أرشيف الوسم: اللغة

بين اللغة والفكر والتربية، جون ديوي يتأمل

جون ديوي (1859-1952) هو مربٍ وفيلسوف وعالم نفس أمريكي وزعيم من زعماء الفلسفة البراغماتية.

في أحد أبرز كتبه والمعنون بـ(كيف نفكر؟)، والذي نقله إلى العربية د. (محمد علي حرفوش)، تحدث عن علاقة اللغة بالفكر، فابتدأ حديثه قائلًا:

لقد تم الحفاظ على ثلاث وجهات نظر نمطية فيما يتعلق بعلاقة الفكر واللغة:

  • أولًا؛ هما متطابقان

  • ثانيًا؛ الكلمات تقوم مقام زي الفكر أو لباسه، الضروريين ليس من أجل الفكر بل من أجل إيصاله فحسب

  • وثالثًا، وهي وجهة النظر التي سوف ندافع عنها هنا؛ القائلة في حين أن اللغة ليست فكرًا فهي ضرورية من أجل التفكير ومن أجل إيصاله في آن واحد.

يتابع بعد ذلك، موضحًا ما تحتويه مفردة “اللغة” من معانٍ، فيقول: 

وعند القول، من جانب آخر، إن الفكر مستحيل دون لغة، فعلينا أن نتذكر أن اللغة تتضمن أكثر من الكلام الشفهي والمكتوب بكثير. فالإيماءات، والصور، والنُصب، والصور المتخيلة، وحركات الأصابع، وأي شيء يتم استخدامه بطريقة واعية على أنه إشارة، منطقيًا، هو لغة.

والقول بأن اللغة ضرورية للتفكير يكافئ القول بأن الإشارات ضرورية. لا يتعامل الفكر مع الأشياء الصرفة، لكن مع معانيها، واقتراحاتها؛ ولكي يتم استيعاب المعاني، يجب تجسيدها في وجودات محسوسة وخاصة. ودون معنى، الأشياء ليست سوى محفزات عمياء أو مصادر للفرص المتعلقة بالسرور والألم؛ وطالما أن المعاني ليست بذاتها أشياء ملموسة، يجب تثبيتها بواسطة الربط بوجود مادي ما. فالموجودات الموضوعة جانبًا ولا سيّما لتثبيت المعاني وإبلاغها هي إشارات ورموز.

ثم ينتقل إلى فصل آخر بعنوان “انتهاك المناهج اللغوية في التعليم”، قائلًا:

في حال التسليم حرفيًا بالأمر، فإن الحكمة القائلة، “درّس الأشياء، لا الكلمات“، أو “درّس الأشياء قبل الكلمات” ستكون رفضًا للتعليم؛ وهي تقلّص الحياة الذهنية إلى تعديلات مادية وحسية. والتعليم، بالمعنى الصرف، ليس تعلّم الأشياء، بل معاني الأشياء، وتنطوي هذه العملية على استخدام الإشارات، أو اللغة بمعناها التصنيفي.

[…] الرموز هي ذاتها، كما تم توضيحه، وجودات خاصة، ومادية، وحسية، مثل غيرها من الأشياء. وهي رموز فحسب بمقتضى ما تقترحه وتجسده، أي المعني. وهي تقوم مقام هذه المعاني فحسب بالنسبة إلى أي فرد حينما خضع لتجربة متعلقة بوضعية علاقة المعاني بها. من الممكن أن تنفصل الكلمات وتحفظ معنىً ما عندما يكون المعنى أولًا متضمنًا في اتصالنا المباشر مع الأشياء. إن محاولة منح معنى من خلال كلمة فقط دونما أية تعاملات مع شيء هو حرمان الكلمة من المغزى المفهوم؛ ولقد قام المصلحون بالاحتجاج ضد هذه المحاولة، وهي نزعة سائدة إلى حدٍ كبير في التربية.

علاوة على ذلك، هنالك نزعة لافتراض أنه حينما توجد كلمة أو صيغة محددة من الكلام توجد فكرة محددة؛ بينما، في حقيقة الأمر، الراشدون والأطفال على قدم المساواة قادرون على استخدام صيغ صوتية دقيقة ذات معنى أكثر غموضًا وأكثر تشويشًا عما تعنيه.

