أرشيف الوسم: المنطق

تأملات في “تاريخ راسلاس” لصموئيل جونسون

samuel johnson
ولد صاموئيل جونسون عام 1709 بمقاطعة ستافورد شاير، وهو ابن بائع فقير، بدأ بكسب عيشه عن طريق الكتابة للصحف، لحين اصداره للقاموس التاريخي الأول باللغة الإنجليزية الذى تسبب في شهرته، ارتاح من العوز بعد ان خصصت له الحكومة مرتبا سنويا، اعتبر اعظم شخصية ادبية في عصره في انجلترا خلال الفترة الأخيرة من حياته من اشهر اعماله: قصيدة (عبث الأمنيات الإنسانية)، مقالاته الدورية، روايته الأخلاقية  (راسلاس)، تحريره لمسرحيات (شكسبير)، سلسلته الطويلة (مقدمات حياتية ونقدية) أعمال الشعراء الإنجليز، توفي عام 1784 .

كتب هذه الرواية ردا على كتاب انتشر في زمنه، اسمه (بحث في طبيعة الشر واصله) لكاتب اسمه (سوم جنتز)، نشر لتقديم تفسير ديني لزلزال حدث في ذلك الوقت، وقتل ثلث سكان مدينة لشبونة، يستند كتاب سوم على نظرية الفيلسوف (ليبنتز)، القائلة أن هذا العالم خير العوالم الممكنة، وأن اساسه انسجام جميع عناصره، انسجاما يتمشى مع الحكمة الإلهية، وما نظنه شر لابد أن يكون خيرا في النهاية، واستند (جونسون) في رده على هذا الكتاب إلى مسيحية تقليدية، ترى الحياة بعد خروج آدم من الجنة مرحلة مليئة بالآلام التي يمكن تفسير بعضها وبعضها لا يفسر، وأنه لا أمل في الخلاص من هذا الشقاء، إلا بالفناء واتصال الروح بالملأ الأعلى، فكان رد (جونسون) ينطوي على الكثير من الشجاعة  ومواجهة الحقيقة، وحمل الناس على آلا يخدعوا انفسهم بأنفسهم.

وفي سنه 1759ماتت امه، وكان بحاجة للإنفاق على دفنها، فكتب هذه القصة الفلسفية، واسماها: (راسلاس: أمير الحبشة)، في سبع ليال، فكانت رد على نظرية التفاؤل لـ(ليبتنز) وسوم جنتز، واسم “راسيلاس” هو اسم بطل القصة، واستعاره المؤلف من كتاب اسمه رحلة إلى الحبشة للأب (لوبو).
يستهل المؤلف الرواية برسالة إلى القارئ – ربما إلى ذاته – يخبره مسبقا بالسبب الذى كًتبت من أجله: “الاعتبار”، فيقول:

أنتم يا من تنصتون إلى همسات الخيال بثقة عمياء، وتتشبثون بخدع الأمل تشبث الملهوف، يا من تتوقعون أن الشيخوخة ستحقق ما نعلقه على الشباب من آمال ووعود، وتظنون أن نقص اليوم سيكمله الغد، اعتبروا بحياة (راسلاس) امير الحبشة.

يقول أيضًا في روايته:

أنا خائف بان خيالك يطغى على مهارتك، وبأنك تعلمني الآن ما تتمناه، وليس ما تعرف.

ويقول أيضًا في فلسفة:

المتناقضان لا يمكن أن يكونا صحيحين معا، ولكن التناقض ينسب للبشر، ومن الممكن أن يكون صحيحا.

ويقول عن المعرفة:

المعرفة احد اساليب السعادة، الجهل حرمان مطلق، لا يولد أي شيء، إنه خواء للعقل، تجلس الروح فيه دونما حراك، إننا نستمع بالعلم دائما، ونتألم عندما ننسى!

وفي موضع آخر يقول:

لا تشغل بالك بآمال أو مخاوف أخرى، غير ما تؤيده الحكمة والعقل، فإنه إذا سرتك تنبؤات بالخير، فقد تسوءك وتفزعك علامات الشر، وتصبح حياتك كلها فريسة للخرافة.

