أرشيف الوسم: المثقف

الفرق بين المتعلم والمثقف عند هشام شرابي

C20N1

هشام شرابي (1927-2005)، هو مفكر فلسطيني ولد في يافا، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل أستاذا لتاريخ الفكر الأوروبي والعلوم السياسية في جامعة جورجتاون بواشنطن. ساهم في إنشاء عدة مؤسسات تُعنى بشؤون الوطن العربي والقضية الفلسطينية. له عدة مؤلفات عن النظام الاجتماعي والأسري للمجتمعات العربية، الهدف منها اكتشاف كيف يمكن النهوض بمجتمع فاعل وذلك بنقد تناقضاته.

في مقدمة كتابه (مقدمات لدراسة المجتمع العربي)، يكتب (شرابي) عن تجربته الخاصة في إعادة النظر بأفكاره السابقة واكتشاف مدى عمق الثقافة المسيطرة في تشكيل وعيه وفكره، حتى وإن وصل لأعلى الدرجات العلمية، مدركا أن أولى خطوات التحرير هي التحرير الذاتي والتخلص من عبودية الفكر المسيطر وهي عملية غاية في الصعوبة تتطلب إعادة النظر في جميع ثوابت الموروث وإخضاعها لتمحيص ونقد مستمر وشامل. يظهر هنا دور المثقف في التغيير، لكن هناك لبس مستمد من الجهل العام في اعتبار أن كل متعلم هو بالضرورة مثقف. في كتابه يفرق (شرابي) بين المتعلم والمثقف موضحا:

للثقافة والمثقفين مكانة خاصة في المجتمعات الفقيرة النامية، والجهل يرسم صورة مضخمة للعلم والمتعلمين، ويعطي المثقف مركزا متميزا ويتوقع منه المستحيل. وفي تصور هذه المجتمعات يختلط المثقف بالمتعلم، ويصبح كل من حصل على قسط من العلم، في نظرها، مثقفا. الواقع ان المثقف ليس من أحسن القراءة والكتابة، أو من حصل على شهادة علمية (هناك أميون بين حملة شهادة الدكتوراه)، بل إن ما يميز المثقف في أي مجتمع صفتان أساسيتان:

الوعي الاجتماعي الذي يُمكن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري متماسك.

والدور الاجتماعي الذي يمكن وعيه الاجتماعي من أن يلعبه، بالإضافة إلى القدرات الخاصة التي يضفيها عليه اختصاصه المهني أو كفايته الفكرية.

وعليه، فمجرد العلم حتى لو كان جامعيا لا يضفي على الفرد صفة المثقف بصورة آلية، فالعلم ما هو إلا اكتساب موضوعي ولا يشكل ثقافة في حد ذاته، إنه يصبح ثقافة بالمعنى الشامل إذا توفر لدى المتعلم الوعي الاجتماعي، ذلك العامل الذاتي الذي من خلاله فقط يصبح الفرد مثقفا، حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة، ومن دونه يبقى أميا، حتى لو كان طبيبا أو أستاذا جامعيا.

