أرشيف الوسم: المعرفة

ما هي المعرفة والمهارات التي تستحق التعلم؟ تشوميسكي يجيب

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، تحدثوا عن المعارف والمهارات التي تستحق التعلم، وأهداف التعليم، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية القيمة: ما هي المعرفة والمهارات التي تستحق التعلم؟ و ما هي أهداف التعليم؟

إن المعرفة توصف بأنها: “المهارات المكتسبة من قبل شخص ما من خلال الخبرة والتعليم والتطبيق العملي أو فهم الموضوع”. ما بالنسبة لقاموس أكسفورد فيحدد المعرفة بالتالي: “هي الوقائع، والمعلومات المكتسبة و الفهم النظري والعملي للموضوع”.

يرى (تشومسكي) ان المدارس تستخدم كأداة لنقل المعرفة؛ ولكن المشكلة هي ان المهارات والمعرفة التي تدرس غالبا ما تكون غير جديرة بالتعلم. إن الهدف من التعليم الحالي، وفقا لـ(تشومسكي)، هو إنتاج بشر يحملون قيم التكديس والجمع وحب السيطرة، ولكن بدلا من ذلك يجب ان يكون هدف التعليم إنتاج بشر لديهم الحرية في المشاركة والعمل ولكن تحت شروط عادلة.

فالتعليم الحالي يحمل نهجا آليا غير واعي، وهو في معظمه تدريب بلا معنى “استعدادا لامتحانات الاختيار من متعدد”. وتتجلى هذه الآلية غير المجدية في المناهج الدراسية التي تفرضها الولاية حيث تكون الاختبارات الموحدة ضرورية لقياس نمو الطلاب والنجاح التعليمي. ويرى (تشومسكي) أن “قيمة التعليم الحقيقية تكمن في تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب وتحفيزهم لاكتساب المعرفة المفيدة لهم والعمل بها”. ولكن بدلا من ذلك ،يكلف الطالب بالالتزام بمناهج الدولة المكتوبة حيث تكون الاختبارات القياسية ضرورية وقائمة على المنهج . وهكذا يتم دفع الطلاب عن غير قصد للتعلم من خلال حفظ الحقائق، وليس من خلال التفكير النقدي.

ويشير ايضا إلى نقطة في غاية الأهمية وهي ان المجتمع لا يزيد من جودة التعليم الا بما يكفي لمتطلبات السوق. ببساطة يتم تدريب الطلاب على أن يكونوا عمال مطاوعين وممتثلين. بهذه الطريقة يتم تحجيم عملية التعليم إلى “معلمين ذوي معرفة كافية لنقل المعلومات” فحسب ، بدلا من مساعدة الطلاب على التفكير بمستوى أعلى. وفي مقابلة مع (دونالدو ماسيدو)، وصف (تشومسكي) التعليم بعبارة: “إن ما يحدث في مدارسنا هو مستوى عميق من التلقين حيث يصبح المعلمين بمثابة عاملون يقومون بمهمة ما تم التعاقد معهم للقيام بها”. و تقوم المدارس بتدريس وفرض الطاعة بل تستخدم كنظام لفرض التحكم والإجبار. ويوضح (تشومسكي) أن الطفل المتعلم بتعريف المجتمع هو الذي تم ترويضه ليطيع السلطة والهيكل المجتمعي.

(تشومسكي) يشكو من أن الأطفال لا يتم تعليمهم ليتحدوا السائد ويفكروا بشكل مستقل ، ولكن يتم تدريسهم ليكرروا، يتبعوا الأوامر ويطيعوا. ويصف التعليم بأنه فترة مبكرة من الانظمة والتوجيه، مع منظومة من المعتقدات الكاذبة. واستنادا إلى هذه التحليلات، ينبغي أن تكون أهداف التعليم تشجيع وتنمية القدرة والطاقة والمدارك الطبيعية للطفل.


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الأول من أربع مقالات، ستُنشر تِباعًا، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية.

منافع القراءة لدى رديارد كيبلنغ

روديارد كبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. وكما ألف العديد من القصص القصيرة. منها (الرجل الذي اصبح ملكا) 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.
من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرقفةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .
وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.
وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.
إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .

الفرق بين المتعلم والمثقف عند هشام شرابي

C20N1

هشام شرابي (1927-2005)، هو مفكر فلسطيني ولد في يافا، ودرس في الجامعة الأمريكية في بيروت، هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل أستاذا لتاريخ الفكر الأوروبي والعلوم السياسية في جامعة جورجتاون بواشنطن. ساهم في إنشاء عدة مؤسسات تُعنى بشؤون الوطن العربي والقضية الفلسطينية. له عدة مؤلفات عن النظام الاجتماعي والأسري للمجتمعات العربية، الهدف منها اكتشاف كيف يمكن النهوض بمجتمع فاعل وذلك بنقد تناقضاته.

في مقدمة كتابه (مقدمات لدراسة المجتمع العربي)، يكتب (شرابي) عن تجربته الخاصة في إعادة النظر بأفكاره السابقة واكتشاف مدى عمق الثقافة المسيطرة في تشكيل وعيه وفكره، حتى وإن وصل لأعلى الدرجات العلمية، مدركا أن أولى خطوات التحرير هي التحرير الذاتي والتخلص من عبودية الفكر المسيطر وهي عملية غاية في الصعوبة تتطلب إعادة النظر في جميع ثوابت الموروث وإخضاعها لتمحيص ونقد مستمر وشامل. يظهر هنا دور المثقف في التغيير، لكن هناك لبس مستمد من الجهل العام في اعتبار أن كل متعلم هو بالضرورة مثقف. في كتابه يفرق (شرابي) بين المتعلم والمثقف موضحا:

للثقافة والمثقفين مكانة خاصة في المجتمعات الفقيرة النامية، والجهل يرسم صورة مضخمة للعلم والمتعلمين، ويعطي المثقف مركزا متميزا ويتوقع منه المستحيل. وفي تصور هذه المجتمعات يختلط المثقف بالمتعلم، ويصبح كل من حصل على قسط من العلم، في نظرها، مثقفا. الواقع ان المثقف ليس من أحسن القراءة والكتابة، أو من حصل على شهادة علمية (هناك أميون بين حملة شهادة الدكتوراه)، بل إن ما يميز المثقف في أي مجتمع صفتان أساسيتان:

الوعي الاجتماعي الذي يُمكن الفرد من رؤية المجتمع وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري متماسك.

والدور الاجتماعي الذي يمكن وعيه الاجتماعي من أن يلعبه، بالإضافة إلى القدرات الخاصة التي يضفيها عليه اختصاصه المهني أو كفايته الفكرية.

وعليه، فمجرد العلم حتى لو كان جامعيا لا يضفي على الفرد صفة المثقف بصورة آلية، فالعلم ما هو إلا اكتساب موضوعي ولا يشكل ثقافة في حد ذاته، إنه يصبح ثقافة بالمعنى الشامل إذا توفر لدى المتعلم الوعي الاجتماعي، ذلك العامل الذاتي الذي من خلاله فقط يصبح الفرد مثقفا، حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة، ومن دونه يبقى أميا، حتى لو كان طبيبا أو أستاذا جامعيا.

وحدة المعرفة، المعلومة، والمفكِّر، جمال حمدان أنموذجًا

 

جمال حمدان

جمال حمدان (1928-1993) قد يكون أحد المثقفين والكُتاب العرب المعاصرين، الأكثر شأنًا، والأقل حظًا وشهرة اليوم. اشتهر بكتابه المكوّن من أربعة مجلدات، والذي حمل اسم (شخصية مصر)، وله العديد من الكتب والكتيبات الصغيرة، المنشورة قديمًا، والتي توقفت أغلب دور النشر حاليًا عن تداولها، للأسف الشديد. في كتاب (شخصيات لها تاريخ)، أفرد الدكتور (جلال أمين) مقالة باسم “جمال حمدان وضمير المثقفين المصريين”، تحدث فيها عن حياته، وعن عمله الأشهر (شخصية مصر)، يقول د. (جلال أمين):