ثم يقول أيضًا:

الإنسان الذى يركز على تفضيله لأشياء محددة دون غيرها، ويصر عليها بشكل قاطع، فإنه يجب أن يعيش ويموت وهو يستمر في البحث والعمل، لكن الحكماء يختارون لأنفسهم بالتأكيد، طريقة الحياة التي يعتقدون بأنها غالبا ما تجعلهم سعداء.

وفي موضع آخر، يقول:

تريث في ثقتك واعجابك  بمعلمي الأخلاق، فإنهم الملائكة حين يتكلمون، ولكنهم يعيشون كالبشر.

ويقول:

الأشياء الخارجية تتغير بشكل طبيعي أما الحقيقة والمنطق هما دائما نفسهما لا يتبدلان.

يقول (جونسون) أيضًا:

كل شكل من اشكال الحياة خير، لمن يعيش عيشة صالحة.

ويقول عن العزلة:

لقد عشت في عزلة مدة خمسة عشرة عاما، سررت بالتغيير المفاجيء. في البداية، وبعد أن ذهبت بهجة التجديد بدأت اشغل ساعاتي في تفحص النباتات، لقد اصبحت لبعض الوقت غير مستقلا ومشوش الذهن، لقد اضطرب عقلي بالشك، وبزخرفات الخيال، تشوش خيالي بمشاهد حمقاء، وبدأت أرثي لفقداني الكثير ولكسبي القليل جدا، لقد قررت أن اعود إلى العالم غدا، حياة العزلة للإنسان تكون تعيسة بالتاكيد ولكن ليست بالضرورة ورعة .

ثم يتحدث أيضًا عن السعادة قائلًا:

لا يوجد شيء اكثر عبثا من البحث وراء سعادة قد وضعتها الطبيعة بلطف في متناولنا، إن الطريق لأن تكون سعيدا هو في العيش طبعا للطبيعة، أن نعيش طبقا للطبيعة، هو أن نتصرف مع الأخذ بعين الإعتبار جيدا، التلاؤم الناتج عن علاقات ونوعيات الأسباب والمؤثرات، وبأن نتوافق مع الخطط الكبيرة والثابتة للسعادة الكونية، وبأن نتضافر مع الترتيبات والنزعة العامة لنظام الأشياء الحالي.

وتحدث أيضًا عن الأجيال والحكمة، فقال:

إن وجهات النظر للأبناء والأهل، للشباب والمسنين، متعارضة بشكل طبيعي بفعل التأثيرات المتعارضة للأمل واليأس، للتوقعات والخبرة، هذا التعارض يكون دون جريمة أو حماقة ترتكب من قبل أي من الطرفين؛ كيف لأحد الأطراف أن يستحسن ما يراه امامه غير حقيقي.

وفي حديث عن الأخطاء، يقول:

الذى لديه الكثير ليقوم بإنجازه لا بد له من ارتكاب الخطأ، وسوف يعاني من نتائج ذلك الخطأ، واذا كان من الممكن أن يتصرف دائما بشكل صحيح فإن الأشخاص السيئين سيعترضونه بمكرهم والجيدين بخطئهم.

وعن الشر وفلسفته، وعلاقة ذلك بالسعادة، يقول:

جميع النقاشات التي تدور عن الشرور الحتمية والضرورية، نقاشات غير مجديه، دعونا نتوقف عن النظر في الأشياء التي ربما لن تحدث، إن مهمتنا هي النظر فيما تستطيع مخلوقات مثلنا انجازه، أي كل واحد يجتهد من أجل تحقيق سعادته الخاصة عن طريق تنمية سعادة الآخرين ضمن دائرته، مهما كانت ضيقة.

وفي الاختلاف:

نختلف عن أنفسنا بالقدر الذى يختلف فيه بعضنا عن الآخر، عندما نرى فقط جزءا من سؤال ما، لكن عندما ندرك الكل فورا كما هي الحال في الإحصاءات الرقمية، فإن الجميع يوافق على حكم واحد ولا أحد يغير رأيه ابدا.

