال فهم الأصفياء؛ هم رجاء الإنسانية.

هم المختارون الذين لا يرون الجمال إلا جمالًا.

ليس بين الكتب كتب أخلاقية وكتب منافية للأخلاق، فالكتب إما جميلة التأليف وإما رديئة. تلك هي خلاصة القول.

ثورة القرن التاسع عشر على الأدب الواقعي هي ثورة (كاليبان) حين يرى وجهه في المرآة.

وثورة القرن التاسع عشر على الأدب الخيالي هي ثورة (كاليبان) حين لا يرى وجهه في المرآة.

الحياة الأخلاقية بعض مادة الفن. ولكن أخلاقية الفن تأتي من كمال التعبير رغم نقص أداة التعبير.

ما من فنان يريد إثبات وجهة نظر ما، الحقائق ذاتها لا يمكن إثباتها.

ما من فنان يتحيّز لمدرسة في الأخلاق معينة. والتحيز الأخلاقي لازمة في الأسلوب لا تغتفر.

ما من فنان يشتكي السقم أبدًا، الفنان يستطيع التعبير عن كل شيء في الحياة.

أداة الفن، الفكر واللغة. ومادة الفن، الفضيلة والرذيلة.

أرقى الفنون من ناحية القالب، الموسيقى. وأرقى الفنون من ناحية الشعور، التمثيل.

للفن ظاهر مكشوف، ورمز خبئ.

ومن يتجاوز الظاهر، يجازف بكل شيء.

ومن يفهم الرمز، يجازف بكل عزيز.

الفن ليس صورة الحياة، بل صورة المستعرض لموكب الحياة.

اختلاف الظنون في العمل الفني دليل على أن العمل جديد ومعقد ونابض بالحياة.

كلما اختلف النقاد، أحسّ الفنان بأنه أدّى واجبه.

في وسعنا أن نصفح عن صاحب الفن المفيد، إذا أدرك أن فنه ليس جميلًا ، والمبرر الأوحد لوجود الفن هو أن يأسرنا بجماله.

لا نفع في الفن إطلاقًا.

بورخيس في حديثه عن الشعر

خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، هو كاتب أرجنتيني. يُعد عَلمًا من كتاب القرن العشرين، وبرز أيضًا في الشعر والنقد. في خريف 1967، ألقى (بورخيس)  في جامعة (هارفارد) سلسلة مكونة من ست محاضرات عن الشعر، وخلال أكثر من ثلاثين عامًا، ظلّت هذه المحاضرات محفوظة على أشرطة ممغنطة في قبو صامت لإحدى المكتبات، منسيّة دون أن تجد طريقها إلى النشر، إلى أن رأت النور ضمن مطبوعات جامعة هارفارد عام 1970 مثبتة قيمتها الأدبية العالية، أن التأخر في النشر لا يعني دائمًا عدم الأهمية. فمحاضرات (بورخيس) ما زالت -في الأوساط الثقافية- تملك الأهمية ذاتها التي كانت لها حين ألقاها قبل أكثر من ثلاثة عقود.

جُمعت هذه المحاضرات في كتاب، ومن ثم ترجمت إلى عدة لغات، منها العربية. وحملت عنوان (صنعة الشعر)، حسب ترجمة الأستاذ (صالح علماني). في محاضرته الأولى، والتي تحدث فيها عن الشعر، ابتدأ حديثه بقوله:

والحقيقة أنه لا وجود لديّ لأي كشف أقدمه. لقد أمضيت حياتي وأنا أقرأ، وأحلل، وأكتب، أو أحاول أن أكتب، وأستمتع. وقد اكتشفت أن هذا الأمر الأخير هو الأهم.

فالمهم بالنسبة لـ(بورخيس) في القراءة هو الاستمتاع، ومن ثم يتحدث عن “الكتاب”، في محاولة لتعريفه، فيقول:

فما هو هذا الكتاب بذاته؟ الكتاب بشيء مادي في عالم أشياء مادية. إنه مجموعة رموز ميتة. وعندما يأتي القارئ المناسب، تظهر الكلمات إلى الحياة -أو بعبارة أدق-، يظهر الشعر الذي تخبئه الكلمات، لأن الكلمات وحدها ما هي إلا رموز محضة ، ونشهد عندئذ انبعاثًا للعالم.