قرأت في الكتاب لأول مرة عندما ظهر الجزء الرابع والأخير منذ عشر سنوات، فوجدته ينتمي إلى ذلك الصنف النادر جدًا من الكتب، المؤهل بحق للبقاء عشرات من السنين دون أن يبلى أو يفقد أهميته. وربما كان أهم ما يميزه هو تلك الفكرة الكامنة في عقل المؤلف والحاكمة لمنهجه واتجاهات تفكيره، وهي ما يمكن أن نسميه بـ”وحدة المعرفة“. فالقارئ يشعر منذ الصفحات الأولى بأن مختلف فروع المعرفة تتداخل طرقاتها وتؤدي بعضها إلى بعض، بل وتتفاعل بعضها مع بعض بحيث لا يمكن لمن يقتصر على فرع واحد من فروع المعرفة أن يفهم أي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية فهمًا حقيقيًا.

ثم يورد بعض الكلمات يتحدث فيها عن حياة (جمال حمدان) الشخصية:

كان من البديهي أن عملًا من نوع هذا العمل الذي عقد (جمال حمدان) العزم على القيام به، يتطلب حياة أقرب إلى حياة الرهبان، وزهدًا في المال والمنصب، ودرجة كبيرة من العزلة والابتعاد عن خضم الحياة الاجتماعية والسياسية. وهكذا كانت حياة (جمال حمدان) بالفعل حتى انتهت فجأة، بسبب حادث أليم. كان من الطبيعي أيضًا أن يشعر المثقفون المصريون بصدمة عنيفة إذ علموا بموته المفاجئ، ومن ثم لم تتوقف المقالات الحزينة التي تبكيه وترثيه وتتحدث عن مناقبه وعمى أسدى إلى الثقافة المصرية من أياد، وكأن كل مثقف مصري يتمنى في دخيلة نفسه لو كان قد فعل مثلما فعل (جمال حمدان).

ثم يقول عنه:

لقد كان (جمال حمدان) يمثل دائمًا ما يشبه “الضمير” للمثقفين المصريين، يتذكرونه من حين لآخر، خصوصًا عندما تقسوا الحياة لدرجة يتمنى المرء معها لو كان قد خاضها من وقت بعيد، كما خاضها (جمال حمدان).

ثم يتطرق أكثر لحياة (جمال حمدان) التي اتسمت بالتقشف، والاستغناء عن متارف الحياة:

كنت أعرف مما سمعته عنه أنه يعيش عيشة متقشفة للغاية، ولكني دهشت أشد الدهشة عندما رأيت صورة حجرة نومه ومطبخه. فلم أكن أتصور أن هناك من لا يزال يعيش في القاهرة بمثل هذا التقشف، فما بالك بأستاذ جامعي وكاتب شهير؟ […] مرة أخرى يذكرنا (جمال حمدان) بما تتكون منه حاجات الإنسان الحقيقية، وبقول أحد فلاسفة اليونان القدماء إذ سار في الأسواق متعجبًا: “كم تمتلئ هذه الأسواق بأشياء لست في أدنى حاجة إليها!“.

جلال أمين

قد يكون هذا الحال، مع الأمور التي لا تهم الكاتب أو المثقف، لكن إذا ما سألنا عن حال مكتبته الخاصة نجده يجيبنا:

ولكن شيئًا أخر استرعى انتباهي ودهشتي. لقد قال بعض من زار شقته بعد وفاته إنهم فوجئوا بحجم مكتبته. كانوا يظنون من روعة ما كتب (جمال حمدان)، أن مكتبته تضم الآلاف المؤلفة من الكتب، فإذا بها من حيث العدد مكتبة متواضعة للغاية، مثلها منل حجرة نومه ومطبخه. بعض الكتب الأساسية تشغل عددًا صغيرًا من الرفوف أو مكومة على الأرض، وهذا كل ما في الأمر. قال معارفه إنه كان يتخلص من حين لآخر من الكتب التي لا يحتاج إليها، كما أنه كان كثيرًا ما يستعير الكتب أو يطلب نسخًا من مقالات منشورة في الخارج، ثم لا يستبقي منها إلا ما يعرف أنه سوف يحتاج إليه من جديد. أيًا كان الأمر، فإن قليلًا من التروي يبين لنا أنه ليس ثمة غرابة في قلة ما لديه من كتب. فمع كل ثراء (جمال حمدان) بالمعلومات، لم يكن هذا هو المميز الحقيقي لها، وما جعل منه هذه الظاهرة الفريدة التي استولت على إعجابنا. كان الرجل يفكر ويبحث عما خفي من الروابط بين الأشياء، وليس مجرد جامع للمعلومات أو شارحًا لها، ولهذا جاء كتابه فريدًا بين الكتب، إذ لم يكن من تلك المؤلفات التي تزخر بها الأسواق والمكتبات والتي لا تفعل أكثر من “تجميع ما افترق وتفريق ما اجتمع” على حد تعبير أحد الأدباء.

فباختصار، يمكن القول عن حياة طبيعة جمال حمدان:

أضف إلى هذا بالطبع أن الرجل، كما هو واضح، لم يكن مغرمًا بالاقتناء، ولم تسيطر عليه رغبة عارمة في الاستحواذ والتملك. كان الكتاب في نظره يُكتب ليُقرأ، لا ليُقتنى ويوضع على الرف. فإذا قرأ الكتاب واستوعب، انتهت مهمته وجاز الاستغناء عنه.

 

ننتثل إلى كتاب (رحلتي الفكرية) والذي يعد سيرة ذاتية للدكتور (عبدالوهاب المسيري). يحكي فيه الدكتور (عبدالوهاب المسيري) عن نفسه عندما كان يعد رسالته “أثر الشعر الرومانتيكي الإنجليزي والشعر الرمزي الفرنسي على شعر إبراهيم ناجي“، بأنه تأثر بـ(جمال حمدان)، فيقول:

وفي دراستي عن (جمال حمدان) درست قضية “الأثر” مرة أخرى، قزأت كتابه (اليهود أنثروبولوجيًا). لكنني حين قرأته كنت أبحث ساعتها عن المعلومات شأني شأن أي باحث، ولكن يبدو أيضًا أنني استوعبت منظومة فكرية كاملة ثم استنبطتها تمامًا دون أن أدري. ولذا حينما تأملت في علاقتي بـ(جمال حمدان) هالني حجم تأثري به في طريقة تفكيره. لقد جاء في كتابه الكثير من المعلومات والوقائع، فأخذت منها ما أخذت، واستبعدت ما استبعدت، ثم تبدلت المعلومات وتحورت، كما تتبدل المعلومات وتتحور، ولكن بقي ما هو أهم، بقي فكره ورؤيته ومنهجه.

فيقول بعد ذلك عن أثر (جمال حمدان) في كتابات (المسيري):

أثر (جمال حمدان) لا يمكن أن تجده في سطر أو سطرين أو صفحة أو صفحتين مع كتاباته، وإنما هو بين السطور، وهذا هو أعمق أثرًا. ولكن مع سيطرة النموذج التراكمي المعلوماتي، أهملت أهمية هذا النوع من التأثر. إن مجال البحث العلمي بالنسبة للكثيرين هو الحقائق وليس الحقيقة. هو المعلومات وليس الأنماط الكامنة وراءها، ولذا فحينما يُدرس أثر كاتب على آخر فإن الدارسين عادةً ما يبحثون عن عدة جمل وعبارات واقتباسات مباشرة نقلها الكاتب المتأثر من الكاتب المؤثر.

