أرشيف الوسم: الكتب

عن جواد الأسدي، ونساء في الحرب

فنان عراقي كاتب ومؤلف ومخرج مسرحي، ولد في مدينة كربلاء عام 1947م. وتخرّج من أكاديميّة الفنون الجميلة قسم المسرح ببغداد 1971، وعلى وصايا أمه “بأن يحمل بلاده كنخلة باسقة، إذا كانت لا تقوى على حمله”، اتجه إلى بلغاريا لينال الدكتوراه من معهد الفيتز ببلغاريا، ودَرَس في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، كذلك عمل مع المسرح الوطني الفلسطيني، أخرج مسرحية (العائلة توت) للهنغاري (شتيفان أوركيني). حازت المسرحية على جائزتين ذهبيتين في مهرجان قرطاج بتونس سنة 1983، كذلك حاز عام 2004 على جائزة الامير “كلاوس” للمسرح.

النظام العراقي السابق أعدم شقيقيه، أما هو فترك العراق وعاد بعد سقوط النظام عام ألفين وثلاثة، ثم اختار الرحيل مجددا، متجولا في المدن العربية والعالمية، مع مسرحه النقّال من بيروت إلى بغداد ودمشق ومراكش، وعن ذلك يقول:

الرحلة طويلة، والطموح كبير، صحيح أنني أستمر في المحاولة، لكنني أسّست في رحلتي المدينية مساراتي انطلاقاً من أن العراق المحمول في رحمي سيبقى كذلك الى الأبد، ودائماً أجد نفسي في مهب الاحتمالات الصافية، وأجد الذرائع المقنعة لهجرتي القسرية، بأنني مخلص للأمكنة التي يثمر فيها عملي بشراً وعروضاً ونصوصاً، وربما مسرّات، سأظل في مساحة مفتوحة، في مسافة تطل على مسافات لا تنتهي.

استطاعت تجربة (الاسدي) المسرحية ان تمثل الحنين والحب والغربة، واستطاعت القبض على الممكنات التي مازالت في حوزة انسان مطحون بالمعاناة، لانه على خشبة حياته وعلى خشبة موته يصرخ دائما: “المجد للحياة”.

صدرت له العديد من المؤلفات منها : (المسرح والفلسطيني الذي فينا)، (جماليات البروفة)، (مرايا مريم)، (العاشورائيون)، (الموت نصا)، (خشبة النص)، (آلام ناهدة الرماح)، (انسوا هاملت)، (المسرح جنتي)، و(نساء في الحرب) و (ليالي احمد بن ماجد).

وأخرج الكثير من الأعمال المسرحية، وأكثرها شهرةً: (رأس المملوك جابر) عن مسرحية لسعد الله ونوس، (تقاسيم على العنبر) المستوحاة من نصوص تشيخوف، و(حمام بغدادي) التي نالت شهرةً عالميّة. وفي بيروت أسّس مسرح (بابل) الذي حرّك وجه المدينة وجذب الجمهور الى خشبته

ومن أعماله الاخراجية الأخرى:  (ثورة الزنج)، (الحفارة)، (ماريا بنيدا)، (ليالي الحصاد)، (المجنزرة ماكبث)، (الاغتصاب)، (الخادمتان)، (انسوا هاملت)، (المصطبة)، (نساء الساكسوفون) و (نساء في الحرب).

يقول جواد الاسدي:

كأنما صورة المنفى والاقتلاعات المزمنة، صنعت عندي الانتماء الطهراني للمقدس، الذي سيج ارواحنا وسنواتنا التالية، دون ان ادري وبدون قصد مسبق، دخلت في ملكوت المسرح من باب المنفى الآخر، كي اظل امجد مرايا الحريق الابدية، في توحد صلواتي ومع طقوسية نيرانية، ربطت عنقي بعنق فلسطين، ارتديت جبتها ولهثت في مخيماتها، وكتبت أسمها على رأس القصيدة الساحرة، حاولت وبشغف ان اتقدم بحذر، بنيت نور الشخصية في الظل البعيد، صبرا على رأسي وشاتيلا في قلبي، الحريق مظلتي والمضي في سفينة الخراب قدري الصلب المعدني، منحت الممثلين أقصى ما لدي من حسرة ودمع، في البروفات وبعدها ثم قبلها كنا نغرف من يوم القيامة قواميسنا ومفرداتنا

دائما كان هناك ثمة قرين حقيقي تبتكره الطبيعة المتوحشة، كيما تزيد وحشتي، يومها وخلال ايام بروفاتي على مسرحية “ماريانا لوركا” ايضا، جنحت الى قراءة الهيجان، وهي رواية تسجل بشفافية ساحرة موت لوركا، على وقع بروفات ماريانا قرأت موت لوركا، ولعل اخطر ما في مسرحية “ماريا لوركا ” هو ان لوركا حقق فيها نبوءته عن طريقة موته، حقا لقد اطلق الرصاص على لوركا الكاتب الاسباني الرائع، بالضبط كما اطلق فونسيكا الشرطي الوغد الرصاص على ماريانا في نهاية المسرحية، انه شاعر رأى موته على الورق، شاعر منح بطلة مسرحيته دماءه الحية، حال انتهائي من قراءة الهيجان، اشهد اني اجهشت بالبكاء، البكاء الصراخ، البكاء الجنون.

سُئل في لقاء صحفي: “في كتابك (مرايا مريم) كيف تنظر الى الصلة الروحية بين القصيدة والمسرحية، وبخاصة انك تنطوي في الصميم على روح شاعر وهذا ينعكس على اختيارك للنصوص وللممثلين معا؟”، فأجاب:

كتاب النشر ستتصدره فاطمة أمي، وجدانياته ستكون حفلة المنافي، وقافلة الذكريات المتنكرة في ازياء الموتى، والمندثرين في قبة العباءات الكربلائية، حاولت ان اعطي لنفسي في هذا الكتاب فرصة التناوب بين البروفة وانعكاسها على ما بعدها، بعد البروفة دائما كنت احس باللوعة، لفقدان ناري لم تتسع له المساحة المسرحية، ولا الممثلين ولا صورة النص، لهذا فان جذور كتاب النثر أتت من أجل ديالوج المشقة، في انتظار المعشوقة الأم، أو الحبيبة المدينة، أو طوفان الرايات والنقر والنواح المبكر، انه مسرح من نوع آخر، يطلق نذوره ممثل صار القاسم المشترك الاعظم، لكل العروض المسرحية التي لم تتسع له، لهذا صار الكتاب ممثلي في الخلوة المنشودة التائهة، كل هذا الذي لا تتسع له سوى المرايا التي تجذبك دائما للبوح، والمجاهرة في خلوة فجر مدنسة، هناك تنبت مفردات النص هناك في جوف الاسطبل، على مقربة من الخيول الذبيحة المصلوبة علنا امام بكاء السائس، هناك في فترات صمت الممثل الذي اسس سلطته فوق الخشبة، مع حشود من جماهير مبهورة ينتابها نزوع نحو اللطم والتهشيم، كل هذا وسراه قدم له مسودة الكلام في البياض الملطخ بالوحل.

يقول الاسدي عن مؤلفاته ومسرحه:

عندما يستعصي على الفنان ملامسة فضائه الاصيل، أو عندما يتهدم في عقل الفنان وطنه وبيته وذكرياته، فإنه يجنح الى إعادة تأسيسها فضائيا، السينمائي يهرب شريطه النابض بتفاصيله الصغيرة والكبيرة، النحات والتشكيلي يبني فضاءه على اللوحة، الموسيقي في عزفه، والروائي في ملكوت بياض الورق يبني عشه، اما المسرحي فانه يظل يلهث، كي يبني بيت النص والعرض، المكان الضيق الواسع.

سُئل أيضا ذات مرة: “لو ننتقل قليلا الى خارج المسرح.. الى اطرافه او حوافه، فما هو “المنسي” او الغائب هناك في الحواف، اود لو تتذكر ذلك النسيان؟”، فأجاب:

الحريق هو المنسي الدائم الذي لا يتسلل الى خشبة المسرح، اقصد حريق البيوت المهجورة، والأمان الميت، حريق الحرية المصلوب في الساحات العامة، حريق الجسد الذي يقوده جلاده لحفلة الاعدام، حريق قلب الحبيبة التي تمشي على حافة الجنون، وهي ترى مقص الجلاد يقص شعر الحبيب الطويل، وهو يهيئه لهبوط المقصلة، حريق الشجر، حريق النهر، حريق الغبار، حريق الزنارين الانفرادية، لسجين يريد ابتكار لحظة الهروب نحو السماء، حريق الرغيف والعوز والمعدة اليابسة، حريق جولييت التي افتقدت روميو الروح، حريق كورديليا من اجل ابيها الحريق، حريق اطراف ثوب العروس، كل هذا وسواه منسي خارج الخشبة المسرحية، التي يزدهر على ناصيتها التثاؤب ثم النوم في تفاصيل النزف الكاذب.

كما أجاب على سؤال: “ماذا تمثل إليك ليلة العرض الأولى؟ اهي ليلة زفاف ام ليلة موت، أم هي شيء آخر؟” أجاب:

ينفرد المسرح بحقيقة الفقدان الذي يسدل الستار المعدني ليس على خشبة المسرح فقط، بل على فرح الممثلين في عيد التشخيص الحي، قبل فتح الستار يشكل لحظات اضطراب تخفق في الروح بين الشرايين، قبل الافتتاح الاول، ينتظر الممثلون والمخرج والعاملون في المسرح حصاد عرقهم وشقائهم وغرامهم المسرحي، ان ليل الافتتاح هي بحق أشبه بالزفاف الأول، أول مفاتحة ضوء، أول بزوغ للمعنى في الكلمة والاشارة، اول خفقة عزف ادائي سحري، اول مقاربة بين وجدان الممثل والمتفرج، في العرض الاول يختفي المخرج خلف جمر الكواليس المنتظرة، يطلق العنان لامتزاج دمائه بدعاء الايقاع للعرض المسرحي، خلف الكواليس يؤشر المخرج اشارته ويصدر اصواته ويصب لقناته، يركض المخرج على حافة الجنون خوفا على العرض، من هبوط مفاجىء أو نسيان مريع، اين يذهب الممثل الخلاق والمخرج الخلاق بعد نهاية العرض؟ لمن يسلم روح مسرحيته ؟ انه هجران من نوع خاص، اسميه احيانا الهجران المميت المضني، واحيانا الهجران الحي في رغبة ملحة للمعاودة مع الصباح الجديد.

عن مسرحية (نساء في الحرب)، يقول (جواد الأسدي) في المقدمة:

لا حدود لأركان النصوص في الشخصيات المقذوفة إلى امكنة مهددة، لأن النفوس في هذه المخلوقات هي نفوس مضطربة، ممسوسة، تطلب المزيد من الطيران في محرقة الهجرة الكبرى.

نص النساء في هذه حرب الهجرة هذه مهدد جسديا، ومكانيا وتأريخيا، لأنهن النساء هنا يبحثن عن نبعهن، وهوائهن الملطخ، من خلال سرد حكاياتهم في الشبق الملتهب للحكي، أو في تفجر القول المرتجل،  هذه الإشارة متروكة للاخراج، الذى يشتهي ردم الحدود والحفر، بعيدا في الماضي من النفس الأنيسة المحتدمة، المحروقة، على الأقل هكذا ارى المسافة بين المبني والمهدوم، المكسور والملحوم، والمرمي على الأرصفة، اقصد ارصفة الممثل في حساسية وعيه الجمالي، الحكي المتفجر، الباحث عن تعقيدات وتدفقات وتوقعات، تعيد لكثافة الدراما الدموية وجها آخر للإنهيارات غير المكتوبة، لأن مجمل العملية المسرحية هي بؤر لإشتباكات، وبحث عن فراديس كلام وامكنة لم تعد ممكنة.

تولدت فكرة نساء في الحرب هذه من تراكم الإحساس، بالفظائع والفضائح والجحيم الذى يتعرض له الإنسان العراقي، عبر بحثه عن مجهول مصيره، بفقدانه لجنة بلاده، في تنقيب مضني عن المكان الآمن، خصوصا بعدما ارتكب بحقهم جريمة  التبعيد والتهجير، منقذفين إلى تيه المطارات والبواخر المهربة والحدود الملغومة.

لقد كتب هذا النص الناقص، الذى لن يكتمل  إلا بطوفان من الروايات، التي تشكلت على مدار حياة اكثر من ثلاثة ملايين مهاجر عراقي، يتمزقون بين الأرصفة والشوارع والبيوت والأمكنة الملفقة.

لن يستطيع هذا النص إلا القبض على جزء، من تلك الجمرة المتفجرة، في آلام الناس البعيدين عن اوطانهم.

لقد كنت أصرخ بوجه أولئك المستسهلين بالأوطان الجديدة، ألا بديل للعراق، فالإنسان الذى يغادر بيته إلى بيت آخر، يظل في حالة من الإرتباك والظلم، لانه تواق ابدا إلى مكانه الأول، إلى رائحة اشيائه المؤنسنه، إلى مصدر ضوء قنديله في غرفته، إلى نار تنور جدته، هنا اتكلم عن العراقيين بوصفهم المرضى الأكثر ضراوة بأمكنتهم.

مر علي اكثر من ثلاثين سنة، وانا اجوب الطرقات والعواصم، التي ربما اثارت اشياء كثيرة ورائعة في حياتي، لكن الفداحة الأكبر أم يبقى باب وطنك مسدودا بوجهك.

أردت أن أوضح غصة وحسرة العراقيين على عراقهم، وأردت أن يكون هذا النص عراقيا، وأن تكون شخصياته وطبائعها، اضوائها ورائحتها، تماما عراقية.

 


من نصوص المسرحية

  1

ننقذف من جوف النوم إلى فجر مبكر!

من خشبة البيت إلى خشبات الشوارع!

منذ الطفولة ونحن نرسم سر الأرصفة على جباهنا!

ومنذ البدأ إلتهمتنا الطرق!

نحن في ذهابنا ومجيئنا في إلحاحنا على الإكتشاف

الريح تزداد، الموسيقى تعلو…

تحول الأرصفة إلى أمكنة

مرفوعة على تواريخ ويوميات، ومسرات

الأرصفة أوطان متباعدة

مدن محتشدة

بيوت ملتوية

بشر ضالون يحملون أوجاعهم واناشيدهم

ملذاتهم وعطشهم

نصوصهم المحرمة المنبوذة!

الأرصفة بيوت بلا جدران

غرف بلا سقوف

تشبه إلى حد بعيد شيخا، مدمنا على الندم!

لا نعرف إن كانت الأرصفة رحيمة أم أليفة

أهي أنيسة أم فقدت الإحساس بوجودها!

هل للرصيف قلب

الرصيف والغريب جملة  واحدة

في سطر مهموم

الرصيف ضوء الغريب

زهرة الغربة

الغريب زاد الرصيف!

ثمة ما نسمية وحل الأرصفة

جحيم الأرصفة، عويلها!