الجهل الحقيقي أكثر ربحًا لأنه من المرجح أن يكون مترافقًا مع التواضع، والفضول، والانفتاح الذهني؛ بينما القدرة على تكرار عبارة لازمة، ومصطلحات اللغة الخاصة بالحرفة، وحروف الجر المألوفة، تقدّم وهمًا متعلقًا بالتعليم وتغلّف العقل بغلاف عازل حيال الأفكار الجديدة.

يختصر (ديوي) كلماته السابقة، بعد ذلك، في الجملة التالية:

تغدو الكلمات التي تقوم أصلًا مقام الأفكار، باستخدام متكرر، دلالات بحتة؛ وتصبح أشياء مادية يتم التلاعب بها بموجب قواعد محددة، أو يتم اتخاذ ردة فعل تجاهها بواسطة عمليات محددة دون وعي لمعناها.

وأخيرًا، ينتقل (ديوي) إلى فصل أخر بعنوان “استخدام اللغة في التوجهات التربوية”، فيقول مقدّمًا مقترحاته لاستخدام اللغة في خدمة الفكر والتربية:

تبلغ مقولة إن “اللغة تعبير عن الفكر” نصف الحقيقة فقط، ونصف الحقيقة التي من المرجّح أن يترتب عليها خطأ حقيقي. تعبّر اللغة حقًا عن الفكر، لكن ليس في المقام الأول، وليس، في البداية، حتى على نحو واعٍ. والدافع الأولي للغة هو التأثير؛ من خلال تعبير متعلّق بالرغبة والشعور والفكر، على نشاط الآخرين؛ واستخدامها الثانوي هو الدخول في علاقات اجتماعية أكثر حميمية معهم؛ وتوظيفها بصفتها وسيلة توصيل واعية للفكر والمعرفة هي تشكيل ثلاثي، ومتأخر نسبيًا.

[…] وتكمن الصعوبة في تحويل العادات المتعلقة “بالأمور والتسهيلات العادية” إلى عادات مهتمة بـ”الأفكار الدقيقة”. يتطلب الإنجاز الناجح للتحوّل:

  1. توسيع مفردات التلميذ؛ بواسطة احتكاك فكري أوسع مع الأشياء والأشخاص، وأيضًا على نحو بديل، بواسطة تجميع معاني الكلمات من السياق الذي تُسمع أو تُقرأ فيه
  2. جعل مصطلحاته أكثر تحديدًا ودقة؛ باكتشاف ظلال المعاني وتسميتها، وهذا يعني بواسطة جعل المفردات أدق
  3. تشكيل عادات الخطاب المتعاقب؛ فمثلما يوضع كل معنى في سياق موضع معين، وإلى هذا الحد تنتمي كل كلمة في الاستخدام المادي إلى جملة ما، والجملة بدورها تنتمي إلى قصة أكبر، ووصف، أو عملية استنتاج منطقي.

الاستعارة عند جورج لايكوف

جورج لاكوف، الفليلسوف الأمريكي و عالم اللغويات المعرفية، ولد في 24 مايو 1941. عرف عنه أطروحته الشهيرة أن حياة الأفراد تتأثر بشكل كبير بالاستعارات المركزية التي يستخدمها الناس لشرح الظواهر المعقدة.

‏لطالما سيطرت النظرة التقليدية للاستعارة على اعتقادات غير دقيقة مثل:

‏١-الاستعارة تتعلق بالألفاظ، وليس بالفكر.

‏٢-اللغة الاستعارية مستعملة في الشعر والبلاغة فقط.

‏٣-اللغة الاستعارية منحرفة عن المعنى الحقيقي.

‏وغيرها من الاعتقادات.

