أرشيف الوسم: المجتمع

الحياة الشخصية في أعين المنفلوطي

المنفلوطي
مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) أديب مصري نابغ في الإنشاء والأدب، انفرد بأسلوب نقي في مقالاته ، له شعر جيد فيه رقة، قام بالكثير من الترجمة والاقتباس من بعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ، وصياغة عربية في غاية الروعة. ويحكى بأنه لم يحظ بإجادة اللغة الفرنسية لذلك أستعان بأصحابه الذين كانوا يترجمون له الروايات ومن ثم يقوم هو بصيغتها وصقلها في قالب أدبي . يتكلم في كتابه (النظرات) عن الحياة الشخصية للفرد والحياة الاجتماعية فيقول عنها:
أكثر الناس يعيشون في نفوس الناس أكثر مما يعيشون في نفوس أنفسهم، أي أنهم لا يتحركون ولا يسكنون، ولا يأخذون ولا يدَعون إلا لأن الناس هكذا يريدون.
حياة الإنسان في هذا العالم حياة ضمنيَّة مدَّاخلة في حياة الآخرين، فلو فتَّش عنها لا يجد لها أثرًا إلا في عيون الناظرين، وآذان السامعين، وأفواه المتكلمين.
يخيَّل إليَّ أن الإنسان لو علم أنه سيصبح في يوم من أيام حياته وحيدًا في هذا العالم لا يجد بجانيه أذنًا تسمع صوته، ولا عينًا تنظر شكله، ولا لسانًا يردد ذكره، لآثر الموت على الحياة علَّه يجد في عالمِ غير هذا العالم -من آذان الملائكة أو عيون الجنة- مقاعد يقتعدها فيطيب له العيش فيها.
إذا كانت حياة كل إنسان متلاشية في حياة الآخرين، فأي مانع يمنعني من القول بأن تلك الحياة التي نحسبها متكثرة متعددة، إنما هي حياة واحدة يتفق جوهرها، وتتعدد صورها، كالبحر المائج نراه على البُعد فنحسبه طرائق قددًا، ونحسب كل موجة من أمواجه قسمًا من أقسامه، فإذا دنونا منه لا نرى غيره، ولا نجد لجزءٍ من أجزائه حيِّزًا مستقلًا، ولا وصفًا ثابتًا.
يحكي بعد ذلك عن علاقة رضى الناس بآراءهم عمن يخالفونهم أساليب الحياة فيقول:
لا يحيا في هذا العالم حياةً حقيقيةً، إلا ذلك الشاذ الغريب في شؤونه وأطواره وآرائه وأعماله، الذي كثيرًا ما نسمّيه مجنونًا، فإن رضينا عنه بعض الرضى سميناه فيلسوفًا، ونريد بذلك أنه نصف مجنون، فهو الذي يتولى شأن الإنسان، وتغيير نظاماته وقوانينه، وينتقل به من حال إلى حال بما يغير من عاداته ويحوّل من أفكاره.
أي قيمة لحياة امرئ، لا عملَ له فيها إلا معالجة نفسه على الرضى بما يرضي الناس، فيأكل ما لا يشتهي، ويصدف نفسه عما تشتهي، ويسهر حيث لا يستعذب طعم السهر، وينام حيث لا يطيب له المنام، ويلبس من اللباس ما يحرج صدره، ويقصم ظهره، ويشرب من الشراب ما يحرق أمعاءه، ويأكل أحشاءه، ويضحك لما يبكي ويبكي لما يضحك، ويبتسم لعدوه، ويقطّب في وجه صديقه، وينفق في دراسة ما يسمونه علم السلوك -أي علم المداهنة والمَلَق- زمنًا لو أنفق عُشره معشاره في دراسة علمٍ من العلوم النابغة لكانت نباغته المبرز فيه حرصًا على رضاء الناس، وازدلافًا إلى قلوبهم.
وعن علاقة الشهوات والرغبات بالمجتمع، يقول:
ليست شهوة الخمر من الشهوات الطبيعية المركّبة في غرائز الناس فلو لم يتذوقوها لما طلبوها ولا كلفوا بها، وما جناها عليهم إلا كلَفُ تاركيها برضاء شاربيها، وما كان الترف خلقًا من الأخلاق الفطرية في الإنسان ولكنه كلَفُ المتقشّفون برضاء المترفين فتترفوا، فحملوا في ذلك السبيل في شقاء العيش وبلائه وأثقال الحياة وأعبائها، وما نغّصَ عليهم عيشهم وأفسد عليهم حياتهم، وإنك لترى الرجل العاقل الذي يعرف ما يجب ويعلم ما يأخذ وما يدع، يبيع منزله في نفقة عرس ولده أو ابنته، فلا تجد لفعله تأويلًا إلا خوفَه من سخط الناس واتقاء مذمتهم، وكثيرًا ما قتل الخوف من سخط الناس والكلَف برضاء ذكاء الأذكياء، وأطفأ عقول العقلاء، وكم رأينا من ذكي يظل طول حياته خاملًا متلففًا لا يجرؤ على إظهار أثر من آثار فطنته وذكائه مخافة هزء الناس وسخريتهم، وعاقل لا يمنعه من الإقدام على إصلاح شأن أمته وتقويمها إلا سخط الساخطين ونقمة الناقمين.
يقول بعد ذلك عن علاقة الفضيلة برأي المجتمع:
نعم قد يكون الوَلَع برضاء الناس والخوف من سخطهم مذهبًا من مذاهب الخير وطريقًا من الهداية للضال عنها لو أن الفضيلة هي الخُلق المنتشر فيهم، والغالب على أمرهم، ولو كان الأمر كذلك لآثرت أن يعرض المرء نفسه على الفضيلة ذاتها من حيث هي، لا من حيث تشخيصها في أذهان الناس وقولهم، فإذا استوثق منها وعلم أنها قد خالطت قلبه وأخذت مستقرها من نفسه جعلها ميزانًا يزن به أقواله وأفعاله كما يزن به أقوال الناس وأفعالهم، ثم لا يبالي بعد ذلك أَرضَوا عنه أم سخطوا عليه، أحبوه أم أبغضوه.