في الغرب، لم تمسني البيوت المطلة على الأرصفة

ولا المقاهي

ولا النساء اللواتي يجرجرن كلابهن بإحتفالية مبهرة!

لا احب أرصفة الغرب

لا ألتوي عليها

لا تلتويني.

أما رصيفي الأول

رغم كهولته، هزيمته، كسوره

فهو يحملني

يؤويني…

عندما يهجر الناس أرصفتهم

ويتركوها بلا إلتفاتات

ولا حسرات ولا دمع

عندما يغلق الناس بيوتهم في الليل ويطفئون المصابيح

عندما تزداد الحلكة والوحشة

يصير من الحكمة أن نطفئ لمبة العالم

ونخلد إلى النوم، كهروب مؤقت

وعربون لسفرة أكثر إيلاما!


2

ريحانة تبالغ بفرحها ترقص، وتصرخ تصعد على الطاولة، ترقص وتكسر القناني، ثم ترمي

الطاولة إلى الأرض!

ريحانة: انت إمرأة كريهة وعقلك عفن

مريم: شكرا (بنفاذ صبر)

ريحانة: أكرهك

مريم: (صمت)

ريحانة: لم يهمك ويقلقك سوى ألمك!، ولا ترين في العالم كله سوى أنانيتك!

نسهر عليك ونخاف ونتألم، ونشاركك أوجاعك، لكنك لم تسأليني يوما عن وجعي!

أليست الصلاة هي القدرة على حب الآخر!، كيف تصلين وانت حاقدة!

كيف؟!

هل سألتني يوماً كيف ولماذا جئت إلى هنا!

هل استفسرت يوما عن عائلتي!، فيما اذا كان عندي عائلة او زوج أو اولاد

هل تقصيت الأسباب التي دفعتني للخروج من بلدي!

ولماذا ذبحوا زوجي عز الدين مثلا، وقطعوه في الشارع إرباً إرباً

لا لشيء، فقط لأنه كان رجلا نزيها ووقف ضد الظلم!

كم كنت أتمنى لو سألتني يوماً لماذا يغرق شعبي في بركة دماء كبيرة

وكيف يولد القتلة

أو أية أمهات تلدهم!

اسأليني لماذا جئت إلى جرمانيا، لماذا اخترت هذا الفردوس المستعار

الممزق، الملوث، الكلاب المترفة، الحدائق الرتيبة، الغابات الميتة!

سأؤكد لك بأنني انوي الزواج من رجل جرماني، وانجب اولاداً جرمانيين

ثم أغسلهم من آثار اللغة العربية والعرب

واكسر أمامهم سيوف تاريخهم، واهزأ من فرسانهم

إنني أكرهكم، اكره صلاتك وصلواتكم، عقائدكم وعقائدهم!

لا أحب بلادي

ولا اغنيات بلادي

ولا شجر بلادي

ولا شوارع بلادي

ولا اي شيء في بلادي!

سأرمي بكل شيء إلى الجحيم، إلى المحرقة

ساحرق ذاكرتي كلها!


3

 مريم:  (تصرخ بجنون)

ماذا سأقول؟

بوجه من ينبغي أن ابصق، وأغرز أظفاري!

لو رأيت الدفن الجماعي، والرجال المتفحمين

لإنفجر رأسك سخطاً وغضباً

أريقت دماء أهلنا ببربرية غير مسبوقة

ذبحوهم ثم تركوهم ينزفون

دون أن يستطيع أحد إسعافهم!

هل رأيت بعمرك شعبا مثل شعبي، يتحول ذبحهم إلى فرجة!

المرجعية والمنهج، لدى احمد مرزاق

المرجعية والمنهج (دراسة نظرية تطبيقية) 

IMG_٢٠١٧١١٢٧_١٧١٤٠٣_٨٩٣

د.أحمد مرزاق، من مواليد مدينة وجدة المغربية عام 1974، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث عام 2010، يعمل معلما في التعليم الثانوي

يثيركتابه (المرجعية والمنهج) أسئلة معرفية مهمة، حول المرجعية والمناهج، ومنها تصل الأسئلة لمدى اعمق، حول الهوية الثقافية، والتمايز الحضاري بين الأمم، ولا يدعي تقديم اجوبة كاملة بقدر ما يحاول فتح الطريق للوصول إلى الوعي بها، والبحث عنها.

فيقول في مقدمة  الكتاب:

يتطلب الحديث عن المنهج فتح ملفات تطول تراثا بأكمله، تراثا يبدأ مما يسمى النهضة العربية إلى حدود الوقت الراهن، لكي نسأل ونلح في السؤال عن المناهج القارئة والمفككة للتراث والواقع، فنحن قد نكون دخلنا في طريق مسدود منذ اللحظة التي أقصي فيها سؤال المنهج وعلاقته، الوصل أو الفصل، بالمرجعية، إذ كان الأولى أن ننقب في مجموعة قضايا أولها وأهمها قضية المفهوم، وهي من اخطر القضايا واعوصها.

يذهب الباحث التونسي عمر الشارني إلى أن المصطلح (يرتبط ارتباطا متينا بأرضه وموضعه الذى نشأ فيه -المقصود بالموضع هنا حقل معرفي معين -لا يغادره إلا وتعرض حتما للتشويه، وعلينا أن نعلم أن المفاهيم العلمية ضاربة في الخصوصية، غير قابلة لأن يتحول بعضها إلى بعض). مما يعني أن المصطلح متجذر في تشكيل حضاري، له لغته المعجمية والحضارية.

لهذا استعارة المفاهيم من حقل معرفي إلى حقل آخر قد يحمل مخاطر ومزالق، أما نقلها من نظام معرفي، أو مجال حضاري معين، واستنباتها داخل نظام آخر مغاير لا يؤدي إلى النسف، بل إلى خلخلة وشل الحركة داخل المنظومة المستورِدة، خصوصا إذا تم هذا الإستيراد في لحظة الوهن الحضاري.

وثاني هذه القضايا قضية تداخل الحقول المعرفية، فهذا التداخل يفرض على كل قارئ، الإلمام بالسياسات المختلفة للعلوم ليلاحظ الوشائج والعلاقات التي تقيمها هذه العلوم فيما بينها.

وقد حاولت في هذا البحث أن أشير إلى العلاقات التي تربط الحقول المعرفية، الفلسفية والإنسانية، والطبيعية والأدبية فيما بينها، وهذه الإشارة دافعها الأساس هو الكلام الكثير الذى نسمعه، في مجال المعرفة العربية عامة، والدراسات الأدبية خاصة، عن الأستعارة، الإستلهام، الإستيحاء، الإقتراض، النحت، التركيب، التكييف، التطبيق، التوظيف. وغيرها من المصطلحات التي تخفف من عملية النقل من خزان المعرفة الغربية، ثم الحديث المتواصل عن الفصل بين الدين المسيحي واليهودي والمعرفة الفلسفية أو الأدبية.

هذا الدافع يلح على اعادة الإعتبار للسؤال والشك في كل شيء، ومن هذا المنطلق جاء البحث عبارة عن سؤال كبير هو: ما علاقة المنهج بالمرجعية؟ بكل مكوناتها: الدين، الأسطورة، العلم، الثقافة؟

ثم يقول في سؤال المنهج والمرجعية:

يخلص الباحث السعودي سعد البازعي، في دراسته التي قدمت إلى ندوة (إشكالية التحيز)، إلى نتيجة مفادها أن ( القول بإمكانية فصل المنهج عن سياقه دون إحداث أية تغييرات، أو بعد ادخال تعديلات طفيفة، هو نوع من الوهم الذى سرعان ما يتكشف تحت محك التحليل التاريخي للخلفية الثقافية الفلسفية التي تحملها تلك المناهج)

تأتي تلك النتيجة بعد إقراره أن الناقد العربي مخير بين أمرين: إما أن يعمل على تطبيق المنهج المستورد كما هو، والنتيجة هنا هي إساءة فهم المادة الأدبية، وإما يعمل على تغييره تغييرا جذريا، فيصبح أمام منهج جديد لا صلة له بالمنهج الأول.

وأظن أن القضية نفسها وما يتعلق بالإختيار الثاني خاصة، قد عالجها أبو القاسم حاج حمد، حينما تعرض المحاولات التي رامت تطعيم الماركسية بالنزعة الإنسانية، يقول: ” حين يتفاءل احمد حيدر بالنزعة الإنسانية، عليه أن يتذكر أن هذه النزعة الإنسانية هي نزعة خارجية (ذاتية)، وبالتالي فإن كل محاولات التجديد في الفكر الماركسي لا تعني سوى نهاية الماركسية نفسها.

لماذا نهاية الماركسية؟  لأن ” تجريد الماركسية من الجبرية، ليتخذ الديالكتيك مكانة بحرية في حياة الإنسان، منطلقا من الحوار بين الذات والموضوع، هو أمر غير ماركسي”، يعني هذا أنه حين يختار الباحث منهجا معينا، للتعامل مع حقل من حقول المعرفة الإنسانية، فهو ملزم بمجموعة من الثوابت والسمات التي تؤسس المنهج، وتحدد خصوصيته بالمقارنة مع منهج آخر، وعليه فلا يمكن مثلا أن يكون الباحث بنيويا وتفكيكيا في الوقت نفسه.

هذا القول بالتلازم بين الخلفية الحضارية وبين المنهج ليس جديدا في الثقافة العربية الإسلامية، ولا نشاطر البازعي رأيه في قوله إن الآراء في هذا التلازم ( لا تكاد تتجاوز القناعة البداية)، لأننا نملك نماذج معينة حاولت التصدي لهذا الإشكال، والمساهمة بالفعل في اضاءته عبر مجموعة من مؤلفاتها، أولها شيخ الإسلام ابن تيمية، من خلال مصنفة( الرد على المنطقيين)، فهو يعتقد أن ( المدخل الفعال لإصلاح عقائد اهل عصره،  يتم عبر اصلاح طرق تفكيرهم، ولما كان المنطق الأرسطي هو “الأرغانون” أو القانون الناظم لذلك العقل، فقد كان لابد من التوجه لدحض أسسه الفلسفية).

فيصبح بذلك منطق أرسطو منطقا للغة اليونانية، وليس لكل اللغات، لكن الثورة الفلسفية التي دعا لها -ابن تيمية – أهملت، كما أهملت قبلها ثورة الغزالي، الذى رأى ومن خلال نقده للفلسفة اليونانية، أن ( العقل الإنساني قادر على العلم الوضعي، وأنه يبقى جدليا في الإشكالات الماورائية)، فهذا العمل الجبار الذى قام به لدحض الفلسفة كان أهم إسهام ايجابي له في تاريخ الفكر الإنساني.

والتأسيس للعقل العلمي أو للعلم الوضعي الذى قام به الغزالي ستظهر نتائجه في لحظتين مختلفتين: لحظة النهضة الأوروبية، ولحظة ابن خلدون، فهو ايضا وقف موقفا حازما من الفلسفات الحلولية الغنوصية، وكذلك من المنطق.

النموذج الثاني الذى يقف مستوعبا لخصوصية المعرفة،  أو لإشكالية التحيز في الإبداع البشري، هو حازم القرطاجني، حيث يقول:
” فإن الحكيم أرسطوطاليس، وإن كان اعتنى بالشعر بحسب مذاهب اليونانية فيه، ونبه على عظيم منفعته وتكلم في قوانين عنه، فإن اغراض اليونانية إنما كانت اغراضا محدودة في أوزان مخصوصة، ومدار جل اشعارهم على خرافات كانوا يضعونها/ يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود، ويجعلون احاديثها أمثالا وأمثلة لما وقع في الوجود، وكانت لهم ايضا امثال في اشياء موجودة نحوا من امثال كليلة ودمنة،  وكانت لهم طريقة ايضا، في اشعارهم،  يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه، فأما غير هذه الطرق فلم يكن لهم فيها كبير تصرف، كتشبيه الأشياء بالأشياء، فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه، وإنما وقع في كلامهم التشبيه في الافعال لا في ذوات الأفعال”

المهم من كل هذا هو أن هناك محاولات كانت في جوابها على سؤال العلاقة بين المرجعية والمنهج مستوعبة للإشكال، وهذا يظهر جليا في مثال ابن تيمية، الذى يرى أنه لا يتم دحض المناهج- هنا المنطق – إلا عبر دحض أسسها الفلسفية، ومستوعبة ايضا لقيمة التمايز، ولو بشكل متفاوت بين مجالين حضاريين، وإلم تصدر عنه في كل انشطتها المعرفية كما رأينا مع الغزالي.

هذا التمايز وهذا الوعي سيلغى مع عميد الأدب العربي، وذلك لكي نُشعِر الأوروبي بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوم الأشياء كما يقومها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها.

ألأن المغلوب مولع بتقليد الغالب، أم لأن الذات التي كانت تستحضر ككيان مستقل فب مواجهة الآخر لم تعد عذراء، بل مغتصبة بعدما أعيد ترتيب داخلها، بشكل يخدم الإتجاه النازع نحو توحيد العالم وتنميطه.

فنحن حسب طه حسين، لو اخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها فستعود وتؤول لتتطابق مع ” المركز” وهو “المرآة”، فكل شيء عند “الأنا” ينحل ليعود إلى الأصل اليوناني أو الروماني أو التوراتي المسيحي، وهو عينه ما فعله الإستشراق، وإن كانت للإستشراق دوافعه.

فطه حسين وهو يستعين بالفرنسي بول فاليري، الذى شخص العقل الأوروبي فأرجعه إلى اليونان ( فلسفة، أدب، فن)،  وإلى الرومان ( سياسة، فقه)،  وإلى المسيحية ( دعوة إلى الخير والإحسان). نسي وهو في هذه الزحمة منهجة الديكارتي الذى كان قد تبناه، ونسي القاعدة الأولى والأساسية بتعبيره لهذا المنهج وهي: (أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وطه حسين باعتباره (المرجع لنهضتنا العلمية في الدراسات الأدبية)، كما يزعم شوقي ضيف،  كان أول من دشن الإشكالية المنهجية التي ستتعاظم مع مرور الزمن، أعني إخضاع الذات الثقافية بجوانبها المتعددة، لمعيار غربي، والنظر إليها بمنظور الآخر.

نعم، فطه حسين لم يهتم بالمعري إلا لأن ” الإفرنج قد عنوا بالرجل عناية تامة” – القول لطه حسين- وترجموا له، واكثروا من القول في نبوغه وفلسفته، ولا ينظر إليه إلا عبر منظار الآخر الذى هو ” المنهج التاريخي”

فالغرب صار (مركزا) يحدد موضوع البحث، ثم المنهج وما يتصل به من مفاهيم واجراءات ومصطلحات، وبهذا يكون ” الإنسان العربي الحديث والمعاصر قد فقد القدرة على تسمية الأشياء”

واشارة بسيطة وعابرة إلى المشاريع العربية، توضح أن السؤال حول المنهج والمرجعية دخل في عداد المسكوت عنه أو (اللا مفكر فيه)، مما حدا ببعض المفكرين العرب إلى القول: ” يكاد يذهب بنا القول إلى التأكيد، انه لم تعرف الثقافة العربية الحديثة، منهجا نقديا، اكتسب شرعيته المنهجية إلا وقد كان تأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالموجهات والإجراءات التي اتصفت بها المركزية الغربية في حقل البحث الأدبي ونقده، بل في جل الحقول المعرفية.

