أرشيف الوسم: المثقف

مسؤولية المثقفين، نعوم تشومسكي في مقالة مطوّلة

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. أما “مسؤوليّة المثقفين” فهي مقالة للأكاديمي الأمريكي (تشومسكي)، والتي نُشِرت مؤخرًا كملحق خاص للمقالة الأساسيّة والتي نُشرت خلال حرب فيتنام وقد حظِيت المقالة باهتمام كبير باعتبار (تشومسكي) ناقد بارز في الحرب الفيتنامية.

يقول (تشومسكي) في مقالته:

منذ أنْ لم يعُد في وسعنا رؤية ما يحدث قبالة أعيننا، لا يفاجئنا كثيراً، ما لا نراه في لحظة هادئة ومغايرة. لقد شهدنا للتو مثالاً توجيهياً: على نحوٍ خُطّط له بوضوح، يرسل الرئيس (أوباما) تسعة وسبعين من الجنود المغاوير إلى باكستان في الأول من مايو لاغتيال المشتبه به الأول في الفظائع الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر (أسامة بن لادن). وعلى الرغم من أن المستهدف بالعملية أعزلاً بلا حماية ومن الممكن اعتقاله، فقد كان قاتلاً ببساطة، فأُغرقَ جسدُه في البحر بلا تشريحٍ للجثة. نُظِر إلى هذا الفعل على أنه “فقط وللضرورة” في الصحافة الليبرالية يكون هناك أثر، مثلما كانت تفعل الإجرامية النازية ـ فالحقيقة التي لم يجرِ إغفالها كانت خارج حدود السلطات الشرعية التي صادقت على العملية غير أنها رفضت الإجراء. وكما نبَّهَنا (إيلين سكاري)، فحظر الاغتيال في القانون الدولي يعود إلى الإدانة الفعّالة لممارسته من قِبَل (إبراهام لينكولن)، الذي ندَّد بالمناداة بأن يكون الاغتيال “محرّما دوليا” في العام 1863، وذلك بوصفه ـ أي الاغتيال ـ “انتهاكا لحُرمة” مشهد “الأمم المتحضرة” بالترويع وبما تجدر به من “العلاقة الأشد صرامة”.

في العام 1976، كُتب الكثير عن غشٍّ وتحريفٍ أحاطا بالغزو الأميركي لفيتنام. ناقَشْتُ مسؤولية المثقفين، مستعيرا العبارة من مقالة هامة لدوايت ماكدونالد بعد الحرب العالمية الثانية. ومع حلول الذكرى السنوية العاشرة للحادي عشر من سبتمبر، والاستحسان الشائع أو الشعبي في الولايات المتحدة لاغتيال (ابن لادن)، يبدو الوقت ملائما للعودة ثانية إلى تلك المسألة. إنما قبل التفكير في مسؤولية المثقفين، هناك ما يجدر بنا شرحه عن الذين أشرنا إليهم.

نال مفهوم المثقفين أهمية في الوعي الأخلاقي الحديث مع “بيان المثقفين” 1898 الذي تسبب به (درايفوس)، المُلهم برسالة الاحتجاج المفتوحة لـ(إميل زولا) إلى الرئيس الفرنسي، التي استنكر فيها تلفيق تهمة الخيانة بحق ضابط المدفعية الفرنسي (ألفريد درايفوس) والتستُّر اللاحق للجيش. نقل وضْعُ (درايفوس) صورةَ المثقفين بوصفهم مناصرين للعدالة، ومواجهة السلطة بجرأة ونزاهة. إنما بمشقةٍ رأوا طريقهم في ذلك الوقت. والقلّةُ من بين الفئات المتعلمة في التيار الأساسي للأنشطة المثقفة، أدانت الدرايفوسيين على نحو لاذع، وبخاصة من قِبَل شخصيات أساسية من بين “أعضاء الأكاديمية الفرنسية الأربعين” المناهضين بشدة للدرايفوسية يكتب (ستيفن لوكي). وبالنسبة لـ(موريس باري)، الروائي والسياسي والقيادي المناهض للدرايفوسية، فقد كان الدرايفوسيين “فوضويي منصة الدرس”.

وبالنسبة لآخر من بين أعضاء الأكاديمية المعمّرين هؤلاء، (فيرناند بروتنيير) فإن كلمة “مثقف” بالذات تدلّ على “أقصى الأطوار غرابةً وراديكاليةً في زماننا قصدْتُ غرورَ” الكتّاب التنويريين والعلماء والأساتذة الجامعيين والفلاسفة إلى سلسلة من الرجال ذوي القدرات الاستثنائية الذين تجرأوا على “التعامل مع أفكارنا العامة بوصفها حماقة ومؤسساتنا الاجتماعية بوصفها منافية للعقل وتقاليدنا بوصفها ضارّة بالصحة“.

ثم يتساءل (تشومسكي) بعد ذلك، “من هم المثقفين؟”

إذن، مَنْ هم أولئك المثقفون؟

القلّة التي ألهمها (زولا) -حُوكم بالسجن بسبب القذف والتشهير- أم أعضاء الأكاديمية؟

تردد صدى هذا السؤال عبر العصور، بشكلٍ أو بآخر، واليوم يقدّم إطاراً لتحديد: “مسؤولية المثقفين”.

العبارة غامضة، فهل تُحيل إلى المسؤولية الأخلاقية للمثقفين بوصفهم بشراً محترمين في وضْعٍ يمكِّنهم من الاستفادة من امتيازهم وحالتهم لتحسين أسباب الحرية والعدالة والرحمة والسلام وسائر الاهتمامات الوجدانية الأخرى؟ أم تُحيل إلى الدور المتوقع منهم لَعِبَه، فيخدم المؤسسات ولا يحطّ من قَدْرِها ويقودها ويبرهن أنها المؤسسات الرسمية؟

جاءت إحدى الإجابات خلال الحرب العالمية الأولى، عندما اصطفّ مثقفون بارزون على كل الجوانب في دعم دولهم.

في “بيان الثلاثة وتسعين مثقفا” ألمانيا، الصادر عن شخصيات رئيسية في أكثر دول العالم تنويريةً، طالبوا الغرب أنْ: “ثقوا بنا! آمنوا، أننا سنواصل هذه الحرب بوصفنا أمة متحضرة، على شرف مَنْ هم يعتبرون ميراث (غوته) و(بيتهوفن) و(كانْط). ذلك الميراث هو المقدس مثلما هي مقدسة مواقدها ـ أي الأمة المتحضرة ـ ومنازلها”.

نظراؤهم على الجانب الآخر من الخنادق المثقفة ماثَلوهم الحماسة تجاه القضية النبيلة، لكنهم مضوا أبعد في تملُّق الذات لقد أعلنوا في الـ“نيو ريببلك” أن “العمل الفعّال والحاسم لمصلحة الحرب قد أُنْجِزَ من قِبَل… تلك الفئة التي ينبغي، بشمولية إنما بتساهل، وصفها على أنها فئةُ (مثقفين)”.

فلقد آمن هؤلاء التقدميّون أنهم كانوا تلك الضمانة التي أدخلت الولايات المتحدة إلى الحرب “تحت تأثير رأي أخلاقي أخذ في الاتساع بعد تداول  ماراثوني من خلال أكثر أعضاء المجتمع رصانة”. كان هؤلاء، في الحقيقة، ضحايا تدابير وزارة الإعلام البريطانية التي “حاولت سرّا فرض هذه الفكرة في أغلب العالم” إلا أن تفكير المثقفين الأميركيين، أساسا، هو الذي ساعد على انعطاف بلد مسالم إلى حمى الحرب .

كان (جون ديوي) قد دُمغَ بـ”الدرس النفسي والتربوي العظيم للحرب”، الذي أثبت أن البشر، وبدقة أكثر “الرجال الأذكياء في المجتمع” بوسعهم تولّي الشؤون الإنسانية وإدارتها… على نحو مقصود وذكي، لتحقيق النهايات المقصودة والباهرة من خلال تحديد هذه الشؤون.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

لم يتْبع كل شخص المجرى بإذعانٍ كبيرٍ، بالطبع. إن شخصيات فذّة من مثل (برتراند راسل) و(يوجين دبس) و(روزا لوكسمبورغ) و(كارل ليبكنخت) كانوا، مثل (زولا)، قد حوكموا بالسجن. عوقِب (دبس) بقسوة استثنائية، مدة عشرة أعوام، بسبب قضية رفعها على “الحرب من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” للرئيس (ويلسون).

لقد رفض (ويلسون) العفو عنه بعد انتهاء الحرب ، مع ذلك رضخ (هاردينغ)، الرئيس التاسع والعشرون للولايات المتحدة، جمهوري من أوهايو- في آخر الأمر.

وعوقب البعض مثل (ثورشتاين فيلبن)، لكنهم عوملوا بصرامة أقلّ؛ فقد فُصِل (فيبلن) من موقعه في إدارة الأغذية بعد أنْ أعدّ تقريرا تعرّض فيه للنقص في عدد العمّال المزارعين الذي أمكن التغلّب عليه ـ أي النقص ـ بإنهاء الاضطهاد الوحشي الذي مارسه (ويلسون) على هؤلاء العمّال، وعلى وجه التحديد، عمال الاتحاد الدولي. وأُبعدَ (رادولف بورن) من الصحف التقدمية لنقده ”عصبة الأمم الامبريالية المطبوعة على حبّ الخير” ومساعيها الرفيعة .