فالقارئ الجيد، هو أيضًا جزء من معادلة الكتاب الجيد، عن تجربة
القراءة والتصوّرات التي تصاحبها يعلّق بورخيس:

أظن أن القراءة الأولى هي الحقيقية، وأننا في المرات التالية نخدع أنفسنا بالاعتقاد بأن الإحساس، الانطباع، يتكرر. ولكن، كما أقول، يمكن للأمر أن يكون محض وفاء، محض مصيدة من ذاكرتي، محض خلط بين عاطفتنا والعاطفة التي أحسسنا بها يومًا. وهكذا، يمكن القول إن الشعر هو، في كل مرة، تجربة جديدة. فكل مرة أقرأ فيها قصيدة ما، تحدث التجربة. وهذا هو الشعر.

ومن هنا، ينطلق في محاولة لتعريف الشعر، فيقول:

فإذا كان عليّ، على سبيل المثال، أن أُعرّف الشعر، وليس لدي الشعر كله، وكنت أشعر أنني غير متأكد، فإنني سأقول شيئًا من نوع: “الشعر هو التعبير عن الجمال بكلمات محبوكة بصورة فنية”. يمكن لهذا التعريف أن ينفع في معجم أو في كتاب تعليمي، أما نحن فيبدو لنا قليل الإقناع. فهناك شيء أكثر أهمية بكثير .. شيء لا يشجعنا فقط على مواصلة تجريب الشعر، وإنما الاستمتاع به كذلك والإحساس بأننا نعرف كل شيء عنه.

هذا يعني أننا نعرف ما هو الشعر. نعرف ذلك جيدًا إلى حد لا نستطيع معه تعريفه بكلمات أخرى، مثلما نحن عاجزون عن تعريف مذاق القهوة، واللون الأحمر أو الأصفر، أو معنى الغضب، الحب، الكراهية، الفجر، الغروب أو حب بلادنا. هذه الأشياء متجذرة فينا بحيث لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الرموز المشتركة التي نتداولها. وما حاجتنا إلى مزيد من الكلمات؟

هكذا ينهي بورخيس حديثه عن الشعر، بما لا تصفه الكلمات، ككل التجارب الإنسانيّة من حيث التفرّد، تُعاش ويُعجز عن وصفها.

أهمية الروايات والشعر عند يوسا

(ماريو باراغاس يوسا) من مواليد عام 1936، هو روائي وصحفي وسياسي بيروفي. يُعد واحدًا من أهم روائيي أمريكا اللاتينية وصحفييها، وأحد رواد كتّاب جيله، حاصل على جائزة نوبل للآداب في عام 2010، إضافة إلى العديد من الجوائز الأدبية، من أشهرها حصوله على جائزة ثيرفانتس للآداب عام 1994، والتي تعد أهم جائزة في الأدب الاسباني.

في حوار صحفي أقامته معه، الصحفية الشاعرة اللبنانية (جمانة حداد)، نشرته في كتابها (صحبة لصوص النار) بالإضافة إلى عدد من اللقاءات المميزة مع عدد من الكتّاب والروائيين، ننشر منه هنا جزءًا تناولت فيه أهمية الروايات والشعر:

ماذا تستطيع الكتابة؟

الكتابة تغيّر الحياة، تروّس الوعي، تدفع إلى التأمل. الكتب الجيدة التي قرأتها جعلت حياتي أفضل من دون شك. ولكن رغم اللذة الهائلة التي تمنحها القراءة، هي لا تجعل الإنسان أكثر سعادة، بل ربما أكثر عرضة للحزن والهشاشة في رأيي، لأنها تحوله أكثر حساسية. إن مجتمعًا مشبعًا بالأدب هو مجتمع أكثر غنىً وإبداعًا وحياة. ومن الصعب أن تتلاعب أي سلطة بمجتمع قارئ، وأن تخدعه، إذ يصبح الفكر النقدي فيه متطورًا للغاية. الرواية وسيلة تغيير فاعلة، شرط ألا تكون أداة ترويجية أيدولوجية أو سياسية أو دينية، بل أن تستخدم بجدية ونزاهة.

أنت تقول أيضًا أنها “أسلوب رائع للهو” صحيح؟

صحيح، هي ذلك أيضًا، إذ أنها تتيح لنا اكتشاف أسرار العالم واللغة بألذ طريقة ممكنة. الرواية تمنح الحياة بُعدًا استثنائيًا. إنها إما تعبير عن حياة لا نملكها ونحلم بها، أو عن الرواية الأشد حلكة ودناءة ومأتمية من التجربة الإنسانية. الرواية لا تروي الحقيقة، وإن أوهمت بذلك، فهي مملكة الخيال والفانتازيا والكذب.

