أرشيف الوسم: المجتمع

“الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون” يقول (ميل)، “ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم”

جون ستيوارت مل (1806-1873) هو فيلسوف واقتصادي بريطاني. في السابعة عشرة من عمره، بلغ مبلغ الرجال على المستوى العقلي، فقد كان صافي الذهن، صريح، فصيح جدا، بالغ الوقار دونما أثر لخوف أو غرور، وخلال السنين العشر التالية، زاول كتابة المقالات والنقد، وحمل عبء الحركة النفعية على كاهله، وكانت مقالاته مصدر شهرة واسعة له، مما جعله خبير في الشؤون العامة.

تعد مفاهيم الحرية هي الرمز الأول الذي يرتبط بكتابات وفلسفة (جون ستيورات ميل)، فمن آبرز إنتاجاته كان كتابه (الحرية) والذي نقله إلى اللغة العربية الأستاذ (طه السباعي باشا).

يقول (ميل) في أحد فصول كتابه، كان عنوانه “في أن المسوغ الوحيد للتعرض لحياة الفرد هو حماية مصالح الغير”:

… ومضمون هذا المبدأ أن الغاية الوحيدة التي تبيح للناس التعرض، على الانفراد أو الاجتماع، لحرية الفرد هي حماية أنفسهم منه. فمنع الفرد من الإضرار بغيره هو الغاية الوحيدة التي تسوغ استخدام السلطة على أي عضو من أعضاء جماعة متمدينة، أما إذا كانت الغاية المنشودة من إرغام الفرد هي مصلحته الذاتية أدبية كانت أو مادية، فذلك لا يعتبر مسوغًا كافيًا؛ وإذن لا يجوز البتة إجبار الفرد على أداء عمل ما أو الامتناع عن عمل بدعوى أن هذا الأداء أو الامتناع أحفظ لمصلحته وأجلب لمنفعته وأعود عليه بالخير والسعادة ولأنه في نظر سائر الناس هو عين الصواب بل صميم الحق.

ثم يتابع بعد ذلك في الفصل ذاته:

فالإنسان غير مسؤول أمام المجتمع عن شيء من تصرفاته إلا ما كان منها ذا مساس بالغير، فأما التصرفات التي لا تخص غير نفسه ولا تتعلق بغير شخصه فهو فيها كامل الحرية مطلق الإرادة، وذلك لأن الإنسان سلطان في دائرة نفسه وأمير حر التصرف في جسمه وعقله.

يتطرق بعد ذلك (ميل) إلى الأحوال التي يجوز فيها التعرض لحرية الفرد، على حد تعبيره، فيقول:

والواقع أن الفرد قد يؤذي غيره بالكف عن التصرف كما قد يؤذيهم بالتصرف، وفي كلا الحالتين يحق للغير محاسبته عمّا ألحق بهم من الأذى؛ على أن استعمال الإكراه في الحالة الأولى يستوجب من الحذر والاحتراس ما لا يستوجباستعماله في الحالة الثانية؛ لأن القاعدة في هذا الباب هي محاسبة المرء عما وقع بغيره من الضرر، أما محاسبته لإهماله في دفع الشر عن سواه فشذوذ واستثناء، ولا يسوغ ولا يبرر إلا في الأحوال الخطيرة التي ينتفي عنها كل شك وارتياب وكثير ما هي.

وأخيرًا، يضع (ميل) في ذلك قاعدة للمجتمعات الحرة، فيقول:

فأيما مجتمع لا تُحترمك فيه تلك الحريات على وجه عام فهو غير خليق بأن يوصف بالحرية مهما كان شكل حكومته؛ وأيما مجتمع لا تقوم فيه تلك الحريات موفورة غير منقوصة، وخالصة غير مشوبة فهو غير كامل الحرية. ولا بدع فإنما الحرية في صميمها وجوهرها إطلاق العنان للناس يلتمسون مصلحتهم أيّان يبتغون وكيفما يريدون، ما داموا لا يحاولون حرمان الغير مصالحهم، وعرقلة مجهودهم في سبيل مرافقتهم. فالفرد دون سواه هو المسؤول عن نفسه، وهو أحق الناس بأن يكون الولي على أحواله بدنية أو عقلية، مادية أو أدبية.

عن التوازن بين المتع عند البشر

في كتابه (تطوّر المتع البشريّة رغبات و قيود) لـ(شارل كورنريخ) و بترجمة (محمد حمّود)، طرح سؤالاً في الفصل السادس المعنون بـ “توازنات المتعة و اختلالها”، يقول:

ماهو تأثير الأنظمة الاقتصادية و الثقافية في رفاهية الأفراد، وفي قدرتهم على الإحساس بالمتعة؟ 
يجيب على ذلك:
هناك ترابط خطي، بل يكاد يكون تاماً بين متوسط المداخيل في بلد ما و مستوى الرضا عن العيش. إن الأمة التي ينقص دخل الفرد فيها عن 2,000 دولار في السنة لاتشعر بالرضا الذي تشعر به أية أمة يصل دخل الفرد فيها إلى 20,000 دولار في السنة.
يرى (فينهوفن) أن الظروف الموضوعية التي تخدم الطبيعة البشرية تولد السعادة، و أن الخصائص الإيجابية للمجتمعات، تتوقف على الدرجة التي تلبي فيا الحاجات الأساسية للبشر. المشكلة هنا هي تناقض هذه الحاجات في ما بينها: منافسة، منزلة، الرغبة في التمايز, وجوب التعاون، الصداقة مع الآخر و الانضواء تحت رايته.
هناك ارتباط بين مستوى متوسط المداخيل في بلد ما، ودرجة رفاهية سكانه، ومع ذلك لهذا سقف، مما يعني أن هناك عوامل أخرى، تدخل في الحسبان، إثر تجاوز عتبة مّا. هذا بديهياً مفهوم، ويلتقي مع المفاهيم التي روجها (هرم ماسلو) الذي أقام تراتبية بين الحاجات. إذا كنا جائعين، والحاجات الأولية ليست مشبعة، تصبح مصادر المتع الأخرى ثانوية نسبياً. و هكذا فإن الاكتفاء المالي في البلدان الفقيرة هو أفضل مؤشر على الرفاهية الشفهية مما هو في البلدان الفنية.
عندما يتم إشباع الحاجات الأساسية، تصبح ثوابت أخرى، مثل تقدير الذات، على درجة من الأهمية. كانت درجة الغنى في الولايات المتحدة كبير جداً حيث تقدر زيادة الدخل الفعلي، بعد حسم الضرائب و احتساب التضخم 22 مرة مابين 1946 و 1992. لم يقترن هذا بزيادة مستوى المعيشة، ما أبعد الأمر عن ذلك، بل كان الأمر أقرب إلى شيء من الركود.
يرجع السقف المتعي في المجتمعات الفردانية إلى عاملين أساسيين. يقوم الأول على المقارنة الاجتماعية، ويتمظهر الثاني بفقدان قوة العلاقات الحميمة. ما إن تتم تلبية الحاجات الأولية، حتى يتم التوجه إلى تقييم المدخول من خلال المقارنة. إذا ماعاش إنسان، متواضع الدخل، وسط عائلة غنية، فإنه يشعر بعدم الرضا، أما إذا كان متوسط الدخل، ويعيش في بيئة فقيرة، فإنه يشعر أنه متخم.
تجري المقارنة الاجتماعية موضعياً. و هي بالتالي تميل للحدوث، بنسبة أكبر، داخل كل بلد أكبر مما بين البلدان، حتى إن كان ظهور وسائل الإعلام العالمية، يؤدي شيئاً فشيئاَ إلى تغيير هذا الأمر، هناك متغير آخر يسمح بالحكم على الصفة المناسبة للمداخيل، هو إجراء مقارنة بين وضع الشخص الآن، ووضعه في مراحل مختلفة من حياته.
و مع ذلك فإن المقارنة الاجتماعية، لاتؤثر طولياً في مدى الإحساس بالرفاهية. و بالفعل، يستطيع الأشخاص اختيار أولئك الذين يودون إجراء المقارنة معهم، آخذين بعين الاعتبار تصورهم عن أنفسهم.
يرتبط العامل الثاني بفقدان الحميمة المقترنة بالاكتظاظ. تتلازم زيادة الفردانية مع زيادة نسبة الطلاق، وضعف التماسك الأسري، مما يخفف من التأثيرات الإيجابية لاكتظاظ أكبر.
تخطط البلدان الأكثر استعداداً للرفاهية، لنمو اقتصادي مهم، فحقوق الإنسان فيها محترمة، وهناك مساواة في الحقوق السياسية و المدنية بالنسبة للمرأة. وعلى نقيض ذلك، فالبلدان التي يكون الشعور بالرضا في أضعف درجة فقيرة جداً، غير مستقرة سياسياً، وغالباً ما تكون في حالة حرب أهلية، أو خارجية.
وبصرف النظر عن الاختلافات في مفهوم الرفاهية مابين الثقافات، نلاحظ أيضاً اختلافات داخل الثقافات، ويرتبط واحد من أكبر العوامل المؤثرة في هذه الاختلافات إلى الفئة العمرية التي ننتمي إليها.
و هكذا فإن الأفراد المولودين في السبعينات يتمزون بتثمين أهداف الحياة الشخصية، وهم أقل اهتماماً بإنجاز المهمات التنموية التقليدية، مثل إنجاب الأولاد، أو تلبية الطلبات الأسرية والاجتماعية، مقارنة مع الأفراد الذين ولدوا في العشرينات.
تتوقف حال الرفاهية على عوامل عدة: قبول الذات، و إقامة علاقات إيجابية مع الآخرين، والاستقلالية، والسيطرة على البيئة، وتحقيق أهداف الحياة و التطور الشخصي.
وفي الواقع، أنه لا يمكن فصل عدد من هذه الثوابت بشكل واضح عن المستويين الفردي و الاجتماعي. في درجة الاستقلالية، والسيطرة على المجتمع الذي ننتمي إليه، وعلى مرجعياته الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية.
لأن مشاعر الاستقلالية هي أكثر حضوراً في الثقافات الفردانية، وتظهر وتكشف عن مزيد من الترابط مع الإحساس بالرفاهية مماهي عليه الحال في المجتمعات الجماعية.
و مع ذلك، يمكن للفروقات القائمة بين الثقافات في مسألة تقويم ما هو الذي يساهم في إذكاء الشعوب بالرفاه، أن تدفع شيئاً فشيئاً بطابع العولمة. بات الرخاء المادي هدفاً مهماً في غالبية المجتمعات.
هناك القليل من الإحساس بزيادة الشعور بالرفاهية لدى الأمم الأكثر غنى، ذلك أن التحسن في الظروف المادية بعد مستوى معين، لا يساعد هذه المجتمعات على التعامل بشكل أفضل مع الحاجات البشرية.
مع ذلك، علينا أن نذكر هذه الملاحظة: نجد لدى فاحشي الثراء مستويات متزايدة من الشعور بالرفاهية بالمقارنة مع شريحة المداخيل الأدنى، وهذا يتلاءم مع فكرة كون الثورة تسم بالوصول إلى مستويات رفيعة في عملية تحقيق الذات.
ومع ذلك، وبشكل عام، لايمكننا القول إن زيادة الثروة، قد لا تقود، بشكل محتم إلى زيادة الشعور بالهناء. وإذا كانت المجتمعات الفنية قريبة من نقطة مابعد المادية، يحيث لا يزيد تحسن الأوضاع المادية والخدمات، سوى القليل جداً في الإحساس بالراحة، فإننا نجد أنفسنا على مفترق طرق حساس، فيما يتعلق بالسياسة العامة والخيارات الفردية.

