أرشيف الوسم: الكتب

سلافوي جيجك: الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها

 الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها –

حوار مع الفيلسوف الشهير سلافوي جيجك

ترجمة: حسن الحجيلي

 

إذن بروفسور جيجك …

لا تناديني بروفسور إذا كنت لا تريدني أن اقتلك لأني اشعر بالإنزعاج عندما ينادوني بكلمة “بروفسور”، ويقولون: أين هو البروفسور؟ لدي مشكلة مع إستخدام الألقاب الرسمية، وهلم جراً. وعندما يناديني أحدهم بروفسور أستقبلها كنوعٍ من السخرية، ولستُ فخوراً بها…

الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها؛ أنت لست مجرد فيلسوف ولكن على غير المعتاد فيلسوف شهير؟ هل الشهرة ضرورة؟

في البداية، مفهوم الشهرة نسبي، وكما تعلم لدي العديد من الأعداء؛ يعتقد بعضهم أني مجرد مهرج، و يعتقد البعض الآخر أنَّ خلف طبيعتي المسلية داعي للفاشية أو شخص ذا أبعاد ستالينية، وهلم جراً.

إذن؛ ما يسمى شهرة هو مجرد وسيلة لإبقائي بعيداً عن التعمق بجدية في الاعمال التي أقدمها، وأنا فخور حقاً بكتابي “أقل من لا شيء”، الكتاب المجنون والذي يتساوى في عدد صفحاته مع “الإنجيل المقدس”، وهو كتاب معروف وقد بيع منه نسخاً كثيرة جداً، فكل ذلك يعطيني الأمل بأن لا نقلل من شأن عامة الناس .

مؤخراً، تعرضت للضغوط من مؤسسات لنشر الكتب لأجل أن اقوم بتأليف كتاب مسلي من فئة الأكثر مبيعاً عن دونالد ترامب، ولكن لماذا ينبغي علي تأليف ذلك؟ لا أعتقد أن ترامب مثيراً للإهتمام بل هو أحمقٌ مُمل.

 

هل أنت قلق حول كتبك تصبح زينة فوق طاولات القهوة؟ أنت تعلم، الناس يشترونها ولكن في الواقع لا يقرؤونها؟

بالطبع أنا قلق، ولكن ليست الكتب التي توضع فوق طاولات القهوة وحدها لا تقرأ، خذ معها كتب الأكثر مبيعاً، والكتب الكلاسيكية أيضاً، الناس تشتريها ولكن لا أحد يقرأها.

و على سبيل المثال انظر كتاب جون رولز بعنوان “نظرية العدالة”؛ اعرف شخصياً مؤلفين من نيويورك قاموا بتألف كُتباً عن “نظرية العدالة”، و اعترفوا لي على انفراد وفي لقاءات خاصة أنهم لم يقرؤوه، و لا اختلف معهم لأن أسلوب جون رولز في الكتابة يمكن اختصاره داخل  50 صفحة ولن تفقد من مضمونه شيئاً.

وكل ذلك يقودني لبعض الشكوك المشابهة حول هيجل و مؤلفاته عن “المنطق”، فأنا اشك أن الناس قرؤوها، ولسببٍ ما أعتقد أنه لا يهم حتى وإن لم يقرؤوها.

ويوجد كتاب رائع لمؤلف فرنسي إسمه بيير بايارد، بعنوان “كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها؟”، المؤلف يأخذ موضوع عدم قراءة الكتب بجدية وبالجدية الفرنسية الصارمة، وليس بأسلوب هزلي ساخر، فيقول: إنَ أفضل الكتب التي تناقش مؤلفين آخرين تم تأليفها من أناس لم يقرأوهم بشكلٍ كاملٍ، ويضيف أيضاً: عندما تتحدث عن كتاب لم تقرأه يجب أن تقوم بالتركيز على جزئية واحدة، ثم تترك هذه الجزئية الوحيدة تصبغ إنطباعك الكُلي حول الكتاب.

وهو بالطبع صادق، لأن تلك هي الكيفية الوحيدة لتقديم شيء جديد، وذلك عبر المفارقة الفلسفية التي تقول: لا تحتاج لتقرأهُ كلهُ إن كنت تعرف الكثير منه و إلا ستشوش القراءة أفكارك التي تعرفها.

 

ولكن الناس يشترون كتبك ولا يقرأونها، فهل بالرغم من ذلك تعتبرها علامة جيدة على إهتمامهم بالفلسفة؟

نعم، أمنيتي السرية أنَّ هناك فئات متعددة من القراء ومنهم القراء الذين لا يبحثون داخل كتبي عن النكت فقط.

فبعد السلسلة الفلسفية من الكتب التي ألفتها مؤخراً، والأكثر فلسفية، كتاب بعنوان: “الإرتداد المطلق” والذي إن كنت تسألني تحت تهديد خطر الموت – وآسف لقول هذا – هو أفضل كتاب من بين الكتب التي ألفتها على الإطلاق، لأن بسببه استقبلت رسائل كراهية عبر الإيميل، ومنها رسائل تشكوى: “أين النكت؟”.

بعيداً عن النكت البذيئة التي اقولها؛ يتهمني البعض أني مجرد فيلسوف تقليدي جداً! وهم صادقين بعض الشيء لأني استخدم فلسفة جاك لاكان كأداة صارمة لإعادة تأويل فلسفة هيجل.

وأكبر حدث في تاريخ الفلسفة هو الانتقال من كانط إلى هيجل.

 

مالذي يجب على الفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ أو مالذي يمكن للفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ وهل كان هيجل علامة فارقة ذا أهمية؟

قطعاً بالتأكيد. اليوم ربما ليس الوقت المناسب لتغيير العالم ولكن بدلاً عن ذلك يجب أن نخطو عودةً للخلف، ونتأمل. فكل ما نحتاجه اليوم هو الإنتقال من مادية ماركس إلى مادية هيجل لأنها أكثر حصافة ودقة.

هل تعرف من هو هيجل الذي يعجبني؟ هيجل الذي يقول في مقدمة كتابه: “إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله”، و تعطي هذه المقولة البسيطة انطباعاً خاطئاً أن هيجل كان محافظاً في “فلسفة الحق”، و بطريقةٍ ما فهو يدعوا إلى الفاشية داخل المجتمع، لأنه كتب ما معناه أن أي نظام تاريخي محدد لا يمكن فهمه إلا بعد أن ينتهي وقته، فهل تعتقد أن هيجل مغفلاً ولا يعرف أن نفس الوصف من الممكن أن ينطبق على كتابه “فلسفة الحق”؟ هيجل لا يرسم نظاماً ويفرضه كشكل إجتماعي محدد، بل يرسم حالة اجتماعية تُشكل نفسها بعد أن تجاوزها الزمن بوعيٍ تام. وحالنا اليوم يشبه فلسفة هيجل تماماً وأكثر بكثير من فلسفة ماركس.

ماركس يؤمن وبقليل من الغائية أن الظرفية الاجتماعية تتطلب ثورة بروليتارية كضرورة حاسمة،  ومهمتها إصلاح البشرية جمعاء. لكن بالمقابل تُفهم الظرفية الاجتماعية عند هيجل على اعتبار انها نهج ما بعد الثورة. فخذ على سبيل المثال الثورة الفرنسية التي أخفقت، وتطورت بطريقةٍ ما لتصبح شيئاً بعيداً عن الصواب، ولكن هيجل قام بإعادة تأويلها.

الإشكالية العصية التي تطرحها أفكار هيجل هي أن لا تقول أن الثورة الفرنسية مجرد هراء، ولكن يجب عبر كيفية خاصة أن نحافظ عليها كإرث تاريخي بشري حي بغض النظر عن النتائج الكارثية التي آلت إليها الثورة. وأتصور أن وقتنا الحالي مشابه جداً لتلك المرحلة؛ فالقرن العشرين فشل في محاولات التحرر من الراديكالية السياسية.

ويجب أن نتخلى عن الإستعارات المجازية الماركسية مثل أننا اليوم نقود قطار التاريخ البشري. فالماركسيون يحبون أن يقولون حتى وإن كانت الأيام مظلمة؛ فبالإمكان رؤية النور آخر النفق. وأنا أقول بقليل من السخرية: ” نعم إنه نور قطار آخر يتجه نحونا”.

إذن هذا حالنا اليوم، وهيجل يعرفه، حالنا مكشوف؛ لا نستطيع عمل أي خُطط لتغيير العالم.

 

ولكن النور معنى مجازي، وقد يعني أي شيء، ولايعني بالضرورة قطاراً آخراً؟ هل من الممكن أن يكون النور هو نهاية النفق؟

نعم مجازي. و بسبب ذلك يجب علينا أن نتخلى عن الأوهام والآمال الزائفة.

