أرشيف الوسم: المعرفة

تأملات في “تاريخ راسلاس” لصموئيل جونسون

samuel johnson
ولد صاموئيل جونسون عام 1709 بمقاطعة ستافورد شاير، وهو ابن بائع فقير، بدأ بكسب عيشه عن طريق الكتابة للصحف، لحين اصداره للقاموس التاريخي الأول باللغة الإنجليزية الذى تسبب في شهرته، ارتاح من العوز بعد ان خصصت له الحكومة مرتبا سنويا، اعتبر اعظم شخصية ادبية في عصره في انجلترا خلال الفترة الأخيرة من حياته من اشهر اعماله: قصيدة (عبث الأمنيات الإنسانية)، مقالاته الدورية، روايته الأخلاقية  (راسلاس)، تحريره لمسرحيات (شكسبير)، سلسلته الطويلة (مقدمات حياتية ونقدية) أعمال الشعراء الإنجليز، توفي عام 1784 .

كتب هذه الرواية ردا على كتاب انتشر في زمنه، اسمه (بحث في طبيعة الشر واصله) لكاتب اسمه (سوم جنتز)، نشر لتقديم تفسير ديني لزلزال حدث في ذلك الوقت، وقتل ثلث سكان مدينة لشبونة، يستند كتاب سوم على نظرية الفيلسوف (ليبنتز)، القائلة أن هذا العالم خير العوالم الممكنة، وأن اساسه انسجام جميع عناصره، انسجاما يتمشى مع الحكمة الإلهية، وما نظنه شر لابد أن يكون خيرا في النهاية، واستند (جونسون) في رده على هذا الكتاب إلى مسيحية تقليدية، ترى الحياة بعد خروج آدم من الجنة مرحلة مليئة بالآلام التي يمكن تفسير بعضها وبعضها لا يفسر، وأنه لا أمل في الخلاص من هذا الشقاء، إلا بالفناء واتصال الروح بالملأ الأعلى، فكان رد (جونسون) ينطوي على الكثير من الشجاعة  ومواجهة الحقيقة، وحمل الناس على آلا يخدعوا انفسهم بأنفسهم.

وفي سنه 1759ماتت امه، وكان بحاجة للإنفاق على دفنها، فكتب هذه القصة الفلسفية، واسماها: (راسلاس: أمير الحبشة)، في سبع ليال، فكانت رد على نظرية التفاؤل لـ(ليبتنز) وسوم جنتز، واسم “راسيلاس” هو اسم بطل القصة، واستعاره المؤلف من كتاب اسمه رحلة إلى الحبشة للأب (لوبو).
يستهل المؤلف الرواية برسالة إلى القارئ – ربما إلى ذاته – يخبره مسبقا بالسبب الذى كًتبت من أجله: “الاعتبار”، فيقول:

أنتم يا من تنصتون إلى همسات الخيال بثقة عمياء، وتتشبثون بخدع الأمل تشبث الملهوف، يا من تتوقعون أن الشيخوخة ستحقق ما نعلقه على الشباب من آمال ووعود، وتظنون أن نقص اليوم سيكمله الغد، اعتبروا بحياة (راسلاس) امير الحبشة.

يقول أيضًا في روايته:

أنا خائف بان خيالك يطغى على مهارتك، وبأنك تعلمني الآن ما تتمناه، وليس ما تعرف.

ويقول أيضًا في فلسفة:

المتناقضان لا يمكن أن يكونا صحيحين معا، ولكن التناقض ينسب للبشر، ومن الممكن أن يكون صحيحا.

ويقول عن المعرفة:

المعرفة احد اساليب السعادة، الجهل حرمان مطلق، لا يولد أي شيء، إنه خواء للعقل، تجلس الروح فيه دونما حراك، إننا نستمع بالعلم دائما، ونتألم عندما ننسى!

وفي موضع آخر يقول:

لا تشغل بالك بآمال أو مخاوف أخرى، غير ما تؤيده الحكمة والعقل، فإنه إذا سرتك تنبؤات بالخير، فقد تسوءك وتفزعك علامات الشر، وتصبح حياتك كلها فريسة للخرافة.

ثم يقول أيضًا:

الإنسان الذى يركز على تفضيله لأشياء محددة دون غيرها، ويصر عليها بشكل قاطع، فإنه يجب أن يعيش ويموت وهو يستمر في البحث والعمل، لكن الحكماء يختارون لأنفسهم بالتأكيد، طريقة الحياة التي يعتقدون بأنها غالبا ما تجعلهم سعداء.

وفي موضع آخر، يقول:

تريث في ثقتك واعجابك  بمعلمي الأخلاق، فإنهم الملائكة حين يتكلمون، ولكنهم يعيشون كالبشر.

ويقول:

الأشياء الخارجية تتغير بشكل طبيعي أما الحقيقة والمنطق هما دائما نفسهما لا يتبدلان.

يقول (جونسون) أيضًا:

كل شكل من اشكال الحياة خير، لمن يعيش عيشة صالحة.

ويقول عن العزلة:

لقد عشت في عزلة مدة خمسة عشرة عاما، سررت بالتغيير المفاجيء. في البداية، وبعد أن ذهبت بهجة التجديد بدأت اشغل ساعاتي في تفحص النباتات، لقد اصبحت لبعض الوقت غير مستقلا ومشوش الذهن، لقد اضطرب عقلي بالشك، وبزخرفات الخيال، تشوش خيالي بمشاهد حمقاء، وبدأت أرثي لفقداني الكثير ولكسبي القليل جدا، لقد قررت أن اعود إلى العالم غدا، حياة العزلة للإنسان تكون تعيسة بالتاكيد ولكن ليست بالضرورة ورعة .