عن المفكّر أو المثقف، على طريقة سيوران

إميل سيوران
في كتابه (المياه كلها بلون الغرق)، الذي يُعد أحد أشهر كتب إميل سيوران (1911-1995)، وأول كتاب تُرجم كاملًا  إلى اللغة العربية، تحدث (سيوران) في عدة مواضع عن المعالم الأساسية للمثقف أو المفكّر كما يراها، أو نصائحه الشخصية في ظل رؤيته وفكره. مثلًا  كانتقاده لأولئك الذين ينمقون الكلمات، فباعتقاده أن منمقي النصوص لا يجدون ما يقولونه، أو على وجه الدقة، يقول:
لا أسلوب مع اليقين.
الانشغال بتجويد القول من مميزات الذين لا ينامون على عقيدة. إنهم يتعلقون بالكلمات، تلك الشبيهة بالواقع، في غياب الأرضية الصلبة، فيما الآخرون الأقوياء بقناعتهم يهزؤون بمظهر الكلمات ويسترخون في الارتجال.
ويقول أيضًا عن هذه الخدعة في الأسلوب والتنميق:
خدعة الأسلوب: إعطاء الهموم اليومية مجرى غير مألوف، تجميل المتاعب التافهة، تأثيث الخواء، تحقيق الوجود بواسطة “الكلمة”، بواسطة شقشقة الشكوى أو الاستهزاء.
وبالانتقال إلى أحد نصائحه الأخرى، يقول (سيوران):
وحدها العقول السطحية تتقدم من الفكرة بلطف.
فالأكثر أثرًا أو عمقًا بين المثقفين، هم أولئك الذين يتناولون الأفكار بعنف. يقول:
إذا أمكن لـ(نيتشه)، (بروست)، (بودلير) أو (رامبو)، أن يتصدوا لتقلبات الموضة، فإنهم مدينون بذلك إلى وحشيتهم اللامبالية، إلى جراحتهم الشيطانية، إلى سخائهم بالسم .. ما من شيء يجعل أثرًا يدوم ويمنعه من التقادم سوى شراسته. تأكيد غير مبرر؟ انظروا إلى مجد الإنجيل، أليس الكتاب العدواني والمسموم بامتياز؟
 ويقول أيضًا في هذه النقطة، ساخرًا من المفكرين الإنسانيين:
الجمهور يتهافت على ما يسمى بالكتّاب الإنسانيين. هو واثق بأنه لا يخشى منهم شيئًا. إنه يعرف أنهم قد توقفوا – مثله – في منتصف الطريق، سيقترحون عليه صلحًا مع المستحيل، رؤية منسجمة للفوضى.
 أما المَعْلم الثالث، والأهم والأشد تكرارًا في كتاباته، فهو الشك. يقول:
لا شيء يصيب العقل بالجفاف مثل نفوره من تصوّر أفكار مبهمة.
 فالشكوك تحول بين فتور العقل، وهي الرياضة بالنسبة للعقل من أن يفقد قدرته على التفكير السليم. وعلى الرغم من الحيرة التي تصيب المرء عندما يشك في كل شيء، إلا أن الشكوكية ضرورية، وعلامة مهمة على النزاهة، يقول:
في ترددنا علامة على نزاهتنا، أما يقيننا فلا يدل إلا على دجلنا. يُعرَف المفكر الغشاش من حصيلة الأفكار “الدقيقة” التي يدافع عنها.
 ويقول أيضًا:
الخوف من العقم يدفع الكاتب إلى أن يُنتج فوق طاقته، وأن يضيف إلى الأكاذيب المعيشة أكاذيب أخرى لا تُحصى يستلفها أو يختلقها اختلاقًا. تحت كل “أعمال كاملة” يقبع دجال.
 ويقول في موضع آخر:
الشكوكية هي منهج الحضارات الفتيّة، وخجل الحضارات الهرمة.
 فالحضارات الفتية، تعمل بجد لتنال نهضتها، بينما الحضارات الهرمة تسعى للدفاع عن سمعتها، بغض النظر عن حقيقة هذه السمعة أو صوابها. وعن بشاعة التأكد من فهمنا لكل شيء، يقول:
اللحظة التي تُسوّل لنا أننا فهمنا كل شيء، تمنحنا هيئة القتلة. 
ولا ينكر (سيوران) أن للشكوكية حيرتها وعذابتها، بل إنه يقرّ ذلك في مقولته:
يتمنى الشكّاك لو أنه يتعذب مثل سائر البشر من أجل الأوهام التي تمنح القدرة على الحياة. لكنه لا يفلح في ذلك: إنه شهيد التفكير السليم.
كل ذلك يهيّئ الأرضية الثابتة للنقطة الرابعة، يقول (سيوران) عن أجدى منابع الكتابة:
لا مصادر للكاتب أفضل من أسباب إحساسه بالعار. الكاتب الذي لا يكتشف في ذاته أسبابًا للشعور بالخزي أو يتهرب من هذه الأسباب، ليس أمامه إلا السرقة أو النقد.
 ويقول أيضًا:
من لم يذق الإهانة لا يعرف معنى الوصول إلى آخر مراحل الذات.
وأخيرًا، يقول:
من السهل أن يكون المرء عميقًا، يكفي أن يستسلم لفيض ثغراته الخاصة.
 وتتمثل النقطة الخامسة، في التحرر من التحيزات. يقول:
الفكر الذي يتحرر من كل تحيز، هو فكرٌ يتفكك محاكيًا تناثر الأشياء التي يريد الإمساك بها ومحاكيًا عدم انسجامها. بأفكار “سائلة” نحن “نتمدد” على الواقع ونعانقه دون أن نفسره. هكذا ندفع غاليًا ثمن “النظام” الذي لم نرغب به.
ويقول أيضًا:

واجب الوعي: الوصول إلى يأس لائق.