حتى الجناح اليساري اليوم، في معظمه هو يسارية فوكويامية. فيعتقدون جوهرياً إن الليبرالية الديموقراطية وأجزاء من الرأسمالية هما اللاعبان الرئيسي والوحيد في العالم، و يحاولون أن يجعلون اليسار أفضل بمزيد من التضامن الاجتماعي والوحدة الاجتماعية و التآمين الصحي وزاج المثليين….الخ.

وجوابي على فوكوياما: حسناً لنقل أنك على صواب، وان الرأسمالية انتصرت، أليس من السخرية أن أغلب قادات الرأسمالية العالمية هم شيوعيون يمتلكون القوة. لذا يجب علينا أن نتفق في أن إدارة الأمور بطريقة القرن العشرين قد انتهت.

 

ألا تعتقد أن هذا يقودنا إلى إشكالية اصطلاحية؟ عندما تقول “الرأسمالية يقودها شيوعيون يمتلكون القوة”، مالذي تقصده بالرأسمالية؟ الرأسمالية لها صيغ وأشكال متعددة، والشيوعيون الذين يقودون الرأسمالية بالتأكيد ليسوا شيوعيين حتى إن ادعوا ذلك.

على أي مقدار أنا شيوعي؟ بقدرٍ محدود للغاية. و ألسنا كلنا شهود اليوم على تهكم عظيم؟ فما تبقى من اليسار عاجز عن تقديم نموذج عالمي بديل وملائم. واتذَكر عندما كنت جزء من الحركة الاجتماعية “احتلوا وول ستريت”، وكنت مع المعارضين في نيويورك أسأل الحشود أسئلة حمقاء مثل: “مالغاية التي تريدون الوصول إليها؟” وطبعاً لم يعطوني جواباً وحداً لأنهم أصلاً لايعرفون ماذا يريدون. فاليسار اليوم يتجه نحو الأخلاق الاجتماعية كأجوبة بسبب الإفراط في التركيز على مفاهيم مثل الصواب السياسي، وهلم جراً.

المشكلة هي أن المعارضين لا يعرفون ماذا يريدون وبلا هدف واضح من ناحية، ومن ناحية آخرى أليست كل العلامات التي من حولنا تدل على أن الرأسمالية التي نعرفها، تقترب من النهاية؟ انظر  إلى المشكلة الايكولوجية “البيئية”، من الواضح أن الرأسمالية عبر سن الأنطمة والضرائب لم تستطع تقديم حلولاً كافية. وانظر الى الرأسمالية الخيالية، وكيف يسوقون لها الناس. وعندك أيضاً مشكة المهاجرين، اذا سألتني، أعتقد أن الرأسمالية تنهار. وعند وقوع كوارث كبيرة نحتاج لحلول أكبر، يستطيع أن يحتويها.

و انظر الى مشكلة الجينات الحيوية والتي ستغير في كينونة الإنسان الحي؛ بالإمكان أن تتصل أدمغتنا مباشرةً بأجهزتنا الكمبيوترية. والنتيجة الحزينة الوحيدة، والتي كنتُ ولازلت أحذر منها هي نموذج الدولة المثالية؛ الدولة المفتوحة تماماً للسوق العالمي، ولكن في نفس الوقت مبنية على آيديولوجية التمركز العرقي، بالتركيز على ثقافتها الخاصة فقط، وهذا ما يقوم به ترامب، وجميع الحكام الدكتاتوريين، والصين، والهند، وحتى بوتين يلعب نفس هذه اللعبة. فالعالم يتجه نحو نهج دولي جدي عبر الانفتاح على السوق العالمي الحر، وبالمقابل،كقاعدة أساسية الإنغلاق على الذات وعدم قبول الآخر. وهذا شيئٌ محرنٌ جداً.

ونعود الآن لسؤلك: لماذا الشيوعية؟ أتصور جميع المشاكل التي سردتها هي في نهاية المطاف كما يصفها، كارل ماركس ب “العموميات”، والمقصود وجود بعض الأجزاء العامة والمشتركة بين الجميع، والتي لا يمكن خصخصتها وتركها للسوق. فالايكولوجيا “علم البيئة” جزء من حياتنا الطبيعية المشتركة، وإلى أي مقدار  يمكننا التلاعب فيه؟ وعندك أيضاً الملكية الفكرية هي من مشاكلنا العمومية، ومعها أيضاَ مشاكل الجينات الحيوية. وبهذا المعنى أضعها بشكل ساخر، وأقول : “اليوم الشيوعية ليست الحل، ولكنها إسم المشكلة”. لذا يجب علينا أن نجد حلاً بمستوى عمق مشاكلنا؛ أي نتعامل مع مشاكلنا العمومية خارج نطاق متطلبات علاقات السوق العالمي.

صديقي بيتر سلوتردايك، عبر كتابه بعنوان ” ماذا حدث في القرن العشرين؟” قدمَ نفس الإستنتاج، بانتهاء حقبة الدولة القومية التي تكون أسمى قيمها الأخلاقية العليا مبنية على ” هل أنت جاهر للتضحية لأجل وطنك؟”. فنحن بحاجة إلى نماذج فعاله للخروج من حدود الوطنية القُطرية كطريقة ناجعة لحل مشاكلنا مثل مشكلة الجينات الحيوية.

على الرغم من كوني ماركسي جيد إلا أنني لست ضد الرأسمالية بالمطلق، لأنها النظام الأكثر ديناميكية في تاريخ البشرية. وأيضاً أرفض قطعاً الإعتماد على المفاهيم القديمة التقليدية لمحاربة الرأسمالية العالمية، بل يجب أن نحاربها بمفاهيمنا الخاصة عبر رؤية عالمية جديدة. ونقطتي التي أود أن أقولها يجب علينا عبر ممارسة الرأسمالية أن نتجاوزها، ونتخطاها، ولا أقول أريد طوبائية “حياة مثالية” وأكثر، ولكن أقول من الواضح أن الرأسمالية تقترب من أزمة كبرى، والسبب عدم قدرتها مواجهة مشاكلنا العمومية مثل المشكلة الايكولوجية، وهلم جراً.

أنا هنا متشائم الى حدٍ ما، بمعنى أن الرأسمالية عاجزة عن حل مشاكلنا عبر مفاهيمها الخاصة. وأيضاً أجد خوف الناس من البطالة بسبب العولمة غير عقلاني، أقول لهم: ليس صحيح لأن زيادة البطالة بسبب العولمة هي أفضل خيار تاريخي حصلنا عليه. لأن حان الوقت أن نقول: “عظيم! الأن سنعمل أقل”، ولكن الإفتراض التلقائي جواباُ على البطالة في انها كارثة.

 

هل تقول أنه لا توجد فعلياً ثورات سياسية مُحكمة السيطرة والتخطيط؟

نعم، هذا تصور هيجلي؛ لا توجد ثورات محكمة التخطيط. وماركس كان يقول أن الثورة البروليتارية عملاً يفهمه بوضوح الذوات التي تقوم به، ويحقق تطلعاتهم. وفي مرحلة ما من التاريخ الطبقة العاملة (بقيادة لينين) كانت تعرف بوضوح المواضيع التي تريد تحقيقها، وعملوا الثورة، ولكن النتيجة لم تكن عن غاية مخططة فلم تعبر بصدق عن المجتمع، بل وقعت في نفس الجدلية التاريخية التي سبق أن وقع بمثلها في مرحلة سابقة من التاريخ.

في كتابي الجديد “شهوانية الباطل: عُقد الفلسفة الإقتصادية”، أسأل عن معدلات الموت في الأنظمة الشيوعية. لا أحارب فقط ضد صدق وشفافية الثورات ولكن أحارب أيضاً ضد الرؤى التي بطريقة أو بأخرى ستكون محل تمجيد في المجتمعات الشيوعية. فأنا أقول فقط، ولكن من الذي يعرف؟ ربما الأوضاع ستكون أسوأ. وحتى بدون تنميط الماركسية بصورة مخادعة يجب علينا فهم مصطلح “الكثافة التاريخية”. افذا كانت جميع القوانين الاجتماعية تفتقر للشفافية الصادقة، سينتج عنها مجتمع جديد مطابق لها تماماً آي أنه في الأساس مجتمعاً لا يعرف مالذي سيقدمه.