ثم يتحدث أيضًا عن السعادة قائلًا:

لا يوجد شيء اكثر عبثا من البحث وراء سعادة قد وضعتها الطبيعة بلطف في متناولنا، إن الطريق لأن تكون سعيدا هو في العيش طبعا للطبيعة، أن نعيش طبقا للطبيعة، هو أن نتصرف مع الأخذ بعين الإعتبار جيدا، التلاؤم الناتج عن علاقات ونوعيات الأسباب والمؤثرات، وبأن نتوافق مع الخطط الكبيرة والثابتة للسعادة الكونية، وبأن نتضافر مع الترتيبات والنزعة العامة لنظام الأشياء الحالي.

وتحدث أيضًا عن الأجيال والحكمة، فقال:

إن وجهات النظر للأبناء والأهل، للشباب والمسنين، متعارضة بشكل طبيعي بفعل التأثيرات المتعارضة للأمل واليأس، للتوقعات والخبرة، هذا التعارض يكون دون جريمة أو حماقة ترتكب من قبل أي من الطرفين؛ كيف لأحد الأطراف أن يستحسن ما يراه امامه غير حقيقي.

وفي حديث عن الأخطاء، يقول:

الذى لديه الكثير ليقوم بإنجازه لا بد له من ارتكاب الخطأ، وسوف يعاني من نتائج ذلك الخطأ، واذا كان من الممكن أن يتصرف دائما بشكل صحيح فإن الأشخاص السيئين سيعترضونه بمكرهم والجيدين بخطئهم.

وعن الشر وفلسفته، وعلاقة ذلك بالسعادة، يقول:

جميع النقاشات التي تدور عن الشرور الحتمية والضرورية، نقاشات غير مجديه، دعونا نتوقف عن النظر في الأشياء التي ربما لن تحدث، إن مهمتنا هي النظر فيما تستطيع مخلوقات مثلنا انجازه، أي كل واحد يجتهد من أجل تحقيق سعادته الخاصة عن طريق تنمية سعادة الآخرين ضمن دائرته، مهما كانت ضيقة.

وفي الاختلاف:

نختلف عن أنفسنا بالقدر الذى يختلف فيه بعضنا عن الآخر، عندما نرى فقط جزءا من سؤال ما، لكن عندما ندرك الكل فورا كما هي الحال في الإحصاءات الرقمية، فإن الجميع يوافق على حكم واحد ولا أحد يغير رأيه ابدا.

في الاختيار بين الخير الفردي، والخير المجتمعي، يقول:

الخير للكل هو خير للأجزاء،  فما هو الأفضل للبشرية يجب أن يكون الأفضل بالنسبة للأفراد ايضا.

ويقول:

الأشياء التي تتماثل أمامنا الآن بحاجة إلى انتباه شديد، وهي تستحق هذا.

لا شك أن رواية (حونسون)، تحمل في طياتها الكثير من الحكمة. من ذلك مقولته التالية:

لكي نعرف أي شيء يجب أن نعرف مؤثراته، لكي نرى البشر يجب أن نرى اعمالهم، لكي نحكم بشكل صحيح على الحاضر يجب أن نعكسه علىالماضي، لأن جميع الأحكام هي نسبية، الوضع الحالي للأشياء هو نتيجة لوضعها السابق، ومن الطبيعي أن نبحث أين تكمن منابع الخير الذى نستمتع به أو منابع الشرالذى نتألم منه.

أما الجهل، يقول عنه:

الجهل جريمة عندما يكون اراديا، من يرفض أن يعلم الآخرين كيف بالإمكان منع الشر فإنه سيتهم بأنه شرير.

وفي دراسة التاريخ، يقول:

لا يوجد جزء من التاريخ اكثر فائدة بشكل عام، من ذلك الذى يروي تقدم العقل البشري، والحركة التدريجية للعقل والتقدم المتلاحق للعلم، والاختلاف بين العلم والجهل .

ويقول في موضع آخر:

المثال دائما أشد تأثيرا من المبدأ، عندما تصطدم العين أو الخيال بعمل فذ، فالانتقال القادم للعقل النشيط، يكون في التفكير بالوسائل التي نفذ بها هذا العمل، وبهذا نوسع ادراكنا بأفكار جديدة، وربما نعيد بعض الفنون الضائعة للبشرية.

وفي الحياة الاجتماعية، والحب، يقول:

من ليس لديه شخص يحبه ويثق به لديه القليل ليأمل به.

ويقول أيضًا في المعرفة والتعليم:

الثروة تكون عديمة النفع إذا لم تمنح، المعرفة كذلك إذا لم تنقل للآخرين. لذا يجب أن ينقلا للآخرين، حب الخير هو الوحيد الذى من الممكن أن يمنح الراحة، التي نستطيع الاستمتاع بها دون شريك لنا، وبإمكاننا ممارسة الخير ونحن منعزلون.

ويقول في موضع آخر:

حالة العقل الذى يرهق بفاجعة مفاجئة، تشبه حالة عقل سكان أرض حديثة الخلق، الذين عندما يأتي الليل عليهم للمرة الأولى فإنهم يفترضون بأن النهار لن يعود ثانية.

وفي وصف العقول:

إن عقولنا كاجسامنا في تحول دائم، في كل ساعة يفقد شيء ما، ويطلب شيء ما، والمسافة لديها التأثير نفسه على العقل، كما هي على العين، فبينما ننزلق مع تيار الوقت، فكل ما نتركه خلفنا يتضائل تدريجيا، بينما يتزايد حجم الأشياء التي نقترب منها.

وعن السخرية، يقول:

ليس من الحكمة أو الإحسان أن نسخر من اعمق المشاعر الإنسانية القليلون من يمتلكون معرفة هذا الإنسان، والقليلون من يمارسون فضائله، لكن الجميع من الممكن أن يعاني من الشقاء الذى يعانيه هو.