يطرح (المسيري) سؤالًا آخرًآ: لماذا لم يشتهر (جمال حمدان) ولم تُنشر كتبه بكثرة، ككتابه العظيم (استراتيجية الاستعمار والتحرير

كما أنني يمكنني أن أثير قضية أخرى، وهي: لِم لم يؤثر (جمال حمدان) في هؤلاء الذين يكتبون دراسات في نفس الموضوع بطريقة تتناسب مع حجمه الفكري؟ يمكنني القول إن النموذج المعلوماتي التراكمي سيطر تمامًا وخوّل كل شيء (الآراء والرؤى والأحلام والآلام) إلى معلومات. ولذا تحوّلت كتابات هذا المفكر الفذ إلى مادة أرشيفية، يتناولها بنهم الكتَّاب المعلوماتيون. وأعتقد أن معظم ما يُكتب هذه الأيام يُكتب صدورًا عن هذا النموذج، ولكن الأسوأ من هذا أن ما يُقرأ الآن يُقرأ بنفس الطريقة، وهكذا تضيع الحقيقة ولا يبقى سوى الحقائق.

d8a7d984d985d8b3d98ad8b1d98a

فأغلب الكتب اليوم تضخ المعلومات بدلًا من المعرفة، وتراكم الأفكار بدلًا من إيجاد نسق فكري كامل.

ولذا فكل كتب (جمال حمدان) هي كتب إشكالية، محاولة للإجابة عن سؤال ما، وتصب كل الأسئلة في مشروع فكري واحد، محوره مصر. فـ(جمال حمدان) صاحب فكر وليس ناقلًا للأفكار (مثل عدد لا يُستهان به ممن يسمون بالمفكرين في بلادنا، ممن حعلوا همهم نقل آخر فكرة وآخر صيحة، عادةً من الغرب). صاحب الفكر هو إنسان قد طوَّر منظومة فكرية تتسم أجزاؤها بقدر من الترابط والاتساق الداخلي، فهي تعبر عن قلقه وآماله، ويكمن وراؤها نموذج معرفي واحد، رؤية واحدة للكون. أما ناقل الأفكار، فهو إنسان ينقل أفكارًا متناثرة لا يربطها بالضرورة رابط، وتنتمي كل فكرة إلى منظومة فكرية مستقلة.

ثم يعقب قائلًآ:

(جمال حمدان) لا ينتمي إلى هذه المدرسة المعلوماتية التراكمية التي استشرت تمامًا في صفوف الباحثين بسبب سهولة الإنتاج العلمي من خلالها (استبيانات – جداول – تحليل سطحي للمضمون – استطلاع رأي – أرقام). ولا شك في أن غياب المشروع الحضاري المستقل يزيد من انتشار هذا النموذج، إذ يحل التفكير السهل المباشر من خلال الكم المصمت محل التفكير المركب من خلال الرؤية والهوية والحلم والأمل، ويصبح التلقي المهزوم والإذعان (الموضوعي) للأمر الواقع بديلًا لمحاولة رصد الواقع بأمل تغييره وإعادة صياغته.

فالمدرسة المعلوماتية التراكمية، هي مدرسة تلقينية، تقف من العالم موقف المتفرج.

إن المدرسة المعلوماتية التراكمية معادية للفكر والإبداع. إنها تدور في إطار الموضوعية المتلقية، السلبية. العقل عندها آلة ترصد وتسجل، وليس طاقة إنسانية مبدعة تعيد صياغة العالم. وهي لا تكترث بالحق أو الحقيقة ؛ فهي قد غرقت تمامًا في الحقائق والوقائع والأفكار المتناثرة، ترصدها من الخارج دون تعمق ودون اجتهاد وكأنها أشياء مرصوصة، كم لا هوية له، ولذا تفقد الظواهر شخصيتها ومنحناها الخاصين.

 

ألبير كامو، وأحاديثه عن ثنائية الحب والموت

Albert Camus

ألبير كامو (1913 – 1960) فيلسوف وجودي، وكاتب مسرحي، وروائي فرنسي. ونال جائزة نوبل للآداب بعام 1957 “على مجمل أعماله التي تسلط الضوء، بجدية ثاقبة، على كل المشكلات التي تُطرح في زمننا على ضمير البشر”. انتقينا لكم هنا من مذكراته أفكاره حول ثنائية الحب والموت، علنا بذلك نصل إلى صورة كاملة عن نظرته الفريدة. يقول (كامو) في بداية أحاديثه:

لو كان عليّ تأليف كتاب عن الأخلاق، لجعلته من ١٠٠ صفحة، ٩٩ منها بيضاء. وكتبت في الأخيرة: “لا أعرف سوى واجب واحد، ألا وهو الحب”. [١٩٣٧]
فحالة الحب، كما يقول، تساعد المرء على المضي في حياته ضد اليأس، والعالم العبثي برأيه:
يجب أن يكون لدى المرء حُب – حب كبير في حياته، لأنه ضد حالات اليأس غير المبرر التي تضنينا. [١٩٣٧]
فهذا العالم العبثي، ليس له أي حقيقة، وكل من يعتقد بأنه وصل إلى الحقيقة، فهو واهم:
بؤس هذا العالم وعظمته، في كونه لا يهب الحقائق أبدًا، وإنما الحب. فالعبثية تسود، والحب ينقذنا منها. [١٩٣٨]
الغرور الفريد للإنسان الذي يود أن يقنعنا، ويقنع ذاته، في أنه يطمح إلى الحقيقة، بينما هو يطالب العالم بشيء من الحب والتقدير. [١٩٣٨]
ومن تلك النقطة ينطلق إلى ثنائية الحب والموت، فكلاهما ضروري لتعريف الآخر:
في لحظة ما، سنفقد الإحساس بمشاعر الحب. فلا يبقى إلا ما هو مأساوي. والعيش من أجل شخص ما، أو فكرة ما، يفقده معناه. فلا نجد من معنى إلا لفكرة الموت من أجل شيء ما. [١٩٤١]
الموت هو ما يعطي للحب شكله مثلما يعطي للحياة شكلها، محوّلًا كل ذلك إلى قدر. فإذا ماتت المرأة التي تحبها فحبك لها سيبقى ثابتًا إلى الأبد، ولولا تلك النهاية لتلاشى. ولولا الموت لكانت الحياة سلسلة من الأشكال المتلاشية، والمبعثة هربًا وقلقًا. ولحسن الحظ، هناك ما هو ثابت، الموت. [١٩٤١]
ويصل بذلك إلى نقطة يلخص فيها نظرته بين المعرفة والحب:
الحب، والمعرفة، مترادفتان للمعنى ذاته. [١٩٤١]
ثم ينتقل إلى الأخلاق وعلاقتها بالحب، فيقول:
لا يمكن المحافظة على مشاعر الحب، إلا لأسباب خارجية. كالأخلاق مثلًا. [١٩٤٣]
فالأخلاق ضرورة للحفاظ على المشاعر. والحب هو الآخر ضرورة أخلاقية:
علينا أن نلتقي بالحب، قبل أن نلتقي بالأخلاق، وإلا تمزق الأخير. [١٩٤٩]
وفي النهاية، فالحب سبب رئيسي للحياة ومعناها، وللفن والإبداع أيضًا:
لا اكتمال من غير حب، أي التخلي عن الذات والموت في العالم، حتى النهاية. في حالة الذوبان في الحب، ستكون قوة الحب هي ما يبدع، ليس أنا. [١٩٥٠]
من غير المنطقي في الحب، أن نرغب في تسريع أيامنا وتبديدها. وكأننا هكذا نرغب بالاقتراب من النهاية، ويلتقي بذلك الحب مع الموت. [١٩٥٠]
يقتبس بعد ذلك مقولة للفنان الشهير (فان كوخ):
يقول (فان كوخ): “إذا ما استمررنا في الحب بإخلاص، لكل ما هو جدير بالحب، ولم نهدر مشاعرنا على ما هو سخيف وتافه وغير ممتع، سنحيى -نتاجًا لذلك- في النور، ونصبح أكثر قوة”.
 ويعقب قائلًا:
من لا يعطِ شيًئا، لا يحصل على شيئ. ليس الشقاء الأكبر ألا تكون محبوبًا، وإنما ألا تحب. [١٩٥٢]
فالحب عطاء، لا يتعلق بالآخر، وإنما بقدرتنا على الحب:
حب لا يحتمل مواجهة الواقع ليس حُبًا. وإذًا، فعدم القدرة على الحب هو امتياز خاص بالقلوب النبيلة. [١٩٣٩]
لا أحد يستحق الحب، لا أحد على مستوى هذه الهبة غير المحدودة. [١٩٥٣]