 

أنت أشرت سابقاً إلى الصواب السياسي، هل تعتقد أنه مشكلة؟

لدي بعض الشكوك حول مفهوم “الصواب السياسي”، فأتفق مع أهدافها، وعدم الإهانة، وعدم الذل، وصمودها ضد القوة الاجتماعية، ولكن فكر في شخصية الإنسان “الكائن الحي” الذي يؤمن بالصواب السياسي، سيعيش في هووس بين قلق الإيذاء الشائع و بين كثرة ضحاياه لدرجة أصبحنا فيها دائماً مهددين في كل ما نفعله. واذا نظرت الآن إلى عينيكِ لمدة ثانيتين، قد تُعتبر نظرة طويلة، وتصبح تحت مفهوم “الصواب السياسي” جريمة إغتصاب بصري. بالتالي خلف الصواب السياسي رؤية حزينة ” أننا جميعاً من المحتمل أن نكون ضحايا”.

 

أليس الصواب السياسي في مجمله هو ضبط اللغة باستخدام ألفاظ لبقة للتعبير عن ذواتنا بغض النظر عن التعصب الموجود بداخلنا؟

نعم لكن تطبيقها يُخفق، فأفضل خطوة للوقوف خلف العنصرية ليس بتغيير اللغة، ولكن بإستخدام نفس اللغة بطريقة ساخرة لاعنصرية بسبب اعتقادي بإستحالة التواصل مع بعضنا بلا قليل من البذاءة.

 

كنت أتساءل هل تتصور بالإمكان وضع سؤلاً فلسفياً واحداً تحديداً اليوم ليكون بارزاً؟

من الممكن وضع سؤلاً حول طبقات المظهر الخارجي (الشكل)، وهي مسألة مؤلوفة، وحتى كانط ناقشها كثيراً: ” هل كل الذي حولنا يحدد مظهرنا الخارجي؟ هل بالإمكان تجاوز المظهر الخارجي ولمس الجوهر بواقعية كما هو؟”، بالمقابل عظمة هيجل تكمن في التعامل مع هذه المسألة بشكل عكسي، بالقول: “كيف يظهر الجوهر الداخلي بواقعية وصدق عبر المظهر الخارجي كما هو؟”، لأن المظهر الخارجي يعني فجوة مريعة. فالأشياء ليست هي فقط مظهرها خارجي، بل هي ماتظهره لذواتها داخلياً. وأنا هنا هيجلي تماماً، وأؤمن بوحدة المظهر والجوهر، و وجوب تبادل الحد الأدنى من الانعكاسية بين المظهر والمطلق الكلي.

وبالنسبة لي تعلمت من الفيزياء الكمية أن المظهر مجرد مادة، ويمكن قياس مقدار حجمها بمقدار ظهورها، والظهور يعكس الماهية؛ جوهرها.

 

نحن الأن نقترب من نهاية المقابلة، ولكن قد يتساءل قرائنا، من بين كل الكتب التي قمت بتأليفها؛ ما هي الكتب التي يتوجب علينا قرائتها؟

من كتبي أتصور كتاب “حدث: فلسفة العبور”، وإن كنت تمتلك الطاقة الكافية فأنصح بكتاب “الإرتداد المطلق”.

وأيضاً بالطبع يوجد عندك الفلاسفة العظماء الثلاثة بالنسبي لي وهم: أفلاطون، و ديكارت، و هيجل، ولماذا؟ لأن كل واحداً منهم قدم فلسفة تتوارثها الأجيال. أو كما قال ألفريد نورث وايتهيد : ” أليس تاريخ الفسلفة في جُله هو تاريخ نقد أفلاطون؟”، ومن بعده يأتي ديكارت؛ فالجميع يريد التخلص من ديكارت، وفي القرن التاسع عشر كانوا جميعاً يرغبون في التخلص من هيجل. هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، هم فلاسفة “الحدث”.

*    أجزاء من حوار في مجلة “الفلسفة اليوم” العدد 122، نُشر بتاريخ أكتوبر2017

حاور سلافوي جيجك، آنجا سينباوز، في لندن كافية..

حسن مدن، والكتابة بحبر أسود

138042462039247

 

د. حسن مدن، من مواليد البحرين 1956، حاصل على دكتوراه فلسفة في التاريخ الحديث والمعاصر، صدرت له عدة مؤلفات، من أبرزها: (خارج السرب)، (الثقافة في الخليج: أسئلة برسم المستقبل)، (ترميم الذاكرة)، (الكتابة بحبر أسود)، (للأشياء أوانها).

الكتابة بحبر أسود2

الكتابة بحبر أسود

يتكون الكتاب من أربع اقسام، الأول جعله الكاتب عن الكتابة، يتكون من العديد النصوص التي تتناول الجوانب المختلفة لعملية الكتابة منها:

كيف نكتب الجملة الأولى:

ما الذى يجعل القارئ بعدما يفرغ من قراءة كتابة لكاتب ما، أن يقول: أنها كتابة عادية، وما الذى يجعله  يقول إزاء كتابة اخرى إنها كتابة مختلفة، وما هو الشئ الذى يضاف إلى الكتابة فيجعل منها كذلك، ويغيب عنها فتصبح كتابة عادية؟

إن الأمر يتصل بما ندعوه روح الكتابة، ولا نظنها مفصولة عن روح الكاتب المبثوثة في كتابته، ينصحنا نيتشه بالتالي: “عندما نقرأ لكاتب يتسم أسلوبه بالإقتضاب الخاطف وبالهدوء والنضج أن نتوقف أمامه مليا أن نقيم عيدا طويلا وسط الصحراء، ذلك أن حبورا مماثلا لهذا الذي يبعثه هذا الكاتب في نفوسنا لن يقع لفترة طويلة”. إن اصعب ما في امر الكتابة هو وضع أو صياغة الجملة الأولى، إنه مأزق الجملة الأولى المدخل، التوطئة، الإشارة الأولى التي ينطلق بعدها السباق. والغريب انك أمام مأزق هذه الجملة تجتاز تحديا أمام نفسك في المقام الأول لأنك في العمق راغب في أن تضع الجملة الأولى، التي تحمل القارئ على أن يقرأ، ما يليها من جمل، لكي تضمن أنه خمن ما تريد أن تقول وقرر بينه وبين نفسه أن يقرأ  ما تريد قوله أو عدم قراءته.

(ماركيز) تحدث عن هذا في احدى المرات بإستفاضة، لكنه كان بصدد الحديث عن الكتابة الروائية حصرا  وأنه تغلب – بعد طول مران – على مأزق الإستهلال أو المدخل، بإن يبدأ عمله الروائي بلقطة بحادثة أو حكاية، واعطى مثلا على ذلك مدخله الشيق في مائة عام من العزلة، همنغواي اقترح الحل التالي: ” دون بالقلم الرصاص جملة تامة صحيحة، أتم وأصح  جملة تعرفها، ثم تابع الكتابة، بعد أن تنهي النص عد إلى الجملة الأولى واحذفها، ستجد أن حذفها لم يغير من النص ولم  يسئ إليه”.

من بصيرة القلب تأتي الكتابة:

ترى (ايزابيل الليندي) أن الكتابة تشبه عملية التدريب لكي يصبح المرء رياضيا، وتققول كذلك إنه يراودها شعور أنها لا تخترع  أي شيء وأنها بطريقة ما تكتشف أشياء موجودة هناك، ووظيفتها هي العثور عليها واحضارها إلى الورقة.

كتابة  للشفاء:

كثيرا ما نذهب إلى العزلة اختياريا، حين تكون ملاذا من الألم الذى يسببه الآخرون، الافتراق البطيء مر ومعذب تغدو مساحة البيت الضيقة فضاء حرية، نعيما في مواجهة حجيم الخارج، الذى يفضح خواء النفوس وهشاشتها، وفي مثل هذه  الحال يقيم صداقة دافئة مع تفاصيل وأشياء تبدو – على الرغم من حيادها الظاهر – عزيزة وأليفة ومسلية، كانه يعود إلى فطرته، يعيد تنظيم المسافة بين ذاته وبين البشر والأشياء.

لا تاتي العزلة وحدها، نحن الذين نذهب إليها، نختارها، حين تلج عالم العزلة فإن الكتابة هي وسيلة القول التعبير لا بل البوح حتى لو كان غاضبا، ستأخذك الكتابة ذاتها إلى ما كان قبل هنيهة مجهولا بالنسبة لك وسيغدو ما كتبت كائنا حيا  مستقلا عن ذاتك، حتى لو كان في الأصل فلذة من مهجتك، وسترى بعد حين لن يطول أن من يشاطرونك هذه الذات من يشبهونك، هم من الكثرة بحيث تغدو وحدتك نافذة على الحياة، على أولئك الذين يشاطرونك الألم.