وبعد أن يعرض المؤلف لآراءه، حول إستلهامات كل من حسن حنفي ومحمد برادة ومحمد مندور والجابري كأمثلة، يكتب:

وهل يكفي أن نقول إن معظم النقاد العرب الذين يعمدون إلى اختيار مناهجهم وأدواتهم التحليلية من مستودع المناهج الأجنبية، لم يتمثلوا هذه المناهج تمثلا نقديا، ولم يراعوا خصوصية المعطيات التي يدرسونها..فالإستلهام و (التمثل)، و(الإستعانة)، والإستيحاء) وغيرها، كلمات تعمل عمل السحر، لتبرر النقل السهل،  والعجز عن الأبداع.

بعد كل هذا التماهي في ثقافة (الآخر)، والتطابق معها، سواء على مستوى الرؤية أم المنهج، بل حتى في الموقف من الذات، لا نستغرب الآراء الطالعة علينا كل حين ومرة بوعائية المنهج واجرائية المفهوم، بل حتى كونيته، فالبنيوية ليست (فلسفة، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود ” كمال ابوديب – جدلية الخفاء والتجلي).

وكأننا نحقق نبوءة الرسول الكريم ص:” لتتبعن سنن من كان قبلكم…” هذا لا يعني أن الرسول ص يؤسس للجيتو، إنما المسألة لا تخرج عن التحرر من (إمبريالية المقولات)، ومن حالة السيولة التي كان يتعامل أو يدرك بها الفكر العربي الحضارة الغربية، فالذين يصرون على استيراد الميزان (الكليات أو المطلقات أو الغائيات)، يصرون في واقع الأمر على استيراد اختيارات الآخرين ورؤيتهم.

يقول في المرجعية بعد ذلك:

يثير الكلام حول المرجعية كثيرا من الأسئلة الشائكة، التي تحتاج لعقل جبار، ليتسنى له تجريد المرجعية الكامنة خلف كل الإبداعات الحضارية، أو تجريد ( النموذج المعرفي) الكامن، على حد تعبير عبدالوهاب المسيري، والحفر يجب أن يأخذ بعين الإعتبار بدايات التشكل، فلا يمكن مثلا فهم النهضة الغربية بمعزل عن التراث الإغريقي والروماني، فكل ما حدث أن إنسانيي النهضة ( ازاحوا جانبا آباء الكنيسة وأرسطو ورجال اللاهوت في العصور الوسطى، واحلوا محلهم مجموعة من الكتابات التي حفظها لهم التاربخ عن الإغريق والرومان ” كرين برينتون- تشكيل العقل الحديث” )

وعن مركزية التاريخ في تشكيل المرجعية:

المرجعية تتشكل داخل التاريخ، وهي اشبه ما تكون بكرة ثلج تحمل نواتها داخلها، وتتدحرج من قمة الجبل، فتضاف إليها عبر مسيرتها عناصر تساهم من جهتها في إثرائها واغنائها، وتحاول هي – المرجعية أو النواه- من جهتها تذويب وهضم هذه العناصر.

 وهنا مسألة مهمة تحتاج توضيح، فالقول أن المرجعية تشكيل تاريخي أمر نسبي يرتبط بالحضارات التي لم تعرف الرسالات السماوية، أو التي عرفتها لكن وقع التحريف فيها كاليهودية مثلا، فهذا الحكم لا ينطبق انطباقا تاما على الحضارة الإسلامية، لأن نواة مرجعيتها هو القرآن الكريم الذى تكفل الله سبحانه بحفظه، فهذا القرآن هو المهيمن على كل الثقافات قديمها وحديثها، وعبره تتم مراجعة ابداعات كل البشرية، وقد قام فعلا القرآن بمراجعة وتقويم تراث الأنبياء الذى حرفه اتباعهم، هذا التوضيح ضروري، خصوصا في وقت صار فيه المتبني لبعض آليات القراءة الغربية، بدعوى عالميتها، لا يميز بين النص التاريخي و “النص” القرآني.

والمثال الذى يمكن تقديمه هنا هو عنصر العلم، فرغم ما يقوله الغرب من أن ( الفلسفة والعلم كما نعرفهما اختراعان يونانيان)، وأن (حضارة الغرب التي انبثقت من مصادر يونانية، مبنية على تراث فلسفي وعلمي بدأ في ملطية Miletus  منذ 2500 عام)، فإن عبدالحميد يويو يقدم ورقة يطرح فيها سؤالا هو:  (إلى أي حد يمكن اعتبار اليونان مهد العلم ومسقط الروح العلمية في البحث والدراسة للعالم الخارجي  الكون والمادة).

فمما لا شك فيه أن الغرب إلتقط هذا المفهوم من الحضارة الإسلامية، وجرده من حوافه ليدخله إلى نسقه حتى يتلائم وروحه التدميرية.

بناء على ما سبق نفهم بعض المحاولات التي تروم رصد إرهاصات مجموعة من الأفكار الحديثة داخل أثينا، كمفهوم العلمانية ومفهوم الصراع، أو كما يسميه المسيري بالإبادة، هذا المفهوم الذى كانت من بين اصوله مجموعة من الأساطير المؤسسة لنزعة الغلبة والسيطرة كأسطورة برومثيوس، وبعض التأملات الفلسفية لكبار الفلاسفة كهرقليطس الذى يقول: ” لقد كان هوميروس على خطأ حين قال: ليت الصراع يختفي بين الآلهة والناس! إذ أنه لم يدرك انه كان يدعو بذلك لدمار العالم، فلو استجيب لدعائه هذا، لفنيت الأشياء جميعا”.

ونفهم كذلك عودة بعض الفلاسفة، بل جل الفلاسفة الغربيين إلى (المركز) أثينا، حين محاولة تحطيم أو تفكيك بعض الثوابت، كثابت العقل (اللوغوس)، والمنطق، والحضور مع دريدا، وتمجيد القوة والحياة عند نيتشه، لأن اليونانيين ( لم يكونوا عقلانيين بل كانوا مشحونين بإرادة الحياة ” رونالد سترومبرج”)، وان نيتشه وذويه (جزء من هذا الكون، وهو اعمى والصراع فيه مستمر ودائم).

هذه الإستمرارية التي تحاول بعض الدراسات تفاديها بإسم ( القطيعة المعرفية)، أو التركيز على لحظة معينة خصوصا القرون الثلاثة الأخيرة، هي القادرة على فك شفرات مجموعة من الأفكار.

فإذا سلمنا بأن الصراع بين الكنيسة وكل ما يدخل في نطاقها كالدين والفكر اللاهوتي والرموز، وبين الفكر” الحر” العلماني قد حسم لصالح الفكر العلماني، فلا يمكن فهم مجموعة من القضايا، واهمها هنا قضية ( نهاية التاريخ) كمثال فقط، فنهاية التاريخ أو إشكالية ( موت التاريخ)، هي إشكالية كامنة في الحضارة المادية الغربية كما يؤكد المسيري.

يستمر الحديث إلى مكونات المرجعية الغربية:

يرى مجموعة من الدارسين  أن المرجعية التاريخية للفكر الفلسفي والديني الغربي هي نتاج ثلاث مكونات هي:

  1. الفلسفة اليونانية
  2. التراث الروماني
  3. المسيحية

وهذه المكونات التي يقدمها عرفان عبدالحميد لا تخرج عما قدمه الإستشراق أو (المركز)، فالعقل الأوروبي كما شخصه بول فيري، الذى استعان به طه حسين في بحثه عن اصول (العقل) الإسلامي، يرد هذا العقل إلى عناصر ثلاثة (حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن، وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه، والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحث على الإحسان).

ولكن هناك أصول اغفلها الغرب في تحقيبه للعقل الإنساني، وذلك عن قصد، وهنا لا نقصد الأصول البعيدة كمصر وبابل، ولكن الأصل الإسلامي من جهة، والتراث اليهودي من جهة أخرى، وإن كان الأصل الاول  لم يستطع الغرب إستيعابه، وإنما (إلتقط)، وهي كلمة مقصودة، بعض مساهماته كالمنهج العلمي، وبعض مفاهيمه كمفهوم العمل، يبقى هناك مكون أو مصدر آخر يذكره الباحث المصري حسن حنفي وهو : البيئة الأوروبية نفسها، وهي تتضمن الديانات الوثنية التي عاشت فيها أوروبا قبل إنتشار المسيحية، والأساطير والأعراف وامزجة الشعوب وبيئتها الجغرافية، فديانات القبائل كما يؤكد حسن حنفي كانت أقرب إلى ” أساطير الغزو والحرب، بعيدا عن المبدئ الأخلاقية”

والأمر المراد هنا هو حضور هذه الأساطير والديانات الشعبية في الوعي الأوروبي حتى بعد إنتشار المسيحية، فلقد تم تأسيس مجموعة من العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر، وقبل ذلك على أساطير معينة، وتم بناء المشروع الحداثي الغربي على أسطورة برومثيوس وفاوست، أما ازمجة الشعوب وبيئتها الجغرافية، فهي ضرورية ايضا لفهم مجموعة من الأفكار، إذ لا يمكن الفصل بين الفلسفة الألمانية والطبيعة الالمانية ومزاج الشعب الألماني: حب الطبيعة، النظام، الإحساس بالواجب، العمل. كما لا يمكن الفصل بين الفكر الأنجلوساكسوني وطبيعة الشعب في الجزر البريطانية: الحس، التجربة، العادات والتقاليد كبديل عن القوانين.

ثم يتطرق إلى ثوابت المرجعية الغربية الحديثة:

يقول عرفان عبدالحميد فتاح، إن أول ما يلاحظ على الفكر الغربي انه ( فكر اقام بنيانه واسسه على قانون مطرد في تاريخه، لا خلف فيه، هو قانون الصراع بين الأقطاب المتضادة)، فعبر هذا القانون يغدو وجود قطب معين يقتضي نفي مقابله نفي إلغاء، فإما الإنسان وإما الله، وإما الطبيعة وإما الإنسان، في الأول يحل الله في الإنسان، أو يصل الإنسان إلى الله فينفيه، فيتمركز العالم حوله، حول الذات الديكارتيه العارفة، أو الذات البرومثيوسية المنتصرة، فيعلن الإنسان أنه “سيد الكون ومركزه وانه موضع الحلول، ولهذا فهو مرجعية ذاته”، فيسعى للحصول على كل شيء بدون إله او نظرية نرفانا ( الفناء في المطلق). وفي الثاني يحل الإنسان في الطبيعة، بعد ان كان كل منهما مغيبا في الرؤية المسيحية، أو يتم تطبيع الإنسان، فيخضع للقانون الطبيعي، ويبدا الجوهر الإنساني – الثابت في الإنسان- في الغياب تدريجيا، ويحل الطبيعي محل الإنسان. فالشكل الأول من الحلول اسسته مجموعة من الأساطير في التراث اليوناني والتراث الشرقي القديم، الذى احتضنته اوروبا مع اليهودية المحرفة ونموذجه اسطورة بابل، ولكنه أخذ ملامحه الحقيقية مع ظهور مؤسسة (كهنوتية) هي مؤسسة العلم في العصور الحديثة، وكانت اهم تجليات الصراع ومظاهره هي ظاهرة الثنائية على المستوى الفلسفي: تجريبي/ عقلي، مثالي/ واقعي، وعلى المستوى الأدبي: رومانسي/ واقعي، تفكيكي/ بنيوي، وعلى المستوى المنهجي: موضوعي/ذاتي.

ناتي إلى الثابت الثاني وهو (مؤسسة العلم)، يؤكد الباحث (إدوارد جرانت)، أن “العلوم الرياضية وعلم الفلك والبصريات والطب، كانت حتى عام 1500 م تقريبا، أكثر تطورا في العالم الإسلامي مما كانت عليه في الغرب”، لكنه يستدرك ليقول أن العلم لم يمأسس في العالم الإسلامي، أي لم يصبح العلم مؤسسة ذات قواعد راسخة فيه”.

وجواب جرانت حول لماذا لم يتحقق العلم، كما نعرفه اليوم إلا في المجتمع الغربي، هو وقوع بعض الأحداث الأساسية في أوروبا الغربية بين عامي 1175م  و 1500م، هذه الحداث يجمعها في ثلاث شروط يراها أساسية وحاسمة، وهي:

  1. ترجمة علوم الإغريق إلى اللغة الاتينية، ومن دون هذا الشرط ربما لم يكن بالإمكان تحقق الشرطين الآخرين.
  2. تكوين جامعات القرون الوسطى، بعد اكتمال معظم الترجمات، بداية من عام 1200م، في كل من باريس واكسفورد وبولونيا، وكانت تختلف عن أي شي سبق أن عرفه العالم من قبل.
  3. ظهور طبقة فلاسفة اللاهوت، وتتمثل مساهمتهم في موافقتهم على إدخال فلسفة الطبيعة، واستخدامها في مناهج الجامعات الجديدة.

هذه الشروط مع أسباب اخرى، سمحت بتاسيس ( مؤسسة العلم)، التي ستدخل في صراع مرير مع مؤسسة الكنيسة، وسيحسم الصراع غالبا لصالح العلم، الذى سيتحول إلى (دوغما) في مشارف القرن التاسع عشر، مع الفلسفة الوضعية.

هذين الثابتين، ثابت الصراع وثابت (مؤسسة العلم) من المهم الوقوف عليهما، لانهما المؤطران لكثير من القضايا والإشكالات، فمؤسسة العلم تحدد العلمي والموضوعي وما دون ذلك، وتحدد كذلك المفَكَر والممكن التفكير فيه، والصراع يمنع التأليف بين الثنائيات: عقل/ حس، خالق/مخلوق، طبيعة/انسان، بالإنتصار لحدهما وإقصاء الطرف الآخر.