‏يفنّدها (جورج لاكوف) و(مارك جونسون) في كتابيهما (الفلسفة في الجسد)، فيقول عن الأولى:

لو كانت الاستعارة أمرا مرتبطا بالألفاظ، فإن كل عبارة لُغويّة مختلفة ينبغي أن تكون استعارة مختلفة. وبذلك، فكل أمثلة الجُمل ينبغي أن تكون استعارات مختلفة تماما، بدون أن يجمع بينها جامع. يجب أن تكون جُملة “وصلت علاقتُنا إلى الطريق المسدود” مختلفة تماما ولا تربطها صلة بالجملة التالية “علاقتنا لا تبرح مكانها“، التي ينبغي أن تكون بدورها مختلفة وغير مرتبطة بجُملة “إننا نسير في اتجاهين متعارضين” و “علاقتنا في مفترق الطرق“، وما شابه ذلك. غير أن هذه العبارات الاستعارية ليست متباينة ومختلفة وغير مترابطة. إنها كلها أمثلة من استعارة تصوّرية واحدة. إن الاستعارة، في العمق، أمر مرتبط في الفكر، وليس بالألفاظ فحسب.

ويفنّد عن الثانية بقوله:

أخطأ (أرسطو) بخصوص اللغة الاستعارية حين اعتبرها ذات طبيعة شعرية وبلاغية فحسب، ولم يعتبرها جزءا من اللغة اليومية العادية. إن عبارات من قبيل “هذه العلاقة لا تتحرك” أو “علاقتنا في مفترق طرق” عبارات يومية عادية، وليست عبارات شعرية أو بلاغية جديدة. هذه العبارات جزء من لغتنا اليومية.

ويقول عن الاعتقاد الثالث:

إنّ الفكر الاستعاري عادي، وليس منحرفًا. وتصوّر الحب باعتباره رحلة هو إحدى طرقنا العادية في تصوّر الحب. وعبارة “علاقتنا في مفترق الطّرق الآن” عبارة عادية، وليست عبارة منحرفة.

إن عدم الصحة التجريبية لنظرية (أرسطو) لهو أمر لافت للنظر، ذلك أن النظرية اعتُبرت من المسلّمات لمدة طويلة حتى إنها اتُّخذت تعريفا وليس نظرية فحسب. فبالنسبة للعديد من الناس، كان مصطلح الاستعارة معرّفا بهذه الشروط. غير أن طبيعة الاستعارة ترتبط بالدراسة التجريبية، وليس بالتعريف القبلي.

تشوميسكي، عن الإنسان والمعرفة

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، عن نظرية المعرفة، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية المعرفة: النحو التوليدي والنظرية المعرفي:

غالبية كتابات (تشومسكي) فيما عدا ما يتصل بطبيعة المعرفة تتعلق ببناء اللغة واستخداماتها. فمثلا نظريته عن النحو التوليدي، على الرغم من التطور المستمر لها، تقف بمثابة نموذج لوجهة نظره حول طرق العقل البشري في أخذ وتخزين المعلومات. وصحيح ان كثير من هذه النظريات قابلة للتطبيق في مجال اللغة، ولكنها بمثابة رأي صارخ عن أفكاره حول التعليم وكيف يتشكل الفكر وبقية المعارف البشرية.

“لقد تم تشكيل الفكر عبر قرون من الوعي الإنساني، من خلال التصورات والمعاني التي تربطنا بالطبيعة، لذلك إن أصغر كيان حي، سواء اكان ذرة أو جزيئا، هو بالتأكيد موجود في بنية الأرض وفي جميع مخلوقاتها، سواء كانوا بشرا او من اي اشكال الحياة الأخرى “. معرفة اللغة: أصلها وطبيعتها واستخدامها، ص. إكسي (تشومسكي، 1986) .

نظرية (تشومسكي) عن النحو التوليدي هي في جوهرها وصف الطريقة التي يتعلم الناس بها التواصل. جوهر هذه النظرية هو فكرة أن كل لغات البشر تنشأ من مصدر مشترك، وهي مجموعة فطرية من القواعد والنهج النحوية التي هي جزء من العقل البشري. هذا هو نهج طبيعي جدا، ولكن واحد التي وجدت قبول متزايد من أي وقت مضى بين الخبراء في هذا المجال (تشومسكي،1986).

إن النهج الأساسي المستخدم في نظرية المعرفة مشابه جدا للنهج المستخدم في نظرية معالجة المعلومات. وفقا لـ(تشومسكي)، من أجل الحفاظ على المعرفة، يجب أن تكون هنالك معرفة سابقة موجودة بالفعل لكي ترتبط المعلومات الجديدة بها. ويشار إلى هذه العملية على أنها “بناء” على المعرفة السابقة.