الخربشات والمسودات افكار مقموعة:

لفتت نظري – الحديث للمؤلف – في مقالة كتبتها سيدة اجنبية، توصيفها للخربشة بأنها عملية أقل وعيا من الكتابة وتنزع نتائجها لأن تكون اكثر تنوعا وفردية، وتنسب الكاتبة لاحد علماء النفس قوله إن الأشخاص الذين “يخربشون” هم في كثير من الحالات أولئك الذين يرتاحون كثيرا للقلم والورق، وأنه يمكن النظر إلى الخربشة بوصفها نشاطا ابداعيا آتيا من الجانب الأيمن من الدماغ وفي موضع آخر تشير إلى وجود أدلة على أن الخربشة يمكنها تحرير الدماغ ليتفرغ للنشاط الذهني وأنها – الخربشة – شكل بصري من أحلام اليقظة إلى ذلك هناك من ينظر إلى الخربشات بوصفها مفتاحا يقدم تلميحات  عن شخصية الإنسان.

لا اعرف ما الذى حملني على الإنطلاق من هذه التأملات حول الخربشة إلى فكرة طالما استوقفتني هي مسودات الكتابة حيث يتعين تبديد الفكرة السائدة عن هذه المسودات، التي تجعلها في مرتبة أقل من من تلك المرتبة التي للنصوص في  صيغتها النهائية المعدة للنشر، ما اكثر ما تجري العودة للمسودات سواء  من قبل الكتاب انفسهم، الذين يظنون أن فيها  خامات أفكار للكتابة لم تستثمر كفاية، لاعب الشطرنج الشهير كاسباروف قال مرة إنه يعتبر النقلات التي فكر فيها، ولكنه  لم يقم بها على قطعة الشطرنج جزءا من  النقلات التي قام بها فعلا.

ينابيع الكتابة:

من أين يستقي الكاتب مادته، أمن الذهن مثلا، أم من الشعور؟ ام من تجاربه وخبراته الملموسة؟ أم هي مركب مزدوج  من هذه الينابيع كلها، وربما من سواها أيضا، أم تراه من أمر آخر غير معلوم؟ إن أفكار الشعب تنداح في الأفكار والأساطير والأقوال، المأثورة، والأمثال الشعبية التي تمثل مجازيا كامل حياة الناس من واقع خبراتهم وتجاربهم.

في النص التالي، يثير الكاتب عدة أسئلة مبثوثة مباشرة في النص ومضمرة، كالسؤال: هل انتقلنا نهائيا  كعرب من ثقافة الحكي المنطوق؟ وتعبيراتها ورموزها، إلى ثقافة الصورة التي تقدم حكيا غير منطوق؟ له تعبيراته ورموزه ومنها اغراء  سهولة اصدار حكم مباشر على اي حدث، دون العبور كغيرنا بثقافة الكتابة؟  وما اثر ذلك على مجتمعاتنا؟ إذا عرفنا أن ثقافة الكلمة المكتوبة تهيئ حاملها للاعتماد على  التوثيق والبحث والتحليل المعمق والمضمر والمسكوت عنه داخل أي نص.

الحكي، الكتابة، الصورة:

بشكل من الأشكال تمثل المادة المبثوثة عبر الشاشة، عودة إلى نمط من الثقافة الشفهية، لكنها في نسختها الجديدة تأتي معززة بالصورة، القادرة على احداث اثر فوري وسريع في أذهان ونفسيات المتلقين، لا تفلح الكلمة رغم أنها الأكثر عمقا، على احداثه بذات السرعة.

الوضع الجديد فرض ويفرض على المعبرين بالكلمة، مجاراته في بعض الأوجه، بشكل عام يلاحظ أن الجمهور يفضل الخطيب الذى يرتجل خطابه أو محاضرته، على ذلك الذى يقرأ من ورقة مكتوبة، يبدو أن الأمر لا يقتصر على الشكل وحده، وإنما  بالمحتوى، لأنك حين ترتجل قولا، فإنك تعبر عن مضمونه بصورة تختلف، قد تكون اكثر عمقا أو اكثر سطحية لكن مفردة الحكي، يمكن أن تنصرف هنا إلى ما يدعوه المتخصصون بالثقافة الشفاهية، في اشارة لذلك الميراث الهائل من التعبيرات والرموز، التي تم تناقلها شفاهيا قبل أن تشيع الكتابة، وتصدق بشكل اكبر على البلدان النامية. حيث مازالت نسبة الأمية عالية، هذه المجتمعات تتهددها اليوم ثقافة شفوية، من طراز جديد آتيه من سطوة ثقافة الصورة في وقت لم تتمكن الكتابة من ترسيخ تقاليد ممتدة بسبب فتوتها أو محدودية الزمن في الذى قطعته.

الصورة هي اليوم عماد المجتمع الإعلامي، فهي تقدم نفسها مرجعية أولى وأخيرة، لا يقاس على سواها، بل إنها توهم  المشاهد أنها هي الواقع، والمذهل في تدفق الصوره. قدرتها الفائقة على تعطيل الحواس الأخرى وتحفيز الغريزة والمتعة لأن تلقيها لايتطلب جهدا أو تركيزا، على خلاف ثقافة الكلمة، فهذه الأخيرة قائمة على توالي الكلمات الذى يتطلب تفكيك  العلاقات العائمة بينها، بينما الصورة تعطي دفعه واحدة، مقوله منسوبة لـ(كافكا) تقول: “النظر لا يستولي على الصور، بل هي الصور تستولي على النظر وتجتاح وعينا”

يثير ما يكتبه حسن مدن في النص التالي، السؤال: هل من الضروري أن تكون كل أو أغلب الأعمال الأدبية مفهومة  لدى كل الناس، وهل يتنافى عدم الفهم مع الإستمتاع، واعني أن غير المفهوم لدى الكثير هل هو بالضرورة معقد.

شيطان الكتابة:

يصنف (أرنستو ساباتو) الأعمال الفنية في أربع خانات، في الأولى يضع أعمالا فنية يصفها بالكبرى، ولكنها للأقلية فقط  بمعنى أن الأغلبية قد لا تكون في وضع يمكنها من استيعابها، أو التفاعل معها، ويضرب باعمال (كافكا) مثلا لها، وفي الخانة الثانية يضع اعمالا موجهة للقلائل لكنها سيئة، ويضع معظم الأشعار المكتوبة اليوم ضمنها، فهي برأيه أحجية لفظية  أو صرعات شكلية، أما الخانة الثالثة فمخصصة للأدب الكبير، لكنه موجه للكثيرين ومثاله (قصة الشيخ والبحر) لـ(همنغواي) فيما يدرج في الخانة الرابعة أدب للأكثرية أيضا لكنه سيء، ومثاله القصص المصورة والروايات الفاجرة وكامل الأدب البوليسي على وجه التقريب.

والسبب في رأيه إنما يعود للموهبة، ومن هنا فإنه لا يرى أن هناك موضوعات بسيطة وأخرى معقدة، لكن هناك كتاب  معقدون يخفقون في تناول هذه الموضوعات، فينفروا القارئ منها، بدل ان يأسروه بطريقة تناولهم لها.

التعقيد ياتي من الكتاب لا من الموضوعات، والنموذج الساطع الذى يضرب به المثل هو رواية (الجريمة والعقاب) لـ(ديستوفسكي) إنها ببساطة قصة طالب فقير يقتل مرابية، وهي قصة يمكن أن يكتبها صحفي عادي أو كاتب معدوم الموهبة او قليلها، فتغدو واحدة من ألف حدث مشابه، ولكننا نعرف أي شيء صارته هذه القصة عند (ديستوفسكي) كل الروايات والقصص تدور حول أحداث تجري في الحياة، مهما بلغت مخيلة الكاتب من ثراء، وهي احداث بوسع كل أمرئ أن يحكيها، غالبية الجدات في العالم يروين حكايات ممتعة لأحفادهن ولكن هذه الحكايات لا تصير أدبا إلا إذا تناولها كاتب  موهوب. كتب (جورج أورويل) مقالة “لماذا أكتب”، بعد مرور سبع سنوات على صدور روايته الشهيرة  (مزرعة الحيوان) خلال هذه السنوات لم يكتب رواية اخرى لكنه أفصح في المقال عن رغبته في اصدار رواية تالية، قال جازما إنها ستكون فاشلة. لماذا هذا الجزم بالفشل؟ الجواب على لسان (أورويل) نفسه:  “كل كتاب هو فشل”، لكنه قال في المقال نفسه  مستدركا: “ولكنني اعلم بشيء من الوضوح أي نوع من الكتب أريد كتابته”، جاءت الرواية التالية بعد عامين من هذا القول، ولم تكن تلك الرواية سوى (1984) .

ليس (جورج أورويل) الكاتب الوحيد الذى تؤرقه فكرة كتاب، وتظل ملازمة له طوال سنوات، وحين ينتهي من كتابته يكتشف أن الفكرة التي كانت في ذهنه، اعمق وأجمل من تلك التي نفذها على الورق.