وعن الخيال:

لا يوجد انسان لا يطغى خياله في بعض الأحيان على عقله، عقله الذى ينظم انتباهه كليا بإرادته، والذى يجعل افكاره تاتي وتذهب بأمره هو  لكن إذا كانت هذه المقدرة شيئا بإمكاننا التحكم به وكبحه، فإنها ستكون غير ظاهرة للاخرين، ولا تعتبر فسادا في القدرات العقلية، ولا يقال عنها بأنها جنون، إلا عندما تصبح غير متحكم بها وتؤثر على الكلام والتصرفات بشكل ظاهر، وتتعزز سيطرة الخيال بالتدريج، فتصبح في البداية ضرورة ملحة، ومن ثم تصبح تحكمية، بعدها يعمل الخيال على أنه وقائع، وتتثبت الأفكار الزائفة في العقل، وتمضي الحياة في احلام الذهول والحسرة، هذه هي تأثيرات الأشياء المتخيلة، عندما نصوغها في البداية نعرف جيدا بأنها غير حقيقية، ولكننا نتآلف معها بالتدريج، ومع الوقت لا نتمكن من رؤية عيوبها.

وفي الخديعة:

خيانة ضد جمهورية الإنسانية العظيمة استعمال فضائل أي انسان كوسيلة لخداعه، سواء كان ذلك لأسباب كبيرة أم صغيرة، جميع انواع الغش تضعف الثقة وتفترمن همة السعي وراء الخير، وربما يوقف عدم الثقة الذى يتولد صوت النصيحة، عند ذلك اين سنجد القدرة على اعادة احسانه إلى البشرية أو اعادة هدوء البال إلى نفسه.

ويقول في قطعة، تعكس الحكمة التي كُتبت بها الرواية:

إن الإنسان الذى يتخذ قرارات ضد اشياء يعرفها، بسبب احتمال وجود بعض الأشياء التي لا يعرفها، ذلك الإنسان الذى يضع احتمالا افتراضيا ضد عقيدة راسخة، لا يجب بأن نعترف به بين الكائنات العاقلة، إذا نقضت الأشياء المعروفة بالنسبة إلينا، من قبل اشياء لا نعرفها، فإنه لن يكون هناك أي كائن بشري بإمكانه الوصول إلى اليقين، إلا العالم بكل شيء. 

ونختم بهذه المقولة من الرواية:

إن هؤلاء الذين يستلقون امامنا هنا ( الموتى )، وهم حكماء وأقوياء الأزمنة القديمة، ينبهوننا لكي نتذكر قصر الحياة التي نعيش، ولربما اختطفهم الموت بينما هم مشغولون مثلنا نحن في خيار الحياة.

نظريات تشوميسكي في التعلم والتعليم

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، التعلم، وكيف يتم اكتساب المعارات والمعارف، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية التعلم: ما هو التعلم؟ كيف يتم اكتساب المهارات والمعارف؟

وفقا لـ(تشومسكي)، تحدد اللغة ما يعنيه أن تكون إنسانا ودراسة اللغة وسيلة لدراسة العقل البشري. “على الرغم من أن وجود لغة ليست شرطا اساسي لامتلاك العقل، ولكنها أفضل دليل لدراسة طبيعة العقل” (سميث، 1999). وفيما يتعلق بتعلم اللغة، يزعم تشومسكي أن بعض جوانب اللغة يتم تدريسها بوضوح في المدرسة مثل التهجئة الإملائية للكلمات وأشكال المفردات التقنية؛ ومع ذلك، فإن الجوانب الأساسية للغة “عالمية”. ونحن نعلم جميعا نفس اللغة البشرية الفريدة. هذا المفهوم من قواعد اللغة العالمية هو مجموعة من المبادئ اللغوية التي وهبنا اياها عند الولادة بحكم كوننا بشرا (سميث، 1999). ويؤكد (تشومسكي) أيضا أن هناك “فترة سانحة” وراثيا لاقتناء اللغة هي في السنوات الاولى. وإذا لم يتعلم الطفل لغته الأولى خلال هذه الفترة، فإنه لن يحقق “مرحلة الإتقان” لأي لغة (سميث، 1999).

وقد قدم (تشومسكي) في كثير من الأحيان العديد من أنواع الأدلة المختلفة لصالح الادعاء بأن اللغة هي في جزء كبير منها وراثية بما في ذلك جانب السرعة وجانب اهمية السن في امتلاك اللغة. أننا لسنا بحاجة إلى “تعلم” أن لغتنا تحتوي على الأسماء والأفعال. كل اللغات تحتوي على أسماء و أفعال وهذا نعره بالبديهة (سميث، 1999). ولكننا  نحتاج إلى تعلم الاصوات داخل اللغة التي ترتبط مع الأسماء والأفعال.

ويؤكد (تشومسكي) أيضا أن هناك كيانا بيولوجيا، عضو ذهني محدود يتطور لدى الأطفال على طول أحد المسارات، التي يتم تحديدها مسبقا قبل أي خبرة من مرحلة الطفولة. إنه جهاز اللغة الذي ينشئ، القواعد النحوية، الموجود في الدماغ والذي يلعب دورا محوريا في امتلاك الشخص للغة. تصف لغة الإنسان الطبيعة المميزة للعقل. إن الاستخدام العادي للغة يمكن ان يعتبر كنشاط إبداعي. ويشير تشومسكي إلى أننا لن نفهم، وربما لن نفهم أبدا ما الذي يجعله من الإمكان بأي حال للذكاء البشري العادي استخدام اللغة كأداة لنقل الفكر والشعور (مكجيلفراي، 2005)

ثم يتحدث عن أحد نظريات التعلم، وهي النقل:

نظرية النقل: ما الذي سُيدرس ؟ بأي الأساليب؟ ما هو المنهج؟

وفقا لـ(تشومسكي)، الهدف من التدريس هو المساعدة في النمو المثمر ومساعدة الطلاب على أن يصبحوا مهتمين بعملية التعلم. ويذكر ان “الطلاب عادة ما يكونون مهتمين، فإذا تم الحفاظ على إهتمام وفضول الأطفال الموجود مسبقا او حتى إثارته، فإنهم سيستطيعوا ان يفعلوا كل أنواع الأشياء بطرق لا يمكن تخيلها … هيليب؛ “ (تشومسكي، 1992). وبعبارة أخرى، إن دور المعلم هو ان يبقي الأطفال مشاركين ومندمجين في عملية التعلم ومهتمين بالاستكشاف وبالاستقلال. ويجب ان ينصب التركيز على عملية تعلم الطلاب بدلا من عملية تدريس المعلمين.

