أرشيف الوسم: المثقف

المرجعية والمنهج، لدى احمد مرزاق

المرجعية والمنهج (دراسة نظرية تطبيقية) 

IMG_٢٠١٧١١٢٧_١٧١٤٠٣_٨٩٣

د.أحمد مرزاق، من مواليد مدينة وجدة المغربية عام 1974، حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث عام 2010، يعمل معلما في التعليم الثانوي

يثيركتابه (المرجعية والمنهج) أسئلة معرفية مهمة، حول المرجعية والمناهج، ومنها تصل الأسئلة لمدى اعمق، حول الهوية الثقافية، والتمايز الحضاري بين الأمم، ولا يدعي تقديم اجوبة كاملة بقدر ما يحاول فتح الطريق للوصول إلى الوعي بها، والبحث عنها.

فيقول في مقدمة  الكتاب:

يتطلب الحديث عن المنهج فتح ملفات تطول تراثا بأكمله، تراثا يبدأ مما يسمى النهضة العربية إلى حدود الوقت الراهن، لكي نسأل ونلح في السؤال عن المناهج القارئة والمفككة للتراث والواقع، فنحن قد نكون دخلنا في طريق مسدود منذ اللحظة التي أقصي فيها سؤال المنهج وعلاقته، الوصل أو الفصل، بالمرجعية، إذ كان الأولى أن ننقب في مجموعة قضايا أولها وأهمها قضية المفهوم، وهي من اخطر القضايا واعوصها.

يذهب الباحث التونسي عمر الشارني إلى أن المصطلح (يرتبط ارتباطا متينا بأرضه وموضعه الذى نشأ فيه -المقصود بالموضع هنا حقل معرفي معين -لا يغادره إلا وتعرض حتما للتشويه، وعلينا أن نعلم أن المفاهيم العلمية ضاربة في الخصوصية، غير قابلة لأن يتحول بعضها إلى بعض). مما يعني أن المصطلح متجذر في تشكيل حضاري، له لغته المعجمية والحضارية.

لهذا استعارة المفاهيم من حقل معرفي إلى حقل آخر قد يحمل مخاطر ومزالق، أما نقلها من نظام معرفي، أو مجال حضاري معين، واستنباتها داخل نظام آخر مغاير لا يؤدي إلى النسف، بل إلى خلخلة وشل الحركة داخل المنظومة المستورِدة، خصوصا إذا تم هذا الإستيراد في لحظة الوهن الحضاري.

وثاني هذه القضايا قضية تداخل الحقول المعرفية، فهذا التداخل يفرض على كل قارئ، الإلمام بالسياسات المختلفة للعلوم ليلاحظ الوشائج والعلاقات التي تقيمها هذه العلوم فيما بينها.

وقد حاولت في هذا البحث أن أشير إلى العلاقات التي تربط الحقول المعرفية، الفلسفية والإنسانية، والطبيعية والأدبية فيما بينها، وهذه الإشارة دافعها الأساس هو الكلام الكثير الذى نسمعه، في مجال المعرفة العربية عامة، والدراسات الأدبية خاصة، عن الأستعارة، الإستلهام، الإستيحاء، الإقتراض، النحت، التركيب، التكييف، التطبيق، التوظيف. وغيرها من المصطلحات التي تخفف من عملية النقل من خزان المعرفة الغربية، ثم الحديث المتواصل عن الفصل بين الدين المسيحي واليهودي والمعرفة الفلسفية أو الأدبية.

هذا الدافع يلح على اعادة الإعتبار للسؤال والشك في كل شيء، ومن هذا المنطلق جاء البحث عبارة عن سؤال كبير هو: ما علاقة المنهج بالمرجعية؟ بكل مكوناتها: الدين، الأسطورة، العلم، الثقافة؟

ثم يقول في سؤال المنهج والمرجعية:

يخلص الباحث السعودي سعد البازعي، في دراسته التي قدمت إلى ندوة (إشكالية التحيز)، إلى نتيجة مفادها أن ( القول بإمكانية فصل المنهج عن سياقه دون إحداث أية تغييرات، أو بعد ادخال تعديلات طفيفة، هو نوع من الوهم الذى سرعان ما يتكشف تحت محك التحليل التاريخي للخلفية الثقافية الفلسفية التي تحملها تلك المناهج)

تأتي تلك النتيجة بعد إقراره أن الناقد العربي مخير بين أمرين: إما أن يعمل على تطبيق المنهج المستورد كما هو، والنتيجة هنا هي إساءة فهم المادة الأدبية، وإما يعمل على تغييره تغييرا جذريا، فيصبح أمام منهج جديد لا صلة له بالمنهج الأول.

وأظن أن القضية نفسها وما يتعلق بالإختيار الثاني خاصة، قد عالجها أبو القاسم حاج حمد، حينما تعرض المحاولات التي رامت تطعيم الماركسية بالنزعة الإنسانية، يقول: ” حين يتفاءل احمد حيدر بالنزعة الإنسانية، عليه أن يتذكر أن هذه النزعة الإنسانية هي نزعة خارجية (ذاتية)، وبالتالي فإن كل محاولات التجديد في الفكر الماركسي لا تعني سوى نهاية الماركسية نفسها.

لماذا نهاية الماركسية؟  لأن ” تجريد الماركسية من الجبرية، ليتخذ الديالكتيك مكانة بحرية في حياة الإنسان، منطلقا من الحوار بين الذات والموضوع، هو أمر غير ماركسي”، يعني هذا أنه حين يختار الباحث منهجا معينا، للتعامل مع حقل من حقول المعرفة الإنسانية، فهو ملزم بمجموعة من الثوابت والسمات التي تؤسس المنهج، وتحدد خصوصيته بالمقارنة مع منهج آخر، وعليه فلا يمكن مثلا أن يكون الباحث بنيويا وتفكيكيا في الوقت نفسه.

هذا القول بالتلازم بين الخلفية الحضارية وبين المنهج ليس جديدا في الثقافة العربية الإسلامية، ولا نشاطر البازعي رأيه في قوله إن الآراء في هذا التلازم ( لا تكاد تتجاوز القناعة البداية)، لأننا نملك نماذج معينة حاولت التصدي لهذا الإشكال، والمساهمة بالفعل في اضاءته عبر مجموعة من مؤلفاتها، أولها شيخ الإسلام ابن تيمية، من خلال مصنفة( الرد على المنطقيين)، فهو يعتقد أن ( المدخل الفعال لإصلاح عقائد اهل عصره،  يتم عبر اصلاح طرق تفكيرهم، ولما كان المنطق الأرسطي هو “الأرغانون” أو القانون الناظم لذلك العقل، فقد كان لابد من التوجه لدحض أسسه الفلسفية).

فيصبح بذلك منطق أرسطو منطقا للغة اليونانية، وليس لكل اللغات، لكن الثورة الفلسفية التي دعا لها -ابن تيمية – أهملت، كما أهملت قبلها ثورة الغزالي، الذى رأى ومن خلال نقده للفلسفة اليونانية، أن ( العقل الإنساني قادر على العلم الوضعي، وأنه يبقى جدليا في الإشكالات الماورائية)، فهذا العمل الجبار الذى قام به لدحض الفلسفة كان أهم إسهام ايجابي له في تاريخ الفكر الإنساني.

والتأسيس للعقل العلمي أو للعلم الوضعي الذى قام به الغزالي ستظهر نتائجه في لحظتين مختلفتين: لحظة النهضة الأوروبية، ولحظة ابن خلدون، فهو ايضا وقف موقفا حازما من الفلسفات الحلولية الغنوصية، وكذلك من المنطق.

النموذج الثاني الذى يقف مستوعبا لخصوصية المعرفة،  أو لإشكالية التحيز في الإبداع البشري، هو حازم القرطاجني، حيث يقول:
” فإن الحكيم أرسطوطاليس، وإن كان اعتنى بالشعر بحسب مذاهب اليونانية فيه، ونبه على عظيم منفعته وتكلم في قوانين عنه، فإن اغراض اليونانية إنما كانت اغراضا محدودة في أوزان مخصوصة، ومدار جل اشعارهم على خرافات كانوا يضعونها/ يفرضون فيها وجود أشياء وصور لم تقع في الوجود، ويجعلون احاديثها أمثالا وأمثلة لما وقع في الوجود، وكانت لهم ايضا امثال في اشياء موجودة نحوا من امثال كليلة ودمنة،  وكانت لهم طريقة ايضا، في اشعارهم،  يذكرون فيها انتقال أمور الزمان وتصاريفه، فأما غير هذه الطرق فلم يكن لهم فيها كبير تصرف، كتشبيه الأشياء بالأشياء، فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه، وإنما وقع في كلامهم التشبيه في الافعال لا في ذوات الأفعال”

المهم من كل هذا هو أن هناك محاولات كانت في جوابها على سؤال العلاقة بين المرجعية والمنهج مستوعبة للإشكال، وهذا يظهر جليا في مثال ابن تيمية، الذى يرى أنه لا يتم دحض المناهج- هنا المنطق – إلا عبر دحض أسسها الفلسفية، ومستوعبة ايضا لقيمة التمايز، ولو بشكل متفاوت بين مجالين حضاريين، وإلم تصدر عنه في كل انشطتها المعرفية كما رأينا مع الغزالي.

هذا التمايز وهذا الوعي سيلغى مع عميد الأدب العربي، وذلك لكي نُشعِر الأوروبي بأننا نرى الأشياء كما يراها، ونقوم الأشياء كما يقومها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها.

ألأن المغلوب مولع بتقليد الغالب، أم لأن الذات التي كانت تستحضر ككيان مستقل فب مواجهة الآخر لم تعد عذراء، بل مغتصبة بعدما أعيد ترتيب داخلها، بشكل يخدم الإتجاه النازع نحو توحيد العالم وتنميطه.

فنحن حسب طه حسين، لو اخذنا نتائج العقل الإسلامي كلها فستعود وتؤول لتتطابق مع ” المركز” وهو “المرآة”، فكل شيء عند “الأنا” ينحل ليعود إلى الأصل اليوناني أو الروماني أو التوراتي المسيحي، وهو عينه ما فعله الإستشراق، وإن كانت للإستشراق دوافعه.

فطه حسين وهو يستعين بالفرنسي بول فاليري، الذى شخص العقل الأوروبي فأرجعه إلى اليونان ( فلسفة، أدب، فن)،  وإلى الرومان ( سياسة، فقه)،  وإلى المسيحية ( دعوة إلى الخير والإحسان). نسي وهو في هذه الزحمة منهجة الديكارتي الذى كان قد تبناه، ونسي القاعدة الأولى والأساسية بتعبيره لهذا المنهج وهي: (أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وطه حسين باعتباره (المرجع لنهضتنا العلمية في الدراسات الأدبية)، كما يزعم شوقي ضيف،  كان أول من دشن الإشكالية المنهجية التي ستتعاظم مع مرور الزمن، أعني إخضاع الذات الثقافية بجوانبها المتعددة، لمعيار غربي، والنظر إليها بمنظور الآخر.

نعم، فطه حسين لم يهتم بالمعري إلا لأن ” الإفرنج قد عنوا بالرجل عناية تامة” – القول لطه حسين- وترجموا له، واكثروا من القول في نبوغه وفلسفته، ولا ينظر إليه إلا عبر منظار الآخر الذى هو ” المنهج التاريخي”

فالغرب صار (مركزا) يحدد موضوع البحث، ثم المنهج وما يتصل به من مفاهيم واجراءات ومصطلحات، وبهذا يكون ” الإنسان العربي الحديث والمعاصر قد فقد القدرة على تسمية الأشياء”

واشارة بسيطة وعابرة إلى المشاريع العربية، توضح أن السؤال حول المنهج والمرجعية دخل في عداد المسكوت عنه أو (اللا مفكر فيه)، مما حدا ببعض المفكرين العرب إلى القول: ” يكاد يذهب بنا القول إلى التأكيد، انه لم تعرف الثقافة العربية الحديثة، منهجا نقديا، اكتسب شرعيته المنهجية إلا وقد كان تأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالموجهات والإجراءات التي اتصفت بها المركزية الغربية في حقل البحث الأدبي ونقده، بل في جل الحقول المعرفية.

وبعد أن يعرض المؤلف لآراءه، حول إستلهامات كل من حسن حنفي ومحمد برادة ومحمد مندور والجابري كأمثلة، يكتب:

وهل يكفي أن نقول إن معظم النقاد العرب الذين يعمدون إلى اختيار مناهجهم وأدواتهم التحليلية من مستودع المناهج الأجنبية، لم يتمثلوا هذه المناهج تمثلا نقديا، ولم يراعوا خصوصية المعطيات التي يدرسونها..فالإستلهام و (التمثل)، و(الإستعانة)، والإستيحاء) وغيرها، كلمات تعمل عمل السحر، لتبرر النقل السهل،  والعجز عن الأبداع.

بعد كل هذا التماهي في ثقافة (الآخر)، والتطابق معها، سواء على مستوى الرؤية أم المنهج، بل حتى في الموقف من الذات، لا نستغرب الآراء الطالعة علينا كل حين ومرة بوعائية المنهج واجرائية المفهوم، بل حتى كونيته، فالبنيوية ليست (فلسفة، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود ” كمال ابوديب – جدلية الخفاء والتجلي).