ما الذى يجعل الكتاب الجادين يشعرون أن ما كتبوه أقل مما أرادوه؟ ليست وحدها الرغبة في تحاشي الشعور بالكمال حتى يظل الطموح مشحوذا، وإنما لأن الكتابة ليست سوى ممكن واحد بين عدة ممكنات، الحكاية ذاتها يمكن أن تقال على اكثر من وجه، وينتاب الكاتب الشعور بالإحباط، حين يدرك أنه كان بإمكانه أن يحكيها بأفضل مما فعل، الكاتب يشعر بذلك أكثر من القراء، لا بل وحتى من النقاد أحيانا.

تأليف كتاب هو صراع رهيب ومرهق، كما لو كان نوبة طويلة من مرض مؤلم، والكاتب لن يحاول القيام بفعل كتابة الكتاب  إلا اذا  كان مدفوعا بشيطان ما، لا يمكن للكاتب مقاومته ولا فهمه. هذه – تقريبا – كلمات أورويل في شرح ذلك، ولأنه كان في صدد الإجابة عن السؤال الذى يواجه أي كاتب: لماذا أكتب؟  فإنه يصرح بأنه كلما افتقر للقصد السياسي كتب كتبا

بلا روح يربط (أورويل) الكتابة بالشجاعة، فالروايات الجيدة لا يكتبها برأيه سوى الأشخاص غير الخائفين، أما (إيزابيل الليندي) فترى انه لا يوجد هدف من وراء الكتابة، خلاف محاولة أن تكون – بقدر الإمكان- متوافقة وصادقة مع نفسها، تكتب لأنها لا تستطيع إلا أن تكتب ولا شيء يعجبها اكثر من أن تخترع قصصا، وأن تعثر على الكلمات التي تصوغ بها هذه القصص لأن ذلك يسمح لها بأن تعيش حيوات كثيرة مختلفة، تعطيها الإحساس بأنها تمتلك الحياة التي كانت قبلها والحياة التي ستأتي بعدها.

 النص التالي، تثير سؤالا يتعلق بأولئك الذين يقيمون في المنطقة التي سماها الكاتب بالمنطقة الثالثة، هذا الجانب هو مدى كون اصحابها اكثر عرضة للتمزق، أو المعاناة الشعورية الداخلية على اقل تقدير وهنا نعود إلى ما ذكره حسن مدن في هذا الكتاب بالذات، في قطعة اخرى، عن (الطيب صالح) حين سالته إحدى الصحفيات، عما إذا كان حزينا فأجاب: “في الداخل أجل أنا حزين، لكنني لا أدري لماذا، كل ما اعرفه أن في داخل النفس بركة واسعة من الأحزان ومهمتي  ككاتب ليست النسيان، بل أن أتذكر، والمشكلة بالنسبة إلي هي تذكر أشياء نسيتها تماما، لكن النسيان في الحياة  العادية هو مرحلة الألم العظيم”.

مناطق الكتابة:

حتى الآن اعتدنا على حقيقة أن كتابا من اصول عربية مغاربية خاصة، ومن لبنان كما هو حال (أمين معلوف) يكتبون رواياتهم  وابحاثهم بالفرنسية، وكان هذا جوهر اشكالية عن هؤلاء الكتاب، الذين لا يمكن تصنيفهم بالكتاب الفرنسيين، أو الكتاب العرب إن مناخات ابداعاتهم شرقية وافريقية عربية، لكن التكوين الثقافي الفرنسي لأصحابها، وكونهم يكتبون بالفرنسية يقيمان لها شكلا من اشكال العلاقة مع الأدب والثقافة الفرنسيين، رغم أن التصنيف الثقافي في فرنسا لا يقبل بهؤلاء كمكون من مكونات الخارطة الإبداعية الفرنسية إلا في حدود.

يقع هؤلاء في ما يمكن أن ندعوه المنطقة الثالثة، وهي غالبا ما تكون منطقة ثرية، بحكم التداخل بين المؤثرات الثقافية والحضارية واللغوية، ولكن المنطقة الثالثة قائمة في الحياة ذاتها، إنها منطقة ليست محايدة وليست حالا وسطا بين حالين إنها حال اصيلة لها فضاؤها الخاص بها، وهي في عالم اليوم المفتوح، حيث الهجرات الواسعة واتساع الصلات بين البشر مرشحة للمزيد من الإتساع، في طرحها لأسئلة الهوية والإنت

الكتابة على حافة الحلم:     

    هل يحترف الكاتب الحلم، فينزه الكتابة عن الطارئ والعابر واليومي، ليحيلها إلى قيمة مجردة خارج الزمان والمكان، لكن الكاتب الذى يحترف الحلم عن حق، يجد يراعه مترعا بقسوة الواقع، حين ينتابه الإحساس القاسي بأن الحلم يكف أن يكون حلما وفيما يشبه دعاء الروح يوخزه السؤال كإبره حادة: كم يلزمني من القوة والإرادة كي أبقى على حافة الحلم؟ اجمل ما في الحلم – بالمناسبة – هي حافته، لأننا ما أن نغادر هذه الحافة حتى نهوى في قاع عميق بلا قرار اسمه الحياة أو الواقع أو الحقيقة، أو أي اسم من هذه نشاء

ثمة منطقة مشتركة بين الحلم والكتابة، الكاتب القلق على كتابته حريص على ابقاء هذه المنطقة حاضرة أبدا حريص على  تغليب الجانب الحالم في ذاته، حتى ولو كانت عناصر الحلم مستمدة من الواقع، فإن الحلم قادر في لحظة الكتابة على إكتساب استقلاليته، فضائه الخاص به، الذى بموجبه تبدو الكتابة مشاركة وجدانيه للقارئ أو معه.

الكتابة بحبر اسود:

لـ(ألبرتو مورافيا) قصة طريفة عنوانها (إمراة عادية)، تناقش تلك العلاقة بين الملتبسة بين البسيط والمعقد. تقول المرأة التي تتحدث عن نفسها بوصفها راوي: “المشكلة هي عندما اكون في اتعس حالاتي اكون سعيدة بتعاستي، أنا معقدة أليس كذلك؟”، لكن المرأة سرعان ما تطرح على نفسها وعلى الآخرين، السؤال التالي:  “أود أن اعرف من هو؟ وما هو غير المعقد؟ في المدرسة تعلمت انه يوجد كائنات لها خلية واحدة، لذا يسمونها وحيدات الخلية، وانا مستعدة للقسم أنه اذا أعطي الكلام لهذه الكائنات فإنها ستصرخ على الملأ: نحن معقدات، معقدات بشكل فضيع”

كأن المراة تريد بذلك أن التعقيد موجود حتى في البسيط، أي أن البسيط ينطوي على المعقد، أو قل إن له تعقيده الخاص به تقول المراة في موضع آخر في القصة: “إني لست معقدة إلا امام الناس الذين يعرفون أني معقدة، أما مع الآخرين فإني أصبح بسيطة مباشرة”

هناك سلوك شائع يتجه اصحابه إلى إضفاء التعقيد على البسيط، إلى تعقيد البسيط، بدأ من الكتابة نفسها، قرأت مرة  حكاية عن عن تلميذ منطوي وخجول وصامت لا يكتب دروسه وواجباته إلا بقلم حبر اسود. الحظ العاثر أوقعه تحت أيدي معلمة ترغب في تحليل كل شيء، فأحالته إلى اخصائية نفسية لتدرس أسباب “السوداوية” التي تجعل هذا التلميذ مصرا على الحبر الأسود بالذات في الكتابة، وبعد تحليل وتحر واستدعاء والديه للمدرسة، كان السبب منتهى البساطة  ليس لدى التلميذ قلم  آخر يكتب به.

قد يثير النص التالي للكاتب، أسئلة من قبيل هل هذه قاعدة عامة في الكتابة تنطبق بغض النظر عن الثقافة والمجتمع، أم يجب أن تدرك الكاتبه المرأة انها كاتبة أولا وامرأة خاصة اذا تحدثنا عن مجتمعات، مازالت المرأة لا تمتلك فيها تعريفا مستقلا بهويتها الثقافية. وفي بعض المجتمعات  الذكورية، قد تلجأ المرأة الكاتبة بطريقة غير واعية للتشبه بالذكر في الكتابة كي تنال الإعتراف. 

النساء حين يكتبن:

ونحن نقرأ أدبا للمرأة، شعرا كان أو سردا روائيا أو قصصيا، ينتابنا احساس يدفع للتساؤل عما اذا كانت هناك لغة كتابة خاصة بالنساء؟.. في الإجمال فإن الكتابة فعل انساني غير محصور في جنس من يكتب وإنما يرتبط بقيمة الإبداع الفنية لكن هذا لا ينفي الخصوصية، المرتبطة بإنعكاسات جنس الكاتب وآثار الإختلافات السيكولوجية والظروف الإجتماعية على عملية الكتابة.