في مقابلة مع (ليليان ر. بوتنام) في خريف عام 1987، سئل (تشومسكي) “… إذا كان معلمي الصفوف الأولية على دراية بعملك، ما هي أنواع التغييرات التي قد يقوموا بها في تعليمهم للقراءة؟ وما هي الاقتراحات التي قد تساعدهم؟” فأجاب (تشومسكي): “أنا متردد حتى في أن أقترح جوابا على هذا السؤال، إذ يتعين على الممارسين أن يقرروا بأنفسهم ما هو مفيد في العلوم وما ليس بمفيد، وبصفتي لغوي، ليس لدي مؤهلات أو معارف معينة تمكنني أو تخولني أن أصف طرق تدريس اللغة، وكشخص، لدي أفكاري الخاصة حول الموضوع، استنادا إلى تجربتي الخاصة كمعلم لغة للأطفال، اما بحسب تأملاتي وحكمي الشخصي، أن على أي مستوى،سواءا من الحضانة إلى الدراسات العليا، التعليم هو إلى حد كبير مسألة تشجيع التنمية الطبيعية الموحودة داخل الانسان ، وأفضل أسلوب للتدريس هو توضيح أن الموضوع يستحق التعلم، والسماح للطفل – أو للكبار – بإستخدام الفضول الطبيعي الموجود فيهم وإهتمامهم الفطري بالحقيقة و بالفهم في سبيل النضج والتطوير، وهذا هو حوالي 90٪ من المشكلة اننا نركز لى اللامحتوى بدلا من قدر الإهتمام بالمحتوى من جهة الطالب، و في مقابلة مع غاري أولسون وليستر فيجلي، يقول تشومسكي أن التدريس هو في الغالب “الحس السليم الفطري”. ولا يهم ما تم تغطيته من المادة العلمية ولكن كم طورت من القدرة والكفاءة على الاكتشاف والفضول (2007)

ومن ثم تطرّق إلى المجتمع، دوروه في التعليم:

نظرية المجتمع: ما هو المجتمع اليوم؟ ما هي المؤسسات المشاركة في العملية التعليمية؟

يصف (تشومسكي) المجتمع اليوم بأنه “حضارة صناعية حديثة” وان القوة الدافعة لهذه الحضارة هي “المكسب المادي” (تشومسكي، 2007). واي حضارة قائمة على المبدأ الاقتصادي و المكاسب المادية هي حضارة معرضة للخطر.

إذا كان المجتمع الصناعي الحديث يطمح إلى التغيير، فإن “متطلبات الحياة، ناهيك عن العدالة، تتطلب تخطيطا اجتماعيا رشيدا لمصلحة المجتمع ككل، و الآن ذلك يعني المجتمع العالمي” (تشومسكي، 2007). وھذا یعني أن المجتمع سیحتاج إلی النظر أولا في “المصلحة المتبادلة” للمجتمع بدلا من “المصلحة الذاتیة” عند التخطیط الاجتماعي (تشومسکي،  008 2)

ووفقا لـ(كوهين وروجر) (1991)، يعتقد (تشومسكي) أن هناك أملا في المجتمع، وهو “يقع على خلفية مفهومه للطبيعة البشرية” و “مفهوم غريزة الحرية التي تقع في جوهره” (ص 14 ). وهو يفترض أن “القيود المفروضة على حرية الإنسان لم تكن مطلوبة قط للبقاء وللعيش في اي حقبة سابقة لى مر التاريخ” سوف تميل إلى التخلي عنها، نتيجة للطبيعة الأخلاقية للبشر، و“غريزة الحرية”، و “الجهود المستمرة للتغلب على الهياكل الاستبدادية وتوسيع نطاق الحرية” التي تنتج عن تلك الغريزة “(كوهين، 1991). وبعبارة أخرى، فإن التعدي على حقوق الإنسان في المجتمع يتعارض مع طبيعتنا الإنسانية الغريزية، ومن ثم سيتم التحقيق في الداعي لإنكار هذه  الحريات. ويشكل الرق وحقوق المرأة أمثلة على هذه الانتهاكات غير المبررة (أرنوف، 2005).

إن المجتمع الحقيقي “الديمقراطي” هو الذي لا يحكمه تسلسل هرمي قائم على الاحتفاظ بالسلطة. “المجتمع الديمقراطي حقا هو المجتمع الذي تتاح فيه للجمهور في المشاركة الفعالة والبناءة لتشكيل السياسة الاجتماعية: في مجتمعهم المباشر، في مكان العمل، وفي المجتمع ككل” (أرنوف، 2005). يسعى (تشومسكي) أن يغير “الهياكل الاستبدادية”، بـ“مؤسسات ديمقراطية تقوم على منظمات عاملية تشاركية كاملة (مذهبه)”. ويطالب أيضا (مغيلفراي، 2005) من “المؤسسات القوية” إنشاء هيكل يعطي العمال مزيدا من الاستقلال الذاتي على جميع مستويات المؤسسة. “وهو يعلم أن الشكل الراهن الوحيد للوصول إلى السلطة يتمثل في التصويت للممثلين في أشكال الحكم المحلية والبلدية والإقليمية والوطنية، في رأي (تشومسكي) المجتمع يجب ان يكون محررا جدا للأثرياء، كما  للفقراء، للممتازين وللمحرومين ايضا، لكي يتمكنوا من العيش في مجتمع يقدر جوهر الإنسان لا بحجة ومتطلبات الإنتاج” (ماكجيلفراي، 2005).إنه يأمل في مجتمع حرر نفسه من المطامع المادية وكرس قواه لما هو غرزي كامن في طبيعته البشرية للبحث عن التغيير من أجل حقوق الإنسان اولا وللمصلحة المشتركة للمجتمعات بأسرها ثانيا .