إن نمطَ الترغيب والترهيب مألوفٌ طوال التاريخ: فأولئك الذين اصطفوا في خدمة الحكومة قد هللّوا لها في العادة عبر المجتمع المثقف، وهؤلاء الذين رفضوا الاصطفاف في خدمة الدولة قد عوقبوا. وهكذا، ففي الماضي، كان (ويلسون) والمثقفون التقدميون، الذين عرضوا عليه خدماته، قد شُرّفوا على نحو عظيم، إنما ليس (ديبس). و(لوكسمبورغ) و(ليبكنخت) اللذين قتِلا، باتا بطليْ التيّار المثقف بشقِّ الأنفُس، فيما واصل (راسل) إداناته اللاذعة حتى بعد موته، ولا يزال كذلك في سِيَرِه الراهنة .

ثم ينتقل إلى إيضاح أسباب هذه الخصومة، والتهديد الذي يجده المثقفين، فيقول:

 

منذ أنْ اتجهت السُلطة إلى أن تسود، اعتُبر المثقفون الذين خدموا حكوماتهم مسؤولون. في السبعينات، ميّز علماء بارزون بين صنفين أكثر صراحةً. في درس العام 1975، أزمة الديمقراطية، صُنِّفتْ أطوارُ الغرابة الراديكالية لبروتنيير على أنها “مثقفو القيمة ـ الموجَّهة” الذين طرحوا “تحديا لـلحكومات الديمقراطية هو، بشكلٍ مُحتملٍ على الأقلّ، تحدٍّ جادّ يُشبه ذلك الذي طرحوه في الماضي من خلال زُمرة الأرستقراطيين والحركات الفاشية والأحزاب الشيوعية”. ومن بين آثامٍ أخرى، ثمة كائناتٌ أخرى، منها أولئك “الذين كرّسوا أنفسهم للانتقاص من القيادة وتحدي السلطة” والذين تحدوا مسؤولية المؤسسات من أجل “تلقين الشباب” حتى أنّ البعض منهم قد غاص إلى أعماق التساؤل عن نُبْل أهداف الحرب، مثلما فعل (رادولف بورن). هذا الانتقاد بقسوة من قِبَل المهرطقين الذين ساءلوا السلطة والنظام القائم تنازل عنه علماء اللجنة الثلاثية الدولية الليبرالية؛ أولئك الذين اجتذبتهم إدارة (كارتر) على نحو واسع من طبقاتهم الاجتماعية .

وكما هو الحال مع جماعة “نيو ريببلك” المتزايدين أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد وسّع كُتاب “أزمة الديموقراطية” مفهوم العقلانية إلى معنى أفضل من معنى “بريتينير” السخيف، وكان أفضل منه أيضاً من ناحية النوع، حيث أنه: يُعد المفكرين التكنوقراطيين والمُوجّهين للسياسات مفكرين جادين ومسؤولين، يُكرسون أنفسهم للعمل البنّاء وذلك لصياغة سياسات المؤسسات القائمة وضمان ثبات العائدات.

لم يتطلب الأمر من (ديوي) سوى بضع سنوات للتحول من مفكر تكنوقراطي ومُوجَّه للسياسات في الحرب العالمية الأولى إلى محاضر ثائر، كما أنه انتقد شجب “الصحافة غير الحرة” وتساءل عن مدى “إمكانية تحقيق الحرية الفكرية والمسؤولية الاجتماعية على نطاق واسع في ظل وجود النظام الاقتصادي السائد”.

لقد كان موضوع “الديموقراطية المفرطة” هو الشغل الشاغل لعلماء “الثلاثية” وذلك خلال اضطرابات في الستينيات عندما انخرطت أحزاب سكانية سلبية ولا مبالية في الساحة السياسية معربين عن قلقهم تجاه: الأقليات والنساء والأطفال وكبار السن والعمال…الخ. وباختصار،

يجب التفريق بين سكان، والذين يُدعون أحياناً “أصحاب المصالح الخاصة” وبين من أطلق عليهم (آدم سميث) “سادة البشرية” حيث أنهم “المُخططين الحقيقيين” للسياسة الحكومية والذين يتبعون نظام “ماكسيم الدنيء” الذي يقول كُلنا لأنفسنا لا للآخرين. لا يُستنكر أو يُناقش دور أولئك أولئك السادة في الساحة السياسية، وذلك لأنها، كما يقول الموروث الثلاثي،: “أن السادة يمثلون الصالح الوطني” كأولئك الذين يمجّدون أنفسهم بسبب إدخال البلاد في حالة حرب، بعد بذل أقصى جهد في التشاور مع أكثر أعضاء المجتمع فكراً، حيث أنهم وصلوا إلى “القرار الأخلاقي”.

وللتغلب على الأعباء التي يضعها “أصحاب المصالح الخاصة” على عاتق الدولة، فقد دعت “الثلاثية” إلى مزيد من “الاعتدال في الديموقراطية”، وذلك بأن يصبح الجانب المُهمل جانباً سلبياً، الأمر الذي قد يعيد البلاد إلى الأيام السعيدة كأيام حكم (ترومان) الذي تعاون مع قلة من محامي وول ستريت وصرافيها، مما أدى إلى انتعاش الديموقراطية.

وادعت “الثلاثية” بأنها متمسّكة بهدف الدستور القائل: “أنّه وثيقة أرستقراطية جوهرية تهدف إلى الميول الديموقراطية في فترة الحكم” وذلك من خلال إعطاء السلطة “لنوعٍ أفضل” من البشر وقصرها على الأغنياء وذوي النسب المرتفع والبارزين، وذلك حسب المؤرخ البريطاني (جوردون وود). ودفاعاً عن (ماديسون)، يجب علينا أن ندرك أن عقليته كانت عقلية ما قبل الرأسمالية. لقد كان يعتقد أن السلطة يجب أن تكون في يد “ثروة الأمة” و“العصبة من الرجال” وتصوّرهم بأنهم “رجال الدولة الراشدين” و“فلاسفة الخير” للعالم الروماني الخيالي. يراهم بأنهم “نبلاء وصادقين” و“رجال مخابرات وطنيين ثوريين بظروف خاصة” يميزون مصالح بلادهم الحقيقية، والذين من غير المحتمل أن يضحوا بوطنيتهم وحبهم للعدالة لدواعي مؤقتة أو جزئية. وبهذا، فإنه يمكن لأولئك الرجال أن “ينقحوا الرأي العام” مما يضمن حماية المصالح العامة ضد “المفسدين” من الغالبية الديموقراطية.

وعلى غرار ذلك، فقد وجد المفكرون الويلسونيون ضالتهم في العلوم السلوكية، الأمر الذي وضّحه عالم النفس والمُنظّر التعليمي (إدوارد ثورنديك) عام 1939 حيث قال: “إنه لمن حسن حظ البشرية أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الذكاء والأخلاق، الأمر الذي يتخلله حسن النية تجاه الزملاء، وبهذا فإنه غالباً ما يكون رؤساؤنا من محبي الخير، ولذا فإنه من الآمن أن نثق في مصالحنا بين أيديهم عوضاً عن أن تكون بين أيدينا”.

إن هذا الاعتقاد مريح، بالرغم من أن البعض قد يرى بأن (آدم سميث) كان أكثر وضوحاً.

ويتابع حديثه قائلًا:

يعتبر المفكرين الذين يخدمون حكوماتهم مسؤولين بينما يُرفض أو تُشوه سمعة أولئك الذين يتطلعون إلى القيم، وسبب ذلك كله هو أن السلطة بيد الغلبة.

أما بخصوص الأعداء، فإن لديهم نفس الفرق بين هذين النوعين من المفكرين، إلا أنهم يعكسون القيم.

كان يُعتبر المفكرين المنشقين في الاتحاد السوفييتي القديم بمثابة أصحاب الشرف، بينما  نكنّ الازدراء للبيروقراطيين والمفوّضين والمفكرين التكنوقراطيين والسياسيين. ويبقى الحال ذاته في إيران، فقد كنا نحترم المنشقين الشجعان وندين من يدافع عن المؤسسة الدينية، وكذلك هو الحال في أي مكان آخر.

لقد كان يُستخدم مصطلح التشريف “منشقّ” استخداماً انتقائياً. بالطبع فإنه لا ينطبق انطباقاً ملائماً على المفكّرين الذين ينحون منحى القيم من منازلهم أو أولئك الذين كافحوا الاستبداد الأمريكي من الخارج. وانظر على سبيل المثال لحالة (نيلسون مانديلا) الذي أُزيل اسمه من قائمة الإرهابيين عام 2008 ليتمكن من القدوم إلى الولايات المتحدة دون الحاجة إلى تصريح خاص.

لقد كان (مانديلا) زعيماً إجرامياً لأحد أكبر “الجماعات الإرهابية سيّئة الصيت” في العالم قبل عشرين عاماً وذلك بحسب تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية.

وهذا هو السبب الذي دفع الرئيس (ريغان) إلى دعم نظام التمييز العنصري، إضافة إلى انتهاك جنوب افريقيا لعقوبات الكونغرس ودعمها لعمليات سلب البلدان المجاورة، لينتهي الأمر إلى وفاة مليون حسب دراسة للأمم المتحدة.