وكأننا نحقق نبوءة الرسول الكريم ص:” لتتبعن سنن من كان قبلكم…” هذا لا يعني أن الرسول ص يؤسس للجيتو، إنما المسألة لا تخرج عن التحرر من (إمبريالية المقولات)، ومن حالة السيولة التي كان يتعامل أو يدرك بها الفكر العربي الحضارة الغربية، فالذين يصرون على استيراد الميزان (الكليات أو المطلقات أو الغائيات)، يصرون في واقع الأمر على استيراد اختيارات الآخرين ورؤيتهم.

يقول في المرجعية بعد ذلك:

يثير الكلام حول المرجعية كثيرا من الأسئلة الشائكة، التي تحتاج لعقل جبار، ليتسنى له تجريد المرجعية الكامنة خلف كل الإبداعات الحضارية، أو تجريد ( النموذج المعرفي) الكامن، على حد تعبير عبدالوهاب المسيري، والحفر يجب أن يأخذ بعين الإعتبار بدايات التشكل، فلا يمكن مثلا فهم النهضة الغربية بمعزل عن التراث الإغريقي والروماني، فكل ما حدث أن إنسانيي النهضة ( ازاحوا جانبا آباء الكنيسة وأرسطو ورجال اللاهوت في العصور الوسطى، واحلوا محلهم مجموعة من الكتابات التي حفظها لهم التاربخ عن الإغريق والرومان ” كرين برينتون- تشكيل العقل الحديث” )

وعن مركزية التاريخ في تشكيل المرجعية:

المرجعية تتشكل داخل التاريخ، وهي اشبه ما تكون بكرة ثلج تحمل نواتها داخلها، وتتدحرج من قمة الجبل، فتضاف إليها عبر مسيرتها عناصر تساهم من جهتها في إثرائها واغنائها، وتحاول هي – المرجعية أو النواه- من جهتها تذويب وهضم هذه العناصر.

 وهنا مسألة مهمة تحتاج توضيح، فالقول أن المرجعية تشكيل تاريخي أمر نسبي يرتبط بالحضارات التي لم تعرف الرسالات السماوية، أو التي عرفتها لكن وقع التحريف فيها كاليهودية مثلا، فهذا الحكم لا ينطبق انطباقا تاما على الحضارة الإسلامية، لأن نواة مرجعيتها هو القرآن الكريم الذى تكفل الله سبحانه بحفظه، فهذا القرآن هو المهيمن على كل الثقافات قديمها وحديثها، وعبره تتم مراجعة ابداعات كل البشرية، وقد قام فعلا القرآن بمراجعة وتقويم تراث الأنبياء الذى حرفه اتباعهم، هذا التوضيح ضروري، خصوصا في وقت صار فيه المتبني لبعض آليات القراءة الغربية، بدعوى عالميتها، لا يميز بين النص التاريخي و “النص” القرآني.

والمثال الذى يمكن تقديمه هنا هو عنصر العلم، فرغم ما يقوله الغرب من أن ( الفلسفة والعلم كما نعرفهما اختراعان يونانيان)، وأن (حضارة الغرب التي انبثقت من مصادر يونانية، مبنية على تراث فلسفي وعلمي بدأ في ملطية Miletus  منذ 2500 عام)، فإن عبدالحميد يويو يقدم ورقة يطرح فيها سؤالا هو:  (إلى أي حد يمكن اعتبار اليونان مهد العلم ومسقط الروح العلمية في البحث والدراسة للعالم الخارجي  الكون والمادة).

فمما لا شك فيه أن الغرب إلتقط هذا المفهوم من الحضارة الإسلامية، وجرده من حوافه ليدخله إلى نسقه حتى يتلائم وروحه التدميرية.

بناء على ما سبق نفهم بعض المحاولات التي تروم رصد إرهاصات مجموعة من الأفكار الحديثة داخل أثينا، كمفهوم العلمانية ومفهوم الصراع، أو كما يسميه المسيري بالإبادة، هذا المفهوم الذى كانت من بين اصوله مجموعة من الأساطير المؤسسة لنزعة الغلبة والسيطرة كأسطورة برومثيوس، وبعض التأملات الفلسفية لكبار الفلاسفة كهرقليطس الذى يقول: ” لقد كان هوميروس على خطأ حين قال: ليت الصراع يختفي بين الآلهة والناس! إذ أنه لم يدرك انه كان يدعو بذلك لدمار العالم، فلو استجيب لدعائه هذا، لفنيت الأشياء جميعا”.

ونفهم كذلك عودة بعض الفلاسفة، بل جل الفلاسفة الغربيين إلى (المركز) أثينا، حين محاولة تحطيم أو تفكيك بعض الثوابت، كثابت العقل (اللوغوس)، والمنطق، والحضور مع دريدا، وتمجيد القوة والحياة عند نيتشه، لأن اليونانيين ( لم يكونوا عقلانيين بل كانوا مشحونين بإرادة الحياة ” رونالد سترومبرج”)، وان نيتشه وذويه (جزء من هذا الكون، وهو اعمى والصراع فيه مستمر ودائم).

هذه الإستمرارية التي تحاول بعض الدراسات تفاديها بإسم ( القطيعة المعرفية)، أو التركيز على لحظة معينة خصوصا القرون الثلاثة الأخيرة، هي القادرة على فك شفرات مجموعة من الأفكار.

فإذا سلمنا بأن الصراع بين الكنيسة وكل ما يدخل في نطاقها كالدين والفكر اللاهوتي والرموز، وبين الفكر” الحر” العلماني قد حسم لصالح الفكر العلماني، فلا يمكن فهم مجموعة من القضايا، واهمها هنا قضية ( نهاية التاريخ) كمثال فقط، فنهاية التاريخ أو إشكالية ( موت التاريخ)، هي إشكالية كامنة في الحضارة المادية الغربية كما يؤكد المسيري.

يستمر الحديث إلى مكونات المرجعية الغربية:

يرى مجموعة من الدارسين  أن المرجعية التاريخية للفكر الفلسفي والديني الغربي هي نتاج ثلاث مكونات هي:

  1. الفلسفة اليونانية
  2. التراث الروماني
  3. المسيحية

وهذه المكونات التي يقدمها عرفان عبدالحميد لا تخرج عما قدمه الإستشراق أو (المركز)، فالعقل الأوروبي كما شخصه بول فيري، الذى استعان به طه حسين في بحثه عن اصول (العقل) الإسلامي، يرد هذا العقل إلى عناصر ثلاثة (حضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن، وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه، والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحث على الإحسان).

ولكن هناك أصول اغفلها الغرب في تحقيبه للعقل الإنساني، وذلك عن قصد، وهنا لا نقصد الأصول البعيدة كمصر وبابل، ولكن الأصل الإسلامي من جهة، والتراث اليهودي من جهة أخرى، وإن كان الأصل الاول  لم يستطع الغرب إستيعابه، وإنما (إلتقط)، وهي كلمة مقصودة، بعض مساهماته كالمنهج العلمي، وبعض مفاهيمه كمفهوم العمل، يبقى هناك مكون أو مصدر آخر يذكره الباحث المصري حسن حنفي وهو : البيئة الأوروبية نفسها، وهي تتضمن الديانات الوثنية التي عاشت فيها أوروبا قبل إنتشار المسيحية، والأساطير والأعراف وامزجة الشعوب وبيئتها الجغرافية، فديانات القبائل كما يؤكد حسن حنفي كانت أقرب إلى ” أساطير الغزو والحرب، بعيدا عن المبدئ الأخلاقية”

والأمر المراد هنا هو حضور هذه الأساطير والديانات الشعبية في الوعي الأوروبي حتى بعد إنتشار المسيحية، فلقد تم تأسيس مجموعة من العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر، وقبل ذلك على أساطير معينة، وتم بناء المشروع الحداثي الغربي على أسطورة برومثيوس وفاوست، أما ازمجة الشعوب وبيئتها الجغرافية، فهي ضرورية ايضا لفهم مجموعة من الأفكار، إذ لا يمكن الفصل بين الفلسفة الألمانية والطبيعة الالمانية ومزاج الشعب الألماني: حب الطبيعة، النظام، الإحساس بالواجب، العمل. كما لا يمكن الفصل بين الفكر الأنجلوساكسوني وطبيعة الشعب في الجزر البريطانية: الحس، التجربة، العادات والتقاليد كبديل عن القوانين.

ثم يتطرق إلى ثوابت المرجعية الغربية الحديثة:

يقول عرفان عبدالحميد فتاح، إن أول ما يلاحظ على الفكر الغربي انه ( فكر اقام بنيانه واسسه على قانون مطرد في تاريخه، لا خلف فيه، هو قانون الصراع بين الأقطاب المتضادة)، فعبر هذا القانون يغدو وجود قطب معين يقتضي نفي مقابله نفي إلغاء، فإما الإنسان وإما الله، وإما الطبيعة وإما الإنسان، في الأول يحل الله في الإنسان، أو يصل الإنسان إلى الله فينفيه، فيتمركز العالم حوله، حول الذات الديكارتيه العارفة، أو الذات البرومثيوسية المنتصرة، فيعلن الإنسان أنه “سيد الكون ومركزه وانه موضع الحلول، ولهذا فهو مرجعية ذاته”، فيسعى للحصول على كل شيء بدون إله او نظرية نرفانا ( الفناء في المطلق). وفي الثاني يحل الإنسان في الطبيعة، بعد ان كان كل منهما مغيبا في الرؤية المسيحية، أو يتم تطبيع الإنسان، فيخضع للقانون الطبيعي، ويبدا الجوهر الإنساني – الثابت في الإنسان- في الغياب تدريجيا، ويحل الطبيعي محل الإنسان. فالشكل الأول من الحلول اسسته مجموعة من الأساطير في التراث اليوناني والتراث الشرقي القديم، الذى احتضنته اوروبا مع اليهودية المحرفة ونموذجه اسطورة بابل، ولكنه أخذ ملامحه الحقيقية مع ظهور مؤسسة (كهنوتية) هي مؤسسة العلم في العصور الحديثة، وكانت اهم تجليات الصراع ومظاهره هي ظاهرة الثنائية على المستوى الفلسفي: تجريبي/ عقلي، مثالي/ واقعي، وعلى المستوى الأدبي: رومانسي/ واقعي، تفكيكي/ بنيوي، وعلى المستوى المنهجي: موضوعي/ذاتي.

ناتي إلى الثابت الثاني وهو (مؤسسة العلم)، يؤكد الباحث (إدوارد جرانت)، أن “العلوم الرياضية وعلم الفلك والبصريات والطب، كانت حتى عام 1500 م تقريبا، أكثر تطورا في العالم الإسلامي مما كانت عليه في الغرب”، لكنه يستدرك ليقول أن العلم لم يمأسس في العالم الإسلامي، أي لم يصبح العلم مؤسسة ذات قواعد راسخة فيه”.

وجواب جرانت حول لماذا لم يتحقق العلم، كما نعرفه اليوم إلا في المجتمع الغربي، هو وقوع بعض الأحداث الأساسية في أوروبا الغربية بين عامي 1175م  و 1500م، هذه الحداث يجمعها في ثلاث شروط يراها أساسية وحاسمة، وهي:

  1. ترجمة علوم الإغريق إلى اللغة الاتينية، ومن دون هذا الشرط ربما لم يكن بالإمكان تحقق الشرطين الآخرين.
  2. تكوين جامعات القرون الوسطى، بعد اكتمال معظم الترجمات، بداية من عام 1200م، في كل من باريس واكسفورد وبولونيا، وكانت تختلف عن أي شي سبق أن عرفه العالم من قبل.
  3. ظهور طبقة فلاسفة اللاهوت، وتتمثل مساهمتهم في موافقتهم على إدخال فلسفة الطبيعة، واستخدامها في مناهج الجامعات الجديدة.

هذه الشروط مع أسباب اخرى، سمحت بتاسيس ( مؤسسة العلم)، التي ستدخل في صراع مرير مع مؤسسة الكنيسة، وسيحسم الصراع غالبا لصالح العلم، الذى سيتحول إلى (دوغما) في مشارف القرن التاسع عشر، مع الفلسفة الوضعية.

هذين الثابتين، ثابت الصراع وثابت (مؤسسة العلم) من المهم الوقوف عليهما، لانهما المؤطران لكثير من القضايا والإشكالات، فمؤسسة العلم تحدد العلمي والموضوعي وما دون ذلك، وتحدد كذلك المفَكَر والممكن التفكير فيه، والصراع يمنع التأليف بين الثنائيات: عقل/ حس، خالق/مخلوق، طبيعة/انسان، بالإنتصار لحدهما وإقصاء الطرف الآخر.

يختتم حديثه حول المرجعية الغربية الحديثة، فيقول:

الكلام حول المرجعية يحيل مباشرة إلى صيغة المفرد، لأننا نزعم أن كل الثقافات الإنسانية ( تشتمل على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركها أبناؤها حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية )، يقول محمد أمزيان: “هو مجموع الخلفيات والتصورات والمفاهيم الفلسفية، التي يصدر عنها الباحث في حقل ما، ومجموع الآليات المعرفية التي تشكل سلطته المرجعية، وتحدد جهازه المفاهيمي”، ثم يضيف: ” فالمنهج حسب السياق يعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر سيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة) يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

هذا تقريبا قريب مما يقوله المسيري عن ” النموذج المعرفي الغربي المادي”، حيث يتحدث عن اهم تحيزات هذا النموذج، والفارق ان امزيان يقصرها على مجال تخصصه (علم الإجتماع)، في حين أن الثاني يرى أن التحيز لهذه الأسس وغيرها، يحيز عام يكمن خلف كل العلوم ومناهجها، ف ” المنهج” أو  ” العقل” الذى تكون عبر سيرورة تاريخية، أو النموذج المعرفي، هي تسميات لمفهوم واحد، وهي تشير إلى ذلك المركب أو الكل الذى يشتمل على:

  1. تحديد مصادر معينة للمعرفة
  2. يقيم العلاقة بينها
  3. يحدد تدرجها وهرميتها
  4. يبين طرائق ومناهج الوصل إليها، ويضع ضوابط التعامل معها، وفهمها وتحليلها وطرق نقدها ومعايير هذا النقد.
  5. يحدد أسس مشروعيتها، ومبررات الإعتماد عليها، والإعتقاد فيها أنها معرفة حقيقية، والرضا بنتائجها واستخدامها وتوظيفها.