وأين ترى الشعر؟

الشعر ضمير العالم. به نسير طبقات غامضة من الحياة ليست في متناول المعرفة العقلانية والذكاء المنطقي، أي هاويات التجربة التي لا يمكن أحدًا الانحناء عليها من دون أن يعرّض نفسه لأخطار جدية. لا يمكن الوصول إلى الشعر عن طريق العقل، وإنما عن طريق الحدس والباطن.

التأليف عند فرجينيا وولف

فيرجينيا وولف

تعد الكاتبة الإنجليزية (فرجينيا وولف) أحد أيقونات الأدب الحديث للقرن العشرين، كما اشتهرت أعمالها على مستوى العالم وتم ترجمتها إلى ما يزيد عن خمسين لغة.

ومن أهم أعمالها كتاب “غرفة تخص المرء وحدهفعلى صغر حجمه وبساطة رسالته، والتي كثيراً مّا اختزلت في جملة واحدة تقول: ” إذا أرادت امرأة الكتابة فيجب أن تكون لها غرفة، و دخل منتظم مهما كان ضئيلاً”. إلا أن تلك النتيجة البسيطة والتي تنطبق على كل مبدع أياً كان جنسه، تؤصّلها فرجينيا في حالة النساء بالذات تأصيلاً مرهفاً إلى أبعد حد، و بنفاذ بصيرة فائق عبر ما يزيد عن المائة صفحة، متملية متفحصة، وفي الأساس متسائلة، عن المعوقات والتوقعات والظروف الاجتماعية التاريخية التي أقعدت و أحبطت جهود النساء في إثبات ذواتهن و الإفصاح عن رؤيتهن للعالم.

لأن التأليف عملية دقيقة وعميقة كما تذكر فرجينيا وولف في كتابها:

… التأليف -بمعنى العمل الإبداعي- ليس حصاة تلقى على الأرض، مثل العلم ربما؛ إنما العمل الإبداعي مثله مثل خيوط العنكبوت؛ قد يكون اتصاله بالحياة بخفّة متناهية ولكنه متصل بها من كل ركن من أركانه الأربعة. و قد يكون اتصاله بالكاد محسوساً؛ فمسرحيات (شكسبير) على سبيل المثال تبدو وكأنها كاملة متكاملة في نفسها ولكن إذا جذبنا الخيوط عن جنب ورفعناها إلى أعلى ومزّقناها في المنتصف لتبيّن لنا أن تلك الخيوط العنكبوتية لم تغزلها مخلوقات بلا أجسام وتركتها معلقة في الهواء، و إنما هي من عمل بشر: تألّموا وارتبطوا بأشياء مادية ملموسة مثل الصحة والمال والبيوت التي نحيا فيها.

التأليف و التفسير عند غادامير

غادامير

نيّف عمر الفيلسوف الألماني (هانز جورج غادامير) على المائة (1900-2000م ). عاش الحربين العالميتين، وحقبة الاحتلال الأمريكي الروسي لألمانيا، وتفكّك بلدهِ إلى ألمانيتين عاش و عمل في كليهما، وشهد توحيدهما و انهيار جدار برلين. سافر في طول العالم و عرضه و درّس في أكثر من بلد و بأكثر من لغة و التقى جلّ أقطاب الفلسفة في القرن العشرين، وعمل أستاذاً للفلسفة و رئيساً لجامعة و مؤسساً لمؤتمرات فلسفية و لجماعات فكرية، فخلال قرن و ثلاث سنين لم يسأم تكاليف الفلسفة و الحياة و احتضنهما حتى آخر رمَق. إنه الشاهد المطلق كما قال (جاك دريدا) …”

* من مقدمة الترجمة العربية لكتاب (التلمذة الفلسفية) لـ(غادامير).

عقَد (غادامير) في كتابه: (تجلّي الجميل) فصلاً بعنوان: “التأليف و التفسير” قال فيه:

لطالما كان هناك توتّر بين حرفة الفنان و حرفة المفسّر. فالتفسير يبدو من وجهة نظر الفنان أمراً تعسّفياً و هوائياً، إن لم يكن بالفعل أمراً لا غناء فيه و هذا التوتر يبلغ مداه حينما يتم إجراء لتفسير باسم العلم و بروحه.

فالفنان المبدع يجد أنه من العسير تماماً أن نعتقد في إمكانية التغلب على كل صعوبات التفسير من خلال اتخاذ موقف علمي. و هكذا فإن مشكلة التأليف و التفسير تمثّل بالفعل حالة خاصة فيما يتعلّق بالصلة العامّة بين الفنان المبدع و المفسّر.

و طالما كان الشعر و التأليف الشعري هو موضوع اختمامنا، فليس بغريب في هذه الحالة أن نجد حرفة التفسير و حرفة الإبداع الفنّي متحدتين في شخص واحد بعينه.