الحياة الشخصية في أعين المنفلوطي

المنفلوطي
مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته ، له شعر جيد فيه رقة، قام بالكثير من الترجمة والاقتباس من بعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية في غاية الروعة. ويحكى بأنه لم يحظ بإجادة اللغة الفرنسية لذلك أستعان بأصحابه الذين كانوا يترجمون له الروايات ومن ثم يقوم هو بصيغتها وصقلها في قالب أدبي . يتكلم في كتابه (النظرات) عن الحياة الشخصية للفرد والحياة الاجتماعية فيقول عنها:
أكثر الناس يعيشون في نفوس الناس أكثر مما يعيشون في نفوس أنفسهم، أي أنهم لا يتحركون ولا يسكنون، ولا يأخذون ولا يدَعون إلا لأن الناس هكذا يريدون.
حياة الإنسان في هذا العالم حياة ضمنيَّة مدَّاخلة في حياة الآخرين، فلو فتَّش عنها لا يجد لها أثرًا إلا في عيون الناظرين، وآذان السامعين، وأفواه المتكلمين.
يخيَّل إليَّ أن الإنسان لو علم أنه سيصبح في يوم من أيام حياته وحيدًا في هذا العالم لا يجد بجانيه أذنًا تسمع صوته، ولا عينًا تنظر شكله، ولا لسانًا يردد ذكره، لآثر الموت على الحياة علَّه يجد في عالمِ غير هذا العالم -من آذان الملائكة أو عيون الجنة- مقاعد يقتعدها فيطيب له العيش فيها.
إذا كانت حياة كل إنسان متلاشية في حياة الآخرين، فأي مانع يمنعني من القول بأن تلك الحياة التي نحسبها متكثرة متعددة، إنما هي حياة واحدة يتفق جوهرها، وتتعدد صورها، كالبحر المائج نراه على البُعد فنحسبه طرائق قددًا، ونحسب كل موجة من أمواجه قسمًا من أقسامه، فإذا دنونا منه لا نرى غيره، ولا نجد لجزءٍ من أجزائه حيِّزًا مستقلًا، ولا وصفًا ثابتًا.
يحكي بعد ذلك عن علاقة رضى الناس بآراءهم عمن يخالفونهم أساليب الحياة فيقول:
لا يحيا في هذا العالم حياةً حقيقيةً، إلا ذلك الشاذ الغريب في شؤونه وأطواره وآرائه وأعماله، الذي كثيرًا ما نسمّيه مجنونًا، فإن رضينا عنه بعض الرضى سميناه فيلسوفًا، ونريد بذلك أنه نصف مجنون، فهو الذي يتولى شأن الإنسان، وتغيير نظاماته وقوانينه، وينتقل به من حال إلى حال بما يغير من عاداته ويحوّل من أفكاره.
أي قيمة لحياة امرئ، لا عملَ له فيها إلا معالجة نفسه على الرضى بما يرضي الناس، فيأكل ما لا يشتهي، ويصدف نفسه عما تشتهي، ويسهر حيث لا يستعذب طعم السهر، وينام حيث لا يطيب له المنام، ويلبس من اللباس ما يحرج صدره، ويقصم ظهره، ويشرب من الشراب ما يحرق أمعاءه، ويأكل أحشاءه، ويضحك لما يبكي ويبكي لما يضحك، ويبتسم لعدوه، ويقطّب في وجه صديقه، وينفق في دراسة ما يسمونه علم السلوك -أي علم المداهنة والمَلَق- زمنًا لو أنفق عُشره معشاره في دراسة علمٍ من العلوم النابغة لكانت نباغته المبرز فيه حرصًا على رضاء الناس، وازدلافًا إلى قلوبهم.
وعن علاقة الشهوات والرغبات بالمجتمع، يقول:
ليست شهوة الخمر من الشهوات الطبيعية المركّبة في غرائز الناس فلو لم يتذوقوها لما طلبوها ولا كلفوا بها، وما جناها عليهم إلا كلَفُ تاركيها برضاء شاربيها، وما كان الترف خلقًا من الأخلاق الفطرية في الإنسان ولكنه كلَفُ المتقشّفون برضاء المترفين فتترفوا، فحملوا في ذلك السبيل في شقاء العيش وبلائه وأثقال الحياة وأعبائها، وما نغّصَ عليهم عيشهم وأفسد عليهم حياتهم، وإنك لترى الرجل العاقل الذي يعرف ما يجب ويعلم ما يأخذ وما يدع، يبيع منزله في نفقة عرس ولده أو ابنته، فلا تجد لفعله تأويلًا إلا خوفَه من سخط الناس واتقاء مذمتهم، وكثيرًا ما قتل الخوف من سخط الناس والكلَف برضاء ذكاء الأذكياء، وأطفأ عقول العقلاء، وكم رأينا من ذكي يظل طول حياته خاملًا متلففًا لا يجرؤ على إظهار أثر من آثار فطنته وذكائه مخافة هزء الناس وسخريتهم، وعاقل لا يمنعه من الإقدام على إصلاح شأن أمته وتقويمها إلا سخط الساخطين ونقمة الناقمين.
يقول بعد ذلك عن علاقة الفضيلة برأي المجتمع:
نعم قد يكون الوَلَع برضاء الناس والخوف من سخطهم مذهبًا من مذاهب الخير وطريقًا من الهداية للضال عنها لو أن الفضيلة هي الخُلق المنتشر فيهم، والغالب على أمرهم، ولو كان الأمر كذلك لآثرت أن يعرض المرء نفسه على الفضيلة ذاتها من حيث هي، لا من حيث تشخيصها في أذهان الناس وقولهم، فإذا استوثق منها وعلم أنها قد خالطت قلبه وأخذت مستقرها من نفسه جعلها ميزانًا يزن به أقواله وأفعاله كما يزن به أقوال الناس وأفعالهم، ثم لا يبالي بعد ذلك أَرضَوا عنه أم سخطوا عليه، أحبوه أم أبغضوه.