فالمصادر تضعنا امام ثنائية العقل والحس ومن الكفيل بالمعرفة، والوحي الذى أقصي من مجال المعرفة، ومحاولة الدمج بينه وبين الكون عبر ما يسمى ب(القراءتين) من جهة اخرى؟. والعلاقات بين هذه المصادر، تفتحنا على تاريخ صراعي بين العقل ومقولاته القبلية أو معارفه الفطرية أو صفحته البيضاء، وبين الحس والتدحرج بينهما في الفكر الغربي خاصة. أما طرائق ومناهج الوصول إلى المعرفة (الحقيقية) فكانت تحسم غالبا لصالح المنهج التجريبي، على حساب طرائق اخرى، عمل السياق التاريخي والمسير الحضاري على إقصائها.

يبقى سؤال من يحدد مشروعية المعرفة، وإمكانيتها اهو العقل الذى يشهد لها؟ ام الله هو الذى منحها وهيا اسبابها ليقوم الإنسان بتسخيرها بعد تحصيلها، فتغدو هبه ربانية، وليس بروموثيوس هو الذى سرقها من الآلهة ليعطيها الإنسان، ليتمرد بها على خالقه و (يسيطر) بها على الآخر و (يغزو) بها الكون؟ ثم من الضامن انها معرفة (حقيقية) اهو الله أم الذات الديكارتية؟

ينتقل بعد ذلك إلى المنهج بين اللغة والمفهوم

مفردة المنهج حين تطلق في التداول الحديث يراد بها معان كثيرة:

  1. فهي قد تعني ( فلسفة) معينة كامنة، تضبط الافكار وتنظمها، فالمنهج بهذا المعنى هو القانون الفلسفي او المبادئ الفلسفية الناظمة، بتحديد واضح للأفكار ومصادرها ومناهجها.

  2. وقد تعني (العقل) الذى تشكل وتكون عبر صيرورة تاريخية، حتى اصبح مع الزمن (سلطة)، يفرض نفسه في كل مجال من مجالات المعرفة.

  3. كما قد تعني مجرد (الطريقة) أو (الخطة)، التي غالبا ما يغيب فيها الحديث عن البعد المعرفي رغم حضوره.

  4. وقد تطلق مفرده المنهج أو المنهاج ويقصد بها (الباب) الذى يتألف منه مؤلف ما.

ويقول عن المنهج في الدراسات الحديثة:

يميز العروي تمييزا واضحا بين ثلاثة مفاهيم، هي المنهج والمنهجية والأبستيمولوجيا، ويعرف المنهج بقوله: ” الطريقة التي تتبع لعرض موضوع من المواضيع”، وتحديد العروي مقصود لما سيُؤسس عليه من حكم، فهو يقول إنه يمكن ” ان تُرفض التاريخانية أو البنيوية كفلسفة، وتوظف كمنهج للتحليل في حدود معينة”، واعتبار المنهج مجرد خطة يثير كثيرا من الإضطراب، فكلمة عرض المنتقاة بحرص من قبل العروي، لو رجعنا إلى المعجم الفرنسي لوجدنا الأمر يختلف، فحين يعرف ((Methode يستعمل (يكشف) و ( يبرهن)، وكذلك بدل (موضوع معين) يستعمل (الحقيقة) في مجال العلوم، هذه الحقيقة اكتشفها وبرهن عليها ( العقل) أو ( الذهن)، الذى لا نجد له حضورا في تحديد العروي.

ونخلص إلى أن المنهج ((Methode يعني: مجموعة من (الخطوات) التي يتبعها (العقل) او الذهن، ليكتشف (الحقيقة) ويبرهن عليها.

ويكون المنهج إما صريحا او ضمنيا، في حقل الفلسفة خاصة، فالاول حين يُستخدم إستخداما عمليا، أما الثاني حين يتم تقنينه وتبريره كما فعل ديكارت في (خطاب المنهج)، ويكون المنهج واحدا بشكل عام في حقل العلوم الدقيقة، فهو المنهج الإستنباطي في العلوم الرياضية، وهو الإستقراء في العلوم الطبيعية، اما المنهج في العلوم الإنسانية والإجتماعية، فيطرح كثيرا من الأسئلة.

يميز (بياجي) حسب ما يقدم لنا محمد وقيدي بصدد العلوم جميعا بين أربعة مجالات هي:

  1. المجال المادي لكل علم: مجموع الموضوعات التي يتعلق بها هذا العلم
  2. المجال المفهومي: مجموع النظريات والمعارف التي تم تأسيسها وتنسيقها من طرف كل علم
  3. الأبستمولوجيا الخاصة بكل علم
  4. الأبستمولوجيا العامة

كثيرا ما يقع الخلط بين علم او حقل معرفي معين ومنهج ما، فيحشر العلم مع مناهج يمكن ان يكون احدها منهج هذا العلم، فنحن نعلم أن (الإتجاه النفساني) و (الإتجاه اللغوي أو السيميولوجي) و (الإتجاه السيميوطيقي)، كلها إتجاهات ترتبط (برؤية تتخطى ظاهر النص، لتبرز فيه بينه صورية)، بمعى أن البنيوية المعتمدة في هذه (الإتجاهات)، تحاول كما يؤكد عبدالرزاق الدواي، ان تثبت أنه “يوجد خلف كلامنا الذى نعتقد أنه حر وتلقائي، وخلف خطاب الأساطير، وخلف الأعراف والعادات والمؤسسات وأشكال الثقافة، نوع من (النظام الخفي) يعمل في المستوى العميق كبنية يتحتم الكشف عنها، من اجل فهم وتعقل تلك الظواهر.

ثم هناك أمر آخر يتعلق بالبنيوية التكوينية، واعتبارها شيئا آخر غير الماركسية، ويجب التاكيد على (الناظم المعرفي) الذى يعطي كل فكر تماسكه، حتى لا يتحول إلى مجرد خطرات تأملية.

هناك فكرة مسلمة، في الفكر الفلسفي خاصة، تقول: لا تعتبر أي فلسفة متماسكة أو فلسفة حقة، إذا لم يتوفر لها شرط القدرة على تفسير كل الظواهر دون الوقوع في التناقض، فهي ينبغي لها أن تشكل نسقا قادرا على إعطاء الأسس المعرفية لكل (علم) مؤسس أو في طور التأسيس، والماركسية لا تشذ عن هذا الإعتبار، فماركس وإنجلز مثلا (يمدان العلوم الإنسانية بأسس معرفية قوية، رغم انهما لم يشيرا إلى إنشائهما لهذه العلوم)

بناء على ما سبق فالبنيوية التكوينية التي تدرس الأدب وبناء الرواية الحديثة، التي نشات في القرن التاسع عشر، وتوافقها او تماثلها وبناء المجتمع الليبرالي، تستند إلى المبادئ او الاسس الأساسية في الماركسية، والجديد فيها هو حقل الإشتغال الذى هو الأدب

ينتقل بعد ذلك متسائلًا عن المرجعية والمنهج أيه علاقة؟

تشتمل كل الثقافات الإنسانية على نظام معرفي معين خاص بها، قد لا يدركه أبناؤها، حتى العلماء منهم، لأنه نظام كامن يدخل في مكونات الوعي الجمعي للجماعة البشرية، وهذا يعني ان كل ثقافة بمعناها الشامل، الذى يحتوي كل ما ينتجه الإنسان أو كل ما يخرجه من دائرة الطبيعة البكر، ليدخله إلى نسقه الثقافي، يكمن خلفها نموذج:

  1. يحدد مصادر معينة للمعرفة: فيثبت مصادر ويغيب او يقصي أخرى، فيؤسس ثابته الذى يؤول إليه في تحريره للمعرفة وتحصيلها، هذا الثابت يتراوح في الفكر الغربي بين الحس والعقل بقبلياته الكانطية أو أفكاره الفطرية، وعبر هذا الثابت تتم قراءة كل ظاهرة إنسانية وترد إليه ولا يمكن تفسيرها خارجه.
  2. يقيم علاقات معينة بين هذه العناصر، فتكون الغلبة لمصدر دون الآخر، فيسود وتحال إليه كل المعرفة
  3. يحدد طرائق نقد هذه المصادر والمعرفة المتولدة عنها (المجال الأبستمولوجي)
  4. يضع المناهج التي توصل إلى هذه المعرفة ويحددها، فيقصي كل المحاولات التي تروم اعتبار ذاتها (منهجا) للمعرفة، فتظل هذه المحاولات تتقرب من الثابت علها تحصل على رضاه.

هذا النموذج الكامن هو ما نجده حاضرا بشكل او آخر في مجموعة من الدراسات، فالمسيري عمل جاهدا ليجرد هذا النموذج، فيقرأ مختلف المنتجات الحضارية الغربية، من مسرح، رواية، موسيقى، عمران، لباس، فلسفة، علوم إنسانية، منتجات تكنولوجيا، سلوكات معينة، مصطلحات وغيرها، ليضع يده على الناظم المعرفي، والباحث السوداني أبو القاسم حاج حمد يشتبك مع الحضارة العربية ازيد من عشرين سنة، ليكتشف هذا النموذج في (لاهوت الأرض)

ونمثل هنا بمثال، في حقل العلوم الطبيعية، والسؤال هنا لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان، وظل أمدا طويلا ينتظر الحضارة الإسلامية؟.   

يعرض أحمد فؤاد باشا التصور النظري العام، الذى يكون نموذجه العلمي الذى يقاس عليه تقييم العلم عموما، ويقدم فيه مثالا عمليا وهو (نظرية الضوء) ليطبق عليها تصوره النظري، بحسبه، إن النظريات التي يقدمها كل من أفلاطون وأرسطو وأبيقور حول الضوء، سواء في طبيعته أم تفسير هؤلاء لعملية الإبصار، تتعدد بشكل لا يمكن نفي إحداها وإثبات الأخرى، لن المنهج المعتمد كان (عقليا تأمليا فقط أو قياسا صوريا بحتا)، وقد ظل كل فريق يعتقد أن ما يقوله عقله ويتصوره ذهنه هو الأصوب، وظلت هذه النظريات تنتظر مرحلة الحضارة الإسلامية التي ستعرف ميلاد المنهج الإستقرائي، لأن القياس الصوري يوصف بانه منهج عقيم واجدب، لأنه لا يسمح بتقديم العلم خطوة واحدة، مهما تراكمت وتكدست المعارف المستنتجه على أساسه، لكن مع الحسن بن الهيثم تم وضع حد للخلافات القديمة حول تعريف الضوء وتفسير عملية الإبصار.

ويبقى السؤال ملحا، لماذا لم يتأسس الإستقراء في اليونان؟

ألا يرجع هذا إلى (المرجعية) التي حالت دون حصول المعرفة العلمية التجريبية، فعزفت عن العمل اليدوي، والتجربة في المختبر الان ليست أكثر من عمل يدوي، واعتبرته مهنة العبيد والنساء، وقدست التامل واعتبرت (العلم النظري) الذى غايته المعرفة فحسب تشبها بالآلهة، هو العلم الحق، ولم تربط بين العلم والعمل كما فعلت الحضارة الإسلامية؟

قول أحمد فؤاد باشا إن الحسن بن الهيثم : “انطلق من مبدا عام هو القول بوجود العالم الخارجي وجودا مستقلا في ذاته، خارج الذهن وخارج النفس، وان العقل والحواس ادوات إدراكه”، ألا يحيل إلى مبدا التوحيد وثنائية الخالق والمخلوق في التصور الإسلامي، عوض وحدة الوجود الروحية أو المادية، التي لا تعين حدودا للثلاثي: الله، والإنسان، والطبيعة؟

ألا يفتح هذا القول كذلك على تاريخية المعرفة ونسبيتها، المعرفة التي يحصلها الإنسان بجهدد وحسب وحسب استعداداته الفطرية، والمعرفة المطلقة المجردة التي يسرقها برومثيوس من الآلهة ليمنحها الإنسان فيتجبر ويتكبر في الأرض بغير حق؟

نطرح هذه الأسئلة لأننا في امس الحاجة إلى السؤال بعد أن لم تعد الذات التي كانت تستحضر بإعتبارها كيانا مستقلا في مواجهة الآخر عذراء، فكيف نترك سؤال العلاقة من أزيد من قرن، وقبل ذلك كيف يسوغ الباحث العربي لنفسه النقل السهل أو الرد السهل، وسلم بإجرائية المفهوم، ووعائية أو اداتية (المنهج)، وهو لم يحدده أصلا- بعض الدراسات العربية لا يستغرق منها الكلام حول المنهج المتبنى إلا صفحات معدودة، وفي احيان أخرى لا تضبط دلالة المنهج ويتم القفز للحديث عن الإجراء- وكيف رفض هذه الوعائية أو الأداتية؟

يتم الحديث في الغرب عن (المفهوم الرحالة)، الذى ينتقل من حقل معرفي لآخر، داخل النسق المعرفي الغربي الواحد، ولكن بكل حذر وحيطة، لأن الباحث هناك واعي بأن المفهوم له تاريخ، وبأنه يتعدد، تبعا لتعدد حقول المعرفة، وتبعا للأثر التاريخي الذى يتطور في ضوءه ذلك الحقل، وياتي الباحث العربي ليقول ب(المفهوم الرحالة) وب(الإستعارة) و(التبييئ)، و(كونية المفهوم)، و(اجرائيته)، دون أن يبذل جهدا في تفكيك هذا الأمر.