(تشومسكي) يربط بعلاقة مماثلة فيما يتعلق المؤسسات التعليمية في مجتمع اليوم. وفقا لـ(تشومسكي)، المؤسسات التعليمية اليوم مماثلة للمصانع. يتم تعليم الطلاب من قبل “النخب الليبرالية” أو “المثقفين” لزيادة الطاعة والمطابقة ، الامتثال و التماثل . “النخب الليبرالية” أو “المثقفون هم الذين يكتبون التاريخ” الذي يدرس في المدارس و “يجب أن نكون حذرين بشأن” دروس التاريخ المزعومة ، ولا  تستغرب أن تكتشف أن نسخة التاريخ المقدمة تخدم ذاتها وكتابها (أرنوف، 2005)

يعتبر (تشومسكي) المؤسسات التعليمية اليوم المكان الذي لا يملك البشر فيه طابع جوهري وأخلاقي وفكري، أنهم ببساطة يشكلون مادة يتم تشكيلها إلى مديرين ومؤدلجين للقطاع الخاص – هم يدركون بالطبع ما هو جيد وحقيقي (أرنوف، 2005). بدلا من ذلك، يجب أن تهتم المؤسسات التعليمية “بما يكتشفه الطالب بنفسه عندما يثار فضوله الطبيعي ودافعه الإبداعي ، سيكون هذا أساسا لمزيد من الاستكشاف و السبر والتساؤلات والتي قد تؤدي إلىى مساهمة فكرية كبيرة” (أرنوف، 2005)

 


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الثالث من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالة الأولى والثانية مسبقًا، وستتبع بالجزء الأخير.

تشوميسكي، عن الإنسان والمعرفة

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، عن نظرية المعرفة، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية المعرفة: النحو التوليدي والنظرية المعرفي:

غالبية كتابات (تشومسكي) فيما عدا ما يتصل بطبيعة المعرفة تتعلق ببناء اللغة واستخداماتها. فمثلا نظريته عن النحو التوليدي، على الرغم من التطور المستمر لها، تقف بمثابة نموذج لوجهة نظره حول طرق العقل البشري في أخذ وتخزين المعلومات. وصحيح ان كثير من هذه النظريات قابلة للتطبيق في مجال اللغة، ولكنها بمثابة رأي صارخ عن أفكاره حول التعليم وكيف يتشكل الفكر وبقية المعارف البشرية.

“لقد تم تشكيل الفكر عبر قرون من الوعي الإنساني، من خلال التصورات والمعاني التي تربطنا بالطبيعة، لذلك إن أصغر كيان حي، سواء اكان ذرة أو جزيئا، هو بالتأكيد موجود في بنية الأرض وفي جميع مخلوقاتها، سواء كانوا بشرا او من اي اشكال الحياة الأخرى “. معرفة اللغة: أصلها وطبيعتها واستخدامها، ص. إكسي (تشومسكي، 1986) .

نظرية (تشومسكي) عن النحو التوليدي هي في جوهرها وصف الطريقة التي يتعلم الناس بها التواصل. جوهر هذه النظرية هو فكرة أن كل لغات البشر تنشأ من مصدر مشترك، وهي مجموعة فطرية من القواعد والنهج النحوية التي هي جزء من العقل البشري. هذا هو نهج طبيعي جدا، ولكن واحد التي وجدت قبول متزايد من أي وقت مضى بين الخبراء في هذا المجال (تشومسكي،1986).

إن النهج الأساسي المستخدم في نظرية المعرفة مشابه جدا للنهج المستخدم في نظرية معالجة المعلومات. وفقا لـ(تشومسكي)، من أجل الحفاظ على المعرفة، يجب أن تكون هنالك معرفة سابقة موجودة بالفعل لكي ترتبط المعلومات الجديدة بها. ويشار إلى هذه العملية على أنها “بناء” على المعرفة السابقة.

بسبب التشابه في مفاهيم الشبكات الأولية في نظرية معالجة المعلومات، يفترض (تشومسكي) أنه بمجرد ان تدمج المعرفة وخاصة المعرفة الإجرائية في شبكة ما، تصبح غير قابلة للاختزال وللتبسيط (تشومسكي، 2000). فبمجرد ان يتحول شيء واحد إلى شيء معروف ويتصل بشكل ناجح ، سيصبح متصلا بشكل فوري بشبكته الموجودة في ذهن المتعلم. بكلمات تشومسكي؛ “لاحظ أن اعتبارات مماثلة تبين أن المهارة – على سبيل المثال :مهارة ركوب دراجة – لا يمكن تحليلها من حيث القدرات والتصرفات، وما إلى ذلك؛ إذ يبدو أن هناك عنصرا إدراكيا غير قابل للاختزال”. – آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ص 52 (تشومسكي، 2000)

وجهة نظر (تشومسكي) للمعرفة كما يتوقع المرء من لغوي كانت تركز على الإدراك بشكل كبير. إن إطاره النظري يقترب من مفهوم “المعرفة” كظاهرة إدراكية محضة، منفصلة عن قدرة الفرد على تطبيق تلك المعرفة مباشرة على العالم، إنها ظاهرة إدركية وهي في جوهرها مضادة للسلوك. (تشومسكي) نفسه يقول ؛ “لاحظ أخيرا أن تناول المعرفة وإدراكها من ناحية القدرة، ثبت انها غير منتجة تماما ، وهي مجرد معرفة” – آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل، ص 52 (تشومسكي، 2000 )