لم يكن هذا إلا إحدى حلقات الحرب على الإرهاب التي أعلنها ريغان لمكافحة “آفة العصر الحديث” أو ما أشار إليه وزير الخارجية (جورج شولتز) “العودة إلى الهمجية في العصر الحديث”. وقد نضيف إلى هذا كله مئات الآلاف من الجثث في أمريكا اللاتينية وعشرات الآلاف في الشرق الأوسط، وغير ذلك من الإنجازات. ومن غير المستغرب أن يبجّل علماء معهد هوفر المتحدثَ العظيم حيث أنهم يعتبرونه العملاق صاحب “الروح التي تنهض بالبلاد والشبح الصديق والحميم الذي يراقبنا” وكانوا قد كرّموه مؤخراً بتمثال يشوّه السفارة الأمريكية في لندن.

الأمر الذي أربك علماء الثلاثية هو “نهضة الديموقراطية” في الستينيات .

ويقول بعد ذلك:

تُعتبر حالة أمريكا اللاتينية حالة بيّنة. لا يقبل المعارضين المُشرّفين بأولئك الذين ينادون بالحرية والعدالة. فعلى سبيل المثال، قُتل ستة رهبان مُفكّرين في أمريكا اللاتينية وذلك بناءً على أوامر مباشرة من القيادة السلفادورية العليا وذلك بعد أسبوع من سقوط جدار برلين. لقد كانوا من كتيبة النخبة التي سلّحتها ودربتها واشنطن والذين قد جرّبوا أبشع أنواع الدم والإرهاب، وكانوا أيضاً قد عادوا للتو من تدريب في مركز جون كينيدي الحربي الخاص ومدرسة فورت براغ في كارولينا الشمالية. ولم تُحيَ ذكرى القساوسة باعتبارهم منشقين شرفاء ولم تُحيا ذكرى من هم على شاكلتهم في العالم. إن المنشقين الشرفاء هم أولئك الذين يدعون إلى الحرية في أوروبا الشرقية والذين بالطبع عانوا ولكن لم تكن معاناتهم عن بعد كما هو الحال مع أمثالهم في أمريكا اللاتينية.

إن موضوع التمييز جدير بالدراسة، كما أنه يخبرنا الكثير عن عبارة “مسؤولية المفكّرين” وعن أنفسنا.

يقول (جون كوست ورث) في ورقته المنشورة مؤخراً في جامعة كامبريدج “تاريخ الحرب الباردة” بأنه “تجاوز عدد السجناء السياسيين وضحايا التعذيب وحالات إعدام المعارضين السياسيين غير العنيفين في أمريكا اللاتينية الحد مقارنةً بالتجاوزات التي حدثت في الإتحاد السوفييتي منذ الستينيات حتى انهياره في التسعينيات وتوابعه من دول شرق أوروبا”.

لقد كان هناك العديد من الشهداء المتدينين بين المعدومين، كما أنه كانت هناك مجازر جماعية دعمتها أو قامت بها واشنطن.

فلماذا إذاً يكون هناك تمييزٌ؟ قد يقال بأن ما حصل في شرق أوروبا أمرٌ أكثر خطورة من مصير جنوبها الذي يقع بين أيدينا. إنه من المثير للاهتمام أن تكون الحجة واضحةً لا غبار عليها، وأن نراها تشرح السبب الذي يجب أن نتخلى عن أخلاقنا الأولية لأجله ومنها مدى جديتنا في موضوع المعاناة والأعمال الشنيعة والعدالة والحقوق، فإذاً سنركز جهودنا في مواضع قوتنا، وذلك بتقاسم المسؤولية فيما بيننا للأحداث الراهنة. لا نحظى بمصاعب تتطلب من أعدائنا أن يتحلوا بهذه المبادئ.

ولم يتبقَ لدينا سوى القليل للقلق بشأنه أو ما يجب علينا أن نقلق بشأنه، وهو ما يقوله (أندري ساخروف) أو (شيرين عبيدي) بخصوص جرائم الولايات المتحدة أو إسرائيل. إننا معجبون بهم لما يقولونه ويفعلونه بدولهم والنتائج التي يتوصلون إليها لمن يعيش في مجتمعاتهم الحرة والديموقراطية، الأمر الذي يحفّز للإنتاج الفعال. نجد أن الممارسة في المجتمعات المحترمة تكاد تكون نقيض القيم الأخلاقية.

ولكن، لنتفق ونستعرض الموروث التاريخي هنا.

تحظى حروب الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية في الفترة ما بين 1960 إلى 1990 (بصرف النظر عن أهوالها) بأهمية تاريخية على المدى الطويل. هناك جانب مهم يجب أن نضعه في الحسبان وهو أنه كانت هناك حروب كبيرة ضد الكنيسة والتي اعتبرها مجمع الفاتيكان الثاني في عام 1962 زندقة. يقول البابا الثالث والعشرون عن هذه الحروب أنها “بداية حقبة جديدة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية”، كما يصفها العالم الديني (هانس كونغ) بأنها تستعيد تعاليم الإنجيل التي تُخُلي عنها في القرن الرابع عندما أنشأ الإمبراطور قسطنطين المسيحية باعتبارها ديناً للإمبراطورية الرومانية، مما أدى إلى “ثورة” تحوّل “الكنيسة المضطهَدة” إلى “كنيسة مُضطهِدة”. واعتبر أساقفة أمريكا اللاتينية الذين اختاروا “تفضيل الفقراء” أن المجمع الفاتيكاني الثاني يمارس الزندقة. ثم جاء بعد ذلك القساوسة والراهبات والعلمانيون برسالة سلمية راديكالية من الأناجيل للفقراء تساعدهم في تحسين مصيرهم التعيس في ميادين السلطة الأمريكية.

أصدر الرئيس (كينيدي) في العام ذاته (1962) عدة قرارات مصيرية. كان أحد تلك القرارات أن يتحول جيش أمريكا اللاتينية من “جيش عالمي” (وهذه إحدى مفارقات الحرب العالمية الثانية) إلى “أمن داخلي”، ويمثل هذا الأمر في الحقيقة حرباً ضد السكان المحليين، وذلك إذا ما حاولوا رفع رؤوسهم. ويصف (شارلز ماتشلينج) (المتمرد والمخطط الدفاعي للولايات المتحدة الأمريكية 1961-1966) العواقب المُتوقعة لقرار سنة 1962 وأنه انتقال من التسامح “في ضراوة الجيش الأمريكي اللاتيني وضراوته” إلى “تواطؤ مباشر” في الجرائم بغية دعم الولايات المتحدة الأمريكية “في كتائب الإبادة بأساليب هينرش هيلمر”. وتتمثّل إحدى المبادرات في الانقلاب العسكري في البرازيل والذي خُطط له في واشنطن بعد اغتيال (كينيدي) وذلك لتأسيس دولة ذات أمن قومي قائمة على القتل والوحشية. لقد بدأ طاعون القمع بالانتشار في العالم ومن ذلك انقلاب سنة 1973 لإثبات ديكتاتورية (بينوتشيت)، بل والأسوأ من ذلك كالديكتاتورية الأرجنتينية التي يُفضلها (ريغان). وأتى دور أمريكا الوسطى (كما جاء مسبقاً) في الثمانينات تحت ظل “الشبح الصديق الحميم” الذي يُبجّل لإنجازاته.

لقد كان مقتل أولئك القساوسة الذي تزامن مع سقوط جدار برلين بمثابة الضربة القاضية للزندقة والتي بلغت أشُدها في العِقد السلفادوري الذي كان بدايةً لحقبة الاغتيالات كاغتيال رئيس الأساقفة (أوسكار روميرو) “صوت من لا صوت له”. لقد تبنى المنتصرون في الحرب ضد الكنيسة تلك العمليات بكل فخر. تشتهر مدرسة الأمريكيتين (باسمها الجديد) بتدريبها للقتلة اللاتينيين وصرّحت أن اللاهوت التحريري الذي كان في مجمع الفاتيكان الثاني تم بمساعدة من “الجيش الأمريكي”.

لقد كانت اغتيالات نوفمبر 1989 أشبه ما تكون بالضربة القاضية، لكن كانت هناك حاجة إلى المزيد.

أُجريت بعد ذلك بعام أول انتخابات نزيهة في هايتي، وكانت هنا الصدمة والمفاجئة لواشنطن التي توقعت فوز مرشحها. انتخب الجمهور من الفقراء وقاطني الجبال (جيان بيرتراند أريستايد) القسيس التابع للاهوت التحريري، فتحركت واشنطن فوراً لإسقاط لتدمير الحكومة المنتخبة، ثم قدمت بعد ذلك دعماً عسكرياً للمجلس العسكري الحاكم ولمؤيديها الذين تولوا الحكم بعد الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المنتخبة خلال أشهر. انتعشت التجارة هناك في ظل انتهاكها للعقوبات الدولية، وازدادت انتعاشاً في عهد (كلينتون) الذي سمح لشركة النفط “تكساكو” بتمويل الحكام السفّاحين رغماً عن توجهاته.

سأتجاوز العقبات المُهينة لهذا الأمر وسأسهب في أمورٍ أخرى، إلا أنه يجب أن نشير إلى حركتي التعذيب في عام 2004 والتي شارك فيها كل من هايتي وفرنسا والولايات المتحدة وكندا في خطف الرئيس (أريستايد) (الذي اُنتخب مرةً أخرى) وإرساله إلى وسط افريقيا. لقد تم منعه وحزبه من الدخول في انتخابات 2010 – 2011 التي كانت تُعتبر مهزلة، والتي تعتبر أيضاً من الأمور التاريخية المُريعة التي تُرجعنا إلى مئات السنين والتي لا يكاد يُعرف مرتكب جرائمها والذين يُحبون القصص التي تدل على جهودهم المتفانية في إنقاذ الناس.

