أرشيف الوسم: المدينة الفاضلة

ألبرتو مانغويل : ملاحظات نحو تعريف المكتبة المثالية

مانغويل

ألبرتو مانغويل، من مواليد 1948. الكاتب والروائي والمترجم والمحرر الارجنتيني/الكندي المعروف الذي عنيَ بالإطلاع الواسع على أهم الأعمال الأدبية العالمية وجمعِها. تناول موضوع القراءة الحيّز الأكبر والرئيسي في أبرز أطروحاته ومؤلفاته الأدبية كـ : (تاريخ القراءة)، (المكتبة في الليل) و (يوميات القراءة). في كتابه الآخر (فن القراءة) يقوم مانغويل بسرد ملاحظات هامة حول تعريف ما أسماه “المكتبة المثالية” محاولا الإلمام بكل التفاصيل المكتبية المثالية من منظور فني وأدبي واسع.

المكتبة المثالية مصممة من أجل قارئ واحد معين، يجب أن يحس كل قارئ، أو قارئة، بأنه القارئ المختار.

كُتب فوق باب المكتبة المثالية مرادفٌ لشعار (رابليه): “إقرأ ما شئت”.

المكتبة المثالية افتراضية ومادية في آن واحد. إنها توفر النصوص بكافة الأشكال والتجليات والتقنيات المتاحة.

المكتبة المثالية مكتبةٌ يسهل الوصول إليها، لا ينبغي أن تحول بين القارئ والكتب أدراجٌ عالية، أو أرضيات زلقة أو أبوابٌ متعددة مشوّشة أو حراسٌ مخيفون.

للمكتبة المثالية مقاعد وثيرة مدعمة بمسندين الذراعين وظهر مقوّس، كتلك المقاعد في قاعة لابروست المأسوف عليها في المكتبة الوطنية الفرنسية، للمكتبة المثالية مناضد فسيحة، حبَّذا سطوحها من جلد أملس، ومآخذ كهربائية للأجهزة الإلكترونية “شريطة تشغيلها بمطلق الصمت” ومصابيح فردية خافتة الإنارة تذكرك بمصابيح القراءة الزجاجية الخضراء في الثانوية الوطنية في” بوينس آيرس”.
سنة ١٢٥٠، قارن (ريشار دو فورنيفال) المكتبة المثالية بحديقةٍ مسوّرة.

المكتبة المثالية تحتوي الكتب بشكل رئيسي، لكنها لا تقتصر عليها، إنها تجمع أيضاً الخرائط والرسوم والحواسيب والموسيقى والتسجيلات الصوتية والأفلام والصور الفوتوغرافية. المكتبة المثالية مكان للقراءة، بكل ما يشير إليه هذا التعبير في أوسع معانيه.
رفوف المكتبة المثالية مفتوحة أمام كل قارئ.
يجب منح فرصة الحرية إلى القارئ لملاقاة ما لا يتوقع.
لا رفَّ في المكتبة المثالية أعلى أو أخفض مما تطاله يد القارئ. لا تحتاج المكتبة المثالية إلى حركات بهلوانية.
ليس الجو في المكتبة المثالية مسرفاً في التدفئة أو مسرفاً في التبريد.
المكتبة المثالية تنظم محتوياتها دون إصابات في التصنيف على كتبها.
ليس هناك أيُّ قسم ذو ترتيب نهائي في المكتبة المثالية.
خريطة المكتبة المثالية هي فهرسها.
في المكتبة المثالية وفرةٌ من الطعام والشراب وآلات التصوير الضوئي،
والحصول عليها يسير.
المكتبة المثالية منعزلة ومشاعٌ للجميع في آنٍ معاً، حميمة ومفتوحة للتواصل الاجتماعي، مصممة للتأمل والحوار، للتبحر والتساؤل، تضنُّ وتجود، ملأى باليأس من كثرة ما ينبغي قراءته وبالرجاء المتطلع إلى ما لم يُقرأ بعد.

المكتبة المثالية تحمل وعد كل كتابٍ ممكن.
لكل كتابٍ في المكتبة المثالية صداه في كتابٍ آخر.
المكتبة المثالية مقتطفات مختارة سرمدية ودائمة التجدد.
ليس للمكتبة المثالية ساعة محددة تغلق فيها أبوابها.
المكتبة المثالية تسمح بالخربشة على كتبها.