أكان القرآن يرفض من المؤمنين، و(يحرم) عليهم (راعنا)، لأن اليهود كانوا يقولونها فقط على وجه الإستهزاء والمسبة، أم ان (راعنا) لها تاريخ وايحاءات وظلال، وعبرها يتم التواصل مع تراث معين.

في الواقع، لا منهج مجرد من مقولاته ونماذجه، ولأن المنهج يتشكل في أحشاء النماذج التي يعالجها، و(يكتسي) باللحم من خلال الموضوعات التي (يولدها)، والباحث يدخل موضوعه وهو يحمل ايضا مجموعة كبيرة من القضايا والأفكار، حول الدين والتاريخ والمجتمع والآخر واللغة.

لهذا يحذر منير شفيق من الدخول في نقاش حول مبادئ المنهج وتقنياته من جهة، بمعزل عما قدم هذا المنهج من نماذج وأفرز من موضوعات من جهة أخرى، حتى لا يخرج من يدعي انه يعمل بهذه التقنيات في هذا المجال وبتقنيات أخرى في مجال آخر، ويوحد ويدمج التقنيات في مجال ثالث مشكلا منهجا متكاملا، وللأمر ذات يذَكِر أبو القاسم حاج محمد الباحث احمد حيدر بأن النزعة الإنسانية التي يحاول تطعيم الماركسية بها هي: ” نزعة خارجية ذاتية”، لأن “تجريد الماركسية من جبريتها…هو أمر غير ماركسي”، لأن لكل فكر (منهجه الضابط  والمنظم)، فإذا كان المنهج ماديا فهو ينتج افكارا لا تكون إلا مادية.

 

الموت والمجد في معرفة من تكون

جيمس بالدوين

جيمس آرثر بالدوين (1924 – 1987)، هو روائي وكاتب أمريكي، وكاتب مسرحي وشاعر وناشط في مجال الحقوق المدنية.

الفنان هو ذلك المؤرخ العاطفي أو الروحاني. ودوره هو أن يجعلك تدرك الموت والمجد لمعرفة من تكون وماذا تكون.

في الثاني من شهر أغسطس عام 1924- والأول من شهر ديسمبير عام 1987، كتب (جميس بالدوين) في مقالته الكلاسيكية 1962 “العملية الإبداعية:

يجب أن يفترض المجتمع بأنه مستقر ولكن يجب على الفنان أن يعلم وأن يجعلنا نعلم بأنه لا شئ مستقر تحت السماء.

وبحلول ذلك الوقت، كان بالفعل أكثر كتاب أمريكا شهرةً. فهو الفنان الذي هز قواعد المجتمع من خلال تفكيك هياكل السلطة والاتفاقية بالصرامة القوية والكرامة وسلامة الإتفاقية. وفي السابع عشر من شهر مايو عام 1963 ظهر (بالدوين) على غلاف مجلة تايم كجزاً من قصة رئيسية بعنوان؛ “الدولة: أصل مشكلة الزنوج”، والتي تلتها جملة:

في أصل مشكلة الزنوج تكمن ضرورة الرجل الأبيض في إيجاد طريقة للعيش مع الزنوج من أجل ان يعيش مع نفسه.

وبالرغم من أن التركيز كان على الدفاع عن حقوق (بالدوين) المدنية إلا أن المقالة سلطت ضوءًا جانبياً على (بالدوين) الفنان، وآثارت السؤال الأوسع عن دور الكاتب في المجتمع. وكان الإسبوع الذي يليه هو عدد 24 مايو لمجلة (لايف)، والتي تملكها الشركة ذاتها المبنية على ذلك الزخم الثقافي، مع لمحة واسعة عنه كتبها الصحفي (جين هوارد). حيث كتب تحت العنوان المؤرخ “رواية الحديث من كاتب زنجي”، تكشف حكمة (بالدوين) الأبدية في الحياة والفن.

فقسمت اللمحة الطويلة إلى عدة أقسام تشمل جوانب مختلفة من حياته وآراءه. كتب تحت العنوان الفرعي المثير “الموت والمجد لمعرفة من تكون”. يعتبر (بالدوين) الذي شق طريقه من هارلم حتى أصبح مشهور أدبي هبة فذه للقراءة:

تعتقد بأن ألمك وحسرتك لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم ولكن بعد ذلك تقرأ. لقد كان دوستويفسكي وديكنز من علمني بأن الأشياء التي تعذبني أكثر هي ذاتها التي تربطني مع جميع الناس الذي كانوا على قيد الحياة أو الذين كانوا أحياء من أي وقتٍ مضى. فقط إذا واجهنا آلامنا يمكن أن نفهم آلام الاخرين.

وبعد عام من صياغة أفكاره الثابتة حول دور الفنان كمعطل للمجتمع وبعد أكثر من قرن على إصرار (إيمرسون) بأنه فقط إذا كان الناس غير مستقرين هناك أي أمل بالنسبة لهم اعتبر (بالدوين) هذا الإلتزام المهم لعدم الاستقرار المتولد كقوة محركة مركزية للروح الإبداعية.

فالفنان هو ذلك المؤرخ العاطي أو الروحاني. ودوره هو أن يجعلك تدرك الموت والمجد لمعرفة من تكون وماذا تكون. وعليه أن يخبر ماذا يعني أن تكون على قيد الحياة لأنه لا أحد آخر في هذا العالم يستطيع أن يخبر بذلك. فكل ما أردت فعله هو أن أخبر بأنني لا أحاول حل مشاكل أي شخص ولا حتى مشاكلي. فأنا فقط أحاول تحديد ماهي المشاكل. أريد أن اكون متحرراً وقلقاً لأتجاوز قدراتي وأجعلك تشعر بذات الشئ أيضاً.

وقبل عقدان من مشاركة نصائحه حول كونه كاتباً في مجلة باريس عبَر (بالدوين) عن حتمية المهنة قائلاً:

الشئ المريع في كونك كاتباً هو أنك لا تقرر أن تصبح كاتباً بل تكشف أنك كذلك.

ومردداً ما وصفه (إي. إي كامينجز) بـ “صراع الفنان“، يضيف (بالدوين):

في هذه المدينة … إذا كنت فناناً فأنت مذنباً بجريمة: ليس لكونك واعيٍ وهو أمر سئ بما فيه الكفاية ولكن لكونك ترى أشياءً لا يعترف بها الآخرون.

ونكمل مع (بالدوين) فيما يخص معاناة الفنان من أجل النزاهة والحرية وكيفية حبسنا لأنفسنا ومسؤولية الكاتب في مجتمع متفرق. ومن ثم إعادة النظر في حواراته المنسية بشكل كبير مع (تشينوا أتشيبي) حول القوة السياسية للفن ومع (مارغريت ميد) حول الهوية والعرق و تجربة الاختلاف، ومع (نيكي جيوفاني) حول مايعنية أن تكون مخولاً حقاً.

ملاحظة:

“صراع الفنان” هو نثر للشاعر الأمريكي (إي. إي كمينجز) وصف فيه معناة الفنان في سبيل إيجاد نفسه وشدد على كلمة فنان باللغة الإنجليزية  وكتب أول حرف منها بخط كبيرفي النص بأكمله ليوضح معناته أكثر.


[المصدر]

مسؤولية المثقفين، نعوم تشومسكي في مقالة مطوّلة

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي. أما “مسؤوليّة المثقفين” فهي مقالة للأكاديمي الأمريكي (تشومسكي)، والتي نُشِرت مؤخرًا كملحق خاص للمقالة الأساسيّة والتي نُشرت خلال حرب فيتنام وقد حظِيت المقالة باهتمام كبير باعتبار (تشومسكي) ناقد بارز في الحرب الفيتنامية.

يقول (تشومسكي) في مقالته:

منذ أنْ لم يعُد في وسعنا رؤية ما يحدث قبالة أعيننا، لا يفاجئنا كثيراً، ما لا نراه في لحظة هادئة ومغايرة. لقد شهدنا للتو مثالاً توجيهياً: على نحوٍ خُطّط له بوضوح، يرسل الرئيس (أوباما) تسعة وسبعين من الجنود المغاوير إلى باكستان في الأول من مايو لاغتيال المشتبه به الأول في الفظائع الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر (أسامة بن لادن). وعلى الرغم من أن المستهدف بالعملية أعزلاً بلا حماية ومن الممكن اعتقاله، فقد كان قاتلاً ببساطة، فأُغرقَ جسدُه في البحر بلا تشريحٍ للجثة. نُظِر إلى هذا الفعل على أنه “فقط وللضرورة” في الصحافة الليبرالية يكون هناك أثر، مثلما كانت تفعل الإجرامية النازية ـ فالحقيقة التي لم يجرِ إغفالها كانت خارج حدود السلطات الشرعية التي صادقت على العملية غير أنها رفضت الإجراء. وكما نبَّهَنا (إيلين سكاري)، فحظر الاغتيال في القانون الدولي يعود إلى الإدانة الفعّالة لممارسته من قِبَل (إبراهام لينكولن)، الذي ندَّد بالمناداة بأن يكون الاغتيال “محرّما دوليا” في العام 1863، وذلك بوصفه ـ أي الاغتيال ـ “انتهاكا لحُرمة” مشهد “الأمم المتحضرة” بالترويع وبما تجدر به من “العلاقة الأشد صرامة”.

في العام 1976، كُتب الكثير عن غشٍّ وتحريفٍ أحاطا بالغزو الأميركي لفيتنام. ناقَشْتُ مسؤولية المثقفين، مستعيرا العبارة من مقالة هامة لدوايت ماكدونالد بعد الحرب العالمية الثانية. ومع حلول الذكرى السنوية العاشرة للحادي عشر من سبتمبر، والاستحسان الشائع أو الشعبي في الولايات المتحدة لاغتيال (ابن لادن)، يبدو الوقت ملائما للعودة ثانية إلى تلك المسألة. إنما قبل التفكير في مسؤولية المثقفين، هناك ما يجدر بنا شرحه عن الذين أشرنا إليهم.

نال مفهوم المثقفين أهمية في الوعي الأخلاقي الحديث مع “بيان المثقفين” 1898 الذي تسبب به (درايفوس)، المُلهم برسالة الاحتجاج المفتوحة لـ(إميل زولا) إلى الرئيس الفرنسي، التي استنكر فيها تلفيق تهمة الخيانة بحق ضابط المدفعية الفرنسي (ألفريد درايفوس) والتستُّر اللاحق للجيش. نقل وضْعُ (درايفوس) صورةَ المثقفين بوصفهم مناصرين للعدالة، ومواجهة السلطة بجرأة ونزاهة. إنما بمشقةٍ رأوا طريقهم في ذلك الوقت. والقلّةُ من بين الفئات المتعلمة في التيار الأساسي للأنشطة المثقفة، أدانت الدرايفوسيين على نحو لاذع، وبخاصة من قِبَل شخصيات أساسية من بين “أعضاء الأكاديمية الفرنسية الأربعين” المناهضين بشدة للدرايفوسية يكتب (ستيفن لوكي). وبالنسبة لـ(موريس باري)، الروائي والسياسي والقيادي المناهض للدرايفوسية، فقد كان الدرايفوسيين “فوضويي منصة الدرس”.

وبالنسبة لآخر من بين أعضاء الأكاديمية المعمّرين هؤلاء، (فيرناند بروتنيير) فإن كلمة “مثقف” بالذات تدلّ على “أقصى الأطوار غرابةً وراديكاليةً في زماننا قصدْتُ غرورَ” الكتّاب التنويريين والعلماء والأساتذة الجامعيين والفلاسفة إلى سلسلة من الرجال ذوي القدرات الاستثنائية الذين تجرأوا على “التعامل مع أفكارنا العامة بوصفها حماقة ومؤسساتنا الاجتماعية بوصفها منافية للعقل وتقاليدنا بوصفها ضارّة بالصحة“.

ثم يتساءل (تشومسكي) بعد ذلك، “من هم المثقفين؟”

إذن، مَنْ هم أولئك المثقفون؟

القلّة التي ألهمها (زولا) -حُوكم بالسجن بسبب القذف والتشهير- أم أعضاء الأكاديمية؟

تردد صدى هذا السؤال عبر العصور، بشكلٍ أو بآخر، واليوم يقدّم إطاراً لتحديد: “مسؤولية المثقفين”.

العبارة غامضة، فهل تُحيل إلى المسؤولية الأخلاقية للمثقفين بوصفهم بشراً محترمين في وضْعٍ يمكِّنهم من الاستفادة من امتيازهم وحالتهم لتحسين أسباب الحرية والعدالة والرحمة والسلام وسائر الاهتمامات الوجدانية الأخرى؟ أم تُحيل إلى الدور المتوقع منهم لَعِبَه، فيخدم المؤسسات ولا يحطّ من قَدْرِها ويقودها ويبرهن أنها المؤسسات الرسمية؟

جاءت إحدى الإجابات خلال الحرب العالمية الأولى، عندما اصطفّ مثقفون بارزون على كل الجوانب في دعم دولهم.