 ونختتم المقالة بمقولة أخيرة، بعد أن وضعنا خمس علامات بالطريق للمثقفين والمفكرين، على طريقة (سيوران):
إنه لمَساس بالفكرة أن نعمقها: ذلك يعني أن ننتزع منها سحرها وربما حياتها.

وحدة المعرفة، المعلومة، والمفكِّر، جمال حمدان أنموذجًا

 

جمال حمدان

جمال حمدان (1928-1993) قد يكون أحد المثقفين والكُتاب العرب المعاصرين، الأكثر شأنًا، والأقل حظًا وشهرة اليوم. اشتهر بكتابه المكوّن من أربعة مجلدات، والذي حمل اسم (شخصية مصر)، وله العديد من الكتب والكتيبات الصغيرة، المنشورة قديمًا، والتي توقفت أغلب دور النشر حاليًا عن تداولها، للأسف الشديد. في كتاب (شخصيات لها تاريخ)، أفرد الدكتور (جلال أمين) مقالة باسم “جمال حمدان وضمير المثقفين المصريين”، تحدث فيها عن حياته، وعن عمله الأشهر (شخصية مصر)، يقول د. (جلال أمين):

قرأت في الكتاب لأول مرة عندما ظهر الجزء الرابع والأخير منذ عشر سنوات، فوجدته ينتمي إلى ذلك الصنف النادر جدًا من الكتب، المؤهل بحق للبقاء عشرات من السنين دون أن يبلى أو يفقد أهميته. وربما كان أهم ما يميزه هو تلك الفكرة الكامنة في عقل المؤلف والحاكمة لمنهجه واتجاهات تفكيره، وهي ما يمكن أن نسميه بـ”وحدة المعرفة“. فالقارئ يشعر منذ الصفحات الأولى بأن مختلف فروع المعرفة تتداخل طرقاتها وتؤدي بعضها إلى بعض، بل وتتفاعل بعضها مع بعض بحيث لا يمكن لمن يقتصر على فرع واحد من فروع المعرفة أن يفهم أي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية فهمًا حقيقيًا.

ثم يورد بعض الكلمات يتحدث فيها عن حياة (جمال حمدان) الشخصية:

كان من البديهي أن عملًا من نوع هذا العمل الذي عقد (جمال حمدان) العزم على القيام به، يتطلب حياة أقرب إلى حياة الرهبان، وزهدًا في المال والمنصب، ودرجة كبيرة من العزلة والابتعاد عن خضم الحياة الاجتماعية والسياسية. وهكذا كانت حياة (جمال حمدان) بالفعل حتى انتهت فجأة، بسبب حادث أليم. كان من الطبيعي أيضًا أن يشعر المثقفون المصريون بصدمة عنيفة إذ علموا بموته المفاجئ، ومن ثم لم تتوقف المقالات الحزينة التي تبكيه وترثيه وتتحدث عن مناقبه وعمى أسدى إلى الثقافة المصرية من أياد، وكأن كل مثقف مصري يتمنى في دخيلة نفسه لو كان قد فعل مثلما فعل (جمال حمدان).

ثم يقول عنه:

لقد كان (جمال حمدان) يمثل دائمًا ما يشبه “الضمير” للمثقفين المصريين، يتذكرونه من حين لآخر، خصوصًا عندما تقسوا الحياة لدرجة يتمنى المرء معها لو كان قد خاضها من وقت بعيد، كما خاضها (جمال حمدان).

ثم يتطرق أكثر لحياة (جمال حمدان) التي اتسمت بالتقشف، والاستغناء عن متارف الحياة:

كنت أعرف مما سمعته عنه أنه يعيش عيشة متقشفة للغاية، ولكني دهشت أشد الدهشة عندما رأيت صورة حجرة نومه ومطبخه. فلم أكن أتصور أن هناك من لا يزال يعيش في القاهرة بمثل هذا التقشف، فما بالك بأستاذ جامعي وكاتب شهير؟ […] مرة أخرى يذكرنا (جمال حمدان) بما تتكون منه حاجات الإنسان الحقيقية، وبقول أحد فلاسفة اليونان القدماء إذ سار في الأسواق متعجبًا: “كم تمتلئ هذه الأسواق بأشياء لست في أدنى حاجة إليها!“.