وهذا يوحي بأن التأليف الشعري تكون له – أكثر من الفنون الأخرى – صلة حميمة بحرفة التفسير.

و حتى عندما نطالب باتخاذ موقف علمي في تفسيرنا، فإن هذه الحرفة لاتبدو أمراً مشكوكاً فيه حينما يتم تطبيقها في مجال الشعر، على نحو مانؤمن بذلك بوجه عام. فالموقف العلمي نادراً ما بدو على أنه يتجاوز ما يكون متضمناً في أية حالة يكون فيها اشتباك فكري مع الشعر. و لن يكون هذا الأمر مثيراً للدهشة. حينما نتأمل فقط إلى أي حد قد تخلل التأمل الفلسفي الشعر الحديث في هذا القرن. و لذلك فإن الصلة بين التأليف الشعري و التفسير, لم تنشأ فحسب اخل سياق العلم أو الفلسفة وحدهما.

و إنما هي أيضاً تمثّل مشكلة داخلية بالنسبة للتأليف الشعري نفسه، و للشاعر و للقارئ بالمثل.

و يطرح (غادامير) هنا تساؤلاً بقوله:

مالذي يُفسّر لنا هذه القرابة بين التأليف و التفسير؟

من الواضح أن هناك شيئاً مّا مشتركاً بينهما. فكلاً منهما يحدث في وسيط اللغة. ومع ذلك فإن هناك اختلافاً بينهما. ونحن نريد أن نعرف مدى عمقه. و لقد أظهر بول فاليري هذا الاختلاف بقوة بالغة فلغة  الحياة اليومية – شأن لغة العلم و الفلسفة – تشير إلى شيء مّا بخلاف ذاتها و تختفي وراءه. و في مقابل ذلك، فإن لغة الشعر تُظهر ذاتها حتي حينما تشير لدرجة أنها تبقى ماثلة بذاتها وفقاً لحسابها الخاص.

فاللغة العادية تشبه عملة نتاولها فيما بيننا عوضاً عن شيء مّا آخر، بينما اللغة الشعرية تكون أشبه بالذهب نفسه.

أما من ناحية وجهة نظر الأديب في ذلك فيقول (غادامير):

و من الظاهر أنه حتى الأديب الأكثر عداءً لدعاوى التفسير لا يمكن أن يخفق في رؤية الصلة المشتركة بين التأليف و التفسير. و هذا الأمر يظل صادقاً حتى إذا كان واعياً تماماً بالطبيعة الإشطاليّة لكل تفسير و لكل ذاتي شعري بوجه خاص، و معتقداً – على اتفاق مع إرنست ينجر – بأن “أي شخص يقدم شرحاً على عمله، إنما يحظ من قدر نفسه” .

ماهو التفسير إذن؟

إنه بالتأكيد ليس شيئاً مماثلاً للشرح الذي يستخدم التصوّرات. و إنما هو يشبه إلى حد كبير فهم و إيضاح شيء مّا. و مع ذلك فإن هناك الكثير مما يمكن أن نقوله عن التفسير فضلاً عن ذلك.

إن التفسير في معناه الأصلي يتضمّن الإشارة في اتّجاه معيّن.

و من المهم أن نلاحظ أن كل تفسير يشير في اتجاه مّا و ليس نحو نقطة نهاية أخيرة، بمعنى أنه يشير إلى مجال مفتوح يمكن أن يُملأ على أنحاء متنوّعة.

و يقول في العلاقة الكائنة بين نشاط التفسير و نشاط الإبداع الفنّي:

” إن الفن يتطلب تفسيراً بسبب غموضه الذي لا ينضب معينه. فهو لا يُمكن أن يُترجم على نحوٍ مُرضٍ بلغة المعرفة التصوّرية. و هذا يصدق على الشعر بالمثل … “

١٦ كتابًا غيّرت العالم عند روبرت داونز .. ما بين عالم الإنسان، ودنيا العلوم

Robert B. Downs - Wikipedia

روبرت داونز مؤلف أمريكي غزير الإنتاج، كان مدافعاً عن الحرية الفكرية وله مؤلفات ومنشورات تتعلق بموضوعات الرقابة على الأعمال الأدبية. في كتابه المُعنوَن بـ(كتب غيّرت العالم)، وصف ستة عشر كتاباً عظيماً غيّرت مجرى التاريخ‘ وقسّمه لقسمين:

١/ عالم الإنسان و الكتب، وأشار منها إلى:

٢/ دنيا العلوم والكتب، وأشار منها إلى:


يُبيّن داونز الغرض من مؤلفه في مقدمته بقوله: 

الغرض من هذا المؤلف هو توضيح القوة العاتية للكتب، عن طريق مناقشة أمثلة معيّنة. فأولاً، يجب التركيز على أنه ليس في نيتنا تقديم قائمة بأحسن الكتب أو أعظم الكتب، فإن عمل مثل هذه القوائم هواية محبوبة لتمضية الوقت انقاد الأدب والمؤلفون والناشرون ورجال التعليم وأمناء المكتبات، الذين تنحصر توصياتهم في العلوم الأدبية. أما الهدف منه فهو اكتشاف الكتب التي كان لها أعظم أثر عميق على التاريخ والاقتصاد والثقافة والفكر العلمي منذ عصر النهضة تقريباً إلى منتصف القرن العشرين.

ويقول :

“هناك خصائص معينة يشترك فيها معظم المؤلفين، تبدو واضحة، باستثناء علماء الطبيعة الذين تضمهم القائمة. والذين يكون التعليق أقل مناسبة لهم. فالكتب التي تضمها القائمة كتبها أشخاص غير تابعين للكنيسة وأشخاص متطرفون ومتعصبون لدينهم، وثوريّون ومثيرين للاضطرابات. وغالباً ماتكون كتب رديئة التأليف تعوزها المسحة الأدبية”.

أما عن سر نجاح هذه الكتب دون غيرها فيعزُوه إلى:

“… الزمن كان ملائماً وعلى استعداد تام لهم. حملت كتبهم رسالات، كانت في أغلب الأحوال عاطفيّة، يتوسّلون فيها إلى ملايين البشر. وفي بعض الأحيان كان النفوذ للخير، كما كان أحياناً أخرى للشّر. ومن الجليّ أن الكتب يمكن أن تكون قوى لكل من الخير والشر. على أية حال، ليس الغرض هنا قياس القيم الأخلاقية، بل لتوضيح أن الكتب أدوات أو أسلحة حركيّة و قوية”.

ذاكرة الكتابة عند أمير تاج السر

1_1029203_1_34

أمير تاج السر طبيب وروائي سوداني يمت بصلة قرابة وثيقة للأديب السوداني المشهور (الطيب صالح). نالت أعماله اهتماماً كبيراً في الأوساط الأدبية والنقدية، كما حققت شهرة عالمية، بعد ترجمة معظمها إلى الكثير من اللغات الحية منها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية. في كتابه (ضغط الكتابة وسكّرها) كتب مقالاً عن دور الذاكرة في عمليّة الكتابة فقال:

أعتقد أن من أهم الأشياء التي ينبغي على الكاتب أن يمتلكها، وهو يمضي في سكة الكتابة، خاصة من احترف كتابة الأعمال الواقعية، أو الرواية الممزوجة بالسيرة الذاتية بشكل أو بآخر: ذاكرته. تلك العصا السّحرية التي تمكنه من نبش الماضي بسهولة واستخراج ما يصلح لكتابته ومالا يصلح أيضاً من أجل تعديله وتنقيته وإدراجه في النصوص التي ينتجها. ولطالما كانت الذاكرة المدربة جيداً، مفتاحاً لا يُمكن الاستغناء عنه في كل كتابة ناجحة.

الذاكرة هنا لا تقتصر على حياة الكاتب فقط، أي ماعاشه من أيام مضت بخيرها أو بشرّها، ولكن أيضاً في استدعاء الخبرات التي اكتسبها بعد أن كبر، مثل روس اللغة والعلوم المتشعّبة التي تعلمها في المدارس، و قراءاته لمن سبقوه، و أثّروا في كتابته، و من انتقدوا أعماله واستفاد من نقدهم، وأيضاً من قرؤوا أعماله من القرّاء العاديين، و أدلوا برأي فيها، سلباً أو إيجاباً.

و يطرح هنا سؤالاً بقوله: هل بالضرورة تولَد الذاكرة القويّة مع كل مبدع، مثل موهبته؟

يجيب عن ذلك:

لا أعتقد ذلك، فالموهبة ثبت أنها تولد مع المبدع مع أول نفَس في الحياة، وترسم له الطريق بعد ذلك، هناك من يولد شاعراً ومن يولد رسّاماً ومن يولد كاتباً، و ماعليه سوى اتّباع المسار الذي رُسِم له، وتقوية خطواته بعد ذلك باكتساب المعارف التي تخصّ ذلك الطريق بعكس الذاكرة التي قد تكون شحيحة بعض الشيء، و لكن بكثير من التدريب، يُمكن تقوية حبالها لانتشال ماهو بعيد في الماضي، ويستحق عناء انتشاله، وقد ساهم عشق الشعر وحفظه وتداوله في الماضي لدى أجيال سابقة من المبدعين، في تقوية ذاكرتهم بشدة، كذلك أولئك الذين عاصروا زمن الكاتب أو الخلاوي بلغة أهل السودان، حيث يدرس القرآن ويحفظ بواسطة الشيوخ، اكتسبوا ذاكرات مدربة سترتهم كثيراً فيما بعد، وسدّت فقرات النسيان التي ربما كانت تتحاوم في ذاكرتهم وأعتقد أن كتاباً مثل (الأيام) لـ(طه حسين)، من تلك النماذج التي كتبت بذاكرة خصبة للغاية لم تنسَ أي تفاصيل كان من شأنها أن تُثري الكتابة …

و يمضي بقوله:

في قراءة متأنّية لما تصطاده الذاكرة الإنسانية عادةً، وتحتفظ به لاستدعائه عند الضرورة، استوقفتني السير الموجعة أكثر من تلك المفرحة، بمعنى أن ما يبقى طويلاً في الذاكرة هو ما آلَم صاحبها أو أحدَث صدمة بداخله، مثل معاصرته لحرب أهليّة أو مجاعة أو كارثة مّا، أو تعرّضه شخصياً لحادث طارئ، ويوجد في الطب النفسي ما يُسمى أعراض ما بعد الحادث، تلك التي تستعيدها الذاكرة مراراً ولاتملّ من استعادتها و غالباً في شكل كوابيس ليليّة، لذلك تجد مادة خصبة عند الكتّاب والشعراء الذين عاصروا الحروب العالميّة وتشرّدوا أو فقدوا أحبّاءهم بسببها، ومن عاشوا حروب أفريقيا الأهلية، والذين عاصروا نكبة فلسطين في بدايتها، وحرب العراق الحديثة وكل ذلك أنتج أدباً رفيع المسوى ليس في فنّياته بالضرورة، وإنما في غِنى الذاكرة التي دلَقته بعد ذلك. وكلنا يعرف ما كتبه شعراء مثل معين بسيسو وكتّاباً مثل إميل حبيبي عن الأزمة الفلسطينيّة.

ومن العوامل الأخرى في تدريب الذاكرة كما أعتقد مسألة الاغتراب، أي أن يُفارِق المبدع وطنه لفترة طويلة، هنا تأتي مسألة الحنين القويّ للوطن، مما يُوقِد الذاكرة بشدة، يجعلها تستدعي كل لحظة عاشها المبدع في الوطن، حتى لو كانت بلا معنى، مثل أن يتذكر طفولته في الحواري والأزقة، وسط أصدقاء يستدعي ملامحهم أيضًا، يتذكر حبه الأول لفتاة الجيران، ويتذكر أي سلوى عابرة يمكن أن تطفئ الحنين، هنا يعمل الكاتب بلا وعي منه، في تدريب ذاكرته باستمرار، وبالتالي يحتفظ بمفتاحه السرّي، جديداً ولامعاً، وجيداً لاستخدامه في أي كتابة يكتبها.

لقد تعرّض (ماركيز) لمسألة الحنين هذه في روايته: (الحب في زمن الكوليرا) ووصفها بأنها تملك أحاييل شرسة ومتنوّعة، لجرّ المغترب إلى وطنه، أضيف إلى (ماركيز) أنها تملك أيضاً مزيلاً للصّدأ عن الذاكرة، ورواية مثل (موسم الهجرة للشمال) لـ(الطيب صالح)، التي كتبها أثناء اغترابه في لندن، الذي استمر حتى وفاته، أعتقد جازماً أن الحنين أثّر فيها بشكل أو بآخر، وأوقد ذاكرة مبدعها لتخرج هكذا رواية خالدة وروايته (عرس الزين) أيضاً كانت عن شخصية عاصرها صغيراً’ وكتب تفاصيها كلها في مغتربه البعيد.

و من الوسائل الأخرى لتدريب الذاكرة التي ذكرها العزلة حيث قالها فيها:

العزلة أيضاً من وسائل التعليم الكبرى التي تدرّب ذاكرة المبدعين. العزلة بمعناها الجسدي والنفسي، أن ينعزل المبدع عن الخارج المحيط به، ويبدأ في تشييد عالم داخلي خاص به وليس ثمة صلة وصل بينه وبين الخارج، سوى الذاكرة التي تحصل على تدريب جيد بلا شك وتعتبر السجون من الأماكن التي تتيج العزلة بجدارة. و من قرأ أدب السجون بقرأ بجانب معاناة السجين اليومية، حصاد ذاكرته التي كانت تحلق في الماضي باستمرار، وتلتقط أنفاساً من الحرية تنفّس بها المبدع ذات يوم.