بسبب التشابه في مفاهيم الشبكات الأولية في نظرية معالجة المعلومات، يفترض (تشومسكي) أنه بمجرد ان تدمج المعرفة وخاصة المعرفة الإجرائية في شبكة ما، تصبح غير قابلة للاختزال وللتبسيط (تشومسكي، 2000). فبمجرد ان يتحول شيء واحد إلى شيء معروف ويتصل بشكل ناجح ، سيصبح متصلا بشكل فوري بشبكته الموجودة في ذهن المتعلم. بكلمات تشومسكي؛ “لاحظ أن اعتبارات مماثلة تبين أن المهارة – على سبيل المثال :مهارة ركوب دراجة – لا يمكن تحليلها من حيث القدرات والتصرفات، وما إلى ذلك؛ إذ يبدو أن هناك عنصرا إدراكيا غير قابل للاختزال”. – آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ص 52 (تشومسكي، 2000)

وجهة نظر (تشومسكي) للمعرفة كما يتوقع المرء من لغوي كانت تركز على الإدراك بشكل كبير. إن إطاره النظري يقترب من مفهوم “المعرفة” كظاهرة إدراكية محضة، منفصلة عن قدرة الفرد على تطبيق تلك المعرفة مباشرة على العالم، إنها ظاهرة إدركية وهي في جوهرها مضادة للسلوك. (تشومسكي) نفسه يقول ؛ “لاحظ أخيرا أن تناول المعرفة وإدراكها من ناحية القدرة، ثبت انها غير منتجة تماما ، وهي مجرد معرفة” – آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ص 52 (تشومسكي، 2000 )

وهكذا نرى ان فكرة النحو  الغرزي والطبيعي هي التي برزت. كذلك يشير (تشومسكي) ان بعض الوظائف الأساسية للدماغ البشري تنتقل كما الغرائز عن  طريق الطبيعة البشرية المحضة. فعلى سبيل المثال لا يتم تعليمنا كيفية التنفس . إن مفهوم المصفوفة العقلية الكامنة التي تسترشد بها كل لغة الإنسان هو مجرد خروج عن وجهات النظر التقليدية حول أصل التواصل اللفظي (تشومسكي، 2000)

هذا الرأي قائم ويستند عل الطبيعة البشرية. يشير (تشومسكي) ان كل لغة تنشىء اليوم، لها جذر مشترك في مركز اللغة الموجود في الدماغ البشري. ويمكن أن تعزى الأشكال المختلفة التي نشأت بها اللغات إلى انها مجرد طرق ونهج متنوعة للربط بين الكلام وبناء الجمل، ليست تطورا ثقافيا فحسب من خلال أجيال من التجربة والخطأ، ولكنها كانت في الاساس إعادة تشكيل لغرائز كانت موجودة بالفعل منذ الازل.

وفي نقطة أخرى عن الطبيعة البشرية، كُتب:

نظرية الطبيعة البشرية: ما هو الإنسان؟ كيف يختلف عن الكائنات الأخرى؟ ما هي حدود الإمكانيات البشرية؟

(نعوم تشومسكي) لديه وجهة نظر طبيعية جدا أو فطرية للطبيعة البشرية. فوفقا لـ(تشومسكي)، (سوبر، 1998) يرى الإنسان كائن بيولوجي وحيوي مثل أي كائن آخر، إلا أنه يتمتع بقدرة فكرية فريدة قادرة على التفكير والتعقل والتعبير عن الافكار والمنطق (التواصل)، وأن هذه القدرة مشروطة بالحرية. انها مرتبطة داخليا بتكويننا الوراثي تماما مثل نظمنا البصرية والعضلية و النظم البيولوجية الأخرى. خلال مقابلة مع (ميشال فوكو)، قال (تشومسكي) (1971):