أما إذا كنا جادين في موضوع العدالة فإنه يجب علينا أن نتحمل المسؤولية جميعاً في الأمور التي تحدث.

يعتبر قرار (كينيدي) عام 1962 بإرسال بعثة للقوات الخاصة إلى كولومبيا بمثابة آخر القرارات المصيرية والتي قادها الجنرال (ويليام ياربوف) الذي أشار لقوات الأمن الكولومبية بأن يقوموا بأعمال “شبه عسكرية وتخريبية و/أو أنشطة إرهابية” ضد مؤيدي أحد الشيوعيين المعروفين، وهي أنشطة يجب أن تدعمها الولايات المتحدة. فسّر رئيس اللجنة الكولومبية لحقوق الانسان ووزير الخارجية السابق (ألفريدو فاسكيز كاريزوسا) معنى عبارة “مؤيدي الشيوعية”، وكتب إلى إدارة (كينيدي) “لقد بذلت قصارى جهدي في تحويل جيوشنا النظامية إلى ألوية مكافحة تمرد، وقبولها لاستراتيجيات فرق الإعدام الجديدة”، ويقول: “لا تدافع عقيدة الأمن القومي المعروفة لدينا في أمريكا اللاتينية ضد الأعداء الخارجيين، إنما ترتكز مهمتها في الحفاظ على الحكام، مع بقاء الحق لها في مكافحة الأعداء الخارجيين، كما هو منصوص عليه في البرازيل والأرجنتين والأوروغواي وكولومبيا: نملك الحق في قمع وإبادة الأخصائيين الاجتماعيين والأعضاء والرجال والنساء الذين لا يدعمون المؤسسة الحكومية، والذين نفترض أنهم متطرفون شيوعيون. وهذا بدوره يعني أي شخص بما فيهم الحقوقيين مثلي”.

يقول (شارلز شولتز) في دراسة له في عام 1980 أن الأكاديميين الأمريكيين المتخصصين  في حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية وجدوا أن المساعدات الأمريكية “تتدفق تدفقاً غير متكافئ لحكومات أمريكا اللاتينية التي تعذب مواطنيها مقارنةً مع حقوق الإنسان الأساسية لمنتهكي الجرائم في العالم”، وأن ذلك شمل المساعدات العسكرية أيضاً (التي لم تكن هناك حاجة لها)، الأمر الذي استمر حتى حكم (كارتر). لقد كان من اللازم أن تكون هناك دراسة مماثلة منذ عهد ريغان. كانت السلفادور إحدى أكبر الدول منتهكة الجرائم في الثمانينات، وبذلك فقد أصبحت المُستقبِل الرئيسي للمساعدات العسكرية الأمريكية، ثم بعد ذلك حلت كولومبيا محلها باعتبارها أسوأ منتهكة للجرائم في نصف الكرة الأرضية. لقد كان (فاسكيز كاريزوسا) يعيش تحت حراسة مشددة في مقر اقامته في بوجوتا عندما زرته عام 2002 باعتباري طرف من بعثة منظمة العفو الدولية، التي قامت بحملة لمدة سنة تتمثل في حماية المدافعين عن حقوق الإنسان في كولومبيا وذلك بسبب سجل الهجمات المرعبة التي كانت ضد نشطاء حقوق الإنسان والعمال، والتي كانت معظم ضحاياها من الفقراء والعُزّل. ويستمر الإرهاب والعذيب في كولومبيا باستخدام الأسلحة الكيميائية (التطهير) وذلك بحجة الحرب على المخدرات، ليُجبر سكان الأحياء الفقيرة على الهروب، ولم يلقَ الناجون منهم إلا البؤس. تشير تقديرات مكتب المدعي العام الكولومبي إلى مقتل أكثر من 140 ألف شخص على يد الميليشات أو القوات غير النظامية، التي تعمل مع الجيش وتمولها الولايات المتحدة.

أصبحت ترى علامات المجازر في كل مكان. مررت أنا ورفاقي على طريق زراعي قبل عام وكنا نريد الوصول إلى قرية نائية في كولومبيا، لقد مررنا في طريقنا على عدة قبور لضحايا الهجوم شبه العسكري على الحافلات. وتعتبر تقارير القتل الرسومية أمراً كافياً، كما أن من شأن مقابلة بعض الناجين الذين يعتبرون من ألطف الناس وأكثرهم عطفاً أن توضّح الصورة وألمها.

إن هذا الأمر لهو أكثر رسومات هذه الجرائم الفظيعة اختصاراً، والتي يتحمل ذنبها الأمريكيون، والتي يمكننا (على أقل تقدير أن نخفف من حدتها).

إلا أن أكثر ما يثلج الصدر هو أننا نثني على الشجعان الذين يحتجون على انتهاكات العدو، إنه أمر جيّد لكنه لا يحظى بأولوية لدى المفكّرين الذين يأخذون مسؤوليات هذا الموقف على محمل الجد.

إنّا لا نتجاهل وننسى الضحايا في مياديننا (الأمر الذي يحدث عكسه في دول معادية) إلا أن هذا يعتبر إهانةً لنا أيضاً. ضرب أحدهم مثالاً لافتاً بعد اغتيال المفكرين الأمريكيين اللاتينيين في السلفادور بأسابيع قليلة.

زار (فاكلاف هيفيل) واشنطن وحضر جلسة كونغرس مشتركة. أُعجب به الجمهور عندما نادى “المدافعين عن الحرية” في واشنطن حيث أنه فهم أنه “تدفق منها المسؤولية” وأنها “أقوى دولة على وجه الأرض” وأعلن بصراحة عن مسؤوليتها عن الاغتيالات الوحشية لأقرانه السلفادوريين قبل فترة وجيزة.

سَحرَ بعرضه هذا الطبقة الليبرالية المثقفة. إن (هيفيل) يذكرنا بأننا نعيش “في عصر الرومانسية” كما قال (أنتوني لويس). لقد فرِح المحللون الليبراليون بمثالية وسخرية وإنسانية (هيفيل) وأنه “بشّر بعقيدة صعبة لمسؤولية الأفراد”، بينما تألم الكونغرس “باحترام” من عبقريته ونزاهته، كما أنه تساءل عن سبب افتقار أمريكا لمثل هؤلاء المفكرين والذين ينادون بترقية الأخلاق على المصلحة الشخصية ويدعون إلى النظر في الجثث المعذبة والمشوهة في أنحاء البلدان التي تركناها في مأساتها. لا داعي لأن نقلق هنا حيال ردة فعل البابا إلاروكيا (أبرز المفكرين المسيحيين المُغتالين) الذي قال مثل هذا الكلام في مجلس الدوما وذلك بعد أن قامت قوات الصفوة التي سلحها ودربها الاتحاد السوفييتي باغتيال (هيفيل) وستة من مساعديه، الأمر الذي لا يمكن تصوره.

يجعلنا اغتيال (ابن لادن) ننتبه أيضاً إلى ضحايا الذل. هناك الكثير لنقوله حيال هذه العملية، ويتضمن ذلك استعداد واشنطن لمواجهة خطر حرب كبرى محتملة أو حتى وصول المواد الانشطارية إلى أيدي الجهاديين، كما أسلفت سابقاً. لكن دعونا نبقي على سبب تسمية عملية غيرونيمو بهذا الاسم. تسبب هذا الاسم بغضب في المكسيك، كما احتج عليه السكان الأصليون في الولايات المتحدة، ولكن يبدو أنه لم يُلاحظ أن (أوباما) حدد (ابن لادن) مع رئيس الأباتشي الهندي. لقد قام غيرونيمو بمقاومة شجاعة لأولئك المعتدين الذين هددوا شعبه بمصير “إبادة هذا العرق التعيس من الهنود الحمر بطريقة غادرة لا رحمة فيها بسبب خطاياها الشنيعة التي سيحاسبكم عليها الله” وذلك على حد تعبير الاستراتيجي العظيم (جون كوينسي آدمز) المهندس الفكري وذلك بعد فترة طويلة من إسهاماته في تلك الخطايا. يعيد لأذهاننا هذا الاسم سهولة تسمية أسلحة القتل لدينا بناءً على ضحايا جرائمنا مثل: أباتشي وبلاكهوك وشيين. قد ننظر للأمر نظرة مختلفة إذا استدعت اللوفتوافا طائراتها باسم “يهودي” أو “غجري”.

ويتابع بعد ذلك:

يقول (كسينجر): “لم تغير أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأولى العالمَ كما غيرته الثانية، كانت لا شيء بالنسبة لعواقبها الوخيمة”.

لا يعد إنكار هذه “الخطايا البشعة” أمراً واضحاً أحياناً. وهناك حالات أخيرة -على سبيل المثال لا الحصر- منها حالة حدثت قبل عامين في أبرز المجالات الفكرية الليبرالية اليسارية حول العالم، حيث بيّن (راسل بيكر) ما تعلمه من عمل “المؤرخ البطل” (إديموند مورغان)، فيحكي أنه عندما وصل كولومبوس والمستكشفون الأوائل وجدوا مساحة قارية ذات كثافة سكانية منخفضة يعيشون على الزراعة ومطاردة البشر، وأنه قد يكون هناك مليون نسمة في عالم لا حدود له وغير ملوث يمتد من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد.