في الاختيار بين الخير الفردي، والخير المجتمعي، يقول:

الخير للكل هو خير للأجزاء،  فما هو الأفضل للبشرية يجب أن يكون الأفضل بالنسبة للأفراد ايضا.

ويقول:

الأشياء التي تتماثل أمامنا الآن بحاجة إلى انتباه شديد، وهي تستحق هذا.

لا شك أن رواية (حونسون)، تحمل في طياتها الكثير من الحكمة. من ذلك مقولته التالية:

لكي نعرف أي شيء يجب أن نعرف مؤثراته، لكي نرى البشر يجب أن نرى اعمالهم، لكي نحكم بشكل صحيح على الحاضر يجب أن نعكسه علىالماضي، لأن جميع الأحكام هي نسبية، الوضع الحالي للأشياء هو نتيجة لوضعها السابق، ومن الطبيعي أن نبحث أين تكمن منابع الخير الذى نستمتع به أو منابع الشرالذى نتألم منه.

أما الجهل، يقول عنه:

الجهل جريمة عندما يكون اراديا، من يرفض أن يعلم الآخرين كيف بالإمكان منع الشر فإنه سيتهم بأنه شرير.

وفي دراسة التاريخ، يقول:

لا يوجد جزء من التاريخ اكثر فائدة بشكل عام، من ذلك الذى يروي تقدم العقل البشري، والحركة التدريجية للعقل والتقدم المتلاحق للعلم، والاختلاف بين العلم والجهل .

ويقول في موضع آخر:

المثال دائما أشد تأثيرا من المبدأ، عندما تصطدم العين أو الخيال بعمل فذ، فالانتقال القادم للعقل النشيط، يكون في التفكير بالوسائل التي نفذ بها هذا العمل، وبهذا نوسع ادراكنا بأفكار جديدة، وربما نعيد بعض الفنون الضائعة للبشرية.

وفي الحياة الاجتماعية، والحب، يقول:

من ليس لديه شخص يحبه ويثق به لديه القليل ليأمل به.

ويقول أيضًا في المعرفة والتعليم:

الثروة تكون عديمة النفع إذا لم تمنح، المعرفة كذلك إذا لم تنقل للآخرين. لذا يجب أن ينقلا للآخرين، حب الخير هو الوحيد الذى من الممكن أن يمنح الراحة، التي نستطيع الاستمتاع بها دون شريك لنا، وبإمكاننا ممارسة الخير ونحن منعزلون.

ويقول في موضع آخر:

حالة العقل الذى يرهق بفاجعة مفاجئة، تشبه حالة عقل سكان أرض حديثة الخلق، الذين عندما يأتي الليل عليهم للمرة الأولى فإنهم يفترضون بأن النهار لن يعود ثانية.

وفي وصف العقول:

إن عقولنا كاجسامنا في تحول دائم، في كل ساعة يفقد شيء ما، ويطلب شيء ما، والمسافة لديها التأثير نفسه على العقل، كما هي على العين، فبينما ننزلق مع تيار الوقت، فكل ما نتركه خلفنا يتضائل تدريجيا، بينما يتزايد حجم الأشياء التي نقترب منها.

وعن السخرية، يقول:

ليس من الحكمة أو الإحسان أن نسخر من اعمق المشاعر الإنسانية القليلون من يمتلكون معرفة هذا الإنسان، والقليلون من يمارسون فضائله، لكن الجميع من الممكن أن يعاني من الشقاء الذى يعانيه هو.