يختتم حديثه حول المرجعية الغربية الحديثة، فيقول:

الكلام حول المرجعية يحيل مباشرة إلى صيغة المفرد، لأننا نزعم أن كل الثقافات الإنسانية ( تشتمل على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركها أبناؤها حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية )، يقول محمد أمزيان: “هو مجموع الخلفيات والتصورات والمفاهيم الفلسفية، التي يصدر عنها الباحث في حقل ما، ومجموع الآليات المعرفية التي تشكل سلطته المرجعية، وتحدد جهازه المفاهيمي”، ثم يضيف: ” فالمنهج حسب السياق يعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر سيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة) يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

هذا تقريبا قريب مما يقوله المسيري عن ” النموذج المعرفي الغربي المادي”، حيث يتحدث عن اهم تحيزات هذا النموذج، والفارق ان امزيان يقصرها على مجال تخصصه (علم الإجتماع)، في حين أن الثاني يرى أن التحيز لهذه الأسس وغيرها، يحيز عام يكمن خلف كل العلوم ومناهجها، ف ” المنهج” أو  ” العقل” الذى تكون عبر سيرورة تاريخية، أو النموذج المعرفي، هي تسميات لمفهوم واحد، وهي تشير إلى ذلك المركب أو الكل الذى يشتمل على:

  1. تحديد مصادر معينة للمعرفة
  2. يقيم العلاقة بينها
  3. يحدد تدرجها وهرميتها
  4. يبين طرائق ومناهج الوصل إليها، ويضع ضوابط التعامل معها، وفهمها وتحليلها وطرق نقدها ومعايير هذا النقد.
  5. يحدد أسس مشروعيتها، ومبررات الإعتماد عليها، والإعتقاد فيها أنها معرفة حقيقية، والرضا بنتائجها واستخدامها وتوظيفها.

فالمصادر تضعنا امام ثنائية العقل والحس ومن الكفيل بالمعرفة، والوحي الذى أقصي من مجال المعرفة، ومحاولة الدمج بينه وبين الكون عبر ما يسمى ب(القراءتين) من جهة اخرى؟. والعلاقات بين هذه المصادر، تفتحنا على تاريخ صراعي بين العقل ومقولاته القبلية أو معارفه الفطرية أو صفحته البيضاء، وبين الحس والتدحرج بينهما في الفكر الغربي خاصة. أما طرائق ومناهج الوصول إلى المعرفة (الحقيقية) فكانت تحسم غالبا لصالح المنهج التجريبي، على حساب طرائق اخرى، عمل السياق التاريخي والمسير الحضاري على إقصائها.

يبقى سؤال من يحدد مشروعية المعرفة، وإمكانيتها اهو العقل الذى يشهد لها؟ ام الله هو الذى منحها وهيا اسبابها ليقوم الإنسان بتسخيرها بعد تحصيلها، فتغدو هبه ربانية، وليس بروموثيوس هو الذى سرقها من الآلهة ليعطيها الإنسان، ليتمرد بها على خالقه و (يسيطر) بها على الآخر و (يغزو) بها الكون؟ ثم من الضامن انها معرفة (حقيقية) اهو الله أم الذات الديكارتية؟

ينتقل بعد ذلك إلى المنهج بين اللغة والمفهوم

مفردة المنهج حين تطلق في التداول الحديث يراد بها معان كثيرة:

  1. فهي قد تعني ( فلسفة) معينة كامنة، تضبط الافكار وتنظمها، فالمنهج بهذا المعنى هو القانون الفلسفي او المبادئ الفلسفية الناظمة، بتحديد واضح للأفكار ومصادرها ومناهجها.

  2. وقد تعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر صيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة)، يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

  3. كما قد تعني مجرد (الطريقة) أو (الخطة)، التي غالبا ما يغيب فيها الحديث عن البعد المعرفي رغم حضوره.

  4. وقد تطلق مفرده المنهج أو المنهاج ويقصد بها (الباب) الذى يتألف منه مؤلف ما.

ويقول عن المنهج في الدراسات الحديثة:

يميز العروي تمييزا واضحا بين ثلاثة مفاهيم، هي المنهج والمنهجية والأبستيمولوجيا، ويعرف المنهج بقوله: ” الطريقة التي تتبع لعرض موضوع من المواضيع”، وتحديد العروي مقصود لما سيُؤسس عليه من حكم، فهو يقول إنه يمكن ” ان تُرفض التاريخانية أو البنيوية كفلسفة، وتوظف كمنهج للتحليل في حدود معينة”، واعتبار المنهج مجرد خطة يثير كثيرا من الإضطراب، فكلمة عرض المنتقاة بحرص من قبل العروي، لو رجعنا إلى المعجم الفرنسي لوجدنا الأمر يختلف، فحين يعرف ((Methode يستعمل (يكشف) و ( يبرهن)، وكذلك بدل (موضوع معين) يستعمل (الحقيقة) في مجال العلوم، هذه الحقيقة اكتشفها وبرهن عليها ( العقل) أو ( الذهن)، الذى لا نجد له حضورا في تحديد العروي.

ونخلص إلى أن المنهج ((Methode يعني: مجموعة من (الخطوات) التي يتبعها (العقل) او الذهن، ليكتشف (الحقيقة) ويبرهن عليها.

ويكون المنهج إما صريحا او ضمنيا، في حقل الفلسفة خاصة، فالاول حين يُستخدم إستخداما عمليا، أما الثاني حين يتم تقنينه وتبريره كما فعل ديكارت في (خطاب المنهج)، ويكون المنهج واحدا بشكل عام في حقل العلوم الدقيقة، فهو المنهج الإستنباطي في العلوم الرياضية، وهو الإستقراء في العلوم الطبيعية، اما المنهج في العلوم الإنسانية والإجتماعية، فيطرح كثيرا من الأسئلة.

يميز (بياجي) حسب ما يقدم لنا محمد وقيدي بصدد العلوم جميعا بين أربعة مجالات هي:

  1. المجال المادي لكل علم: مجموع الموضوعات التي يتعلق بها هذا العلم
  2. المجال المفهومي: مجموع النظريات والمعارف التي تم تأسيسها وتنسيقها من طرف كل علم
  3. الأبستمولوجيا الخاصة بكل علم
  4. الأبستمولوجيا العامة

كثيرا ما يقع الخلط بين علم او حقل معرفي معين ومنهج ما، فيحشر العلم مع مناهج يمكن ان يكون احدها منهج هذا العلم، فنحن نعلم أن (الإتجاه النفساني) و (الإتجاه اللغوي أو السيميولوجي) و (الإتجاه السيميوطيقي)، كلها إتجاهات ترتبط (برؤية تتخطى ظاهر النص، لتبرز فيه بينه صورية)، بمعى أن البنيوية المعتمدة في هذه (الإتجاهات)، تحاول كما يؤكد عبدالرزاق الدواي، ان تثبت أنه “يوجد خلف كلامنا الذى نعتقد أنه حر وتلقائي، وخلف خطاب الأساطير، وخلف الأعراف والعادات والمؤسسات وأشكال الثقافة، نوع من (النظام الخفي) يعمل في المستوى العميق كبنية يتحتم الكشف عنها، من اجل فهم وتعقل تلك الظواهر.

ثم هناك أمر آخر يتعلق بالبنيوية التكوينية، واعتبارها شيئا آخر غير الماركسية، ويجب التاكيد على (الناظم المعرفي) الذى يعطي كل فكر تماسكه، حتى لا يتحول إلى مجرد خطرات تأملية.

هناك فكرة مسلمة، في الفكر الفلسفي خاصة، تقول: لا تعتبر أي فلسفة متماسكة أو فلسفة حقة، إذا لم يتوفر لها شرط القدرة على تفسير كل الظواهر دون الوقوع في التناقض، فهي ينبغي لها أن تشكل نسقا قادرا على إعطاء الأسس المعرفية لكل (علم) مؤسس أو في طور التأسيس، والماركسية لا تشذ عن هذا الإعتبار، فماركس وإنجلز مثلا (يمدان العلوم الإنسانية بأسس معرفية قوية، رغم انهما لم يشيرا إلى إنشائهما لهذه العلوم)

بناء على ما سبق فالبنيوية التكوينية التي تدرس الأدب وبناء الرواية الحديثة، التي نشات في القرن التاسع عشر، وتوافقها او تماثلها وبناء المجتمع الليبرالي، تستند إلى المبادئ او الاسس الأساسية في الماركسية، والجديد فيها هو حقل الإشتغال الذى هو الأدب

ينتقل بعد ذلك متسائلًا عن المرجعية والمنهج أيه علاقة؟

تشتمل كل الثقافات الإنسانية على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركه أبناؤها، حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية، وهذا يعني ان كل ثقافة بمعناها الشامل، الذى يحتوي كل ما ينتجه الإنسان أو كل ما يخرجه من دائرة الطبيعة البكر، ليدخله إلى نسقه الثقافي، يكمن خلفها نموذج:

  1. يحدد مصادر معينة للمعرفة: فيثبت مصادر ويغيب او يقصي أخرى، فيؤسس ثابته الذى يؤول إليه في تحريره للمعرفة وتحصيلها، هذا الثابت يتراوح في الفكر الغربي بين الحس والعقل بقبلياته الكانطية أو أفكاره الفطرية، وعبر هذا الثابت تتم قراءة كل ظاهرة إنسانية وترد إليه ولا يمكن تفسيرها خارجه.
  2. يقيم علاقات معينة بين هذه العناصر، فتكون الغلبة لمصدر دون الآخر، فيسود وتحال إليه كل المعرفة
  3. يحدد طرائق نقد هذه المصادر والمعرفة المتولدة عنها (المجال الأبستمولوجي)
  4. يضع المناهج التي توصل إلى هذه المعرفة ويحددها، فيقصي كل المحاولات التي تروم اعتبار ذاتها (منهجا) للمعرفة، فتظل هذه المحاولات تتقرب من الثابت علها تحصل على رضاه.

هذا النموذج الكامن هو ما نجده حاضرا بشكل او آخر في مجموعة من الدراسات، فالمسيري عمل جاهدا ليجرد هذا النموذج، فيقرأ مختلف المنتجات الحضارية الغربية، من مسرح، رواية، موسيقى، عمران، لباس، فلسفة، علوم إنسانية، منتجات تكنولوجيا، سلوكات معينة، مصطلحات وغيرها، ليضع يده على الناظم المعرفي، والباحث السوداني أبو القاسم حاج حمد يشتبك مع الحضارة العربية ازيد من عشرين سنة، ليكتشف هذا النموذج في (لاهوت الأرض)

ونمثل هنا بمثال، في حقل العلوم الطبيعية، والسؤال هنا لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان، وظل أمدا طويلا ينتظر الحضارة الإسلامية؟.   

يعرض أحمد فؤاد باشا التصور النظري العام، الذى يكون نموذجه العلمي الذى يقاس عليه تقييم العلم عموما، ويقدم فيه مثالا عمليا وهو (نظرية الضوء) ليطبق عليها تصوره النظري، بحسبه، إن النظريات التي يقدمها كل من أفلاطون وأرسطو وأبيقور حول الضوء، سواء في طبيعته أم تفسير هؤلاء لعملية الإبصار، تتعدد بشكل لا يمكن نفي إحداها وإثبات الأخرى، لن المنهج المعتمد كان (عقليا تأمليا فقط أو قياسا صوريا بحتا)، وقد ظل كل فريق يعتقد أن ما يقوله عقله ويتصوره ذهنه هو الأصوب، وظلت هذه النظريات تنتظر مرحلة الحضارة الإسلامية التي ستعرف ميلاد المنهج الإستقرائي، لأن القياس الصوري يوصف بانه منهج عقيم واجدب، لأنه لا يسمح بتقديم العلم خطوة واحدة، مهما تراكمت وتكدست المعارف المستنتجه على أساسه، لكن مع الحسن بن الهيثم تم وضع حد للخلافات القديمة حول تعريف الضوء وتفسير عملية الإبصار.

ويبقى السؤال ملحا، لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان؟

ألا يرجع هذا إلى (المرجعية) التي حالت دون حصول المعرفة العلمية التجريبية، فعزفت عن العمل اليدوي، والتجربة في المختبر الان ليست أكثر من عمل يدوي، واعتبرته مهنة العبيد والنساء، وقدست التامل واعتبرت (العلم النظري) الذى غايته المعرفة فحسب تشبها بالآلهة، هو العلم الحق، ولم تربط بين العلم والعمل كما فعلت الحضارة الإسلامية؟

قول أحمد فؤاد باشا إن الحسن بن الهيثم : “انطلق من مبدا عام هو القول بوجود العالم الخارجي وجودا مستقلا في ذاته، خارج الذهن وخارج النفس، وان العقل والحواس ادوات إدراكه”، ألا يحيل إلى مبدا التوحيد وثنائية الخالق والمخلوق في التصور الإسلامي، عوض وحدة الوجود الروحية أو المادية، التي لا تعين حدودا للثلاثي: الله، والإنسان، والطبيعة؟

ألا يفتح هذا القول كذلك على تاريخية المعرفة ونسبيتها، المعرفة التي يحصلها الإنسان بجهدد وحسب وحسب استعداداته الفطرية، والمعرفة المطلقة المجردة التي يسرقها برومثيوس من الآلهة ليمنحها الإنسان فيتجبر ويتكبر في الأرض بغير حق؟

نطرح هذه الأسئلة لأننا في امس الحاجة إلى السؤال بعد أن لم تعد الذات التي كانت تستحضر بإعتبارها كيانا مستقلا في مواجهة الآخر عذراء، فكيف نترك سؤال العلاقة من أزيد من قرن، وقبل ذلك كيف يسوغ الباحث العربي لنفسه النقل السهل أو الرد السهل، وسلم بإجرائية المفهوم، ووعائية أو اداتية (المنهج)، وهو لم يحدده أصلا- بعض الدراسات العربية لا يستغرق منها الكلام حول المنهج المتبنى إلا صفحات معدودة، وفي احيان أخرى لا تضبط دلالة المنهج ويتم القفز للحديث عن الإجراء- وكيف رفض هذه الوعائية أو الأداتية؟

يتم الحديث في الغرب عن (المفهوم الرحالة)، الذى ينتقل من حقل معرفي لآخر، داخل النسق المعرفي الغربي الواحد، ولكن بكل حذر وحيطة، لأن الباحث هناك واعي بأن المفهوم له تاريخ، وبأنه يتعدد، تبعا لتعدد حقول المعرفة، وتبعا للأثر التاريخي الذى يتطور في ضوءه ذلك الحقل، وياتي الباحث العربي ليقول ب(المفهوم الرحالة) وب(الإستعارة) و(التبييئ)، و(كونية المفهوم)، و(اجرائيته)، دون أن يبذل جهدا في تفكيك هذا الأمر.

أكان القرآن يرفض من المؤمنين، و(يحرم) عليهم (راعنا)، لأن اليهود كانوا يقولونها فقط على وجه الإستهزاء والمسبة، أم ان (راعنا) لها تاريخ وايحاءات وظلال، وعبرها يتم التواصل مع تراث معين.

في الواقع، لا منهج مجرد من مقولاته ونماذجه، ولأن المنهج يتشكل في أحشاء النماذج التي يعالجها، و(يكتسي) باللحم من خلال الموضوعات التي (يولدها)، والباحث يدخل موضوعه وهو يحمل ايضا مجموعة كبيرة من القضايا والأفكار، حول الدين والتاريخ والمجتمع والآخر واللغة.