ثم تطور الأمر لتشمل تلك المناطق عشرات الملايين وشهدت “تمددا” حضارياً  في أرجاء القارة.

لم تكن هناك ردة فعل على هذا الكلام، إلا أن المحررين عدلوا على المقال فأضافوا أنه كان هناك ما يزيد عن 18 مليون نسمة، كما أنهم حذفوا جزئية (من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد). كان كل هذا معروفاً قبل عدة عقود (بما في ذلك الحضارات المتقدمة والوحشية الغادرة والإبادة) ولكنه أمر ليس بالمهم حتى أن يُكتب في جملة اعتراضية. وأشار المؤرخ (مارك مازور) في مراجعة الكتب اللندنية بعد ذلك بعام إلى أنه لا يوجد أي تعليق على “إساءة معاملة الأمريكيين للسكان الأصليين”. هل الأمر أننا نقبل بكلمة مثل كلمة “إساءة معاملة” لجرائم مماثلة يرتكبها الأعداء؟

ويكمل (تشوميسكي) مقالته:

إذا كانت مسؤولية المثقفين تشير إلى مسؤوليتهم الأخلاقية كبشر مهذّبين في موقعٍ يمكِّنهم من استخدام امتيازهم ووضعهم لتحسين شروط الحرية والعدالة والرحمة كذلك للتحدث دون خوف ليس عن انتهاكات الأعداء، إنما، أكثر بكثير وبشكل ملحوظ، عن الجرائم التي نحن متورّطون بها وبالإمكان تحسينها أو الانتهاء منها إذا نحن اخترنا الإجابة عن سؤال: كيف سوف نفكر في الحادي عشر من سبتمبر؟

إنّ نظرية: هجمات الحادي عشر من سبتمبر “قد غيّرت العالم” هي نظرية مستمرة إلى حدٍّ بعيد وعلى نحو من الممكن تفهّمه. لأحداث ذلك النهار النتائج الأخطر بالتأكيد، محليا ودوليا. كان أحدهُم قد قاد الرئيس (جورج دبليو بوش) إلى إعلان حرب (رونالد ريغان) على الإرهاب. الأول منهما قد “اختفى” فعليا، باستعارته للعبارة من قتلة أميركا اللاتينية ومعذِّبيها المفضّلين لدينا. وذلك بصورة مُحتملة، لأن تلك النتائج لم تتلاءم جيدا مع صورنا الذاتية الممتازة. كانت النتيجة الأخرى غزو أفغانستان ومن ثم العراق؛ فالكثير من التدخلات العسكرية الراهنة في بلدان أخرى عديدة في المنطقة والتهديدات المنتظمة بالهجوم على إيران (“الخيارات كلها مفتوحة” وفقا للعبارة القياسية). كانت الأكلاف، بكل أبعادها، باهظةً. وكانت الاقتراحات على العكس من السؤال البديهي الذي لم يُسأل طوال المرة الأولى: هل ثمة بديل هناك؟ .

لاحظ عدد من المحللين أن (ابن لادن) قد حقق نجاحات ضخمة في حربه ضد الولايات المتحدة. “لقد أثبت على نحوٍ متكررٍ، أنّ الطريقة الوحيدة لإكراه الولايات المتحدة على الخروج من العالم الإسلامي وإيقاع الهزيمة بأحذيتها العسكرية كانت بجرّ الأميركان إلى سلسلة من الحروب الصغيرة لكنْ غالية الثمن، تلك التي في النهاية تؤدي إلى إفلاسهم” يكتب الصحفي إيريك مارغوليس .

باغتت الولايات المتحدة جيدا، تحت حكم (جورج دبليو بوش) ومن ثم (باراك أوباما)، مكيدةَ (ابن لادن)… الإنفاق والولع الشديد بالديْن العسكريين المتضخميْن على نحو غريب… هما ميراث أعظم ضررا بكثير من الرجل نفسه الذي اعتقد أنّ بوسعه أن يوقع الهزيمة بالولايات المتحدة .

قدّر تقرير “أكلاف مشروع الحرب” الصادر عن معهد واتسون في جامعة براون أن المحصلة النهائية سوف تكون 3,2 تريليون ولغاية 4 تريليونات مليون دولار أميركي. تماما، هذا الإنجاز المؤثر (تحقق) عن طريق (ابن لادن).

كانت واشنطن منكبّة على مباغتة مكيدة (ابن لادن) الذي كان واضحا أكثر من أي وقت. يكتب (مايكل سكوير)، المحلل المتقاعد في (السي آي إيه) والذي كان مسؤولا عن تعقُّب (ابن لادن) خلال الأعوام من 1996 ولغاية 1999: “تحرّى (ابن لادن) الدقّة في إخبار أميركا بأسباب شنّ الحرب علينا”. إن “قائد القاعدة”، يتابع (سكوير) “قد خرج كي يبدّل بتطرُّف سياسات أميركا والغرب تجاه العالم الإسلامي”.

ومثلما يشرح (سكوير) فقد نجح (ابن لادن) إلى حدّ كبير: “أكملت جيوش الولايات المتحدة وسياساتها راديكالية العالم الإسلامي، لقد حاول (أسامة بن لادن) بعض الشيء أن يُنجز ما هو أساسي وجوهري، لكن النجاح لم يكتمل منذ فترة مبكّرة من التسعينات، وكنتيجة لذلك، أعتقد أنه كان من الإنصاف الإبقاء على (ابن لادن) حليفا لا غنى عنه” وإبقاؤه ما يزال قابلا للجدل كثيرا حتى بعد موته .

وثمة سبب للاعتقاد بأن الحركة الجهادية كان من الممكن أنْ تتجزأ وتضعف مكانتها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، هي ـ أي الهجمات ـ التي انتُقِدتْ بقسوة داخل الحركة، علاوة على أنها “جريمة ضد الإنسانية” مثلما سُمِّيَتْ على نحو يطابق الحقيقة، حيث كان ممكنا مقاربتها كجريمة، من خلال عملية دولية كي يُلقى القبض على المشتبه بهم الرئيسيين مثلما كان متوقَّعا. وكان هذا ما قد تمَّ إدراكه من خلال النتائج المباشرة التي تلت الهجمات، لكن حتى هذه الفكرة لم تُؤخذ بعين الاعتبار من قِبَل صانعي القرار في الحكومة. (هناك خلل في الترتيب) بدا أنه لم يكن هناك اهتمام قد مُنح لعرض طالبان غير النهائي ـ كم كان العرض جادّا، لا نستطيع أن نعرف – لتقديم قادة القاعدة في مقابل صفقة قضائية.

ويتابع:

في كل مرة أستشهد بما خلُص إليه (روبرت فيسكمن) أن الجريمة الفظيعة للحادي عشر من سبتمبر التي ارتكِبتْ “بوحشية مولعة بالأذى والترويع” هي إصدار حُكمٍ دقيق. حتى أن الجرائم كان من الممكن أنْ تكون أسوأ. أفترض أنّ الرحلة 93، التي أُسقِطت طائرتها من قِبَل ركّاب شجعان في بنسلفانيا، قد فجَّرت البيت الأبيض، وقتلت الرئيس. أفترض أنّ القَتَلة في الجريمة الذين خططوا ونفّذوا قد استغلوا طاغيةً عسكريا قتل الآلاف وعذّب عشرات الآلاف. أفترض أن طاغيةً جديدا أعترف به قانونيا بدعم من القتلة ومركز الإرهاب الدولي قد ساعد، في أمكنة أخرى من العالم، على استغلال دول تعذيبٍ وإرهابٍ شبيهةٍ، ومثل غطاء جليدي ، قد أقنعوا فريقا من الاقتصاديين ـ لنسَّمِهم “فتية قندهار” ـ الذين قادوا الاقتصاد على نحو سريع إلى أسوأ انخفاض له في تاريخه. ذلك من غير تعقيد، سوف يكون أكثر سوءا من الحادي عشر من سبتمبر .

ومثلما نعلم جميعا، هذا ليس اختبارٌ لفكرة، فقد حدث. وأنا، هنا، أشير بالطبع إلى ما يُعرف في أميركا اللاتينية غالبا بـ”الحادي عشر من سبتمبر الأول”، الحادي عشر من سبتمبر العام 1973، حين نجحت الولايات المتحدة بمساعيها المكثّفة في إسقاط الحكومة الديمقراطية لسلفادور اللينديفي تشيلي بانقلاب عسكري أدّى إلى تعيين النظام المخزي للجنرال (بينوشيه) في الحكم. حيث نصّب الطاغية بالتالي “فتية شيكاغو” (هناك خلل في الترتيب) أولئك الاقتصاديين الذين تدرّبوا في جامعة شيكاغو على إعادة هيكلة اقتصاد تشيلي. تأمّلْ التخريب الاقتصادي والتعذيب والمُختطفين وتضاعُف أعداد القتلى، وسوف ترى كم كان مخرِّبا الحادي عشر من سبتمبر الأول .

امتيازٌ يُثمرُ فُرَصا، وفرصةٌ تهَبُ المسؤوليات .

كان الهدف من الانقلاب، بكلمات إدارة (نيكسون)، هو قتْل “الفيروس” الذي يمكنه أنْ يشجِّع كل هؤلاء الغرباء (الذين هم) بعيدون عن إكراهاتنا من خلال تولي أمر السلطة على مواردهم وأكثر من ذلك بهدف ملاحقة التطوّر المستقل بموازاة الخطوط التي لا رغبة فيها من قِبَل واشنطن. كانت نتيجة مجلس الأمن الوطني الخاص بـ(نيكسون) التي في خلفية هذا القرار أنه إنْ لم تستطع الولايات المتحدة إخضاع أميركا اللاتينية للرقابة، فإنه ليس من المتوقع أنْ تحقق نجاح النظام في أي مكان آخر في العالم. ومصداقية واشنطن، كما وضعها (هنري كيسنجر)، سوف تتقوّض .