وهكذا نرى ان فكرة النحو  الغرزي والطبيعي هي التي برزت. كذلك يشير (تشومسكي) ان بعض الوظائف الأساسية للدماغ البشري تنتقل كما الغرائز عن  طريق الطبيعة البشرية المحضة. فعلى سبيل المثال لا يتم تعليمنا كيفية التنفس . إن مفهوم المصفوفة العقلية الكامنة التي تسترشد بها كل لغة الإنسان هو مجرد خروج عن وجهات النظر التقليدية حول أصل التواصل اللفظي (تشومسكي، 2000)

هذا الرأي قائم ويستند عل الطبيعة البشرية. يشير (تشومسكي) ان كل لغة تنشىء اليوم، لها جذر مشترك في مركز اللغة الموجود في الدماغ البشري. ويمكن أن تعزى الأشكال المختلفة التي نشأت بها اللغات إلى انها مجرد طرق ونهج متنوعة للربط بين الكلام وبناء الجمل، ليست تطورا ثقافيا فحسب من خلال أجيال من التجربة والخطأ، ولكنها كانت في الاساس إعادة تشكيل لغرائز كانت موجودة بالفعل منذ الازل.

وفي نقطة أخرى عن الطبيعة البشرية، كُتب:

نظرية الطبيعة البشرية: ما هو الإنسان؟ كيف يختلف عن الكائنات الأخرى؟ ما هي حدود الإمكانيات البشرية؟

(نعوم تشومسكي) لديه وجهة نظر طبيعية جدا أو فطرية للطبيعة البشرية. فوفقا لـ(تشومسكي)، (سوبر، 1998) يرى الإنسان كائن بيولوجي وحيوي مثل أي كائن آخر، إلا أنه يتمتع بقدرة فكرية فريدة قادرة على التفكير والتعقل والتعبير عن الافكار والمنطق (التواصل)، وأن هذه القدرة مشروطة بالحرية. انها مرتبطة داخليا بتكويننا الوراثي تماما مثل نظمنا البصرية والعضلية و النظم البيولوجية الأخرى. خلال مقابلة مع (ميشال فوكو)، قال (تشومسكي) (1971):

“إذا كان هذا الافتراض صحيحا لاحظ كيف أن كل طفل إنساني عادي يكون السلوك الابداعي المعرفي بشكل تلقائي ، وأن الاطفال جميعا وكلهم يفعلونها بنفس الطريقة وتقريبا بلا جهد يذكر ، بينما قد يستغرق الامر قرون من المهارة ليستطيع المرء ان ينتقل من الأدلة إلى النظرية العلمية، فإن الشخص الملاحظ ، إذا كان عقلانيا، سيستنتج أن بنية المعرفة المكتسبة في حالة اللغة هي في الأساس اساسية في العقل البشري “

ويكمن جذر هذا المفهوم في أنه إذا كان الإنسان سليم وراثيا، فسيكون قادرا على تطوير هذه القدرات بغض النظر عن الظروف البيئية ، مثل، مكان ولادته ، أو ممن ولد. هذه الطبيعة البيولوجية والحيوية من خواصنا الاصيلة المهمة جدا والتي من شأنها أن تسمح للإنسان الحصول واستخدام قدرات عديدة مثل التفكير والمنطق والاتصال بالاخرين.

بالإضافة إلى وجهة نظره الطبيعية للبشر وقدراتهم على التفكير والتواصل، يعتقد أيضا أن هذه السمات وخاصة السمات الاخلاقية يمكن العثور عليها عبر الثقافات المختلفة. (تشومسكي) (1998) يدعم هذه الفكرة بالدليل ان الناس من ثقافات مختلفة يمكن ان يقوموا بإيجاد أرضية مشتركة تقبل النقاش لانهم يحملون نفس القوانين الاخلاقية مهما كانت خلفيتهم الثقافية ،ويقول في مقابلة مع (كيت سوبر):

“يمكننا أن نبدأ في رؤية الطبيعة البشرية على انها قدرات معينة لتطوير صفات عقلية معينة، ولكن يمكن أن تذهب أبعد من ذلك، وتبدأ في اكتشاف الجوانب العالمية في هذه الصفات التي تحددها الطبيعة البشرية، فعلى سبيل المثال، منذ وقت ليس ببعيد تحدثت مع اناس في قبائل الأمازون، وبدا لي أن لديهم نفس مفهوم الرذيلة والفضيلة الذي لدي، من المهم ان ندرك انه فقط منخلال تقاسم هذه القيم الاخلاقية نغدو قادرين على التواصل مع بعضنا – لكي نتحدث عن مشاكل وتحديات حقيقية تؤرقنا مثل إجبار سلطات الدولة على الخروج من الغابات، وأعتقد أننا محقين إذا افترضنا انه: لم يكن لدينا أي مشكلة في التواصل رغم أننا كنا مختلفين جدا من الناحية الثقافية”

(تشومسكي) يسقط ويوسع هذه الفضائل  الاخلاقية العالمية إلى كل ثقافة وإلى كل فرد، ويذكر البشر أن يفعلوا الأشياء التي بها تعزيز لحياة الإنسان. ويشرح (تشومسكي) (1998) ذلك بالقول:

“يفسر الناس أعمالهم على أنها تعمل لصالح البشر، حتى في اكثر مستويات الفساد والإجرام يفسروه بدافع نبيل ، فلم يكن النازيون يتباهون أنهم يريدون قتل اليهود، ولكنهم قدموا تبريرات مجنونة – حتى انهم استخدموا تبرير “الدفاع عن النفس”.