لهذا يحذر منير شفيق من الدخول في نقاش حول مبادئ المنهج وتقنياته من جهة، بمعزل عما قدم هذا المنهج من نماذج وأفرز من موضوعات من جهة أخرى، حتى لا يخرج من يدعي انه يعمل بهذه التقنيات في هذا المجال وبتقنيات أخرى في مجال آخر، ويوحد ويدمج التقنيات في مجال ثالث مشكلا منهجا متكاملا، وللأمر ذات يذَكِر أبو القاسم حاج محمد الباحث احمد حيدر بأن النزعة الإنسانية التي يحاول تطعيم الماركسية بها هي: ” نزعة خارجية ذاتية”، لأن “تجريد الماركسية من جبريتها…هو أمر غير ماركسي”، لأن لكل فكر (منهجه الضابط  والمنظم)، فإذا كان المنهج ماديا فهو ينتج افكارا لا تكون إلا مادية.

 

سلافوي جيجك: الناس تشتري الكتب ولكن لا أحد يقرأها

zizek460

سلافوي جيجك، فيلسوف اشتراكي من سلوفانيا، ولديه العديد من الإسهامات في الفلسفة الغربية الحديثة.

يقول (جيجك): “الناس تشتري الكتب، ولا أحد يقرأها”. ننشر هنا لقاءً صحفيًا معه، أجرته صحيفة (الفلسفة اليوم)، نترجمه بشكل حصري لدى ساقية.

يبتدئ الحوار بأن يسأل المحاور:

إذن بروفسور جيجك …

لا تناديني بروفسور إذا كنت لا تريدني أن اقتلك لأني اشعر بالإنزعاج عندما ينادوني بكلمة “بروفسور”، ويقولون: أين هو البروفسور؟ لدي مشكلة مع إستخدام الألقاب الرسمية، وهلم جراً. وعندما يناديني أحدهم بروفسور أستقبلها كنوعٍ من السخرية، ولستُ فخوراً بها…

الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها؛ أنت لست مجرد فيلسوف ولكن على غير المعتاد فيلسوف شهير؟ هل الشهرة ضرورة؟

في البداية، مفهوم الشهرة نسبي، وكما تعلم لدي العديد من الأعداء؛ يعتقد بعضهم أني مجرد مهرج، و يعتقد البعض الآخر أنَّ خلف طبيعتي المسلية داعي للفاشية أو شخص ذا أبعاد ستالينية، وهلم جراً.

إذن؛ ما يسمى شهرة هو مجرد وسيلة لإبقائي بعيداً عن التعمق بجدية في الاعمال التي أقدمها، وأنا فخور حقاً بكتابي “أقل من لا شيء”، الكتاب المجنون والذي يتساوى في عدد صفحاته مع “الإنجيل المقدس”، وهو كتاب معروف وقد بيع منه نسخاً كثيرة جداً، فكل ذلك يعطيني الأمل بأن لا نقلل من شأن عامة الناس .

مؤخراً، تعرضت للضغوط من مؤسسات لنشر الكتب لأجل أن اقوم بتأليف كتاب مسلي من فئة الأكثر مبيعاً عن دونالد ترامب، ولكن لماذا ينبغي علي تأليف ذلك؟ لا أعتقد أن ترامب مثيراً للإهتمام بل هو أحمقٌ مُمل.

هل أنت قلق حول كتبك تصبح زينة فوق طاولات القهوة؟ أنت تعلم، الناس يشترونها ولكن في الواقع لا يقرؤونها؟

بالطبع أنا قلق، ولكن ليست الكتب التي توضع فوق طاولات القهوة وحدها لا تقرأ، خذ معها كتب الأكثر مبيعاً، والكتب الكلاسيكية أيضاً، الناس تشتريها ولكن لا أحد يقرأها.

و على سبيل المثال انظر كتاب جون رولز بعنوان “نظرية العدالة”؛ اعرف شخصياً مؤلفين من نيويورك قاموا بتألف كُتباً عن “نظرية العدالة”، و اعترفوا لي على انفراد وفي لقاءات خاصة أنهم لم يقرؤوه، و لا اختلف معهم لأن أسلوب جون رولز في الكتابة يمكن اختصاره داخل  50 صفحة ولن تفقد من مضمونه شيئاً.

وكل ذلك يقودني لبعض الشكوك المشابهة حول هيجل و مؤلفاته عن “المنطق”، فأنا اشك أن الناس قرؤوها، ولسببٍ ما أعتقد أنه لا يهم حتى وإن لم يقرؤوها.

ويوجد كتاب رائع لمؤلف فرنسي إسمه بيير بايارد، بعنوان “كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها؟”، المؤلف يأخذ موضوع عدم قراءة الكتب بجدية وبالجدية الفرنسية الصارمة، وليس بأسلوب هزلي ساخر، فيقول: إنَ أفضل الكتب التي تناقش مؤلفين آخرين تم تأليفها من أناس لم يقرأوهم بشكلٍ كاملٍ، ويضيف أيضاً: عندما تتحدث عن كتاب لم تقرأه يجب أن تقوم بالتركيز على جزئية واحدة، ثم تترك هذه الجزئية الوحيدة تصبغ إنطباعك الكُلي حول الكتاب.

وهو بالطبع صادق، لأن تلك هي الكيفية الوحيدة لتقديم شيء جديد، وذلك عبر المفارقة الفلسفية التي تقول: لا تحتاج لتقرأهُ كلهُ إن كنت تعرف الكثير منه و إلا ستشوش القراءة أفكارك التي تعرفها.

ولكن الناس يشترون كتبك ولا يقرأونها، فهل بالرغم من ذلك تعتبرها علامة جيدة على إهتمامهم بالفلسفة؟

نعم، أمنيتي السرية أنَّ هناك فئات متعددة من القراء ومنهم القراء الذين لا يبحثون داخل كتبي عن النكت فقط.

فبعد السلسلة الفلسفية من الكتب التي ألفتها مؤخراً، والأكثر فلسفية، كتاب بعنوان: “الإرتداد المطلق” والذي إن كنت تسألني تحت تهديد خطر الموت – وآسف لقول هذا – هو أفضل كتاب من بين الكتب التي ألفتها على الإطلاق، لأن بسببه استقبلت رسائل كراهية عبر الإيميل، ومنها رسائل تشكوى: “أين النكت؟”.

بعيداً عن النكت البذيئة التي اقولها؛ يتهمني البعض أني مجرد فيلسوف تقليدي جداً! وهم صادقين بعض الشيء لأني استخدم فلسفة جاك لاكان كأداة صارمة لإعادة تأويل فلسفة هيجل.

وأكبر حدث في تاريخ الفلسفة هو الانتقال من كانط إلى هيجل.

مالذي يجب على الفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ أو مالذي يمكن للفلسفة أنّ تقدمه اليوم؟ وهل كان هيجل علامة فارقة ذا أهمية؟

قطعاً بالتأكيد. اليوم ربما ليس الوقت المناسب لتغيير العالم ولكن بدلاً عن ذلك يجب أن نخطو عودةً للخلف، ونتأمل. فكل ما نحتاجه اليوم هو الإنتقال من مادية ماركس إلى مادية هيجل لأنها أكثر حصافة ودقة.

هل تعرف من هو هيجل الذي يعجبني؟ هيجل الذي يقول في مقدمة كتابه: “إن بومة منيرفا لا تبدأ بالطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله”، و تعطي هذه المقولة البسيطة انطباعاً خاطئاً أن هيجل كان محافظاً في “فلسفة الحق”، و بطريقةٍ ما فهو يدعوا إلى الفاشية داخل المجتمع، لأنه كتب ما معناه أن أي نظام تاريخي محدد لا يمكن فهمه إلا بعد أن ينتهي وقته، فهل تعتقد أن هيجل مغفلاً ولا يعرف أن نفس الوصف من الممكن أن ينطبق على كتابه “فلسفة الحق”؟ هيجل لا يرسم نظاماً ويفرضه كشكل إجتماعي محدد، بل يرسم حالة اجتماعية تُشكل نفسها بعد أن تجاوزها الزمن بوعيٍ تام. وحالنا اليوم يشبه فلسفة هيجل تماماً وأكثر بكثير من فلسفة ماركس.

ماركس يؤمن وبقليل من الغائية أن الظرفية الاجتماعية تتطلب ثورة بروليتارية كضرورة حاسمة،  ومهمتها إصلاح البشرية جمعاء. لكن بالمقابل تُفهم الظرفية الاجتماعية عند هيجل على اعتبار انها نهج ما بعد الثورة. فخذ على سبيل المثال الثورة الفرنسية التي أخفقت، وتطورت بطريقةٍ ما لتصبح شيئاً بعيداً عن الصواب، ولكن هيجل قام بإعادة تأويلها.

الإشكالية العصية التي تطرحها أفكار هيجل هي أن لا تقول أن الثورة الفرنسية مجرد هراء، ولكن يجب عبر كيفية خاصة أن نحافظ عليها كإرث تاريخي بشري حي بغض النظر عن النتائج الكارثية التي آلت إليها الثورة. وأتصور أن وقتنا الحالي مشابه جداً لتلك المرحلة؛ فالقرن العشرين فشل في محاولات التحرر من الراديكالية السياسية.

ويجب أن نتخلى عن الإستعارات المجازية الماركسية مثل أننا اليوم نقود قطار التاريخ البشري. فالماركسيون يحبون أن يقولون حتى وإن كانت الأيام مظلمة؛ فبالإمكان رؤية النور آخر النفق. وأنا أقول بقليل من السخرية: ” نعم إنه نور قطار آخر يتجه نحونا”.

إذن هذا حالنا اليوم، وهيجل يعرفه، حالنا مكشوف؛ لا نستطيع عمل أي خُطط لتغيير العالم.

ولكن النور معنى مجازي، وقد يعني أي شيء، ولايعني بالضرورة قطاراً آخراً؟ هل من الممكن أن يكون النور هو نهاية النفق؟

نعم مجازي. و بسبب ذلك يجب علينا أن نتخلى عن الأوهام والآمال الزائفة.

حتى الجناح اليساري اليوم، في معظمه هو يسارية فوكويامية. فيعتقدون جوهرياً إن الليبرالية الديموقراطية وأجزاء من الرأسمالية هما اللاعبان الرئيسي والوحيد في العالم، و يحاولون أن يجعلون اليسار أفضل بمزيد من التضامن الاجتماعي والوحدة الاجتماعية و التآمين الصحي وزاج المثليين….الخ.

وجوابي على فوكوياما: حسناً لنقل أنك على صواب، وان الرأسمالية انتصرت، أليس من السخرية أن أغلب قادات الرأسمالية العالمية هم شيوعيون يمتلكون القوة. لذا يجب علينا أن نتفق في أن إدارة الأمور بطريقة القرن العشرين قد انتهت.

ألا تعتقد أن هذا يقودنا إلى إشكالية اصطلاحية؟ عندما تقول “الرأسمالية يقودها شيوعيون يمتلكون القوة”، مالذي تقصده بالرأسمالية؟ الرأسمالية لها صيغ وأشكال متعددة، والشيوعيون الذين يقودون الرأسمالية بالتأكيد ليسوا شيوعيين حتى إن ادعوا ذلك.

على أي مقدار أنا شيوعي؟ بقدرٍ محدود للغاية. و ألسنا كلنا شهود اليوم على تهكم عظيم؟ فما تبقى من اليسار عاجز عن تقديم نموذج عالمي بديل وملائم. واتذَكر عندما كنت جزء من الحركة الاجتماعية “احتلوا وول ستريت”، وكنت مع المعارضين في نيويورك أسأل الحشود أسئلة حمقاء مثل: “مالغاية التي تريدون الوصول إليها؟” وطبعاً لم يعطوني جواباً وحداً لأنهم أصلاً لايعرفون ماذا يريدون. فاليسار اليوم يتجه نحو الأخلاق الاجتماعية كأجوبة بسبب الإفراط في التركيز على مفاهيم مثل الصواب السياسي، وهلم جراً.

المشكلة هي أن المعارضين لا يعرفون ماذا يريدون وبلا هدف واضح من ناحية، ومن ناحية آخرى أليست كل العلامات التي من حولنا تدل على أن الرأسمالية التي نعرفها، تقترب من النهاية؟ انظر  إلى المشكلة الايكولوجية “البيئية”، من الواضح أن الرأسمالية عبر سن الأنطمة والضرائب لم تستطع تقديم حلولاً كافية. وانظر الى الرأسمالية الخيالية، وكيف يسوقون لها الناس. وعندك أيضاً مشكة المهاجرين، اذا سألتني، أعتقد أن الرأسمالية تنهار. وعند وقوع كوارث كبيرة نحتاج لحلول أكبر، يستطيع أن يحتويها.

و انظر الى مشكلة الجينات الحيوية والتي ستغير في كينونة الإنسان الحي؛ بالإمكان أن تتصل أدمغتنا مباشرةً بأجهزتنا الكمبيوترية. والنتيجة الحزينة الوحيدة، والتي كنتُ ولازلت أحذر منها هي نموذج الدولة المثالية؛ الدولة المفتوحة تماماً للسوق العالمي، ولكن في نفس الوقت مبنية على آيديولوجية التمركز العرقي، بالتركيز على ثقافتها الخاصة فقط، وهذا ما يقوم به ترامب، وجميع الحكام الدكتاتوريين، والصين، والهند، وحتى بوتين يلعب نفس هذه اللعبة. فالعالم يتجه نحو نهج دولي جدي عبر الانفتاح على السوق العالمي الحر، وبالمقابل،كقاعدة أساسية الإنغلاق على الذات وعدم قبول الآخر. وهذا شيئٌ محرنٌ جداً.

ونعود الآن لسؤلك: لماذا الشيوعية؟ أتصور جميع المشاكل التي سردتها هي في نهاية المطاف كما يصفها، كارل ماركس ب “العموميات”، والمقصود وجود بعض الأجزاء العامة والمشتركة بين الجميع، والتي لا يمكن خصخصتها وتركها للسوق. فالايكولوجيا “علم البيئة” جزء من حياتنا الطبيعية المشتركة، وإلى أي مقدار  يمكننا التلاعب فيه؟ وعندك أيضاً الملكية الفكرية هي من مشاكلنا العمومية، ومعها أيضاَ مشاكل الجينات الحيوية. وبهذا المعنى أضعها بشكل ساخر، وأقول : “اليوم الشيوعية ليست الحل، ولكنها إسم المشكلة”. لذا يجب علينا أن نجد حلاً بمستوى عمق مشاكلنا؛ أي نتعامل مع مشاكلنا العمومية خارج نطاق متطلبات علاقات السوق العالمي.

صديقي بيتر سلوتردايك، عبر كتابه بعنوان ” ماذا حدث في القرن العشرين؟” قدمَ نفس الإستنتاج، بانتهاء حقبة الدولة القومية التي تكون أسمى قيمها الأخلاقية العليا مبنية على ” هل أنت جاهر للتضحية لأجل وطنك؟”. فنحن بحاجة إلى نماذج فعاله للخروج من حدود الوطنية القُطرية كطريقة ناجعة لحل مشاكلنا مثل مشكلة الجينات الحيوية.