جلال أمين

قد يكون هذا الحال، مع الأمور التي لا تهم الكاتب أو المثقف، لكن إذا ما سألنا عن حال مكتبته الخاصة نجده يجيبنا:

ولكن شيئًا أخر استرعى انتباهي ودهشتي. لقد قال بعض من زار شقته بعد وفاته إنهم فوجئوا بحجم مكتبته. كانوا يظنون من روعة ما كتب (جمال حمدان)، أن مكتبته تضم الآلاف المؤلفة من الكتب، فإذا بها من حيث العدد مكتبة متواضعة للغاية، مثلها منل حجرة نومه ومطبخه. بعض الكتب الأساسية تشغل عددًا صغيرًا من الرفوف أو مكومة على الأرض، وهذا كل ما في الأمر. قال معارفه إنه كان يتخلص من حين لآخر من الكتب التي لا يحتاج إليها، كما أنه كان كثيرًا ما يستعير الكتب أو يطلب نسخًا من مقالات منشورة في الخارج، ثم لا يستبقي منها إلا ما يعرف أنه سوف يحتاج إليه من جديد. أيًا كان الأمر، فإن قليلًا من التروي يبين لنا أنه ليس ثمة غرابة في قلة ما لديه من كتب. فمع كل ثراء (جمال حمدان) بالمعلومات، لم يكن هذا هو المميز الحقيقي لها، وما جعل منه هذه الظاهرة الفريدة التي استولت على إعجابنا. كان الرجل يفكر ويبحث عما خفي من الروابط بين الأشياء، وليس مجرد جامع للمعلومات أو شارحًا لها، ولهذا جاء كتابه فريدًا بين الكتب، إذ لم يكن من تلك المؤلفات التي تزخر بها الأسواق والمكتبات والتي لا تفعل أكثر من “تجميع ما افترق وتفريق ما اجتمع” على حد تعبير أحد الأدباء.

فباختصار، يمكن القول عن حياة طبيعة جمال حمدان:

أضف إلى هذا بالطبع أن الرجل، كما هو واضح، لم يكن مغرمًا بالاقتناء، ولم تسيطر عليه رغبة عارمة في الاستحواذ والتملك. كان الكتاب في نظره يُكتب ليُقرأ، لا ليُقتنى ويوضع على الرف. فإذا قرأ الكتاب واستوعب، انتهت مهمته وجاز الاستغناء عنه.

 

ننتثل إلى كتاب (رحلتي الفكرية) والذي يعد سيرة ذاتية للدكتور (عبدالوهاب المسيري). يحكي فيه الدكتور (عبدالوهاب المسيري) عن نفسه عندما كان يعد رسالته “أثر الشعر الرومانتيكي الإنجليزي والشعر الرمزي الفرنسي على شعر إبراهيم ناجي“، بأنه تأثر بـ(جمال حمدان)، فيقول:

وفي دراستي عن (جمال حمدان) درست قضية “الأثر” مرة أخرى، قزأت كتابه (اليهود أنثروبولوجيًا). لكنني حين قرأته كنت أبحث ساعتها عن المعلومات شأني شأن أي باحث، ولكن يبدو أيضًا أنني استوعبت منظومة فكرية كاملة ثم استنبطتها تمامًا دون أن أدري. ولذا حينما تأملت في علاقتي بـ(جمال حمدان) هالني حجم تأثري به في طريقة تفكيره. لقد جاء في كتابه الكثير من المعلومات والوقائع، فأخذت منها ما أخذت، واستبعدت ما استبعدت، ثم تبدلت المعلومات وتحورت، كما تتبدل المعلومات وتتحور، ولكن بقي ما هو أهم، بقي فكره ورؤيته ومنهجه.

فيقول بعد ذلك عن أثر (جمال حمدان) في كتابات (المسيري):

أثر (جمال حمدان) لا يمكن أن تجده في سطر أو سطرين أو صفحة أو صفحتين مع كتاباته، وإنما هو بين السطور، وهذا هو أعمق أثرًا. ولكن مع سيطرة النموذج التراكمي المعلوماتي، أهملت أهمية هذا النوع من التأثر. إن مجال البحث العلمي بالنسبة للكثيرين هو الحقائق وليس الحقيقة. هو المعلومات وليس الأنماط الكامنة وراءها، ولذا فحينما يُدرس أثر كاتب على آخر فإن الدارسين عادةً ما يبحثون عن عدة جمل وعبارات واقتباسات مباشرة نقلها الكاتب المتأثر من الكاتب المؤثر.