أدب الحياة عند توفيق الحكيم

توفيق الحكيم

توفيق الحكيم (1898-1987) كاتب وأديب مصري من رواد الرواية والمسرح الذهني, لطالما تحدث في مقالاته عن الأدب العربي وكيف يمكن أن يتقدم ويفيد ويمتع الشعب .. وفي كتاب (أدب الحياة) تم جمع جميع مقالاته عن الأدب ومنها مقاله أدب الحياة ويقول فيها:

الاتجاه الغالب المميز للأدب الجديد هو ولا شك  أدب الحياة, وأود قبل كل شيء أن أسميه “أدب الحياة” لأن عبارة:” الأدب في سبيل الحياة” قد أثارت لبساَ وغموضاَ في الأذهان, وجعلت الكثيرين يقولون إن كل أدب حتى المأخوذ من بطون الكتب القديمة في السير والحكم والبلاغة إنما هو في سبيل الحياة وتجميلها وتهذيبها. وهذا صحيح.

ولكن ليس هذا ما يقصده الأدب الجديد ولا شك- فشباب الأدب الجديد يريدون من “أدب الحياة” أن يكون شيئاَ آخر غير “أدب الكتب”. وإذا كنت قد فهمت غرضهم جيداَ فهم يريدون أن يقوم الأدب على التجربة الحية لإنسان أو عصر أو شعب, وأن تكون هذه التجربة صادقة- ومن هنا جاء اهتمامهم بالواقعية- فلا تزييف ولا تهويل حتى لا تفسد الصورة وتحجب الحقائق.