على الرغم من كوني ماركسي جيد إلا أنني لست ضد الرأسمالية بالمطلق، لأنها النظام الأكثر ديناميكية في تاريخ البشرية. وأيضاً أرفض قطعاً الإعتماد على المفاهيم القديمة التقليدية لمحاربة الرأسمالية العالمية، بل يجب أن نحاربها بمفاهيمنا الخاصة عبر رؤية عالمية جديدة. ونقطتي التي أود أن أقولها يجب علينا عبر ممارسة الرأسمالية أن نتجاوزها، ونتخطاها، ولا أقول أريد طوبائية “حياة مثالية” وأكثر، ولكن أقول من الواضح أن الرأسمالية تقترب من أزمة كبرى، والسبب عدم قدرتها مواجهة مشاكلنا العمومية مثل المشكلة الايكولوجية، وهلم جراً.

أنا هنا متشائم الى حدٍ ما، بمعنى أن الرأسمالية عاجزة عن حل مشاكلنا عبر مفاهيمها الخاصة. وأيضاً أجد خوف الناس من البطالة بسبب العولمة غير عقلاني، أقول لهم: ليس صحيح لأن زيادة البطالة بسبب العولمة هي أفضل خيار تاريخي حصلنا عليه. لأن حان الوقت أن نقول: “عظيم! الأن سنعمل أقل”، ولكن الإفتراض التلقائي جواباُ على البطالة في انها كارثة.

هل تقول أنه لا توجد فعلياً ثورات سياسية مُحكمة السيطرة والتخطيط؟

نعم، هذا تصور هيجلي؛ لا توجد ثورات محكمة التخطيط. وماركس كان يقول أن الثورة البروليتارية عملاً يفهمه بوضوح الذوات التي تقوم به، ويحقق تطلعاتهم. وفي مرحلة ما من التاريخ الطبقة العاملة (بقيادة لينين) كانت تعرف بوضوح المواضيع التي تريد تحقيقها، وعملوا الثورة، ولكن النتيجة لم تكن عن غاية مخططة فلم تعبر بصدق عن المجتمع، بل وقعت في نفس الجدلية التاريخية التي سبق أن وقع بمثلها في مرحلة سابقة من التاريخ.

في كتابي الجديد “شهوانية الباطل: عُقد الفلسفة الإقتصادية”، أسأل عن معدلات الموت في الأنظمة الشيوعية. لا أحارب فقط ضد صدق وشفافية الثورات ولكن أحارب أيضاً ضد الرؤى التي بطريقة أو بأخرى ستكون محل تمجيد في المجتمعات الشيوعية. فأنا أقول فقط، ولكن من الذي يعرف؟ ربما الأوضاع ستكون أسوأ. وحتى بدون تنميط الماركسية بصورة مخادعة يجب علينا فهم مصطلح “الكثافة التاريخية”. افذا كانت جميع القوانين الاجتماعية تفتقر للشفافية الصادقة، سينتج عنها مجتمع جديد مطابق لها تماماً آي أنه في الأساس مجتمعاً لا يعرف مالذي سيقدمه.

أنت أشرت سابقاً إلى الصواب السياسي، هل تعتقد أنه مشكلة؟

لدي بعض الشكوك حول مفهوم “الصواب السياسي”، فأتفق مع أهدافها، وعدم الإهانة، وعدم الذل، وصمودها ضد القوة الاجتماعية، ولكن فكر في شخصية الإنسان “الكائن الحي” الذي يؤمن بالصواب السياسي، سيعيش في هووس بين قلق الإيذاء الشائع و بين كثرة ضحاياه لدرجة أصبحنا فيها دائماً مهددين في كل ما نفعله. واذا نظرت الآن إلى عينيكِ لمدة ثانيتين، قد تُعتبر نظرة طويلة، وتصبح تحت مفهوم “الصواب السياسي” جريمة إغتصاب بصري. بالتالي خلف الصواب السياسي رؤية حزينة ” أننا جميعاً من المحتمل أن نكون ضحايا”.

أليس الصواب السياسي في مجمله هو ضبط اللغة باستخدام ألفاظ لبقة للتعبير عن ذواتنا بغض النظر عن التعصب الموجود بداخلنا؟

نعم لكن تطبيقها يُخفق، فأفضل خطوة للوقوف خلف العنصرية ليس بتغيير اللغة، ولكن بإستخدام نفس اللغة بطريقة ساخرة لاعنصرية بسبب اعتقادي بإستحالة التواصل مع بعضنا بلا قليل من البذاءة.

كنت أتساءل هل تتصور بالإمكان وضع سؤلاً فلسفياً واحداً تحديداً اليوم ليكون بارزاً؟

من الممكن وضع سؤلاً حول طبقات المظهر الخارجي (الشكل)، وهي مسألة مؤلوفة، وحتى كانط ناقشها كثيراً: ” هل كل الذي حولنا يحدد مظهرنا الخارجي؟ هل بالإمكان تجاوز المظهر الخارجي ولمس الجوهر بواقعية كما هو؟”، بالمقابل عظمة هيجل تكمن في التعامل مع هذه المسألة بشكل عكسي، بالقول: “كيف يظهر الجوهر الداخلي بواقعية وصدق عبر المظهر الخارجي كما هو؟”، لأن المظهر الخارجي يعني فجوة مريعة. فالأشياء ليست هي فقط مظهرها خارجي، بل هي ماتظهره لذواتها داخلياً. وأنا هنا هيجلي تماماً، وأؤمن بوحدة المظهر والجوهر، و وجوب تبادل الحد الأدنى من الانعكاسية بين المظهر والمطلق الكلي.

وبالنسبة لي تعلمت من الفيزياء الكمية أن المظهر مجرد مادة، ويمكن قياس مقدار حجمها بمقدار ظهورها، والظهور يعكس الماهية؛ جوهرها.

نحن الأن نقترب من نهاية المقابلة، ولكن قد يتساءل قرائنا، من بين كل الكتب التي قمت بتأليفها؛ ما هي الكتب التي يتوجب علينا قرائتها؟

من كتبي أتصور كتاب “حدث: فلسفة العبور”، وإن كنت تمتلك الطاقة الكافية فأنصح بكتاب “الإرتداد المطلق”.

وأيضاً بالطبع يوجد عندك الفلاسفة العظماء الثلاثة بالنسبي لي وهم: أفلاطون، و ديكارت، و هيجل، ولماذا؟ لأن كل واحداً منهم قدم فلسفة تتوارثها الأجيال. أو كما قال ألفريد نورث وايتهيد : ” أليس تاريخ الفسلفة في جُله هو تاريخ نقد أفلاطون؟”، ومن بعده يأتي ديكارت؛ فالجميع يريد التخلص من ديكارت، وفي القرن التاسع عشر كانوا جميعاً يرغبون في التخلص من هيجل. هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، هم فلاسفة “الحدث”.

 

حسن مدن، والكتابة بحبر أسود

138042462039247

 

د. حسن مدن، من مواليد البحرين 1956، حاصل على دكتوراه فلسفة في التاريخ الحديث والمعاصر، صدرت له عدة مؤلفات، من أبرزها: (خارج السرب)، (الثقافة في الخليج: أسئلة برسم المستقبل)، (ترميم الذاكرة)، (الكتابة بحبر أسود)، (للأشياء أوانها).

الكتابة بحبر أسود2

الكتابة بحبر أسود

يتكون الكتاب من أربع اقسام، الأول جعله الكاتب عن الكتابة، يتكون من العديد النصوص التي تتناول الجوانب المختلفة لعملية الكتابة منها:

كيف نكتب الجملة الأولى:

ما الذى يجعل القارئ بعدما يفرغ من قراءة كتابة لكاتب ما، أن يقول: أنها كتابة عادية، وما الذى يجعله  يقول إزاء كتابة اخرى إنها كتابة مختلفة، وما هو الشئ الذى يضاف إلى الكتابة فيجعل منها كذلك، ويغيب عنها فتصبح كتابة عادية؟

إن الأمر يتصل بما ندعوه روح الكتابة، ولا نظنها مفصولة عن روح الكاتب المبثوثة في كتابته، ينصحنا نيتشه بالتالي: “عندما نقرأ لكاتب يتسم أسلوبه بالإقتضاب الخاطف وبالهدوء والنضج أن نتوقف أمامه مليا أن نقيم عيدا طويلا وسط الصحراء، ذلك أن حبورا مماثلا لهذا الذي يبعثه هذا الكاتب في نفوسنا لن يقع لفترة طويلة”. إن اصعب ما في امر الكتابة هو وضع أو صياغة الجملة الأولى، إنه مأزق الجملة الأولى المدخل، التوطئة، الإشارة الأولى التي ينطلق بعدها السباق. والغريب انك أمام مأزق هذه الجملة تجتاز تحديا أمام نفسك في المقام الأول لأنك في العمق راغب في أن تضع الجملة الأولى، التي تحمل القارئ على أن يقرأ، ما يليها من جمل، لكي تضمن أنه خمن ما تريد أن تقول وقرر بينه وبين نفسه أن يقرأ  ما تريد قوله أو عدم قراءته.

(ماركيز) تحدث عن هذا في احدى المرات بإستفاضة، لكنه كان بصدد الحديث عن الكتابة الروائية حصرا  وأنه تغلب – بعد طول مران – على مأزق الإستهلال أو المدخل، بإن يبدأ عمله الروائي بلقطة بحادثة أو حكاية، واعطى مثلا على ذلك مدخله الشيق في مائة عام من العزلة، همنغواي اقترح الحل التالي: ” دون بالقلم الرصاص جملة تامة صحيحة، أتم وأصح  جملة تعرفها، ثم تابع الكتابة، بعد أن تنهي النص عد إلى الجملة الأولى واحذفها، ستجد أن حذفها لم يغير من النص ولم  يسئ إليه”.

من بصيرة القلب تأتي الكتابة:

ترى (ايزابيل الليندي) أن الكتابة تشبه عملية التدريب لكي يصبح المرء رياضيا، وتققول كذلك إنه يراودها شعور أنها لا تخترع  أي شيء وأنها بطريقة ما تكتشف أشياء موجودة هناك، ووظيفتها هي العثور عليها واحضارها إلى الورقة.

كتابة  للشفاء:

كثيرا ما نذهب إلى العزلة اختياريا، حين تكون ملاذا من الألم الذى يسببه الآخرون، الافتراق البطيء مر ومعذب تغدو مساحة البيت الضيقة فضاء حرية، نعيما في مواجهة حجيم الخارج، الذى يفضح خواء النفوس وهشاشتها، وفي مثل هذه  الحال يقيم صداقة دافئة مع تفاصيل وأشياء تبدو – على الرغم من حيادها الظاهر – عزيزة وأليفة ومسلية، كانه يعود إلى فطرته، يعيد تنظيم المسافة بين ذاته وبين البشر والأشياء.

لا تاتي العزلة وحدها، نحن الذين نذهب إليها، نختارها، حين تلج عالم العزلة فإن الكتابة هي وسيلة القول التعبير لا بل البوح حتى لو كان غاضبا، ستأخذك الكتابة ذاتها إلى ما كان قبل هنيهة مجهولا بالنسبة لك وسيغدو ما كتبت كائنا حيا  مستقلا عن ذاتك، حتى لو كان في الأصل فلذة من مهجتك، وسترى بعد حين لن يطول أن من يشاطرونك هذه الذات من يشبهونك، هم من الكثرة بحيث تغدو وحدتك نافذة على الحياة، على أولئك الذين يشاطرونك الألم.

الخربشات والمسودات افكار مقموعة:

لفتت نظري – الحديث للمؤلف – في مقالة كتبتها سيدة اجنبية، توصيفها للخربشة بأنها عملية أقل وعيا من الكتابة وتنزع نتائجها لأن تكون اكثر تنوعا وفردية، وتنسب الكاتبة لاحد علماء النفس قوله إن الأشخاص الذين “يخربشون” هم في كثير من الحالات أولئك الذين يرتاحون كثيرا للقلم والورق، وأنه يمكن النظر إلى الخربشة بوصفها نشاطا ابداعيا آتيا من الجانب الأيمن من الدماغ وفي موضع آخر تشير إلى وجود أدلة على أن الخربشة يمكنها تحرير الدماغ ليتفرغ للنشاط الذهني وأنها – الخربشة – شكل بصري من أحلام اليقظة إلى ذلك هناك من ينظر إلى الخربشات بوصفها مفتاحا يقدم تلميحات  عن شخصية الإنسان.

لا اعرف ما الذى حملني على الإنطلاق من هذه التأملات حول الخربشة إلى فكرة طالما استوقفتني هي مسودات الكتابة حيث يتعين تبديد الفكرة السائدة عن هذه المسودات، التي تجعلها في مرتبة أقل من من تلك المرتبة التي للنصوص في  صيغتها النهائية المعدة للنشر، ما اكثر ما تجري العودة للمسودات سواء  من قبل الكتاب انفسهم، الذين يظنون أن فيها  خامات أفكار للكتابة لم تستثمر كفاية، لاعب الشطرنج الشهير كاسباروف قال مرة إنه يعتبر النقلات التي فكر فيها، ولكنه  لم يقم بها على قطعة الشطرنج جزءا من  النقلات التي قام بها فعلا.

ينابيع الكتابة:

من أين يستقي الكاتب مادته، أمن الذهن مثلا، أم من الشعور؟ ام من تجاربه وخبراته الملموسة؟ أم هي مركب مزدوج  من هذه الينابيع كلها، وربما من سواها أيضا، أم تراه من أمر آخر غير معلوم؟ إن أفكار الشعب تنداح في الأفكار والأساطير والأقوال، المأثورة، والأمثال الشعبية التي تمثل مجازيا كامل حياة الناس من واقع خبراتهم وتجاربهم.

في النص التالي، يثير الكاتب عدة أسئلة مبثوثة مباشرة في النص ومضمرة، كالسؤال: هل انتقلنا نهائيا  كعرب من ثقافة الحكي المنطوق؟ وتعبيراتها ورموزها، إلى ثقافة الصورة التي تقدم حكيا غير منطوق؟ له تعبيراته ورموزه ومنها اغراء  سهولة اصدار حكم مباشر على اي حدث، دون العبور كغيرنا بثقافة الكتابة؟  وما اثر ذلك على مجتمعاتنا؟ إذا عرفنا أن ثقافة الكلمة المكتوبة تهيئ حاملها للاعتماد على  التوثيق والبحث والتحليل المعمق والمضمر والمسكوت عنه داخل أي نص.

الحكي، الكتابة، الصورة:

بشكل من الأشكال تمثل المادة المبثوثة عبر الشاشة، عودة إلى نمط من الثقافة الشفهية، لكنها في نسختها الجديدة تأتي معززة بالصورة، القادرة على احداث اثر فوري وسريع في أذهان ونفسيات المتلقين، لا تفلح الكلمة رغم أنها الأكثر عمقا، على احداثه بذات السرعة.