في “بيان الثلاثة وتسعين مثقفا” ألمانيا، الصادر عن شخصيات رئيسية في أكثر دول العالم تنويريةً، طالبوا الغرب أنْ: “ثقوا بنا! آمنوا، أننا سنواصل هذه الحرب بوصفنا أمة متحضرة، على شرف مَنْ هم يعتبرون ميراث (غوته) و(بيتهوفن) و(كانْط). ذلك الميراث هو المقدس مثلما هي مقدسة مواقدها ـ أي الأمة المتحضرة ـ ومنازلها”.

نظراؤهم على الجانب الآخر من الخنادق المثقفة ماثَلوهم الحماسة تجاه القضية النبيلة، لكنهم مضوا أبعد في تملُّق الذات لقد أعلنوا في الـ“نيو ريببلك” أن “العمل الفعّال والحاسم لمصلحة الحرب قد أُنْجِزَ من قِبَل… تلك الفئة التي ينبغي، بشمولية إنما بتساهل، وصفها على أنها فئةُ (مثقفين)”.

فلقد آمن هؤلاء التقدميّون أنهم كانوا تلك الضمانة التي أدخلت الولايات المتحدة إلى الحرب “تحت تأثير رأي أخلاقي أخذ في الاتساع بعد تداول  ماراثوني من خلال أكثر أعضاء المجتمع رصانة”. كان هؤلاء، في الحقيقة، ضحايا تدابير وزارة الإعلام البريطانية التي “حاولت سرّا فرض هذه الفكرة في أغلب العالم” إلا أن تفكير المثقفين الأميركيين، أساسا، هو الذي ساعد على انعطاف بلد مسالم إلى حمى الحرب .

كان (جون ديوي) قد دُمغَ بـ”الدرس النفسي والتربوي العظيم للحرب”، الذي أثبت أن البشر، وبدقة أكثر “الرجال الأذكياء في المجتمع” بوسعهم تولّي الشؤون الإنسانية وإدارتها… على نحو مقصود وذكي، لتحقيق النهايات المقصودة والباهرة من خلال تحديد هذه الشؤون.

ويكمل حديثه بعد ذلك قائلًا:

لم يتْبع كل شخص المجرى بإذعانٍ كبيرٍ، بالطبع. إن شخصيات فذّة من مثل (برتراند راسل) و(يوجين دبس) و(روزا لوكسمبورغ) و(كارل ليبكنخت) كانوا، مثل (زولا)، قد حوكموا بالسجن. عوقِب (دبس) بقسوة استثنائية، مدة عشرة أعوام، بسبب قضية رفعها على “الحرب من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان” للرئيس (ويلسون).

لقد رفض (ويلسون) العفو عنه بعد انتهاء الحرب ، مع ذلك رضخ (هاردينغ)، الرئيس التاسع والعشرون للولايات المتحدة، جمهوري من أوهايو- في آخر الأمر.

وعوقب البعض مثل (ثورشتاين فيلبن)، لكنهم عوملوا بصرامة أقلّ؛ فقد فُصِل (فيبلن) من موقعه في إدارة الأغذية بعد أنْ أعدّ تقريرا تعرّض فيه للنقص في عدد العمّال المزارعين الذي أمكن التغلّب عليه ـ أي النقص ـ بإنهاء الاضطهاد الوحشي الذي مارسه (ويلسون) على هؤلاء العمّال، وعلى وجه التحديد، عمال الاتحاد الدولي. وأُبعدَ (رادولف بورن) من الصحف التقدمية لنقده ”عصبة الأمم الامبريالية المطبوعة على حبّ الخير” ومساعيها الرفيعة .

إن نمطَ الترغيب والترهيب مألوفٌ طوال التاريخ: فأولئك الذين اصطفوا في خدمة الحكومة قد هللّوا لها في العادة عبر المجتمع المثقف، وهؤلاء الذين رفضوا الاصطفاف في خدمة الدولة قد عوقبوا. وهكذا، ففي الماضي، كان (ويلسون) والمثقفون التقدميون، الذين عرضوا عليه خدماته، قد شُرّفوا على نحو عظيم، إنما ليس (ديبس). و(لوكسمبورغ) و(ليبكنخت) اللذين قتِلا، باتا بطليْ التيّار المثقف بشقِّ الأنفُس، فيما واصل (راسل) إداناته اللاذعة حتى بعد موته، ولا يزال كذلك في سِيَرِه الراهنة .

ثم ينتقل إلى إيضاح أسباب هذه الخصومة، والتهديد الذي يجده المثقفين، فيقول:

 

منذ أنْ اتجهت السُلطة إلى أن تسود، اعتُبر المثقفون الذين خدموا حكوماتهم مسؤولون. في السبعينات، ميّز علماء بارزون بين صنفين أكثر صراحةً. في درس العام 1975، أزمة الديمقراطية، صُنِّفتْ أطوارُ الغرابة الراديكالية لبروتنيير على أنها “مثقفو القيمة ـ الموجَّهة” الذين طرحوا “تحديا لـلحكومات الديمقراطية هو، بشكلٍ مُحتملٍ على الأقلّ، تحدٍّ جادّ يُشبه ذلك الذي طرحوه في الماضي من خلال زُمرة الأرستقراطيين والحركات الفاشية والأحزاب الشيوعية”. ومن بين آثامٍ أخرى، ثمة كائناتٌ أخرى، منها أولئك “الذين كرّسوا أنفسهم للانتقاص من القيادة وتحدي السلطة” والذين تحدوا مسؤولية المؤسسات من أجل “تلقين الشباب” حتى أنّ البعض منهم قد غاص إلى أعماق التساؤل عن نُبْل أهداف الحرب، مثلما فعل (رادولف بورن). هذا الانتقاد بقسوة من قِبَل المهرطقين الذين ساءلوا السلطة والنظام القائم تنازل عنه علماء اللجنة الثلاثية الدولية الليبرالية؛ أولئك الذين اجتذبتهم إدارة (كارتر) على نحو واسع من طبقاتهم الاجتماعية .

وكما هو الحال مع جماعة “نيو ريببلك” المتزايدين أثناء الحرب العالمية الأولى، فقد وسّع كُتاب “أزمة الديموقراطية” مفهوم العقلانية إلى معنى أفضل من معنى “بريتينير” السخيف، وكان أفضل منه أيضاً من ناحية النوع، حيث أنه: يُعد المفكرين التكنوقراطيين والمُوجّهين للسياسات مفكرين جادين ومسؤولين، يُكرسون أنفسهم للعمل البنّاء وذلك لصياغة سياسات المؤسسات القائمة وضمان ثبات العائدات.

لم يتطلب الأمر من (ديوي) سوى بضع سنوات للتحول من مفكر تكنوقراطي ومُوجَّه للسياسات في الحرب العالمية الأولى إلى محاضر ثائر، كما أنه انتقد شجب “الصحافة غير الحرة” وتساءل عن مدى “إمكانية تحقيق الحرية الفكرية والمسؤولية الاجتماعية على نطاق واسع في ظل وجود النظام الاقتصادي السائد”.

لقد كان موضوع “الديموقراطية المفرطة” هو الشغل الشاغل لعلماء “الثلاثية” وذلك خلال اضطرابات في الستينيات عندما انخرطت أحزاب سكانية سلبية ولا مبالية في الساحة السياسية معربين عن قلقهم تجاه: الأقليات والنساء والأطفال وكبار السن والعمال…الخ. وباختصار،

يجب التفريق بين سكان، والذين يُدعون أحياناً “أصحاب المصالح الخاصة” وبين من أطلق عليهم (آدم سميث) “سادة البشرية” حيث أنهم “المُخططين الحقيقيين” للسياسة الحكومية والذين يتبعون نظام “ماكسيم الدنيء” الذي يقول كُلنا لأنفسنا لا للآخرين. لا يُستنكر أو يُناقش دور أولئك أولئك السادة في الساحة السياسية، وذلك لأنها، كما يقول الموروث الثلاثي،: “أن السادة يمثلون الصالح الوطني” كأولئك الذين يمجّدون أنفسهم بسبب إدخال البلاد في حالة حرب، بعد بذل أقصى جهد في التشاور مع أكثر أعضاء المجتمع فكراً، حيث أنهم وصلوا إلى “القرار الأخلاقي”.

وللتغلب على الأعباء التي يضعها “أصحاب المصالح الخاصة” على عاتق الدولة، فقد دعت “الثلاثية” إلى مزيد من “الاعتدال في الديموقراطية”، وذلك بأن يصبح الجانب المُهمل جانباً سلبياً، الأمر الذي قد يعيد البلاد إلى الأيام السعيدة كأيام حكم (ترومان) الذي تعاون مع قلة من محامي وول ستريت وصرافيها، مما أدى إلى انتعاش الديموقراطية.

وادعت “الثلاثية” بأنها متمسّكة بهدف الدستور القائل: “أنّه وثيقة أرستقراطية جوهرية تهدف إلى الميول الديموقراطية في فترة الحكم” وذلك من خلال إعطاء السلطة “لنوعٍ أفضل” من البشر وقصرها على الأغنياء وذوي النسب المرتفع والبارزين، وذلك حسب المؤرخ البريطاني (جوردون وود). ودفاعاً عن (ماديسون)، يجب علينا أن ندرك أن عقليته كانت عقلية ما قبل الرأسمالية. لقد كان يعتقد أن السلطة يجب أن تكون في يد “ثروة الأمة” و“العصبة من الرجال” وتصوّرهم بأنهم “رجال الدولة الراشدين” و“فلاسفة الخير” للعالم الروماني الخيالي. يراهم بأنهم “نبلاء وصادقين” و“رجال مخابرات وطنيين ثوريين بظروف خاصة” يميزون مصالح بلادهم الحقيقية، والذين من غير المحتمل أن يضحوا بوطنيتهم وحبهم للعدالة لدواعي مؤقتة أو جزئية. وبهذا، فإنه يمكن لأولئك الرجال أن “ينقحوا الرأي العام” مما يضمن حماية المصالح العامة ضد “المفسدين” من الغالبية الديموقراطية.

وعلى غرار ذلك، فقد وجد المفكرون الويلسونيون ضالتهم في العلوم السلوكية، الأمر الذي وضّحه عالم النفس والمُنظّر التعليمي (إدوارد ثورنديك) عام 1939 حيث قال: “إنه لمن حسن حظ البشرية أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الذكاء والأخلاق، الأمر الذي يتخلله حسن النية تجاه الزملاء، وبهذا فإنه غالباً ما يكون رؤساؤنا من محبي الخير، ولذا فإنه من الآمن أن نثق في مصالحنا بين أيديهم عوضاً عن أن تكون بين أيدينا”.

إن هذا الاعتقاد مريح، بالرغم من أن البعض قد يرى بأن (آدم سميث) كان أكثر وضوحاً.

ويتابع حديثه قائلًا:

يعتبر المفكرين الذين يخدمون حكوماتهم مسؤولين بينما يُرفض أو تُشوه سمعة أولئك الذين يتطلعون إلى القيم، وسبب ذلك كله هو أن السلطة بيد الغلبة.

أما بخصوص الأعداء، فإن لديهم نفس الفرق بين هذين النوعين من المفكرين، إلا أنهم يعكسون القيم.

كان يُعتبر المفكرين المنشقين في الاتحاد السوفييتي القديم بمثابة أصحاب الشرف، بينما  نكنّ الازدراء للبيروقراطيين والمفوّضين والمفكرين التكنوقراطيين والسياسيين. ويبقى الحال ذاته في إيران، فقد كنا نحترم المنشقين الشجعان وندين من يدافع عن المؤسسة الدينية، وكذلك هو الحال في أي مكان آخر.

لقد كان يُستخدم مصطلح التشريف “منشقّ” استخداماً انتقائياً. بالطبع فإنه لا ينطبق انطباقاً ملائماً على المفكّرين الذين ينحون منحى القيم من منازلهم أو أولئك الذين كافحوا الاستبداد الأمريكي من الخارج. وانظر على سبيل المثال لحالة (نيلسون مانديلا) الذي أُزيل اسمه من قائمة الإرهابيين عام 2008 ليتمكن من القدوم إلى الولايات المتحدة دون الحاجة إلى تصريح خاص.

لقد كان (مانديلا) زعيماً إجرامياً لأحد أكبر “الجماعات الإرهابية سيّئة الصيت” في العالم قبل عشرين عاماً وذلك بحسب تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية.

وهذا هو السبب الذي دفع الرئيس (ريغان) إلى دعم نظام التمييز العنصري، إضافة إلى انتهاك جنوب افريقيا لعقوبات الكونغرس ودعمها لعمليات سلب البلدان المجاورة، لينتهي الأمر إلى وفاة مليون حسب دراسة للأمم المتحدة.

لم يكن هذا إلا إحدى حلقات الحرب على الإرهاب التي أعلنها ريغان لمكافحة “آفة العصر الحديث” أو ما أشار إليه وزير الخارجية (جورج شولتز) “العودة إلى الهمجية في العصر الحديث”. وقد نضيف إلى هذا كله مئات الآلاف من الجثث في أمريكا اللاتينية وعشرات الآلاف في الشرق الأوسط، وغير ذلك من الإنجازات. ومن غير المستغرب أن يبجّل علماء معهد هوفر المتحدثَ العظيم حيث أنهم يعتبرونه العملاق صاحب “الروح التي تنهض بالبلاد والشبح الصديق والحميم الذي يراقبنا” وكانوا قد كرّموه مؤخراً بتمثال يشوّه السفارة الأمريكية في لندن.