والخلاصة منهذا  هي أن الناس “يبررون” لماذا يفعلون الأشياء التي يقومون بها، وهذه الظاهرة عالمية في جميع الثقافات.

ولعل الجانب الأهم في اعتقاد تشومسكي للطبيعة البشرية يكمن في وجهة نظره الأساسية في قدرتنا على أن نكون مبدعين وأن نملك حرية التعبير عن هذا الإبداع. وهذه الحرية ضرورية لإظهار وتنمية هذه القدرات الإبداعية. يمكننا أن نفكر في هذا من خلال التفكير في البشر القليلين الاوليين الذين بدأوا في استحضار لغة مشتركة. بعد العديد من المحاكمات لوضع التنهيدات والزمجرة والتنهد معا والتعاون مع بعضهم البعض، خلق اسلافنا العديد من اللغات التي نعرفها اليوم. وعند هذا المفهوم “التعبير عن إبداعنا بحرية” تورط (تشومسكي) في السياسة. وقال (تشومسكي) (1988):

“بناءً على هذا الرأي عن الطبيعة والاحتياجات البشرية، يحاول المرء أن يفكر في وسائط التنظيم الاجتماعي التي من شأنها أن تسمح للحرية الكاملة لتطوير وتنمية الفرد ، وفي تطوير جميع  إمكانيات الأفراد ايا كان الاتجاه الذي سيتخذونه، من المهم أن نسمح للانسان ايا كان أن يكون إنسانا بشكل تام بكامل حريته وبكامل إبداعه “. (144)

ويبدو أن هذا الوضع بالتحديد يعيق بعض المواقف الحالية للدول والحكومات. فبعض الجماعات تقاوم هذه الحجة القائلة بأن الناس يجب أن يكونوا أحرار في التعبير عن إبداعهم الخاص، ويشيرون بهذا الصدد إلى الإبداع الخلاق أو المدمر، كما كان الحال مع النازيين واليهود خلال المحرقة. وفي حين أن هذا قد يكون صحيحا من حيث النقاش السياسي فإنه لا يزال غير قادر على ان يرفض أن هذا جزء من الطبيعة البشرية.

 


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الثاني من أربع مقالات، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية. نُشرت المقالة الأولى مسبقًا، وستتبع بالجزئين الأخيرين.

ما هي المعرفة والمهارات التي تستحق التعلم؟ تشوميسكي يجيب

تشومسكي

نعوم تشومسكي (مواليد 1928) هو أستاذ لسانيات أمريكي، وفيلسوف وعالم بالإدراك والمنطق، ومؤرخ وناقد وناشط سياسي.

في مقالة نُشرت باسم “النظرية التعليمية لـ(نعوم تشوميسكي)”، من كتابة وتحليل كل من (سكوت بوفيتش)، (زاك كوليمور)، (تانيشا برامويل-جونز) و(إليزابيث ماساس)، وبترجمة حصرية لدى ساقية، تحدثوا عن المعارف والمهارات التي تستحق التعلم، وأهداف التعليم، بنظر (تشوميسكي). فكُتب في المقالة:

نظرية القيمة: ما هي المعرفة والمهارات التي تستحق التعلم؟ و ما هي أهداف التعليم؟

إن المعرفة توصف بأنها: “المهارات المكتسبة من قبل شخص ما من خلال الخبرة والتعليم والتطبيق العملي أو فهم الموضوع”. ما بالنسبة لقاموس أكسفورد فيحدد المعرفة بالتالي: “هي الوقائع، والمعلومات المكتسبة و الفهم النظري والعملي للموضوع”.

يرى (تشومسكي) ان المدارس تستخدم كأداة لنقل المعرفة؛ ولكن المشكلة هي ان المهارات والمعرفة التي تدرس غالبا ما تكون غير جديرة بالتعلم. إن الهدف من التعليم الحالي، وفقا لـ(تشومسكي)، هو إنتاج بشر يحملون قيم التكديس والجمع وحب السيطرة، ولكن بدلا من ذلك يجب ان يكون هدف التعليم إنتاج بشر لديهم الحرية في المشاركة والعمل ولكن تحت شروط عادلة.

فالتعليم الحالي يحمل نهجا آليا غير واعي، وهو في معظمه تدريب بلا معنى “استعدادا لامتحانات الاختيار من متعدد”. وتتجلى هذه الآلية غير المجدية في المناهج الدراسية التي تفرضها الولاية حيث تكون الاختبارات الموحدة ضرورية لقياس نمو الطلاب والنجاح التعليمي. ويرى (تشومسكي) أن “قيمة التعليم الحقيقية تكمن في تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلاب وتحفيزهم لاكتساب المعرفة المفيدة لهم والعمل بها”. ولكن بدلا من ذلك ،يكلف الطالب بالالتزام بمناهج الدولة المكتوبة حيث تكون الاختبارات القياسية ضرورية وقائمة على المنهج . وهكذا يتم دفع الطلاب عن غير قصد للتعلم من خلال حفظ الحقائق، وليس من خلال التفكير النقدي.

ويشير ايضا إلى نقطة في غاية الأهمية وهي ان المجتمع لا يزيد من جودة التعليم الا بما يكفي لمتطلبات السوق. ببساطة يتم تدريب الطلاب على أن يكونوا عمال مطاوعين وممتثلين. بهذه الطريقة يتم تحجيم عملية التعليم إلى “معلمين ذوي معرفة كافية لنقل المعلومات” فحسب ، بدلا من مساعدة الطلاب على التفكير بمستوى أعلى. وفي مقابلة مع (دونالدو ماسيدو)، وصف (تشومسكي) التعليم بعبارة: “إن ما يحدث في مدارسنا هو مستوى عميق من التلقين حيث يصبح المعلمين بمثابة عاملون يقومون بمهمة ما تم التعاقد معهم للقيام بها”. و تقوم المدارس بتدريس وفرض الطاعة بل تستخدم كنظام لفرض التحكم والإجبار. ويوضح (تشومسكي) أن الطفل المتعلم بتعريف المجتمع هو الذي تم ترويضه ليطيع السلطة والهيكل المجتمعي.