الوضع الجديد فرض ويفرض على المعبرين بالكلمة، مجاراته في بعض الأوجه، بشكل عام يلاحظ أن الجمهور يفضل الخطيب الذى يرتجل خطابه أو محاضرته، على ذلك الذى يقرأ من ورقة مكتوبة، يبدو أن الأمر لا يقتصر على الشكل وحده، وإنما  بالمحتوى، لأنك حين ترتجل قولا، فإنك تعبر عن مضمونه بصورة تختلف، قد تكون اكثر عمقا أو اكثر سطحية لكن مفردة الحكي، يمكن أن تنصرف هنا إلى ما يدعوه المتخصصون بالثقافة الشفاهية، في اشارة لذلك الميراث الهائل من التعبيرات والرموز، التي تم تناقلها شفاهيا قبل أن تشيع الكتابة، وتصدق بشكل اكبر على البلدان النامية. حيث مازالت نسبة الأمية عالية، هذه المجتمعات تتهددها اليوم ثقافة شفوية، من طراز جديد آتيه من سطوة ثقافة الصورة في وقت لم تتمكن الكتابة من ترسيخ تقاليد ممتدة بسبب فتوتها أو محدودية الزمن في الذى قطعته.

الصورة هي اليوم عماد المجتمع الإعلامي، فهي تقدم نفسها مرجعية أولى وأخيرة، لا يقاس على سواها، بل إنها توهم  المشاهد أنها هي الواقع، والمذهل في تدفق الصوره. قدرتها الفائقة على تعطيل الحواس الأخرى وتحفيز الغريزة والمتعة لأن تلقيها لايتطلب جهدا أو تركيزا، على خلاف ثقافة الكلمة، فهذه الأخيرة قائمة على توالي الكلمات الذى يتطلب تفكيك  العلاقات العائمة بينها، بينما الصورة تعطي دفعه واحدة، مقوله منسوبة لـ(كافكا) تقول: “النظر لا يستولي على الصور، بل هي الصور تستولي على النظر وتجتاح وعينا”

يثير ما يكتبه حسن مدن في النص التالي، السؤال: هل من الضروري أن تكون كل أو أغلب الأعمال الأدبية مفهومة  لدى كل الناس، وهل يتنافى عدم الفهم مع الإستمتاع، واعني أن غير المفهوم لدى الكثير هل هو بالضرورة معقد.

شيطان الكتابة:

يصنف (أرنستو ساباتو) الأعمال الفنية في أربع خانات، في الأولى يضع أعمالا فنية يصفها بالكبرى، ولكنها للأقلية فقط  بمعنى أن الأغلبية قد لا تكون في وضع يمكنها من استيعابها، أو التفاعل معها، ويضرب باعمال (كافكا) مثلا لها، وفي الخانة الثانية يضع اعمالا موجهة للقلائل لكنها سيئة، ويضع معظم الأشعار المكتوبة اليوم ضمنها، فهي برأيه أحجية لفظية  أو صرعات شكلية، أما الخانة الثالثة فمخصصة للأدب الكبير، لكنه موجه للكثيرين ومثاله (قصة الشيخ والبحر) لـ(همنغواي) فيما يدرج في الخانة الرابعة أدب للأكثرية أيضا لكنه سيء، ومثاله القصص المصورة والروايات الفاجرة وكامل الأدب البوليسي على وجه التقريب.

والسبب في رأيه إنما يعود للموهبة، ومن هنا فإنه لا يرى أن هناك موضوعات بسيطة وأخرى معقدة، لكن هناك كتاب  معقدون يخفقون في تناول هذه الموضوعات، فينفروا القارئ منها، بدل ان يأسروه بطريقة تناولهم لها.

التعقيد ياتي من الكتاب لا من الموضوعات، والنموذج الساطع الذى يضرب به المثل هو رواية (الجريمة والعقاب) لـ(ديستوفسكي) إنها ببساطة قصة طالب فقير يقتل مرابية، وهي قصة يمكن أن يكتبها صحفي عادي أو كاتب معدوم الموهبة او قليلها، فتغدو واحدة من ألف حدث مشابه، ولكننا نعرف أي شيء صارته هذه القصة عند (ديستوفسكي) كل الروايات والقصص تدور حول أحداث تجري في الحياة، مهما بلغت مخيلة الكاتب من ثراء، وهي احداث بوسع كل أمرئ أن يحكيها، غالبية الجدات في العالم يروين حكايات ممتعة لأحفادهن ولكن هذه الحكايات لا تصير أدبا إلا إذا تناولها كاتب  موهوب. كتب (جورج أورويل) مقالة “لماذا أكتب”، بعد مرور سبع سنوات على صدور روايته الشهيرة  (مزرعة الحيوان) خلال هذه السنوات لم يكتب رواية اخرى لكنه أفصح في المقال عن رغبته في اصدار رواية تالية، قال جازما إنها ستكون فاشلة. لماذا هذا الجزم بالفشل؟ الجواب على لسان (أورويل) نفسه:  “كل كتاب هو فشل”، لكنه قال في المقال نفسه  مستدركا: “ولكنني اعلم بشيء من الوضوح أي نوع من الكتب أريد كتابته”، جاءت الرواية التالية بعد عامين من هذا القول، ولم تكن تلك الرواية سوى (1984) .

ليس (جورج أورويل) الكاتب الوحيد الذى تؤرقه فكرة كتاب، وتظل ملازمة له طوال سنوات، وحين ينتهي من كتابته يكتشف أن الفكرة التي كانت في ذهنه، اعمق وأجمل من تلك التي نفذها على الورق.

ما الذى يجعل الكتاب الجادين يشعرون أن ما كتبوه أقل مما أرادوه؟ ليست وحدها الرغبة في تحاشي الشعور بالكمال حتى يظل الطموح مشحوذا، وإنما لأن الكتابة ليست سوى ممكن واحد بين عدة ممكنات، الحكاية ذاتها يمكن أن تقال على اكثر من وجه، وينتاب الكاتب الشعور بالإحباط، حين يدرك أنه كان بإمكانه أن يحكيها بأفضل مما فعل، الكاتب يشعر بذلك أكثر من القراء، لا بل وحتى من النقاد أحيانا.

تأليف كتاب هو صراع رهيب ومرهق، كما لو كان نوبة طويلة من مرض مؤلم، والكاتب لن يحاول القيام بفعل كتابة الكتاب  إلا اذا  كان مدفوعا بشيطان ما، لا يمكن للكاتب مقاومته ولا فهمه. هذه – تقريبا – كلمات أورويل في شرح ذلك، ولأنه كان في صدد الإجابة عن السؤال الذى يواجه أي كاتب: لماذا أكتب؟  فإنه يصرح بأنه كلما افتقر للقصد السياسي كتب كتبا

بلا روح يربط (أورويل) الكتابة بالشجاعة، فالروايات الجيدة لا يكتبها برأيه سوى الأشخاص غير الخائفين، أما (إيزابيل الليندي) فترى انه لا يوجد هدف من وراء الكتابة، خلاف محاولة أن تكون – بقدر الإمكان- متوافقة وصادقة مع نفسها، تكتب لأنها لا تستطيع إلا أن تكتب ولا شيء يعجبها اكثر من أن تخترع قصصا، وأن تعثر على الكلمات التي تصوغ بها هذه القصص لأن ذلك يسمح لها بأن تعيش حيوات كثيرة مختلفة، تعطيها الإحساس بأنها تمتلك الحياة التي كانت قبلها والحياة التي ستأتي بعدها.

 النص التالي، تثير سؤالا يتعلق بأولئك الذين يقيمون في المنطقة التي سماها الكاتب بالمنطقة الثالثة، هذا الجانب هو مدى كون اصحابها اكثر عرضة للتمزق، أو المعاناة الشعورية الداخلية على اقل تقدير وهنا نعود إلى ما ذكره حسن مدن في هذا الكتاب بالذات، في قطعة اخرى، عن (الطيب صالح) حين سالته إحدى الصحفيات، عما إذا كان حزينا فأجاب: “في الداخل أجل أنا حزين، لكنني لا أدري لماذا، كل ما اعرفه أن في داخل النفس بركة واسعة من الأحزان ومهمتي  ككاتب ليست النسيان، بل أن أتذكر، والمشكلة بالنسبة إلي هي تذكر أشياء نسيتها تماما، لكن النسيان في الحياة  العادية هو مرحلة الألم العظيم”.

مناطق الكتابة:

حتى الآن اعتدنا على حقيقة أن كتابا من اصول عربية مغاربية خاصة، ومن لبنان كما هو حال (أمين معلوف) يكتبون رواياتهم  وابحاثهم بالفرنسية، وكان هذا جوهر اشكالية عن هؤلاء الكتاب، الذين لا يمكن تصنيفهم بالكتاب الفرنسيين، أو الكتاب العرب إن مناخات ابداعاتهم شرقية وافريقية عربية، لكن التكوين الثقافي الفرنسي لأصحابها، وكونهم يكتبون بالفرنسية يقيمان لها شكلا من اشكال العلاقة مع الأدب والثقافة الفرنسيين، رغم أن التصنيف الثقافي في فرنسا لا يقبل بهؤلاء كمكون من مكونات الخارطة الإبداعية الفرنسية إلا في حدود.

يقع هؤلاء في ما يمكن أن ندعوه المنطقة الثالثة، وهي غالبا ما تكون منطقة ثرية، بحكم التداخل بين المؤثرات الثقافية والحضارية واللغوية، ولكن المنطقة الثالثة قائمة في الحياة ذاتها، إنها منطقة ليست محايدة وليست حالا وسطا بين حالين إنها حال اصيلة لها فضاؤها الخاص بها، وهي في عالم اليوم المفتوح، حيث الهجرات الواسعة واتساع الصلات بين البشر مرشحة للمزيد من الإتساع، في طرحها لأسئلة الهوية والإنت

الكتابة على حافة الحلم:     

    هل يحترف الكاتب الحلم، فينزه الكتابة عن الطارئ والعابر واليومي، ليحيلها إلى قيمة مجردة خارج الزمان والمكان، لكن الكاتب الذى يحترف الحلم عن حق، يجد يراعه مترعا بقسوة الواقع، حين ينتابه الإحساس القاسي بأن الحلم يكف أن يكون حلما وفيما يشبه دعاء الروح يوخزه السؤال كإبره حادة: كم يلزمني من القوة والإرادة كي أبقى على حافة الحلم؟ اجمل ما في الحلم – بالمناسبة – هي حافته، لأننا ما أن نغادر هذه الحافة حتى نهوى في قاع عميق بلا قرار اسمه الحياة أو الواقع أو الحقيقة، أو أي اسم من هذه نشاء

ثمة منطقة مشتركة بين الحلم والكتابة، الكاتب القلق على كتابته حريص على ابقاء هذه المنطقة حاضرة أبدا حريص على  تغليب الجانب الحالم في ذاته، حتى ولو كانت عناصر الحلم مستمدة من الواقع، فإن الحلم قادر في لحظة الكتابة على إكتساب استقلاليته، فضائه الخاص به، الذى بموجبه تبدو الكتابة مشاركة وجدانيه للقارئ أو معه.

الكتابة بحبر اسود:

لـ(ألبرتو مورافيا) قصة طريفة عنوانها (إمراة عادية)، تناقش تلك العلاقة بين الملتبسة بين البسيط والمعقد. تقول المرأة التي تتحدث عن نفسها بوصفها راوي: “المشكلة هي عندما اكون في اتعس حالاتي اكون سعيدة بتعاستي، أنا معقدة أليس كذلك؟”، لكن المرأة سرعان ما تطرح على نفسها وعلى الآخرين، السؤال التالي:  “أود أن اعرف من هو؟ وما هو غير المعقد؟ في المدرسة تعلمت انه يوجد كائنات لها خلية واحدة، لذا يسمونها وحيدات الخلية، وانا مستعدة للقسم أنه اذا أعطي الكلام لهذه الكائنات فإنها ستصرخ على الملأ: نحن معقدات، معقدات بشكل فضيع”

كأن المراة تريد بذلك أن التعقيد موجود حتى في البسيط، أي أن البسيط ينطوي على المعقد، أو قل إن له تعقيده الخاص به تقول المراة في موضع آخر في القصة: “إني لست معقدة إلا امام الناس الذين يعرفون أني معقدة، أما مع الآخرين فإني أصبح بسيطة مباشرة”

هناك سلوك شائع يتجه اصحابه إلى إضفاء التعقيد على البسيط، إلى تعقيد البسيط، بدأ من الكتابة نفسها، قرأت مرة  حكاية عن عن تلميذ منطوي وخجول وصامت لا يكتب دروسه وواجباته إلا بقلم حبر اسود. الحظ العاثر أوقعه تحت أيدي معلمة ترغب في تحليل كل شيء، فأحالته إلى اخصائية نفسية لتدرس أسباب “السوداوية” التي تجعل هذا التلميذ مصرا على الحبر الأسود بالذات في الكتابة، وبعد تحليل وتحر واستدعاء والديه للمدرسة، كان السبب منتهى البساطة  ليس لدى التلميذ قلم  آخر يكتب به.

قد يثير النص التالي للكاتب، أسئلة من قبيل هل هذه قاعدة عامة في الكتابة تنطبق بغض النظر عن الثقافة والمجتمع، أم يجب أن تدرك الكاتبه المرأة انها كاتبة أولا وامرأة خاصة اذا تحدثنا عن مجتمعات، مازالت المرأة لا تمتلك فيها تعريفا مستقلا بهويتها الثقافية. وفي بعض المجتمعات  الذكورية، قد تلجأ المرأة الكاتبة بطريقة غير واعية للتشبه بالذكر في الكتابة كي تنال الإعتراف. 

النساء حين يكتبن:

ونحن نقرأ أدبا للمرأة، شعرا كان أو سردا روائيا أو قصصيا، ينتابنا احساس يدفع للتساؤل عما اذا كانت هناك لغة كتابة خاصة بالنساء؟.. في الإجمال فإن الكتابة فعل انساني غير محصور في جنس من يكتب وإنما يرتبط بقيمة الإبداع الفنية لكن هذا لا ينفي الخصوصية، المرتبطة بإنعكاسات جنس الكاتب وآثار الإختلافات السيكولوجية والظروف الإجتماعية على عملية الكتابة.

التقسيم بين المرأة والرجل تقسيم اجتماعي، وليس تقسيما فنيا أو ادبيا، لكن شروط التقسيم الفني ليست منعزلة عن الواقع ومن هنا فإن اختلاف عالم المرأة عن عالم الرجل، هو الذى يحدد خصوصية ابداع المرأة وتعبيرها الذى يختلف عن تعبير الرجل.

في محاضرتها الشهيرة عن كتابة المرأة: “غرفة تخص المرء وحده”، تثير (فرجينا وولف) الإشكالية الأكثر تعقيدا، اشكالية لغة المرأة أو بتعبير أدق علاقة المرأة باللغة، متجسدة في مفهوم وولف المحير حول “الجملة النسائية”. من وجهة نظرها هناك ارتباط بين الإختلاف الجنسي واللغة، لذا فإنها ترى أن الجمل المناسبة للرجال والنساء مختلفة إذا كنا نساء فإننا نفكر عبر أمهاتنا – تقول (وولف)- ومن العبث أن نتوجه إلى الكتاب الرجال العظام للمساعدة، رغم أنه بوسع المرء أن يتوجه لقراءتهم بغرض المتعة.