وعن الخيال:

لا يوجد انسان لا يطغى خياله في بعض الأحيان على عقله، عقله الذى ينظم انتباهه كليا بإرادته، والذى يجعل افكاره تاتي وتذهب بأمره هو  لكن إذا كانت هذه المقدرة شيئا بإمكاننا التحكم به وكبحه، فإنها ستكون غير ظاهرة للاخرين، ولا تعتبر فسادا في القدرات العقلية، ولا يقال عنها بأنها جنون، إلا عندما تصبح غير متحكم بها وتؤثر على الكلام والتصرفات بشكل ظاهر، وتتعزز سيطرة الخيال بالتدريج، فتصبح في البداية ضرورة ملحة، ومن ثم تصبح تحكمية، بعدها يعمل الخيال على أنه وقائع، وتتثبت الأفكار الزائفة في العقل، وتمضي الحياة في احلام الذهول والحسرة، هذه هي تأثيرات الأشياء المتخيلة، عندما نصوغها في البداية نعرف جيدا بأنها غير حقيقية، ولكننا نتآلف معها بالتدريج، ومع الوقت لا نتمكن من رؤية عيوبها.

وفي الخديعة:

خيانة ضد جمهورية الإنسانية العظيمة استعمال فضائل أي انسان كوسيلة لخداعه، سواء كان ذلك لأسباب كبيرة أم صغيرة، جميع انواع الغش تضعف الثقة وتفترمن همة السعي وراء الخير، وربما يوقف عدم الثقة الذى يتولد صوت النصيحة، عند ذلك اين سنجد القدرة على اعادة احسانه إلى البشرية أو اعادة هدوء البال إلى نفسه.

ويقول في قطعة، تعكس الحكمة التي كُتبت بها الرواية:

إن الإنسان الذى يتخذ قرارات ضد اشياء يعرفها، بسبب احتمال وجود بعض الأشياء التي لا يعرفها، ذلك الإنسان الذى يضع احتمالا افتراضيا ضد عقيدة راسخة، لا يجب بأن نعترف به بين الكائنات العاقلة، إذا نقضت الأشياء المعروفة بالنسبة إلينا، من قبل اشياء لا نعرفها، فإنه لن يكون هناك أي كائن بشري بإمكانه الوصول إلى اليقين، إلا العالم بكل شيء. 

ونختم بهذه المقولة من الرواية:

إن هؤلاء الذين يستلقون امامنا هنا ( الموتى )، وهم حكماء وأقوياء الأزمنة القديمة، ينبهوننا لكي نتذكر قصر الحياة التي نعيش، ولربما اختطفهم الموت بينما هم مشغولون مثلنا نحن في خيار الحياة.

فرانسيس بيكون ومقالته حول الأوهام

36798فرانسيس بيكون (1561 – 1626) فيلسوف ورجل دولة وكاتب إنجليزي شهير، معروف بقيادته للثورة العلمية عن طريق فلسفته الجديدة القائمة على الملاحظة والتجريب. من الرواد الذين انتبهوا إلى غياب جدوى المنطق الأرسطي الذي يعتمد على القياس. في كتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) للفيلسوف الأمريكي (ويلم كلي رايت)، قام الأخير بتلخيص أفكار (بيكون) حول الأوهام، يقول بداية وعن الفلسفة التجريبية:

لقد اعتقد (بيكون) – بوصفه فيلسوفًا تجريبيًا – أن المعرفة البشرية تبدأ بالتجربة الحسية، ويمكن أن تتسع عن طريق ملاحظات وتجارب دقيقة. ومن هنا لابد أن تبدأ الاستدلالات ببطء وبعناية ؛ فلا ينبغي أن نقفز فجأة من وقائع قليلة إلى تعميم سريع. ولا ينبغي أن نترك شيئًا دون أن نضعه في الاعتبار.

يستكمل حديثه بعد ذلك قائلًا  عن علاقة (بيكون) بالتراث الفلسفي:

لقد رأى (بيكون) أن الفلسفة لابد أن تُبنى على أسس صلبة، مثل الأسس التي يمكن للعلم الطبيعي وحده أن يقدمها، ورأى أن المنطق يحدد الطريق الذي يستطيع العلماء أن يصلوا بواسطته إلى اكتشافات، ويمدوا الفلسفة بمادة التأويل والتفسير.