أدب الحياة عند توفيق الحكيم

 

توفيق الحكيم (1898-1987) كاتب وأديب مصري من رواد الرواية والمسرح الذهني. لطالما تحدث في مقالاته عن الأدب العربي وكيف يمكن أن يتقدم ويفيد ويمتع الشعب. وفي كتاب (أدب الحياة) تم جمع جميع مقالاته عن الأدب ومنها مقاله أدب الحياة ويقول فيها:

الاتجاه الغالب المميز للأدب الجديد هو ولا شك  أدب الحياة، وأود قبل كل شيء أن أسميه “أدب الحياة” لأن عبارة:” الأدب في سبيل الحياة” قد أثارت لبسًا وغموضًا في الأذهان، وجعلت الكثيرين يقولون إن كل أدب حتى المأخوذ من بطون الكتب القديمة في السير والحكم والبلاغة إنما هو في سبيل الحياة وتجميلها وتهذيبها. وهذا صحيح.

ولكن ليس هذا ما يقصده الأدب الجديد ولا شك – فشباب الأدب الجديد يريدون من “أدب الحياة” أن يكون شيئاَ آخر غير “أدب الكتب”. وإذا كنت قد فهمت غرضهم جيداَ فهم يريدون أن يقوم الأدب على التجربة الحية لإنسان أو عصر أو شعب, وأن تكون هذه التجربة صادقة- ومن هنا جاء اهتمامهم بالواقعية – فلا تزييف ولا تهويل حتى لا تفسد الصورة وتحجب الحقائق.

تلك الحقائق التي هي وسيلة العصر الحديث لفهم نفسه، ووعي مشكلاته وإدراك مدى قدرته على حلها, والكفاح من أجل التطور بمصيره، وبذلك يخرج الأدب من وظيفة الحلية البديعة الساكنة فوق الصدور، إلى وظيفة النور البراق المتحرك الذي يفتح الأبصار، ويثير ما في داخل النفس البشرية، ويبرز ما في الأذهان من أفكار معاصرة.

إن “أدب الحياة” في بلادنا لن يكون عميقاَ إلا إذا كان الأديب نفسه عميقاَ في اطلاعه وفكره وفنه، كما كان “تولستوي” أو “جوركي” أو “برناردشو

أدب الحياة أصعب من أدب الكتب، لأنه أكثر اتساعًا وغورًا، لأنه يشمل الكتب والحياة معًا.

بل إن إهمال التكوين الثقافي، وعدم الإحاطة بالمعرفة من منابعها الأولى إلى آخر ما وصلت إليه، كل هذا قد أدى إلى شيء كثير من التخبط والخلط وسوء التطبيق لهذا الأدب الجديد “أدب الحياة” مما نتج عنه قيام صيحات الاستخفاف أو الارتياب أو التجريح ضد هذا الاتجاه والداعين إليه، حتى كادت تضيع قضيتهم. إذا أرادوا إذن انتصار فعليهم أن يتجنبوا الخفة والتسرع، وأن يتمسكوا بالصبر والجلد، وأن يشيدوا على العمل والجهد والاطلاع على ما كان ويكون، ليبرزوا لنا “الحياة” في عمقها واتساعها وشمولها للفكر والمعرفة والتجربة، لأن تلك هي الحياة: تجربة وفكر ومعرفة.

ضرورة سيادة القانون في أعين برتراند راسل

الفيلسوف البريطاني وعالم الرياضيات والمؤرخ والناقد الاجتماعي برتراند راسل (1872-1970) أحد أكثر المفكرين تنوعاً وتأثيراً في العصر الحديث، الداعية للسلام والحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1950.