ليس الحادي عشر من سبتمبر الأول شبيهاً بالثاني، فهو لم يغيّر العالم. فهو لم يكن “شيئا -يُذكر قياساً- بنتيجته العظيمة جدا” بهذا طمأن (كيسنجر) قائده بعد عدد من الأيام التالية. والحكم من خلال الكيفية التي يبدو عليها الأمر في التاريخ المألوف هي بكلمات يمكن أن تكون مغلوطة بصعوبة، مع أنّ الناجين يمكن لهم أن يروا المسألة على نحو مختلف .

أحداث النتيجة الفقيرة هذه لم تقتصر على الفريق العسكري الذي قضى على الديمقراطية التشيلية وكذلك على توجيه حركة الترويع التي تلت، فمثلما ناقشنا قُبيْل الآن، كان الحادي عشر من سبتمبر الأول دورا واحدا فقط في الدراما التي بدأت العام 1962 عندما غيَّر (كينيدي) من مهمة الجيوش الأميركية اللاتينية إلى “الأمن الداخلي”، والعاقبة المدمرّة هي أيضا لنتيجة فقيرة، فالنموذج المألوف هو حين يكون التاريخ قد تمّ إخضاعه للرقابة بواسطة مثقفين ذوي مسؤولية .

ويختتم مقالته قائلًا:

يبدو من خلال التاريخ العالمي أن المفكرين التقليديين -الذين يدعمون الأهداف الرسمية ويتجاهلون أو يبررون الجرائم الرسمية- مُكرّمون ويحظون بامتيازات في مجتمعاتهم، بينما أولئك الذين ينظرون إلى القيم مُعاقبون بطريقةٍ أو بأخرى. وهذا النموذج من المعاملة يعود بنا إلى السجلات القديمة. كان قد اُتهم رجلٌ فيما مضى بإفساد شباب أثينا الذين يتعاطون الشوكران السام، بنفس الاتهامات التي اُتهم بها (دريفوساردس) “بإفساد النفوس والمجتمع ككل” واُتهم كذلك المفكرين الذين ينظرون إلى القيم في الستينيات بالتأثير على الشباب.

تجد في التوراة أن هناك شخصيات وفق المعايير المعاصرة للمفكرين المُنشقين، وبحسب الترجمة الإنجليزية للتوراة فإن هؤلاء المُفكرين كانوا يُدعون “بالأنبياء”. لقد أحرج أولئك الأنبياء الجيوسياسية التي كانت تعيش أوقاتاً حرجة وذلك من خلال إدانتهم لجرائم الأقوياء ودعوتهم للعدالة والاهتمام بالفقراء ونبذ المعاناة. استنكر الملك آهاب (أكثر الملوك شراً) النبيَّ إيليا بوصفه عدواً لإسرائيل، كما هو الحال مع “كاره اليهود” أو “معادي أمريكا” في العصر الحديث. عومل الأنبياء معاملةً قاسية، وذلك على عكس المُتزلفين في المحاكم الذين أُدينوا فيما بعد بأنهم دجالون. يعد هذا النمط نمطاً غير مفهوماً، بل سيكون غريباً لو كان مفهوماً.

أما بخصوص مسؤوليّة المفكرين، فلا يبدو لي الأمر أن هناك أمراً وراء الحقائق البسيطة. عادةً ما تكون هناك امتيازات للمفكرين -وثمّة ملاحظة بسيطة بخصوص إطلاق هذا اللقب عليهم-.

تُعطي هذه الامتيازات فُرصاً، وتُنتج الفرصُ مسؤوليات. والفرد حينها يُصبح مسؤولاً.

الفرق بين المتعلم والمثقف عند هشام شرابي

C20N1

هشام شرابي (1927-2005)، هو مفكر فلسطيني ولد في يافا، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل أستاذا لتاريخ الفكر الأوروبي والعلوم السياسية في جامعة جورجتاون بواشنطن. ساهم في إنشاء عدة مؤسسات تُعنى بشؤون الوطن العربي والقضية الفلسطينية. له عدة مؤلفات عن النظام الاجتماعي والأسري للمجتمعات العربية، الهدف منها اكتشاف كيف يمكن النهوض بمجتمع فاعل وذلك بنقد تناقضاته.

في مقدمة كتابه (مقدمات لدراسة المجتمع العربي)، يكتب (شرابي) عن تجربته الخاصة في إعادة النظر بأفكاره السابقة واكتشاف مدى عمق الثقافة المسيطرة في تشكيل وعيه وفكره، حتى وإن وصل لأعلى الدرجات العلمية، مدركا أن أولى خطوات التحرير هي التحرير الذاتي والتخلص من عبودية الفكر المسيطر وهي عملية غاية في الصعوبة تتطلب إعادة النظر في جميع ثوابت الموروث وإخضاعها لتمحيص ونقد مستمر وشامل. يظهر هنا دور المثقف في التغيير، لكن هناك لبس مستمد من الجهل العام في اعتبار أن كل متعلم هو بالضرورة مثقف. في كتابه يفرق (شرابي) بين المتعلم والمثقف موضحا:

للثقافة والمثقفين مكانة خاصة في المجتمعات الفقيرة النامية، والجهل يرسم صورة مضخمة للعلم والمتعلمين، ويعطي المثقف مركزا متميزا ويتوقع منه المستحيل. وفي تصور هذه المجتمعات يختلط المثقف بالمتعلم، ويصبح كل من حصل على قسط من العلم، في نظرها، مثقفا. الواقع ان المثقف ليس من أحسن القراءة والكتابة، أو من حصل على شهادة علمية (هناك أميون بين حملة شهادة الدكتوراه)، بل إن ما يميز المثقف في أي مجتمع صفتان أساسيتان:

الوعي الاجتماعي الذي يُمكن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري متماسك.

والدور الاجتماعي الذي يمكن وعيه الاجتماعي من أن يلعبه، بالإضافة إلى القدرات الخاصة التي يضفيها عليه اختصاصه المهني أو كفايته الفكرية.

وعليه، فمجرد العلم حتى لو كان جامعيا لا يضفي على الفرد صفة المثقف بصورة آلية، فالعلم ما هو إلا اكتساب موضوعي ولا يشكل ثقافة في حد ذاته، إنه يصبح ثقافة بالمعنى الشامل إذا توفر لدى المتعلم الوعي الاجتماعي، ذلك العامل الذاتي الذي من خلاله فقط يصبح الفرد مثقفا، حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة، ومن دونه يبقى أميا، حتى لو كان طبيبا أو أستاذا جامعيا.