ولما كان (بيكون) قد ظهر في في هذا العصر، فقد اهتم ببيان أخطاء الماضي، وأصرَّ على أنه يجب البدء من جديد بطريقة جديدة تمامًا. وكما سيحدث باستمرار في حالة الرجال الذين يفعلون ذلك، كان أحيانًا حادًا للغاية في الحكم على السابقين، أي في الحكم على الفلاسفة القدماء وفلاسفة العصور الوسطى. مع أنه في حالات أخرى أبقى بصورة لاشعورية على كثير جدًا من وجهات نظر مضت كان قد رفضها ونبذها.

وقد قام (بيكون) بتقسيم الأوهام التي تسيطر على عقول البشر، وتمنع تقدمهم إلى أربعة أنواع، قام (ويليم رايت) بتلخيصها كالتالي:

أول هذه الأوهام هي أوهام القبيلة، التي يشترك فيها الجنس البشري كله، وتلازم طبيعة البشر الخالصة. ومن هذه الأوهام الميل إلى افتراض وجود نظام واطراد في العالم أكثر مما هو موجود بالفعل، ولذلك اعتقد العلماء أن الأجرام السماوية تتحرك في دوائر كاملة، وأن نسبة كثافة ما يسمى بالعناصر تساوي عشرة إلى واحد. ومن هذه الأوهام أيضًا إذا تبنينا رأيًا ما، فإننا قد لا ننتبه إلا إلى الدليل المؤيد له، ونهمل الدليل المناقض له. وذلك يفسر اعتقاد الإنسان في الطالع، والأحلام، والتنجيم، وخرافات أخرى. […] إن “الذهن البشري ليس موضوعيًا غير متحيز” بل “تخيم عليه” سحب الانفعالات والرغبات، حتى إن الناس لديهم استعداد لأن يعتقدوا فيما يرغبونه، ولذلك يستعجلون ولا يتأنون في البحث، ويندمون بالتالي على وقائع حقيقية توجد وراء آمالهم، ويأسفون عندما يناقض نور التجربة كبرياءهم وغرورهم. ويعوق الذهن البشري، علاوة على ذلك “بلادة الحواس، وعجزها، وخداعها“، حتى أن ما يمكن رؤيته مباشرة يفوق المبادئ غير المرئية التي تستنبط من استدلال قائم على التجارب.

أما عن النوع الثاني من الأوهام، فيقول:

وثاني هذه الأوهام، أوهام الكهف، وهي خاصة بكل إنسان فرد. وهي لأن كلًا منا يعيش في كهف صغير، أو يعيش في مغارته الخاصة، وله طريقته الخاصة في التفكير، ترجع إلى الوراثة، والتربية، والعادات، والظروف. ولذلك يغالي بعض الناس عادة في التشابهات بين الأشياء، بينما يغالي بعضهم في الاختلافات بينها، ويحب بعضهم القديم بإفراط ويحترمون السابقين، في حين أن بعضهم أسرى لما هو جديد من كل نوع.

ويستكمل حديثه حول النوع الثالث من الأوهام:

وثالث هذه الأوهام، وهي أكثر الأوهام إثارة للمشكلات، وهي أوهام السوق، حيث يتقابل الناس معًا، ويتفاهمون عن طريق اللغة. ولأن الكلمات يكون أصلها في عقل الإنسان العادي، فكثير ما لا تكون مناسبة لبحث علمي دقيق، فتكون النتيجة أن الناس يتجادلون حول كلمات يعجزون عن تعريفها بطريقة مناسبة. فبعض الكلمات الموروثة من آراء غامضة من الماضي، ويمكن تجنبها عن طريق رفض النظريات التي أدت إليها، مثل الحظ، والمحرك الأول، وعنصر النار.

أما النوع الأخير من الأوهام، فيقول عنه:

وآخر هذه الأوهام، أوهام المسرح، تلك “التي تتسرب إلى عقول الناس من معتقدات الفلسفات المختلفة، ومن قوانينها البرهان الخاطئ أيضًا“. فجميع المذاهب التي وصلت إلى عصر (بيكون) لم تكن في رأيه سوى “مسرح كبير جدًا يمثل عوالم من خلق (أناس) على غرار نموذج غير واقعي وخيالي“. وتحت هذا النوع من الأوهام يدين (أرسطو)، من حيث أنه ممثل للفلاسفة العقليين؛ لأنه حاول أن يضع العالم في مقولات من اختراعه الخاص دون أن يرجع أولًا إلى الطبيعة ويلاحظ الوقائع الفعلية، بل حدد من البداية بنتائجه، ثم عاد بعد ذلك إلى التجارب ليؤكد ما قرر مسبقًا. وهناك ما هو أشد سوءًا فيما يقول (بيكون) وهو أنه حتى الفلاسفة التجريبيين السابقين عليه كان ينقصهم منهجه، إذ كانوا يقومون بعملية التعميم من تجارب ضئيلة جدًا، تاركين خيالهم يجمح.

يقول (ويليم كيلي رايت) معقبًا على هذا التقسيم للأوهام:

وعندما نراجع الأنماط الأربعة من الأوهام عند (بيكون)، ندرك أنه بيّن بحق مصادر أربعة مختلفة للخطأ لابد من تجنبها في تفكيرنا. مع ذلك نجزع في البداية عندما نفكر في أن تلك الأوهام هي أيضًا المصادر الرئيسية لمعرفتنا. فنحن لا نستطيع أن نلاحظ إلا عندما نستخدم المصادر الذهنية المشتركة للبشرية، أو باستفادتنا من أي مواهب استثنائية قد نكون محظوظين بدرجة كافية بامتلاكها كأفراد. إننا لا نستطيع أن نستدل، إلا في المجالات المجردة الخالصة للرياضيات والمنطق الرمزي، بدون استعمال الكلمات، وإذا أراد الفيلسوف أن يفهمه الناس، يجب عليه استخدام الكلمات في صورتها الشائعة، ولا يخترع رطانة أعجمية خاصة به. ولا يستطيع إنسان حديث أن يرفض تمامًا كل ما أنجزته الفلسفة في الماضي وأن يحاول أن يبدأ بداية جديدة تمامًا، كما فعل (طاليس) في العصور القديمة في الفلسفة الطبيعية، وكما فعل (سقراط) في الفلسفة الاجتماعية. إننا مضطرون إلى أن نلفت النظر إلى المصادر الأربعة كلها – التي عندما يُساء استخدامها – تسبب الأوهام.

التجربة أم الفلسفة ؟ منهج جون ستيوارت ميل والمنطق

 

John_Stuart_Millإذا أردت أن تختبر فرضية ما، فهل تلجأ للتجربة المباشرة أم تجلس في غرفتك وتحاول أن تختبرها بمجرد التفكير ؟ هذا التفريق بين المنهج التجريبي والمنهج الفلسفي العقلاني مسألة احتدم الجدل واللغط حولها كثيراً. وحاول بعضهم أن يستغني بأحد المنهجين عن الآخر تطرفاً ، لكننا نضع بعض النقاط التي توضح العلاقة المنطقية بين المنهجين كما أوضحها بطريقة مبتكرة وبسيطة ، الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه “أصوله البحث” حينما تعرض لمنهج جون ستيورات مِل التجريبي.

يقوم منهج (جون ستيوارت مِل) على الإستقراء عن طريق الملاحظة والتجربة .

ومجاله : المعرفة التي مصدرها الحس. أما خطواته فكالتالي :

١- تحديد المشكلة / موضوع البحث .
٢- صياغة الفرضية ، و هي مقولة مؤقتة عن صلة بين حادثتين أو أكثر ، أو متحولَين ِ أو أكثر.
٣- إجراء الملاحظة أو التجربة.
٤- النتيجة.

و القوانين التي وضعها مِل لضبط عمليات البحث التجريبي لتؤدي إلى نتائج سليمة ومعرفة علمية صحيحة ، هي – كما جاءت في موسوعة الفلسفة ٢/٤٧٠ الطبعة ١٩٨٤ م :

١- منهج الإتفاق Method of agreement :

ومُفادُهُ : أن ننظر في مجموع الأحوال المولِّدة لظاهرةٍ ما نريد دراسة أسبابها، فإذا وجدنا أن هناك عاملاً  واحداً يظلُّ موجوداً باستمرار على الرغم من تغير بقية العناصر أو المقوِّمات ، فيجب أن نُعدَّ هذا الشيء الثابتَ الواحدَ هو علة حدوث هذه الظاهرة .