يتحدث برتراند راسل في كتابه (أثر العلم في المجتمع) عن أثر عدم توسيع سيادة القانون مما ينتج فوضى طبقية، فيقول:

كنت أعيش على قمة تل تحيط به الأشجار، حيث أستطيع بسهولة شديدة تجميع حاجتي من الخشب للمدفأة، ولكن الاستحصال على الوقود بهذه الطريقة يكلف جهدا انسانيا أكبر من ذلك المطلوب لجلبه عبر انجلترا بصورة فحم حجري؛ وذلك لأن الفحم يستخرج وينقل بطرق أكثر عملية، في حين أستخدم أنا وسائل بدائية لجمع الخشب.

لم ينتج الفرد في العهود السابقة أكثر  من حاجته، لذا فإن نسبة ضئيلة من المجتمع وهي الطبقة الأرستقراطية عاشت في رخاء كبير وعاشت الطبقة الوسطى المحدودة العدد في راحة لا بأس بها، أما غالبية الشعب فلم تمتلك أكثر من المطلوب لبقائها على قيد الحياة،  والصحيح أننا لا نستغل فائض الجهد بطريقة عقلانية دوما فنحن نستطيع أن نكرس جزءاً أكبر منه للحرب مقارنة بما كرسه أجدادنا . لكن سبب غالبية المشاكل الكبرى في زمننا هذا هو فشلنا في توسيع سيادة القانون لتشمل فض النزاعات التي تصبح ذاتها أكثر ضرراً مما كانت عليه في القرون الماضية.

إن بقاء هذه الفوضى التي كان بالإمكان تحملها سابقاً يجب أن يعالج إذا ما أردنا لحضارتنا البقاء. و حيث تكون الحرية ضارة يجب أن نلجأ إلى القانون.

خالد حسيني في نشر رواية عداء الطائرة الورقية

1352281513610.cached

خالد حسيني كاتب وطبيب أفغاني أمريكي, كتاباته لديها القدرة على هز عاطفة من يقرأها وشخصيات رواياته لا تنسى, عُين كسفير للنوايا الحسنة المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين, عمل على ثلاث روايات لإثبات وجه جديد ونظرة مختلفة لإفغانستان. كتب عداء أو سباق الطائرة الورقية, ألف شمس مشرقة وأخيراَ ورددت الجبال الصدى. وهنا يحكي قصة نشره لأول كتاب وما هو السر وراء إلهامه للبدء ككاتب كما ذكرها في هذه المقابلة التي أجريت معه عن رواية “عداء الطائرة الورقية”.

يوماَ ما في بداية عام 1999م, بينما كنت أتنقل بين القنوات الفضائية استوقفني خبراَ عن أفغانستان. كان خبراَ عن طالبان ومافرضوا من قيود ومحضورات على الشعب الأفغانستاني, وخصوصاَ النساء منهم. ومن بين الأمور التي قد حضرتها حركة طالبان كانت رياضة القتال بالطائرات الورقية, تلك الرياضة التي نشأت وكبرت على لعبها مع أخي وأقاربي في كابول وقد ضرب ذلك على وتر حساس خاصاَ بي فأطفأت جهاز التلفاز وسرعان ما وجدت نفسي جالساَ على الكمبيوتر أكتب قصة قصيرة. ظننت أنني سوف أكتب قصة بسيطة تتوق للوطن وللذكريات عن غلامين وحبهم لرياضة القتال بالطائرات الورقية.

لكن القصص لها إرادتها الخاصة بها, وقصتي أصبحت حكاية سوداوية عن الخيانة, الخسارة, الندم, الآباء والأبناء, فقدان الوطن.. الخ

القصة القصيرة كانت حوالي 25 صفحة, ظلت على حالها لبضع سنوات. كنت مولعاَ بها لكن أعتقدت أنها مليئة بالعيوب. ومع ذلك, كان بها روحاَ لا يمكن انكارها.

كنت متردداَ بشأن نشرها عن طريق إرسالها إلى حيث كنت أعرف –بدون أي شك- أنها ستُرفض من قبلهم

—The New Yorker, Esquire, The Atlantic Monthly—

وقد تم رفضها فعلاَ.

بعد عامين من ذلك, في آذار من عام 2001 وجَدَتْ زوجتي القصة في المرأب. أعدت قرائتها ومع ذلك وجدت نفس العيوب السابقة. ولأول مرة, أيقنت مدى حاجة القصة لعمل أطول, فالبنية القصيرة من القصة لا تعطيها حقها بما فيه الكفاية وتضعف من جوانبها. وبدأت بتوسيعها والعمل عليها ككتاب في آذار من تلك السنة.

وبعد ستة أشهر, عندما كنت أنهي ما يقارب الثلثين من كتابة الكتاب, سقط مركز التجارة العالمي” البرجين التوأمين”.

زوجتي اقترحت علي في ذلك الوقت- في الواقع- أصرت أن أقدم المخطوطة للناشرين, كنت معارضاً لذلك. لسبب واحد, لم أكن متأكداَ أن في ذلك خيراَ لنا والأهم من ذلك, وإن كان خطأَ, اعتقدت أن لا أحد في الولايات المتحدة يريد أن يسمع من أفغاني, يجب أن تفهم أن ذلك كان في الأيام والأسابيع القليلة التي تلت الهجمات إذ مازالت الجروح ملتهبة والمشاعر هائجة.

“الأفغان هم المنبوذين الآن”, قلت لزوجتي بلدتنا كانت موطناَ للأرهابيين الذين هاجموا نيويورك.