يطرح (المسيري) سؤالًا آخرًآ: لماذا لم يشتهر (جمال حمدان) ولم تُنشر كتبه بكثرة، ككتابه العظيم (استراتيجية الاستعمار والتحرير

كما أنني يمكنني أن أثير قضية أخرى، وهي: لِم لم يؤثر (جمال حمدان) في هؤلاء الذين يكتبون دراسات في نفس الموضوع بطريقة تتناسب مع حجمه الفكري؟ يمكنني القول إن النموذج المعلوماتي التراكمي سيطر تمامًا وخوّل كل شيء (الآراء والرؤى والأحلام والآلام) إلى معلومات. ولذا تحوّلت كتابات هذا المفكر الفذ إلى مادة أرشيفية، يتناولها بنهم الكتَّاب المعلوماتيون. وأعتقد أن معظم ما يُكتب هذه الأيام يُكتب صدورًا عن هذا النموذج، ولكن الأسوأ من هذا أن ما يُقرأ الآن يُقرأ بنفس الطريقة، وهكذا تضيع الحقيقة ولا يبقى سوى الحقائق.

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a

فأغلب الكتب اليوم تضخ المعلومات بدلًا من المعرفة، وتراكم الأفكار بدلًا من إيجاد نسق فكري كامل.

ولذا فكل كتب (جمال حمدان) هي كتب إشكالية، محاولة للإجابة عن سؤال ما، وتصب كل الأسئلة في مشروع فكري واحد، محوره مصر. فـ(جمال حمدان) صاحب فكر وليس ناقلًا للأفكار (مثل عدد لا يُستهان به ممن يسمون بالمفكرين في بلادنا، ممن حعلوا همهم نقل آخر فكرة وآخر صيحة، عادةً من الغرب). صاحب الفكر هو إنسان قد طوَّر منظومة فكرية تتسم أجزاؤها بقدر من الترابط والاتساق الداخلي، فهي تعبر عن قلقه وآماله، ويكمن وراؤها نموذج معرفي واحد، رؤية واحدة للكون. أما ناقل الأفكار، فهو إنسان ينقل أفكارًا متناثرة لا يربطها بالضرورة رابط، وتنتمي كل فكرة إلى منظومة فكرية مستقلة.

ثم يعقب قائلًآ:

(جمال حمدان) لا ينتمي إلى هذه المدرسة المعلوماتية التراكمية التي استشرت تمامًا في صفوف الباحثين بسبب سهولة الإنتاج العلمي من خلالها (استبيانات – جداول – تحليل سطحي للمضمون – استطلاع رأي – أرقام). ولا شك في أن غياب المشروع الحضاري المستقل يزيد من انتشار هذا النموذج، إذ يحل التفكير السهل المباشر من خلال الكم المصمت محل التفكير المركب من خلال الرؤية والهوية والحلم والأمل، ويصبح التلقي المهزوم والإذعان (الموضوعي) للأمر الواقع بديلًا لمحاولة رصد الواقع بأمل تغييره وإعادة صياغته.

فالمدرسة المعلوماتية التراكمية، هي مدرسة تلقينية، تقف من العالم موقف المتفرج.

إن المدرسة المعلوماتية التراكمية معادية للفكر والإبداع. إنها تدور في إطار الموضوعية المتلقية، السلبية. العقل عندها آلة ترصد وتسجل، وليس طاقة إنسانية مبدعة تعيد صياغة العالم. وهي لا تكترث بالحق أو الحقيقة ؛ فهي قد غرقت تمامًا في الحقائق والوقائع والأفكار المتناثرة، ترصدها من الخارج دون تعمق ودون اجتهاد وكأنها أشياء مرصوصة، كم لا هوية له، ولذا تفقد الظواهر شخصيتها ومنحناها الخاصين.