الأمر الذي أربك علماء الثلاثية هو “نهضة الديموقراطية” في الستينيات .

ويقول بعد ذلك:

تُعتبر حالة أمريكا اللاتينية حالة بيّنة. لا يقبل المعارضين المُشرّفين بأولئك الذين ينادون بالحرية والعدالة. فعلى سبيل المثال، قُتل ستة رهبان مُفكّرين في أمريكا اللاتينية وذلك بناءً على أوامر مباشرة من القيادة السلفادورية العليا وذلك بعد أسبوع من سقوط جدار برلين. لقد كانوا من كتيبة النخبة التي سلّحتها ودربتها واشنطن والذين قد جرّبوا أبشع أنواع الدم والإرهاب، وكانوا أيضاً قد عادوا للتو من تدريب في مركز جون كينيدي الحربي الخاص ومدرسة فورت براغ في كارولينا الشمالية. ولم تُحيَ ذكرى القساوسة باعتبارهم منشقين شرفاء ولم تُحيا ذكرى من هم على شاكلتهم في العالم. إن المنشقين الشرفاء هم أولئك الذين يدعون إلى الحرية في أوروبا الشرقية والذين بالطبع عانوا ولكن لم تكن معاناتهم عن بعد كما هو الحال مع أمثالهم في أمريكا اللاتينية.

إن موضوع التمييز جدير بالدراسة، كما أنه يخبرنا الكثير عن عبارة “مسؤولية المفكّرين” وعن أنفسنا.

يقول (جون كوست ورث) في ورقته المنشورة مؤخراً في جامعة كامبريدج “تاريخ الحرب الباردة” بأنه “تجاوز عدد السجناء السياسيين وضحايا التعذيب وحالات إعدام المعارضين السياسيين غير العنيفين في أمريكا اللاتينية الحد مقارنةً بالتجاوزات التي حدثت في الإتحاد السوفييتي منذ الستينيات حتى انهياره في التسعينيات وتوابعه من دول شرق أوروبا”.

لقد كان هناك العديد من الشهداء المتدينين بين المعدومين، كما أنه كانت هناك مجازر جماعية دعمتها أو قامت بها واشنطن.

فلماذا إذاً يكون هناك تمييزٌ؟ قد يقال بأن ما حصل في شرق أوروبا أمرٌ أكثر خطورة من مصير جنوبها الذي يقع بين أيدينا. إنه من المثير للاهتمام أن تكون الحجة واضحةً لا غبار عليها، وأن نراها تشرح السبب الذي يجب أن نتخلى عن أخلاقنا الأولية لأجله ومنها مدى جديتنا في موضوع المعاناة والأعمال الشنيعة والعدالة والحقوق، فإذاً سنركز جهودنا في مواضع قوتنا، وذلك بتقاسم المسؤولية فيما بيننا للأحداث الراهنة. لا نحظى بمصاعب تتطلب من أعدائنا أن يتحلوا بهذه المبادئ.

ولم يتبقَ لدينا سوى القليل للقلق بشأنه أو ما يجب علينا أن نقلق بشأنه، وهو ما يقوله (أندري ساخروف) أو (شيرين عبيدي) بخصوص جرائم الولايات المتحدة أو إسرائيل. إننا معجبون بهم لما يقولونه ويفعلونه بدولهم والنتائج التي يتوصلون إليها لمن يعيش في مجتمعاتهم الحرة والديموقراطية، الأمر الذي يحفّز للإنتاج الفعال. نجد أن الممارسة في المجتمعات المحترمة تكاد تكون نقيض القيم الأخلاقية.

ولكن، لنتفق ونستعرض الموروث التاريخي هنا.

تحظى حروب الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية في الفترة ما بين 1960 إلى 1990 (بصرف النظر عن أهوالها) بأهمية تاريخية على المدى الطويل. هناك جانب مهم يجب أن نضعه في الحسبان وهو أنه كانت هناك حروب كبيرة ضد الكنيسة والتي اعتبرها مجمع الفاتيكان الثاني في عام 1962 زندقة. يقول البابا الثالث والعشرون عن هذه الحروب أنها “بداية حقبة جديدة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية”، كما يصفها العالم الديني (هانس كونغ) بأنها تستعيد تعاليم الإنجيل التي تُخُلي عنها في القرن الرابع عندما أنشأ الإمبراطور قسطنطين المسيحية باعتبارها ديناً للإمبراطورية الرومانية، مما أدى إلى “ثورة” تحوّل “الكنيسة المضطهَدة” إلى “كنيسة مُضطهِدة”. واعتبر أساقفة أمريكا اللاتينية الذين اختاروا “تفضيل الفقراء” أن المجمع الفاتيكاني الثاني يمارس الزندقة. ثم جاء بعد ذلك القساوسة والراهبات والعلمانيون برسالة سلمية راديكالية من الأناجيل للفقراء تساعدهم في تحسين مصيرهم التعيس في ميادين السلطة الأمريكية.

أصدر الرئيس (كينيدي) في العام ذاته (1962) عدة قرارات مصيرية. كان أحد تلك القرارات أن يتحول جيش أمريكا اللاتينية من “جيش عالمي” (وهذه إحدى مفارقات الحرب العالمية الثانية) إلى “أمن داخلي”، ويمثل هذا الأمر في الحقيقة حرباً ضد السكان المحليين، وذلك إذا ما حاولوا رفع رؤوسهم. ويصف (شارلز ماتشلينج) (المتمرد والمخطط الدفاعي للولايات المتحدة الأمريكية 1961-1966) العواقب المُتوقعة لقرار سنة 1962 وأنه انتقال من التسامح “في ضراوة الجيش الأمريكي اللاتيني وضراوته” إلى “تواطؤ مباشر” في الجرائم بغية دعم الولايات المتحدة الأمريكية “في كتائب الإبادة بأساليب هينرش هيلمر”. وتتمثّل إحدى المبادرات في الانقلاب العسكري في البرازيل والذي خُطط له في واشنطن بعد اغتيال (كينيدي) وذلك لتأسيس دولة ذات أمن قومي قائمة على القتل والوحشية. لقد بدأ طاعون القمع بالانتشار في العالم ومن ذلك انقلاب سنة 1973 لإثبات ديكتاتورية (بينوتشيت)، بل والأسوأ من ذلك كالديكتاتورية الأرجنتينية التي يُفضلها (ريغان). وأتى دور أمريكا الوسطى (كما جاء مسبقاً) في الثمانينات تحت ظل “الشبح الصديق الحميم” الذي يُبجّل لإنجازاته.

لقد كان مقتل أولئك القساوسة الذي تزامن مع سقوط جدار برلين بمثابة الضربة القاضية للزندقة والتي بلغت أشُدها في العِقد السلفادوري الذي كان بدايةً لحقبة الاغتيالات كاغتيال رئيس الأساقفة (أوسكار روميرو) “صوت من لا صوت له”. لقد تبنى المنتصرون في الحرب ضد الكنيسة تلك العمليات بكل فخر. تشتهر مدرسة الأمريكيتين (باسمها الجديد) بتدريبها للقتلة اللاتينيين وصرّحت أن اللاهوت التحريري الذي كان في مجمع الفاتيكان الثاني تم بمساعدة من “الجيش الأمريكي”.

لقد كانت اغتيالات نوفمبر 1989 أشبه ما تكون بالضربة القاضية، لكن كانت هناك حاجة إلى المزيد.

أُجريت بعد ذلك بعام أول انتخابات نزيهة في هايتي، وكانت هنا الصدمة والمفاجئة لواشنطن التي توقعت فوز مرشحها. انتخب الجمهور من الفقراء وقاطني الجبال (جيان بيرتراند أريستايد) القسيس التابع للاهوت التحريري، فتحركت واشنطن فوراً لإسقاط لتدمير الحكومة المنتخبة، ثم قدمت بعد ذلك دعماً عسكرياً للمجلس العسكري الحاكم ولمؤيديها الذين تولوا الحكم بعد الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المنتخبة خلال أشهر. انتعشت التجارة هناك في ظل انتهاكها للعقوبات الدولية، وازدادت انتعاشاً في عهد (كلينتون) الذي سمح لشركة النفط “تكساكو” بتمويل الحكام السفّاحين رغماً عن توجهاته.

سأتجاوز العقبات المُهينة لهذا الأمر وسأسهب في أمورٍ أخرى، إلا أنه يجب أن نشير إلى حركتي التعذيب في عام 2004 والتي شارك فيها كل من هايتي وفرنسا والولايات المتحدة وكندا في خطف الرئيس (أريستايد) (الذي اُنتخب مرةً أخرى) وإرساله إلى وسط افريقيا. لقد تم منعه وحزبه من الدخول في انتخابات 2010 – 2011 التي كانت تُعتبر مهزلة، والتي تعتبر أيضاً من الأمور التاريخية المُريعة التي تُرجعنا إلى مئات السنين والتي لا يكاد يُعرف مرتكب جرائمها والذين يُحبون القصص التي تدل على جهودهم المتفانية في إنقاذ الناس.

أما إذا كنا جادين في موضوع العدالة فإنه يجب علينا أن نتحمل المسؤولية جميعاً في الأمور التي تحدث.

يعتبر قرار (كينيدي) عام 1962 بإرسال بعثة للقوات الخاصة إلى كولومبيا بمثابة آخر القرارات المصيرية والتي قادها الجنرال (ويليام ياربوف) الذي أشار لقوات الأمن الكولومبية بأن يقوموا بأعمال “شبه عسكرية وتخريبية و/أو أنشطة إرهابية” ضد مؤيدي أحد الشيوعيين المعروفين، وهي أنشطة يجب أن تدعمها الولايات المتحدة. فسّر رئيس اللجنة الكولومبية لحقوق الانسان ووزير الخارجية السابق (ألفريدو فاسكيز كاريزوسا) معنى عبارة “مؤيدي الشيوعية”، وكتب إلى إدارة (كينيدي) “لقد بذلت قصارى جهدي في تحويل جيوشنا النظامية إلى ألوية مكافحة تمرد، وقبولها لاستراتيجيات فرق الإعدام الجديدة”، ويقول: “لا تدافع عقيدة الأمن القومي المعروفة لدينا في أمريكا اللاتينية ضد الأعداء الخارجيين، إنما ترتكز مهمتها في الحفاظ على الحكام، مع بقاء الحق لها في مكافحة الأعداء الخارجيين، كما هو منصوص عليه في البرازيل والأرجنتين والأوروغواي وكولومبيا: نملك الحق في قمع وإبادة الأخصائيين الاجتماعيين والأعضاء والرجال والنساء الذين لا يدعمون المؤسسة الحكومية، والذين نفترض أنهم متطرفون شيوعيون. وهذا بدوره يعني أي شخص بما فيهم الحقوقيين مثلي”.

يقول (شارلز شولتز) في دراسة له في عام 1980 أن الأكاديميين الأمريكيين المتخصصين  في حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية وجدوا أن المساعدات الأمريكية “تتدفق تدفقاً غير متكافئ لحكومات أمريكا اللاتينية التي تعذب مواطنيها مقارنةً مع حقوق الإنسان الأساسية لمنتهكي الجرائم في العالم”، وأن ذلك شمل المساعدات العسكرية أيضاً (التي لم تكن هناك حاجة لها)، الأمر الذي استمر حتى حكم (كارتر). لقد كان من اللازم أن تكون هناك دراسة مماثلة منذ عهد ريغان. كانت السلفادور إحدى أكبر الدول منتهكة الجرائم في الثمانينات، وبذلك فقد أصبحت المُستقبِل الرئيسي للمساعدات العسكرية الأمريكية، ثم بعد ذلك حلت كولومبيا محلها باعتبارها أسوأ منتهكة للجرائم في نصف الكرة الأرضية. لقد كان (فاسكيز كاريزوسا) يعيش تحت حراسة مشددة في مقر اقامته في بوجوتا عندما زرته عام 2002 باعتباري طرف من بعثة منظمة العفو الدولية، التي قامت بحملة لمدة سنة تتمثل في حماية المدافعين عن حقوق الإنسان في كولومبيا وذلك بسبب سجل الهجمات المرعبة التي كانت ضد نشطاء حقوق الإنسان والعمال، والتي كانت معظم ضحاياها من الفقراء والعُزّل. ويستمر الإرهاب والعذيب في كولومبيا باستخدام الأسلحة الكيميائية (التطهير) وذلك بحجة الحرب على المخدرات، ليُجبر سكان الأحياء الفقيرة على الهروب، ولم يلقَ الناجون منهم إلا البؤس. تشير تقديرات مكتب المدعي العام الكولومبي إلى مقتل أكثر من 140 ألف شخص على يد الميليشات أو القوات غير النظامية، التي تعمل مع الجيش وتمولها الولايات المتحدة.

أصبحت ترى علامات المجازر في كل مكان. مررت أنا ورفاقي على طريق زراعي قبل عام وكنا نريد الوصول إلى قرية نائية في كولومبيا، لقد مررنا في طريقنا على عدة قبور لضحايا الهجوم شبه العسكري على الحافلات. وتعتبر تقارير القتل الرسومية أمراً كافياً، كما أن من شأن مقابلة بعض الناجين الذين يعتبرون من ألطف الناس وأكثرهم عطفاً أن توضّح الصورة وألمها.

إن هذا الأمر لهو أكثر رسومات هذه الجرائم الفظيعة اختصاراً، والتي يتحمل ذنبها الأمريكيون، والتي يمكننا (على أقل تقدير أن نخفف من حدتها).