بالإضافة إلى ذلك, كنت قلقاَ من أن يظهر هدف قصتي بشكل انتهازي,وكأني أحاول أن أستفيد من هذه الفاجعة.

عارضتني زوجتي في هذا, كمحامية فقد جادلتني بقضيتها بطريقة مقنعة. فهي تعتقد أن الوقت قد حان لنخبر العالم قصة عن أفغانستان, فأغلب ما كتب عن أفغانستان في تلك الأيام ومع الأسف حتى الآن, يدور حول حركة طالبان, بن لادن والحرب ضد الإرهاب. فهنالك الكثير من المفاهيم الخاطئة والأفكار السابقة  حول أفغانستان, فزوجتي ظنت أن كتابي سيظهر للعالم فكرة ونظرة أخرى عن أفغانستان, نظرة إنسانية أكثر. وبحلول كانون الأول من تلك السنة, اقتنعت برأيها فعدت لكتابة هذه القصة.

عندما انتهيت من كتابة الرواية, أرسلتها لمجموعة كبيرة من وكلاء النشر وبدأت بتجميع مذكرات الرفض من قبلهم, استلمت ما يقارب أكثر من 30 مذكرة قبل أن تتصل بي إلين كوستر –والتي بكل حزن, قد توفيت- لتخبرني إنها موافقة لتكون وكيلة أعمالي. وحتى بعد ما وجدت إلين وحتى بعد نشر الرواية وتلقي العديد من التعليقات الجيدة حول العمل, كان مازال لدي شكوك جدية حول ما إذا كان هنالك من يريد أن يقرأ الكتاب. فقد كانت قصة سوداوية, كئيبة في بعض الأحيان. حدثت في بلد أجنبية وأغلب الأخيار ماتوا. فلك أن تتخيل دهشتي من القبول الذي تلقته الرواية”عداء الطائرة الورقية” منذ تاريخ نشرها في عام 2003م. ومازلت متعجباَ من الرسائل التي أتلقاها من الهند, جنوب أفريقيا, تل أبيب, سيدني, لندن, أركنساس ومن القراء الذين يعبرون عن حبهم لي., الكثير رغبوا في التبرع لأفغانستان, حتى أن البعض رغبوا أن يتنبوا يتيم أفغاني.

في تلك الرسائل رأيت كيف يكون للخيال الفريد قدرة في ربط الناس, ورأيت كم هي مشتركة التجارب والمشاعر الإنسانية:

العار، الشعور بالذنب، الندم، الحب، الصداقة، الغفران والتكفير.وكانت التجربة الأكثر سريالية لي هي عندما كنت أقوم بلقاء صحفي لعداء الطائرة الورقية, وكنت جالساَ بجانب شخص في الطائرة يقرأ كتابي.كنت أشعر بالحماس والغرابة في نفس الوقت. وأيضاَ أن أكون أنا من يقدم الإجابة  لسؤال قد يضعني على المحك, يزيد على ذلك الشعور.

ما هو سر شغف ليزا سي بالثقافة الصينية؟

CT  CT books-0827-lisa-see MJW

ليزا سي هي كاتبة أمريكية من جذور صينية أو كما تصف نفسها “نصف صينية”, نشأت في الحي الصيني في مدينة لوس أنجلوس والذي تم تأسيسه من قبل جدها الأكبر. حاولت التمسك بعاداتها الصينية والتعلم عن الثقافة هناك وانعكس ذلك على روايتها ك “فتاتان من شنغهاي” و “زهرة الثلج المروحة السرية” و “أحلام الفرح“.

هنا ترجمة للقاء مع ليزا سي تسرد فيه بعض ملاحظاتها العجيبة وهي تتحدث عن سر ولعها بالصين في كتاباتها المختلفة وأين تجد الإلهام.. حيث تقول:

لقد كتبت روايات في فترات زمنية مختلفة، ففي كتاب” فتاتان من شنغهاي” كانت هناك بضع أشياء ألهمتني للقيام بهذا العمل:

أولاَ: رغبت أن أكتب عن شنغهاي في عام 1937 ميلادية، عن آخر فترة ازدهار لشنغهاي قبل أن تتغير. فهي كانت بمثابة باريس آسيا وكان الناس يأتون من جميع أنحاء العالم لزيارتها. كانت مدينة ساحرة فاتنة من جميع النواحي رغم وجود الفقر المدقع.

فهذه هي الفترة التي أردت تغطيتها بالرواية. ومن ثم غزا اليابان الصين في أغسطس من عام 1937م مما أدى إلى اندلاع  الحرب الصينية اليابانية ومن ثم الحرب العالمية الثانية، وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الحرب الأهلية في الصين، وبعدها حكمها “ماو” الذي غير البلد الى حال أسوأ وحولها من باريس آسيا إلى  بلد قاتمة في سنوات قصيرة وكأنه يعاقب البلد بطريقة ما، وسرعان مافقدت البلاد بريقها لذلك أردت أن أكتب عن شنغهاي الفاتنة، لأنني أريد أن يتذكرها الناس بهذه الذكرى الجميلة وليس كما أصبحت بعد ذلك.

ثانياَ: أردت أن أكتب عن برنامج الاعتراف “ضمن أحداث الرواية” والذي أعتقد أن هنالك الكثير من يجهل حقيقة حدوثه.