التقسيم بين المرأة والرجل تقسيم اجتماعي، وليس تقسيما فنيا أو ادبيا، لكن شروط التقسيم الفني ليست منعزلة عن الواقع ومن هنا فإن اختلاف عالم المرأة عن عالم الرجل، هو الذى يحدد خصوصية ابداع المرأة وتعبيرها الذى يختلف عن تعبير الرجل.

في محاضرتها الشهيرة عن كتابة المرأة: “غرفة تخص المرء وحده”، تثير (فرجينا وولف) الإشكالية الأكثر تعقيدا، اشكالية لغة المرأة أو بتعبير أدق علاقة المرأة باللغة، متجسدة في مفهوم وولف المحير حول “الجملة النسائية”. من وجهة نظرها هناك ارتباط بين الإختلاف الجنسي واللغة، لذا فإنها ترى أن الجمل المناسبة للرجال والنساء مختلفة إذا كنا نساء فإننا نفكر عبر أمهاتنا – تقول (وولف)- ومن العبث أن نتوجه إلى الكتاب الرجال العظام للمساعدة، رغم أنه بوسع المرء أن يتوجه لقراءتهم بغرض المتعة.

ثمة من يرى أن أنه لو اختلفت الثقافات فإن النساء لا يختلفن – النساء هن النساء – بصرف النظر عن السياق التاريخي  الإجتماعي الذى تتطور فيه تجربتهن الإبداعية، فالتماثل أو حلقة الإتصال بين النساء، طبقا لهذا القول هي اشتراكهن في كونهن نساء، وهو وضع مشترك رغم إختلافات الثقافات.

يظل السؤال هل تختلف المرأة الفنانة أو الكاتبة عن الرجل الفنان أو المبدع، وهل يكفي أن تكون المؤلفة امرأة لنقول أن ما تكتبه هو ادب نسوي، أليست بعض الكتابات النسوية تكرس النظرة الذكورية الدونية السائدة تجاه المرأة، أليست بعض أشعار وكتابات بعض المبدعين الرجال، أكثر تعبيرا عن هواجس وعوالم ودواخل المرأة من كتابات بعض النساء عن انفسهن ونطرح هذا السؤال دون شبهه ذكورية.

كل فن حقيقي سياسي:

رفضت (توني موريسون) الروائية الإفرو-امريكية، الفائزة بنوبل للآداب عام 1993 ، أن تكتب رواية يكون بطلها الرئيسي أبيض وحين سألت عن السبب، اجابت أنه هو السبب ذاته الذى يجعل الكتاب البيض لا يختارون الأسود شخصية رئيسية وتقول  إنها لم تنشغل بعالم البيض خلال طفولتها، لذا لم تظهر شخصيات بيضاء مهمة في كتبها

ليس بوسع مجتمع عانى طويلا التمييز العنصري، أن يشفى بسرعة من آثار ذلك, في التكوين النفسي بشكل خاص حين يتعين التحرر لا من الشعور بالإضطهاد الطويل وحده، وإنما من الشعور بالدونية أو النقص أيضا ومعالجة الألم الذى يسببه شعور المرء بالظلم بسبب لون بشرته. ومع انها لم تفكر في أن تكون سياسية، لكنها تعتقد أن كل فن حقيقي سياسي وأن تحويل  أي شيء لا سياسيا هو فعل سياسي في حد ذاته

بسبب الحرب الباردة ومناهضة الشيوعية ساد في أمريكا مبدأ ألا يكون الفن إلا جماليا، وهكذا حُرِف معنى كلمة سياسة وتمت مساواتها بالدعاية. لذا ترى (موريسون) أن عملها – وهي تكتب – يكمن في إحياء العلاقة بين السياسة والادب بما للكلمة من معنى

طرح (حسن مدن) لموقف (توني موريسون) أثار سؤالا مهما: هل نستطيع الكتابة الحقيقية عما لا نعرفه، أو عما  لا نملك تواصلا وجدانيا معه؟

محظورات السيرة الذاتية:

لا ينتعش أدب السيرة الذاتية عندنا كثيرا، لأنه يتطلب درجة عالية من البوح بأدق التفاصيل والخصوصيات التي لا يجرؤ سوى القلة على فعله، وإن فعلوا فإن ذلك سيكون محل استهجان من قبل القراء والمجتمع عامة الذى لا يستسيغ اقتحام الحياة  الشخصية للفرد، حتى لو كان هذا الفرد هو كاتب السيرة ذاتها، حتى لو قصر الحديث عن نفسه وتحاشى الحديث عن الآخرين. لكن يبدو أن شيئا من الإعتبار يرد إلى أدب السيرة الذاتية على الصعيد العربي، بعد طول تجاهل بل نكران، ولعل لذلك علاقة بظهور عدد من الكتب، التي كانت السيرة الذاتية موضوعا لها، مع ملاحظة أن هذا النوع من السيرة، مازال مشوبا  بالكثير من الحذر والحيطة والريبة، لأن ثمة مناطق مازال كتاب السيرة يعدونها مناطق محظورا الإقتراب منها

من أشجع واندر النماذج في كتابة السيرة على شكل رواية، تأتي تجربة (محمد شكري) في روايته الشهيرة (الخبز الحافي) وكان فيها متجردا من كل الأقنعة، وهو يبوح بتفاصيل صادمة للقارئ، في مجتمعات استمرأت لعبة الأقنعة، ولم يجد شكري غضاضة في القول إن ما كتبه لم يكن سوى سيرته الذاتية.

 يتحدث الكاتب في النص التالي عن فرق مهم بين كتابة الرواية وكتابة التاريخ.

  الرواية تقول ما يغفله المؤرخون:

الروائي الحق هو مؤرخ بإمتياز، لكنه لا يكتب التاريخ بالطريقة التي يفعلها المؤرخ، وإنما يختار مفصلا زمنيا من هذا التاريخ يثير اهتمامه فيكسبه حياة من لحم ودم، لكن الفرق الأدق هو ذاك الذى يصوغه – مرة أخرى – (فؤاد التكرلي) حين يلاحظ  أن التاريخ يسجل العبور اللامنتهي للحشود الزمنية، وهي تقطع الزمن، أما الرواية فتقوم بمهمة تبدو نقيضة، هي الإمساك  بوجود الفرد الإنساني على صفحة الأيام، فتجعل منه مقيما لا عابرا على خلاف ما يفعله التاريخ أو المؤرخون.

 آيه النص العظيم:

حين نمتلك حلا او اجابة لمشكلة ما، فإننا نكتب كتابا فكريا او بحثا، لكن عندما نعيش مشكلة ما، أو عندما لا نعرف هذه  المشكلة بوضوح، فإننا نكتب رواية، فهناك مسائل لا يمكن حلها أو حسمها داخل الوجود، مثل الموت والحب، وفي حالات مثل هذه ينبغي ان نكتب الرواية، وهنالك إشكاليات يمكن ان نجد تجاهها حلولا مثل المشاكل السياسية او التقنية، وفي هذه الحالة نستطيع ان نكتب نصوصا فلسفية لمعالجتها. إن هنالك مكانة للرواية ومكانة للبحث الفلسفي، لكن هاتين المكانتين لا تصدران عن حاجة واحدة.

يرى (دوبريه) أن الشعر قد غادر منذ زمن طويل مجال الحياة العامة، إن فكر الناس حاليا هو خالي خلوا تاما أو متصحرا من الشعر فالشعر أصبح ثقافيا جدا وعميقا جدا، ويخاطب النخبة المثقفة فقط، لأنه يتصاعد نحو قمة ثقافية نخبوية ورمزية  دون أن يكون داخله هرمونية غنائية او موسيقية، وباتت وسائل الإعلام اليوم النقيض الفعلي للشعر في مباشرتها وسطحيتها. بل هي التي ساعدت على تهميش الشعر، لأن التلفزيون يريد أن يبيع سلعة ما، ان يسوق دعائيا منتجا إستهلاكيا ما أو فكرة معينة، بينما الشاعر ليس لديه ما يبيعه، لذلك فإنه لا يهم التلفزيون.

لكن الشعر مازال يحيى داخل المجتمعات التقليدية، بل إن دوبريه يقارن الحال في فرنسا وبريطانيا مثلا، من جهة اللتين لم يعد بالوسع وصفهما مجتمعات شعرية، وبين الحال في اسبانيا حيث مازال اهلها يمتلكون الحس الشعري، كسمة من  سمات المجتمعات التي تتذوق طعم الكلمات ومناخها، لأنها تمتلك حرارة عاطفية وحسية كبيرة، وحسا غنائيا عاليا، وهو قول يدفعنا للتامل في حقيقة مرعبة، حول الآثار المدمرة التي تتركها ادوات وانماط الحضارة الحديثة على العالم الروحي للإنسان.