وأظن أن (صنع الله إبراهيم) من الذين كتبوا عزلة السجون بذاكرة مضيئة. وكذا أدباء آخرون من تونس و المغرب و سوريا.

الفنون والأعمال الأدبية عند ألبير كامو

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته كل ما يتعلق بالفنون والكتابة والأعمال الفنية، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه عن الفن:

الاعتراف ضرورة لمواجهة تأنيب الضمير، ينبغي الإقرار بذلك. ليس لدي الكثير لأقوله، سوى أنني لامست حياة الفقر، بين كل المتعجرفين والمتواضعين، لامست فعلًا  ما يبدو لي بأنه معنى الحياة الحقيقي. الفن بالنسبة لي ليس كل المعنى الحقيقي، ولكنه على الأقل وسيلة للوصول. [١٩٣٥]

 

فالفن هو وسيلة الوصول إلى المعرفة، وإلى معنى الحياة، كما يقول، وكما يؤكد ذلك في مقولة أخرى:

لا توجد معرفة نقية شاملة، أي نزيهة، مترفعة. الفن هو محاولة لمعرفة نقية، من خلال التفاصيل. [١٩٤٣]

فالفن إذًا يخلق معرفة كاملة للحياة من خلال تدعيم التفاصيل، حتى تتراكم مع بعضها البعض. يقول بعد ذلك:
والفنانون وحدهم هم المحسنون إلى هذا العالم. [١٩٤٣]
فمن مبررات الفن برأيه:
إن العمل الفني الحقيقي مُعينٌ على الصدق، إنه يعزز التواطؤ فيما بينهم. [١٩٤٤]
ومن هذا ينساق تعريفه للفنان، ووظيفته:
الفنان هو المكلف بالوعظ في عالمٍ ما عاد يؤمن بالخطيئة. وكما أن كلمات الكهنة كانت تستمد قوتها من وجود الأنموذج، فالفنان أيضًا يحاول أن يكون هو أنموذجًا. ولذا فتجده يُعدم تارة بالرصاص، أو يُرمى إلى معسكرات الاعتقال، وسط دهشته مما يحدث له. المعركة غير متكافئة، فالتعوّد على الفضيلة يستهلك وقتًا أكثر مما يستهلكه تعلم استخدام الأسلحة. [١٩٤٨]
ثم يصف العالم الحديث فيقول:
بعد القضاء على الجمال الطبيعي، وبعد ردم المساحات الشاسعة بالنفايات الصناعية، وُلدت الحضارة الصناعية، ووُلّدت الحاجات الاصطناعية وتم استحداثها. مما جعل الفقر وتحمله مستحيلين. [١٩٥٦]
ويقول في موضع آخر:
يحاول الفن الحديث أن يسترجع الغرض من وجوده، بعدما نسي الطبيعة. فهو الآن يعيد صناعة الطبيعة، وهو أمر ضروري لأنهم نسوها. عندما ينتهون من صناعة الطبيعة، قد تكون هناك سنوات فنية عظمى. [١٩٤٨]
أما الآن، فحتى المغامرين:
.. لديهم شعور واضح بأنه لا يوجد ما يمكن تقديمه للفن. لا شيء عظيم أو جديد ممكن، في ثقافة الغرب هذه على الأقل. لم يتبقَ سوى التطبيق. لكن أولئك المتمتعين بأرواح عظيمة لن يشاركوا في هذا التطبيق إلا بيأس. [١٩٣٥]
ويقول أيضًا:
إن هدف العمل الأدبي هو خلق الأشكال لكل ما لا يملك شكلًا. لا وجود للإبداع في ذلك، وإنما هو تصحيح للمفاهيم. من هنا تكمن أهمية الشكل. [١٩٤٧]
بما أننا لا نفكر إلا من خلال الصور، فإذا أردت أن تكون فيلسوفًا، فاكتب رواية. [١٩٣٥]
أن تكتب هو أن تفقد الاهتمام. الفن هو نوعٌ من التخلّي. [١٩٣٥]
 ثم يورد بعد ذلك بعضًا من النصائح للفنانين والكُتّاب. فيقول مثلًا:
إن أول ما على الكاتب تعمله، هو فن نقل وتحويل ما يشعره، إلى ما يريد الإشعار به. في المرات الأولى، قد ينجح ذلك مصادفةً، ولكن بعد ذلك ينبغي على الموهبة أن تحل محل المصادفة. هناك شيء من الحظ في أصل النبوغ. [١٩٤٢]