أما فيما يتعلق بكتاب “زهرة الثلج والمروحة السرية” فأهم حقيقة ثقافية مصدمة هي: اللغة السرية-لغة النو شو– والتي كتبت عنها في هذه الرواية وكنت مهووسة ومفتونة بها. فهي لغة اخترعتها النساء قبل آلاف من السنين والتي استمرت حتى ستينات القرن الماضي، وذلك لممارسة بعض الحرية بعيداَ عن أزواجهن في نقل الرسائل وإخبار بعضهن البعض عن آخر الأخبار واليوميات في حياتهن وكتابة هذه اللغة السرية على المراوح وتداولها على هذا النهج .

ولم أجد من يكتب بهذه اللغة عند سفري إلى الصين إلا امرأة كانت بعمر السادسة والتسعين آنذاك، وكانت قدماها قد ربطتا أيضاَ. أخبرتني الكثير عن هذه اللغة المنحدرة وتوفيت بعد ذلك في عام 2004م، ولم أجد الكثير من القطع الأصلية المتبقية بهذه اللغة فالنساء كن يحرقن المراوح عند وفاتهن لأسباب غيبية، و أتلف الجنود اليابانيين الكثير منها وأيضاَ اختلفت الترجمات للقطع القليلة التي وجدتها وهذه بعض الصعوبات التي واجهتني في كتابة الكتاب. وعلى الرغم من أنها لغة سرية فمن البديهي أن يكون هدفها هو ممارسة بعض الحرية ولكن رغم ذلك كانت هنالك قيود على النساء فلا يجوز لهن الكتابة عن رفضهن للحاكم أو عن قضية ربط الأقدام والتي كانت معياراَ للجمال آنذاك .- يفرض على النساء أن يربطن أقدامهن عند سن السادسة أو السابعة ويجب أن تكون بطول لا يزيد عن 3 إنشات، فهذا الطول هو المقبول اجتماعياَ. – هذه حقيقة اجتماعية فرضت على الفتيات الصينيات لأجيال وأجيال. وهذا ما أردت أن أكتب عنه ايضاَ.. عن نظرة النساء لهذا الأمر ولماذا يعرضن حياتهن للخطر من أجل معيار جمال وضعه المجتمع؟

لكن عكست “جمهورية الصين الشعبية موقفها السابق في منع النساء من كتابة هذه اللغة وتعتبر الآن لغة “النو شو” عنصر مهم في كفاح الصين، وقامت الآن بفتح مدرسة لتعليم هذه اللغة في قرية “بو واي”. هذا بالإضافة لترك الكثير من النساء مثل هذه العادة في ربط الأقدام في العصر الحاضر ولم يعد إلزاماَ.

للاستزادة:

مقابلة مع ليزا سي – بالانجليزية

مقال بعنوان “عن الكتابة” بقلم ليزا سي في موقعها – بالانجليزية

غيدنز ومورفي بول عن المراحل المتعددة للتنشئة الاجتماعية

Former-LSE-head-Anthony-G-007

أنتوني غيدنز – عالم الاجتماع البريطاني المعاصر – يصف مراحل التنشئة الاجتماعية وتعقيداتها، وكيف أنها أبعد بكثير مما قد نتصوره.

كثيراً ما يتحدث علماء الاجتماع عن التنشئة الاجتماعية باعتبارها تمر في مرحلتين عريضتين، وتشمل عدداً من العوامل الفاعلة المؤثرة في التنشئة. وتشتمل هذه العوامل الفاعلة على الجماعات أو السياقات الاجتماعية التي تجري فيها عمليات التنشئة المهمة. وتجري التنشئة الاجتماعية الأولية في مرحلتي الرضاعة والطفولة، وتعتبر هذه هي الفترة التي يصل فيها التعليم الثقافي أقصى درجات الكثافة. إذ أن الأطفال يتعلمون فيها اللغة وأنماط السلوك الأساسية التي تشكل الأساس لمراحل التعليم والتعلم اللاحقة. وتكون العائلة هي الفاعل المؤثر الأبرز والأكثر أهمية في هذه الفترة. أما التنشئة الثانوية، فتحدث في فترة لاحقة من الطفولة وتستمر حتى سن البلوغ، وتدخل الساحة في هذه المرحلة عوامل فاعلة أخرى تتولى بعض الأدوار والمسؤوليات التي كانت تقوم بها العائلة، ومن جملة هذه العوامل المدارس، وجماعات الأقران، والمؤسسات، ووسائل الاتصال والإعلام إلى أن تنتهي بموقع العمل. وفي هذه السياقات كلها، تسهم التفاعلات الاجتماعية في تعليم الفرد منظومات القيم والمعايير والمعتقدات التي تشكل الأنماط والعناصر الأساسية في الثقافة.

ولكن هل هناك مراحل للتنشئة الاجتماعية قبل هاتين المرحلتين.. أي قبل الولادة؟ آني مورفي بول -كاتبة في العلوم البيولوجية والاجتماعية- تشرح في هذا المقطع بناء على دراسات كيف نتعلم الكثير مبكرا ونحن لازلنا أجنة.. حتى أنه يمكن توقع أطباقنا المفضلة وطريقة استهلاكنا الطعام سواء معتدلة أو شرهة.