إلا أن أكثر ما يثلج الصدر هو أننا نثني على الشجعان الذين يحتجون على انتهاكات العدو، إنه أمر جيّد لكنه لا يحظى بأولوية لدى المفكّرين الذين يأخذون مسؤوليات هذا الموقف على محمل الجد.

إنّا لا نتجاهل وننسى الضحايا في مياديننا (الأمر الذي يحدث عكسه في دول معادية) إلا أن هذا يعتبر إهانةً لنا أيضاً. ضرب أحدهم مثالاً لافتاً بعد اغتيال المفكرين الأمريكيين اللاتينيين في السلفادور بأسابيع قليلة.

زار (فاكلاف هيفيل) واشنطن وحضر جلسة كونغرس مشتركة. أُعجب به الجمهور عندما نادى “المدافعين عن الحرية” في واشنطن حيث أنه فهم أنه “تدفق منها المسؤولية” وأنها “أقوى دولة على وجه الأرض” وأعلن بصراحة عن مسؤوليتها عن الاغتيالات الوحشية لأقرانه السلفادوريين قبل فترة وجيزة.

سَحرَ بعرضه هذا الطبقة الليبرالية المثقفة. إن (هيفيل) يذكرنا بأننا نعيش “في عصر الرومانسية” كما قال (أنتوني لويس). لقد فرِح المحللون الليبراليون بمثالية وسخرية وإنسانية (هيفيل) وأنه “بشّر بعقيدة صعبة لمسؤولية الأفراد”، بينما تألم الكونغرس “باحترام” من عبقريته ونزاهته، كما أنه تساءل عن سبب افتقار أمريكا لمثل هؤلاء المفكرين والذين ينادون بترقية الأخلاق على المصلحة الشخصية ويدعون إلى النظر في الجثث المعذبة والمشوهة في أنحاء البلدان التي تركناها في مأساتها. لا داعي لأن نقلق هنا حيال ردة فعل البابا إلاروكيا (أبرز المفكرين المسيحيين المُغتالين) الذي قال مثل هذا الكلام في مجلس الدوما وذلك بعد أن قامت قوات الصفوة التي سلحها ودربها الاتحاد السوفييتي باغتيال (هيفيل) وستة من مساعديه، الأمر الذي لا يمكن تصوره.

يجعلنا اغتيال (ابن لادن) ننتبه أيضاً إلى ضحايا الذل. هناك الكثير لنقوله حيال هذه العملية، ويتضمن ذلك استعداد واشنطن لمواجهة خطر حرب كبرى محتملة أو حتى وصول المواد الانشطارية إلى أيدي الجهاديين، كما أسلفت سابقاً. لكن دعونا نبقي على سبب تسمية عملية غيرونيمو بهذا الاسم. تسبب هذا الاسم بغضب في المكسيك، كما احتج عليه السكان الأصليون في الولايات المتحدة، ولكن يبدو أنه لم يُلاحظ أن (أوباما) حدد (ابن لادن) مع رئيس الأباتشي الهندي. لقد قام غيرونيمو بمقاومة شجاعة لأولئك المعتدين الذين هددوا شعبه بمصير “إبادة هذا العرق التعيس من الهنود الحمر بطريقة غادرة لا رحمة فيها بسبب خطاياها الشنيعة التي سيحاسبكم عليها الله” وذلك على حد تعبير الاستراتيجي العظيم (جون كوينسي آدمز) المهندس الفكري وذلك بعد فترة طويلة من إسهاماته في تلك الخطايا. يعيد لأذهاننا هذا الاسم سهولة تسمية أسلحة القتل لدينا بناءً على ضحايا جرائمنا مثل: أباتشي وبلاكهوك وشيين. قد ننظر للأمر نظرة مختلفة إذا استدعت اللوفتوافا طائراتها باسم “يهودي” أو “غجري”.

ويتابع بعد ذلك:

يقول (كسينجر): “لم تغير أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأولى العالمَ كما غيرته الثانية، كانت لا شيء بالنسبة لعواقبها الوخيمة”.

لا يعد إنكار هذه “الخطايا البشعة” أمراً واضحاً أحياناً. وهناك حالات أخيرة -على سبيل المثال لا الحصر- منها حالة حدثت قبل عامين في أبرز المجالات الفكرية الليبرالية اليسارية حول العالم، حيث بيّن (راسل بيكر) ما تعلمه من عمل “المؤرخ البطل” (إديموند مورغان)، فيحكي أنه عندما وصل كولومبوس والمستكشفون الأوائل وجدوا مساحة قارية ذات كثافة سكانية منخفضة يعيشون على الزراعة ومطاردة البشر، وأنه قد يكون هناك مليون نسمة في عالم لا حدود له وغير ملوث يمتد من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد.

ثم تطور الأمر لتشمل تلك المناطق عشرات الملايين وشهدت “تمددا” حضارياً  في أرجاء القارة.

لم تكن هناك ردة فعل على هذا الكلام، إلا أن المحررين عدلوا على المقال فأضافوا أنه كان هناك ما يزيد عن 18 مليون نسمة، كما أنهم حذفوا جزئية (من الغابات الاستوائية إلى الشمال المتجمد). كان كل هذا معروفاً قبل عدة عقود (بما في ذلك الحضارات المتقدمة والوحشية الغادرة والإبادة) ولكنه أمر ليس بالمهم حتى أن يُكتب في جملة اعتراضية. وأشار المؤرخ (مارك مازور) في مراجعة الكتب اللندنية بعد ذلك بعام إلى أنه لا يوجد أي تعليق على “إساءة معاملة الأمريكيين للسكان الأصليين”. هل الأمر أننا نقبل بكلمة مثل كلمة “إساءة معاملة” لجرائم مماثلة يرتكبها الأعداء؟

ويكمل (تشوميسكي) مقالته:

إذا كانت مسؤولية المثقفين تشير إلى مسؤوليتهم الأخلاقية كبشر مهذّبين في موقعٍ يمكِّنهم من استخدام امتيازهم ووضعهم لتحسين شروط الحرية والعدالة والرحمة كذلك للتحدث دون خوف ليس عن انتهاكات الأعداء، إنما، أكثر بكثير وبشكل ملحوظ، عن الجرائم التي نحن متورّطون بها وبالإمكان تحسينها أو الانتهاء منها إذا نحن اخترنا الإجابة عن سؤال: كيف سوف نفكر في الحادي عشر من سبتمبر؟

إنّ نظرية: هجمات الحادي عشر من سبتمبر “قد غيّرت العالم” هي نظرية مستمرة إلى حدٍّ بعيد وعلى نحو من الممكن تفهّمه. لأحداث ذلك النهار النتائج الأخطر بالتأكيد، محليا ودوليا. كان أحدهُم قد قاد الرئيس (جورج دبليو بوش) إلى إعلان حرب (رونالد ريغان) على الإرهاب. الأول منهما قد “اختفى” فعليا، باستعارته للعبارة من قتلة أميركا اللاتينية ومعذِّبيها المفضّلين لدينا. وذلك بصورة مُحتملة، لأن تلك النتائج لم تتلاءم جيدا مع صورنا الذاتية الممتازة. كانت النتيجة الأخرى غزو أفغانستان ومن ثم العراق؛ فالكثير من التدخلات العسكرية الراهنة في بلدان أخرى عديدة في المنطقة والتهديدات المنتظمة بالهجوم على إيران (“الخيارات كلها مفتوحة” وفقا للعبارة القياسية). كانت الأكلاف، بكل أبعادها، باهظةً. وكانت الاقتراحات على العكس من السؤال البديهي الذي لم يُسأل طوال المرة الأولى: هل ثمة بديل هناك؟ .

لاحظ عدد من المحللين أن (ابن لادن) قد حقق نجاحات ضخمة في حربه ضد الولايات المتحدة. “لقد أثبت على نحوٍ متكررٍ، أنّ الطريقة الوحيدة لإكراه الولايات المتحدة على الخروج من العالم الإسلامي وإيقاع الهزيمة بأحذيتها العسكرية كانت بجرّ الأميركان إلى سلسلة من الحروب الصغيرة لكنْ غالية الثمن، تلك التي في النهاية تؤدي إلى إفلاسهم” يكتب الصحفي إيريك مارغوليس .

باغتت الولايات المتحدة جيدا، تحت حكم (جورج دبليو بوش) ومن ثم (باراك أوباما)، مكيدةَ (ابن لادن)… الإنفاق والولع الشديد بالديْن العسكريين المتضخميْن على نحو غريب… هما ميراث أعظم ضررا بكثير من الرجل نفسه الذي اعتقد أنّ بوسعه أن يوقع الهزيمة بالولايات المتحدة .

قدّر تقرير “أكلاف مشروع الحرب” الصادر عن معهد واتسون في جامعة براون أن المحصلة النهائية سوف تكون 3,2 تريليون ولغاية 4 تريليونات مليون دولار أميركي. تماما، هذا الإنجاز المؤثر (تحقق) عن طريق (ابن لادن).

كانت واشنطن منكبّة على مباغتة مكيدة (ابن لادن) الذي كان واضحا أكثر من أي وقت. يكتب (مايكل سكوير)، المحلل المتقاعد في (السي آي إيه) والذي كان مسؤولا عن تعقُّب (ابن لادن) خلال الأعوام من 1996 ولغاية 1999: “تحرّى (ابن لادن) الدقّة في إخبار أميركا بأسباب شنّ الحرب علينا”. إن “قائد القاعدة”، يتابع (سكوير) “قد خرج كي يبدّل بتطرُّف سياسات أميركا والغرب تجاه العالم الإسلامي”.

ومثلما يشرح (سكوير) فقد نجح (ابن لادن) إلى حدّ كبير: “أكملت جيوش الولايات المتحدة وسياساتها راديكالية العالم الإسلامي، لقد حاول (أسامة بن لادن) بعض الشيء أن يُنجز ما هو أساسي وجوهري، لكن النجاح لم يكتمل منذ فترة مبكّرة من التسعينات، وكنتيجة لذلك، أعتقد أنه كان من الإنصاف الإبقاء على (ابن لادن) حليفا لا غنى عنه” وإبقاؤه ما يزال قابلا للجدل كثيرا حتى بعد موته .

وثمة سبب للاعتقاد بأن الحركة الجهادية كان من الممكن أنْ تتجزأ وتضعف مكانتها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، هي ـ أي الهجمات ـ التي انتُقِدتْ بقسوة داخل الحركة، علاوة على أنها “جريمة ضد الإنسانية” مثلما سُمِّيَتْ على نحو يطابق الحقيقة، حيث كان ممكنا مقاربتها كجريمة، من خلال عملية دولية كي يُلقى القبض على المشتبه بهم الرئيسيين مثلما كان متوقَّعا. وكان هذا ما قد تمَّ إدراكه من خلال النتائج المباشرة التي تلت الهجمات، لكن حتى هذه الفكرة لم تُؤخذ بعين الاعتبار من قِبَل صانعي القرار في الحكومة. (هناك خلل في الترتيب) بدا أنه لم يكن هناك اهتمام قد مُنح لعرض طالبان غير النهائي ـ كم كان العرض جادّا، لا نستطيع أن نعرف – لتقديم قادة القاعدة في مقابل صفقة قضائية.

ويتابع:

في كل مرة أستشهد بما خلُص إليه (روبرت فيسكمن) أن الجريمة الفظيعة للحادي عشر من سبتمبر التي ارتكِبتْ “بوحشية مولعة بالأذى والترويع” هي إصدار حُكمٍ دقيق. حتى أن الجرائم كان من الممكن أنْ تكون أسوأ. أفترض أنّ الرحلة 93، التي أُسقِطت طائرتها من قِبَل ركّاب شجعان في بنسلفانيا، قد فجَّرت البيت الأبيض، وقتلت الرئيس. أفترض أنّ القَتَلة في الجريمة الذين خططوا ونفّذوا قد استغلوا طاغيةً عسكريا قتل الآلاف وعذّب عشرات الآلاف. أفترض أن طاغيةً جديدا أعترف به قانونيا بدعم من القتلة ومركز الإرهاب الدولي قد ساعد، في أمكنة أخرى من العالم، على استغلال دول تعذيبٍ وإرهابٍ شبيهةٍ، ومثل غطاء جليدي ، قد أقنعوا فريقا من الاقتصاديين ـ لنسَّمِهم “فتية قندهار” ـ الذين قادوا الاقتصاد على نحو سريع إلى أسوأ انخفاض له في تاريخه. ذلك من غير تعقيد، سوف يكون أكثر سوءا من الحادي عشر من سبتمبر .

ومثلما نعلم جميعا، هذا ليس اختبارٌ لفكرة، فقد حدث. وأنا، هنا، أشير بالطبع إلى ما يُعرف في أميركا اللاتينية غالبا بـ”الحادي عشر من سبتمبر الأول”، الحادي عشر من سبتمبر العام 1973، حين نجحت الولايات المتحدة بمساعيها المكثّفة في إسقاط الحكومة الديمقراطية لسلفادور اللينديفي تشيلي بانقلاب عسكري أدّى إلى تعيين النظام المخزي للجنرال (بينوشيه) في الحكم. حيث نصّب الطاغية بالتالي “فتية شيكاغو” (هناك خلل في الترتيب) أولئك الاقتصاديين الذين تدرّبوا في جامعة شيكاغو على إعادة هيكلة اقتصاد تشيلي. تأمّلْ التخريب الاقتصادي والتعذيب والمُختطفين وتضاعُف أعداد القتلى، وسوف ترى كم كان مخرِّبا الحادي عشر من سبتمبر الأول .