(تشومسكي) يشكو من أن الأطفال لا يتم تعليمهم ليتحدوا السائد ويفكروا بشكل مستقل ، ولكن يتم تدريسهم ليكرروا، يتبعوا الأوامر ويطيعوا. ويصف التعليم بأنه فترة مبكرة من الانظمة والتوجيه، مع منظومة من المعتقدات الكاذبة. واستنادا إلى هذه التحليلات، ينبغي أن تكون أهداف التعليم تشجيع وتنمية القدرة والطاقة والمدارك الطبيعية للطفل.


[المصدر]

ملاحظة: هذه المقالة هي الجزء الأول من أربع مقالات، ستُنشر تِباعًا، حول نظرية التعلم والتعليم عند (تشوميسكي)، بترجمة حصرية لدى ساقية.

منافع القراءة لدى رديارد كيبلنغ

روديارد كبلنغ (1865 – 1936)، كاتب وشاعر وقاص بريطاني ولد في الهند البريطانية. من أهم أعماله (كتاب الأدغال) 1894. وكما ألف العديد من القصص القصيرة. منها (الرجل الذي اصبح ملكا) 1888. حصل هذا الكاتب على جائزة نوبل في الأدب سنة 1907 وبذلك يكون هو أصغر حائز على الجائزة، وأول كاتب باللغة الإنجليزية يحصل عليها.

في كتاب (داخل المكتبة .. خارج العالم)، والذي قدّم فيه المترجم السعودي الشاب (راضي النماصي) عددًا من النصوص والمقالات، التي ترجمها إلى العربية، ينقل عن (روديارد) كلماته التالية:

هناك فكرةٌ – أو لنقل كانت هناك – تقول بأن القراءة بحد ذاتها عملٌ مقدس. شخصيًا لا أتفق معها تمامًا، لأني أرى وجود شخصٍ مولعٍ بالقراءة فقط دون سبب يثبت أحد أمرين: إما كسله، أو أنه مجهدٌ من كد المعيشة، ويود الراحة بصحبة كتابٍ ما. ربما يكون فضوليًّا ويود أن يتعرف على الحياة قبل خوض غمارها، ولذلك يندمج في أي كتاب تقع يداه عليه لكي يفهم ما يحيره أو يرعبه أو يثير اهتمامه.
من الصعب الآن أن أقول بأهمية الأدب لدى حياة الرجال و الأمم، ولكن الرجل الذي يريد اقتحام الحياة دون معرفة شيءٍ عن آداب بلاده و لا إحاطةٍ بالكتب الكلاسيكية و لا تقديرٍ لقيمة الكلمات مقعدٌ بقدر من يريد إجادة رياضة دون أن يعرف أساسياتها، فهو لا يعرف عظماءها و بالتالي لايجد طموحًا يريد الوصول إليه. لدي كتابٌ في البيت، ويحتوي على ملخصاتٍ مرقفةٍ بصورٍ حول جميع الآلات مستمرة الحركة خلال القرنين الماضيين. الغرض من تأليف هذا الكتاب هو توفير حلول المشاكل للمخترعين، وقد كتب المؤلف في المقدمة : “إن أحد أكبر أخطاء العقل هو الثقة بأن كل أخطاء تصاميم الآلات الميكانيكية – وخصوصًا الحوادث – قد حصلت للمرة الأولى. أكبر حماقات المخترع هي تجاهل المخططات السابقة بالإضافة إلى انعزاله عن الحياة” .
وهذا بالضبط هو حال من لايقرأ الأدب، فهو جاهلٌ بكل ما سبقته من خططٍ في هذه الحياة. أجدر بمثل ذلك الشخص ألا يضيع وقت وصبر أصدقائه – أو حتى يهدد سلامة مجتمعه – بالقيام بأمرٍ خطر في باله أو بال جاره، سبق و أن جُرب ووضع جانبًا قبل ذلك الوقت بألف سنة، والذي كان يمكن أن يطلع على رسومه و بياناته – إن شئنا التقريب- بمجرد أم كلّف على نفسه و قرأ.

ثم يتابع قائلًا:

أحد الأشياء التي يصعب إدراكها – خصوصًا من الشباب – هو أن أسلافنا قد علموا ببعض الأشياء حينما كانوا على قيد الحياة، وربما عرفوا أشياء في غاية الأهمية. والحق أقول بأني لن أتفاجأ فيما لو كان ما يهمهم في حياةٍ سالفةٍ هو ما يهمنا الآن. ما ينساه كل جيلٍ هو أن الكلمات التي تصف الأفكار تتغير على الدوام، بينما الأفكار ذاتها لا تتغير بنفس الوتيرة أو تتجدد.
وإذا لم نول اهتمامًا للكلمات مهما كانت، فربما نكون في مكان أولئك الذين يريدون اختراع محركٍ دون النظر في المخططات و المحاولات السابقة، ويتفاجأ بفشل محاولته.
إذا تجاهلنا الكتب الكلاسيكية للغاتنا و ركزنا على الكتب المعاصرة، سنصل إلى اعتقادٍ بأن العالم لا يتقدم إلا إذا أخذ بالتكرار. في كلا الحالتين سنتوه، وما يهم هو أن يتيه الآخرون وليس نحن. بالتالي، فإن الأفضل لنا أن نهتم بقراءة منجزنا الأدبي عبر كل العصور، وذلك لأن الشخص حين يقرأ لما كتبه الناس منذ زمنٍ سيفهم أن ما يُكتب الآن هو الأفضل .