حامل نوبل المكسيكي (أوكتافيو باث) عاد إلى هذه العبارة وهو يناقش السؤال التالي:
كم من الناس مازالوا يقرؤون كتب القصائد. وعلينا ملاحظة انه لم يقل كم عدد الناس الذين يقرؤون الشعر وإنما استخدم مفردة القصائد بالذات، وله في ذلك سبب، فالإنسان بوسعه أن يجادل إلى ما لا نهاية، حول ما هو الشعر، لكنه ليس من الصعب  التفاهم حول معنى كلمة القصيدة، التي هي برأيه مصنوعة من كلمات بغرض احتواء مادة ما وإخفائها في الوقت ذاته. في ( الأقلية الهائلة) مخاتلة، فإذا كانت لا تحصى فهي ليست بأقلية، وإن كانت تحصى فهي ليست بهائلة، لكن يمكن تقليب العبارة على أكثر من وجه، لنلاحظ أن قراء القصائد الذين يظلون قلة رغم كثرتهم – بالمعيار النسبي – يشتركون فيما هو هائل وهذا الهائل هو ذاك الذى لا قياس له.

ولأنه لا يمكن الكتابة عن الكتابة، دون المرور بالحديث عن الترجمة، فنحن لا نتحدث باللغة فقط، بل نفكر
عبرها أيضا، وفي الترجمة أيضا نحن نترجم عبر اللغة، كان النص التالي:

الترجمة – تلك المهنة الشاقة:

قبل سنوات لفتنا عبده وازن إلى ان بعض الروايات العربية، التي ترجمت إلى لغات أخرى، غدت في الترجمة أكثر إتقانا وتماسكا من حيث اللغة، مقارنة بنصها العربي الأصلي، أو بتعبيره: “أصبحت أقل اخطاء وركاكة وأشد كثافة وسلاسة”.

أيعود الأمر إلى أن الأصل العربي لهذه الروايات كان في صياغته يحمل اوجه خلل أو هشاشة، تغلب عليها المترجم في لغة أخرى فبدا النص وهو مترجم أكثر قوة؟. ربما يكون في الأمر شيء من هذا، أقلها في بعض الحالات، لكن الناقد المغربي (عبدالسلام بن عبدالعالي)، يرى أن للأمر علاقة بفعل الترجمة ذاته، الذى يجعل النص المترجم يتفوق في بعض الحالات على أصله، ومن ذلك ان بعض المثقفين الألمان يفضلون العودة إلى الترجمة الفرنسية، لبعض مؤلفات مواطنهم (هيجل) الفلسفية، على ان يقرؤوها في اصلها الألماني كونها في الترجمة الفرنسية اكثر وضوحا.

وهذا بدوره يطرح سؤالا: أيكون السبب منحصرا فقط في أن الترجمات السابقة كانت سيئة، أم ان اللغة من حيث كونها كائنا حيا تتطور وتتسع وتتغذى بمصطلحات وأفكار جديدة، تجعلها أكثر مقدرة على تقديم الأفكار في اللغات الأخرى، بصورة افضل هذه الأفكار ربما تقود إلى سؤال: أليست هنا حاجة لترجمات عربية جديدة، لأعمال فلسفية أو فكرية أو ابداعية أجنبية سبقت ترجمتها، أليست العدة الفلسفية والفكرية وحتى الإبداعية في فضائنا العربي اليوم، أكثر مرونة وأوسع أفقا وثراء مما كانت عليه وأنها بالتالي أكثر قابلية لإكتشاف مكامن بريق جديدة في تلك النصوص؟

 القسم الثاني من الكتاب جاء بعنوان : من هو الكاتب، ويشتمل على عدة نصوص منفصلة، تتناول الحديث عن الكُتاب عموما وجاءت بعدة عناوين منها:

 من هو الكاتب:

ما الفرق بين الكتاب الأربعة التالية أسمائهم : (هيجل)، (فرويد)، (ماركس)، (نيتشه)؟
الإجابة المباشرة ستكون – على الأرجح – كالتالي: (هيجل) فيلسوف، (فرويد) عالم نفس، (ماركس) اقتصادي، (نيتشه) أديب.

ليست الإجابة خاطئة، التوصيفات اعلاه تصح على كل واحد من الأربعة الواردة أسمائهم. لكن ثمة إجابة أعمق، يقدمها (موريس بلانشو) في كتابه: (أسئلة الكتابة)، الذى قسم الباحثين إلى أربع فئات، هي كالتالي:
أستاذ يعلم، رجل معرفة مرتبط بالأشكال الجماعية للبحث المتخصص الذى يشمل – فيما يشمل – التحليل النفسي العلوم الإنسانية العامة، الأبحاث العلمية، ويطلق على من ينضوون تحت الفئة الثالثة من يربط البحث العلمي بالممارسة السياسية فيما تضم الفئة الرابعة من يكتب فحسب.

براءة الكاتب:

حين يفرغ القارئ من قراءة كتاب أو مقالة ما، تنتابه في بعض الأحيان رغبة في أن يسأل الكاتب: ماذا تقصد؟ ماذا تريد أن تقول؟ لا يتاتى السؤال فقط من أن الكاتب لم يوصل فكرته بالشكل الكافي، أو الذى يظنه كافيا، ولا من أن القارئ لم يفهم المعنى الحرفي المباشر، لما هو مكتوب، وإنما لأن لدى القارئ رغبة في إرواء فضول لم يشبع أو رغبة في الإستزادة.

لدى القراء رغبة في التأويل، في التوقع والإفتراض، إن كلمة أو عبارة عابرة يمكن ان تحمل من المعاني مالم يكن الكاتب يقصده أو ما لم يرد في ذهنه أبدا لحظة الكتابة. مرة سئل (غابرييل ماركيز) عم ينتظر القارئ في امريكا الجنوبية من كتبه فتحدث عن أن القارئ يبحث في الكتب عن نفسه، كيف يعيش واين يقف. ثم إنه تحدث في وجه الصحافي الذى وجه إليه  السؤال، وقال الآتي: “إنك تدفعني إلى التفكير بامور لا يجوز لي التفكير بها، على الكاتب ان يكون بريئا، ولا يجوز له التفكير  بالأضرار التي يسببها”.

 القسم الثالث من الكتاب يتحدث عن الكتب، ويضم كذلك عدة نصوص، وضعت بعض عناوينها كالتالي
 الحياة أم الكتب، الكتب التي حررتنا، الكتب الأكثر مبيعا، من سينخل الكتب، كتب خالية من الإكسجين.

 فيما يتناول في القسم الرابع والأخير القراءة، وهو يتناول موضوعين عامين في عدة نصوص، الأول منهما هو عن: كيف نقرأ؟ ماذا نقرأ؟، امتحان صبر القارئ، مراحل القراءة. فيما يبحث الموضوع الثاني شخصيات  بعض الكتاب الكبار وابرز  مؤلفاتهم  وطقوسهم الكتابية كرامبو، تشيخوف، ماركيز، فانون، نجيب محفوظ،  منيف، ناظم حكمت، نيرودا وغيرهم

 

Continue Reading →

منافع القراءة لدى رديارد كيبلنغ

روديارد كبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. وكما ألف العديد من القصص القصيرة. منها (الرجل الذي اصبح ملكا) 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.
من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرقفةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .
وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.
وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.
إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .

حين تنقذ المكتبات الأرواحَ

كتبت (أرسولا لو غوين) في أحد تأملاتها في كتاب (قدسية المكتبات العامة): “تُعتِقنا المعرفة، وتحررنا الفنون، أما المكتبة العظيمة فهي الحرية بعينها”. وكتب (جوزيف ميلز) في قصيدته حول مدح المكتبات: “لو صدقنا أُمناء المكتبات القول لقالوا أنه مامن أحد يمضي وقتًا في المكتبة إلا أصابته نفحات التغيير”.

عهد من جمال قطعته الفتاة الصغيرة (ستورم ريز) التي قضت حياتها بين المشقات والصعوبات لتلك القوة السحرية التي تمتلكا المكتبات العامة. فلقد نشأت (ريز) في مجتمع معتق بالفقر المتقع حيث يفتقد الناس لأبسط مقومات العيشة الكريمة السوية، وبقيت حياتها على هذه السجية حتى وضعتها الصدفة ذات يوم أمام واحدة من المكتبات المتنقلة فقلبت حياتها رأسًا على عقب حتى غدت فيما بعد أمينة مكتبة.