 

أدوار المثقف المعاصر عند د.علي حرب

6872902b5fcaa7667c3d0934d8e751fd

د. علي حرب هو كاتب ومفكر علماني لبناني، له العديد من المؤلفات منها كتاب (نقد النص) و(هكذا أقرأ: ما بعد التفكيك) ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبة فيالتفكيك.وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليات العقلية التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. في كتابه (حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية) يتكلم عن دور المثقف في العصر الحديث فيقول:

لا شك أن الوسائط الإعلامية، قد بلغت درجة من التطور والتعقيد والتأثير، ما يجعلها تتصدر الواجهة وتطغى على المشهد. وثمة من يقول اليوم بأن السلطة الإعلامية باتت هي السلطة الأولى. بالطبع للحدث الإعلامي مفاعيله ونتائجه، كأي حدث آخر: إنه يصدم المسلمات ويزعزع البداهات المستقرة في العقول. غير أن مجابهة الحدث لا تكون بنفيه، بل بقراءته وتشخيصه. فلا مجال للعودة إلى الوراء، وإنما الممكن والمجدي هو أن نفكر انطلاقًا من الحدث الإعلامي، بإعادة النظر في البداهات التي ينبني بها الوعي، والنماذج التي تصنع المخيال، والمعايير التي تنظم الوجود المجتمعي. إن هذا الحدث يغير علاقتنا بكل شيء، بما في ذلك الإنتاج الثقافي نفسه.

من هنا لم يعد بوسع المثقف أن يمارس وكالته الفكرية عن المجتمع أو وصايته الخُلقية على الناس. فالمثقف هي في عصر الوسائط وسيط بين الناس، يسهم في خلق وسط فكري أو عالم مفهومي أو مناخ تواصلي، أي ما من شأنه أن يزيد المجتمع من إمكانات التواصل والتبادل والتعارف. أما الدور النخبوي التحريري أو التنويري، فقد أنتج التفاوت والاستبداد والاصطفاء والعزلة عن الناس والمجتمع. وبالإجمال لم تعد النماذج الأنسية السائدة منذ عصر التنوير تفي بقراءة ما يحدث. بل هي تستنفد طاقتها وتفقد مصداقياتها، بما فيها هذا النمط الذي يمثله المثقف. فمع استنفاد عالم الحداثة تنتهي أشكال أنسية متوارثة ونماذج ثقافية مسيطرة ومهما تاريخية طوبائية، لكي تنشأ أشكال ونماذج وأدوار جديدة تطوي القديمة وتستوعبها في صيغ جديدة للعمل التاريخي وللفعل الثقافي.

بكلمة مختصرة: ما أراه ممكنًا الآن هو العمل على ابتكار إنسانية جديدة تتيح لنا أن نوازن بين الثقافة والحضارة، بين القيمة والأداة، بين الفكر والوسائط، بين المعنى والسلعة، بين الإنسان والطبيعة

شروط المثقف عند أنطون تشيخوف

1537064a67eefba5d87d7b

 

أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904) هو طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي، يصفه البعض بأنه من أفضل كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ، ومن كبار الأدباء الروس. كتب المئات من القصص القصيرة التي اعتبر الكثير منها إبداعات فنية كلاسيكية، كما أن مسرحياته كان لها تأثير عظيم على دراما القرن العشرين. تم تجميع عدد من رسائله العائلية في كتاب يحمل اسم (رسائل إلى العائلة)، يرد فيه (تشيخوف) في رسالة إلى أخيه (نيكولاي) حين أرسل إليه يشتكي بأن الناس لا يفهمونه، فقال له:

إن الناس يفهمونك جيداً، وإذا لم تفهم نفسك، فذلك ليس خطأهم.

ثم خلال الرسالة يحاول (تشيخوف) أن يشرح له أن هذا بسبب أمر واحد وهو الإخفاق الوحيد في نظره فقال:

لديك إخفاق واحد، ويعود إليه زيف وضعك، وتعاستك واضطراب أمعائك. ويتمثل هذا الإخفاق في افتقارك التام للثقافة. سامحني، من فضلك، لكن-كماتعرف- للحياة شروطها. فمن أجل أن تعيش نرتاحاً بين المتعلمين، ولتتمكن من معايشتهم بسعادة، يجب أن تحوز قدراً محدداً من الثقافة. إن الموهبة لتدخلك في مثل هذه الدائرة، فأنت تنتمي إليها، لكن، يتم سحبك بعيداً عنها للتأرجح بين المثقفين والمستأجرين.

ومن ثم يبدأ تشيخوف بوضع شروط يجب أن يستوفيها المثقفين في ٨ نقاط وهي :

١) احترم الجانب الإنساني في الشخصية، ولهذا السبب هم دائماً ودودون، دمثون، ومستعدون للعطاء. إنهم لا يتشاجرون بسبب مطرقة أو قطعة مفقودة من المطاط الهندي، وإذا عاشوا مع أحد لا يعدون ذلك منحة منهم، ويرحلون دون أن يقولوا “ليس بوسع أحد أن يعيش معك”، إنهم يصفحون عن الضوضاء والبرودة واللحم المقدد والنكات ووجود غرباء في منزلهم.