امتيازٌ يُثمرُ فُرَصا، وفرصةٌ تهَبُ المسؤوليات .

كان الهدف من الانقلاب، بكلمات إدارة (نيكسون)، هو قتْل “الفيروس” الذي يمكنه أنْ يشجِّع كل هؤلاء الغرباء (الذين هم) بعيدون عن إكراهاتنا من خلال تولي أمر السلطة على مواردهم وأكثر من ذلك بهدف ملاحقة التطوّر المستقل بموازاة الخطوط التي لا رغبة فيها من قِبَل واشنطن. كانت نتيجة مجلس الأمن الوطني الخاص بـ(نيكسون) التي في خلفية هذا القرار أنه إنْ لم تستطع الولايات المتحدة إخضاع أميركا اللاتينية للرقابة، فإنه ليس من المتوقع أنْ تحقق نجاح النظام في أي مكان آخر في العالم. ومصداقية واشنطن، كما وضعها (هنري كيسنجر)، سوف تتقوّض .

ليس الحادي عشر من سبتمبر الأول شبيهاً بالثاني، فهو لم يغيّر العالم. فهو لم يكن “شيئا -يُذكر قياساً- بنتيجته العظيمة جدا” بهذا طمأن (كيسنجر) قائده بعد عدد من الأيام التالية. والحكم من خلال الكيفية التي يبدو عليها الأمر في التاريخ المألوف هي بكلمات يمكن أن تكون مغلوطة بصعوبة، مع أنّ الناجين يمكن لهم أن يروا المسألة على نحو مختلف .

أحداث النتيجة الفقيرة هذه لم تقتصر على الفريق العسكري الذي قضى على الديمقراطية التشيلية وكذلك على توجيه حركة الترويع التي تلت، فمثلما ناقشنا قُبيْل الآن، كان الحادي عشر من سبتمبر الأول دورا واحدا فقط في الدراما التي بدأت العام 1962 عندما غيَّر (كينيدي) من مهمة الجيوش الأميركية اللاتينية إلى “الأمن الداخلي”، والعاقبة المدمرّة هي أيضا لنتيجة فقيرة، فالنموذج المألوف هو حين يكون التاريخ قد تمّ إخضاعه للرقابة بواسطة مثقفين ذوي مسؤولية .

ويختتم مقالته قائلًا:

يبدو من خلال التاريخ العالمي أن المفكرين التقليديين -الذين يدعمون الأهداف الرسمية ويتجاهلون أو يبررون الجرائم الرسمية- مُكرّمون ويحظون بامتيازات في مجتمعاتهم، بينما أولئك الذين ينظرون إلى القيم مُعاقبون بطريقةٍ أو بأخرى. وهذا النموذج من المعاملة يعود بنا إلى السجلات القديمة. كان قد اُتهم رجلٌ فيما مضى بإفساد شباب أثينا الذين يتعاطون الشوكران السام، بنفس الاتهامات التي اُتهم بها (دريفوساردس) “بإفساد النفوس والمجتمع ككل” واُتهم كذلك المفكرين الذين ينظرون إلى القيم في الستينيات بالتأثير على الشباب.

تجد في التوراة أن هناك شخصيات وفق المعايير المعاصرة للمفكرين المُنشقين، وبحسب الترجمة الإنجليزية للتوراة فإن هؤلاء المُفكرين كانوا يُدعون “بالأنبياء”. لقد أحرج أولئك الأنبياء الجيوسياسية التي كانت تعيش أوقاتاً حرجة وذلك من خلال إدانتهم لجرائم الأقوياء ودعوتهم للعدالة والاهتمام بالفقراء ونبذ المعاناة. استنكر الملك آهاب (أكثر الملوك شراً) النبيَّ إيليا بوصفه عدواً لإسرائيل، كما هو الحال مع “كاره اليهود” أو “معادي أمريكا” في العصر الحديث. عومل الأنبياء معاملةً قاسية، وذلك على عكس المُتزلفين في المحاكم الذين أُدينوا فيما بعد بأنهم دجالون. يعد هذا النمط نمطاً غير مفهوماً، بل سيكون غريباً لو كان مفهوماً.

أما بخصوص مسؤوليّة المفكرين، فلا يبدو لي الأمر أن هناك أمراً وراء الحقائق البسيطة. عادةً ما تكون هناك امتيازات للمفكرين -وثمّة ملاحظة بسيطة بخصوص إطلاق هذا اللقب عليهم-.

تُعطي هذه الامتيازات فُرصاً، وتُنتج الفرصُ مسؤوليات. والفرد حينها يُصبح مسؤولاً.

الفرق بين المتعلم والمثقف عند هشام شرابي

C20N1

هشام شرابي (1927-2005)، هو مفكر فلسطيني ولد في يافا، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل أستاذا لتاريخ الفكر الأوروبي والعلوم السياسية في جامعة جورجتاون بواشنطن. ساهم في إنشاء عدة مؤسسات تُعنى بشؤون الوطن العربي والقضية الفلسطينية. له عدة مؤلفات عن النظام الاجتماعي والأسري للمجتمعات العربية، الهدف منها اكتشاف كيف يمكن النهوض بمجتمع فاعل وذلك بنقد تناقضاته.

في مقدمة كتابه (مقدمات لدراسة المجتمع العربي)، يكتب (شرابي) عن تجربته الخاصة في إعادة النظر بأفكاره السابقة واكتشاف مدى عمق الثقافة المسيطرة في تشكيل وعيه وفكره، حتى وإن وصل لأعلى الدرجات العلمية، مدركا أن أولى خطوات التحرير هي التحرير الذاتي والتخلص من عبودية الفكر المسيطر وهي عملية غاية في الصعوبة تتطلب إعادة النظر في جميع ثوابت الموروث وإخضاعها لتمحيص ونقد مستمر وشامل. يظهر هنا دور المثقف في التغيير، لكن هناك لبس مستمد من الجهل العام في اعتبار أن كل متعلم هو بالضرورة مثقف. في كتابه يفرق (شرابي) بين المتعلم والمثقف موضحا:

للثقافة والمثقفين مكانة خاصة في المجتمعات الفقيرة النامية، والجهل يرسم صورة مضخمة للعلم والمتعلمين، ويعطي المثقف مركزا متميزا ويتوقع منه المستحيل. وفي تصور هذه المجتمعات يختلط المثقف بالمتعلم، ويصبح كل من حصل على قسط من العلم، في نظرها، مثقفا. الواقع ان المثقف ليس من أحسن القراءة والكتابة، أو من حصل على شهادة علمية (هناك أميون بين حملة شهادة الدكتوراه)، بل إن ما يميز المثقف في أي مجتمع صفتان أساسيتان:

الوعي الاجتماعي الذي يُمكن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري متماسك.

والدور الاجتماعي الذي يمكن وعيه الاجتماعي من أن يلعبه، بالإضافة إلى القدرات الخاصة التي يضفيها عليه اختصاصه المهني أو كفايته الفكرية.

وعليه، فمجرد العلم حتى لو كان جامعيا لا يضفي على الفرد صفة المثقف بصورة آلية، فالعلم ما هو إلا اكتساب موضوعي ولا يشكل ثقافة في حد ذاته، إنه يصبح ثقافة بالمعنى الشامل إذا توفر لدى المتعلم الوعي الاجتماعي، ذلك العامل الذاتي الذي من خلاله فقط يصبح الفرد مثقفا، حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة، ومن دونه يبقى أميا، حتى لو كان طبيبا أو أستاذا جامعيا.

عن المفكّر أو المثقف، على طريقة سيوران

إميل سيوران
في كتابه (المياه كلها بلون الغرق)، الذي يُعد أحد أشهر كتب إميل سيوران (1911-1995)، وأول كتاب تُرجم كاملًا  إلى اللغة العربية، تحدث (سيوران) في عدة مواضع عن المعالم الأساسية للمثقف أو المفكّر كما يراها، أو نصائحه الشخصية في ظل رؤيته وفكره. مثلًا  كانتقاده لأولئك الذين ينمقون الكلمات، فباعتقاده أن منمقي النصوص لا يجدون ما يقولونه، أو على وجه الدقة، يقول:
لا أسلوب مع اليقين.
الانشغال بتجويد القول من مميزات الذين لا ينامون على عقيدة. إنهم يتعلقون بالكلمات، تلك الشبيهة بالواقع، في غياب الأرضية الصلبة، فيما الآخرون الأقوياء بقناعتهم يهزؤون بمظهر الكلمات ويسترخون في الارتجال.
ويقول أيضًا عن هذه الخدعة في الأسلوب والتنميق:
خدعة الأسلوب: إعطاء الهموم اليومية مجرى غير مألوف، تجميل المتاعب التافهة، تأثيث الخواء، تحقيق الوجود بواسطة “الكلمة”، بواسطة شقشقة الشكوى أو الاستهزاء.
وبالانتقال إلى أحد نصائحه الأخرى، يقول (سيوران):
وحدها العقول السطحية تتقدم من الفكرة بلطف.
فالأكثر أثرًا أو عمقًا بين المثقفين، هم أولئك الذين يتناولون الأفكار بعنف. يقول:
إذا أمكن لـ(نيتشه)، (بروست)، (بودلير) أو (رامبو)، أن يتصدوا لتقلبات الموضة، فإنهم مدينون بذلك إلى وحشيتهم اللامبالية، إلى جراحتهم الشيطانية، إلى سخائهم بالسم .. ما من شيء يجعل أثرًا يدوم ويمنعه من التقادم سوى شراسته. تأكيد غير مبرر؟ انظروا إلى مجد الإنجيل، أليس الكتاب العدواني والمسموم بامتياز؟
 ويقول أيضًا في هذه النقطة، ساخرًا من المفكرين الإنسانيين:
الجمهور يتهافت على ما يسمى بالكتّاب الإنسانيين. هو واثق بأنه لا يخشى منهم شيئًا. إنه يعرف أنهم قد توقفوا – مثله – في منتصف الطريق، سيقترحون عليه صلحًا مع المستحيل، رؤية منسجمة للفوضى.
 أما المَعْلم الثالث، والأهم والأشد تكرارًا في كتاباته، فهو الشك. يقول:
لا شيء يصيب العقل بالجفاف مثل نفوره من تصوّر أفكار مبهمة.
 فالشكوك تحول بين فتور العقل، وهي الرياضة بالنسبة للعقل من أن يفقد قدرته على التفكير السليم. وعلى الرغم من الحيرة التي تصيب المرء عندما يشك في كل شيء، إلا أن الشكوكية ضرورية، وعلامة مهمة على النزاهة، يقول:
في ترددنا علامة على نزاهتنا، أما يقيننا فلا يدل إلا على دجلنا. يُعرَف المفكر الغشاش من حصيلة الأفكار “الدقيقة” التي يدافع عنها.
 ويقول أيضًا:
الخوف من العقم يدفع الكاتب إلى أن يُنتج فوق طاقته، وأن يضيف إلى الأكاذيب المعيشة أكاذيب أخرى لا تُحصى يستلفها أو يختلقها اختلاقًا. تحت كل “أعمال كاملة” يقبع دجال.
 ويقول في موضع آخر:
الشكوكية هي منهج الحضارات الفتيّة، وخجل الحضارات الهرمة.
 فالحضارات الفتية، تعمل بجد لتنال نهضتها، بينما الحضارات الهرمة تسعى للدفاع عن سمعتها، بغض النظر عن حقيقة هذه السمعة أو صوابها. وعن بشاعة التأكد من فهمنا لكل شيء، يقول:
اللحظة التي تُسوّل لنا أننا فهمنا كل شيء، تمنحنا هيئة القتلة. 
ولا ينكر (سيوران) أن للشكوكية حيرتها وعذابتها، بل إنه يقرّ ذلك في مقولته:
يتمنى الشكّاك لو أنه يتعذب مثل سائر البشر من أجل الأوهام التي تمنح القدرة على الحياة. لكنه لا يفلح في ذلك: إنه شهيد التفكير السليم.
كل ذلك يهيّئ الأرضية الثابتة للنقطة الرابعة، يقول (سيوران) عن أجدى منابع الكتابة:
لا مصادر للكاتب أفضل من أسباب إحساسه بالعار. الكاتب الذي لا يكتشف في ذاته أسبابًا للشعور بالخزي أو يتهرب من هذه الأسباب، ليس أمامه إلا السرقة أو النقد.
 ويقول أيضًا:
من لم يذق الإهانة لا يعرف معنى الوصول إلى آخر مراحل الذات.
وأخيرًا، يقول:
من السهل أن يكون المرء عميقًا، يكفي أن يستسلم لفيض ثغراته الخاصة.
 وتتمثل النقطة الخامسة، في التحرر من التحيزات. يقول:
الفكر الذي يتحرر من كل تحيز، هو فكرٌ يتفكك محاكيًا تناثر الأشياء التي يريد الإمساك بها ومحاكيًا عدم انسجامها. بأفكار “سائلة” نحن “نتمدد” على الواقع ونعانقه دون أن نفسره. هكذا ندفع غاليًا ثمن “النظام” الذي لم نرغب به.
ويقول أيضًا:

واجب الوعي: الوصول إلى يأس لائق.

 ونختتم المقالة بمقولة أخيرة، بعد أن وضعنا خمس علامات بالطريق للمثقفين والمفكرين، على طريقة (سيوران):
إنه لمَساس بالفكرة أن نعمقها: ذلك يعني أن ننتزع منها سحرها وربما حياتها.