ويقول ناصحًا في موضع آخر:
كريهٌ هو الكاتب الذي يحكي ويستغل ما لم يعِش أبدًا. لا أقول بأن القاتل هو أفضل من يحكي عن الجريمة (بالرغم من أن ذلك قد يكون صحيحًا). ينبغي تصوّر مسافة ما بين الخلق والفعل. فالفنان الحقيقي يقف في منتصف المسافة بين مخيلته وأفعاله. وهو القادر على أن يكون هو ما يصف، وأن يعيش ما يكتب. الفعل وحده هو ما يُحِدّه، وقد يكون هو الفاعل أحيانًا. [١٩٤٢]
ويقول أيضًا:
لا يموت الأدب بشدة توجيهه لخدمة الأفكار، وإنما لانقطاعه عن الآداب الأخرى، فكل فنان لا يكون منفتحًا على ما سبقه، هو فنان مقطوع. [١٩٥٤]
أما نصيحته الذهبية فتقول:
لكي نكتب، علينا أن نرضى بالقليل من التعبيرات. الثرثرة ممنوعة في جميع الأحوال. [١٩٣٨]
يشرح ذلك فيقول:
التحفة الفنية الحقيقية هي التي تقول الأقل. توجد علاقة ما بين التجربة العامة للفنان (فكره وحياته)، والعمل الذي يعكس هذه التجربة. ستكون هذه العلاقة سيئة إذا ما قام العمل الفني بنقل كامل التجربة، مع تذييلها بشيء من الأدب. وستكون في حالٍ جيدة إذا ما كان العمل الفني مقتطع من التجربة، كمثل الألماس نختصره في بريقه. في الحالة الأولى، هناك حشو وأدب. أما الثانية فهي عمل مثمر بسبب الدلالة الضمنية الكاملة لتجربة نحرز ثراءها.
المسألة هي اكتساب معرفة التصرف التي تتخطى القدرة على الكتابة. وفي النهاية، الفنان العظيم هو قبل كل شيء محب للحياة متمتع بالعيش. [١٩٣٨]
ويقسم بذلك الأعمل الأدبية إلى قسمين:
التوفيق بين العمل الأدبي الذي يصف والعمل الأدبي الذي يشرح. منح الوصف معناه الحقيقي. حين يكون وحده، يكون الوصف رائعًا لكنه لا يحصد شيئًا. يكفي إذًا أن نلمح إلى أن حدودنا موضوعة عمدًا، هكذا تختفي ويظهر العمل. [١٩٣٩]
ويقول عن الحكمة في الفن التشكيلي:
الفن التشكيلي يختار. إنه يعزل وهذه هي طريقته الوحيدة في التوحيد. المنظر يعزل في الفضاء، ما يضيع بشكل طبيعي في المنظور. فرسم المناظر يعزل في الزمن، الحركة التي تضيع عادة في حركة أخرى. الرسامون الكبار هم الذين يعطون الانطباع بأن المنظر قد جُمد لتوه، كما لو أن أداة عرض العرض قد توقفت بشكل لحظي. [١٩٤٧]
وباختصار:
في الفن، لا ينبغي الخوف أبدًا من المبالغة .. إنما على المبالغة أن تكون مستمرة. متناسقة مع بعضها. [١٩٤٢]
ولكن، ماذا عن مقولته بأن: “الفنان العظيم هو قبل كل شيء محب للحياة متمتع بالعيش” ؟ يقول:
إن مضاعفة السعادة في حياة إنسان هي إطالة المأساوي في شهادته. على التحفة الفنية المأساوية فعلًا  (إذا ما اعتبرناها شهادة فعلًا) أن تكون نتاج الإنسان السعيد. ذلك يعني أن الموت هو ما سيملي هذه التحفة الفنية بأكملها. [١٩٣٨]
كل هذا لا يتعارض إذا ما شرحه بقولته:
الفنان التراجيدي ليس متشائمًا. فهو يتقبل كل ما هو إشكالي وفظيع. [١٩٣٩]
ويقول أيضًا:
يخضع المبدع بشكل أساسي للمتعة. [١٩٥٤]
ويحكي قصة أخيرة في الختام:
ذهب فنان تشكيلي إلى بورت – كروس لكي يرسم. كل شيء هناك فائق الجمال لدرجة أنه اشترى منزلًا، وضع لوحاته جانبًا، وما عاد مسّها. [١٩٣٩]
وختامًا ؛ يقول (ألبير كامو):
الجمال هو الحرية الكاملة. [١٩٥٤]