٢) يتعاطفون، ليس فقط مع المتسوليين والقطط. وتتفطر قلوبهم لما يرونه أو لا يرونه. إنهم يسهرون الليل لمساعدة شخص ما، ولدفع نفقات الإخوة في الجامعة، ولشراء الملابس لأمهاتهم.

٣) إنهم يحترمون ممتلكات الآخرين، ولهذا يسددون ماعليهم من ديون.

٤) إنهم مخلصون، ويخشون الكذب كما تخشى النار. إنهم لا يكذبون حتى ولو في الأشياء الصغيرة. فالكذب إهانة للمستمع ويضعه في منزلة أدني بالنسبة للمتحدث. لا يتظاهرون، بل لا يتغير سلوكهم في الشارع عنه في المنزل، ولا يتعمدون الاستعراض أمام رفاقهم الأقل منزلة. لا يثرثرون. ولا يثقلون على الآخرين بثقتهم بأنفسهم. واحتراماً منهم للآخرين، فإنهم يميلون إلى الصمت أكثر من الكلام.

٥) لا يحطون من قدر أنفسهم للحصول على شفقة الآخرين. ولا يلعبون على شغاف قلوب الآخرين، ليجعلوهم يتنهدون ويستحوذون عليهم. ولا يقولون “يساء فهمي” أو “لقد أصبحت شخصاً من الدرجة الثانية”، لأن كل ذلك ليس سوى سعي وراء تأثير رخيص، ومبتذل وتافه وزائف.
هم لا يعانون من الخيلاء والغرور. ولا يحفلون بتلك الماسات الزائفة (أقصد المشهورين)، ولا يأنفون من مصافحة السكير، وينصتون إلى صيحات إعجاب مشاهد مشتت في معرض للصور الفتوغرافية، ويترددون كثيراً إلى الحانات.

٦) وإذا أبرموا صفقة متواضعة، فإنهم لا يتباهون كما لو كانوا عقدوا صفقة بمئة روبيل، ولا يعطون لأنفسهم أولوية على الآخرين. إن الموهوب الحقيقي دائماً مايحافظ-دوماً- على اندماجه بين الجموع، وبعيداً قدر المستطاع عن الإعلان، وحتى كرايلوف، قال- سابقاً- إن البرميل الفارغ يصدر عنه صدى صوت أكثر من البرميل الممتلئ.

٧) إذا كانت لديهم موهبة يحترمونها، ويضحون في سبيلها بالراحة والنساء والخمر والخيلاء. إنهم فخورون بموهبتهم، وبالإضافة إلى ذلك من الصعب إرضاؤهم.

٨) ينمون الحس الجمالي داخلهم. ولايستطيعون الذهاب إلى النوم بملابسهم، ولايتحملون رؤية الشروخ ممتلئة بالحشرات، أو تنفس هواء فاسد، أو السير على أرض عليها بصاق، أو أن يطهوا وجباتهم في موقد زيتي. ويسعون قدر استطاعاتهم إلى كبح جماح رغباتهم الجنسية والسمو بها. وليس مايرغبونه في المرأة أن تكون رفيقة فراش، ولايطلبون المهارة التي تظهر عبر المضاجعات المتتالية. إنهم يرغبون،- خاصة الفنانيين منهم- بالأناقة، والإنسانية، والاحتواء، والأمومة. إنهم لايشربون الفودكا طوال ساعات النهار والليل، ولايتشممون رفوف الخزانات، لأنهم ليسوا خنازير، ويعلمون أنهم ليسوا كذلك. ويتناولون الشراب-فقط- عندما يكونوا غير مرتبطين بعمل أو في عطلة.

ثم بعد ذلك يعقب (تشيخوف) قائلاً:

لا يكفي على المثقف أن يقرأ “أوراق بيكويك” أو أن يحفظ منولوجاً من “فاوست”، فإن مايحتاجه المثقف هو العمل الدائم، ليل نهار، والقراءة المستمرة، والدراسة، والإرادة، فكل ساعة هي ثمينة بالنسبة له.

Screen Shot 2014-11-23 at 2.33.14 PM

للاطلاع على الرسالة