عن المفكّر أو المثقف، على طريقة سيوران

إميل سيوران
في كتابه (المياه كلها بلون الغرق)، الذي يُعد أحد أشهر كتب إميل سيوران (1911-1995)، وأول كتاب تُرجم كاملًا  إلى اللغة العربية، تحدث (سيوران) في عدة مواضع عن المعالم الأساسية للمثقف أو المفكّر كما يراها، أو نصائحه الشخصية في ظل رؤيته وفكره. مثلًا  كانتقاده لأولئك الذين ينمقون الكلمات، فباعتقاده أن منمقي النصوص لا يجدون ما يقولونه، أو على وجه الدقة، يقول:
لا أسلوب مع اليقين.
الانشغال بتجويد القول من مميزات الذين لا ينامون على عقيدة. إنهم يتعلقون بالكلمات، تلك الشبيهة بالواقع، في غياب الأرضية الصلبة، فيما الآخرون الأقوياء بقناعتهم يهزؤون بمظهر الكلمات ويسترخون في الارتجال.
ويقول أيضًا عن هذه الخدعة في الأسلوب والتنميق:
خدعة الأسلوب: إعطاء الهموم اليومية مجرى غير مألوف، تجميل المتاعب التافهة، تأثيث الخواء، تحقيق الوجود بواسطة “الكلمة”، بواسطة شقشقة الشكوى أو الاستهزاء.
وبالانتقال إلى أحد نصائحه الأخرى، يقول (سيوران):
وحدها العقول السطحية تتقدم من الفكرة بلطف.
فالأكثر أثرًا أو عمقًا بين المثقفين، هم أولئك الذين يتناولون الأفكار بعنف. يقول:
إذا أمكن لـ(نيتشه)، (بروست)، (بودلير) أو (رامبو)، أن يتصدوا لتقلبات الموضة، فإنهم مدينون بذلك إلى وحشيتهم اللامبالية، إلى جراحتهم الشيطانية، إلى سخائهم بالسم .. ما من شيء يجعل أثرًا يدوم ويمنعه من التقادم سوى شراسته. تأكيد غير مبرر؟ انظروا إلى مجد الإنجيل، أليس الكتاب العدواني والمسموم بامتياز؟
 ويقول أيضًا في هذه النقطة، ساخرًا من المفكرين الإنسانيين:
الجمهور يتهافت على ما يسمى بالكتّاب الإنسانيين. هو واثق بأنه لا يخشى منهم شيئًا. إنه يعرف أنهم قد توقفوا – مثله – في منتصف الطريق، سيقترحون عليه صلحًا مع المستحيل، رؤية منسجمة للفوضى.
 أما المَعْلم الثالث، والأهم والأشد تكرارًا في كتاباته، فهو الشك. يقول:
لا شيء يصيب العقل بالجفاف مثل نفوره من تصوّر أفكار مبهمة.
 فالشكوك تحول بين فتور العقل، وهي الرياضة بالنسبة للعقل من أن يفقد قدرته على التفكير السليم. وعلى الرغم من الحيرة التي تصيب المرء عندما يشك في كل شيء، إلا أن الشكوكية ضرورية، وعلامة مهمة على النزاهة، يقول:
في ترددنا علامة على نزاهتنا، أما يقيننا فلا يدل إلا على دجلنا. يُعرَف المفكر الغشاش من حصيلة الأفكار “الدقيقة” التي يدافع عنها.
 ويقول أيضًا:
الخوف من العقم يدفع الكاتب إلى أن يُنتج فوق طاقته، وأن يضيف إلى الأكاذيب المعيشة أكاذيب أخرى لا تُحصى يستلفها أو يختلقها اختلاقًا. تحت كل “أعمال كاملة” يقبع دجال.
 ويقول في موضع آخر:
الشكوكية هي منهج الحضارات الفتيّة، وخجل الحضارات الهرمة.
 فالحضارات الفتية، تعمل بجد لتنال نهضتها، بينما الحضارات الهرمة تسعى للدفاع عن سمعتها، بغض النظر عن حقيقة هذه السمعة أو صوابها. وعن بشاعة التأكد من فهمنا لكل شيء، يقول:
اللحظة التي تُسوّل لنا أننا فهمنا كل شيء، تمنحنا هيئة القتلة. 
ولا ينكر (سيوران) أن للشكوكية حيرتها وعذابتها، بل إنه يقرّ ذلك في مقولته:
يتمنى الشكّاك لو أنه يتعذب مثل سائر البشر من أجل الأوهام التي تمنح القدرة على الحياة. لكنه لا يفلح في ذلك: إنه شهيد التفكير السليم.
كل ذلك يهيّئ الأرضية الثابتة للنقطة الرابعة، يقول (سيوران) عن أجدى منابع الكتابة:
لا مصادر للكاتب أفضل من أسباب إحساسه بالعار. الكاتب الذي لا يكتشف في ذاته أسبابًا للشعور بالخزي أو يتهرب من هذه الأسباب، ليس أمامه إلا السرقة أو النقد.
 ويقول أيضًا:
من لم يذق الإهانة لا يعرف معنى الوصول إلى آخر مراحل الذات.
وأخيرًا، يقول:
من السهل أن يكون المرء عميقًا، يكفي أن يستسلم لفيض ثغراته الخاصة.
 وتتمثل النقطة الخامسة، في التحرر من التحيزات. يقول:
الفكر الذي يتحرر من كل تحيز، هو فكرٌ يتفكك محاكيًا تناثر الأشياء التي يريد الإمساك بها ومحاكيًا عدم انسجامها. بأفكار “سائلة” نحن “نتمدد” على الواقع ونعانقه دون أن نفسره. هكذا ندفع غاليًا ثمن “النظام” الذي لم نرغب به.
ويقول أيضًا:

واجب الوعي: الوصول إلى يأس لائق.

 ونختتم المقالة بمقولة أخيرة، بعد أن وضعنا خمس علامات بالطريق للمثقفين والمفكرين، على طريقة (سيوران):
إنه لمَساس بالفكرة أن نعمقها: ذلك يعني أن ننتزع منها سحرها وربما حياتها.

وحدة المعرفة، المعلومة، والمفكِّر، جمال حمدان أنموذجًا

 

جمال حمدان

جمال حمدان (1928-1993) قد يكون أحد المثقفين والكُتاب العرب المعاصرين، الأكثر شأنًا، والأقل حظًا وشهرة اليوم. اشتهر بكتابه المكوّن من أربعة مجلدات، والذي حمل اسم (شخصية مصر)، وله العديد من الكتب والكتيبات الصغيرة، المنشورة قديمًا، والتي توقفت أغلب دور النشر حاليًا عن تداولها، للأسف الشديد. في كتاب (شخصيات لها تاريخ)، أفرد الدكتور (جلال أمين) مقالة باسم “جمال حمدان وضمير المثقفين المصريين”، تحدث فيها عن حياته، وعن عمله الأشهر (شخصية مصر)، يقول د. (جلال أمين):

قرأت في الكتاب لأول مرة عندما ظهر الجزء الرابع والأخير منذ عشر سنوات، فوجدته ينتمي إلى ذلك الصنف النادر جدًا من الكتب، المؤهل بحق للبقاء عشرات من السنين دون أن يبلى أو يفقد أهميته. وربما كان أهم ما يميزه هو تلك الفكرة الكامنة في عقل المؤلف والحاكمة لمنهجه واتجاهات تفكيره، وهي ما يمكن أن نسميه بـ”وحدة المعرفة“. فالقارئ يشعر منذ الصفحات الأولى بأن مختلف فروع المعرفة تتداخل طرقاتها وتؤدي بعضها إلى بعض، بل وتتفاعل بعضها مع بعض بحيث لا يمكن لمن يقتصر على فرع واحد من فروع المعرفة أن يفهم أي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية فهمًا حقيقيًا.

ثم يورد بعض الكلمات يتحدث فيها عن حياة (جمال حمدان) الشخصية:

كان من البديهي أن عملًا من نوع هذا العمل الذي عقد (جمال حمدان) العزم على القيام به، يتطلب حياة أقرب إلى حياة الرهبان، وزهدًا في المال والمنصب، ودرجة كبيرة من العزلة والابتعاد عن خضم الحياة الاجتماعية والسياسية. وهكذا كانت حياة (جمال حمدان) بالفعل حتى انتهت فجأة، بسبب حادث أليم. كان من الطبيعي أيضًا أن يشعر المثقفون المصريون بصدمة عنيفة إذ علموا بموته المفاجئ، ومن ثم لم تتوقف المقالات الحزينة التي تبكيه وترثيه وتتحدث عن مناقبه وعمى أسدى إلى الثقافة المصرية من أياد، وكأن كل مثقف مصري يتمنى في دخيلة نفسه لو كان قد فعل مثلما فعل (جمال حمدان).

ثم يقول عنه:

لقد كان (جمال حمدان) يمثل دائمًا ما يشبه “الضمير” للمثقفين المصريين، يتذكرونه من حين لآخر، خصوصًا عندما تقسوا الحياة لدرجة يتمنى المرء معها لو كان قد خاضها من وقت بعيد، كما خاضها (جمال حمدان).

ثم يتطرق أكثر لحياة (جمال حمدان) التي اتسمت بالتقشف، والاستغناء عن متارف الحياة:

كنت أعرف مما سمعته عنه أنه يعيش عيشة متقشفة للغاية، ولكني دهشت أشد الدهشة عندما رأيت صورة حجرة نومه ومطبخه. فلم أكن أتصور أن هناك من لا يزال يعيش في القاهرة بمثل هذا التقشف، فما بالك بأستاذ جامعي وكاتب شهير؟ […] مرة أخرى يذكرنا (جمال حمدان) بما تتكون منه حاجات الإنسان الحقيقية، وبقول أحد فلاسفة اليونان القدماء إذ سار في الأسواق متعجبًا: “كم تمتلئ هذه الأسواق بأشياء لست في أدنى حاجة إليها!“.

جلال أمين

قد يكون هذا الحال، مع الأمور التي لا تهم الكاتب أو المثقف، لكن إذا ما سألنا عن حال مكتبته الخاصة نجده يجيبنا:

ولكن شيئًا أخر استرعى انتباهي ودهشتي. لقد قال بعض من زار شقته بعد وفاته إنهم فوجئوا بحجم مكتبته. كانوا يظنون من روعة ما كتب (جمال حمدان)، أن مكتبته تضم الآلاف المؤلفة من الكتب، فإذا بها من حيث العدد مكتبة متواضعة للغاية، مثلها منل حجرة نومه ومطبخه. بعض الكتب الأساسية تشغل عددًا صغيرًا من الرفوف أو مكومة على الأرض، وهذا كل ما في الأمر. قال معارفه إنه كان يتخلص من حين لآخر من الكتب التي لا يحتاج إليها، كما أنه كان كثيرًا ما يستعير الكتب أو يطلب نسخًا من مقالات منشورة في الخارج، ثم لا يستبقي منها إلا ما يعرف أنه سوف يحتاج إليه من جديد. أيًا كان الأمر، فإن قليلًا من التروي يبين لنا أنه ليس ثمة غرابة في قلة ما لديه من كتب. فمع كل ثراء (جمال حمدان) بالمعلومات، لم يكن هذا هو المميز الحقيقي لها، وما جعل منه هذه الظاهرة الفريدة التي استولت على إعجابنا. كان الرجل يفكر ويبحث عما خفي من الروابط بين الأشياء، وليس مجرد جامع للمعلومات أو شارحًا لها، ولهذا جاء كتابه فريدًا بين الكتب، إذ لم يكن من تلك المؤلفات التي تزخر بها الأسواق والمكتبات والتي لا تفعل أكثر من “تجميع ما افترق وتفريق ما اجتمع” على حد تعبير أحد الأدباء.