٢- منهج الإفتراق Method of difference :

ولكي نتأكد من صحة الإستنتاج وفقاً للمنهج السابق – منهج الإتفاق – لا بُدَّ أن نأتي بمنهج مضاد في الصورة ، لكنه مؤيد في النتيجة ، فنجري ما يُسمى بالبرهان العكسي .

ويقول : إذا اتفقت مجموعتان من الأحداث من جميع الوجوه إلا وجهاً واحداً ، فتغيَّرت النتيجة من مجرد اختلال هذا الوجه الواجد فإن ثمةَ صلة علية بين هذا الوجه وبين الظاهرةِ الناتجة .

٣- منهج المتغيرات المُساوقة Method of concomitant variations ويُمكن أن يُسمى أيضا باسم ( منهج المتغيرات المتضايفة ) أو ( التغيرات المساوقة النسبية ) :

يقول هذا المنهج : إننا لو أتينا بسلسلتين من الظاهر فيها مقدمات ونتائج ، وكان التغير في المقدمات في كلتا السلسلتين من الظاهر ينتج تغيراً في النائج في كلتا السلسلتين كذلك ، وبنسبةٍ معينة ، فلا بُدَّ أن تكون ثمة صلة عليِّة بين المقدمات وبين النتائج .

٤- المنهج المشترك ( للإتفاق والإفتراق ) The joint method of agreement and difference :

ويصوغه ( مِل) هكذا : إذا كان شاهدان أو أكثر من الشواهد التي تتجلى فيها الظاهرة تشترك في ظرفٍ  واحدٍ ، بينما شاهدان أو أكثر من الشواهد التي لا تتجلى فيها الظاهرة ليس فيها شيءٌ مشترك غير الخلو من هذا الظرف ، فإن هذا الظرف الذي فيه وحده تختلف مجموعتا الشواهد هو المعلول أو العلة أو جزء لا غنى عنه من الظاهرة .

٥- منهج البواقي Method of residues :

وهو منهج للتكهن بالعلة استنتاجاً من فحص موقف يحتوي على ظاهرة واحدة بقي علينا أن نفسرها .
وهذا المنهج يتضمن تطبيقاً لمبدأ الإفتراق ابتداءً من المعلول لنكشف العلة .

ونستخلص من هذه المناهج :

١- أن ستيوارت مِل اعتمد في وضع قوانينه الخمسة المذكورة على ( مبدأ العليِّة / السببية ) و ( مبدأ الإطراد في الحوادث ) .
٢- يريد بمنهج الإتفاق : التلازم في الوجود بين العلة والمعلول ، بمعنى أنه إذا وجدت العلة وجد المعلول .
٣- يريد بمنهج الإفتراق : التلازم في العدم بين العلة والمعلول ، بمعنى أنه إذا عُدمت العلة عُدم المعلول . وبتعبير آخر : إذا لم توجد العلة لم يُوجد المعلول .
٤- يريد بالمنهج المشترك : أنّ العلة إذا وجدت وجد المعلول ، وإذا عدمت عُدم المعلول .
٥- يريد منهج التغيرات المتساوقة : أن أي تغير يحدث في العلة لا بُدَّ أن يحدث في المعلول .
٦- يريد بمنهج البواقي : أن علةَ الشيء لا تكون علة – في الوقت نفسه – علة لشيء آخر مختلف عنه .

ونلاحظ أن ما خلص إليه وهو أن الزبدة المرادة من المنهج التجريبي هي قوانين منطقية / ميتافيزيقية أصلاً.. فهل هناك فرق فعلي بين المنهج التجريبي والمنهج الفلسفي ؟ أم أن خلف المنهج التجريبي فلسفة لم نحدد ملامحها فحسب ؟

للاستزادة حول أصول المنطق والمنهج من د. عبد الهادي الفضلي: كتاب أصول البحث / كتاب مذكرة المنطق