المكتبة المثالية عامة وسرية في آنٍ معاً. إنها تحتوي كل الكلاسيكيات المجمع عليها وكل الكلاسيكيات التي لا تعرفها إلا قلّة قليلة من القرّاء.
في المكتبة المثالية تتجاوز (الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي) مع الكلمات الاخيرة للموتى لـ(فيل كوزينو)، ومقالات (مونتنيي) مع (مونتنيي) أو (الحياة المكتوبة) لـ(إدواردو لورنتسو)، (مدام بوفاري) لـ(فلوبير) مع قصص (عروس الأوديسة) لـ(إدغاردو كوزارينسكي)، (الأخوة كارامازوف) لـ(دوستويفسكي)، مع (دوستويفسكي) يقرأ (هيغل) في سيبيريا ويجهش بالبكاء لـ(لازلو فولدينيي).

مهمة القارئ، في المكتبة المثالية، هي قلب النظام الراسخ.

يتباين عدد الكتب في المكتبة المثالية، يُقال إن مكتبة الإسكندرية احتوت سبعمائة ألف لفافة مخطوطة؛ لم يتجاوز عدد الكتب على رفوف (خورخي لويس بورخيس) خمسمائة مجلّد؛ كان للأطفال في معسكر الإعتقال النازي بيركناو مكتبةٌ سرية تتألف من ثمانية كتب ثمينة كان إخفاؤها واجباً في مكان مختلف كل ليلة.
تقع المكتبة المثالية في العقل، حتى عند تشييدها من الجدران والرفوف والكتب. المكتبة المثالية هي المكتبة المستعادة عبر الذاكرة.

توحي المكتبة المثالية بنص واحد مستمر ليس له بدايةٌ واضحة المعالم ولا نهايةٌ يمكن التكّهن بها.

ليس هناك في المكتبة المثالية كتبٌ ممنوعة لا كتبٌ يوصى بها.

المكتبة المثالية أليفةٌ لدى كل من سان جيروم ونعوم تشوميسكي،

في المكتبة المثالية ما مِن قارئ يراوده الشعور بأنه شخصٌ غير مرغوب فيه.

كل صفحة في المكتبة المثالية هي الأولى. لا صفحة أخيرة بين صفحاتها.
كمثل فكرة بول فاليري عن( عقلٍ يتألف من صناديق)، ثمة أقسام في المكتبة المثالية تتوالى لافتاتها على هذا النحو : للدراسة في فرصة مؤاتية أنسب. ما لا يخطر على بال. لا جدوى من التعمّق أكثر. محتوياتٌ لم يتفحصها أحد، أشغالٌ بلا طائل. كنز معروف يتعذّر تفحُّصه إلا في حياة ثانية.عاجل.خطير.رهيف. مستحيل .مهمل.محجوز، دعه للآخرين! نقطة قوّتي. صعب. إلخ.

المكتبة المثالية تُبطل مفعول لعنة بابل.

ترمز المكتبة المثالية إلى كلِّ ما يمثّل المجتمع. يعتمد المجتمع على مكتباته ليعرف مَن هو لأن المكتبات هي ذاكرة المجتمع.

تستطيع المكتبة المثالية أن تكبر إلى ما لا نهاية من دون حاجة إلى مكان مادي إضافي. وتستطيع أن تقدم معرفةً بكل شيء من دون حاجة إلى المزيد من الوقت المادي. المكتبة المثالية موجودةٌ كمستحيلٍ جميل، خارج الزمان وخارج المكان.

كانت مستودعات القدماء لحفظ عظام الموتى منقوشة بالكلمات التالية : “ما أنتم عليه، كنّاه فيما مضى؛ ما نحن عليه، أنتم إليه صائرون”. قد تُقال الكلمات نفسها في كتب المكتبة المثالية وقرائها.
المكتبة المثالية ليست مستودعاً لحفظ عظام الموتى.
بعضٌ من أقدم المكتبات صانها الكهنةُ المصريون القدماء الذين أمدّوا الأرواح الراحلة بالكتب لترشدهم عبر مملكة الموتى. تحافظ المكتبة المثالية على وظيفة إرشاد الروح هذه.
المكتبة المثالية تجدد مجموعتها وتحافظ عليها في آن واحد. المكتبة المثالية مطواعة.
ثمة كتب معينة كُلَّ منها، بحد ذاته، مكتبةٌ مثالية. أمثلة : (موبي ديك) لـ(ملفيل)، (الكوميديا الإلهية) لـ(دانتي)، (مذكرات ما وراء القبر) لـ(شاتوبريان).

ما من حاجة إلى بوصلة في المكتبة المثالية، فـ مظهرها المادي وبنيتها الذهنية متطابقان.

المهندس المعماري للمكتبة المثالية هو ، أولا وأخيراً، قارئ مثالي.
المهمة المستحيلة لكل طاغية هي تدميرُ المكتبة المثالية.
المهمة المستحيلة لكل قارئ هي إعادةُ بناء المكتبة المثالية.
تحتوي المكتبة المثالية -كأي مكتبة أخرى- سطراً واحداً على الأقل كُتبْ خصيصاً من أجلك.

اليوتوبيا عند إميل سيوران

إميل سيوران

ولد إميل سيوران في الثامن من إبريل عام ١٩١١م، في قرية رازيناري، بمقاطعة ترانسلفانيا الرومانية، كان والده قسيسًا أرثوذكسيًا نشطًا ومؤثرًا، و كانت أمه لا تخفي سوء ظنها بكل ما يتعلق بالدين واللاهوت، هذا الجو المتناقض هو المناخ الذي نما فيه (سيوران).

و تأثر في بدايات شبابه بفلسفات وجودية وفاشية، وقادته اصابته المستمرة بالارق للتفكير بالانتحار وصياغة فلسفته  التشاؤمية، فكانت بدايته في عمر الثانية والعشرين باصدار كتابه (على ذرى اليأس) عام 1934.

يبدأ (سيوارن) رأيه باليوتوبيا متسائلاً: “من أين يمكن الحصول على هذا القدر من السذاجة أو الجنون؟”، ذلك اثناء انكبابه على كتب الادب الطوباوي في محاولة منه لاعطاء هذا التصنيف قيمةً اكبر، دون جدوى، خالصاً الى انه أدبٌ منفر وساذج وان اليوتوبيا الوحيدة القابلة للقراءة هي الطوباويات المزيفة التي كُتبت على سبيل اللعب، بغاية التسلية او  كرهاً للبشر وهي بذلك يوتيوبيا “بلا امل” لا تؤخذ كمشروع ينظر في تطبيقه، و لا تربي أي امل لدى الافراد الذين يتعلقون بالاوهام اكثر من الحقيقة الجلية امامهم.

على الرغم من اعتبار (سيوران) للادب الطوباوي انه مزيف و كريه الا انه اقرّ باغتنائه بالدروس، كدوره في توضيح فكرة السعادة، لا السعادة نفسها. حيث انها اشتغلت كمحرك لطاقات الافراد الموعودين بالسعاده الموهومة من خلال صناعة يوتوبيا خاصة بمجتمعهم، ما من شأنه ان يجعلهم مدفوعين بالوهم لتحقيقها، ذلك ان الافراد لا يتحركون الا “منبهرين بالمستحيل”.

يروي كامبانيلّا في كتابه مدينة الشمس:

كل شيء وفيرٌ في مدينة الشمس ؛ لأن كل عامل حريص على ان يتميز في عمله . أما القائد الذي يشرف على كل شيء فيسمى الملك . وأما الرجال والنساء المقسمون الى جماعات فهم منصرفون الى عملهم دون ان يعصوا شيئا من اوامر ملكهم ، ودون ان يظهروا البتة انهم تعبوا مثلما كنا لنفعل لو كنا محلهم ،وهم ينظرون الى قادتهم كأنهم ينظرون الى آباء او اخوة كبار.

هنا تكمن اهمية الكتابات الطوباوية، حيث انها تفضح مدى وهميتها وجهلها بالطبيعة الانسانية، اذ ان اكثر معالمها بروزاً هو “غياب الحدس والغريزة السايكولوجية ، مما جعل من شخصياتها كائنات خيالية ، ورمزية ليس من بينها شخصية واحدة حقيقية” و هذا صُلب ما حاربه (نيتشه) عندما انتقد المثالية والطوبويات التي تحاول رسم صورة كاملة للانسان ليصبح معها تافهاً وعاجزاً وآلياً. ففي الوقت الذي يشك او ينكر فيه كتّاب اليوتوبيا شر الانسان ويتكلمون بلسان واثق عن الكمال البشري وعن قدرة الانسان على كبح الشر الذي قد يطرأ، يدافع (نيتشه) كما (سيوران) عن الشر باعتباره مكون رئيسي في ازدواجية الانسان ومحاربته هي محاربة للانسان نفسه الذي يغريه الشر كما الخير للانغماس فيه والغوص فيه تعبيراً عن ذاته وادراكاً لانحطاطه.

فيتكلم (سيوران) في فظاعة اليوتوبيا:

حتى الاطفال يفقدون فيها ملامحهم، حيث ان مورييه في كتابه الدولة التعاونية صورهم على انهم انقياء لدرجة يجهلون معها غواية قطف تفاحة من شجرة. ان ما صورته كتابات الطوباويين حول مدنهم التي يسعون الى اقامتها، بينت ان ما اعتبرته كمالاً هو في نظرنا عيوباً، وان  هذا المجتمع الذي تم تصويره بحماس وغنائية هو مجتمع لا يُطاق.

دور المسيحية في نشأة اليوتوبيا عند سيوران

إثر فشل المسيحية في تلبية حاجات النفوس رأى (سيوران) ان المسيحيين اصبحوا عاجزين عن اقامة مملكة الرب في نفوسهم فقاموا بذكاء بإحالتها الى المستقبل، كما لو أن الفردوس الحقيقي قد أقفل من جديد بعد ان فُتح مرة بلحظة الفداء، قام الافراد باقامة تصور جديد لفردوس ارضي محولين الحنين “الذي كان يبحث في عزاء بعيد ، سحيق ، كأنه أسبق من الصيرورة ، يشكو قطيعة تعود بتاريخها إلى البدايات . الى حنين مقلوب ، مشوه ومزيف ، مشدود نحو المستقبل ، وقد استحوذت عليه فكرة التقدم كنسخة زمنية ومسخ للفردوس الاصلي”.

وكأن القيامي والطوباوي اصبحا متداخلان لحد نسيا معه مخالفه الطوباوية لطبائع الانسان الذي اعتاد الشقاء والتعب على هذه الارض منذ القرون القديمة مستعملا الكدّ والعرق كوسيلة للبهجة والكبرياء. ساعياً لأن يأخذ اسماً يحمله الى التميز والتفرد في صراعه مع تحقيق الذات والمجد. متجاهلين الارادة التي حصل عليها بمجرد ان طُرد من الفردوس وحرم منه كما يبدو الى الابد، مشككين برغبة الانسان في الهلاك وجاعلين للكمال قابلية تحقيق !

و بالنهاية:

علينا ألّا ننسى أن اليوتوبيا تعني اللامكان.

الآمال واليوتوبيات برأي ساراماغو

813_saramago

جوزيه ساراماغو (1922 – 2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. نال جائزة نوبل للآداب في عام 1998.

نشر (ساراماغو) في كتابه (المفكرة) مقالة يتحدث فيها عن الآمال واليوتوبيا، أو المدينة الفاضلة التي يطمح إليها الناس، والفلاسفة خاصة عندما يقومون بتشكيلها فلسفيًا، نقوم بنشرها هنا في ذكرى ميلاده الثالثة والتسعين. يقول (ساراماغو) في مقالته:

لقد كتب الكثير، وقيل أكثر منه بكثير، حول فضائل الأمل. كانت اليوتوبيات دومًا وستكون الفردوس كما حلم به المتشككون. مع ذلك فليس المتشككون بل المؤمنون المتحمسون أيضًا. صنف القداس والعشاء الرباني من المؤمنين الذي يتطلعون إلى السماء، ولا زالوا يسألون يد الله الرحيمة أن تظلل رؤوسهم، أن تحميهم من المطر أو الحر، وأن يسلم في هذه الحياة قسمًا صغيرًا على الأقل من الثوابت التي وعد بها في الحياة الآخرة. وهذا هو السبب في أن أي شخص غير راضٍ بما انتهى إليه نصيبه في التوزيع غير المتكافئ لموجودات الكوكب، وخصوصًا الموجودات المادية، إنما يتمسك بالأمل في أنه لن يكون دائمًا الشيطان الموجود عند الباب وأنه في ذاك اليوم – عاجلًا أم آجلًا – ستكون الثروة التي تدخل من خلال النافذة. إن شخصًا ما قد خسر كل شيء، لكنه كان محظوظًا بما يكفي لأن يستبقي على الأقل حياته التعيسة، يعتبر أنه يدين بحقه الأكثر إنسانية في أنه لن يكون غدًا بنفس تعاسة اليوم. مفترضًا، بالطبع، أن ثمة عدالة في العالم.

ثم يقول بعد ذلك متابعًا حديثه: 

حسنًا، إذا وجد في هذا المكان وفي هذه الأوقات شيء يستحق اسم “عدالة“، ليس سراب تراث قديم قادر على خداع عيوننا وعقولنا، بل واقع يمكننا أن نلمسه بأيدينا، فمن الواضح أنه لن يكون علينا أن نحمل الأمل حولنا معنا كل نستمده إلينا، أو يحملنا مستمهدين. العدالة البسيطة (ليست عدالة قاعات المحاكم، بل عدالة ذاك الاحترام الأساسي الذي يجب أن يسود العلاقات بين الكائنات البشرية) ستكون مسؤولية عن وضع الأشياء في أمكنتها الصحيحة. في الماضي، كان الفقير، الذي يطلب صدقة يُرفض طلبه بالكلمات المنافقة “تحل بالصبر“. لا أعتقد أن نصح شخص بأن يتحلى بالأمل كله مختلف عن نصحه بأن يتحلى بالصبر. من الشائع أن نسمع السياسيين منتخبين حديثًا يقولون أن نفاذ الصبر مضاد للثورة. ربما يكون كذلك، لكنني أميل إلى الرأي القائل، على العكس، بأن ثورات كثيرة قد خسرت من خلال نفاذ الصبر. لقد حان الوقت لأن يجعل نفاذ الصبر نفسه محسوسًا في العالم، أن يلقن شيئًا أو شيئين لأولئك الذين يفضّلون أن نتغذى على الآمال، أو على أحلام اليوتوبيا.

 

 

معالم المدينة الفاضلة عند دافينشي

davinci

ليوناردو  دا فينشي ‏(1452 – 1519) كان موسوعياً ينتمي إلى عصر النهضة حيث كان رساماً، مهندساً، عالم نبات، عالم خرائط، جيولوجياً، موسيقياً، نحاتاً، معمارياً وعالماً إيطالياً مشهوراً. ولأنه كان رجلاً عبقريًا ذا موهبة عالمية في عصر النهضة فقد جسد روح عصره كاملاً مما أدى ذلك إلى اكتشاف كبار نماذج التعبير في مختلف مجالات الفن والمعرفة. ويعتبر أحد أعظم عباقرة البشرية ربما عبقريته التي ميزته أكثر من أي شخصية أخرى، كانت بمثابة التجسد الإنساني المثالي لعصر النهضة. وكثيراً ما وُصف ليوناردو باعتباره رمزٌ لرجل عصر النهضة، ورجل ذو “فضول جامح” وصاحب “خيال إبداعي محموم“. في أحد المعارض التي تناولت حياة (دا فينشي) وأعماله، والتي أقامتها grande exhibitions في مدينة (لوس أنجلوس) الأمريكية، قاموا بإفراد جزء كبير عن المدينة المثالية، أو المدينة الفاضية في فكر (دا فينشي)، قد يمكن معرفة ملامحها بالتفاصيل التالية:

قام (ليوناردو) في حياته بدراسة العمران في عدد من المدن الكبيرة، لاسيما (ميلان) ومشكلة إعادة إصلاح مبانيها وعمرانها بعدما انتشر فيها الطاعون بعام 1484. فاستخلص بذلك مشروعًا لإقامة مدينة فاضلة مثالية، مدينة تتسم بالوحدة والانسجام.

فالمدينة الفاضلة بناء على المخطوطات التي تركها (دا فينشي) ورسوماته فيها وتعليقاته، قد توجد بجانب نهرٍ كبير، والذي من شأن مياهه أن تكون حلًا للعديد من المشاكل التي قد تواجهها المدن. فهذه المدينة الفاضلة تتميز بدمجها للقنوات المائية، ومن شأن ذلك أن يكون ذو منافع اقتصادية وتجارية، كما أنه يحل مشاكل الصرف الصحي.

كما قام (دا فينشي) بتصميم المباني لتوفر المياه لجميع الغرف بالمنازل، كما أنها تزود جميع معامل الحرفيين بأنظمة ميكانيكية لرفع أعمالهم وحملها. هذه الأنظمة التي زود بها المعامل تعتمد على تشابك عدد من مختلف الآلات.

وبسبب إعجابه بالعمران الأوروبي الكلاسيكي، قام بتخطيطات مركزية لعدد من الكنائس، والتي تميزت بتصميم عمراني مستمد من بعض الرسومات المعقدة للمنحنيات والمداخل، والمحاريب، والمعابد، والأروقة.

كما أنه أضفى الكثير من التفاصيل إلى الطرقات، والتي يساوي عرضها كطول فندق (بلازيو) الشهير في مدينة لاس فيجاس. هذه الطرقات (البلازيوية) ستكون مرتفعة كالجسور، وهي مخصصة للبشر في تحركاتهم، أما الطرقات الأرضية المنخفضة فهي مخصصة للتجارة ونقل السلع. كما أن هناك عدد من الطرقات، ستكون شبه منخفضة، ولكنها بعرض الطرقات (البلازيوية) وستكون مخصصة لنقل المواشي، وللتجارة أيضًا. هذه التصميمات للطرقات، تستطيع أن تمحي، أو على الأقل تخفض، مشكلة الطرقات الضيقة في (ميلان)، والتي ساعدت في انتشار الطاعون بسرعة، في الفترة 1484-1486. وأصاب في هذه السنتين فقط ثلث سكان مدينة (ميلان) الإيطالية.

هذه الورقات المطوية المنسوبة إلى (دا فينشي) عن المدينة الفاضلة، تعتبر عملًا عظيمًا في الهندسة المدنية. وتُقدّر كتابتها إلى الفترة بين 1487 و1490. ومن هذه المسودات والورقات أُستخدمت العديد من التطبيقات المعمارية التي نشاهدها اليوم في عمراننا ومبانينا.

 

هذه بعض الصور والأشكال، نعرضها هنا، من أوراق (دا فينشي) عن المدينة الفاضلة كما يتصورها.

citta4_d

leonardo-da-vinci-the-ideal-city-view-of-a-building-housed-at-the-institut-de-france-paris

idealcity010

 

صورة رقمية متخيلة عن الطرقات في مدينة (دا فينشي) الفاضلة.
008_mb37v_01citta-300x225

مجسم في المعرض المُقام عن حياة (دا فينشي) يبين المدينة المفاضلة كما يتخيلها القائمون على المعرض، استنادًا على أوراق ومسودات الأخير.
da-vinci-city

 

 

 

سر كآبة المدن الفاضلة عند برتراند راسل

image

الفيلسوف البريطاني والناقد الاجتماعي ذائع الصيت برتراند راسل يتحدث -في كتابه “أسس لإعادة البناء الاجتماعي”- عن سر كآبة “المدن الفاضلة” التي طالما اقترحها الفلاسفة على مر الزمن.

كل المدن الفاضلة التي تم اقتراحها حتى الآن هي مضجرة إلى حد لا يحتمل. يفضل اي إنسان فيه ذرة واحدة من الحيوية العيش في هذا العالم بكل مافيه من أهوال مرعبة على أن يعيش في جمهورية أفلاطون أو بين الحوريات التي وصفها جونثان سويفت. يقوم بناة المدن الفضلى برسم مدنهم بعدما قدموا افتراضاً خاطئاً عما تكون الحياة الفاضلة. يعتقدون أن من الممكن تصور مجتمع ما وطريقة حياة ما تُلقب بالفاضلة للمرة الأولى ومن بعدها تبقى فاضلة هكذا إلى الأبد. ولكن يفوتهم ان الجزء الأكبر من سعادة الانسان يتوقف على الحركة والعمل بينما لا يتوقف إلا جزء قليل من سعادته على التمتع الصامت. إن الملذات الناتجة عن التمتع الصامت ذاتها لا تولد في الناس حالة رضى إلا إذا حصلت في مناسبات تتخلل العمل . يشابه المصلحون الاجتماعيون بناة المدن الفاضلة في تغافلهم عن هذه الحقيقة الواضحة للطبيعة الانسانية. يطمح المصلحون الاجتماعيون في ضمان وقت أطول للراحة وفي فرص أكثر للتمتع بهذه الراحة، أكثر مما يطمحون لجعل العمل ذاته أكثر كغاية واكثر تناسقاً مع الميل إلى العمل، ولا يفطنون للمطالبة بجعل العمل منفذاً أفضل للإبداع والرغبة في استخدام كل قوى الانسان الطبيعية. العمل في كل أنحاء العالم وعند كل من يعتمد على أجرة يومية تقريباً ليس إلا مجرد عمل وليس تحقيقاً للرغبة في الحركة والنشاط.