“إذا كان هذا الافتراض صحيحا لاحظ كيف أن كل طفل إنساني عادي يكون السلوك الابداعي المعرفي بشكل تلقائي ، وأن الاطفال جميعا وكلهم يفعلونها بنفس الطريقة وتقريبا بلا جهد يذكر ، بينما قد يستغرق الامر قرون من المهارة ليستطيع المرء ان ينتقل من الأدلة إلى النظرية العلمية، فإن الشخص الملاحظ ، إذا كان عقلانيا، سيستنتج أن بنية المعرفة المكتسبة في حالة اللغة هي في الأساس اساسية في العقل البشري “

ويكمن جذر هذا المفهوم في أنه إذا كان الإنسان سليم وراثيا، فسيكون قادرا على تطوير هذه القدرات بغض النظر عن الظروف البيئية ، مثل، مكان ولادته ، أو ممن ولد. هذه الطبيعة البيولوجية والحيوية من خواصنا الاصيلة المهمة جدا والتي من شأنها أن تسمح للإنسان الحصول واستخدام قدرات عديدة مثل التفكير والمنطق والاتصال بالاخرين.

بالإضافة إلى وجهة نظره الطبيعية للبشر وقدراتهم على التفكير والتواصل، يعتقد أيضا أن هذه السمات وخاصة السمات الاخلاقية يمكن العثور عليها عبر الثقافات المختلفة. (تشومسكي) (1998) يدعم هذه الفكرة بالدليل ان الناس من ثقافات مختلفة يمكن ان يقوموا بإيجاد أرضية مشتركة تقبل النقاش لانهم يحملون نفس القوانين الاخلاقية مهما كانت خلفيتهم الثقافية ،ويقول في مقابلة مع (كيت سوبر):

“يمكننا أن نبدأ في رؤية الطبيعة البشرية على انها قدرات معينة لتطوير صفات عقلية معينة، ولكن يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، وتبدأ في اكتشاف الجوانب العالمية في هذه الصفات التي تحددها الطبيعة البشرية، فعلى سبيل المثال، منذ وقت ليس ببعيد تحدثت مع اناس في قبائل الأمازون، وبدا لي أن لديهم نفس مفهوم الرذيلة والفضيلة الذي لدي، من المهم ان ندرك انه فقط منخلال تقاسم هذه القيم الاخلاقية نغدو قادرين على التواصل مع بعضنا – لكي نتحدث عن مشاكل وتحديات حقيقية تؤرقنا مثل إجبار سلطات الدولة على الخروج من الغابات، وأعتقد أننا محقين إذا افترضنا انه: لم يكن لدينا أي مشكلة في التواصل رغم أننا كنا مختلفين جدا من الناحية الثقافية”

(تشومسكي) يسقط ويوسع هذه الفضائل  الاخلاقية العالمية إلى كل ثقافة وإلى كل فرد، ويذكر البشر أن يفعلوا الأشياء التي بها تعزيز لحياة الإنسان. ويشرح (تشومسكي) (1998) ذلك بالقول:

“يفسر الناس أعمالهم على أنها تعمل لصالح البشر، حتى في اكثر مستويات الفساد والإجرام يفسروه بدافع نبيل ، فلم يكن النازيون يتباهون أنهم يريدون قتل اليهود، ولكنهم قدموا تبريرات مجنونة – حتى انهم استخدموا تبرير “الدفاع عن النفس”.

والخلاصة منهذا  هي أن الناس “يبررون” لماذا يفعلون الأشياء التي يقومون بها، وهذه الظاهرة عالمية في جميع الثقافات.

ولعل الجانب الأهم في اعتقاد تشومسكي للطبيعة البشرية يكمن في وجهة نظره الأساسية في قدرتنا على أن نكون مبدعين وأن نملك حرية التعبير عن هذا الإبداع. وهذه الحرية ضرورية لإظهار وتنمية هذه القدرات الإبداعية. يمكننا أن نفكر في هذا من خلال التفكير في البشر القليلين الاوليين الذين بدأوا في استحضار لغة مشتركة. بعد العديد من المحاكمات لوضع التنهيدات والزمجرة والتنهد معا والتعاون مع بعضهم البعض، خلق اسلافنا العديد من اللغات التي نعرفها اليوم. وعند هذا المفهوم “التعبير عن إبداعنا بحرية” تورط (تشومسكي) في السياسة. وقال (تشومسكي) (1988):