تلك الحقائق التي هي وسيلة العصر الحديث لفهم نفسه, ووعي مشكلاته وإدراك مدى قدرته على حلها, والكفاح من أجل التطور بمصيره, وبذلك يخرج الأدب من وظيفة الحلية البديعة الساكنة فوق الصدور, إلى وظيفة النور البراق المتحرك الذي يفتح الأبصار, ويثير ما في داخل النفس البشرية, ويبرز ما في الأذهان من أفكار معاصرة.

إن “أدب الحياة” في بلادنا لن يكون عميقاَ إلا إذا كان الأديب نفسه عميقاَ في اطلاعه وفكره وفنه, كما كان “تولستوي” أو “جوركي” أو “برناردشو

أدب الحياة أصعب من أدب الكتب, لأنه أكثر اتساعاَ وغوراَ, لأنه يشمل الكتب والحياة معاَ!

بل إن أهمال التكوين الثقافي, وعدم الإحاطة بالمعرفة من منابعها الأولى إلى آخر ما وصلت إليه, كل هذا قد أدى إلى شيء كثير من التخبط والخلط وسوء التطبيق لهذا الأدب الجديد “أدب الحياة”, مما نتج عنه قيام صيحات الاستخفاف أو الارتياب أو التجريح ضد هذا الاتجاه والداعين إليه, حتى كادت تضيع قضيتهم. إذا أرادوا إذن انتصار فعليهم أن يتجنبوا الخفة والتسرع, وأن يتمسكوا بالصبر والجلد, وأن يشيدوا على العمل والجهد والاطلاع على ما كان ويكون, ليبرزوا لنا “الحياة” في عمقها واتساعها وشمولها للفكر والمعرفة والتجربة, لأن تلك هي الحياة: تجربة وفكر ومعرفة! .

ضرورة سيادة القانون في أعين برتراند راسل

Bertrand Russell

الفيلسوف البريطاني وعالم الرياضيات والمؤرخ والناقد الاجتماعي برتراند راسل (1972-1970) واحد من المفكرين الأكثر تنوعاً وتأثيراً في العصر الحديث. يتحدث برتراند راسل في كتابه (أثر العلم في المجتمع) عن أثر عدم توسيع سيادة القانون مما ينتج فوضى طبقية:

كنت أعيش على قمة تل تحيط به الأشجار ٫ حيث أستطيع بسهولة جداً تجميع حاجتي من الخشب للمدفأة ٫ ولكن الاستحصال على الوقود بهذه الطريقة يكلف جهدا انسانيا أكبر من ذلك المطلوب لجلبه عبر انجلترا بصورة فحم حجري ٫ وذلك لأن الفحم يستخرج وينقل بطرق أكثر علمية ٫ في حين أستخدم أنا وسائل بدائية لجمع الخشب.

لم ينتج الفرد في العهود السابقة أكثر بكثير من حاجته ٫ لذا فإن نسبة ضئيلة من المجتمع وهي الطبقة الأرستقراطية عاشت في رخاء كبير وعاشت الطبقة الوسطى المحدودة العدد في راحة لا بأس بها ٫ أما غالبية الشعب فلم تمتلك أكثر من المطلوب لبقائها على قيد الحياة ٫ و الصحيح أننا لا نستغل فائض الجهد بطريقة عقلانية دوما فنحن نستطيع أن نكرس جزءاً أكبر منه للحرب مقارنة بما كرسه أجدادنا . لكن سبب غالبية المشاكل الكبرى في زمننا هذا هو فشلنا في توسيع سيادة القانون لتشمل فض النزاعات التي تصبح ذاتها أكثر ضرراً مما كانت عليه في القرون الماضية .

إن بقاء هذه الفوضى التي كان بالإمكان تحملها سابقاً يجب أن يعالج إذا ما أردنا لحضارتنا البقاء . و حيث تكون الحرية ضارة يجب أن نلجأ إلى القانون .

خالد حسيني في نشر رواية عداء الطائرة الورقية

1352281513610.cached

خالد حسيني كاتب وطبيب أفغاني أمريكي, كتاباته لديها القدرة على هز عاطفة من يقرأها وشخصيات رواياته لا تنسى, عُين كسفير للنوايا الحسنة المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين, عمل على ثلاث روايات لإثبات وجه جديد ونظرة مختلفة لإفغانستان. كتب عداء أو سباق الطائرة الورقية, ألف شمس مشرقة وأخيراَ ورددت الجبال الصدى. وهنا يحكي قصة نشره لأول كتاب وما هو السر وراء إلهامه للبدء ككاتب كما ذكرها في هذه المقابلة التي أجريت معه عن رواية “عداء الطائرة الورقية”.

يوماَ ما في بداية عام 1999م, بينما كنت أتنقل بين القنوات الفضائية استوقفني خبراَ عن أفغانستان. كان خبراَ عن طالبان ومافرضوا من قيود ومحضورات على الشعب الأفغانستاني, وخصوصاَ النساء منهم. ومن بين الأمور التي قد حضرتها حركة طالبان كانت رياضة القتال بالطائرات الورقية, تلك الرياضة التي نشأت وكبرت على لعبها مع أخي وأقاربي في كابول وقد ضرب ذلك على وتر حساس خاصاَ بي فأطفأت جهاز التلفاز وسرعان ما وجدت نفسي جالساَ على الكمبيوتر أكتب قصة قصيرة. ظننت أنني سوف أكتب قصة بسيطة تتوق للوطن وللذكريات عن غلامين وحبهم لرياضة القتال بالطائرات الورقية.

لكن القصص لها إرادتها الخاصة بها, وقصتي أصبحت حكاية سوداوية عن الخيانة, الخسارة, الندم, الآباء والأبناء, فقدان الوطن.. الخ

القصة القصيرة كانت حوالي 25 صفحة, ظلت على حالها لبضع سنوات. كنت مولعاَ بها لكن أعتقدت أنها مليئة بالعيوب. ومع ذلك, كان بها روحاَ لا يمكن انكارها.

كنت متردداَ بشأن نشرها عن طريق إرسالها إلى حيث كنت أعرف –بدون أي شك- أنها ستُرفض من قبلهم

—The New Yorker, Esquire, The Atlantic Monthly—

وقد تم رفضها فعلاَ.

بعد عامين من ذلك, في آذار من عام 2001 وجَدَتْ زوجتي القصة في المرأب. أعدت قرائتها ومع ذلك وجدت نفس العيوب السابقة. ولأول مرة, أيقنت مدى حاجة القصة لعمل أطول, فالبنية القصيرة من القصة لا تعطيها حقها بما فيه الكفاية وتضعف من جوانبها. وبدأت بتوسيعها والعمل عليها ككتاب في آذار من تلك السنة.

وبعد ستة أشهر, عندما كنت أنهي ما يقارب الثلثين من كتابة الكتاب, سقط مركز التجارة العالمي” البرجين التوأمين”.

زوجتي اقترحت علي في ذلك الوقت- في الواقع- أصرت أن أقدم المخطوطة للناشرين, كنت معارضاً لذلك. لسبب واحد, لم أكن متأكداَ أن في ذلك خيراَ لنا والأهم من ذلك, وإن كان خطأَ, اعتقدت أن لا أحد في الولايات المتحدة يريد أن يسمع من أفغاني, يجب أن تفهم أن ذلك كان في الأيام والأسابيع القليلة التي تلت الهجمات إذ مازالت الجروح ملتهبة والمشاعر هائجة.

“الأفغان هم المنبوذين الآن”, قلت لزوجتي بلدتنا كانت موطناَ للأرهابيين الذين هاجموا نيويورك.

بالإضافة إلى ذلك, كنت قلقاَ من أن يظهر هدف قصتي بشكل انتهازي,وكأني أحاول أن أستفيد من هذه الفاجعة.

عارضتني زوجتي في هذا, كمحامية فقد جادلتني بقضيتها بطريقة مقنعة. فهي تعتقد أن الوقت قد حان لنخبر العالم قصة عن أفغانستان, فأغلب ما كتب عن أفغانستان في تلك الأيام ومع الأسف حتى الآن, يدور حول حركة طالبان, بن لادن والحرب ضد الإرهاب. فهنالك الكثير من المفاهيم الخاطئة والأفكار السابقة  حول أفغانستان, فزوجتي ظنت أن كتابي سيظهر للعالم فكرة ونظرة أخرى عن أفغانستان, نظرة إنسانية أكثر. وبحلول كانون الأول من تلك السنة, اقتنعت برأيها فعدت لكتابة هذه القصة.

عندما انتهيت من كتابة الرواية, أرسلتها لمجموعة كبيرة من وكلاء النشر وبدأت بتجميع مذكرات الرفض من قبلهم, استلمت ما يقارب أكثر من 30 مذكرة قبل أن تتصل بي إلين كوستر –والتي بكل حزن, قد توفيت- لتخبرني إنها موافقة لتكون وكيلة أعمالي. وحتى بعد ما وجدت إلين وحتى بعد نشر الرواية وتلقي العديد من التعليقات الجيدة حول العمل, كان مازال لدي شكوك جدية حول ما إذا كان هنالك من يريد أن يقرأ الكتاب. فقد كانت قصة سوداوية, كئيبة في بعض الأحيان. حدثت في بلد أجنبية وأغلب الأخيار ماتوا. فلك أن تتخيل دهشتي من القبول الذي تلقته الرواية”عداء الطائرة الورقية” منذ تاريخ نشرها في عام 2003م. ومازلت متعجباَ من الرسائل التي أتلقاها من الهند, جنوب أفريقيا, تل أبيب, سيدني, لندن, أركنساس ومن القراء الذين يعبرون عن حبهم لي., الكثير رغبوا في التبرع لأفغانستان, حتى أن البعض رغبوا أن يتنبوا يتيم أفغاني.

في تلك الرسائل رأيت كيف يكون للخيال الفريد قدرة في ربط الناس, ورأيت كم هي مشتركة التجارب والمشاعر الإنسانية:

العار، الشعور بالذنب، الندم، الحب، الصداقة، الغفران والتكفير.وكانت التجربة الأكثر سريالية لي هي عندما كنت أقوم بلقاء صحفي لعداء الطائرة الورقية, وكنت جالساَ بجانب شخص في الطائرة يقرأ كتابي.كنت أشعر بالحماس والغرابة في نفس الوقت. وأيضاَ أن أكون أنا من يقدم الإجابة  لسؤال قد يضعني على المحك, يزيد على ذلك الشعور.

ما هو سر شغف ليزا سي بالثقافة الصينية؟

CT  CT books-0827-lisa-see MJW

ليزا سي هي كاتبة أمريكية من جذور صينية أو كما تصف نفسها “نصف صينية”, نشأت في الحي الصيني في مدينة لوس أنجلوس والذي تم تأسيسه من قبل جدها الأكبر. حاولت التمسك بعاداتها الصينية والتعلم عن الثقافة هناك وانعكس ذلك على روايتها ك “فتاتان من شنغهاي” و “زهرة الثلج المروحة السرية” و “أحلام الفرح“.

هنا ترجمة للقاء مع ليزا سي تسرد فيه بعض ملاحظاتها العجيبة وهي تتحدث عن سر ولعها بالصين في كتاباتها المختلفة وأين تجد الإلهام.. حيث تقول:

لقد كتبت روايات في فترات زمنية مختلفة، ففي كتاب” فتاتان من شنقهاي” كانت هناك بضع أشياء ألهمتني للقيام بهذا العمل:

أولاَ: رغبت أن أكتب عن شنقهاي في عام 1937 ميلادية، عن آخر فترة ازدهار لشنقهاي قبل أن تتغير. فهي كانت بمثابة باريس آسيا وكان الناس يأتون من جميع أنحاء العالم لزيارتها. كانت مدينة ساحرة فاتنة من جميع النواحي رغم وجود الفقر المدقع.

فهذه هي الفترة التي أردت تغطيتها بالرواية. ومن ثم غزا اليابان الصين في أغسطس من عام 1937م مما أدى إلى إندلاع  الحرب الصينية اليابانية ومن ثم الحرب العالمية الثانية، وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الحرب الأهلية في الصين، وبعدها حكمها “ماو” الذي غير البلد الى حال أسوأ وحولها من باريس آسيا إلى  بلد قاتمة في سنوات قصيرة وكأنه يعاقب البلد بطريقة ما، وسرعان مافقدت البلاد بريقها لذلك أردت أن أكتب عن شنقهاي الفاتنة، لأنني أريد أن يتذكرها الناس بهذه الذكرى الجميلة وليس كما أصبحت بعد ذلك.

ثانياَ: أردت أن أكتب عن برنامج الإعتراف “ضمن أحداث الرواية” والذي أعتقد أن هنالك الكثير من يجهل حقيقة حدوثه.

أما فيما يتعلق بكتاب “زهرة الثلج والمروحة السرية” فأهم حقيقة ثقافية مصدمة هي: اللغة السرية-لغة النو شو- والتي كتبت عنها في هذه الرواية وكنت مهووسة ومفتونة بها. فهي لغة اخترعتها النساء قبل آلاف من السنين والتي استمرت حتى ستينات القرن الماضي، وذلك لممارسة بعض الحرية بعيداَ عن أزواجهن في نقل الرسائل وإخبار بعضهن البعض عن آخر الأخبار واليوميات في حياتهن وكتابة هذه اللغة السرية على المراوح وتداولها على هذا النهج .

ولم أجد من يكتب بهذه اللغة عند سفري إلى الصين إلا امرأة كانت بعمر السادسة والتسعين آنذاك، وكانت قدماها قد ربطتا أيضاَ. أخبرتني الكثير عن هذه اللغة المنحدرة وتوفيت بعد ذلك في عام 2004م، ولم أجد الكثير من القطع الأصلية المتبقية بهذه اللغة فالنساء كن يحرقن المراوح عند وفاتهن لأسباب غيبية، و أتلف الجنود اليابانيين الكثير منها وأيضاَ اختلفت الترجمات للقطع القليلة التي وجدتها وهذه بعض الصعوبات التي واجهتني في كتابة الكتاب. وعلى الرغم من أنها لغة سرية فمن البديهي أن يكون هدفها هو ممارسة بعض الحرية ولكن رغم ذلك كانت هنالك قيود على النساء فلا يجوز لهن الكتابة عن رفضهن للحاكم أو عن قضية ربط الأقدام والتي كانت معياراَ للجمال آنذاك .- يفرض على النساء أن يربطن أقدامهن عند سن السادسة أو السابعة ويجب أن تكون بطول لا يزيد عن 3 إنشات، فهذا الطول هو المقبول اجتماعياَ. – هذه حقيقة اجتماعية فرضت على الفتيات الصينيات لأجيال وأجيال. وهذا ما أردت أن أكتب عنه ايضاَ.. عن نظرة النساء لهذا الأمر ولماذا يعرضن حياتهن للخطر من أجل معيار جمال وضعه المجتمع؟

لكن عكست “جمهورية الصين الشعبية موقفها السابق في منع النساء من كتابة هذه اللغة وتعتبر الآن لغة “النو شو” عنصر مهم في كفاح الصين، وقامت الآن بفتح مدرسة لتعليم هذه اللغة في قرية “بو واي”. هذا بالإضافة لترك الكثير من النساء مثل هذه العادة في ربط الأقدام في العصر الحاضر ولم يعد إلزاماَ.

للاستزادة:

مقابلة مع ليزا سي – بالانجليزية

مقال بعنوان “عن الكتابة” بقلم ليزا سي في موقعها – بالانجليزية