أرشيف الوسم: المجتمع

ما هو سر شغف ليزا سي بالثقافة الصينية؟

CT  CT books-0827-lisa-see MJW

ليزا سي هي كاتبة أمريكية من جذور صينية أو كما تصف نفسها “نصف صينية”, نشأت في الحي الصيني في مدينة لوس أنجلوس والذي تم تأسيسه من قبل جدها الأكبر. حاولت التمسك بعاداتها الصينية والتعلم عن الثقافة هناك وانعكس ذلك على روايتها ك “فتاتان من شنغهاي” و “زهرة الثلج المروحة السرية” و “أحلام الفرح“.

هنا ترجمة للقاء مع ليزا سي تسرد فيه بعض ملاحظاتها العجيبة وهي تتحدث عن سر ولعها بالصين في كتاباتها المختلفة وأين تجد الإلهام.. حيث تقول:

لقد كتبت روايات في فترات زمنية مختلفة، ففي كتاب” فتاتان من شنقهاي” كانت هناك بضع أشياء ألهمتني للقيام بهذا العمل:

أولاَ: رغبت أن أكتب عن شنقهاي في عام 1937 ميلادية، عن آخر فترة ازدهار لشنقهاي قبل أن تتغير. فهي كانت بمثابة باريس آسيا وكان الناس يأتون من جميع أنحاء العالم لزيارتها. كانت مدينة ساحرة فاتنة من جميع النواحي رغم وجود الفقر المدقع.

فهذه هي الفترة التي أردت تغطيتها بالرواية. ومن ثم غزا اليابان الصين في أغسطس من عام 1937م مما أدى إلى إندلاع  الحرب الصينية اليابانية ومن ثم الحرب العالمية الثانية، وما إن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى بدأت الحرب الأهلية في الصين، وبعدها حكمها “ماو” الذي غير البلد الى حال أسوأ وحولها من باريس آسيا إلى  بلد قاتمة في سنوات قصيرة وكأنه يعاقب البلد بطريقة ما، وسرعان مافقدت البلاد بريقها لذلك أردت أن أكتب عن شنقهاي الفاتنة، لأنني أريد أن يتذكرها الناس بهذه الذكرى الجميلة وليس كما أصبحت بعد ذلك.

ثانياَ: أردت أن أكتب عن برنامج الإعتراف “ضمن أحداث الرواية” والذي أعتقد أن هنالك الكثير من يجهل حقيقة حدوثه.

أما فيما يتعلق بكتاب “زهرة الثلج والمروحة السرية” فأهم حقيقة ثقافية مصدمة هي: اللغة السرية-لغة النو شو- والتي كتبت عنها في هذه الرواية وكنت مهووسة ومفتونة بها. فهي لغة اخترعتها النساء قبل آلاف من السنين والتي استمرت حتى ستينات القرن الماضي، وذلك لممارسة بعض الحرية بعيداَ عن أزواجهن في نقل الرسائل وإخبار بعضهن البعض عن آخر الأخبار واليوميات في حياتهن وكتابة هذه اللغة السرية على المراوح وتداولها على هذا النهج .

ولم أجد من يكتب بهذه اللغة عند سفري إلى الصين إلا امرأة كانت بعمر السادسة والتسعين آنذاك، وكانت قدماها قد ربطتا أيضاَ. أخبرتني الكثير عن هذه اللغة المنحدرة وتوفيت بعد ذلك في عام 2004م، ولم أجد الكثير من القطع الأصلية المتبقية بهذه اللغة فالنساء كن يحرقن المراوح عند وفاتهن لأسباب غيبية، و أتلف الجنود اليابانيين الكثير منها وأيضاَ اختلفت الترجمات للقطع القليلة التي وجدتها وهذه بعض الصعوبات التي واجهتني في كتابة الكتاب. وعلى الرغم من أنها لغة سرية فمن البديهي أن يكون هدفها هو ممارسة بعض الحرية ولكن رغم ذلك كانت هنالك قيود على النساء فلا يجوز لهن الكتابة عن رفضهن للحاكم أو عن قضية ربط الأقدام والتي كانت معياراَ للجمال آنذاك .- يفرض على النساء أن يربطن أقدامهن عند سن السادسة أو السابعة ويجب أن تكون بطول لا يزيد عن 3 إنشات، فهذا الطول هو المقبول اجتماعياَ. – هذه حقيقة اجتماعية فرضت على الفتيات الصينيات لأجيال وأجيال. وهذا ما أردت أن أكتب عنه ايضاَ.. عن نظرة النساء لهذا الأمر ولماذا يعرضن حياتهن للخطر من أجل معيار جمال وضعه المجتمع؟

لكن عكست “جمهورية الصين الشعبية موقفها السابق في منع النساء من كتابة هذه اللغة وتعتبر الآن لغة “النو شو” عنصر مهم في كفاح الصين، وقامت الآن بفتح مدرسة لتعليم هذه اللغة في قرية “بو واي”. هذا بالإضافة لترك الكثير من النساء مثل هذه العادة في ربط الأقدام في العصر الحاضر ولم يعد إلزاماَ.

للاستزادة:

مقابلة مع ليزا سي – بالانجليزية

مقال بعنوان “عن الكتابة” بقلم ليزا سي في موقعها – بالانجليزية

غيدنز ومورفي بول عن المراحل المتعددة للتنشئة الاجتماعية

Former-LSE-head-Anthony-G-007

أنتوني غيدنز – عالم الاجتماع البريطاني المعاصر – يصف مراحل التنشئة الاجتماعية وتعقيداتها، وكيف أنها أبعد بكثير مما قد نتصوره.

كثيراً ما يتحدث علماء الاجتماع عن التنشئة الاجتماعية باعتبارها تمر في مرحلتين عريضتين، وتشمل عدداً من العوامل الفاعلة المؤثرة في التنشئة. وتشتمل هذه العوامل الفاعلة على الجماعات أو السياقات الاجتماعية التي تجري فيها عمليات التنشئة المهمة. وتجري التنشئة الاجتماعية الأولية في مرحلتي الرضاعة والطفولة، وتعتبر هذه هي الفترة التي يصل فيها التعليم الثقافي أقصى درجات الكثافة. إذ أن الأطفال يتعلمون فيها اللغة وأنماط السلوك الأساسية التي تشكل الأساس لمراحل التعليم والتعلم اللاحقة. وتكون العائلة هي الفاعل المؤثر الأبرز والأكثر أهمية في هذه الفترة. أما التنشئة الثانوية، فتحدث في فترة لاحقة من الطفولة وتستمر حتى سن البلوغ، وتدخل الساحة في هذه المرحلة عوامل فاعلة أخرى تتولى بعض الأدوار والمسؤوليات التي كانت تقوم بها العائلة، ومن جملة هذه العوامل المدارس، وجماعات الأقران، والمؤسسات، ووسائل الاتصال والإعلام إلى أن تنتهي بموقع العمل. وفي هذه السياقات كلها، تسهم التفاعلات الاجتماعية في تعليم الفرد منظومات القيم والمعايير والمعتقدات التي تشكل الأنماط والعناصر الأساسية في الثقافة.

ولكن هل هناك مراحل للتنشئة الاجتماعية قبل هاتين المرحلتين.. أي قبل الولادة؟ آني مورفي بول -كاتبة في العلوم البيولوجية والاجتماعية- تشرح في هذا المقطع بناء على دراسات كيف نتعلم الكثير مبكرا ونحن لازلنا أجنة.. حتى أنه يمكن توقع أطباقنا المفضلة وطريقة استهلاكنا الطعام سواء معتدلة أو شرهة.

كيف يتعلم الأطفال هوياتهم الجنوسية.. ذكوراً أو إناثاً؟ غيدنز وستوكس يشرحون ذلك

Former-LSE-head-Anthony-G-007

هناك عدة نظريات تشرح كيف يتعلم الأولاد والبنات الأدوار المتصلة بجنسهم في المجتمع، وهوياتهم ذكوراً وإناثاً، أنتوني غيدنز -عالم الاجتماع المعاصر- يعقب عليها:

إن نظريات التنشئة تتجاهل قدرة الأفراد على أن يرفضوا أو يعدلوا من التوقعات الاجتماعية المتصلة بأدوار الجنس. إن فواعل التنشئة كما يرى كونل لا تترك آثارها بصورة آلية على الشخص الذي يوشك على البلوغ. وجل ما تفعله هو دعوة الطفل إلى المشاركة في ممارسة اجتماعية بشروط محددة، وكثيراً ما ترتبط هذه الدعوى بمعنى الإرغام، مع ممارسة ضغوط قوية عليه للقبول مع غياب أي خيار بديل. غير أن الأطفال يرفضون الانصياع، أو بصورة أدق، قد يتحركون بحرية أكبر في ميدان الجنوسة، وقد يخلطون ويمزجون بين عناصر الجنوسة من كلا الاتجاهين. فقد تصر البنات في المدرسة على ممارسة الألعاب الرياضية التنافسية، كما أن الأولاد قد يرتدون ثياباً تعتبر “بنّاتية” في نظر البعض. من المهم أن نتذكر أن البشر ليسوا كائنات سلبية تتقبل البرمجة “البرمجة” الجنوسية بلا سؤال. إن الناس فاعلون نشطون يصنعون الأدوار لأنفسهم ويعدلونها. وبينما نميل إلى الشك في التبني الكامل لفرضيات الأدوار الجنسية، فإن كثيراً من الدراسات قد أظهرت أن كثيراً من الهويات الجنوسية هي، إلى حد ما، نتيجة للمؤثرات الاجتماعية.

لكن مع هذا قد لا يستطيع حتى الوالدين تعليم أطفالهم كيف تتصرف الفتاة أو الولد، لوجود مؤثرات أخرى في تعليم الأطفال هويتهم الجنوسية:

إن المؤثرات الاجتماعية على الهوية الجنوسية تتدفق في قنوات متشعبة. فحتى الآباء والأمهات الذين يحرصون على تربية أطفالهم من تمييز بين الجنسين، يصعب عليهم الوقوف في وجه عدد من أنماط التعلم الجنوسي. فقد أظهرت التي أجريت حول تفاعل الوالدين مع الأطفال على سبيل المثال أن هناك اختلافات مميزة بين أسلوبيّ التعامل مع كل من الأولاد والبنات حتى في الحالات التي يعتقد فيها الأبوان أنهما يعاملان الأولاد والبنات بصورة متماثلة. وتميل الدمى والكتب المصورة وبرامج التلفاز التي يتعرض لها الأطفال إلى التشديد على الاختلافات والصفات المميزة للذكور والإناث. ورغم التغيرات الطفيفة التي نلمسها في الآونة الأخيرة، فإن نسبة شخصية الذكور تزيد على شخصيات الإناث في ما يعرفه الأطفال عموماً من الكتب، والحكايات، وبرامج التلفاز والأفلام. وتقوم الشخصيات من الذكور عادة بأدوار أميل إلى النشاط والمغامرة، بينما يجري تصوير البنات باعتبارهن مخلوقات سلبية وساكنة مرتبطة بالبيت. وقد بينت الباحثات النسويات كيف تتمثل في المنتجات الثقافية والإعلامية التي تستهدف جيل الأطفال مواقف تقليدية تجاه الجنوسة وتجاه الأهداف والطموحات التي ينبغي على البنات والأولاد أن يسعوا إليها.

من الواضح أن التنشئة الاجتماعية الجنوسية من القوة بحيث لا يجرؤ جميع الناس على معارضتها. فحيثما تتحدد هوية الفرد الجنوسية، سواء أكان ذكراً أم أنثى، يتوقع المجتمع من هذا الفرد التصرف كما تتصرف النساء أو كما يتصرف الرجال. وهذه التوقعات إنما تتحقق ويعاد إنتاجها في ممارساتنا المعيشية اليومية.

 وهنا من تيد، كولين ستوكس يتحدث من تجربته بوصفه أباً لفتاة وولد عن كيف يتعلم الأولاد مفهوم الرجولة من أفلام الأطفال. 

هنري تاجفيل وقدرة الإنسان على تبرير أبشع جرائمه

tajfel-portrait

كيف يمكن للإنسان أن يبرر جرائمه بسهولة؟ سؤال ممتع ومفارقة مثيرة يعرضها هنري تاجفيل – برفسور علم النفس الاجتماعي-.

إذا اعترفت أنني في الاسبوع الماضي قتلت شخصين من أجل مصلحتي الخاصة أو مصلحة أسرتي، فلن يختلف اثنان في أي من المجتمعات التي نعرفها على انني مجرم. أما إذا اعترفت بأنني في الأسبوع الماضي قتلت أو تسببت في قتل ألفين من البشر لصالح جماعتي الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو العنصرية أو القبلية أو الوطنية ، فأقل ما يمكن قوله أنه في إطار بعض المجتمعات سيكون هناك خلاف على مدى أخلاقية سلوكي، أما في باقي المجتمعات فقد لا يكون اللوم على هذا السلوك مطروحاً أصلاً.

التنشئة الاجتماعية ليست برمجة كما يرى أنتوني غيدنز

Former-LSE-head-Anthony-G-007

يقول أنتوني غيدنز -عالم الاجتماع البريطاني المعاصر- عن التنشئة الاجتماعية:

إن الحيوانات التي تقع في أدنى درجات سلم التطور الطبيعي تكون فور ولادتها قادرة على حماية نفسها من دون مساعدة تذكر من جانب الحيوانات الأخرى البالغة. غير أن على الحيوانات الأخرى المتقدمة في سلم التطور أن “تتعلم” طرائق السلوك المناسبة، وتكون في المراحل المبكرة من عمرها بعد الولادة عاجزة كل العجز، مما يفرض على الجيل المتقدم في السن على جيل البالغين رعايتها والعناية بها. والأطفال حديثوا الولادة هم الفئة الأكثر عجزاً بين هؤلاء جميعاً، إذا ليس بمقدور المولود البشري أن يظل على قيد الحياة من دون مساعدة خلال السنوات الأربع أو الخمس الأولى على الأقل من عمره. من هنا، فإن التنشئة الاجتماعية هي التي تجعل من هذا الكائن الوليد، بصورة تدريجية، إنساناَ واعياً لذاته وشخصاً ملماً ببعض المعارف والمهارات المتعلقة بمسالك الثقافية التي ولد فيها. وبهذا المعنى، فإن التنشئة الاجتماعية ليست نوعاً من “البرمجة الثقافية” التي يتشرب فيها الوليد أو الوليدة ما يقع عليه من مؤثرات بصورة سلبية. فالطفل كائن نشط منذ ولادته: إذ أن له / لها احتياجات ومتطلبات في سلوك من يتولون رعايته والعناية به.

والتنشئة الاجتماعية هي التي تصل الأجيال بعضها ببعض. ومولد طفل ما يدخل تعديلاً على حياة الأشخاص المسؤولين عن تربيته، وهم بدورهم يدخلون تجربة تعلمهم أشياء جديدة أيضاً. إن علاقة الأبوّة والأمومة تربط أنشطة البالغين بالأطفال طيلة عمرهم. وفي الوقت نفسه فإن الآباء والأمهات البالغين يتحولون إلى أجداد ويمثلون بالتالي حلقة وصل جديدة تربط ثلاثة أجيال، وهكذا دواليك. من هنا ينبغي اعتبار التنشئة الاجتماعية عملية تستمر طول العمر تتمخض في بعض نتائجها عن تشكيل وإعادة تشكيل التفاعلات الاجتماعية. ذلك أنها تتيح المجال للأفراد بأن ينمّوا أنفسهم، ويطوروا طاقاتهم، ويتعلموا، ويتكيفوا مع ظروف الحياة المستجدة حولهم.