“بناءً على هذا الرأي عن الطبيعة والاحتياجات البشرية، يحاول المرء أن يفكر في وسائط التنظيم الاجتماعي التي من شأنها أن تسمح للحرية الكاملة لتطوير وتنمية الفرد ، وفي تطوير جميع  إمكانيات الأفراد ايا كان الاتجاه الذي سيتخذونه، من المهم أن نسمح للانسان ايا كان أن يكون إنسانا بشكل تام بكامل حريته وبكامل إبداعه “. (144)

ويبدو أن هذا الوضع بالتحديد يعيق بعض المواقف الحالية للدول والحكومات. فبعض الجماعات تقاوم هذه الحجة القائلة بأن الناس يجب أن يكونوا أحرار في التعبير عن إبداعهم الخاص، ويشيرون بهذا الصدد إلى الإبداع الخلاق أو المدمر، كما كان الحال مع النازيين واليهود خلال المحرقة. وفي حين أن هذا قد يكون صحيحا من حيث النقاش السياسي فإنه لا يزال غير قادر على ان يرفض أن هذا جزء من الطبيعة البشرية.

 


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الثاني من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالة الأولى مسبقًا، وستتبع بالجزئين الأخيرين.

اللغة العربية والألماني غوته

Goethe

يوهان غوته (1749 – 1832) هو أحد أشهر أدباء ألمانيا المتميزين، والذي ترك إرثاً أدبيا وثقافياً ضخماً للمكتبة الألمانية والعالمية، وكان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية، وما زال التاريخ الأدبي يتذكره بأعماله الخالدة التي ما زالت أرفف المكتبات في العالم تقتنيها كواحدة من ثرواتها، وقد تنوع أدب غوته ما بين الرواية والكتابة المسرحية والشعر وأبدع في كل منهم، واهتم بالثقافة والأدب الشرقي واطلع على العديد من الكتب فكان واسع الأفق مقبلاً على العلم، متعمقاً في دراساته.

 

يقول غوته معبرًا عن اللغة العربية:

من المحتمل أن لاتوجد لغة ينسجم فيها الفكر والكلمة والحرف بأصالة عريقة كما هي الحال في اللغة العربية.

فمن خلال الكثير الذي نقل عن غوته فإننا نلحظ تأثره الكبير خلال شعره بالثقافة العربية الشرقية. حتى أنه حاول مراراً تعلم اللغة العربية، ويقول في ذلك وقد كان في مشارف الرابعة والسبعين من عمره :

نظراً للصعوبات الهائلة التي ترافق تعتم هذه اللغة العربية فإن أكثر ماحصلته منها كان عن طريق الغزو والإغارة عليها وليس عن طريق الدراسة المنتظمة وأنه لايجوز لي في الوقت الراهن الذهاب إلى أبعد من ذلك.

وله وصف للشاعر العربي الذي يستخدم بيئته – الحيوانات البرية والجبال والصحاري والأشجار وغيرها- جيداً لطرح أفكاره ويقول:

نجد أن كل شيء في نظر الشرقي مترابط ، وقد تعود على الربط المرتجل بين أبعد الأشياء عن بعض في أن يشتق المتضادات الواحد من الآخر بتعديلات طفيفة في الحرف أو المقاطع. ومن هنا نرى كيف أن لغته بذاتها، وبذاتها هي لغة منتجة، وهذا على نحو خطابي حينما تلتقي بالفكر، وعلى نحو شعري حينما تلتقي بالخيال.

وقيل إلى جانب كل هذا أن الشاعر غوته أدخل  مفردات فارسية وعربية على قصائده، كاستخدامه لمفردة “ديوان” أو مفردة “هدهد”، بالإضافة إلى الاستعارات الشعرية العربية غير الموجودة في التعبير الألماني كتعبير “وجهها كالقمر”. أما تأثره بالقرآن فيظهر جليا في هذه القصيدة “لله المشرق، ولله المغرب، والشمال والجنوب يستقران في سلام يديه”، وهي محاكاة واضحة لقوله تعالى في سورة البقرة “ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله”.