وهذه هي قصة (ريز) حسبما ظهرت في كتاب (شغف العمل والغرض منه).

كانت ظروف العمل والمعيشة في حقول المزارعين المهاجرين قاسية جدًا، فلقد كان والداي مدمنَي كحول وكنت أتعرض للضرب والاعتداء والتجاهل في اليوم غير مرة. وتعلمت كيف أقاتل بالسكين كيما أذود الخطر عن نفسي حتى قبل أن أتعلم ركوب الدراجة.

تشعر بنفسك كحبة تحت طاحونة رحى يومًا بعد يوم ولا شيئ تتطلع إليه أو تحلم به سوى ملء معدتك التي تتضور جوعًا. تحث السير إلى المدينة فيتراءى لك مشهد المنازل بديعة التصميم فاخرة الأثاث باذخة الجمال متناثرة على جانبي الطريق، لكنك تعلم في قرارة نفسك أنه محرم عليك أن تقطن في أي منها وإن بلغت من الكبر عتيًا. فأنت أقل شأنا من أن تحلم وأكثر وضاعة من أن تأمل.

وحين بلغت الحادية عشرة من عمري مرت بنا حافلة كتب متنقلة، خلتها في بادئ الأمر حافلةً للمعمدين فلقد اعتداوا على المجيء لإمدادنا ببعض الأسمال والطعام والبطانيات. وحين أدركت أنها ليست كذلك داعبني الفضول فاختلست النظر إلى الداخل عبر الباب، وما إن فعلت ذلك حتى أخذت بي الدهشة فتراجعت كمن به مس. لم يكن مسموحًا لي باقتناء الكتب لثقل وزنها، وحيث أنك لا تثبت في مكان وسجيتك الترحال، كان يجب الإبقاء على الأمتعة خفيفةً سهلة الحمل. صحيح أنني قرأت بعض الكتب حين كان جائزًا لي ارتياد المدرسة، لكنني لم أمتلك أيًا منها أبدَا.

ولحسن الحظ لمحني الرجل داخل الحافلة فافترّ ثغره عن ابتسامة لطيفة ودعاني إلى الدخول، لقد كنت متوترة جدًا. قال لي: “يمكنك استعارة ما شئتِ من الكتب شريطة إعادتها بعد أسبوعين اثنين“، طالعته بدهشة وسألته: “ومالمقابل؟“، فأنشأ يشرح لي أنه لا مقابل البتة وسألني عن المجالات التي أهتم بالقراءة حولها.

عادت بي الذاكرة حينها إلى ذلك اليوم الذي أخبرنا فيه أحد كبار السن عن اليوم الذي انفجر فيه بركان ماونت رينير وعن الدمار الذي خلفه، فأخبرت الرجل في الحافلة أني قلقة حيال انفجارات البراكين في الجبال فقال لي: “أتعملين أمرًا؟ كلما زادت معرفتك حول أمر ما، قل خوفك منه”، وأعطاني كتابًا عن البراكين. وبينا أنا في طريقي للخروج وقعت عيني على كتاب يتحدث عن الديناصورات فقلت: “يبدو هذا الكتاب أنيقًا”، فأعطاني إياه أيضًا إلى جانب كتاب آخر يتحدث عن صبي لأبوين مزارعين. شكرت الرجل وقفلت عائدةً إلى منزلي والتهمت الكتب التهامًا.

عدت إلى حافلة الكتب بعد انقضاء اسبوعين على زيارتي الأخيرة فأعطاني الرجل مزيدًا من الكتب وكانت هذه هي نقطة البداية. فما إن بلغت الخامسة عشر من عمري حتى أدركت أن هناك عالمًا خارج حدود هذا المخيم يناديني كيما ألِجه وغمرتني ثقة كبيرة بأنني سأجد مكاني هناك. لقد قرأت عن أناس يشبهونني وآخرين مختلفين عني ورأيت مدى اتساع هذا الكون مما أمدني بالشجاعة للمغادرة. لقد فعلتها في النهاية، فلقد كنت مؤمنةً أن الأمل ليس كلمة وحسب.

وما إن خرجت حتى التحقت بواحدة من المدارس المهنية ثم تخرجت منها بدرجة كاتبة اختزالية، وهو نوع من الكتابة الرمزية الغرض منه الإيجاز وزيادة سرعة الكتابة. وبعد ذلك كان افتتاح مكتبة مقاطعة بيرسي فتقدمت للعمل هناك وتم توظيفي. قضيت بعدها ما يربو على اثنين وثلاثين عامًا أساعد الآخرين في بناء الألفة بينهم وبين المكتبة، فلقد نشأ في داخلي التزام عميق ودؤوب تجاهها، فالمكتبات تنقذ الأرواح.


[المصدر]

عن مأزق الكلمات، عند بول أوستر

بول أوستر

بول أوستر، هو كاتب ومخرج أمريكي، من مواليد عام 1947، في ولاية نيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية، لأبوين يهوديين ينحدران من أصل بولندي. اشتهر بروايات بوليسية ذات طابع خاص، بالإضافة إلى ترجماته للشعر و الكتب من اللغة الفرنسية. في (ثلاثية نيويورك)، والمكونة من ثلاث قصص، وهي أحد أشهر أعماله أيضًا، تحدث على لسان أحد الشخصيات مختصرًا الكثير عن مأزق الكلمات في العالم المعاصر فقال:

إن كلماتنا لم تعد تطابق العالم.

يشرح فكرته أكثر بعد ذلك، فيقول:

فعندما كانت الأشياء كلًا  واحدًا، كنا نشعر بالثقة في أن كلماتنا ستعبّر عنها، ولكن شيئًا فشيئا تحطمت هذه الأشياء، تمزقت، انهارت، تحولت إلى فوضى، ومع ذلك ظلت كلماتنا على حالها، ولم تؤقلم ذاتها مع الواقع الجديد. ومن هنا فإننا في كل مرة نحاول الحديث فيها عمّا نراه نتحدث بشكل زائف، ونشوّه الشيء الذي نحاول أن نطرحه، وقد حوّل ذلك كل شيء إلى ركام مضطرب. ولكن الكلمات كما تفهمها أنت نفسك قادرة على التغيير.

يضرب مثالًا بعد ذلك ليشرح فكرته، فيقول:

تأمل كلمة تشير إلى شيء، “المظلة” على سبيل المثال، وعندما أظقول كلمة “مظلة” فإنك ترى الشيء في ذهنك، ترى نوعًا من العصيّ، وقوائم معدنية من النوع الذي يُطوى في أعلاها تشكّل هيكلًا يحمل قماشًا لا ينفذ منه الماء ولا يلتصق به، وعندما يفتح فإنه يحميك من المطر. وهذه الجزئية الأخيرة مهمّة، فالشمسية ليست مجرد شيء، وإنما هي شيء يؤدي وظيفة، وبتعبير آخر يعبّر عن إرادة الإنسان. وعندما تتمهل لتتأمل الأمر فإنك تجد أن كل شيء مماثل للمظلة، من حيث أنه يؤدي وظيفة، فالقلم للكتابة، والحذاء للانتعال، والسيارة للانتقال. والآن، السؤال الذي أطرحه هو ما يلي: ماذا يحدث عندما يكف شيء عن أداء وظيفته؟ أهو ما يزال الشيء أم أنه غدا شيئًا آخرًا؟ عندما تنزع القماش عن المظلة هل ما تزال المظلة مظلة؟ إنك تفتح القوائم المعدنية، وترفعها فوق رأسك، وتمضي في المطر، وتبتل حتى النخاع. هل من الممكن الاستمرار في تسمية هذا الشيء بالمظلة؟ إن الناس يقومون بهذا بصفة عامة. وعلى الحد الأقصى سيقولون إن المظلة قد كُسرت. وبالنسبة إليّ فإن هذا خطأ خطير، ومصدر كل المشكلات، فالشمسية لأنها لم تعد تستطيع أداء وظيفتها كفّت عن أن تكون مظلة، ربما كانت كذلك في وقت من الأوقات، ولكنها الآن تغيّرت إلى شيء آخر. غير أن الكلمة بقيت على حالها، ومن ثم فإنها لم تعد تستطيع التعبير عن الشيء، إنها غير دقيقة، إنها زائفة، وهي تخفي الشيء الذي يفترض أن تكشف عنه. وإذا لم يكن بمقدورنا تسمية أشياء عادية تنتمي إلى الحياة اليومية، أشياءً نمسكها بأيدينا، فكيف يمكن أن نتوقع الحديث عن أشياء تهمنا بصورة حقيقية؟ وما لم يكن بمقدورنا البدء في تجسيد مفهوم التغيير في الكلمات التي نستخدمها فإننا سنواصل الضياع.