فباختصار، يمكن القول عن حياة طبيعة جمال حمدان:

أضف إلى هذا بالطبع أن الرجل، كما هو واضح، لم يكن مغرمًا بالاقتناء، ولم تسيطر عليه رغبة عارمة في الاستحواذ والتملك. كان الكتاب في نظره يُكتب ليُقرأ، لا ليُقتنى ويوضع على الرف. فإذا قرأ الكتاب واستوعب، انتهت مهمته وجاز الاستغناء عنه.

 

ننتثل إلى كتاب (رحلتي الفكرية) والذي يعد سيرة ذاتية للدكتور (عبدالوهاب المسيري). يحكي فيه الدكتور (عبدالوهاب المسيري) عن نفسه عندما كان يعد رسالته “أثر الشعر الرومانتيكي الإنجليزي والشعر الرمزي الفرنسي على شعر إبراهيم ناجي“، بأنه تأثر بـ(جمال حمدان)، فيقول:

وفي دراستي عن (جمال حمدان) درست قضية “الأثر” مرة أخرى، قزأت كتابه (اليهود أنثروبولوجيًا). لكنني حين قرأته كنت أبحث ساعتها عن المعلومات شأني شأن أي باحث، ولكن يبدو أيضًا أنني استوعبت منظومة فكرية كاملة ثم استنبطتها تمامًا دون أن أدري. ولذا حينما تأملت في علاقتي بـ(جمال حمدان) هالني حجم تأثري به في طريقة تفكيره. لقد جاء في كتابه الكثير من المعلومات والوقائع، فأخذت منها ما أخذت، واستبعدت ما استبعدت، ثم تبدلت المعلومات وتحورت، كما تتبدل المعلومات وتتحور، ولكن بقي ما هو أهم، بقي فكره ورؤيته ومنهجه.

فيقول بعد ذلك عن أثر (جمال حمدان) في كتابات (المسيري):

أثر (جمال حمدان) لا يمكن أن تجده في سطر أو سطرين أو صفحة أو صفحتين مع كتاباته، وإنما هو بين السطور، وهذا هو أعمق أثرًا. ولكن مع سيطرة النموذج التراكمي المعلوماتي، أهملت أهمية هذا النوع من التأثر. إن مجال البحث العلمي بالنسبة للكثيرين هو الحقائق وليس الحقيقة. هو المعلومات وليس الأنماط الكامنة وراءها، ولذا فحينما يُدرس أثر كاتب على آخر فإن الدارسين عادةً ما يبحثون عن عدة جمل وعبارات واقتباسات مباشرة نقلها الكاتب المتأثر من الكاتب المؤثر.

يطرح (المسيري) سؤالًا آخرًآ: لماذا لم يشتهر (جمال حمدان) ولم تُنشر كتبه بكثرة، ككتابه العظيم (استراتيجية الاستعمار والتحرير

كما أنني يمكنني أن أثير قضية أخرى، وهي: لِم لم يؤثر (جمال حمدان) في هؤلاء الذين يكتبون دراسات في نفس الموضوع بطريقة تتناسب مع حجمه الفكري؟ يمكنني القول إن النموذج المعلوماتي التراكمي سيطر تمامًا وخوّل كل شيء (الآراء والرؤى والأحلام والآلام) إلى معلومات. ولذا تحوّلت كتابات هذا المفكر الفذ إلى مادة أرشيفية، يتناولها بنهم الكتَّاب المعلوماتيون. وأعتقد أن معظم ما يُكتب هذه الأيام يُكتب صدورًا عن هذا النموذج، ولكن الأسوأ من هذا أن ما يُقرأ الآن يُقرأ بنفس الطريقة، وهكذا تضيع الحقيقة ولا يبقى سوى الحقائق.

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a

فأغلب الكتب اليوم تضخ المعلومات بدلًا من المعرفة، وتراكم الأفكار بدلًا من إيجاد نسق فكري كامل.

ولذا فكل كتب (جمال حمدان) هي كتب إشكالية، محاولة للإجابة عن سؤال ما، وتصب كل الأسئلة في مشروع فكري واحد، محوره مصر. فـ(جمال حمدان) صاحب فكر وليس ناقلًا للأفكار (مثل عدد لا يُستهان به ممن يسمون بالمفكرين في بلادنا، ممن حعلوا همهم نقل آخر فكرة وآخر صيحة، عادةً من الغرب). صاحب الفكر هو إنسان قد طوَّر منظومة فكرية تتسم أجزاؤها بقدر من الترابط والاتساق الداخلي، فهي تعبر عن قلقه وآماله، ويكمن وراؤها نموذج معرفي واحد، رؤية واحدة للكون. أما ناقل الأفكار، فهو إنسان ينقل أفكارًا متناثرة لا يربطها بالضرورة رابط، وتنتمي كل فكرة إلى منظومة فكرية مستقلة.

ثم يعقب قائلًآ:

(جمال حمدان) لا ينتمي إلى هذه المدرسة المعلوماتية التراكمية التي استشرت تمامًا في صفوف الباحثين بسبب سهولة الإنتاج العلمي من خلالها (استبيانات – جداول – تحليل سطحي للمضمون – استطلاع رأي – أرقام). ولا شك في أن غياب المشروع الحضاري المستقل يزيد من انتشار هذا النموذج، إذ يحل التفكير السهل المباشر من خلال الكم المصمت محل التفكير المركب من خلال الرؤية والهوية والحلم والأمل، ويصبح التلقي المهزوم والإذعان (الموضوعي) للأمر الواقع بديلًا لمحاولة رصد الواقع بأمل تغييره وإعادة صياغته.

فالمدرسة المعلوماتية التراكمية، هي مدرسة تلقينية، تقف من العالم موقف المتفرج.

إن المدرسة المعلوماتية التراكمية معادية للفكر والإبداع. إنها تدور في إطار الموضوعية المتلقية، السلبية. العقل عندها آلة ترصد وتسجل، وليس طاقة إنسانية مبدعة تعيد صياغة العالم. وهي لا تكترث بالحق أو الحقيقة ؛ فهي قد غرقت تمامًا في الحقائق والوقائع والأفكار المتناثرة، ترصدها من الخارج دون تعمق ودون اجتهاد وكأنها أشياء مرصوصة، كم لا هوية له، ولذا تفقد الظواهر شخصيتها ومنحناها الخاصين.

 

أدوار المثقف المعاصر عند د.علي حرب

6872902b5fcaa7667c3d0934d8e751fd

د. علي حرب هو كاتب ومفكر علماني لبناني، له العديد من المؤلفات منها كتاب (نقد النص) و(هكذا أقرأ: ما بعد التفكيك) ويعرف عنه أسلوبه الكتابي الرشيق وحلاوة العبارة. كما أنه شديد التأثر بجاك دريدا وخاصة في مذهبة فيالتفكيك.وهو يقف موقفاً معادياً من المنطق الصوري القائم على الكليات العقلية التي يعتبرها علي حرب موجودات في الخارج وليست أدوات وآليات فكرية مجردة للنظر والفكر. فهو يتبع منهج كانط في نقد العقل وآلياته وبنيته الفكرية. في كتابه (حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية) يتكلم عن دور المثقف في العصر الحديث فيقول:

لا شك أن الوسائط الإعلامية، قد بلغت درجة من التطور والتعقيد والتأثير، ما يجعلها تتصدر الواجهة وتطغى على المشهد. وثمة من يقول اليوم بأن السلطة الإعلامية باتت هي السلطة الأولى. بالطبع للحدث الإعلامي مفاعيله ونتائجه، كأي حدث آخر: إنه يصدم المسلمات ويزعزع البداهات المستقرة في العقول. غير أن مجابهة الحدث لا تكون بنفيه، بل بقراءته وتشخيصه. فلا مجال للعودة إلى الوراء، وإنما الممكن والمجدي هو أن نفكر انطلاقًا من الحدث الإعلامي، بإعادة النظر في البداهات التي ينبني بها الوعي، والنماذج التي تصنع المخيال، والمعايير التي تنظم الوجود المجتمعي. إن هذا الحدث يغير علاقتنا بكل شيء، بما في ذلك الإنتاج الثقافي نفسه.

من هنا لم يعد بوسع المثقف أن يمارس وكالته الفكرية عن المجتمع أو وصايته الخُلقية على الناس. فالمثقف هي في عصر الوسائط وسيط بين الناس، يسهم في خلق وسط فكري أو عالم مفهومي أو مناخ تواصلي، أي ما من شأنه أن يزيد المجتمع من إمكانات التواصل والتبادل والتعارف. أما الدور النخبوي التحريري أو التنويري، فقد أنتج التفاوت والاستبداد والاصطفاء والعزلة عن الناس والمجتمع. وبالإجمال لم تعد النماذج الأنسية السائدة منذ عصر التنوير تفي بقراءة ما يحدث. بل هي تستنفد طاقتها وتفقد مصداقياتها، بما فيها هذا النمط الذي يمثله المثقف. فمع استنفاد عالم الحداثة تنتهي أشكال أنسية متوارثة ونماذج ثقافية مسيطرة ومهما تاريخية طوبائية، لكي تنشأ أشكال ونماذج وأدوار جديدة تطوي القديمة وتستوعبها في صيغ جديدة للعمل التاريخي وللفعل الثقافي.

بكلمة مختصرة: ما أراه ممكنًا الآن هو العمل على ابتكار إنسانية جديدة تتيح لنا أن نوازن بين الثقافة والحضارة، بين القيمة والأداة، بين الفكر والوسائط، بين المعنى والسلعة، بين الإنسان والطبيعة