 

للاستزادة حول تأثر غوته باللغة العربية، نقترح كتاب “غوته والعالم العربي” من تأليف (كاترينا مومزن)، أو المقالة “غوته شاعر كوني تأثر بالإسلام” المنشورة على موقع الجزيرة.نت، ومقالة “كيف وجدت الكلمات العربية طريقها إلى لغة غوته“.

تيري إيجلتون و السؤال عن معنى الحياة

تيري إيجلتون

استهل تيري إيجلتون الناقد الماركسي البريطاني (المولود في 22 فبراير 1943) كتابه “معنى الحياة” بمقدمة نقدية لإستخداماتنا اللغوية، و منها استخدامنا للغة عند السؤال. فسؤال “ما معنى الحياة ؟” يثير إستغراب إيجلتون فهو سؤال لا يبدو سؤالا مباشرا و إنما سؤال يعتمد على اعتبارات لغوية مثل ما يسميها إيلجتون “قضية المعنى” فما معنى أن نسأل عن معنى شئ معين. يعلق تيري على سؤال معنى الحياة قائلا:

للوهلة الأولى، يبدو سؤال “ما معنى الحياة ؟” شبيهًا بذلك النوع من الأسئلة على غرار “ما عاصمة ألبانيا ؟” أو “ما لون العاج ؟” و لكن هل هو كذلك حقًا؟ أو هل يمكن أن يكون أقرب إلى سؤال من نوع ” ما مذاق الهندسة ؟ “

فقضية المعنى مسألة لغوية تماما بالنسبة لإيجلتون و ليست مسألة شيئية ، إنها مسألة أسلوب ، الأسلوب الذي نتحدث به عن الشئ و ليست سِمة من سمات هذا الشئ في حد ذاته مثل خواصه الطبيعية. يستطرد الناقد الثقافي الإنجليزي قائلا:

 فنبات الكرنب أو جهاز رسم القلب ليس لهما معنى في حد ذاتهما؛ و يصبحان هكذا فقط من خلال وجودهما في حديثنا عنها. و بناءً على هذه النظرية، يمكننا أن نضفي على حياتنا معنى من خلال حديثنا عنها؛ و لكن لا يمكن أن يكون لها معنى في ذاتها، شأنها شأن سحابة في السماء. فلن يكون منطقيا – على سبيل المثال – أن تتحدث عن سحابة باعتبارها إما حقيقية أو مزيفة. فالحقيقة و الزيف هما في الواقع وظائف لافتراضاتنا البشرية عن السحب.

أما سؤال ” ما معنى الحياة ؟ ” بالتحديد هو سؤال أقل أهمية من سؤال ” لماذا يوجد أي شئ على الإطلاق بدلاً من لا شئ ؟ ” فلماذا يوجد أي شئ يمكننا أن نتساءل ماذا نعني به من الأساس؟ علماء اللاهوت لا يجدون حرجًا ولا اختلافا في الإجابة عن هذا السؤال بالإله فهو صانع كل شئ وهو سبب وجوده و معناه. لكن تيري إيجلتون يجد إشكالية في هذه الإجابة ؛ من حيث هي تعيدنا لسؤال ” كيف نشأ الكون ؟ ” و هذا السؤال بالإمكان اعتباره سؤالا عن السببية. فإن وجدنا لسؤال كيفية نشأة الكون جوابًا فهو بالتأكيد سيكون جزء  فقط من كل شئ ، هذا بغض النظر عن الغاية من الخلق.  يقبتس تيري إيجلتون للفيلسوف الألماني الكبير لودفيج فيتجنشتاين بعض الأفكار محاولا توضيح بعض الغموض الذي يلف سؤال ما معنى الحياة أو سؤال لماذا يوجد شئ بدلا من العدم:

إن السؤال ” لماذا يوجد أي شئ بدلا من لا شئ ؟ ” هو بالأحرى تعبير عن الدهشة من وجود عالم من الأساس، في حين أنه كان يمكن ألا يكون هناك أي شئ ببساطة. و لعل ذلك جزء مما كان يدور في ذهن لودفيج فيتجنشتاين حين أشار إلى أن الغموض لا يكمن في كيفية نشأة العالم ، و لكن يكمن في وجوده أصلا !