كيف يتعلم الأطفال هوياتهم الجنوسية.. ذكوراً أو إناثاً؟ غيدنز وستوكس يشرحون ذلك

Former-LSE-head-Anthony-G-007

هناك عدة نظريات تشرح كيف يتعلم الأولاد والبنات الأدوار المتصلة بجنسهم في المجتمع، وهوياتهم ذكوراً وإناثاً، أنتوني غيدنز -عالم الاجتماع المعاصر- يعقب عليها:

إن نظريات التنشئة تتجاهل قدرة الأفراد على أن يرفضوا أو يعدلوا من التوقعات الاجتماعية المتصلة بأدوار الجنس. إن فواعل التنشئة كما يرى كونل لا تترك آثارها بصورة آلية على الشخص الذي يوشك على البلوغ. وجل ما تفعله هو دعوة الطفل إلى المشاركة في ممارسة اجتماعية بشروط محددة، وكثيراً ما ترتبط هذه الدعوى بمعنى الإرغام، مع ممارسة ضغوط قوية عليه للقبول مع غياب أي خيار بديل. غير أن الأطفال يرفضون الانصياع، أو بصورة أدق، قد يتحركون بحرية أكبر في ميدان الجنوسة، وقد يخلطون ويمزجون بين عناصر الجنوسة من كلا الاتجاهين. فقد تصر البنات في المدرسة على ممارسة الألعاب الرياضية التنافسية، كما أن الأولاد قد يرتدون ثياباً تعتبر “بنّاتية” في نظر البعض. من المهم أن نتذكر أن البشر ليسوا كائنات سلبية تتقبل البرمجة “البرمجة” الجنوسية بلا سؤال. إن الناس فاعلون نشطون يصنعون الأدوار لأنفسهم ويعدلونها. وبينما نميل إلى الشك في التبني الكامل لفرضيات الأدوار الجنسية، فإن كثيراً من الدراسات قد أظهرت أن كثيراً من الهويات الجنوسية هي، إلى حد ما، نتيجة للمؤثرات الاجتماعية.

لكن مع هذا قد لا يستطيع حتى الوالدين تعليم أطفالهم كيف تتصرف الفتاة أو الولد، لوجود مؤثرات أخرى في تعليم الأطفال هويتهم الجنوسية:

إن المؤثرات الاجتماعية على الهوية الجنوسية تتدفق في قنوات متشعبة. فحتى الآباء والأمهات الذين يحرصون على تربية أطفالهم من تمييز بين الجنسين، يصعب عليهم الوقوف في وجه عدد من أنماط التعلم الجنوسي. فقد أظهرت التي أجريت حول تفاعل الوالدين مع الأطفال على سبيل المثال أن هناك اختلافات مميزة بين أسلوبيّ التعامل مع كل من الأولاد والبنات حتى في الحالات التي يعتقد فيها الأبوان أنهما يعاملان الأولاد والبنات بصورة متماثلة. وتميل الدمى والكتب المصورة وبرامج التلفاز التي يتعرض لها الأطفال إلى التشديد على الاختلافات والصفات المميزة للذكور والإناث. ورغم التغيرات الطفيفة التي نلمسها في الآونة الأخيرة، فإن نسبة شخصية الذكور تزيد على شخصيات الإناث في ما يعرفه الأطفال عموماً من الكتب، والحكايات، وبرامج التلفاز والأفلام. وتقوم الشخصيات من الذكور عادة بأدوار أميل إلى النشاط والمغامرة، بينما يجري تصوير البنات باعتبارهن مخلوقات سلبية وساكنة مرتبطة بالبيت. وقد بينت الباحثات النسويات كيف تتمثل في المنتجات الثقافية والإعلامية التي تستهدف جيل الأطفال مواقف تقليدية تجاه الجنوسة وتجاه الأهداف والطموحات التي ينبغي على البنات والأولاد أن يسعوا إليها.

من الواضح أن التنشئة الاجتماعية الجنوسية من القوة بحيث لا يجرؤ جميع الناس على معارضتها. فحيثما تتحدد هوية الفرد الجنوسية، سواء أكان ذكراً أم أنثى، يتوقع المجتمع من هذا الفرد التصرف كما تتصرف النساء أو كما يتصرف الرجال. وهذه التوقعات إنما تتحقق ويعاد إنتاجها في ممارساتنا المعيشية اليومية.

 وهنا من تيد، كولين ستوكس يتحدث من تجربته بوصفه أباً لفتاة وولد عن كيف يتعلم الأولاد مفهوم الرجولة من أفلام الأطفال. 

هنري تاجفيل وقدرة الإنسان على تبرير أبشع جرائمه

tajfel-portrait

كيف يمكن للإنسان أن يبرر جرائمه بسهولة؟ سؤال ممتع ومفارقة مثيرة يعرضها هنري تاجفيل – برفسور علم النفس الاجتماعي-.

إذا اعترفت أنني في الاسبوع الماضي قتلت شخصين من أجل مصلحتي الخاصة أو مصلحة أسرتي، فلن يختلف اثنان في أي من المجتمعات التي نعرفها على انني مجرم. أما إذا اعترفت بأنني في الأسبوع الماضي قتلت أو تسببت في قتل ألفين من البشر لصالح جماعتي الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو العنصرية أو القبلية أو الوطنية ، فأقل ما يمكن قوله أنه في إطار بعض المجتمعات سيكون هناك خلاف على مدى أخلاقية سلوكي، أما في باقي المجتمعات فقد لا يكون اللوم على هذا السلوك مطروحاً أصلاً.