ثمة من يرى أن أنه لو اختلفت الثقافات فإن النساء لا يختلفن – النساء هن النساء – بصرف النظر عن السياق التاريخي  الإجتماعي الذى تتطور فيه تجربتهن الإبداعية، فالتماثل أو حلقة الإتصال بين النساء، طبقا لهذا القول هي اشتراكهن في كونهن نساء، وهو وضع مشترك رغم إختلافات الثقافات.

يظل السؤال هل تختلف المرأة الفنانة أو الكاتبة عن الرجل الفنان أو المبدع، وهل يكفي أن تكون المؤلفة امرأة لنقول أن ما تكتبه هو ادب نسوي، أليست بعض الكتابات النسوية تكرس النظرة الذكورية الدونية السائدة تجاه المرأة، أليست بعض أشعار وكتابات بعض المبدعين الرجال، أكثر تعبيرا عن هواجس وعوالم ودواخل المرأة من كتابات بعض النساء عن انفسهن ونطرح هذا السؤال دون شبهه ذكورية.

كل فن حقيقي سياسي:

رفضت (توني موريسون) الروائية الإفرو-امريكية، الفائزة بنوبل للآداب عام 1993 ، أن تكتب رواية يكون بطلها الرئيسي أبيض وحين سألت عن السبب، اجابت أنه هو السبب ذاته الذى يجعل الكتاب البيض لا يختارون الأسود شخصية رئيسية وتقول  إنها لم تنشغل بعالم البيض خلال طفولتها، لذا لم تظهر شخصيات بيضاء مهمة في كتبها

ليس بوسع مجتمع عانى طويلا التمييز العنصري، أن يشفى بسرعة من آثار ذلك, في التكوين النفسي بشكل خاص حين يتعين التحرر لا من الشعور بالإضطهاد الطويل وحده، وإنما من الشعور بالدونية أو النقص أيضا ومعالجة الألم الذى يسببه شعور المرء بالظلم بسبب لون بشرته. ومع انها لم تفكر في أن تكون سياسية، لكنها تعتقد أن كل فن حقيقي سياسي وأن تحويل  أي شيء لا سياسيا هو فعل سياسي في حد ذاته

بسبب الحرب الباردة ومناهضة الشيوعية ساد في أمريكا مبدأ ألا يكون الفن إلا جماليا، وهكذا حُرِف معنى كلمة سياسة وتمت مساواتها بالدعاية. لذا ترى (موريسون) أن عملها – وهي تكتب – يكمن في إحياء العلاقة بين السياسة والادب بما للكلمة من معنى

طرح (حسن مدن) لموقف (توني موريسون) أثار سؤالا مهما: هل نستطيع الكتابة الحقيقية عما لا نعرفه، أو عما  لا نملك تواصلا وجدانيا معه؟

محظورات السيرة الذاتية:

لا ينتعش أدب السيرة الذاتية عندنا كثيرا، لأنه يتطلب درجة عالية من البوح بأدق التفاصيل والخصوصيات التي لا يجرؤ سوى القلة على فعله، وإن فعلوا فإن ذلك سيكون محل استهجان من قبل القراء والمجتمع عامة الذى لا يستسيغ اقتحام الحياة  الشخصية للفرد، حتى لو كان هذا الفرد هو كاتب السيرة ذاتها، حتى لو قصر الحديث عن نفسه وتحاشى الحديث عن الآخرين. لكن يبدو أن شيئا من الإعتبار يرد إلى أدب السيرة الذاتية على الصعيد العربي، بعد طول تجاهل بل نكران، ولعل لذلك علاقة بظهور عدد من الكتب، التي كانت السيرة الذاتية موضوعا لها، مع ملاحظة أن هذا النوع من السيرة، مازال مشوبا  بالكثير من الحذر والحيطة والريبة، لأن ثمة مناطق مازال كتاب السيرة يعدونها مناطق محظورا الإقتراب منها

من أشجع واندر النماذج في كتابة السيرة على شكل رواية، تأتي تجربة (محمد شكري) في روايته الشهيرة (الخبز الحافي) وكان فيها متجردا من كل الأقنعة، وهو يبوح بتفاصيل صادمة للقارئ، في مجتمعات استمرأت لعبة الأقنعة، ولم يجد شكري غضاضة في القول إن ما كتبه لم يكن سوى سيرته الذاتية.

 يتحدث الكاتب في النص التالي عن فرق مهم بين كتابة الرواية وكتابة التاريخ.

  الرواية تقول ما يغفله المؤرخون:

الروائي الحق هو مؤرخ بإمتياز، لكنه لا يكتب التاريخ بالطريقة التي يفعلها المؤرخ، وإنما يختار مفصلا زمنيا من هذا التاريخ يثير اهتمامه فيكسبه حياة من لحم ودم، لكن الفرق الأدق هو ذاك الذى يصوغه – مرة أخرى – (فؤاد التكرلي) حين يلاحظ  أن التاريخ يسجل العبور اللامنتهي للحشود الزمنية، وهي تقطع الزمن، أما الرواية فتقوم بمهمة تبدو نقيضة، هي الإمساك  بوجود الفرد الإنساني على صفحة الأيام، فتجعل منه مقيما لا عابرا على خلاف ما يفعله التاريخ أو المؤرخون.

 آيه النص العظيم:

حين نمتلك حلا او اجابة لمشكلة ما، فإننا نكتب كتابا فكريا او بحثا، لكن عندما نعيش مشكلة ما، أو عندما لا نعرف هذه  المشكلة بوضوح، فإننا نكتب رواية، فهناك مسائل لا يمكن حلها أو حسمها داخل الوجود، مثل الموت والحب، وفي حالات مثل هذه ينبغي ان نكتب الرواية، وهنالك إشكاليات يمكن ان نجد تجاهها حلولا مثل المشاكل السياسية او التقنية، وفي هذه الحالة نستطيع ان نكتب نصوصا فلسفية لمعالجتها. إن هنالك مكانة للرواية ومكانة للبحث الفلسفي، لكن هاتين المكانتين لا تصدران عن حاجة واحدة.

يرى (دوبريه) أن الشعر قد غادر منذ زمن طويل مجال الحياة العامة، إن فكر الناس حاليا هو خالي خلوا تاما أو متصحرا من الشعر فالشعر أصبح ثقافيا جدا وعميقا جدا، ويخاطب النخبة المثقفة فقط، لأنه يتصاعد نحو قمة ثقافية نخبوية ورمزية  دون أن يكون داخله هرمونية غنائية او موسيقية، وباتت وسائل الإعلام اليوم النقيض الفعلي للشعر في مباشرتها وسطحيتها. بل هي التي ساعدت على تهميش الشعر، لأن التلفزيون يريد أن يبيع سلعة ما، ان يسوق دعائيا منتجا إستهلاكيا ما أو فكرة معينة، بينما الشاعر ليس لديه ما يبيعه، لذلك فإنه لا يهم التلفزيون.

لكن الشعر مازال يحيى داخل المجتمعات التقليدية، بل إن دوبريه يقارن الحال في فرنسا وبريطانيا مثلا، من جهة اللتين لم يعد بالوسع وصفهما مجتمعات شعرية، وبين الحال في اسبانيا حيث مازال اهلها يمتلكون الحس الشعري، كسمة من  سمات المجتمعات التي تتذوق طعم الكلمات ومناخها، لأنها تمتلك حرارة عاطفية وحسية كبيرة، وحسا غنائيا عاليا، وهو قول يدفعنا للتامل في حقيقة مرعبة، حول الآثار المدمرة التي تتركها ادوات وانماط الحضارة الحديثة على العالم الروحي للإنسان.

حامل نوبل المكسيكي (أوكتافيو باث) عاد إلى هذه العبارة وهو يناقش السؤال التالي:
كم من الناس مازالوا يقرؤون كتب القصائد. وعلينا ملاحظة انه لم يقل كم عدد الناس الذين يقرؤون الشعر وإنما استخدم مفردة القصائد بالذات، وله في ذلك سبب، فالإنسان بوسعه أن يجادل إلى ما لا نهاية، حول ما هو الشعر، لكنه ليس من الصعب  التفاهم حول معنى كلمة القصيدة، التي هي برأيه مصنوعة من كلمات بغرض احتواء مادة ما وإخفائها في الوقت ذاته. في ( الأقلية الهائلة) مخاتلة، فإذا كانت لا تحصى فهي ليست بأقلية، وإن كانت تحصى فهي ليست بهائلة، لكن يمكن تقليب العبارة على أكثر من وجه، لنلاحظ أن قراء القصائد الذين يظلون قلة رغم كثرتهم – بالمعيار النسبي – يشتركون فيما هو هائل وهذا الهائل هو ذاك الذى لا قياس له.

ولأنه لا يمكن الكتابة عن الكتابة، دون المرور بالحديث عن الترجمة، فنحن لا نتحدث باللغة فقط، بل نفكر
عبرها أيضا، وفي الترجمة أيضا نحن نترجم عبر اللغة، كان النص التالي:

الترجمة – تلك المهنة الشاقة:

قبل سنوات لفتنا عبده وازن إلى ان بعض الروايات العربية، التي ترجمت إلى لغات أخرى، غدت في الترجمة أكثر إتقانا وتماسكا من حيث اللغة، مقارنة بنصها العربي الأصلي، أو بتعبيره: “أصبحت أقل اخطاء وركاكة وأشد كثافة وسلاسة”.

أيعود الأمر إلى أن الأصل العربي لهذه الروايات كان في صياغته يحمل اوجه خلل أو هشاشة، تغلب عليها المترجم في لغة أخرى فبدا النص وهو مترجم أكثر قوة؟. ربما يكون في الأمر شيء من هذا، أقلها في بعض الحالات، لكن الناقد المغربي (عبدالسلام بن عبدالعالي)، يرى أن للأمر علاقة بفعل الترجمة ذاته، الذى يجعل النص المترجم يتفوق في بعض الحالات على أصله، ومن ذلك ان بعض المثقفين الألمان يفضلون العودة إلى الترجمة الفرنسية، لبعض مؤلفات مواطنهم (هيجل) الفلسفية، على ان يقرؤوها في اصلها الألماني كونها في الترجمة الفرنسية اكثر وضوحا.

وهذا بدوره يطرح سؤالا: أيكون السبب منحصرا فقط في أن الترجمات السابقة كانت سيئة، أم ان اللغة من حيث كونها كائنا حيا تتطور وتتسع وتتغذى بمصطلحات وأفكار جديدة، تجعلها أكثر مقدرة على تقديم الأفكار في اللغات الأخرى، بصورة افضل هذه الأفكار ربما تقود إلى سؤال: أليست هنا حاجة لترجمات عربية جديدة، لأعمال فلسفية أو فكرية أو ابداعية أجنبية سبقت ترجمتها، أليست العدة الفلسفية والفكرية وحتى الإبداعية في فضائنا العربي اليوم، أكثر مرونة وأوسع أفقا وثراء مما كانت عليه وأنها بالتالي أكثر قابلية لإكتشاف مكامن بريق جديدة في تلك النصوص؟

 القسم الثاني من الكتاب جاء بعنوان : من هو الكاتب، ويشتمل على عدة نصوص منفصلة، تتناول الحديث عن الكُتاب عموما وجاءت بعدة عناوين منها:

 من هو الكاتب:

ما الفرق بين الكتاب الأربعة التالية أسمائهم : (هيجل)، (فرويد)، (ماركس)، (نيتشه)؟
الإجابة المباشرة ستكون – على الأرجح – كالتالي: (هيجل) فيلسوف، (فرويد) عالم نفس، (ماركس) اقتصادي، (نيتشه) أديب.

ليست الإجابة خاطئة، التوصيفات اعلاه تصح على كل واحد من الأربعة الواردة أسمائهم. لكن ثمة إجابة أعمق، يقدمها (موريس بلانشو) في كتابه: (أسئلة الكتابة)، الذى قسم الباحثين إلى أربع فئات، هي كالتالي:
أستاذ يعلم، رجل معرفة مرتبط بالأشكال الجماعية للبحث المتخصص الذى يشمل – فيما يشمل – التحليل النفسي العلوم الإنسانية العامة، الأبحاث العلمية، ويطلق على من ينضوون تحت الفئة الثالثة من يربط البحث العلمي بالممارسة السياسية فيما تضم الفئة الرابعة من يكتب فحسب.

براءة الكاتب:

حين يفرغ القارئ من قراءة كتاب أو مقالة ما، تنتابه في بعض الأحيان رغبة في أن يسأل الكاتب: ماذا تقصد؟ ماذا تريد أن تقول؟ لا يتاتى السؤال فقط من أن الكاتب لم يوصل فكرته بالشكل الكافي، أو الذى يظنه كافيا، ولا من أن القارئ لم يفهم المعنى الحرفي المباشر، لما هو مكتوب، وإنما لأن لدى القارئ رغبة في إرواء فضول لم يشبع أو رغبة في الإستزادة.

لدى القراء رغبة في التأويل، في التوقع والإفتراض، إن كلمة أو عبارة عابرة يمكن ان تحمل من المعاني مالم يكن الكاتب يقصده أو ما لم يرد في ذهنه أبدا لحظة الكتابة. مرة سئل (غابرييل ماركيز) عم ينتظر القارئ في امريكا الجنوبية من كتبه فتحدث عن أن القارئ يبحث في الكتب عن نفسه، كيف يعيش واين يقف. ثم إنه تحدث في وجه الصحافي الذى وجه إليه  السؤال، وقال الآتي: “إنك تدفعني إلى التفكير بامور لا يجوز لي التفكير بها، على الكاتب ان يكون بريئا، ولا يجوز له التفكير  بالأضرار التي يسببها”.

 القسم الثالث من الكتاب يتحدث عن الكتب، ويضم كذلك عدة نصوص، وضعت بعض عناوينها كالتالي
 الحياة أم الكتب، الكتب التي حررتنا، الكتب الأكثر مبيعا، من سينخل الكتب، كتب خالية من الإكسجين.

 فيما يتناول في القسم الرابع والأخير القراءة، وهو يتناول موضوعين عامين في عدة نصوص، الأول منهما هو عن: كيف نقرأ؟ ماذا نقرأ؟، امتحان صبر القارئ، مراحل القراءة. فيما يبحث الموضوع الثاني شخصيات  بعض الكتاب الكبار وابرز  مؤلفاتهم  وطقوسهم الكتابية كرامبو، تشيخوف، ماركيز، فانون، نجيب محفوظ،  منيف، ناظم حكمت، نيرودا وغيرهم

 

Continue Reading →

منافع القراءة لدى رديارد كيبلنغ

روديارد كبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. وكما ألف العديد من القصص القصيرة. منها (الرجل الذي اصبح ملكا) 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.
من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرقفةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .
وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.
وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.
إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .