أرشيف الوسم: المسيري

المرأة وتحقيق الذات، عند المسيري

عبدالوهاب المسيري

عبدالوهاب المسيري (1938-2008) مفكر وعالم اجتماع مصري، تدور أغلب أعماله عن اليهود والصهيونية، وعن العالم المعاصر الحديث ونقده وتفكيكه. في كتابه الذي لا يتجاوز ٦٠ صفحة (قضية المرأة: بين التحرير والتمركز حول الأنثى) يتحدث عن استقامة الحياة البشرية/المجتمع الإنسانى بعقد شراكة إنسانية/تكاملية بين الرجل والمرأة تبدأ فى إطار الأسرة وتنمو خلالها إلى حدود المجتمع.

بداية يرى (المسيري) أن هناك فرقا جوهريا بين حركتين رئيسيتين موضوعهما المرأة، الأولى هي حركة “تحرير المرأة” وهي:

حركة نشأت من رؤية “إنسانية” تنطلق من كون المرأة جزء من المجتمع وهي تتفهم الحقيقة الانسانية البديهيه البسيطة وهي أن ثمة اختلافات بيولوجية ونفسية واجتماعية بين الرجل والمرأة و بدلا من محاولة محو هذه الاختلافات  فإن دعاة تحرير المرأة يبذلون جهدهم للحيلولة دون تحولها إلى ظلم وتفاوت اجتماعي أو انساني يؤدي الى توسيع الهوة بين الذكور والإناث. ومن ثم يطالبون بأن تحصل المرأة على حقوقها سياسية كانت (حق المرأة في الانتخاب والمشاركة في السلطة) أم اجتماعيه (حق المرأة في الطلاق وفي حضانة الأطفال) أم اقتصادية (مساوة المرأة في الأجور مع الرجل). أي ان حركة تحرير المرأة ترى أنه ثمة إنسانية مشتركة بين كل البشر، رجالاً ونساءً، وأنها الإطار الذي نبحث داخله عن تحقيق المساواة.

بينما الحركة الثانية هي مايُطلق عليه feminism ويترجمها (المسيري) بحركة “التمركز حول الأنثى” وهي:

حركة ظهرت في عصر ما بعد الحداثة تتمركز حول الأنثى كموضوع مادي، تبحث لها عن هوية/ ذات/ إنتماء مستقل عن المجتمع. و المرأة هنا: متمركزة حول ذاتها، مكتفية بذاتها، تود اكتشاف ذاتها وتحقيقها خارج أي إطار اجتماعي، في حالة صراع كوني أزلي مع الرجل المتمركز حول ذاته، وكأنها الشعب المختار في مواجهة الأغيار. هذه الحركة تنكر الانسانية المشتركة ولذا لا يمكن ان ينضم إليها الرجال، فالرجل لا يمكنه ان يشعر بمشاعر المرأة كما انه مذنب يحمل وزر التاريخ الذكوري الأبوي كله رغم أنه ليس من صنعه!

تتضمن هذه الحركة ايضا محاولة تحييد اللغة وجعل كل ماهو خاص بالذكر موضع لشراكة أنثوية، “مثلا في الإنجليزية تغيير استخدام he إلى s/he، وتغيير women إلى womyn، وتغيير spokesman إلى spokesperson واستخدام ألفاظ حيادية لا تحدد جنسًا”. ويصل هذا الأمر إلى تطرفه في تمجيد السحاق، حيث المرأة لا تحتاج إلى الرجل للذة، ولا تحتاج إليه للإنجاب وبالتالي انقسام العالم إلى ذكور متمركزين على ذواتهم، وإناث متمركزات على ذواتهن. هذا الخطاب التفكيكي يعلن حتميه الصراع بين الذكر والانثى وضرورة وضع نهاية للتاريخ الذكوري الابوي كما يهدف الى توليد القلق والضيق والملل وعدم الطمأنينة في نفس المرأة عن طريق إعادة تعريفها بحيث لا يمكن لها ان تحقق هويتها الا خارج اطار الاسرة. فإذا انسحبت المرأة من الأسره، تآكلت الاسره وتهاوت أهم المؤسسات التي يحتفظ الإنسان من خلالها بذاكرته التاريخية وهويته القوميه ومنظومته القيميه و أهم الحصون ضد التغلغل و الهيمنة الغربية.

أما بالنسبة إلى الأمومة فيرى (المسيري) أنه بالرغم من أنها قد تكون فطرية في كل أنثى كرغبة قبل أن تكون واجبا، إلا أنها قد تصبح عبئا في مجتمع تتولى فيه ربات المنزل – المتفرغات – الانشغال بالغيبة والتلفاز وتوافه الأمور عموما، حتى ليبدو أن العمل خارجا هو الوسيلة الوحيدة للمرأة كي تنأى عن هذه الأجواء وتفرغ حاجتها لإثبات الذات و التواصل الاجتماعي. ولذلك قد يكون من الصعب على المرأة أن تستقر في المنزل إذا كان الزوج لا يقاسمها شيئا من أعباء المنزل ولا يقدر جهودها فيغدو هو (محققا لذاته بشكل مطلق) و هي (لاغية لذاتها بشكل مطلق). كما يطالب أيضا بإعادة صياغة رؤية الناس لمفهوم العمل من أنه:

مجرد عمل المرأة في رقعة الحياة العامة نظير أجر – أي العمل الذي يؤدي إلى منتج مادي مثل سلع / خدمات فقط-  ليصبح أيضا العمل المنتج إنسانياً ( وبذلك نؤكد أسبقية الإنساني على المادي والطبيعي). وهنا تصبح الأمومة أهم “الأعمال المنتجة” وماذا يمكن أن يكون أكثر أهمية من تحويل الطفل الطبيعي إلى إنسان اجتماعي؟ ومن ثم يقل إحساس المرأة العاملة في المنزل بالغربة وعدم الجدوى, ويزداد احترام الرجل لها ويكف الجميع عن القول بأن المرأة العاملة في المنزل لا تمارس عملا! وبالتالي ينقذ المرأة من التوتر الناشئ عن الرغبة في تحقيق الذات المشروط بالتخلي عن الأسرة إلى تحقيق الذات ضمن نطاق الأسرة.

و بالتالي بدلا من أن يكون الحديث عن تحرير المرأة حتى “تحقق ذاتها” ومتعتها قد يكون من المفيد ان ندرس ماحولنا لنكتشف ان:

أزمة المرأة هي جزء من أزمة الإنسان الحديث والتي تنبع من الحركية المرتبطة بتزايد معدلات الاستهلاك ومن وجود هذه الاختيارات الاستهلاكية التي لاحصر لها والتي تحاصرنا وتحد من حركتنا” ولذلك “قد يكون من الأكثر رشداً وعقلانية ألا نطالب بـ”تحرير المرأة” وألا نحاول أن نقذف بها هي الأخرى في عالم السوق و الحركية الاستهلاكية وخاصة من خلال صناعتي الأزياء و التجميل واللتان تولدان في المرأة – من خلال الآف الإعلانات- الإحساس بأنها إن لم تستخدم هذه المساحيق والعطور والكريمات تفقد جاذبيتها وتصبح قبيحة/غير مرغوبة ومع ترسيخ هذه القناعة وتغيير المساحيق كل عام تصبح المرأة سوقا متجددا لا ينتهي. وأن نطالب بدلاً من ذلك بتقييد الرجل أو وضع قليل من الحدود عليه وعلى حركيته بحيث نبطئ من حركته فينسلخ قليلاً عن عالم السوق والاستهلاك وبذلك يتناسب إيقاعه مع إيقاع المرأة و الأسرة و حدود إنسانيتنا المشتركة انطلاقاً من هذه الرؤية لا بد أن يعاد تعليم الرجل بحيث يكتسب بعض خبرات الأبوة و العيش داخل الأسرة و الجماعة.

ويختتم (المسيري) كتابة بالرجاء أن لا يُفهم أنه ينكر وجود قضية للمرأة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أو أنه لا يوجد درجات من التمييز ضدها أو حتى أنه يطالب بمنع المرأة من العمل في رقعة الحياة العامة:

كل ما أطالب به هو أن ندرس قضيه المرأة داخل إطارها التاريخي والإنساني وأن ننفض عن أنفسنا غبار التبعية الإدراكية و نبحث عن حلول لمشاكلنا نولّدها من نماذجنا المعرفية ومنظوماتنا القيمية والأخلاقية ومن إيماننا بإنسانيتنا المشتركة، و هي منظومات تؤكد أن المجتمع الإنساني يسبق الفرد (تماماً كما يسبق الإنسان الطبيعة/المادة) ولذا بدلاً من الحديث عن “حقوق الإنسان” مما يضطرنا إلى الحديث عن “حقوق المرأة” الفرد، ثم عن “حقوق الطفل” الفرد، قد يكون من الأجدر بنا أن نتحدث عن “حقوق الأسرة” كنقطة بدء ثم يتفرع عنها وبعدها “حقوق الأفراد” الذين يكوّنون هذه الأسرة. أي أننا سنبدأ بالكل (الإنسان الاجتماعي) ثم نتبعه بالأجزاء الفردية.

وحدة المعرفة، المعلومة، والمفكِّر، جمال حمدان أنموذجًا

 

جمال حمدان

جمال حمدان (1928-1993) قد يكون أحد المثقفين والكُتاب العرب المعاصرين، الأكثر شأنًا، والأقل حظًا وشهرة اليوم. اشتهر بكتابه المكوّن من أربعة مجلدات، والذي حمل اسم (شخصية مصر)، وله العديد من الكتب والكتيبات الصغيرة، المنشورة قديمًا، والتي توقفت أغلب دور النشر حاليًا عن تداولها، للأسف الشديد. في كتاب (شخصيات لها تاريخ)، أفرد الدكتور (جلال أمين) مقالة باسم “جمال حمدان وضمير المثقفين المصريين”، تحدث فيها عن حياته، وعن عمله الأشهر (شخصية مصر)، يقول د. (جلال أمين):

قرأت في الكتاب لأول مرة عندما ظهر الجزء الرابع والأخير منذ عشر سنوات، فوجدته ينتمي إلى ذلك الصنف النادر جدًا من الكتب، المؤهل بحق للبقاء عشرات من السنين دون أن يبلى أو يفقد أهميته. وربما كان أهم ما يميزه هو تلك الفكرة الكامنة في عقل المؤلف والحاكمة لمنهجه واتجاهات تفكيره، وهي ما يمكن أن نسميه بـ”وحدة المعرفة“. فالقارئ يشعر منذ الصفحات الأولى بأن مختلف فروع المعرفة تتداخل طرقاتها وتؤدي بعضها إلى بعض، بل وتتفاعل بعضها مع بعض بحيث لا يمكن لمن يقتصر على فرع واحد من فروع المعرفة أن يفهم أي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية فهمًا حقيقيًا.

ثم يورد بعض الكلمات يتحدث فيها عن حياة (جمال حمدان) الشخصية:

كان من البديهي أن عملًا من نوع هذا العمل الذي عقد (جمال حمدان) العزم على القيام به، يتطلب حياة أقرب إلى حياة الرهبان، وزهدًا في المال والمنصب، ودرجة كبيرة من العزلة والابتعاد عن خضم الحياة الاجتماعية والسياسية. وهكذا كانت حياة (جمال حمدان) بالفعل حتى انتهت فجأة، بسبب حادث أليم. كان من الطبيعي أيضًا أن يشعر المثقفون المصريون بصدمة عنيفة إذ علموا بموته المفاجئ، ومن ثم لم تتوقف المقالات الحزينة التي تبكيه وترثيه وتتحدث عن مناقبه وعمى أسدى إلى الثقافة المصرية من أياد، وكأن كل مثقف مصري يتمنى في دخيلة نفسه لو كان قد فعل مثلما فعل (جمال حمدان).

ثم يقول عنه:

لقد كان (جمال حمدان) يمثل دائمًا ما يشبه “الضمير” للمثقفين المصريين، يتذكرونه من حين لآخر، خصوصًا عندما تقسوا الحياة لدرجة يتمنى المرء معها لو كان قد خاضها من وقت بعيد، كما خاضها (جمال حمدان).

ثم يتطرق أكثر لحياة (جمال حمدان) التي اتسمت بالتقشف، والاستغناء عن متارف الحياة:

كنت أعرف مما سمعته عنه أنه يعيش عيشة متقشفة للغاية، ولكني دهشت أشد الدهشة عندما رأيت صورة حجرة نومه ومطبخه. فلم أكن أتصور أن هناك من لا يزال يعيش في القاهرة بمثل هذا التقشف، فما بالك بأستاذ جامعي وكاتب شهير؟ […] مرة أخرى يذكرنا (جمال حمدان) بما تتكون منه حاجات الإنسان الحقيقية، وبقول أحد فلاسفة اليونان القدماء إذ سار في الأسواق متعجبًا: “كم تمتلئ هذه الأسواق بأشياء لست في أدنى حاجة إليها!“.

جلال أمين

قد يكون هذا الحال، مع الأمور التي لا تهم الكاتب أو المثقف، لكن إذا ما سألنا عن حال مكتبته الخاصة نجده يجيبنا:

ولكن شيئًا أخر استرعى انتباهي ودهشتي. لقد قال بعض من زار شقته بعد وفاته إنهم فوجئوا بحجم مكتبته. كانوا يظنون من روعة ما كتب (جمال حمدان)، أن مكتبته تضم الآلاف المؤلفة من الكتب، فإذا بها من حيث العدد مكتبة متواضعة للغاية، مثلها منل حجرة نومه ومطبخه. بعض الكتب الأساسية تشغل عددًا صغيرًا من الرفوف أو مكومة على الأرض، وهذا كل ما في الأمر. قال معارفه إنه كان يتخلص من حين لآخر من الكتب التي لا يحتاج إليها، كما أنه كان كثيرًا ما يستعير الكتب أو يطلب نسخًا من مقالات منشورة في الخارج، ثم لا يستبقي منها إلا ما يعرف أنه سوف يحتاج إليه من جديد. أيًا كان الأمر، فإن قليلًا من التروي يبين لنا أنه ليس ثمة غرابة في قلة ما لديه من كتب. فمع كل ثراء (جمال حمدان) بالمعلومات، لم يكن هذا هو المميز الحقيقي لها، وما جعل منه هذه الظاهرة الفريدة التي استولت على إعجابنا. كان الرجل يفكر ويبحث عما خفي من الروابط بين الأشياء، وليس مجرد جامع للمعلومات أو شارحًا لها، ولهذا جاء كتابه فريدًا بين الكتب، إذ لم يكن من تلك المؤلفات التي تزخر بها الأسواق والمكتبات والتي لا تفعل أكثر من “تجميع ما افترق وتفريق ما اجتمع” على حد تعبير أحد الأدباء.

فباختصار، يمكن القول عن حياة طبيعة جمال حمدان:

أضف إلى هذا بالطبع أن الرجل، كما هو واضح، لم يكن مغرمًا بالاقتناء، ولم تسيطر عليه رغبة عارمة في الاستحواذ والتملك. كان الكتاب في نظره يُكتب ليُقرأ، لا ليُقتنى ويوضع على الرف. فإذا قرأ الكتاب واستوعب، انتهت مهمته وجاز الاستغناء عنه.

 

ننتثل إلى كتاب (رحلتي الفكرية) والذي يعد سيرة ذاتية للدكتور (عبدالوهاب المسيري). يحكي فيه الدكتور (عبدالوهاب المسيري) عن نفسه عندما كان يعد رسالته “أثر الشعر الرومانتيكي الإنجليزي والشعر الرمزي الفرنسي على شعر إبراهيم ناجي“، بأنه تأثر بـ(جمال حمدان)، فيقول:

وفي دراستي عن (جمال حمدان) درست قضية “الأثر” مرة أخرى، قزأت كتابه (اليهود أنثروبولوجيًا). لكنني حين قرأته كنت أبحث ساعتها عن المعلومات شأني شأن أي باحث، ولكن يبدو أيضًا أنني استوعبت منظومة فكرية كاملة ثم استنبطتها تمامًا دون أن أدري. ولذا حينما تأملت في علاقتي بـ(جمال حمدان) هالني حجم تأثري به في طريقة تفكيره. لقد جاء في كتابه الكثير من المعلومات والوقائع، فأخذت منها ما أخذت، واستبعدت ما استبعدت، ثم تبدلت المعلومات وتحورت، كما تتبدل المعلومات وتتحور، ولكن بقي ما هو أهم، بقي فكره ورؤيته ومنهجه.

فيقول بعد ذلك عن أثر (جمال حمدان) في كتابات (المسيري):

أثر (جمال حمدان) لا يمكن أن تجده في سطر أو سطرين أو صفحة أو صفحتين مع كتاباته، وإنما هو بين السطور، وهذا هو أعمق أثرًا. ولكن مع سيطرة النموذج التراكمي المعلوماتي، أهملت أهمية هذا النوع من التأثر. إن مجال البحث العلمي بالنسبة للكثيرين هو الحقائق وليس الحقيقة. هو المعلومات وليس الأنماط الكامنة وراءها، ولذا فحينما يُدرس أثر كاتب على آخر فإن الدارسين عادةً ما يبحثون عن عدة جمل وعبارات واقتباسات مباشرة نقلها الكاتب المتأثر من الكاتب المؤثر.

يطرح (المسيري) سؤالًا آخرًآ: لماذا لم يشتهر (جمال حمدان) ولم تُنشر كتبه بكثرة، ككتابه العظيم (استراتيجية الاستعمار والتحرير

كما أنني يمكنني أن أثير قضية أخرى، وهي: لِم لم يؤثر (جمال حمدان) في هؤلاء الذين يكتبون دراسات في نفس الموضوع بطريقة تتناسب مع حجمه الفكري؟ يمكنني القول إن النموذج المعلوماتي التراكمي سيطر تمامًا وخوّل كل شيء (الآراء والرؤى والأحلام والآلام) إلى معلومات. ولذا تحوّلت كتابات هذا المفكر الفذ إلى مادة أرشيفية، يتناولها بنهم الكتَّاب المعلوماتيون. وأعتقد أن معظم ما يُكتب هذه الأيام يُكتب صدورًا عن هذا النموذج، ولكن الأسوأ من هذا أن ما يُقرأ الآن يُقرأ بنفس الطريقة، وهكذا تضيع الحقيقة ولا يبقى سوى الحقائق.

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a

فأغلب الكتب اليوم تضخ المعلومات بدلًا من المعرفة، وتراكم الأفكار بدلًا من إيجاد نسق فكري كامل.

ولذا فكل كتب (جمال حمدان) هي كتب إشكالية، محاولة للإجابة عن سؤال ما، وتصب كل الأسئلة في مشروع فكري واحد، محوره مصر. فـ(جمال حمدان) صاحب فكر وليس ناقلًا للأفكار (مثل عدد لا يُستهان به ممن يسمون بالمفكرين في بلادنا، ممن حعلوا همهم نقل آخر فكرة وآخر صيحة، عادةً من الغرب). صاحب الفكر هو إنسان قد طوَّر منظومة فكرية تتسم أجزاؤها بقدر من الترابط والاتساق الداخلي، فهي تعبر عن قلقه وآماله، ويكمن وراؤها نموذج معرفي واحد، رؤية واحدة للكون. أما ناقل الأفكار، فهو إنسان ينقل أفكارًا متناثرة لا يربطها بالضرورة رابط، وتنتمي كل فكرة إلى منظومة فكرية مستقلة.

ثم يعقب قائلًآ:

(جمال حمدان) لا ينتمي إلى هذه المدرسة المعلوماتية التراكمية التي استشرت تمامًا في صفوف الباحثين بسبب سهولة الإنتاج العلمي من خلالها (استبيانات – جداول – تحليل سطحي للمضمون – استطلاع رأي – أرقام). ولا شك في أن غياب المشروع الحضاري المستقل يزيد من انتشار هذا النموذج، إذ يحل التفكير السهل المباشر من خلال الكم المصمت محل التفكير المركب من خلال الرؤية والهوية والحلم والأمل، ويصبح التلقي المهزوم والإذعان (الموضوعي) للأمر الواقع بديلًا لمحاولة رصد الواقع بأمل تغييره وإعادة صياغته.

فالمدرسة المعلوماتية التراكمية، هي مدرسة تلقينية، تقف من العالم موقف المتفرج.

إن المدرسة المعلوماتية التراكمية معادية للفكر والإبداع. إنها تدور في إطار الموضوعية المتلقية، السلبية. العقل عندها آلة ترصد وتسجل، وليس طاقة إنسانية مبدعة تعيد صياغة العالم. وهي لا تكترث بالحق أو الحقيقة ؛ فهي قد غرقت تمامًا في الحقائق والوقائع والأفكار المتناثرة، ترصدها من الخارج دون تعمق ودون اجتهاد وكأنها أشياء مرصوصة، كم لا هوية له، ولذا تفقد الظواهر شخصيتها ومنحناها الخاصين.

 

البراجماتيّة الأمريكية و البراجماتيّة التلموديّة عند المسيري

عبدالوهاب المسيري

عبدالوهاب المسيري (1938-2008) هو مفكر وعالم اجتماع مصري، في كتابه (الفردوس الأرضي) و الذي نُشر مرة واحدة عام 1978م في بيروت و لم يُنشر ثانية، برغم أهميته الفائقة في إلقاء الضوء على مرحلة فارقة في حياة مؤلّفه العلاّمة, وتطوّره الفكري.

يقول موطّداً لأوجه التشابه بين الوجدان الأمريكي و الصهيوني و تطابقهما – على الرّغم من أن الحضارة الأمريكية لايزيد عمرها على بضعة قرون, بينما تتباهى الحضارة اليهودية الإسرائيلية بتاريخ قديم قِدم الإنسان – بقوله:

ولعلّ أهم أوجه التّشابه بين الوجدانين أنّ كليهما يرفض التاريخ بعناد و إصرار، أو على الأقل يحوّله إلى أسطورة متناهية في البساطة. و قد بدأ التاريخ الأمريكي حينما استقلّ البيوريتانيون سفنهم و هاجروا من أوروبّا إلى العالم الجديد أو أرض الميعاد؛ هرباً من المشاكل التي أثارها التاريخ الأوروبي. و البيوريتانيون أو التطهيريون هم لفيف من البروتستانت المتطرفين، الذين وجدوا من العسير عليهم البقاء داخل الكنيسة الإنكليزية لأنها – حسب تصوّرهم – لم تبتعد بما فيه الكفاية عن النمط الكاثوليكي في العبادة بما فيه من طقوس و تماثيل و زخارف؛ و طالبوا بتطهير العبادة المسحية من كل هذه العناصر الدخيلة التي لم يأتِ لها ذكرٌ في العهدين القديم و الجديد.

إن العودة للبساطة الأولى للتطهيريين، الذين حاولوا تشييد مدينتهم الفاضلة أو -صهيون الجديدة كماكانوا يسمونها- حسب المثل و القواعد التي وضعها و طبّقها المسيحيون الأُول ( ولمَ لا؛ أليسوا هم النخبة الصالحة التي ورثت رؤى العهد القديم و الجديد؟ ). ولذا يُمكننا القول إن الوجدان البيوريتاني يرفض التاريخ المسيحي كله، بل يرفض أية رؤية تاريخية على الإطلاق؛ لأن العودة إلى البساطة الأولى ( وهي نقطة سكون ميتافيزيقية غير متطورة أو متغيّرة ) تصبح واجب كل فرد في كل زمان و مكان.

يتجلّى أثر هذا التصوّر البيوريتاني في الأعمال الأدبية و الفنيّة الأمريكية و ذكر منها: قصائد إيميلي
ديكنسون و أشعار والت ويتمان.

و في مقابل الرفض البيوريتاني الأمريكي، الرفض الصهيوني الإسرائيلي للتاريخ اليهودي في الدياسبورا ( الشتات ).

يُوضّح ذلك بقوله:

فالصّهاينة يرون أن الوجود اليهودي في أي حضارة غير يهودية ظاهرة شاذة و علامة على المرض الروحي؛ ولذلك فهم أيضاً يعودون إلى ” البساطة الأولى ” أيام كان اليهود يعيشون ككيان قوميّ مستقل فريد لم تدخل عليه الشوائب ( التاريخية ) المختلفة؛ غير اليهودية. و الصّهاينة يرون أن التاريخ اليهودي يؤدي إلى النهاية الإسرائيلية السعيدة و في الفردوس اليهودي الجديد يحمل كل المواطنين أسماء عبرانية لها رنين خاص ( على عكس يهود الحركة الإصلاحية في أوروبا؛ الذين تخلوا عن أسمائهم العبرانيّة و سموا أنفسهم بأسماء أوروبية لا تميّزهم عن الشعوب التي ينتمون إليها).

يُلخّص هذا التشابه بقوله:

إن أسطورة العالم الجديد الذي يتحلّى بالبساطة و البراءة، و الذي هو أقرب إلى الفردوس الأرضي؛ تُسيطر على الوجدانين الأمريكي و الصهيوني.

و أمّا عن فهم المدينة الفاضلة فلم يختلف فهم البيوريتان عن فهم الصّهاينة لإسرائيل؛ فهم كانوا مقتنعين تمام الاقتناع أنهم هاجروا من أوروبا للعالم الجديد ليُنشئوا ” مدينة على التلّ ” تنظر إليها كل الأمم و تحاكي أفعالها، وبذا يعمّ الخير و يأتي الخلاص. و المفهوم البيوريتاني للتاريخ مفهوم ديني ضيّق، يرى في كل شيء علامةً مرسلة من الله يستشهد بها على شيءٍ مّا. و كما هو الحال مع الإسرائيليين، نجد أن البوريتانيين استخدموا هه ” العلامات” الربّانية لتبرير كل أعمالهم العدوانيّة، من إبادة للهنود الحمر و احتلال لأراضي الغير. وقد استمر هذا التزاوج بين الأحلام الدينيّة و الأحلام القوميّة التوسّعية الأمريكيّة حتى القرن التاسع عشر, فوالت ويتمان كان يؤمن بالفتوحات التوسّعية (في المكسيك و غيرها) بنفس إيمان المسيحي بـ : السر الإلهي على حد قوله، كما كان يحلم بأمريكا العظمى التي تمتد من كندا و من القطب إلى خط الاستواء, وكان يسمي هذا بـ “الرؤيا العذبة“.
أما أوسوليفان المفكر الأمريكي التوسّعي. فقد كان يسمّي هذا التوسّع بـ “القدر الجليّ“، وهو قدر لأنه مكتوب على الأمريكيين أصحاب الرسالة الخالدة، وهو جليٌّ لأنه واضح للعيان ولا جدل فيه.

و عقليّة الريادة تُسيطر على كلٍ من الصّهاينة و الأمريكيين؛ فالبوريتانيون “اكتشفوا” أمريكا ثم انتشروا فيها عن طريق إنشاء مستعمرات ذات طابع زراعي عسكري. و المستوطنون الصّهاينة هم الآخرون “اكتشفوا” فلسطين واحتلّوها بنفس الطريقة.
وعقليّة الرائد عقلية عملية تفضّل الفعل على الفكر, و النتائج العملية على الاعتبارات الخلقية.

و لعلّ وجه الشبه الرئيسي بين الوجدانين الأمريكي و الصهيوني الإسرائيلي هو العنف العصري، فرفض التاريخ نتج عنه تعامٍ عن الواقع وتجاهل لكل تفاصيله.
ولذلك وقع البيوريتانيون والصهاينة في تناقضات رؤياهم المثالية القبيحة، رؤيا عالم جديد بريءٍ لا يمكن أن يُشيّد إلا عن طريق العنف و الإبادة، إبادة الهنود الحمر و الفلسطينيين؛ الفردوس و الجحيم في آنٍ واحد.

و من أوجه التشابه الرئيسية بين المجتمعين الإسرائيلي و الأمريكي؛ أنّ كليهما مجتمع استيطاني يتكوّن من المهاجرين الذين عليهم أن يطرحوا عن أنفسهم هويّتهم القديمة، ليكتسبوا هويّة قوميّة جديدة بمجرد وصولهم إلى نيويورك أو حيفا.
و اكتساب الهوية الجديدة هو مشكلة المشاكل بالنسبة لكل المجتمعات الاستيطانية الرافضة للتاريخ و التراث، و التي تُفبرك “تراثاُ جديداً” يدور حول أسطورة بسيطة يؤمن بها “الإنسان الجديد” .
فأمريكا استحدثت أسطورة “آدم الديمقراطي الجديد”، الذي يأتي إلى الأرض أو الجنة العذراء ليقيم فيها، ويستلهم كل مافي التراث العالمي من إيجابيات و ينفتح على كل الحضارات اليهودية الخالصة، والذي يهاجر إلى أرض الميعاد اليهوديّة ليحارب غي جيش يهوديّ، و يزرع في حقل يهودي، ويقرأ في كتاب يهودي ( وربما يحب على الطريقة اليهودية و يقتل بالطريقة نفسها ).

 

و على المستوى الإعلامي يُؤكّد المسيري على ضرورة فهمنا للعلاقة المشتركة بين المجتمعين بقوله:

يجب أن نضع في اعتبارنا أنه من اليسير على الشعب الأمريكي فهم العقلية الإسرائيليّة و التعاطف مع الشعب الإسرائيلي و قيَمه اللاأخلاقية من عنصرية و عنف، نظراً للتشابه بين وجدان الشعبين. و هذه النتيجة ليست فيها أيّة دعوة لليأس، و إنما هي مجرّد تعرّف على عنصر موجود بالفعل إن لم نعترف به هزمنا و أُفشلت خططنا. أما اعترافنا به فيساعدنا على معرفة حدود و مدى أي حملة إعلامية نقوم بها.
إن الشّعب الأمريكي وقادته الذي تسيطر عليهم عقلية الرائد و الكاوبوي؛ لايفهمون سوى منطق القوّة ولايعترفون إلا بالنتائج العمليّة المباشرة لذلك فالإعلام الذي لاتسنده قوة أو وضع قائمٌ بالفعل ماهو إلا دعوة للأخلاق الحميدة لن يُنصت لها إلا ذوو النوايا الطيبة و حتى هؤلاء سينسونها و ينسوننا بعد دقائق.

عبدالوهاب المسيري يتكلم عن الجنس والمجتمع الأمريكي

عبدالوهاب المسيريعبدالوهاب المسيري (1938-2008) هو مفكر وعالم اجتماع مصري، تدور أغلب أعماله عن اليهود والصهيونية، وعن العالم المعاصر الحديث ونقده وتفكيكه. في كتابه (رحلتي الفكرية) والذي يُعد بمثابة سيرة ذاتية “غير ذاتية وغير موضوعية” للمؤلف كما يصفها، جعل أحد الأقسام ليتحدث فيه عن أفكاره حول العالم الغربي، وتطرق بعد ذلك إلى الحالة الجنسية في العالم الحديث فيقول بداية عن تصوراته القديمة للحالة الجنسية:

كانت إحدى الصور النمطية الشائعة في عقولنا والنموذج التفسيري الكامن فيه أن الجنس طاقة (مادية) إن فُرِّغت بطريقة “عادية” “طبيعية” “سوية” فإن الفرد يصبح عاديًا وطبيعيًا وسويًا، أما إن كُبتت فإنها تصبح قوة مدمرة. وهي معادلة بسيطة ومعقولة لأول وهلة على الأقل، ولذا كان من المفهوم أن ينشغل الشرقيون بالجنس، فهم مكبوتون قُمعت رغباتهم الجنسية في طفولتهم ومراهقتهم، ولذا طاقتهم الجنسية كلها مخزونة، وهو ما أدّى إلى تشوههم النفسي الكامل، وتحولوا إلى مراهقين أزليين. هذا ما تعلمناه ؛ كما تعلمنا أيضًا أن الأمور مختلفة تمامًا في الغرب، فهم يتصرفون بشكل طبيعي إذ أنهم يسربون الطاقة الجنسية بلا قمع ولا كبت.

ولكن حينما وصلت إلى الولايات الأمريكية وجدت أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأن المعادلة البسيطة التي آمنت بها لا تفسِّر الأمور، إذ لاحظت إقبال الأمريكيين النهم وانشغالهم المتطرف (وأحيانًا المرضي) بالجنس، بينما مجال الإشباع الجنسي متاح أمامهم بشكل ديموقراطي مذهل.

يحاول بعد ذلك تحليل هذه الحالة الغربية فيقول:

لعله يعود إلى (رؤيتهم) المادية للجنس، كما لو كان الجنس شيئًا طبيعيًا ماديًا ؛ مسألة غدد وعضلات وحسب، مسألة محايدة تمامًا لا تختلف عن أي عملية بيولوجية أخرى (مثل تناول الطعام) ؟ وكثيرًا ما سمعتهم يقولون إن الجنس مثل الطعام تمامًا. ولعل محاولة تطبيع الجنس تفسر رغبتهم العارمة في ممارسة الجنس في العلن، بلا إحساس بالحرج أو الخصوصية أو الفردية، خاصة بعد انكماش رقعة الحياة الخاصة. ومحاولة تطبيع الجنس تظهر في أن المجتمع الأمريكي يُظهر عدم الاكتراث بعلاقة الجنس بالمجتمع، أو كما يقولون : لا يهم سلوك الإنسان في السرير، المهم هو سلوكه أمام شباك التذاكر !

وعدم الاكتراث هذا هو نتيجة لتبسيط الإنسان واختزال دوافعه. ولهذا لم يدرك كثير من الأمريكيين أن الجنس مسألة إنسانية مركبة خاصة وفردية وأنها مرتبطة برؤية الإنسان للكون وهويته الفردية. وعدم إدراكهم لهذه البسيطة العميقة، هو أحد أسباب عدم الارتواء الجنسي، فهم يمارسون الجنس في إطار مادي، يترك كيانهم الإنساني بلا إشباع.

يتطرق بعد ذلك إلى أثر ذلك على حالة المجتمع والأسرة داخل المجتمع، فيقول:

هذا إلى جانب أن الباحث عن اللذة هو إنسان فرد مكتف بذاته (موضع الحلول)، لا يطيق أي حدود أو قيود، أو مسؤولية، ولهذا فهو غير قادر على إرجاء تحقيق رغباته، فهو يود أن يحققها في التو (الآن وهنا)، وخاصة أن هذا الفرد يعيش في مجتمع نفعي مادي، لا يعرف المثاليات التي تساعده على تجاوز ذاته الضيقة. وفي تصوري أنه لا يمكن إرجاء إشباع الرغبات إلا من خلال الإيمان بمَثل أعلى يتجاوز حدود الفرد وحيزه.

ومثل هذا الفرد المكتفي بذاته لا يمكنه أن يقبل مؤسسة الأسرة، فهي مؤسسة تُلقي على كاهله (كأب وكأم) مسؤوليات اجتماعية شتى، وتفرض حدودًا وقيودًا، عليه أن يقبلها، وهو من الصعب عليه أن يفعل، فهو يعيش لنفسه ولمتعته وفائدته ولذته، ولذا تَضْمُر مؤسسة الأسرة تمامًا. ولعله لهذا يزداد العزوف عن النسل أو الزواج، مع ازدياد الإحساس بأن الأسرة عبء لا يُطاق وأن مسؤولية تنشئة الأطفال تفوق طاقة البشر.

لكن تحطم الأسرة بدوره يزيد من السعار الجنسي، إذ إن الأسرة هي المؤسسة الوحيدة التي يمكن داخلها تنظيم الرغبات الجنسية دون أن تتم عملية قمع كاملة لها. أم المؤسسات التي حلت محل الأسرة، فهي قادرة على القمع الكامل وحسب، وحيث إن هذا مستحيل، فإنه يحل محله الترخيصية الكاملة.

وأعتقد أن الشذوذ هو النتيجة المنطقية والترجمة الوحيدة الأمينة لمبدأ اللذة النفعي، فالإنسان الشاذ يمكنه أن ينشئ علاقة مع شخص آخر من جنسه فيتغلب على اغترابه بشكل مؤقت ثم يعود مرة أخرى لحياته الاستهلاكية البسيطة. وهو يتغلب على اغترابه دون أن يدخل في علاقات ذات آثار اجتماعية تضطره للدخول في علاقة حقيقية مع الآخرين ومع الواقع، إن العلاقة مع شخص من نفس الجنس هي أقل العلاقات الإنسانية جدلية.

يقول في موضع آخر عن علاقة الجسد بالجنس:

لقد انفلتت الرغبات الجنسية من عُقالها، وبدلًا من أن تحرر الإنسان، حيدته ثم استعبدته. فانتشرت الإباحية وتم تطبيعها بشكل لم يعرفه المجتمع الأمريكي من قبل. بل يُخيّل إليّ أحيانًا أننا يجب أن ننظر إلى الإباحية الأمريكية لا في علاقتها بالجنس، وإنما علاقتها بالتشريح، فبعض الأعمال الإباحية الحديثة تنظر للجسد لا باعتباره شيئًا يثير الشهوة وإنما باعتباره شيئًا يُنظر إليه بشكل معملي، شبه محايد. فكأن الهدف من الإباحية هنا ليس إرضاء الشهوات وإنما اختزال الإنسان إلى جسد، ثم تشريح أو تفكيك هذا الإنسان وتحويله إلى مادة استعمالية، ومن هنا محورية فعل (يُعري). فالتعرية هنا تبدأ بالجسد وتنتهي بتعرية الإنسان من تركيبه وإنسانيته. لكل هذا يُنظر للجنس بطريقة محايدة للغاية وكأنه نشاط بيولوجي منفصل عن القيمة.

وعن أثر ذلك على الحالة الفنية والأعمال الأدبية:

ويرتبط بقضية الجنس والاهتمام المحموم به، عدة قضايا. فقد ظهرت أعمال أدبية تتعامل مع الجنس بشكل مكشوف ومباشر، وتحاول أن تتحدث عما يسمّى (لغة الجسد). ولا أعرف أي لغة هذه، فاللغة بطبيعتها مجردة، ولكنها مرة أخرى محاولة أن يُحصر الإنسان في نطاق حواسه الخمس، وإنكار مقدرته على أن يُجاوز ذاته الطبيعية المادية، فهي دعوة رجعية لا إنسانية. إن الأعمال الأدبية التي تتحدث بلغة الجسد (والحواس الخمس) أعمال ترفض التعامل مع رحابة وتركيبية الظاهرة الإنسانية.

تلخيصًا لعلاقة الجسد والجنس، يقول:

إن الجسد هو الصورة المجازية الأساسية في عصر التحديث، أما الجنس فهو صورته في عصر ما بعد الحداثة. ولمزيد من الإيضاح بينت أن ما يحدث الآن في الفلسفة الغربية الحديثة هو إعطاء الجنس (واللذة والشهوة والرغبة) أسبقية معرفية على كل شيء، بل إن الجنس بدأ يحل محل اللغة، فعلى الرغم من أن اللغة في رأي أنصار ما بعد الحداثة هي نظام مستقل عن الواقع (فهي نظام لا يشكله الإنسان الفرد الواعي)، فإنها يوجد فيها بعض ظلال الإله – أي المعنى والرغبة في التفسير والذات والموضوع. أما الجنس، فقد تخلص من هذا تمامًا. فالجنس رغبة فردية محضة ولكنها لا فردية فيها، فالجميع يشعر بها ويمارسها. والرغبة لا يمكن أن يُحكم عليها من خارجها، ولذا فهي تتحدى التفسير، ومن يتمسك بها تمامًا لا يسقط في الميتافيزيقا بسبب اكتفائها بذاتها. وبهذا يمكن القول بأن الرغبة الجنسية أقرب من الجسد إلى المادة الأصلية الأولى التي تتحدث عنها الفلسفة المادية والتي ليس لها أصل رباني، إنها تشكل المرجعية المادية الكامنة الحقة التي لا تعرف أي تجاوز.

يختتم كلامه في نهاية المقالة فيقول:

وهذا هو الاتجاه المتزايد نحو الانشغال بالجسد والجنس ليس حكرًا على المجتمع الأمريكي، بل هو ظاهرة عالمية، آخذة في الاتساع مرتبطة بتساقط الأيدلوجيا وانتشار فكر ما بعد الحداثة. ومهما كان الأمر فإن قضية الجنس كانت من القضايا المهمة التي اكتشفت من خلالها بساطة الرؤية المادية الاختزالية وأنها تؤدي لا إلى تحرير الإنسان وإنما إلى تفكيكه.